النص المفهرس
صفحات 701-720
٧٠١
باب ٦٧
كتاب الوضوء
٦٧ - باب ما يقعُ من التَّجاسات في السَّمْن والماء
وقال الزُّهْريُّ: لا بأسَ بالماءِ ما لم يُغيِّره طَعْمٌ أو رِيحٌ أو لَوْنٌ.
وقال حَمّادٌ: لا بأسَ بِرِيشِ المَيْتة.
وقال الزُّهْريُّ في عِظام الموتَى نحوَ الفِيلِ وغيرِه: أدرَكْتُ ناساً من سَلَفِ العلماءِ يَمْتَشِطُونَ
بها ويَدَّهِنُونَ فيها لا يَرَوْنَ به بأساً.
وقال ابنُ سِيرِينَ وإبراهيمُ: ولا بأسَ بتجارةِ العاجِ.
قوله: ((باب ما يقعُ من النَّجاساتِ فِي السَّمْن والماءِ)) أي: هل يُنجِّسُهما أم لا، أو لا
يَنجُسُ الماءُ إلَّا إذا تغيَّر دون غيره؟ وهذا الذي يظهرُ من مجموع ما أورده المصنِّفُ في
الباب من أثر وحديث.
قوله: ((وقال الزُّهْرِيُّ) وَصَلَه ابنُ وَهْبٍ في ((جامعِه)) عن يونسَ عنه، وروى البيهقي
معناه (١/ ٢٥٩) من طريق أبي عَمْرو، وهو الأوزاعي، عن الزُّهْري.
قوله: ((لا بأسَ بالماءِ)) أي: لا حَرَجَ في استعماله في كلِّ حالة فهو محكومٌ بطهارته ((ما لم
يُغيِّرْه طَعْم)) أي: من شيءٍ نَجِسٍ ((أو ريحٌ)) منه ((أو لَوْن))، ولفظ يونسَ عنه: كل ما فيه قوّة
عَمَّا يصيبُهُ من الأذى حتَّى لا يُغيِّرَ ذلك طَعْمَه ولا ريحَه ولا لَوْنه فهو طاهر. ومُقتَضى هذا
أنَّه لا يُفرَّقُ بين القليل والكثيرِ إلَّا بالقوّة المانعة للمُلاقي أنْ يُغيِّرَ أحد أوصافه، فالعِبْرة
عندَه بالتغيُّر وعدمه، ومذهب الزُّهْري هذا صارَ إليه طوائف من العلماء، وقد تعقَّبه أبو
عُبيدٍ في كتاب ((الطَّهور)) بأنَّه يلزمُ منه أنَّ مَن بالَ في إبريق ولم يُغيِّرْ للماءِ وصفاً، أنَّه يجوزُ له
التطهُّر به، وهو مُستبشَعٌ، ولهذا نَصَرَ قولَ التفريقِ بالقُلَّتَينِ(١)، وإنَّما لم يُخُرِّجْه البخاري
لاختلافٍ وَقَعَ في إسناده، لكنَّ رواته ثقات، وصَحَّحَه جماعةٌ من الأئمّة، إلَّا أنَّ مِقْدَارَ
القُلَّتَيْنِ لم يُتَّفَقْ عليه، واعتَبَرَه الشافعي بخمسِ قِرِبٍ من قِرِبِ الحِجاز احتياطاً، وخَصَّصَ
به حديث ابن عبّاس مرفوعاً: ((الماء لا يُنجِّسُه شيء)»، وهو حديثٌ صحيحٌ رواه الأربعة
(١) حديث القُلَّتين أخرجه أحمد (٤٦٠٥) من حديث ابن عمر، وانظر تتمة تخريجه هناك.
٧٠٢
باب ٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
وابن خُزَيمة وغيرُهم (١)، وسيأتي مزيد للقول في هذا في الباب الذي بعده.
وقولُ الزّهْرِيِّ هذا وَرَدَ فيه حديثٌ مرفوعٌ قال الشافعي: لا يُثْبِتُ أهلُ الحديث مثله،
لكن لا أعلمُ في المسألة خلافاً؛ يعني: في تنجيسِ الماء إذا تغيَّر أحد أوصافه بالنجاسة،
والحديث المُشار إليه أخرجه ابن ماجَهْ (٥٢١) من حديث أبي أمامةَ، وإسناده ضعيف،
وفيه اضطرابٌ أيضاً.
قوله: «وقال حمّاد» هو / ابن أبي سليمان الفقيه الكوفي.
٣٤٣/١
قوله: ((لا بأسَ بريش المَيْتة)) أي: ليس نَجِساً، ولا يَنجُسُ الماءُ بمُلاقاته، سواء كان
ريش مأكول أو غيره، وأثره هذا وَصَلَه عبد الرزاق (٢٠٦) عن مَعمَر عنه.
قوله: ((وقال الزّهْريُّ في عِظام الموتَى نحوَ الفيلِ وغيره)) أي: ممّا لا يُؤْكَلُ ((أدرَكْتُ ناسا))
أي: کثیراً، والتنوين للتكثير.
قوله: ((ويَدَّهِنُونَ)) بتشديد الدّال من باب الافْتِعال، ويجوزُ ضَمُّ أوَّله وإسكانُ الدّال،
وهذا يدلُّ على أنَّهم كانوا يقولون بطهارته، وسنذكر الخلافَ فيه قريباً.
قوله: ((وقال ابن سيرينَ وإبراهيمُ)) لم يذكر السَّرَخْسي إبراهيمَ في روايته ولا أكثرُ الرُّواة
عن الفِرَبْري.
وأثر ابن سيرين وَصَلَه عبد الرزاق (٢١١) بلفظ: ((أنَّه كان لا يرى بالتِّجارة في العاج
بأساً) وهذا يدلُّ على أنَّه كان يراه طاهراً، لأنَّه كان لا يُحِيزُ بيع النَّجِس ولا المتنجِّس الذي
لا يُمكِنُ تطهيرُه، بدليل قِصَّته المشهورة في الَّيْت(٢). والعاجُ: هو نابُ الفيل، قال ابن
(١) أخرجه أحمد (٢١٠٠) من حديث ابن عباس، و(١١١١٩) من حديث أبي سعيد الخدري، وانظر تتمة
تخريجه عندهما.
(٢) روى الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) ٣٣٥/٥ بسنده إلى المدائني قال: كان سبب حبس ابن سيرين
في الدَّين: أنه اشترى زيتاً بأربعين ألف د« هم، فوجد في زِقٌّ منه فأرة، فقال: الفأرة كانت في المعصرة،
فصبّ الزيت كلَّه، وكان يقول: عيَّرتُ رجلاً بشيء منذ ثلاثين سنة أحسني ◌ُوقِبتُ به. وكانوا يرون أنه
عیّر رجلاً بالفقر فابتُلي به.
٧٠٣
باب ٦٧ / ح ٢٣٥
كتاب الوضوء
سِيدَهْ: لا يُسمَّى غيرُه عاجاً، وقال القَزّاز: أنكَرَ الخليل أنْ يُسمَّى غير ناب الفيل عاجاً،
وقال ابن فارس والجَوْهري: العاجُ عَظْم الفيلِ، فلم يُخْصِّصاه بالناب، وقال الخطّابِي تَبَعاً
لابن قُتَيبة: العاجُ: الذَّبْل وهو ظَهْرُ السُّلَحْفاءِ البحريّة، وفيه نظرٌ، ففي (الصِّحاح)):
المَسَكُ: السِّوار من عاج أو ذَبْلِ، فغايَرَ بينهما، لكن قال القالي: العربُ تُسَمّي كلَّ عَظْم
عاجاً.
فإنْ ثبت هذا فلا حُجّةَ في الأثرِ المذكورِ على طهارة عَظْم الفيل، لكنَّ إيراد البخاري له
عَقِبَ أثر الزُّهْري في عَظْم الفيلِ، يدلُّ على اعتبار ما قال الخليل.
وقد اختلفوا في عَظْم الفيلِ بناءً على أنَّ العَظْمَ هل تَخُلُّه الحياةُ أم لا، فذهب إلى الأوَّل
الشافعي، واستدلَّ له بقوله تعالى: ﴿قَالَ مَن يُخِي الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيٌ ﴿ قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ
أَشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]، فهذا ظاهر في أنَّ العَظْمَ تَخُلَّه الحياةُ، وذهب إلى الثاني
أبو حنيفة وقال بطهارة العِظام مُطلَقاً، وقال مالك: هو طاهر إنْ ذُّيَ، بناءً على قوله: إنَّ
غيرَ المأكولِ يَطهُرُ بالتَّذْكية، وهو قولُ أبي حنيفة.
