النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١
باب ٥١ / ح ٢١٠
كتاب الوضوء
واستَنْبَطَ منه المُهَلَّب: أنَّ الإمام يأخذ المحتكرين بإخراج الطعام عند قِلَّته ليبيعوه من
أهل الحاجة، وأنَّ الإمام يَنظُر لأهل العَسْگر فیجمع الزّادَ لیصیبَ منهمن لا زاد معه.
قوله: (فُرِّيَ)) بضم المثَلَّثة وتشديد الراء ويجوز تخفيفها: أي: بُلَّ بالماء لما لَحِقَه من اليُيْس.
قوله: ((وأكَلْنا)) زاد في رواية سليمان (٢١٥): وشَرِبْنا. وفي الجهاد (٢٩٨١) من رواية
عبد الوهّاب: فلُكْنا وأكَلْنا وشَرِبْنا.
قوله: ((ثمَّ قام إلى المغرب فمَضْمَضَ)) أي: قبل الدُّخول في الصلاة، وفائدة المضمضة
من السَّويق - وإنْ كان لا دَسَم له - أنْ تحتَبِس بقاياه بين الأسنان ونواحي الفم فيَشْغَله
تتبُّعه عن أحوال الصلاة.
قوله: ((ولم يتوضَّأ)) أي: بسبب أكل السَّويق. وقال الخطَّبيُّ: فيه دليل على أنَّ الوضوء ممّاً
مَسَّت النار منسوخ، لأنَّه مُتقدِّم وخيبر كانت سنة سبع.
قلت: لا دلالة فيه، لأنَّ أبا هريرة حَضَرَ بعد فتح خيبر وروى الأمر بالوضوءِ كما في
مسلم (٣٥٢)، وكان يُفْتي به بعد النبي ◌َِّ، واستَدلَّ به البخاري على جواز صلاتَينِ فأكثر
بوَضوءٍ واحد (٢١٥)، وعلى استحباب المضمضة بعد الطعام (٥٤٥٤).
٢١٠ - وحدَّثنا أَصْبَغُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمْرٌو، عن بُكَيرٍ، عن كُرِيبٍ،
عن ميمونةَ: أنَّ النبيَّ ◌َ ◌َّأْكَلَ عندَها كَتِفاً ثمَّ صَلَّى ولم يتوضَّأ.
قوله: ((أخبرني عَمْرو) هو ابن الحارث، وبُكَير: هو ابن عبد الله بن الأشج، ومباحث المتن
تقدَّمت في الباب الذي قبله. ونصف الإسناد الأوَّل مِصرِيُّون ونصفه الأعلى مدنيُّون، ولِعَمْرِو
ابن الحارث فيه/ إسناد آخر إلى ميمونة، ذكره الإسماعيلي مقروناً بالإسناد الأوَّل.
: ٣١٣/١
وليس في حديث ميمونة ذِكْر المضمضة التي تَرجَمَ بها، فقيل: أشار بذلك إلى أنَّها غير
واجبة بدليلٍ تركها في هذا الحديث، مع أنَّ المأكول دَسَمٌ يُحتاج إلى المضمضة منه، فتركها
لبيان الجواز، وأفاد الكِرْمانيُّ أنَّ في نسخة الفِرَبْري التي بخَطِّه تقديم حديث ميمونة هذا
إلى الباب الذي قبله، فعلى هذا هو من تصرُّف النُّسّاخِ.
٦٤٢
باب ٥٢ / ح ٢١١
فتح الباري بشرح البخاري
٥٢ - باب هل يُمضمِض من اللَّبَن
٢١١ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ وقُتَيِيةُ، قالا: حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابن شِهابٍ، عن
عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، عن ابن عبّاس: أنَّ رسولَ اللهِوَ شَرِبَ لَبَناً فَمَضْمَضَ وقال:
((إِنَّ له دَسَماً)).
تابعَه يونسُ وصالحُ بنُّ كَيْسانَ عن الزُّهْريّ.
