النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٦١
باب ٥٧ / ح ٢١٩
كتاب الوضوء
قوله: ((باب)) كذا ثبت لأبي ذر، وقد قرَّرنا أنه في موضع الفصل من الباب.
والاستدلال به على غسل البول واضح، لكن ثبتت الرُّخصةُ في حقِّ المستَجمِر، فيُستدلُّ
به على وجوب غسل ما انتشر على المحلّ.
قوله: (محمَّد بن خازم)) بالخاءِ المعجَمة والزَّاي: هو أبو معاوية الضَّرير.
قوله: ((فَغَرَزَ)) وفي رواية وكيع في الأدب (٦٠٥٢): ((فغَرَسَ)) وهما بمعنّى، وأفاد سعد
الدّين الحارثي أنَّ ذلك كان عند رأس القبر، وقال: إنَّه ثبت بإسنادٍ صحيح، وكأنَّه يشير إلى
حديث أبي هريرة عند ابن حِبَّن وقد قدَّمنا لفظه(١)، ثمَّ وجدته في ((مسند عبد بن حُميدٍ)) (٦٢٠)
من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمَش في حديث ابن عبّاس صريحاً.
قوله: ((لِمَ فعلتَ)) سقط لفظ ((هذا)) من رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسي.
قوله: ((قال ابن المُثنَّى: وحدَّثنا وكيع)) هو معطوف على الأوَّل، وثبتت أداة العَطْف فيه
للأَصِيلِيِّ، ولهذا ظنَّ بعضهم أنَّه مُعلَّق، وقد وَصَلَه أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريق
محمد بن المثنَّى هذا عن وكيع وأبي معاوية جميعاً عن الأعمش، والحِكْمة في إفراد البخاري
له أنَّ في رواية وكيع التصريح بسماع الأعمَش دون الآخر. وباقي مباحث المتن تقدَّمت في
الباب الذي قبله.
٥٧ - باب ترك النبيِّ ◌َّ﴿ والناسِ الأعرابيَّ حتَّى فَرَغَ
من بوله في المسجد
٢١٩ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا همَّامٌ، أخبرنا إسحاقُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ:
أنَّ النبيَّ ◌َه رأى أعرابياً يَبُولُ في المسجدِ، فقال: ((دَعُوه)، حتَّى إِذا فَرَغَ دَعَا بماءٍ فصَبَّه عليه.
[طرفاه في: ٢٢١، ٦٠٢٥]
٣٢٣/١
قوله: ((باب ترك النبي ◌َّ﴿ والناس الأعرابي)) اللام فيه للعَهْدِ الذِّهْني، وقد تقدَّم أنَّ
الأعرابي واحد الأعراب: وهم مَن سَكنَ البادية عَرباً كانوا أو عَجَماً، وإنَّما تركوه یبول في
(١) عند شرح قوله: ((فكسرها)) من حديث رقم (٢١٦)، وانظر تعليقنا عليه هناك.

٦٦٢
باب ٥٨ / ح ٢٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
المسجد، لأنَّه كان شَرَعَ في المفسدة، فلو مُنِعَ لَزادتْ، إذْ حصل تلويث جزء من المسجد،
فلو مُنِعَ لدارَ بين أمرين: إمَّا أنْ يَقْطَعه فيتضرَّر، وإمَّا أنْ لا يَقْطَعه فلا يأْمَن من تنجيس
بدَنه أو ثوبه أو مواضع أُخرى من المسجد.
قوله: ((هَمَّام)) هو ابن يحيى، وإسحاق: هو ابن عبد الله بن أبي طَلْحة.
قوله: ((عن أنس)) ولمسلم (٢٨٥): حدَّثني أنس.
قوله: ((رأى أعرابيّا)) حكى أبو بكر التاريخي عن عبد الله بن نافع المدنيّ: أنَّه الأقرع بن
حابس التميمي، وقيل غيره كما سيأتي قريباً.
قوله: ((في المسجد)) أي: مسجد النبي ◌َّ
قوله: ((فقال: دَعُوه)) كان هذا الأمر بالتركِ عَقِب زَجْر الناس له كما سيأتي.
قوله: ((حتَّى)) أي: فتركوه حتَّى فرغ من بوله، فلمَّا فَرَغَ دَعَا النبي ◌َّهِ ((بماءٍ)) أي: في
دَلْو كبير ((فصَبَّه)) أي: فأمَرَ بصَبِّه كما سيأتي ذلك كلّه صريحاً.
وقد أخرج مسلم (٢٨٥) هذا الحديث من طريق عِكْرمة بن عمَّار عن إسحاق فساقه
مُطوَّلاً بنحوٍ ممّا شرحناه، وزاد فيه: ثمَّ إنَّ رسول الله وَِّ دَعاه فقال له: ((إنَّ هذه المساجد
لا تَصلُح لشيءٍ من هذا البول ولا القَذَر، إنَّما هي لِذِكْر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن)).
وسنذکر فوائده في الباب الآتي بعده إن شاء الله تعالى.
٥٨- باب صبِّ الماءِ على البول في المسجد
٢٢٠ - حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرني عبيد الله بنُ
عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ: أنَّ أبا هُرَيرةَ قال: قام أعرابيٌّ فبالَ في المسجدِ فَتَنَاوَلَه الناسُ، فقال
لهمُ النبيُّ ◌ََّ: «دَعُوه، وهَرِيقُوا على بَوْلِهِ سَجْلاً من ماءٍ، أو ذَنُوباً من ماءٍ، فإِنَّا بُعِثْتُم مُيَسِّرِينَ
ولم تُبعَثُوا مُعَسِّرِينَ)).
[طرفاه في: ٦١٢٨،٦٠١٠]

٦٦٣
باب ٥٨ / ح ٢٢٠
كتاب الوضوء
قوله في («باب صبِّ الماء)): ((أخبرني عبيد الله)) كذا رواه أكثرُ الزُّواة عن الزُّهْريّ، ورواه
سفيان بن عُيَينةَ عنه عن سعيد بن المسيِّب، بدلَ عُبيدِ الله، وتابعَه سفيان بن حسين،
فالظاهر أنَّ الرُّوایتینِ صحیحتان.
قوله: ((قام أعرابيٌّ)) زاد ابن عُيَينةَ عند التِّرمِذيّ (١٤٧) وغيره في أوَّلِه: ((أَنَّه صَلَّى ثمَّ
قال: اللهمَّ ارَمْني ومحمداً ولا تَرْحَم معنا أحداً. فقال له النبي ◌َّ: لقد تَحَجَّرْتَ واسعاً.
فلم يَلْبَثْ أنْ بالَ في المسجد)) وهذه الزِّيادة ستأتي عند المصنِّف مُفرَدة في الأدب (٦٠١٠)
من طريق الزُّهْري عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة.
وقد روى ابن ماجَهْ (٥٢٩) وابنُ حِبّان (٩٨٥) الحديث تامّاً من طريق محمد بن عَمْرو
عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة، وكذا رواه ابن ماجَهْ أيضاً (٥٣٠) من حديث واثلة بن
الأسقَعِ(١)، وأخرجه أبو موسى المديني في الصحابة من طريق محمد بن عَمْرو بن عطاء عن
سليمان بن يسار قال: ((اطَلَعَ ذو الخُوَيصِرةَ اليَمَاني وكان رجلاً جافياً)) فذكره تامّاً بمعناه
وزيادة، وهو مُرسَل، وفي إسناده أيضاً مُبهَمٌ بين محمد بن إسحاق وبين محمد بن عَمْرو بن
عطاء، وهو عندَه من طريق الأصَمِّ عن أبي زُرْعة الدِّمشقي عن أحمد بن خالد الوَهْبي عنه،
وهو في جمع مسند ابن إسحاق لأبي زُرْعة الدِّمشقي من طريق الشّاميّين عنه بهذا السَّنَدِ
لكن قال في أوَّلِهِ: ((اطَلَعَ ذو الخوَيْصِرة التميمي وكان جافياً)) والتميمي: هو حُرْقوص بن
زهير الذي صارَ بعدَ ذلك من رؤوس الخوارج، وقد فرَّقَ بعضهم/ بينه وبين اليَمَاني، ٣٢٤/١
لكن له أصل أصيل، واستُفيدَ منه تسمية الأعرابيِّ وقد تقدَّم قول التاريخي: إنَّه الأقرعُ، ويُقِلَ
عن أبي الحسين بن فارس: أنَّه عُبَينة بن حِصْن، والعلم عند الله تعالى.
قوله: ((فَتَناوَلَه الناسُ)) أي: بأَلْسِنَتِهِم، وللمصنِّف في الأدب (٦١٢٨): ((فثارَ إليه الناسُ))،
وله في روايةٍ عن أنس (٦٠٢٥): ((فقاموا إليه))، وللإسماعيليِّ: «فأراد أصحابه أنْ يمنعوه))، وفي
رواية أنس (٢٢١) في هذا الباب: ((فَزَجَرَه الناسُ))، وأخرجه البيهقي (٤٢٧/٢-٤٢٨) من
(١) وإسناده ضعيف.