٢٣٥ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابن شِهابٍ، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله بن
عُتْبَةَ بن مسعودٍ، عن ابن عبّاس، عن ميمونَة: أنَّ رسولَ الله ◌َِّ سُئِلَ عن فَأْرةٍ سَقَطتْ في
سَمْنٍ، فقال: ((ألْقُوها وما حَوْلها فاطْرَحُوه، وكُلُوا سَمْنَكُمْ)).
[أطرافه في: ٢٣٦، ٥٥٣٨، ٥٥٣٩، ٥٥٤٠]
قوله: ((حدَّثنا إسماعيلُ)) هو ابن أبي أُوَيس.
قوله: ((عن ميمونَةَ)) هي بنت الحارث خالة ابن عبّاس.
قوله: ((سُئِلَ عن فأْرَةٍ) بهمزةٍ ساكنةٍ، والسائل عن ذلك هي ميمونة. ووَقَعَ في رواية
يحيى القَطَّان وجُوَيريةَ عن مالكٍ في هذا الحديث: ((أنَّ ميمونة استَفْتَت))(١) رواه الدَّارَ قُطني
وغيره.
(١) وهو كذلك في رواية محمد بن مصعب عن الأوزاعي عن الزهري عند أحمد (٢٦٨٠٣).
٧٠٤
باب ٦٧ / ح ٢٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((سقطت في سَمْنٍ)) زاد النَّسائي (٤٢٥٩) من رواية عبد الرحمن بن مَهْدي عن
مالكِ: ((فِي سَمْنٍ جامدٍ))، وزاد المصنِّف في الذَّبائح (٥٥٣٨) من رواية ابن عُيَينةَ عن ابن
شهاب: (فماتت)).
قوله: ((وما حَوْلهَا)) أي: من السَّمْن.
٢٣٦ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا مَعْنٌ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابن شهاب، عن
عُبيد الله بنِ عبدِ الله بنِ عُثْبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابن عبّاس، عن ميمونةَ: أنَّ النبيَّ ◌َّسُئِلَ عن
فأرةٍ سقطت في سَمْن، فقال: ((خُذُوها وما حَوْلها فاطْرَحُوه)».
قال معنٌّ: حدَّثنا مالكٌ ما لا أُخْصِيه يقول: عن ابن عبّاس، عن ميمونةَ.
قوله: ((حدَّثنا معن)) هو ابن عيسى القزاز.
قوله: ((خُذُوها وما حَوْلها فاطْرَحُوه)) أي: الجميعَ وكُلوا الباقيَ كما / دلَّتْ عليه الروايةُ
الأولى.
٣٤٤/١
قوله: ((قال مَعْن)) هو قولُ علي بن عبد الله، فهو مُتَّصِل، وأبعَدَ مَن قال: إنَّه مُعلَّق، وإنَّما
أورد البخاري كلام معن وساق حديثه بنزول بالنِّسْبة للإسناد الذي قبلَه، مع موافقتِه له
في السِّياقِ، للإشارة إلى الاختلاف على مالكِ في إسناده، فرواه أصحاب ((الموطَّأ)) عنه
واختلفوا، فمنهم مَن ذكره عنه هكذا كيحيى بن يحيى (٢/ ٩٧١ - ٩٧٢) وغيره، ومنهم مَن لم
يذكر فيه ميمونة كالقَعْنبيِّ وغيره، ومنهم مَن لم يذكر فيه ابن عبّاس كأشهَبَ وغيره، ومنهم
مَن لم يذكر فيه ابن عبَّاس ولا ميمونةً كيحيى بن بُكَيرٍ وأبي مُصعَب، ولم يذكر أحد منهم
لفظة: ((جامد)) إلَّا عبد الرحمن بن مَهْدي(١)، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي في «مسنده»
(٢٨٣٩) عن سفيان بن عُيَينةَ عن ابن شِهابٍ(٢)، ورواه الحُميدي (٣١٢) والحُفَّاظ من
(١) عند النسائي (٤٢٥٩).
(٢) لكن من حديث ابن عباس دون ميمونة. وفات الحافظ رحمه الله أن يشير إلى رواية الأوزاعي عند أحمد
(٢٦٨٠٣)، ففيها أيضاً: ((سمن جامد)».
٧٠٥
باب ٦٧ / ح ٢٣٦
كتاب الوضوء
أصحاب ابن عُيَينَةَ بدونها، وجَوَّدوا إسناده فذكروا فيه ابن عبّاس وميمونة وهو الصحيحُ،
ورواه عبد الرزاق (٢٧٩) عن معمر عن ابن شهاب مُوَّداً، وله فیه (٢٧٨) عن ابن شهاب
إسناد آخر عن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة ولفظه: سُئِلَ رسولُ اللهِ وَّهِ عن الفَأْرة تقعُ
في السَّمْنِ قال: ((إذا كان جامداً فألْقوها وما حَوْلهَا، وإنْ كان مائعاً فلا تَقْربوه))(١)، وحكى
التِّمِذيُّ (١٧٩٨) عن البخاريِّ أنَّه قال في رواية مَعمَر هذه: هي خطأ. وقال ابن أبي حاتم
عن أبيه: إنَّهَا وَهْمٌ. وأشار التِّرمِذي إلى أنَّها شاذَّة.
وقال الذُّهْلي في ((الزُّهْريّات)): الطريقان عندَنا محفوظان، لكنَّ طريق ابن عبّاس عن
ميمونة أشهر، والله أعلم.
وقد استشكل ابن التِّينِ إيراد البخاري كلام مَعْن هذا مع كَوْنِهِ غيرَ مخالفٍ لرواية
إسماعيلَ. وأُجيبَ بأنَّ مراده: أنَّ إسماعيلَ لم يَنفِرِدْ بتجويد إسناده. وظهر لي وجه آخر:
وهو أنَّ رواية معن المذكورة وَقَعَتْ خارج ((الموطَّأ)» هكذا وقد رواها في ((الموطَّأ)» فلم يذكر
ابن عبّاس ولا ميمونةَ، كذا أخرجه الإسماعيلي وغيره من طريقه، فأشار المصنّف إلى أنَّ
هذا الاختلافَ لا يَضُرُّ، لأنَّ مالكاً كان يَصِلُه تارةً ويُرسِلُه تارة، ورواية الوَصْل عنه مُقدَّمة
إذ قد سمعها منه معن بن عيسى مِراراً، وتابعَه غيره من الحُفَّاظ، والله أعلم.
فائدة: أخذ الجمهورُ بحديث مَعمَر الدّالِّ على التفرقة بين الجامدِ والذّائب، ونقل ابن
عبد البَرِّ الاتّفاقَ على أنَّ الجامدَ إذا وَقَعَتْ فيه مَيْتَة، طُرِحَتْ وما حَوْلها منه إذا تُحُقِّقَ أنَّ
شيئاً من أجزائها لم يَصِلْ إلى غير ذلك منه.
وأمَّا المائع فاختلفوا فيه، فذهب الجمهورُ إلى أنَّه يَنجُسُ كلّه بمُلاقاة النجاسة، وخالف
فريق منهم: الزّهْري والأوزاعي، وسيأتي إيضاح ذلك في كتاب الذَّبائح (٥٥٣٨)، وكذلك
مسألة الانتفاع بالدُّهْنِ النَّجِسِ أو المتنجِّسِ إن شاء الله تعالى.
قال ابن المنيِِّ: مُناسَبةُ حديث السَّمْن للآثار التي قبلَه، اختيارُ المصنِّف أنَّ المُعتبَرَ في
(١) وأخرجه أحمد أيضاً (٧١٧٧) عن محمد بن جعفر عن معمر، من حديث أبي هريرة.
٧٠٦
باب ٦٧ / ح ٢٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
التنجيسِ تغيُّر الصِّفات، فلمَّا كان ريش المَيْتة لا يتغيَّرُ بتغيُّرها بالموت، وكذا عَظْمها،
فكذلك السَّمن البعيد عن مَوقِعِ المَيْتة إذا لم يتغيّر، واقتضى ذلك أنَّ الماءَ إذا لاقَتْه
النجاسة ولم يتغيَّرْ أنَّه لا يتنجَّسُ.