[طرفه في: ٥٦٠٩]
قوله: ((باب هل يمضمض من اللبن)) حديث قُتَيبة هذا أحد الأحاديث التي أخرجها
الأئمَّة الخمسة وهم: الشيخان(١) وأبو داود (١٩٦) والنَّسائيُّ (١٨٧) والتِّرمِذي (٨٩) عن
شيخ واحد وهو قُتَيبة.
قوله: ((شَرِبَ لبنا)) زاد مسلم: ثمَّ دَعا بماءٍ.
قوله: ((إنَّ له دَسَمَا)) قال ابن بَطَّل عن المُهلَّب: فيه بيان عِلّة الأمر بالوضوءِ مَمَّا مَسَّت
النار، وذلك لأنَّهم كانوا ألِفوا في الجاهليّة قِلّة التنظيف، فأُمِروا بالوضوءِ مَّا مَسَّت النار،
فلمَّا تقرَّرت النَّظافة في الإسلام وشاعتْ نُسِخ.
كذا قال، ولا تعلُّق لحديث الباب بما ذَكَر، إنَّما فيه بيان العِلّة للمَضْمَضة من اللَّبَن،
فيدل على استحبابها من كل شيء دَسِم، ويُستَنْبَط منه استحباب غسل اليدينِ للتنظيف.
قوله: ((تابعَه)) أي: عُقَيْلاً (يونسُ)) أي: ابن يزيد، وحديثه موصول عند مسلم (٣٥٨)،
وحديث صالح موصول عند أبي العبَّاس السَّراج في ((مسنده)(٢).
وتابعَهم أيضاً الأوزاعيُّ، أخرجه المصنّف في الأطعمة (٥٦٠٩) عن أبي عاصم عنه بلفظ
حديث الباب، لكن رواه ابن ماجَهْ (٤٩٨) من طريق الوليد بن مسلم قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ،
(١) وهو عند مسلم برقم (٣٥٨).
(٢) أخرجه من طريقه الحافظ في ((التغليق)) ١٤٠/٢.
٦٤٣
باب ٥٣ / ح ٢١٢
كتاب الوضوء
فذكره بصيغة الأمر: ((مَضْمِضوا من اللَّبَن)) الحديث، كذا رواه الطبراني(١) من طريق أُخرى
عن الليث بالإسناد المذكور، وأخرج ابن ماجَهْ من حديث أُم سَلَمةَ (٤٩٩) وسَهْل بن سعد
(٥٠٠) مثله، وإسناد كلٍّ منهما حسن(٢).
والدليل على أنَّ الأمر فيه للاستحباب ما رواه الشافعي عن ابن عبَّاس راوي الحديث
أَنَّه شَرِبَ لَبَناً فمضمض ثمَّ قال: لو لم أتمضمَض ما بالَيْت. وروى أبو داود (١٩٧) بإسنادٍ
حسن عن أنس: أنَّ النبي ◌َِّ شَرِبَ لَبَناً فلم يتمَضْمَض ولم يتوضَّأ. وأغربَ ابن شاهين
فجعل حديث أنس ناسخاً لحديث ابن عبّاس، ولم يَذكُر مَن قال فيه بالوجوب حتَّى يحتاج
إلى دعوى النَّسْخِ.
٥٣- باب الوضوء من النوم ومن لم يَرَ مِن النَّعْسة
والنَّعْستَين أو الخَفْقة وضوءاً
٢١٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ
رسولَ الله ◌َّه قال: ((إذا نَعَسَ أحَدُكُم وهو يُصلِّى، فلْيَرْقُدْ حتَّى يذهبَ عنه النومُ، فإنَّ أحَدَكُم
إذا صَلَّى وهو ناعسٌ لا يَدْرِي لَعَلَّه يَستَغفِرُ فيَسُبَّ نفسَه)».
قوله: ((باب الوضوء من النوم)) أي: هل يجب أو يُستحَب، وظاهر كلامه أنَّ النُّعاس
يُسمَّى نوماً، والمشهور / التفرقة بينهما وأنَّ مَن قَرَّتْ حواسُّه بحيثُ يسمع كلام جليسه ولا ٣١٤/١
يَفْهَم معناه فهو ناعس، وإنْ زاد على ذلك فهو نائم، ومن علامات النوم الرُّؤْيا طالَتْ أو
قَصُرَت، وفي ((العين)) و((المحكم)): النُّعاس: النوم، وقيل: مُقارَبته.