٦٦٤
باب ٥٨ / ح ٢٢١
فتح الباري بشرح البخاري
طريق عَبْدان شيخ المصنِّف فيه بلفظ: ((فصاحَ الناسُ به))، وكذا للنَّسائيّ (٥٥) من طريق ابن
المبارك، فظهر أنَّ تَناوُلَه كان بالألْسِنة لا بالأيدي، ولمسلم (١٢٨٥) من طريق إسحاق عن
أنس: ((فقال الصحابة: مَهْ مَہ)).
قوله: ((وهَريقُوا)) وللمصنِّ في الأدب (٦٠٢٨): ((وأهريقوا)) وقد تقدَّم توجيهها في
((باب الغُسْل في المِخضَب)) (١٩٨).
قوله: ((سَجْلاً) بفتح المهمَلة وسكون الجيم، قال أبو حاتم السِّجِسْتاني: هو الدَّلْوُ مَلْأى
ولا يقال لها ذلك وهي فارغة. وقال ابن دُرَيْد: السَّجْل: دلو واسعة. وفي ((الصِّحاح)):
الدَّلْوُ الضَّخْمةُ.
قوله: ((أو ذَنُوباً) قال الخليل: الدَّلْوُ مَلْأى ماءً. وقال ابن فارس: الدَّلْوُ العظيمةُ. وقال
ابن السِّكّيت: فيها ماء قريب من المِلْءٍ، ولا يقال لها وهي فارغة ذَنُوب. انتهى، فعلى
الترادُفِ ((أو)) للشَّكِّ من الراوي، وإلَّا فهي للتَّخْيير، والأوَّل أظهَرُ، فإنَّ روايةً أنس لم
تختلفْ في أنَّهَا ذَنوب، وقال في الحديث: ((من ماء)) مع أنَّ الذَّنوبَ من شَأْنِها ذلك، لكنَّه
لفظٌّ مُشترَكٌ بينه وبين الفَرَسِ الطّويل وغيرهما.
قوله: ((فإنََّا بُعِثْتُم)) إسناد البعث إليهم على طريق المجاز، لأنَّه هو المبعوثُ وَّ بما ذكر،
لكنَّهم لمَّا كانوا في مقام التبليغ عنه في خُضورِه وغَيِبَتِه أطلق عليهم ذلك، إذْ هم مبعوثون
من قِبَلِه بذلك، أي: مأمورون. وكان ذلك شَأْنِهِ وَّهِ في حقِّ كلِّ مَن بَعَثَه إلى جهةٍ من
الجِهات يقول: ((يَسِّروا ولا تُعسِّروا)).
٢٢١- حدَّثنا عَبْدانُ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: سمعتُ
أنسَ بنَ مالكِ، عن النبيِّ آلّ.
وحدَّثنا خالدٌ قال: وحدَّثنا سليمانُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ قال:
جاءَ أعرابيٌّ فبالَ في طائفةِ المسجدِ فَزَجَرَه الناسُ، فتَهاهُمُ النبيُّ ◌َ له فلمَّا قَضَى بَوْلَه أمُرَ النّبِيُّ ◌َه
بذَنُوبٍ من ماءٍ فُهُرِيقَ عليه.

٦٦٥
باب ٥٨ / ح ٢٢١
كتاب الوضوء
قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابنُ المبارَك، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاريُّ.
قوله: ((وحدَّثنا خالد)) سقطت الواوُ من رواية كَرِيمة، والعَطْف فيه على قوله: ((حدَّثنا
عبدان)»، وسليمانُ: هو ابن بلال، وبان لي أن المتن على لفظ روايته؛ لأنَّ لفظ عبدان فيه
مُخالَفة لسياقِه كما أشرنا إليه أنَّه عند البيهقي (٤٢٧/٢-٤٢٨).
قوله: ((في طائفَة المسجد)) أي: ناحيَتِه، والطائفة: القِطْعة من الشيء.
قوله: «فنهاهم)) في رواية عبدان: «فقال: اتركوه، فتركوه)).
قوله: ((فُهُريقَ عليه)) كذا لأبي ذرٍّ، وللباقين: ((فأُهريقَ عليه)) ويجوزُ إسكان الهاء وفتحها
كما تقدَّم، وضَبَطَه ابن الأثير في ((النِّهاية)) بفتح الهاءِ أيضاً.
وفي هذا الحديث من الفوائد: أنَّ الاحترازَ من النجاسة كان مُقرَّراً في نُفوسِ الصحابة،
ولهذا بادروا إلى الإنكار بحَضْرَتِهِ وَ﴿ قبل استئذانه، ولما تقرَّر عندَهم أيضاً من طلب
الأمر بالمعروفِ والنهي عن المُنكَر.
واستُدلَّ به على جواز التمَسُّك بالعموم إلى أنْ يظهرَ الخصوص.
قال ابن دَقِيق العيد: والذي يظهرُ أنَّ التمَسُّكَ يَتَحَتَّمُ عند احتمال التخصيص عند
المجتهد، ولا يجبُ التوقُّف عن العمل بالعموم لذلك، لأنَّ علماءَ الأمصار ما بَرِحوا
يُفْتون بما بَلَغَهم من غير تَوقُّفٍ على البحث عن التخصيص، ولهذه القِصَّة أيضاً إذْ لم
يُنكِرِ النبيِ وَ﴿ على الصحابة ولم يقل/ لهم: لِمَ نَهَيْتُم الأعرابيَّ؟ بل أمرهم بالكَفِّ عنه ٣٢٥/١
للمصلحة الراجحة، وهو دَفْعُ أعظم المفسدَتَينِ باحتمال أيسرِهما، وتحصيلُ أعظم
المصلحتَينِ بتركِ أيسرٍ هما.
وفيه المبادرةُ إلى إزالة المفاسدِ عند زوال المانع لأمرهم عند فراغِه بصَبِّ الماء.
وفيه تعيين الماء لإزالة النجاسة، لأنَّ الجَفافَ بالرّيح أو الشمسِ لو كان يكفي لَمَا .
حصل التكليفُ بطلب الدَّلْو.
وفيه أنَّ غُسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، ويَلتَحِقُ به غير الواقعة، لأنَّ البَلّةَ