٢٣٧- حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا مَعمَرٌ، عن هَّام بنِ مُنِّهِ،
عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ◌َِّ قال: ((كلَّ كَلْمٍ يُكْلَمُه المُسلِمُ في سَبيلِ الله، تكونُ يومَ القِيامةِ
كَهَيْثَتِها إِذْ طُعِنَتْ تَفَجَّرُ دَماً، اللونُ لَوْنُ الذَّم، والعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ)).
[طرفاه في: ٥٥٣٣،٢٨٠٣]
قوله: ((حدَّثنا أحمد بن محمَّد)) أي: ابن موسى (١) المَرْوَزي المعروفُ بمَرْدويه،
وعبد الله: هو ابن المبارك.
قوله: ((كل كَلْمٍ)) بفتح الكاف وإسكان اللام ((يُكْلَمُه)) بضمِّ أوَّله وإسكان الكاف وفتح
اللام، أي: كلَّ جُرْحٍ مُجرَحُه.
٣٤٥/١
قوله: ((في سَبيلِ الله)) قَيْدٌ يُخْرِجُ ما يصيبُ المسلمَ من الجِراحات في غير سبيل الله، وزاد
في الجهاد (٢٨٠٣) من طريق الأعرج عن أبي هريرة: ((والله أعلمُ بمَن يُكلَمُ في سبيلِه)) وفيه
إشارةٌ إلى أنَّ ذلك إنَّما يَحَصُلُ لمن خَلُصَتْ نِيَّتُه.
قوله: ((تكونُ كَهَيْئَتِها)) أعاد الضمير مؤنَّئاً لإرادة الجِراحة، ويوضحُه رواية القابسي عن
أبي زيد المَرْوَزي عن الفِرَبْري: «كل كَلْمٍ يُكلَمُها)» وكذا هو في رواية ابن عساكر.
قوله: (تَفجّرُ)) بفتح الجيم المشدَّدة وحذف التاءِ الأولى إذْ أصلُه: تَتفجّرُ.
قوله: ((والعَرْفُ)) بفتح المهمَلة وسكون الراء: الرّيح. والحِكمة في كَوْن الدَّم يأتي يومَ
القيامة على هَيْئَتِهِ أنَّه يَشهَدُ لصاحبه بفَضْلِه وعلى ظالِه بفعلِه، وفائدة رائحته الطَّيِّبة أنْ
تنتشِرَ في أهل المَوْقِف إظهاراً لفَضيلَتِهِ أيضاً، ومن ثَمَّ لم يُشرَعْ غسل الشَّهيد في المعركة.
وقد استُشكِلَ إيراد المصنِّف لهذا الحديث في هذا الباب، فقال الإسماعيلي: هذا الحديثُ لا
(١) في (س): ابن أبي موسى، بزيادة لفظ ((أبي)) وهو خطأ.
٧٠٧
باب ٦٧ / ح ٢٣٧
كتاب الوضوء
يَدخُلُ في طهارة الدَّم ولا نجاسته، وإِنَّمَا وَرَدَ في فضل المطعون في سبيل الله.
وأُجيبَ بأنَّ مقصودَ المصنّف بإيرادِهِ تأكيد مذهبه في أنَّ الماءَ لا يتنجَّسُ بمجرَّدٍ
المُلاقاة ما لم يتغيّر، فاستَدلَّ بهذا الحديث على أنَّ تَبدُّلَ الصِّفة يُؤثِّر في الموصوف، فكما أنَّ
تغيُّرَ صفة الدَّم بالرائحة الطَِّّية أخرجه من الذَّمّ إلى المدح، فكذلك تغيُّر صفة الماء إذا
تغيَّر بالنجاسة يُخْرِجُه عن صفة الطهارة إلى النجاسة.
وتُعُقِّبَ بأنَّ الغرضَ إثبات انحصار التنجيس بالتغيُّر، وما ذكر يدلُّ على أنَّ التنجيسَ
تَحَصُلُ بالتغيُّر، وهو وِفاق، لا أنَّه لا يَحَصُلُ إلَّا به، وهو موضعُ النِّراع.
وقال بعضهم: مقصود البخاري أنْ يُبيِّنَ طهارة المِسْك رَدّاً على مَن يقول بنجاسَتِهِ،
الكَوْنه دَماً انعَقَدَ، فلمَّا تغيّر عن الحالة المكروهة من الدَّم وهي الزَّهَمُ وقُبْحُ الرائحة، إلى
الحالة الممدوحة وهي طيبُ رائحة المِسْك، دَخَلَ عليه الحِلُّ وانتَقلَ من حالة النجاسة إلى
حالة الطهارة، كالخمرة إذا تَخْلَّلَت.
وقال ابن رُشيد: مرادُه أنَّ انتقال الدَّم إلى الرائحة الطَّيّة هو الذي نقله من حالة الذَّمِّ
إلى حالة المدح، فحصل من هذا تغليب وصف واحد وهو الرائحةُ، على وصفَينٍ وهما
الطَّعْم واللون، فيُستَنبَطُ منه أنَّه متى تغيَّر أحد الأوصاف الثلاثة بصلاحٍ أو فسادٍ، تَبِعَه
الوصفان الباقيان، وكأنَّه أشار بذلك إلى رَدِّ ما نُقِلَ عن ربيعة وغيره: أنَّ تغيُّرَ الوصفِ
الواحدِ لا يُؤْثِّر حتَّى يجتمعَ وصفان.
قال: ويُمكِنُ أنْ يُستَدَلَّ به على أنَّ الماءَ إذا تغيَّر ريحه بشيءٍ طَيِّبٍ، لا يَسلُبُه اسم الماء،
كما أنَّ الدَّمَ لم يَنتقِلْ عن اسم الدَّم مع تغيُّر رائحتِه إلى رائحة المِسْك، لأنَّه قد سَمَّاه دَماً مع
تغُّر الرّیح، فما دامَ الاسمُ واقعاً على المسمَّى فالحُكْم تابع له. انتهى كلامه.
ويَرُدُّ على الأوَّل: أنَّه يلزمُ منه أنَّ الماءَ إذا كانت أوصافه الثلاثة فاسدة، ثمَّ تغيَّرتْ صفةٌ
واحدةٌ منها إلى صلاحِ: أنَّه ◌ُحكَمُ بصلاحه كلّه، وهو ظاهرُ الفساد.
وعلى الثاني: أنَّه لا يلزمُ من كَوْنِه لم يُسْلَب اسم الماء، أنْ لا يكون موصوفاً بصفةٍ تمنعُ
٧٠٨
باب ٦٨ / ح ٢٣٨ -٢٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
من استعماله مع بقاءٍ اسم الماء عليه، والله أعلم.
وقال ابن دَقِيق العيد لمَّا نقل قولَ مَن قال: إنَّ الدَّمَ لمَّ انتَقْلَ بطيبٍ رائحتِه من حُكْم
النجاسة إلى الطهارة، ومن حُكْم القَذارة إلى الطّيبِ لتغيُّر رائحتِه، حتَّى حكم له بحُكْم
الِسْكِ وبالطّيبِ للشَّهيد، فكذلك الماء يَنتقِلُ بتغيُّر رائحتِه من الطهارة إلى النجاسة، قال:
هذا ضعيف مع تكلُّفِه.
٦٨ - باب البول في الماء الدائم
٢٣٨- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، قال: أخبرنا أبو الزِّناد، أنَّ عبد الرحمن بنَ
هُزْمُزَ الأعرَجَ حَدَّثَه، أنَّه سَمِعَ أبا هُرَيرةَ، أَنَّه سَمِعَ رسولَ الله وَّهِ يقول: «نحنُ الآخِرُونَ
السابقُونَ)).
[أطرافه في: ٨٧٦، ٨٩٦، ٢٩٥٦، ٣٤٨٦، ٦٦٢٤، ٦٨٨٧، ٧٠٣٦، ٧٤٩٥]
٣٤٦/١
٢٣٩ - وبإسناده قال: ((لا يَبُولَنَّ أحَدُكُم في الماءِ الدائمِ الذي لا يَجْرِي، ثمَّ يَغتسِلُ فيه)).
قوله: ((باب البول في الماءِ الدائم)) أي: الساكن، يقال: دَوَّمَ الطائر تدويماً: إذا صَفَّ
جَناحَيْه في الهواءِ فلم يُحرِّكْهما، وفي رواية الأَصِيلي: ((باب لا تَبولوا في الماء الدائم)) وهي
بالمعنى.