قوله: ((ومَن لم يَرَ من النَّعْسَة)) هو قول المُعْظَم، ويَتخرَّج من جَعْلِ النُّعاس نوماً أنَّ مَن
يقول: النوم حَدَثٌ بنَفْسِهِ، يُوجِب الوضوء من النُّعاس، وقد روى مسلم في ((صحیحه))
(١٨٥/٧٦٣) في قِصّة صلاة ابن عبّاس مع النبي ◌َّ بالليل قال: ((فجعلتُ إذا أغفَيْت
(١) تحرف في (س) إلى: الطبري. ولم نقف عليه عند أيٍّ منهما.
(٢) حديث سهل بن سعد إسناده ضعيف، فيه عبد المهيمن بن عباس، وهو ضعيف.
٦٤٤
باب ٥٣ / ح ٢١٢
فتح الباري بشرح البخاري
أخذ بشَحْمة أُذُني)) فدلَّ على أنَّ الوضوء لا يجب على غير المُستَغرِق.
وروى ابن المنذر (١٤٥/١) عن ابن عبّاس أنَّه قال: ((وَجَبَ الوضوء على كل نائم إلَّا مَن
خَفَقَ خَفْقة)) والخَفْقة بفتح المعجَمة وإسكان الفاء بعدها قاف، قال ابن التِّين: هي النَّعْسة،
وإنَّما كرَّرَ لاختلاف اللفظ. كذا قال، والظاهر أنَّه من الخاص بعد العام، قال أهل اللُّغة: خَفَقَ
رأسه: إذا حَرَّكَه وهو ناعس، وقال أبو زيد: خَفَقَ برأسِه من النُّعاس: أمالَه.
وقال الهَرَويُّ: معنى ((تَخْفِقِ رُؤوسهم)): تَسقُط أذْقانهم على صُدورهم، وأشار بذلك
إلى حديث أنس: كان أصحاب رسول الله وَل﴿ ينتظرون الصلاة فيَنْعَسون حتَّى تَخْفِق
رؤوسهم، ثمَّ یقومون إلى الصلاة، رواه محمد بن نصر في ((قيام الليل)) وإسناده صحيح،
وأصله عند مسلم (٣٧٦).
قوله: ((عن هشام)) زاد الأَصِيلي: ((ابن عُزْوة)) والإسناد مدنيُّون إلَّا شيخ البخاري.
قوله: ((إذا نَعَسَ)) بفتح العين وغَلَّطُوا مَن ضَمَّها.
قوله: ((فلْيَرْقُد)) وللنَّسائي (١٦٢) من طريق أيوب عن هشام: ((فلْينصرف)) والمراد به
التسليم من الصلاة، وَمَلَه المُهَلَّب على ظاهره فقال: إنَّما أمره بقَطْع الصلاة لغَلَبة النوم
عليه، فدلَّ على أنَّه إذا كان النُّعاس أقل من ذلك عُفيَ عنه. قال: وقد أجمعوا على أنَّ النوم
القليل لا يَنقُض الوضوء، وخالف المُزَني فقال: يَنقُض قليله وكثيره، فخَرَقَ الإجماع. كذا
قال المُهَلَّب، وتَبِعَه ابن بَطَّال وابن التِّين وغيرهما.
وقد تَحامَلوا على المُزَني في هذه الدَّعْوَى، فقد نقل ابن المنذر وغيره عن بعض
الصحابة والتابعين المَصير إلى أنَّ النومِ حَدَثٌ يَنقُض قليله وكثيره، وهو قول أبي عُبيد
وإسحاق بن راهويه، قال ابن المنذر: وبه أقول لعموم حديث صَفْوان بن عَسّال - يعني
الذي صَحَّحَه ابن خُزيمة (١٧) وغيره - ففيه: ((إلَّا من غائط أو بَوْل أو نوم)) فيُسَوّى بينهما
في الحكم، والمراد بقليله و گثيره: طول زمانه وقِصَره، لا مبادِیه.