٦٦٦
باب ٥٨ / ح ٢٢١
فتح الباري بشرح البخاري
الباقية على الأرض غُسالة نجاسة، فإذا لم يَثْبُتْ أنَّ التُراب نُقِلَ وعَلِمْنا أنَّ المقصودَ التطهير،
تَعيَّن الحُكْم بطهارة البِلّة، وإذا كانت طاهرة فالمنفصِلَة أيضاً مِثْلُها لعدم الفارق.
ويُستَدِلُّ به أيضاً على عدم اشتراط نُضوبِ الماء، لأنَّه لو اشتُرِطَ لتَوَقَّفَتْ طهارةُ الأرض
على الجفاف. وكذا لا يُشترَطُ عصر الثوب إذْ لا فارق.
قال الموفَّق في ((المغني)) بعدَ أنْ حكى الخلاف: الأَولى الحُكْم بالطهارة مُطلَقاً، لأنَّ النبيَّ
وَلّه لم يشترطْ في الصَّبِّ على بَوْلِ الأعرابيِّ شيئاً.
وفيه الرِّفْقُ بالجاهلِ وتعليمه ما يلزمُه من غير تَعْنيفٍ إذا لم يكن ذلك منه عِناداً، ولا
سيَّما إنْ كان مَّن يُحتاجُ إلى استئلافه.
وفيه رَأْفُ النبيِّ ◌َلِ وحُسْنُ خُلُقِه، قال ابن ماجه (٥٢٩) وابنُ حِبّان (٩٨٥) في حدیث
أبي هريرة: فقال الأعرابي - بعدَ أنْ فُقُّهَ في الإسلام فقام إلى النبيِّ بَّهِ ــ: بأبي أنتَ وأُمّي،
فلم يُؤَنِّبْ ولم يَسُبَّ.
وفيه تعظيمُ المسجد وتنزيهُه عن الأقذار، وظاهر الخَصْر من سياق مسلم (٢٨٥) في
حديث أنس، أنَّه لا يجوزُ في المسجد شيءٌ غيرُ ما ذكر من الصلاة والقرآنِ والذِّكْر، لكنَّ
الإجماع على أنَّ مفهومَ الحَصْر منه غير معمولٍ به، ولا رَيْبَ أنَّ فعل غير المذكورات وما في
معناها خلافُ الأَولى، والله أعلم.
وفيه أنَّ الأرضَ تَطْهُرُ بصَبِّ الماء عليها ولا يُشترَطُ حَفْرها خلافاً للحَنَفيَّة حيثُ
قالوا: لا تَطْهُرُ إلَّا بحَفْرِها، كذا أطلق النَّووي وغيره، والمذكور في كتب الحنفيّة التفصيلُ
بين إذا كانت رَخْوة بحيثُ يَتَخلَّلُها الماء حتَّى يَغْمُرَها، فهذه لا تحتاجُ إلى حَفْرٍ، وبين ما إذا
كانت صُلْبة فلا بُد من حَفْرِها وإلقاء التُّراب؛ لأنَّ الماءَ لم يَغْمُرْ أعلاها وأسفلها، واحتَجّوا
فیه بحديثٍ جاءَ من ثلاثِ طرق:
أحدها: موصول عن ابن مسعود، أخرجه الطَّحاوي (١ / ١٤)، لكنَّ إسناده ضعيفٌ،
قاله أحمد وغيره.

٦٦٧
باب ٥٩ / ح ٢٢٢
كتاب الوضوء
والآخران: مُرسَلان أخرج أحدَهما أبو داود (٣٨١) من طريق عبد الله بن مَعِقِل بن
مُقَرِّن، والآخر سعيد بن منصور من طريق طاووس(١)، ورواتهما ثقات، وهو يلزمُ مَن
يَحَتَجُّ بالمُرْسَلِ مُطلَقاً، وكذا مَن يَحَتَجُّ به إذا اعتَضَدَ مُطلَقاً، والشافعي إنَّما يَعتَصدُ عندَه إذا
كان من رواية كِبار التابعين، وكان مَن أرسَلَ إذا سَمَّى لا يُسمّي إلَّا ثقة، وذلك مفقود في
المُرسَلَينِ المذكورَينِ على ما هو ظاهرٌ من سندَيْهما، والله أعلم.
وسيأتي باقي فوائده في كتاب الأدب (٦١٢٨) إن شاء الله تعالى.
٥٩ - باب بول الصَّبيان
٢٢٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن
عائشةَ أُمّ المؤمنينَ، أنَّها قالت: أَنيَ رسولُ الله ◌َّ بِصَبِيِّ فبالَ على ثوبِهِ، فَدَعَا بماءٍ فأنْبَعَه إِّاه.
[أطرافه في: ٥٤٦٨، ٦٠٠٢، ٦٣٥٥]
قوله: ((باب بول الصِّبْيان)) بكسر الصاد ويجوزُ ضَمُّها جمعُ صَبي، أي: ما حُكْمُه؟ وهل
يَلْتَحِقُ به بَوْل الصَّبايا - جمع صَبيَّة - أم لا؟ وفي الفَرْقِ أحاديث ليست على شرطِ المصنّف:
منها: حديث علي مرفوعاً في بول الرَّضيع: ((يُنضَحُ بولُ الغلام ويُغسَلُ بولُ الجارية)»
أخرجه أحمد (٥٦٣) وأصحاب السُّنَن إلَّا النَّسائيّ(٢) من طريق هشام، عن قتادة، عن أبي
حرب بن/ أبي الأسود، عن أبيه، عنه، قال قتادة: هذا ما لم يَطْعَما الطعام. وإسناده صحيح، ٣٢٦/١
ورواه سعيد عن قتادة فوَقَفَه(٣)، وليس ذلك بعِلّةٍ قادِحةٍ.
ومنها: حديث لُبابة بنت الحارث مرفوعاً: ((إنَّما يُغسَلُ من بول الأنثى ويُنضَحُ من بول
الذَّكَرِ)) أخرجه أحمد (٢٦٨٧٥) وابن ماجَهْ (٥٢٢) وصَحَّحَه ابن خُزَيمة (٢٨٢) وغيرُهُ(٤).
(١) وأخرجه الطحاوي أيضاً في ((شرح معاني الآثار)) ١/ ١٤.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٧٨)، وابن ماجه (٥٢٥)، والترمذي (٦١٠).
(٣) أخرجه من طريقه موقوفاً أبو داود (٣٧٧) ومن طريقه البيهقي ٤١٥/٢.
(٤) فاته أن يخرجه من (سنن أبي داود»، فهو فيه برقم (٣٧٥).

٦٦٨
باب ٥٩ / ح ٢٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
ومنها: حديثُ أبي السَّمْح نحوُه بلفظ: (يُرَشَّ)) رواه أبو داود (٣٧٦) والنَّسائي
(٣٠٤)، وصَحَّحَه ابن خُزَيمة (٢٨٣) أيضاً.
قوله: ((بصَبِيٍّ)) يظهرُ لي أنَّ المراد به ابن أُمِّ قيسِ المذكورُ بعدَه، ويحتمل أنْ يكون الحسن
ابن علي أو الحسين، فقد روى الطبراني في «الأوسط)) (٦١٩٧) من حديث أُم سَلَمةَ بإسنادٍ
حسنٍ (١) قالت: ((بال الحسنُ - أو الحسين - على بَطْن رسول الله،وَلَه فتركه حتَّى قَضَى بَوْلَه،
ثُمَّ دَعا بماءٍ فصَبَّه عليه)). ولأحمد (١٩٠٥٧) عن أبي ليلى نحوُه. ورواه الطَّحاوي (١/ ٩٣)
من طريقه قال: ((فجيءَ بالحسن)) ولم يتردّد، وكذا للطبراني عن أبي أُمامة (٢).
وإِنَّمَا رَجَّحْت أنَّه غيرُه، لأنَّه عند المصنّف في العَقيقة (٥٤٦٨) من طريق يحيى القَطَّان،
عن هشام بن عُرْوة: (أُتِيَ النبيِ نَّهِ بِصَبِيِّ يُحِنُِّه)) وفي قِصَّتِهِ أنَّه بالَ على ثوبه، وأمَّا قِصّةُ
الحسنِ ففي حديث أبي ليلى وأُم سَلَمة: أنَّه بالَ على بَطْنِهِ وَلِّ. وفي حديث زينب بنت
جَحْش عند الطبراني (١٤١/٢٤): ((أنَّه جاءَ وهو يَحْبو والنبيِ نَّهِنائمٌ، فصَعِدَ على بَطْنِهِ
ووَضَعَ ذكره في سُرَّتِه فبالَ)) فذكر الحديث بتمامه فظهرت التفرقةُ بينهما.
قوله: ((فَتْبَعَه)) بإسكان المثنَّة، أي: أتْبَعَ رسولُ اللهِ وَليهِ البول الذي على الثوب الماءَ
يَصُبُّه عليه، زاد مسلم (٢٨٦) من طريق عبد الله بن ثُمَير عن هشام: «فأتْبَعَه ولم يَغْسِلْه)).
ولابن المنذر من طريق الثَّوْري عن هشام: ((فصَبَّ عليه الماءَ)، وللطّحاوي (١/ ٩٣) من
طريق زائدةَ الثَّقَفي عن هشام: ((فنَضَحَه عليه)).
٢٢٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابن شِهابٍ، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله
ابنِ عُنَْ، عن أُمّ قيسٍ بنتٍ مِحْصَنٍ: أَنَّهَا أَتَتْ بابنٍ لها صغيرٍ لم يأْكُلِ الطَّعامَ إلى رسولِ اللهِ وَّ)
فأجلَسَه رسولُ الله وَلَ فِي حِجْرِه، فبالَ على ثوِهِ، فَدَعَا بماءٍ فَتَضَحَه، ولم يَغسِلْه.
[طرفه في: ٥٦٩٣]
(١) بل إسناده ضعيف، فيه شيخ الطبراني محمد بن حنيفة الواسطي، ليس بالقوي، وجدُّه فيه جهالةٌ.
(٢) هو عند الطبراني في (الكبير)) (٧٦٩٩)، ووقع فيه ((الحسين)) مصفَّراً.