قوله: ((الأعرَج)) كذا رواه شعيب ووافقه ابن عُيَينةَ فيما رواه الشافعي (٢٣/١) عنه عن
أبي الزِّنادِ (١)، وكذا أخرجه الإسماعيلي، ورواه أكثرُ أصحاب ابن عُيَينةَ عنه، عن أبي الزِّناد،
عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، ومن هذا الوجه أخرجه النَّسائي (٢٢١)،
وكذا أخرجه أحمد (٩١١٥) من طريق الثَّوْري عن أبي الزّناد، والطَّحاوي (١٤/١) من
طريق عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه، والطريقان معاً صحيحان، ولأبي الزِّنادِ فيه
شيخان، ولفظُهما في سياق المتن مُخُتِلِفٌ كما سنشيرُ إليه.
(١) الذي في ((الأم)) للشافعي: ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وأما موافقة ابن عيينة لشعيب فهي - بالإضافة إلى الإسماعيلي - عند ابن خزيمة في (صحيحه)) (٦٦).
٧٠٩
باب ٦٨ / ح ٢٣٩
كتاب الوضوء
قوله: ((نحنُ الآخِرُونَ السابقُونَ)) اختُلفَ في الحِكْمة في تقديم هذه الجملة على الحديث
المقصود، فقال ابن بَطَّالٍ: يحتمل أنْ يكون أبو هريرة سمع ذلك من النبيِّ وَّ مع ما بعدَه
في نَسَقٍ واحدٍ، فحدَّث بهما جميعاً، ويحتمل أنْ يكون همَّامٌ فعل ذلك، لأنَّه سمعهما من أبي
هريرة، وإلَّا فليس في الحديث مُناسَبة للترجمة.
قلت: جزم ابن التِّينِ بالأوَّل، وهو مُتَعَقَّبٌ، فإنَّه لو كان حديثاً واحداً ما فَصَلَه المصنِّفُ
بقوله: وبإسناده، وأيضاً فقوله: ((نحنُ الآخرون السابقونَ)) طرف من حديثٍ مشهورٍ في
ذِكْر يوم الجمعة سيأتي الكلام عليه هناك (٨٧٦) إن شاء الله تعالى، فلو راعى البخاري ما
اذَّعاه لَساق المتنَّ بتمامه. وأيضاً فحديث الباب مرويٌّ بطرقٍ مُتعدِّدةٍ عن أبي هريرة في
دَواوينِ الأئمّة وليس في طريقٍ منها في أوَّله: ((نحنُ الآخرون السابقونَ))، وقد أخرجه أبو
نُعيم في ((المستخرّج)) من طريق أبي اليَمَان شيخ البخاري بدون هذه الجملة.
وقولُ ابن بَطَّالٍ: ويحتمل أنْ يكون همَّامٌ؛ وهمٌّ تَبِعَه عليه جماعة، وليس لهَّام ذِكْرٌ في هذا
الإسناد. وقولُه: إنَّه ليس في الحديث مُناسَبةٌ للترجمة، صحيح، وإنْ كان غيرُه تَكلَّفَ فأبدَى
بينهما مُناسَبةٌ كما سنذكره، والصواب أنَّ البخاريَّ في الغالب يَذكُرُ الشيءَ كما سمعه جملةً،
لتَضَمُّنِهِ موضع الدّلالة المطلوبة منه وإنْ لم يكن باقيه مقصوداً، كما صنع في حديث عُرْوة
البارقيِّ في شِراءِ الشّاة كما سيأتي بيانه في الجهاد (٢٨٥٠)، وأمثلة ذلك في كتابه كثيرة.
وقد وَقَعَ لمالكِ نحوُ هذا في ((الموطَّأ)) إذْ أخرج في باب صلاة الصبحِ والعَتَمة
(١٣١/١) مُتوناً بسندٍ واحدٍ أوَّلها: ((مَرَّ رجل بغُصْن شَوْك)) وآخرُها: ((لو يعلمون ما في
الصبحِ والعَتَمة لَأَتَوْهما ولو حَبْواً)) وليس غرضه منها إلَّ الحديث الأخير، لكنَّه أدّاها على
الوجه الذي سمعها، قال ابن العربيِّ في ((القَبَس)»: نرى الْجُهّالَ يَتعَبون في تأويلها، ولا
تعلُّقَ للأوَّلِ منها بالباب أصلاً.
وقال غيره: وجه المناسبة بينهما: أنَّ هذه الأُمّةَ آخر مَن يُدْفَنُ من الأُمَم في الأرض
وأوَّلُ مَن يخرجُ منها، لأنَّ الوِعاءَ آخرُ ما يُوضَعُ فيه أوَّل ما يَخْرُجُ منه، فكذلك الماء الراكد
٧١٠
باب ٦٨ / ح ٢٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
آخر ما يقعُ فيه من البولِ أوَّلُ ما يُصادِفُ أعضاء المتطهِّر، فينبغي أنْ يَجْتِبَ ذلك. ولا
يخفی ما فيه.
وقيل: وجه المناسَبة أنَّ بني إسرائيلَ وإنْ سبقوا في الزَّمان، لكنَّ هذه الأُمّةَ سبقَتْهم
باجتناب الماء الراكدِ إذا وَقَعَ البول فيه، فلعلَّهم كانوا لا يَجْتِنِبونَه.
وتُعُقِّبَ بأنَّ بني إسرائيلَ كانوا أشدَّ مُبالَغة في اجتناب النجاسة، بحيثُ كانت النجاسة
إذا أصابتْ جِلْدَ أحدِهم قَرَضَه، فكيف يُظَنُّ بهم التساهل في هذا؟ وهو استبعادٌ لا يَستلزِمُ
رفع الاحتمال المذكور، وما قَرَّرْناه أَولی.
وقد وَقَعَ للبخاري في كتاب التعبير (٧٠٣٦) في حديثٍ أورده من طريق همَّامٍ عن أبي
هريرة مِثلُ هذا، صَدَّرَه أيضاً بقوله: ((نحنُ الآخرون السابقونَ)) قال: وبإسناده. ولا يتأتّى
فيه المناسَبة المذكورة مع ما فيها من التكلُّف.
والظاهرُ أنَّ نسخةَ أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، كنسخة مَعمَر عن هَّام عنه،
٣٤٧/١ ولهذا قلَّ حديثٌ يُوجَدُ في هذه إلَّ وهو في الأُخرى،/ وقد اشتَمَلَتا على أحاديثَ كثيرةٍ أخرج
الشيخان غالبَها، وابتداء كل نسخةٍ منهما حديث: ((نحنُ الآخرون السابقونَ)) فلهذا صَدَّرَ به
البخاري فیما أخرجه من كُلُّ منهما، وسَلَك مسلم في نسخة همَّام طريقاً أُخرى فيقول في كل
حديث أخرجه منها: قال رسول الله وَّلي، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله وَلِّ، فِيَذْكُرُ
الحديثَ الذي يريدُه، يشيرُ بذلك إلى أنَّه من أثناءِ النُّسْخة لا أوَّلها، والله أعلم.
قوله: (الذي لا تَخْري)) قيل: هو تفسيرٌ للدّائم وإيضاحٌ لمعناه، وقيل: احتَرَزَ به عن راکدٍ
يَجْري بعضه كالبِرَك، وقيل: احتَرَزَ به عن الماء الدائم، لأنَّه جارٍ من حيثُ الصورة، ساكن
من حيثُ المعنى، ولهذا لم يذكر هذا القَيْدَ في رواية أبي عثمان عن أبي هريرة التي تقدَّمت
الإشارة إليها(١) حيثُ جاءَ فيها بلفظ: ((الراكد)) بدل: الدائم، وكذا أخرجه مسلم (٢٨١)
من حديث جابر.
(١) في أول الباب.
٧١١
باب ٦٨ / ح ٢٣٩
كتاب الوضوء
وقال ابنُ الأنباريّ: الدائمُ من حروف الأضداد يقال للسّاكنِ والدائر، ومنه: أصاب
الرأسَ دُوَامٌ، أي: دُوارٌ، وعلى هذا فقوله: ((الذي لا يَخْري)) صفة مُخُصِّصة لأحد معنيَي
المشترك، وقيل: الدائم والراکد مُقابلان للجاري، لکن الدائم هو الذي له نَبْع، والراكد
الذي لا نَبْعَ له.