والذين ذهبوا إلى أنَّ النوم مَظِنّة الحَدَث اختلفوا على أقوال: التفرقة بين قليله وكثيره،
٦٤٥
باب ٥٣ / ح ٢١٢
كتاب الوضوء
وهو قول الزّهْري ومالك، وبين المُضْطَجِع وغيره، وهو قول الثَّوْري، وبين المُضْطَجِع
والمُستَنِد وغيرهما، وهو قول أصحاب الرَّأْي، وبينهما والساجد بشرطِ قَصْده النوم وبين
غیرهم، وهو قول أبي يوسف.
وقيل: لا يَنقُض نومُ غير القاعد مُطلَقاً، وهو قول الشافعي في القديم، وعنه التفصيل
بين خارج الصلاة فيَنقُض أو داخلها فلا، وفَصَّلَ في الجديد بين القاعد المتمكِّن فلا يَنقُض
وبین غيره فيَنقُض.
وفي ((المهذَّب)): وإنْ وُجِدَ منه النوم وهو قاعد ومحلُّ الحدَث منه مُتمَكِّن بالأرض
فالمنصوص أنَّه لا يُنقَض وضوؤه، وقال في البُوَيطي: يَنتقِض، وهو اختيار المُزَني. انتهى،
وتُعُقِّبَ بأنَّ لفظ البُوَيطي ليس صريحاً في ذلك فإنَّه قال: ومَن نام جالساً أو قائماً فرأى
رُؤْيا، وَجَبَ عليه الوضوء، قال النَّووي: هذا قابل للتأويل.
قوله: ((فإنَّ أحدَكُم)) قال المهلَّب: فيه إشارة إلى العِلّة المُوجِبة لقَطْع الصلاة، فمَن صارَ
في مِثل هذه الحال، فقد انتَقَضَ وضوؤه بالإجماع.
كذا قال وفيه نظرٌ، فإنَّ الإشارة إنَّما هي إلى جواز قَطْع الصلاة أو الانصراف إذا سَلَّمَ
منها، وأمَّا النَّقَض فلا يتبيَّن من سياق الحديث، لأنَّ/ جَرَيان ما ذُكِرَ على اللِّسان مُمكِن من ٣١٥/١
الناعس، وهو القائل: إنَّ قليل النوم لا يَنقُض، فكيف بالنُّعاس، وما ادَّعاه من الإجماع
مُنْتِقِض، فقد صَحَّ عن أبي موسى الأشعَري وابن عمر وسعيد بن المسيِّب: أنَّ النوم لا
يَنْقُض مُطلَقاً، وفي ((صحيح مسلم)) (٣٧٦) وأبي داود (٢٠٠): ((وكان أصحاب النبي وَليل
ينتظرون الصلاة مع النبي ◌َّ فينامون ثمَّ يُصلَّون ولا يتوضَّؤون))، فحُمِلَ على أنَّ ذلك
كان وهم قعود، لكن في «مسند البزَّار)) (٧٠٧٧) بإسنادٍ صحيح في هذا الحديث: فيضعون
جُنوبهم، فمنهم مَن ينام، ثمَّ يقومون إلى الصلاة.
قوله: ((فَيَسُبَّ)» بالنصب ويجوز الرفع، ومعنى يَسُب: يدعو على نفسه، وصَرَّحَ به
النَّسائيُّ (١٦٢) في روايته من طريق أيوب عن هشام، ويحتمل أنْ يكون عِلّة النهي خَشْية
٦٤٦
باب ٥٣ / ح ٢١٣
فتح الباري بشرح البخاري
أنْ يوافق ساعة الإجابة، قاله ابن أبي جَمْرة.
وفيه الأخذ بالاحتياط لأنَّه عُلِّلَ بأمرٍ مُحتمَل، والحث على الخُشوع وحضور القلب
للعِبادة، واجتناب المكروهات في الطاعات، وجواز الدُّعاء في الصلاة من غير تقييد بشيءٍ
مُعيَّن.