٦٦٩
باب ٥٩ / ح ٢٢٣
كتاب الوضوء
قوله: ((عن أُمّ قيس)) قال ابن عبد البَرِّ: اسمُها جُذامة، يعني بالجيم والمعجَمة، وقال
السُّهيلي: اسمها آمنة وهي أُختُ عُكّاشة بن مِحْصَن الأسدي، وكانت من المهاجرات الأُوَل
كما عند مسلم (١٠٤/٢٨٧) من طريق يونس عن ابن شهابٍ في هذا الحديث، وليس لها في
((الصحيحين)) غيره وغير حديثٍ آخرَ في الطِّبّ (٥٦٩٢) وفي كُلٌّ منهما قِصّة لابنها، ومات
ابْنُها في عَهْدِ النبيِّ ◌َّه وهو صغيرٌ كما رواه النَّسائيُّ (١٨٨٢) ولم أقِفْ على تسميته.
قوله: ((لم يأكل الطَّعامَ)) المراد بالطعام ما عدا اللَّبَن الذي يَرتضِعُه والتمر الذي يُنَّكُ به
والعسل الذي يَلعَقُه للمُداواة وغيرها، فكان المراد أنَّه لم يَحَصُلْ له الاغتذاء بغير اللَّبَنِ على
الاستقلال، هذا مُقْتَضى كلام النَّووي في ((شرح مسلم)) و((شرح المهذَّب)) وأطلق في
((الرَّوْضة)» - تَبَعاً لأصلِها - أنَّه لم يَطْعَم ولم يشربْ غير اللَّبَن. وقال في ((نُكَت التنبيه)): المرادُ
أنَّه لم يأْكُلْ غيرِ اللَّبَنِ وغيرِ ما يُحِنَّكُ به وما أشبهَه.
وحمل الموفَّق الحَمَوي في ((شرح التنبيه)) قوله: ((لم يأْكُل)) على ظاهره فقال: معناه لم
يَستَقِلَّ بجَعْلِ الطعام في فيه. والأوَّلُ أظهرُ، وبه جزم الموفَّق بن قُدامةَ وغيره.
وقال ابن التِّين: يحتمل أنَّها أرادتْ أنَّه لم يتقوَّتْ بالطعام ولم يَستَغْنِ به عن الرَّضاع.
ويحتمل أنَّهَا إِنَّما جاءَتْ به عند ولادتِه ليُحنِّكه وَلِّ، فيُحمَلُ النَّفيُ على عمومِهِ، ويؤيِّدُ ما
تقدَّم أنَّه للمصنّف في العَقيقة (٥٤٦٨).
قوله: ((فأجلَسَه)) أي: وَضَعَه إنْ قلنا: إنَّه كان لمَّا وُلِد، ويحتمل أنْ يكون الجلوسُ
حصل منه على العادة إنْ قلنا: كان في سِن مَن يَحْبو كما في قِصَّة الحسن.
قوله: ((على ثوبه)) أي: ثوب النبي ◌ََّ، / وأغربَ ابن شَعْبان من المالكيَّة فقال: المرادُ به ٣٢٧/١
ثوب الصَّبي، والصواب الأوَّل.
قوله: ((فَتَضَحَه)) ولمسلم (٢٨٧/ ١٠٣) من طريق الليث عن ابن شِهابٍ: ((فلم يَزِدْ على
أنْ نَضَحَ بالماء)»، وله من طريق ابن عُيَينةَ عن ابن شِهابٍ: ((فَرَشَّه))، زاد أبو عَوَانة في
(«صحیحه)) (٥١٩): «علیه)).

٦٧٠
باب ٥٩ / ح ٢٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
ولا تَخَالُفَ بين الرِّوايتَينِ - أي: بين نَضَحَ ورَشَ - لأنَّ المراد به أنَّ الابتداءَ كان بالرَّشِّ
وهو تنقيط الماء، وانتهى إلى النَّصْح وهو صَبُّ الماء. ويؤيِّدُه رواية مسلمٍ (١٠٢/٢٨٦) في
حديث عائشة من طريق جَرِير عن هشام: ((فَدَعا بماءٍ فصَبَّه عليه))، ولأبي عَوَانة (٥١٨):
((فصَبَّه على البولِ يُتِبِعُه إِيَّاه)).
قوله: ((ولم يَغْسِلْه)) اذَّعَى الأَصِيلي أنَّ هذه الجملةَ من كلام ابن شهابٍ راوي الحديث،
وأنَّ المرفوعَ انتهى عند قوله: ((فنَضَحَه)) قال: وكذلك روى مَعمَر عن ابن شِهابٍ، وكذا
أخرجه ابن أبي شيبة (١٢٠/١) قال: ((فرَشَہ)) لم یَزِدْ علی ذلك، انتھی.
وليس في سياق مَعمَر ما يدلُّ على ما ادَّعاه من الإدراج، وقد أخرجه عبد الرزاق
(٢٠١٦٨) عنه بنحوِ سياقٍ مالك لكنَّه لم يقل: ((ولم يَغِلْه)) وقد قالها مع مالك الليثُ
وعَمْرو بن الحارث ويونس بن يزيد، كلَّهم عن ابن شِهابٍ، أخرجه ابن خُزيمة (٢٨٥)
والإسماعيلي وغيرُهما من طريق ابن وَهْبٍ عنهم، وهو لمسلم (٢٨٧/ ١٠٤) عن يونسَ
وحده.
نَعَم زاد مَعمَرٌ في روايته قال: «قال ابن شِهابٍ: فمضت السُّنَّةُ أنْ يُرَشَ بَوْل الصَّبي
ويُغسَلَ بَوْل الجارية)) فلو كانت هذه الزِّيادة هي التي زادها مالك ومَن تَّبِعَه، لَأمكنَ
دعوى الإدراج، لكنَّها غيرُها فلا إدراج.
وأمَّا ما ذكره عن ابن أبي شَيْبة فلا اختصاصَ له بذلك، فإنَّ ذلك لفظ رواية ابن عُيَينةً
عن ابن شِهابٍ، وقد ذكرناها عن مسلم وغيره وبَيَّا أنَّها غيرُ مخالفةٍ لرواية مالك، والله
أعلم.
وفي هذا الحديث من الفوائد: النَّذْبُ إلى حُسْنِ المُعاشَرة والتواضُعِ والرِّفْقِ بالصِّغار،
وتحنيكِ المولود والتبرُّكِ بأهل الفضلِ وحملِ الأطفال إليهم حال الولادة وبعدها، وحُكْم
بَوْل الغلام والجارية قبل أنْ يَطْعَما، وهو مقصودُ الباب، واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة
مذاهبَ هي أوجُهُ للشّافعيّة:

٦٧١
باب ٦٠ / ح ٢٢٤
كتاب الوضوء
أصحُّها: الاكتفاء بالنَّصْح في بول الصَّبي لا الجارية، وهو قولُ علي وعطاء والحسن
والزُّهْري وأحمد وإسحاق وابن وَهْبٍ وغيرهم، ورواه الوليد بن مسلم عن مالكٍ، وقال
أصحابه: هي روايةٌ شائَّةٌ.
والثاني: يكفي النَّصْح فيهما، وهو مذهبُ الأوزاعي، وحُكيَ عن مالك والشافعي،
وخَصَّصَ ابن العربيِّ النقل في هذا بما إذا كانا لم يَدخُلْ أجوافَهما شيء أصلاً.
والثالث: هما سواء في وجوب الغسل، وبه قال الحنفيّة والمالكيَّةُ، قال ابن دقيق العيد:
اتَّبَعوا في ذلك القياسَ وقالوا: المراد بقولها: ((ولم يَغِلْه)) أي: غسلاً مُبالَغاً فيه، وهو خلافُ
الظاهر، ويُبْعِدُه ما وَرَدَ في الأحاديث الأُخَر - يعني التي قدَّمناها - من التفرقة بين بَوْل
الصَّبِي والصَّبيَّة، فإنَّهم لا يُفرِّقون بينهما، قال: وقد ذُكِرَ في التفرقة بينهما أوجُهُ: منها ما هو
رَكِيك، وأقوى ذلك ما قيل: إنَّ النُّفُوسَ أعلَقُ بالذُّكورِ منها بالإناث، يعني: فحصلت
الرّخْصة في الذُّكورِ لكثرة المَشَقّة.
واستدلَّ به بعض المالكيَّة على أنَّ الغسلَ لا بُدَّ فيه من أمرِ زائدٍ على مجرَّدِ إيصال الماء إلى
المَحَلِّ. قلت: وهو مُشكِلٌ عليهم، لأنَّهم يَدَّعون أنَّ المراد بالنَّضْح هنا الغسل.
تنبيه: قال الخطَّابي: ليس تجويز مَن جَوَّزَ النَّضْح من أجلِ أنَّ بول الصَّبي غير نَجِس،
ولكنَّه لتخفيف نجاسته. انتھی.
٠
وأثبَتَ الطَّحاوي الخلافَ فقال: قال قومٌ بطهارة بول الصَّبي قبل الطعام، وكذا جزم
به ابن عبد البَرِّ وابن بَطَّالٍ ومَن تَبِعَهما عن الشافعي وأحمد وغيرهما، ولم يُعرَفْ ذلك عن
الشافعيَّة ولا/ الحنابلة، وقال النَّووي: هذه حكاية باطلة. انتهى، وكأنَّهم أخذوا ذلك من ٣٢٨/١
طريق اللازم، وأصحابُ المذهب أعلم بمرادِه من غيرهم، والله أعلم.
٦٠ - باب البول قائماً وقاعداً
٢٢٤ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا شُعْبَةٌ، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن حُذَيفةَ قال: أَتی
النبيُّ وَّ سُبَاطَةَ قومٍ فبالَ قائماً، ثمَّ دَعَا بماءٍ فحِثْتُهُ بماءٍ فتوضَّأَ.
[أطرافه في: ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٤٧١]

٦٧٢
باب ٦٠ / ح ٢٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب البول قائماً وقاعداً)) قال ابن بَطَّالٍ: دلالةُ الحديث على القعودِ بطريق
الأَولى، لأَنَّه إذا جازَ قائماً فقاعداً أجوَزُ.
قلت: ويحتمل أنْ يكون أشار بذلك إلى حديث عبد الرحمن بن حَسَنة الذي أخرجه
النَّسائي (٣٠) وابن ماجَهْ (٣٤٦) وغيرهما فإنَّ فيه: بالَ رسولُ اللهِ وَِّ جالساً فقلنا:
انظُرُوا إليه يَبولُ كما تبول المرأة.
وحكى ابن ماجَهْ (٣٠٩) عن بعض مشايخه أنَّه قال: كان من شَأْنِ العربِ البولُ قائماً،
ألا تراه يقول في حديث عبد الرحمن بن حَسَنة: ((قَعَدَ يَبولُ كما تَبولُ المرأة)» انتهى. وقال في
حديث حُذَيفة(١): ((قام كما يقومُ أحدُكُمْ))، ودلَّ حديث عبد الرحمن المذكورُ على أنَّهِ وَه
كان يخالفُهم في ذلك فيَقعُدُ لكَوْنه أسترَ وأبعَدَ من ◌ُماسّة البول، وهو حديثٌ صحيحٌ
صَحَّحَه الدَّارَ قُطنيّ(٢) وغيرُه، ويدلُّ عليه حديثُ عائشة قالت: ما بالَ رسولُ اللهِِّ قائماً
منذُ أُنزِلَ عليه القرآنُ. رواه أبو عَوَانة في «صحيحه)) (٥٠٤) والحاكمُ (١/ ١٨١).
قوله: ((عن أبي وائل)) ولأبي داود الطَّيالسي في «مسنده)) (٤٠٦) عن شُعْبةَ، عن
الأعمَش: أنَّه سمع أبا وائل، ولأحمد (٢٣٤١٤) عن يحيى القَطَّان، عن الأعمش: حدَّثني
أبو وائل.
قوله: ((سُبَاطَة قوم)) بضم المهمَلة بعدَها موخَّدة: هي المَزَبَلةُ والكُناسةُ تكون يفِناءِ
الدُّورِ مِرْفَقاً لأهلِها، وتكون في الغالب سَهْلة لا يَرْتَدُّ فيها البول على البائل، وإضافتها إلى
القوم إضافة اختصاصٍ لا مِلْكِ، لأنَّها لا تَخْلو عن النجاسة، وبهذا يَندفِعُ إيراد مَن
استشكله لكَوْن البول يُوهِي الجِدار ففيه إضرار، أو نقولُ: إنَّما بالَ فوقَ السُّباطة لا في
أصل الجدار، وهو صريح في رواية أبي عَوَانة في («صحيحه)) (٤٩٩).
وقيل: يحتمل أنْ يكون عَلِمَ إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره، أو لكَوْنه ممَّا يتسامحُ
(١) الآتي عند البخاري برقم (٢٢٥).
(٢) في ((العلل)) ٧/ ٩٥.

٦٧٣
باب ٦٠ / ح ٢٢٤
كتاب الوضوء
الناسُ به، أو لعِلْمه بإيثارهم إِيَّاه بذلك، أو لكَوْنه يجوزُ له التصرُّفُ في مال أُمَّتِه دون غيره،
لأنَّه أولى بالمؤمنين من أنفُسِهم وأموالهم، وهذا وإنْ كان صحيحَ المعنى، لكن لم يُعهَدْ ذلك
من سيرته ومكارم أخلاقِه ێ.
قوله: (ثُمَّ دَعَا بماءٍ)) زاد مسلم (٧٣/٢٧٣) وغيره من طرقٍ عن الأعمَش: ((فتَنَخَّيْت
فقال: اذْنُه، فدَنَوْتُ حتَّى قُمْت عند عَقِبَيَه))، وفي رواية أحمد (٢٣٤١٤) عن يحيى القَطَّان:
((أتى سُباطة قوم فَتَباعدْتُ منه، فأدناني حتَّى صِرْت قريباً من عَقِبيه فبالَ قائماً، ودَعا بماءٍ
فتوضَّأ ومَسَحَ على خُفَيْه))، وكذا زاد مسلم وغيره فيه ذِكْر المسح على الخُفَّين، وهو ثابتٌ
أيضاً عند الإسماعيليِّ وغيره من طرقٍ عن شُعْبةَ عن الأعمش، وزاد عيسى بن يونس فيه
عن الأعمَش: أنَّ ذلك كان بالمدينة، أخرجه ابن عبد البَرِّ في ((التمهيد)) (١٤٥/١١) بإسنادٍ
صحيحٍ، وَزَعَمَ في ((الاستذكار)) أنَّ عيسى تفرَّد به وليس كذلك، فقد رواه البيهقي
(١/ ٢٧٤) من طريق محمد بن طَلْحة بن مُصرِّف عن الأعمَش كذلك، وله شاهدٌ من
حديث عِصْمة بن مالك سنذكره بعدُ(١).
واستُدلَّ به على جواز المسح في الحَضَرِ، وهو ظاهر، ولعلَّ البخاريَّ اختصره لتفرُّدِ
الأعمش به، فقد روى ابن ماجَهْ (٣٠٦) من طريق شُعْبةَ أنَّ عاصماً رواه له عن أبي وائل عن
المغيرة: ((أنَّ رسولَ الله ◌ِّهِ أتى سُباطة قوم فبالَ قائمًا)) قال عاصم: وهذا الأعمَشُ يَرْويه عن
أبي وائل عن حُذَيفةَ وما حَفِظَه؛ يعني: أنَّ روايتَه هي الصواب. قال شُعْبة: فسألتُ عنه
منصوراً فحدَّثنيه عن أبي وائل/ عن حُذَيفةَ، يعني: كما قال الأعمش، لكن لم يذكر فيه المسح، ٣٢٩/١
فقد وافق منصورٌ الأعمَشَ على قوله: ((عن حُذَيفَةَ)) دون الزِّيادة، ولم يَلتَفِتْ مسلم إلى هذه
العِلّة بل ذكرها في حديث الأعمَش، لأنَّها زيادةٌ من حافظٍ.
وقال التِّرمِذي (١٣): حديثُ أبي وائل عن حُذَيفةَ أصح، يعني من حديثه عن المغيرة،
وهو كما قال، وإنْ جَنَحَ ابن خُزيمة إلى تصحيح الرِّوايتَين (٦١ و٦٣) لكَوْن حمّاد بن أبي
(١) في شرح الباب الذي يليه.