قوله: ((ثُمَّ يَغتسِلُ)) بضم اللام على المشهور، وقال ابن مالك: يجوزُ الجَزْمُ عَطْفاً على
((يَبولُنَّ)، لأنَّه مجزوم الموضع بلا الناهية، ولكنَّهُ بُنيَ على الفتح لتوكيدِه بالنّون. ومَنَعَ ذلك
القُرْطبي فقال: لو أراد النهيَ لقال: ثمَّ لا يَغتسِلَنَّ، فحينئذٍ يتساوى الأمران في النهي
عنهما، لأنَّ المَحَلَّ الذي تَوارَدا عليه شيء واحد وهو الماءُ. قال: فعُدولُه عن ذلك يدلُّ
على أنَّه لم يُرِدِ العَطْف، بل نبَّه على مَآلِ الحال، والمعنى: أنَّه إذا بالَ فيه قد يحتاجُ إليه فيَمتِعُ
عليه استعمالُه. ومثَّله بقوله وَّ: ((لا يَضْرِبَنَّ أحدُكُم امرأته ضَرْبَ الأَمة ثمَّ يُضاجعُها))(١)،
فإنَّه لم يَرْوِهِ أحد بالجَزْم، لأنَّ المراد النهي عن الضرب، لأنَّه يحتاجُ في مَآلِ حاله إلى
مضاجَعَتِها فتَمتنِعُ لإساءَتِه إليها، فلا يَحَصُلُ له مقصوده، وتقديرُ اللفظ: ثمَّ هو يُضاجعُها،
وفي حديث الباب: ثمَّ هو یَغتِلُ منه.
وتُعُقِّبَ بأنَّه لا يلزمُ من تأكيد النهي أنْ لا يُعطَف عليه نهي آخر غير مُؤكَّد، لاحتمال
أنْ يكون للتأكيدِ في أحدِهما معنّی لیس للآخر.
قال القُرْطبي: ولا يجوزُ النصبُ، إذْ لا تُضْمَرُ ((أنْ)) بعد (ثمَّ))، وأجازَه ابن مالك
بإعطاءِ (ثمَّ)) حُكْمَ الواو، وتعقّبه النَّووُّ بأنَّ ذلك يقتضي أنْ يكون المنهي عنه الجمع بين
الأمرينِ دون إفرادِ أحدِهما، وضَعَّفَه ابن دَقِيق العيد بأنَّه لا يلزمُ أنْ يدلَّ على الأحكام
المتعدِّدة لفظٌ واحدٌ، فيُؤخَذُ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إنْ ثبتت رواية
النصب، ويُؤخَذُ النهي عن الإفرادِ من حديثٍ آخر.
قلت: وهو ما رواه مسلم (٢٨١) من حديث جابر عن النبيِّ وَّ: أنَّه نهى عن البولِ
(١) سيأتي عند المصنف برقم (٥٢٠٤).
٧١٢
باب ٦٨ / ح ٢٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
في الماء الراكد، وعندَه (٢٨٣) من طريق أبي السائب عن أبي هريرة بلفظ: ((لا يَغْتِلْ
أحدُكُم في الماء الدائم وهو جُنُبٌ))، وروى أبو داود (٧٠) النهي عنهما في حديثٍ واحدٍ
ولفظُه: ((لا يَبولَنَّ أحدُكُم في الماء الدائم، ولا يَغتسِلُ فيه من الجنابة)»، واستدلَّ به بعض
الحنفيَّة على تنجيس الماء المستعمَل، لأنَّ البولَ يُنجِّسُ الماءَ، فكذلك الاغتسال، وقد نهى
عنهما معاً، وهو للتحريم، فيدلُّ على النجاسة فيهما.
ورُدَّ بأنَّها دلالة اقتران وهي ضعيفة، وعلى تقدير تسليمها فلا يلزمُ التسويةُ، فيكون
النهي عن البولِ لئلّا يُنجِّسَه، وعن الاغتسال فيه لئلا يَسلُبَه الطُّهوريَّة. ويزيدُ ذلك
وُضوحاً قوله في رواية مسلم (٢٨٣): «كيف يفعلُ يا أبا هريرة؟ قال: يتناولُه تَناؤُلاً»، فدلَّ
على أنَّ المنعَ من الانغماس فيه لئلا يصيرَ مُستعمَلاً فيَمتنِعُ على الغير الانتفاع به، والصحابيُّ
أعلم بمواردِ الخِطاب من غيره.
٣٤٨/١
وهذا من أقوى الأدلَّة على أنَّ المستعمَلَ غيرِ طَهور، وقد تقدَّمت الأدلَّةُ/ على طهارته،
ولا فرقَ في الماء الذي لا يجري في الحكم المذكورِ بين بَوْلِ الآدميِّ وغيره، خلافاً لبعض
الحنابلة، ولا بين أنْ يبولَ في الماء أو يبولَ في إناءٍ ثمَّ يَصُبّه فيه خلافاً للظاهريَّة، وهذا كلّه
محمول على الماء القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حَدِّ القليل، وقد تقدَّم قول مَن لا
يَعتبِرُ إلَّا التغيُّرَ وعدمه وهو قوي، لكنَّ الفصلَ بالقُلَّتَينِ أقوى لصِحَّة الحديث فيه(١)، وقد
اعترفَ الطَّحاوي من الحنفيَّة بذلك، لكنَّه اعْتَذَرَ عن القول به بأنَّ القُلّةَ في العُرْفِ تُطلَقُ
على الكبيرة والصغيرة كالجَّة، ولم يَتْبُتْ من الحديث تقديرُهما فيكون مُجُمَلاً فلا يُعمَلُ به،
وقَوّاه ابن دقيق العيد، لكن استدلَّ له غيرهما، فقال أبو عُبيدِ القاسمُ بن سَلّام: المرادُ القُلّة
الكبيرة، إذْ لو أراد الصغيرةَ لم يَحَتَجْ لِذِكْرِ العَدَد، فإِنَّ الصغيرتَينِ قَدْرُ واحدة کبیرة، ويُرْجَعُ
في الكبيرة إلى العُرْفِ عند أهل الحِجاز. والظاهرُ أنَّ الشّارعَ عليه السلامُ ترك تحديدَهما على
سبيل التوسِعة، والعلمُ مُحيط بأنَّه ما خاطبَ الصحابةَ إلَّا بما يَفْهَمون، فانتفى الإجمال،
(١) حديث القلتين أخرجه أحمد (٤٦٠٥)، وأبو داود (٦٣)، وابن ماجه (٥١٧)، والترمذي (٦٧)،
والنسائي (٥٢) من حديث ابن عمر.
٧١٣
باب ٦٩
كتاب الوضوء
لكن لعدم التحديد وَقَعَ الخُلْفُ بين السَّلَفِ في مِقْدارهما على تسعة أقوالٍ حكاها ابن
المنذر، ثمَّ حَدَثَ بعدَ ذلك تحديدهما بالأرطال واختُلِفَ فيه أيضاً.
ونُقِلَ عن مالكِ: أنَّه ◌َمَلَ النهي على التنزيه فيما لا يتغيّرُ، وهو قولُ الباقين في الكثير.
وقال القُرْطبي: يُمكِنُ حملُه على التحريم مُطلَقاً على قاعدة سَدِّ الذَّريعة، لأنَّه يفضي إلى
تنجیس الماء.
قوله: ((ثُمَّ يَغتسِلُ فيه)) كذا هنا، وفي رواية ابن عُيَينةَ عن أبي الزِّنادِ (١): ((ثمَّ يَغْتِلُ منه))
وكذا لمسلم (٢٨٢) من طريق ابن سيرين، وكلَّ من اللفظين يفيدُ حُكْماً بالنصِّ وحُكْماً
بالاستنباط، قاله ابنُ دقیق العید.
ووجهُه: أنَّ الروايةَ بلفظ: ((فيه)) تدلُّ على منع الانغماس بالنصّ، وعلى منع التناوُلِ
بالاستنباط، والروايةَ بلفظ: («منه» بعكس ذلك، وكلُّه مبنيّ على أنَّ الماءَ يَنجُسُ بمُلاقاة
النجاسة، والله أعلم.
٦٩ - باب إذا أُلقيَ على ظَهْر المصلِّي قذرٌ أو جِيفةٌ
لم تَفسُدْ علیه صلاتُه
وكان ابنُ عمرَ إذا رأى في ثوبه دَماً وهو يُصلّي، وَضَعَه ومَضَى في صلاتِه.