فائدة: هذا الحديث وَرَدَ علی سبب، وهو ما رواه محمد بن نصر من طريق ابن إسحاق
عن هشام في قِصّة الخَوْلاء بنت تُوَيْت كما تقدَّم (٤٣) في ((باب أحب الدّين إلى الله أدوَمه)).
٢١٣ - حدَّثنا أبو مَعمَر، قال: حدّثنا عبدُ الوارث، حدَّنا أيوبُ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ،
عن النبيِّ وَّ قال: ((إذا نَعَسَ في الصلاةِ، فَلْيَتَمْ حتَّى يَعلَمَ ما يَقْرأُ)).
قوله: ((حدَّثنا أبو مَعمَر)) هو عبد الله بن عَمْرو، وعبد الوارث: هو ابن سعيد، وأيوب:
هو السَّخْتِياني، والإسناد كلُّه بصريُّون.
قوله: ((إذا نَعَسَ)) زاد الإسماعيلي: ((أحدُكم))(١)، ولمحمد بن نصر من طريق وُهَيب عن
أيوب: ((فلْيَنصِرِف)).
قوله: ((فلْيَنَم)) قال المُهَلَّب: إنَّما هذا في صلاة الليل، لأنَّ الفريضة ليست في أوقات
النوم، ولا فيها من التطويل ما يُوجِب ذلك. انتهى، وقد قدَّمنا أنَّه جاءَ على سبب، لكنَّ
العِبْرة بعموم اللفظ فيُعمَل به أيضاً في الفرائض إنْ وَقَعَ ما أمنَ بقاء الوَقْت.
تنبيه: أشار الإسماعيلي إلى أنَّ في هذا الحديث اضطراباً فقال: رواه حمَّد بن زيد عن
أيوب فوَقَفَه، وقال فيه عن أيوب: قُرِئَ عليَّ كتاب عن أبي قلابةَ فعَرَفْته، رواه عبد الوهّاب
الثَّقَفي عن أيوب فلم يَذكُر أنساً. انتهى.
وهذا لا يُوجِب الاضطراب؛ لأنَّ رواية عبد الوارث أرجح بموافقة وُهَيب والطَّفاوي
له عن أيوب، وقول حمَّد عنه: ((قُرِئَ عليّ)) لا يدل على أنَّه لم يسمعه من أبي قلابةَ، بل يُحمَل
على أنَّه عَرَفَ أَنَّه فیما سمعه من أبي قلابة، والله أعلم.
(١) وهي في رواية الأصيلي وابن عساكر من ((صحيح البخاري)) كما في ((إرشاد الساري)) ١/ ٢٨٥.
٦٤٧
باب ٥٤ / ح ٢١٤
كتاب الوضوء
٥٤- باب الوضوء من غیر حَدَثٍ
٢١٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرِو بنِ عامٍ، قال: سمعتُ
أنساً (ح) قال: وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: حدَّثني عَمرُو بنُ عامٍ،
عن أنسٍ قال: كان النبيُّ نَّ يتوضَّأُ عند كلِّ صلاةٍ، قلتُ: كيفَ كنتُمْ تَصنَعُونَ؟ قال: يُجْزِئُ
أحَدَنا الوُضوءُ ما لم يُحدِثْ.
قوله: «باب الوضوء من غیر حَدَث» أي: ما حُكمه، والمراد تجديد الوضوء. وقد ذكرنا
اختلاف العلماء في أوَّل كتاب الوضوء(١) عند ذِكْر قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦] وأنَّ كثيراً منهم قالوا: التقدير: إذا قُمْتُم إلى الصلاة مُحدِثين،
واستدلَّ الدّارميُّ في ((مسنده)) (٦٥٩) على ذلك بقوله ◌َالّ: ((لا وضوء إلَّا من حَدَث))(٢).