٦٧٤
باب ٦١ / ح ٢٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
سليمان وافق عاصاً على قوله: ((عن المغيرة))، فجازَ أنْ يكون أبو وائل سمعه منهما فيصحُ
القولان معاً، لكن من حيثُ الترجيح رواية الأعمَش ومنصور لاتِّفاقِهما أصح من رواية
عاصم وحمّاد لگوْنهما في حِفْظِهما مقالٌ.
٦١ - باب البول عند صاحبه والتستُّ بالحائط
٢٢٥- حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن
حُذَيفةَ قال: رأيتُني أنا والنبيَّ وَِّ نَتَمَاشَى، فَأَتِى سُبَاطَةَ قومٍ خلفَ حائطٍ، فقامَ كما يَقُومُ
أحَدُكُمْ فبالَ، فانْتَبِذْتُ منه، فأشار إليَّ، فحِثْتُهُ فَقُمْتُ عند عَقِهِ حتَّى فَرَغَ.
قوله: «باب البول عند صاحبه» أي: صاحبٍ البائل.
قوله: ((جَرِير)) هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابنُ المُعتَمِر.
قوله: ((رأيتُي)) بضم المنَّاة من فوق.
قوله: ((فانْتَبَذْتُ)) بالنُّون والذّال المعجَمة، أي: تَنَخَّيْتُ، يقال: جَلَسَ فلان نَبْذةً، بفتح
النّون وضمِّها، أي: ناحية.
قوله: ((فأشار إليَّ)) يدلُّ على أنَّه لم يَبعُدْ منه بحيثُ لا يراه. وإنَّما صنع ذلك ليجمع بين
المصلحتين: عدم مُشاهَدتِه في تلك الحالة، وسماع نِدائه لو كانت له حاجة، أو رُؤْية إشارَتِه إذا
أشار له وهو مُستَدِرُه. وليست فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول، لأنَّ هذه الروايةَ
بَيَّنَتْ أنَّ قوله في رواية مسلم (٧٤/٢٧٣): ((ادْنُه)) كان بالإشارة لا باللفظ.
وأمَّا مخالفتُهُ وَِّ لما عُرِفَ من عادته من الإبعادِ - عند قضاء الحاجة - عن الطرقِ
المسلوكة وعن أعيُن النَّظَّارة، فقد قيل فيه: إنَّه ◌َلِّ كان مشغولاً بمصالح المسلمين، فلعلَّه
طالَ عليه المجلس فاحتاجَ إلى البولِ فلو أبعَدَ لَتَضَرَّر، واستَدْنَى حُذَيفةَ ليستُرَه من خَلْفِهِ
من رُؤْية مَن لعلَّه يَمُرُّ به، وكان قُدّامُه مستوراً بالحائط، أو لعلَّه فعله لبيان الجواز، ثمَّ هو
في البولِ وهو أخَفُّ من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تَكَثُّف، ولما يقترنُ به من الرائحة.
والغرضُ من الإبعادِ التستُّر وهو يَحصُلُ بإرخاءِ الذَّيْلِ والدُّنِّ من الساتر.

٦٧٥
باب ٦٢ / ح ٢٢٦
كتاب الوضوء
وروى الطبراني (١٧ / ٤٧٢) من حديث عِصْمة بن مالك قال: ((خرج علينا رسولُ الله
وَ﴿ في بعض سِكَكِ المدينة فانتهى إلى سُباطة قوم فقال: يا حُذَيفة، استُرْني)) فذكر
الحديث(١). وظهر منه الحِكْمة في إدنائه حُذَيفة في تلك الحالة، وكان حُذَيفةُ لمَّا وَقَفَ خلفَه
عند عَقِبه اسْتَدْبَرَه، وظهر أيضاً أنَّ ذلك كان في الحَضَرِ لا فِي السَّفَر.
ويُسْتفادُ من هذا الحديث دَفْع أشدِّ المفسدَتَينِ بأخَفِّهما، والإتيان بأعظم المصلحتَينِ إذا
لم يُمكِنا معاً، وبيانه أنَّه وَّهِ كان يُطيلُ الجلوسَ لمصالح الأُمّة ويُكثِرُ من زيارة أصحابه
وعيادتهِم، فلما حَضَرَه البول وهو في بعض تلك الحالات، لم يُؤَخِّرْه حتَّى يَبِعُدَ كعادته لما
يترتَّبُ على تأخيرِه من الضَّرَرِ، فراعى أهَمَّ الأمرينِ، وقَدَّمَ المصلحةَ في تقريب حُذَيفة منه
ليَسْتُرَه من المارّة على مصلحة تأخيره عنه إذْ لم يُمكِنْ جمعُهما.
٦٢ - باب البول عند سُبَاطة قومٍ
٢٢٦- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرةَ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ قال: كان
أبو موسى الأشعَرِيُّ/ يُشَدِّدُ في البَوْل، ويقول: إنَّ بني إسرائيلَ كان إذا أصابَ ثوبَ أحَدِهم ٣٣٠/١
قَرَضَه، فقال خُذَيفةُ: لَيْتَه أمسَكَ، أتى رسولُ الله ◌َّ سُباطةَ قومٍ فبالَ قائماً.
قوله: ((باب البول عند سُباطَة قوم)) كان أبو موسى الأشعَريُّ يُشدِّدُ في البول، بيَّن ابن
المنذر (٣٣٦/١) وجه هذا التشديد فأخرج من طريق عبد الرحمن بن الأسوَد عن أبيه: أنَّه
سمع أبا موسى ورأى رجلاً يَبولُ قائماً فقال: وَيْحَك! أفَلا قاعداً ... ثمَّ ذكر قِصّةَ بني
إسرائیل، وبهذا يظهرُ مطابقة حديث حُذيفة في تعقُّبه على أبي موسى.
قوله: ((ثوب أحدِهم)) وَقَعَ في مسلم (٢٧٣/ ٧٤): ((جِلْد أحدِهم))، قال القُرْطبي: مرادُه
بالجِلْدِ واحد الجلود التي كانوا يَلْبَسونها. وَلَه بعضهم على ظاهره وزَعَمَ أَّه من الإصِرِ
الذي حملوه، ويؤيِّدُه رواية أبي داود (٢٢) ففيها: ((كان إذا أصاب جسد أحدِهم)) لكنَّ
روايةَ البخاريِّ صريحةٌ في الثّياب، فلعلَّ بعضهم رواه بالمعنى.
(١) وإسناده ضعيف جداً.