وقال ابنُ المسيّبِ والشَّعْبِيُّ: إذا صَلَّى وفي ثوبِهِ دَمٌّ أو جَنابةٌ، أو لغيرِ القِبْلة، أو تَيمَّمَ فصَلَّى
ثمَّ أدرَكَ الماءَ في وَقْتِهِ: لا يُعِيدُ.
قوله: ((باب إذا أُلقيَ على ظَهْر المصلِّ قَذَرٌ)) بفتح الذّال المعجَمة، أي: شيءٌ نَجِس ((أو
جِيفة)) أي: مَيْتَةٌ لها رائحة.
قوله: (لم تَفسُد)) محله ما إذا لم يعلم بذلك وتَمَادى، ويحتمل الصِّحّة مُطلَقاً على قول مَن
ذهب إلى أنَّ اجتناب النجاسة في الصلاة ليس بفرض، وعلى قول مَن ذهب إلى منع ذلك
في الابتداءِ دون ما يَطْرَأُ، وإليه مَيْلُ المصنِّف، وعليه يَتخرَّجُ صنيعُ الصحابي الذي استمرَّ
(١) رواية ابن عيينة عن أبي الزناد سلف تخريجها عند أول شرح الحديث.
٧١٤
باب ٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
في الصلاة بعدَ أنْ سالَتْ منه الدِّماءُ بَرَمْي مَن رَماه، وقد تقدَّم الحديث عن جابر بذلك في
باب (٣٤): مَن لم يَرَ الوضوءَ إلَّا من المخرَجَين.
قوله: ((وكان ابن عمر)) هذا الأثر وَصَلَه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٤٣ -٣٤٤) من طریق بُرْدِ
ابن ◌ِنانٍ، عن نافع: أنَّه كان إذا كان في الصلاة، فرأى في ثوبه دَماً فاستطاع أنْ يضعَه
وضَعَه، وإنْ لم يَستَطِعْ خرجٍ فَغَسَلَه ثمَّ جاءَ، فَيَبْني على ما كان صَلَّى. وإسناده صحيح،
وهو يقتضي أنَّه كان يرى التفرقةَ بين الابتداءِ والدّوام، وهو قولُ جماعةٍ من الصحابة
والتابعين والأوزاعي وإسحاق وأبي ثَوْر، وقال الشافعي وأحمد: يعيدُ الصلاة، وقَيَّدَها
مالك بالوَقْتِ، فإنْ خرج فلا قَضاءَ، وفيه بحثٌ يَطولُ.
واستُدلَّ للأوَّلين بحديث أبي سعيد: أنَّه وَ خَلَعَ نَعْلَيه في الصلاة ثمَّ قال: ((إنَّ جِبْرِيلَ
أخبرني أنَّ فيهما قَذَراً)) أخرجه أحمد (١١١٥٣) وأبو داود (٦٥٠) وصَحَّحَه ابن خُزيمة
(١٠١٧)، وله شاهدٌ من حديث ابن مسعود أخرجه الحاكمُ(١) (١/ ١٤٠)، ولم يذكر في
٣٤٩/١ الحديث إعادة، وهو اختيارُ جماعةٍ من الشافعيَّة،/ وأمَّا مسألةُ البناءِ على ما مضى، فتأتي في
كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وقال ابن المسيّب والشَّعْبِي)) كذا للأكثر، وهو الصوابُ، وللمُستَمْلِي والسَّرَخْسي:
((وكان)) فإنْ كانت محفوظة فإفراد قوله: ((إذا صَلَّى)) على إرادة كُلٌّ منهما، والمراد بمسألة الدَّم
ما إذا كان بغير عِلْم المصلِّي، وكذا الجنابة عند مَن يقول بنجاسة المنيِّ، وبمسألة القِبْلة ما إذا
كان عن اجتهادٍ ثمَّ تَبيَّ الخطأُ، وبمسألة التيمُّم ما إذا كان غيرَ واجدٍ للماء، وكل ذلك ظاهر
من سياق الآثار الأربعة المذكورة عن التابعين المذكورين. وقد وَصَلها عبد الرزاق (٣٦٩٢
و٣٦٩٩) وسعيد بن منصور(٢) وابن أبي شَيْبة (٤٣٤/٢) بأسانيدَ صحيحةٍ مُفرَّقة أو ضحتُها
في ((تغليق التعليق))، وقد تقدَّمت الإشارة إلى مسألة الدَّم.
(١) وأخرجه أيضاً البزار (١٥٧٠)، والطحاوي ٥١١/١، والطبراني (٩٩٧٢)، وفي إسناده أبو حمزة ميمون
الأعور، وهو ضعيف.
(٢) ذكره عنه الحافظ بإسناده في ((تغليق التعليق)) ١٤٤/٢.
٧١٥
باب ٦٩ / ح ٢٤٠
كتاب الوضوء
وأمَّا مسألةُ التيمُّم فعدم وجوب الإعادة قول الأئمّة الأربعة وأكثر السَّلَف، وذهب
جمع من التابعين - منهم عطاء وابن سيرين ومَكْحول - إلى وجوب الإعادة مُطلَقاً.
وأمَّا مسألةُ بيان الخطأ في القِبْلة فقال الثلاثة والشافعي في القديم: لا يعيدُ، وهو قول
الأكثر أيضاً، وقال في الجديد: تجبُ الإعادةُ، واستدلَّ للأوَّلين بحديثٍ أخرجه التِّرمِذيُّ
(٣٤٥ و٢٩٥٧) من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، وقال: حسنٌ (١). لكن ضَعَّفَه
غيره، وقال العُقَيلي: لا يُروَى من وجهٍ يَتْبُتُ.
وقال ابن العربيّ: مُستَنَد الجديد أنَّ خطأ المجتهدِ يَبْطُلُ إذا وُجِدَ النصُّ بخلافه. قال:
وهذا لا يَتِمُّ في هذه المسألة إلَّا بمكَّةَ، وأمَّا في غيرها فلا يُنقَضُ الاجتهاد بالاجتهاد.
وأُجيبَ بأنَّ هذه المسألةَ مُصَوَّرة فيما إذا تَيقَّنَ الخطأ، فهو انتقالٌ من يقين الخطأ إلى الظَّنِّ
القويّ، فليس فيه نَقْض اجتهادٍ باجتهادٍ، والله أعلم.
٢٤٠- حدَّثنا عَبْدانُ، قال: أخبرني أَبي، عن شُعْبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن عَمْرِو بنِ
ميمونٍ، عن عبدِ الله، قال: بينا رسولُ اللهِ وَلِّ ساجِدٌ. قال: وحدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ، قال:
حدَّثنا شُرَيحُ بنُ مَسْلمةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يوسفَ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، قال:
حدَّثني عمرُو بنُ ميمونٍ: أنَّ عبدَ الله بنَ مسعودٍ حَدَّثَه: أنَّ النبيَّ ◌َّ كان يُصلّي عند البيتِ
وأبو جَهْلٍ وأصحابٌ له جُلُوسٌ، إذْ قال بعضُهُم لبعضٍ: أيُّكُمْ يَجِيءُ بسَلَى جَزُورِ بني فلانٍ
فيضعُهُ على ظَهْرٍ محمَّدٍ إذا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أشقَى القوم فجاءَ به، فَنَظَرَ حتَّى إذا سَجَدَ النبيُّ
وَ﴿ وَضَعَه على ظَهْرِه بينَ كَتِفَيَه، وأنا أنظُرُ لا أُغني شيئاً لو كانت لي مَنَعَةٌ، قال: فجَعَلُوا
يَضْحَكُونَ ويُحِيلُ بعضُهم على بعضٍ، ورسولُ اللهِ وَّرَ ساجِدٌ لا يرفعُ رَأْسَه، حتَّى جاءَتْه
فاطمةُ فطَرحَتْ عن ظَهْرِه فَرَفَعَ رَأْسَه، ثمَّ قال: ((اللهمَّ عليكَ بِقُرَيشٍ)) ثلاث مَرّاتٍ، فَشَقَّ
علیھم إذْ دَعا عليهم.
(١) هكذا نقل الحافظ تحسين الترمذي له، ومن قبله ابن الجوزي في ((التحقيق)) ٣١٦/١، وهذا التحسين
ليس في نسخنا الخطية من ((سنن الترمذي))، ولم يذكره المزي في ((التحفة)) (٥٠٣٥)، ولا الزيلعي في
(«نصب الراية)) ١ / ٣٠٤، بل إنَّ الترمذي قد أشار إلى ضعفه في الموضعين.
٧١٦
باب ٦٩ / ح ٢٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
قال: وكانُوا يَرَوْنَ أنَّ الدَّعْوةَ في ذلك البلدِ مُستَجابةٌ، ثمَّ سَمَّى: «اللهمَّ عليكَ بأبِي جَهْلٍ،
وعليكَ بِعُتْةَ بنِ رَبِيعَةَ، وشَيْةَ بنِ رَبِيعةَ، والوليدِ بنِ عُثْبةَ، وأُميَّةَ بنِ خَلَفٍ، وعُقْبَةَ بن أبي
مُعَيْطٍ)) وعَدَّ السابعَ فلم نَحْفَظْه، قال: فوالذي نَفْسي بَيَدِه، لقد رأيتُ الَّذِينَ عَدَّ رسولُ الله وَهُ
صَرْعَى في القَلِیب، قلبٍ بَدٍْ.
[أطرافه في: ٥٢٠، ٢٩٣٤، ٣١٨٥، ٣٩٦٠،٣٨٥٤]
قوله: ((حدَّثْنا عَبْدان)) أعاده المصنّفُ في أواخر الجِزْية (٣١٨٥) عنه فقال: حدَّثنا عبدانُ
عبد الله بن عثمان، وعَرَفْنا من سياقِه هناك أنَّ اللفظَ هنا لرواية أحمد بن عثمان وإنَّما قَرَنها
٣٥٠/١ برواية عبدان تقوية لها، لأنَّ في إبراهيمَ/ بن يوسف مقالاً، وأحمدُ المذكورُ: هو ابن عثمان
ابن حَكيم الأَوْدي الكوفي، وهو من صغار شيوخ البخاري، وله في هذا الحديث إسناد
آخر أخرجه النَّسائي (٣٠٧) عنه عن خالد بن تَخَلَد عن علي بن صالح عن أبي إسحاق،
ورجالُ إسناده جميعاً كوفيُّون، وأبو إسحاق: هو السَّبيعي، ويوسف الراوي عنه: هو ابنُ
ابنِهِ إسحاق بن أبي إسحاق، وأفادت روايتُه التصريح بالتحديث لأبي إسحاق عن عَمْرو
ابن ميمون، ولِعَمْرو عن عبد الله، وعَيَّنتْ أيضاً عبد الله بأنَّه ابن مسعود، وعَمْرو بن
ميمون هو الأودي تابعي كبير مُضرَم، أسلمَ في عَهْدِ النبيِّ وَّه ولم يَرَه، ثمَّ نزل الكوفةَ،
وهو غيرُ عَمْرو بن ميمون الجَزَري الذي تقدَّم قريباً. وهذا الحديثُ لا يُروَى عن النبيِّ
◌َالټ إلَّا بإسناد أبي إسحاق.
هذا وقد رواه الشيخان من طريق الثَّوْريّ(١)، والبخاري أيضاً من طريق إسرائيلَ
(٥٢٠) وزهیر (٣٩٦٠)، ومسلم (١٧٩٤/ ١٠٧) من روایة ز کریًّا بن أبي زائدة، کلُّھم عن
أبي إسحاق. وسنذكر ما في اختلاف رواياتهم من الفوائد مُبَّناً إن شاء الله تعالى.
قوله: ((بَيْنا رسول الله { ﴾ ساجد» بقيّته من رواية عبدان المذکور: «وحَوْلَہ ناس من
قُرَيش من المشرِكينَ)) ثمَّ ساق الحديثَ مختصراً.
(١) البخاري (٢٩٣٤)، ومسلم (١٧٩٤) (١٠٩).
٧١٧
باب ٦٩ / ح ٢٤٠
كتاب الوضوء
قوله: ((أنَّ عبد الله)) في رواية الكُشْمِیھَني: عن عبد الله.
قوله: ((وأبو جَهْل وأصحابٌ له)) هم السبعةُ المدعوُّ عليهم بعدُ، بيَّنه البزَّار (١٨٥٣) من
طريق الأجلَح عن أبي إسحاق.
قوله: ((إذْ قال بعضهم)) هو أبو جَهْل، سمَّه مسلم (١٧٩٤/ ١٠٧) من رواية زکریًّا
المذكورة وزاد فيه: ((وقد نُحِرَتْ جَزورٌ بالأمس)» والجَزور من الإبل: ما يُجْزَرُ، أي: يُقْطَعُ،
وهو بفتح الجيم، والسَّلَى مقصور بفتح المهمَلة: هي الجِلْدةُ التي يكون فيها الولدُ يقال لها
ذلك من البهائم، وأمَّا من الآدَميّات فالمَشِيمة، وحكى صاحبُ ((المحكم)) أنَّه يقال فيهنَّ
أيضاً: سَلَى.
قوله: ((فيضعُهُ) زاد في رواية إسرائيلَ (٥٢٠): فيَعمِدُ إلى فَرْئِها ودَمِها وسَلاها ثمَّ يُمْهِلُه
حتَّى يَسجُدَ.
قوله: ((فانْبَعَثَ أشقَى القوم)) للكُشْمِيهَني والسَّرَخْسي: ((أشقَى قوم)) بالتنكير، ففيه
مُبالَغة لكنَّ المقام يقتضي الأوَّل، لأنَّ الشَّقاءَ هنا بالنِّسْبة إلى أُولئكَ الأقوام فقط كما سنُقُرِّرُه
بعدُ، وهو عُقْبة بن أبي مُعَيطٍ، بمُهمَلتَينِ مُصغَّراً سمّاه شُعْبة، وفي سياقِه عند المصنّف
اختصار يوهمُ أنَّه فعل ذلك ابتداء. وقد ساقه أبو داود الطَّيالسي في («مسنده)) (٣٢٣) عن
شُعْبَةَ نحوَ رواية يوسفَ هذه وقال فيه: فجاءَ عُقْبةُ بن أبي مُعَيطٍ فقَذَفَه على ظَهْرِهِ.
قوله: ((لا أُغْنِي)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهَني والمُستَمْلي: «لا أُغيِّر)) ومعناهما صحيح،
أي: لا أُغْني في كفِّ شرِّهم، أو لا أُغَيِّرُ شيئاً من فعلِهم.
قوله: ((لو كانت لي مَنَعَة)) قال النَّووي: المنَعةُ بفتح النّون: القوّة، قال: وحُكيَ الإسكان
وهو ضعيف. وجزم القُرْطبي بسكون النّون قال: ويجوزُ الفتحُ على أنَّه جمعٌ مانعٌ ككاتبٍ
وكَتَبة، وقد رَجَّحَ القَزّاز والهَرَويُّ الإسكان في المفرَد، وعَكَسَ ذلك صاحب «إصلاح
المنطِقِ)) وهو مُعتمَد النَّووي، قال: وإنَّما قال ذلك، لأنَّه لم يكن له بمكَّةَ عَشيرة، لكَوْنه هُذَليّاً
حليفاً وكان حُلَفاؤُه إذْ ذاكَ كفّاراً، وفي الكلام حذف تقديرُه: لطَرَحْتُه عن رسول الله وَّه
٧١٨
باب ٦٩ / ح ٢٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
وصَرَّحَ به مسلم (١٠٧/١٧٩٤) في رواية زكريًّا، وللبَزّار (١٨٥٣): فأنا أرهَبُ - أي:
أخافُ ـ منهم.
قوله: ((ويُحيلُ بعضُهم)) كذا هنا بالمهمَلة من الإحالة، والمرادُ: أنَّ بعضهم يَنسُبُ فعل
ذلك إلى بعضٍ بالإشارة تَهكُّماً، ويحتمل أنْ يكون من: حالَ يَجِيلُ بالفتح: إذا وَثَبَ على ظَهْرِ
دابَتِه، أي: يَئِبُ بعضهم على بعضٍ من المَرَحِ والبَطَر، ولمسلم من رواية زكريّا: ((وَيَميلُ))
بالميم، أي: من كَثْرة الضَّحِك، وكذا للمصنِّف (٥٢٠) من رواية إسرائيلَ.
قوله: ((فاطمة)) هي بنتُ رسولِ اللهِ وََّ، زاد إسرائيل: وهي جُوَيريةٌ، فَأقبَلَتْ تَسْعَى
وثبت النبيُّ ◌َّ ساجداً.
قوله: ((فطرحَتْه)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهَني بحذف المفعول، زاد إسرائيل: وأقبَلَتْ
عليهم تَشْتُمُهم، زاد البزَّار: فلم يَرُدّوا عليها شيئاً.