٦٧٦
باب ٦٢ / ح ٢٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قَرَضَه)) أي: قَطَعَه. زاد الإسماعيلي: بالمِقْراض، وهو يدفعُ حَمْل مَن حَمَلَ القَرْضَ
على الغسل بالماء.
قوله: (لَيْتَه أمسَكَ)) للإسماعيليّ: ((لَوَدِدْت أنَّ صاحبَكُمْ لا يُشدِّدُ هذا التشديد)) وإنَّما
احتَجَّ حُذَيفة بهذا الحديث، لأنَّ البائلَ عن قيام قد يتعرَّضُ الرَّشَاشِ ولم يَلَفِت النبيُّ ◌َ الَّ إلى
هذا الاحتمال، فدلَّ على أنَّ التشديدَ مخالفٌ للسُّنّة، واستدلَّ به لمالكِ في الرُّخْصة في مِثلِ
رُؤُوسِ الإِبَرِ من البول، وفيه نظرٌّ، لأنَّه وَِّ في تلك الحالة لم يَصِلْ إلى بدَنِه منه شيء، وإلى
هذا أشار ابنُ حِبّان (١) في ذِكْر السبب في قيامه قال: لأنَّه لم يجدْ مكاناً يَصلُحُ للقعودِ فقام
لكَوْن الطَّرَف الذي يليه من السُّباطة كان عالياً، فأمنَ أنْ يَرْتَدَّ إليه شيء من بولِه.
وقيل: لأنَّ السُّباطةَ رَخْوة يَتَخلَّلُها البول، فلا يَرْتَدُّ إلى البائلِ منه شيء. وقيل: إنَّما بالَ
قائماً، لأنَّهَا حالةٌ يُؤْمَنُ معها خروج الرّيحِ بصوتٍ فَفَعَلَ ذلك، لكَوْنه قريباً من الدّيار،
ويؤيِّدُه ما رواه عبد الرزاق عن عمرَ ﴾ قال: البول قائماً أحصَنُ للدُّبُر (٢).
وقيل: السببُ في ذلك ما رُوِيَ عن الشافعي وأحمد: أنَّ العربَ كانت تستشفي لوجع
الصُّلْب بذلك، فلعلَّه كان به(٣).
وروى الحاكمُ (١٨٢/١) والبيهقي (١٠١/١) من حديث أبي هريرة قال: ((إنَّما بالَ
رسولُ اللهَ وَّ قائماً لجُرْح كان في مَأْبِضِه)) والمأبِض بهمزةٍ ساكنةٍ بعدَها موخَّدة ثمَّ
مُعجَمة: باطن الرُّكْبة، فكأنَّه لم يتمَكَّنْ لأجلِه من القعود، ولو صَحَّ هذا الحدیثُ لكان فيه
غِنِّى عن جميع ما تقدَّم، لكن ضَعَّفَه الدَّارَقُطني والبيهقيُّ ، والأظهَر أنَّه فعل ذلك لبيان
(١) كلامه هذا بمعناه بإثر الحدیث (١٤٢٥) من ((صحيحه)).
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من (مصنف عبد الرزاق))، وهذا الأثر أخرجه البيهقي في ((سننه)) ١٠٢/١،
وسنده منقطع.
(٣) نسبة هذا القول لأحمد ذهول من الحافظ رحمه الله، والسبب في ذلك أنه نقل هذا الكلام عن ((سنن
البيهقي)) ١٠١/١ وفي بداية الكلام في ((السنن)): ((قال الإمام أحمد)) فظنه ابنَ حنبل، وهذه العبارة
تكررت في ((سنن البيهقي)) كثيراً، وهي من زيادات النساخ، والمراد بها المصنف نفسه، فهو - أي:
البيهقي - أحمد بن الحسين البيهقي، وهو بعدما قاله عزا معناه إلى الشافعي، والله الموفِّق.

٦٧٧
باب ٦٣ / ح ٢٢٧
كتاب الوضوء
الجواز وكان أكثر أحواله البول عن قعود، والله أعلم.
وسَلَك أبو عَوَانة في «صحيحه)) (١٦٩/١) وابن شاهين فيه مَسْلَكاً آخرَ، فَزَعَمَا أنَّ
البولَ عن قيامِ منسوخٌ، واستَدلّا عليه بحديث عائشة الذي قدَّمناه(١): ((ما بالَ قائماً منذُ
أُنزِلَ عليه القرآنُ))، وبحديثها أيضاً: ((مَن حدَّثْكُم أنَّه كان يَبولُ قائماً فلا تُصدِّقوه، ما كان
يَبولُ إلَّا قاعداً))(٢) والصواب أنَّه غيرُ منسوخ.
والجواب عن حديث عائشة إلى مُستَنَد إلى عِلْمِها، فيُحمَلُ على ما وَقَعَ منه في البيوت،
وأمَّا في غير البيوتِ فلم تَطَّلِعْ هي عليه، وقد حَفِظَه حُذَيفة وهو من كبار الصحابة، وقد بَيَّنًا أنَّ
ذلك كان بالمدينة، فتَضَمَّنَ الرَّدَّ على ما نَفَتْه من أنَّ ذلك لم يقعْ بعدَ نزول القرآن.
وقد ثبت عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم: أَّهم بالُوا قياماً، وهو دالٌّ على الجواز
من غير كراهةٍ إذا أمنَ الرَّشَاش، والله أعلم. ولم يَثْبُتْ عن النبيِّ وَّهِ في النهي عنه شيء كما
بَيَنْتُه في أوائل ((شرح التِّرمِذي))، والله أعلم.
٦٣ - باب غسل الدَّم
٢٢٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حذَّثنا يحيى، عن هشام، قال: حَدَّثَتْني فاطمةُ، عن
أسماءَ قالت: جاءَتِ / امرأةٌ النبيَّ وَّةِ، فقالت: أرأيتَ إحدانا تَحِيضُ في الثَّوبِ، كيفَ نَصنَعُ؟ ٣٣١/١
قال: (نَحُتُّهُ، ثمَّ تَقْرُصُه بالماءِ وتَنْضَحُه وتُصلِّی فیه)).
[طرفه في: ٣٠٧]
قوله: ((باب غسل الدَّم)) بفتح الغَين.
ويحيى: هو ابن سعيد القَطَّان، وهشام: هو ابن عُرْوة، وفاطمة: هي زوجتُه بنت عمّه
المنذر، وأسماء: هي جَدَّتُهما لأبويهما بنت أبي بكر الصِّدّیق.
قوله: ((جاءَت امرأة)) وَقَعَ في رواية الشافعيّ (٨٤/١-٨٥) عن سفيان بن عُيَينةَ عن
(١) عند شرح الحديث رقم (٢٢٤).
(٢) أخرجه بنحوه أحمد (٢٥٠٤٥)، وابن ماجه (٣٠٧)، والترمذي (١٢)، والنسائي (٢٩).