قوله: ((فرفع رأسه)» زاد البزَّار (١٨٥٤) من رواية زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق:
٣٥١/١ (فحَمِدَ اللهَ وأثنَى عليه، ثمَّ قال: / أمَّا بعدُ، اللهمَّ))، قال البزَّار: تفرَّد بقوله: ((أمَّا بعدُ» زید.
قوله: ((ثمَّ قال)) يُشعِرُ بِمُهْلةٍ بين الرفع والدُّعاء، وهو كذلك، ففي رواية الأجلَح عند
البزَّار (١٨٥٣): ((فرفع رأسه كما كان يرفعُه عند تمام سجوده، فلمَّا قَضَى صلاتَه قال:
اللهمَّ))، ولمسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) والنَّسائي (٣٠٧) نحوُه، والظاهرُ منه: أنَّ الدُّعاءَ المذكورَ
وَقَعَ خَارِجَ الصلاة، لكن وَقَعَ وهو مُستَقِبِلُ الكعبة كما ثبت من رواية زهير عن أبي
إسحاق عند الشیخین(١).
قوله: ((عليك بقُرَيش)) أي: بإهلاك قُرَيش، والمراد: الكُفّار منهم، أو مَن سَمَّى منهم،
فهو عامٌّ أُريدَ به الخصوص.
قوله: ((ثلاث مَرّات)) كَرَّرَه إسرائيل في روايته (٥٢٠) لفظاً لا عَدَداً، وزاد مسلم
(١٧٩٤ / ١٠٧) في رواية زكريًّا: وكان إذا دَعا دَعا ثلاثاً، وإذا سألَ سألَ ثلاثاً.
(١) البخاري (٣٩٦٠)، ومسلم (١٧٩٤) (١١٠).
٧١٩
باب ٦٩ / ح ٢٤٠
كتاب الوضوء
قوله: ((فشَقَّ عليهم)) ولمسلم من رواية زكريّا: فلمَّا سَمِعوا صوته ذهب عنهم الضَّحِك
وخافوا دعوته.
قوله: ((وكانُوا يَرَوْنَ)) بفتح أوَّله في روايتنا من الرَّأْي، أي: يعتقدون، وفي غيرها بالضمّ،
أي: يظنّون، والمراد بالبلد: مكَّة. ووَقَعَ في (مُستخرَج)) أبي نُعيم من الوجه الذي أخرجه
منه البخاري: ((في الثالثة)) بدلَ قوله: ((في ذلك البلد)) ويناسبُهُ قولُه: ((ثلاث مرات)» ويُمكِنُ
أنْ يكون ذلك ممَّا بَقيَ عندَهم من شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
قوله: ((ثُمَّ سَمَّى)) أي: فضَّل مَن أجمَل.
قوله: ((بأبي جَهْلٍ)) في رواية إسرائيلَ (٥٢٠): بعَمْرو بن هشام، وهو اسمُ أبي جَهْل،
فلعلَّه سمّاه وكنّه معاً.
قوله: ((والوليد بن عُثْبةَ)) هو ولدُ المذكورِ بعد أبي جَهْلِ، ولم تختلف الرِّوايات في أنَّه
بعين مُهمَلةٍ بعدَها مُنَّة ساكنة ثمَّ موخَّدة، لكن عند مسلم (١٠٧/١٧٩٤) من رواية
زكريًّا بالقاف بدل المثنَّة، وهو وَهْمٌ قديمٌ نَّه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم، وقد
أخرجه الإسماعيلي من طريق شيخ مسلم على الصواب.
قوله: ((وَأُميَّةَ بنِ خَلَف)) في رواية شُعْبةٍ (٣١٨٥): ((أو أُبِيَّ بِنَ خَلَف)) شك شُعْبة، وقد ذكر
المصنِّفُ الاختلافَ فيه عَقيبَ رواية الثَّوْري في الجهاد (٢٩٣٤) وقال: الصحيحُ أُميَّة، لكن
وَقَعَ عندَه هناك ((أُبي بن خَلَف)) وهو وهمٌّ منه أو من شيخه أبي بكر عبد الله بن أبي شَيْبة إذْ
حدَّثه، فقد رواه شيخُه أبو بكر في ((مسنده)) فقال: ((أُميَّة))، وكذا رواه مسلم (١٠٩/١٧٩٤)
عن أبي بكر، والإسماعيلي وأبو نُعيم من طريق أبي بكر كذلك، وهو الصوابُ، وأطبَقَ
أصحاب المغازي على أنَّ المقتولَ ببدر أُميَّة، وعلى أنَّ أخاه أُبِيّاً قُتِل بأُحُدٍ، وسيأتي في المغازي
(٣٩٥٠) قصة قتل ◌ُميّةً ببدرٍ إن شاء الله تعالی.
قوله: ((وعَدَّ السابع فلم نَحْفَظْه)) وَقَعَ في روايتنا بالنّون وهي للجمع، وفي غيرها بالياء
التَّحتانية.
٧٢٠
باب ٦٩ / ح ٢٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
قال الكِرْماني: فاعل ((عَدَّ)) رسولُ الله وَلَ أو ابن مسعود، وفاعل ((فلم نَحْفَظْه)) ابن
مسعود أو عَمْرو بن ميمون.
قلت: ولا أدري من أين تَهَيّا له الجَزْمُ بذلك، مع أنَّ في رواية الثَّوْري عند مسلم
(١٠٩/١٧٩٤) ما يدلُّ على أنَّ فاعل ((فلم نَحْفَظْه)) أبو إسحاق ولفظه: ((قال أبو إسحاق:
ونَسيتُ السابع)) وعلى هذا ففاعل («عَذَّه عَمْرو بن ميمون، على أنَّ أبا إسحاق قد تَذكَّرَه
مَرّة أُخرى فسمَّه عُمارة بن الوليد، كذا أخرجه المصنِّفُ في الصلاة (٥٢٠) من رواية
إسرائيلَ عن ابن إسحاق، وسماع إسرائيلَ من أبي إسحاق في غاية الإتقان للزومِه إِيَّاه،
لأنَّه جَدُّه وكان خصّيصاً به.
قال عبد الرحمن بن مَهْدي: ما فاتَني الذي فاتَني من حديث الثَّوْري عن أبي إسحاق
إلَّا اتّكالاً على إسرائيلَ، لأنَّه كان يأتي به أتمَّ. وعن إسرائيلَ قال: كنت أحفَظُ حدیثَ أبي
إسحاق کما أحفظُ سورة الحمْد.
واستشكل بعضهم عَدَّ عُمارة بن الوليد في المذكورينَ، لأنَّه لم يُقتَلْ ببدرٍ، بل ذكر
أصحاب المغازي أنَّه مات بأرض الحبشة، وله قِصّةٌ مع النَّجاشِيِّ إذْ تَعرَّضَ لامرأتِهِ، فأمَرَ
النَّجاشي ساحراً فنَفَخَ في إحليل عُمارة من سِحْرِه عقوبة له، فتَوَخَّشَ وصارَ مع البهائم إلى
أنْ مات في خلافة عمرَ، وقِصَّتُه مشهورة(١).
والجوابُ: أنَّ كلامَ ابن مسعود في أنَّه رآهم صَرْعَى في القليبِ محمول على الأكثر،
ويدلُّ عليه أنَّ عُقْبةَ بن أبي مُعَيط لم يُطْرَحْ في القليبِ وإِنَّا قُتِل صَبْراً بعدَ أنْ رَحَلوا عن بدر
٣٥٢/١ مَرْحَلة، وأُميَّة بن خَلَف لم يُطْرَحْ في القليبِ كما هو بل/ مُقَطعاً كما سيأتي، وسيأتي في
المغازي (٣٩٦١) كيفيَّ مَقتَل المذكورين ببدر وزيادة بيان في أحوالهم إن شاء الله تعالى.
قوله: ((قال)) أي: ابن مسعود، والمراد باليدِ هنا: القُدْرةِ(٢)، وفي رواية مسلم (١٧٩٤/ ١٠٧):
(١) انظر القصة في ((مسند عبد بن حميد)) (٥٥٠).
(٢) تأويل اليد - أي: يد الله تعالى - بالقُدْرة، هذا على مذهب المأوِّلة، وأما مذهب أهل السنة والجماعة
وسلف هذه الأمة فهو إثبات هذه الصفات لله تعالى على الحقيقة على ما يليق بجلاله تعالى من غير تأويل
ولا تكييف ولا تمثیل.