٦٧٨
باب ٦٣ / ح ٢٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
هشام في هذا الحديث: أنَّ أسماءَ هي السائلةُ. وأغربَ النَّووي فضَعَّفَ هذه الروايةَ بلا
دليلٍ، وهي صحيحةُ الإسناد لا عِلّةَ لها، ولا بُعْدَ في أنْ يُبِهِمَ الراوي اسم نَفْسه كما سيأتي
في حديث أبي سعيد في قِصّة الرُّقْية بفاتحة الكتاب (٢٢٧٦).
قوله: (تَحِيضُ في الثَّوْبِ)) أي: يَصِلُ دَمُ الحيضِ إلى الثوب، وللمصنِّف (٣٠٧) من طريق
مالك، عن هشام: ((إذا أصاب ثوبَهَا الدَّمُ من الحيضة)).
قوله: (فَحُّ)) بالفتح وضم المهمَلة وتشديد المثنَّة الفَوْقانيَّة، أي: تَحُكُّه، وكذا رواه ابن
خُزيمة (٢٧٥)، والمراد بذلك: إزالة عَينِه.
قوله: ((ثُمَّ تَقْرُصُه)» بالفتح وإسكان القاف وضم الراءِ والصاد المهملتين، کذا في روایتنا.
وحكى القاضي عياض وغيره فيه الضم وفتح القاف وتشديد الراءِ المكسورة، أي: تَدْلُكُ
موضع الدَّم بأطراف أصابعِها، ليَتَحَلَّل بذلك ويَخْرُجِ ما تَشَرَّبَه الثوب منه.
قوله: ((وتَنْضَحُه)) بفتح الضادِ المعجَمة وضمِّ الحاء، أي: تَغْسِلُه، قاله الخطّابي، وقال
القُرْطبي: المرادُ به الرَّشّ، لأنَّ غسلَ الدَّم استُفيدَ من قوله: ((تَقْرُصُه بالماء))، وأمَّا النَّصْحُ
فهو لما شگَّتْ فیه من الثوب.
قلت: فعلى هذا، فالضمير في قوله: (تَنْضَحُه)) يعودُ على الثوبِ بخلاف ((تَحُّه)) فإنَّه
يعودُ على الدَّم، فيلزمُ منه اختلافُ الضمائرِ وهو على خلاف الأصل، ثمَّ إنَّ الرَّشَ على
المشكوكِ فيه لا يفيدُ شيئاً، لأنَّه إنْ كان طاهراً فلا حاجةَ إليه، وإنْ كان مُتنجِّساً لم يَطُرْ
بذلك، فالأحسن ما قاله اخطَّابي.
قال الخطَّابي: في هذا الحديث دليل على أنَّ النجاسات إنَّما تُزالُ بالماء دون غيره من
المائعات، لأنَّ جميعَ النجاسات بمثابة الدَّم لا فرقَ بينه وبينها إجماعاً، وهو قولُ الجمهور،
أي: يتعيَّنُ الماء لإزالة النجاسة.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: يجوزُ تطهير النجاسة بكل مائع طاهر، ومن حُجَّتِهم
حديث عائشة: ((ما كان لإحدانا إلَّ ثوب واحد تَحيضُ فيه، فإذا أصابه شيءٌ من دم الحيضِ

٦٧٩
باب ٦٣ / ح ٢٢٨
كتاب الوضوء
قالت بريقها فمَصَعَتْهُ بظُفُرِها))(١)، ولأبي داود (٣٥٨): ((بَلَّتْه بريقِها)).
وجه الحُجّة منه أنَّه لو كان الرّيقُ لا يُطهّرُ لَزاد النجاسة. وأُجيبَ باحتمال أنْ تكون
قَصَدَتْ بذلك تحليلَ أثرِه ثمَّ غَسَلَتْه بعدَ ذلك، كما سيأتي تقريرُه في كتاب الحيض (٣١٢)
في ((باب هل تُصلِّي المرأةُ في ثوبٍ حاضَتْ فیه)).
فائدة: تُعُقِّبَ استدلالُ مَن استدلَّ على تعيين إزالة النجاسة بالماء من هذا الحديث بأنَّه
مفهومُ لَقَبٍ وليس بحُجّةٍ عند الأكثر، ولأنَّه خرج تَخَرَج الغالب في الاستعمال لا الشَّرْط.
وأُجيبُ بأنَّ الخبر نَصَّ على الماء، فإِلْحاق غيره به بالقياس، وشرطُه أنْ لا يَنقُصَ الفَرْعُ عن
الأصلِ في العِلّة، وليس في غير الماء ما في الماء من رِقَّتِه وسُرْعه نُقوذِه فلا يَلْحقُ به، وسيأتي
باقي فوائده (٣٠٧) في ((باب غسل دم الحيض)) إن شاء الله تعالى.
٢٢٨- حدَّثنا محمَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت:
جاءَتْ فاطمةُ ابنةُ أبي حُبَيْشٍ إلى النبيِّوََّ، فقالت: يا رسولَ الله، إني امرأةٌ أَستَحاضُ فلا أطهُرُ،
أفَادَعُ الصلاةَ؟ فقال/ رسولُ الله ◌َّ: ((لا، إنَّما ذلكِ عِرْقٌ وليسَ بِخَيْضِ، فإذا أقبَلَتْ حَيْضَتُكِ ٣٣٢/١
فدَعِي الصلاةَ، وإذا أدَبَرَتْ فاغِلي عنكِ الدَّمَ ثمَّ صَلِّ)».
قال: وقال أَبي: ((ثُمَّ توضَّئي لكلِّ صلاةٍ حتَّى يَجِي ءَ ذلك الوَقْتُ)).
[أطرافه في: ٣٠٦، ٣٢٠، ٣٢٥، ٣٣١]
قوله: ((حدَّثنا محمَّد)) كذا للأكثر غير منسوب، وللأَصِيلي: ((ابنُ سَلَام))، ولأبي ذرٍّ: ((هو
ابنُ سَلام))، وأبو معاوية: هو الضَّریرُ.
قوله: ((حدَّثنا هشام)) زاد الأَصِيلي: ابن عُرْوة.
قوله: ((فاطمة بنت أبي حُبَيش)) بالحاء المهملة والموخَّدة والشّينِ المعجَمة بصيغة التصغير،
اسمه قيس بن المطَّلِّب بن أسد، وهي غيرُ فاطمة بنت قيس التي طَلَقَتْ ثلاثاً.
قوله: (أُستَحاضُ)) بضم الهمزة وفتح المثنَّة يقال: استُحيضَت المرأة: إذا استمرَّ بها الدَّمُ
(١) سيأتي عند المصنف برقم (٣١٢).

٦٨٠
باب ٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
بعدَ أيامها المُعْتادة، فهي مُستَحاضة، والاستحاضة: جَرَيان الدَّم من فَرْج المرأة في غير
أوانه.
قوله: ((لا)) أي: لا تَدَعي الصلاة.
قوله: ((عِرْق)) بكسر العين: هو المسمَّى بالعاذل، بالذّال المعجمة.
قوله: ((حَيْضَتُك)) بفتح الحاءِ ويجوزُ كسرها. والمرادُ بالإقبال والإدبار هنا: ابتداء دم
الحيضِ وانقطاعه.
قوله: ((فَدَعي الصلاة)) يتضمَّنُ نهي الحائضِ عن الصلاة، وهو للتحريم، ويقتضي فساد
الصلاة بالإجماع.
قوله: ((فاغسِلي عنكِ الدَّم)) أي: واغتَسِلي، والأمر بالاغتسال مُسْتفاد من أدلَّةٍ أُخرى كما
سيأتي بَسْطها في كتاب الحيض (٣٢٥) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((قال)) أي: هشام بن عُزْوة ((وقال أَبي)) بفتح الهمزة وتخفيف الموخَّدة، أي: عُرْوة
ابن الزُّبَير، وادَّعَى بعضهم أنَّ هذا مُعلَّق، وليس بصواب، بل هو بالإسناد المذكورِ عن
محمد، عن أبي معاوية، عن هشام، وقد بيَّن ذلك التِّرمِذيُّ في روايته (١٢٥).
وادَّعَى آخر أنَّ قوله: ((ثمَّ توضَّئي)، من كلام عُرْوة موقوفاً عليه، وفيه نظرٌ، لأنَّه لو
كان كلامَه لَقال: ثمَّ تَتوضَّأُ، بصيغة الإخبار، فلمَّا أتى به بصيغة الأمر، شاكَلَ الأمرَ الذي
في المرفوع وهو قولُه: ((فاغسِلي)). وسنذكر حُكْمَ هذه المسألة في كتاب الحيض (٣٠٦) إن
شاء الله تعالى.
٦٤ - باب غسل المنيٍّ وفَرْكِه وغسل ما يصيبُ من المرأة
قوله: ((باب غسل المنيٍّ وفَرْكه)) لم يُرِّج البخاري حديث الفَرْكِ، بل اكتفى بالإشارة إليه
في الترجمة على عادته، لأنَّه وَرَدَ من حديث عائشة أيضاً كما سنذكره.
وليس بين حديث الغسل وحديث الفَرْكِ تعارضٌ، لأنَّ الجمعَ بينهما واضحٌ على القول
بطهارة المنيِّ بأنْ يُحِمَلَ الغسل على الاستحباب للتنظيفِ لا على الوجوب، وهذه طريقة