وحكى الشافعي عمَّن لَقيَه من أهل العلم أنَّ التقدير: إذا قُمْتُم من النوم. وتقدَّم أنَّ ٣١٦/١
من العلماء مَن حَلَه على ظاهره وقال: كان الوضوء لكلِّ صلاة واجباً.
ثُمَّ اختلفوا: هل نُسِخَ أو استمرَّ حُكْمه؟ ويدل على النَّسْخ ما أخرجه أبو داود (٤٨)
وصحَّحه ابن خُزَيمة (١٥) من حديث عبد الله بن حَنْظلة: أنَّ النبيِوَلِ أُمِرَ بالوضوءِ لكلِّ
صلاة، فلمَّا شَقَّ عليه أُمِرَ بالسِّواك.
وذهب إلى استمرار الوجوب قوم كما جزم به الطَّحاويُّ، ونقله ابن عبد البَرِّ عن
عِكْرمة وابن سيرين وغيرهما، واستَبعَدَه النَّووي وجَنَحَ إلى تأويل ذلك إنْ ثبت عنهم،
وجزم بأنَّ الإجماع استَقَرَّ على عدم الوجوب. ويُمكِن حمل الآية على ظاهرها من غير
نَسْخ، ويكون الأمر في حق المحْدِثين على الوجوب، وفي حق غيرهم على النَّدْب، وحصل
بیان ذلك بالسُّنّة كما في حديث الباب.
(١) في الباب الأول: باب ما جاء في الوضوء.
(٢) سلف معلّقاً عند البخاري في الباب رقم (٣٤): باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين. وخرَّجه
الحافظ هناك.
٦٤٨
باب ٥٤ / ح ٢١٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن يوسف)) هو الفِرْيابي، وسفيان: هو الثَّوْري.
قوله: ((وحدَّثْنا مُسدِّد)) هو تحويل إلى إسناد ثانٍ قبل ذِكْر المتن، وإنَّما ذكره وإنْ كان
الأوَّل أعلى، لتصريح سفيان الثّوري فيه بالتحديث.
وعَمْرو بن عامر: كوفي أنصاري وقيل: بَجَلي، وصَخَّحَ المِّيُّ أنَّ البجلي راوٍ آخر غير
هذا الأنصاري، وليس لهذا في البخاري غير ثلاثة أحاديث كلّها عن أنس، وليس للبَجَلِيِّ
عنده رواية، وقد يَلتَبِس به عُمر بن عامر بضمُّ العين، راوٍ آخر بصري سُلَمي أخرج له
مسلم، وليس له في البخاري شيء.
قوله: ((عند كل صلاة)) أي: مفروضة، زاد التِّرمِذي (٥٨) من طريق حُميدٍ عن أنس:
(طاهراً أو غير طاهر))(١)، وظاهره أنَّ تلك كانت عادته، لكن حديث سُوَيد المذكور في
الباب يدل على أنَّ المراد الغالب.
قال الطَّحاويُّ: يحتمل أنَّ ذلك كان واجباً عليه خاصّة ثمَّ نُسِخَ يوم الفتح لحديث
بُرَيدة؛ يعني الذي أخرجه مسلم (٢٧٧): أَنَّه وَهِ صَلَّى الصَّلَوات يوم الفتح بوضوء
واحد، وأنَّ عمر سألَه فقال: ((عَمْداً فعلتُه)) وقال: يحتمل أنَّه كان يفعله استحباباً ثمَّ خَشِيَ
أنْ يُظَن وجوبه فتركه لبيان الجواز.
قلت: وهذا أقرب، وعلى تقدير الأوَّل فالنَّسْخ كان قبل الفتح، بدليل حديث سُوَيد
بن النُّعْمان (٢١٥) فإنَّه كان في خيبر، وهي قبل الفتح بزمانٍ.
قوله: ((كيف كنتُم)» القائل عَمْرو بن عامر، والمراد الصحابة. وللنَّسائي (١٣١) من طريق
شُعْبة عن عَمْرو أنَّه سألَ أنساً: أكان النبي ◌َّه يتوضَّأ لكلِّ صلاة؟ قال: نَعَم. ولابن ماجَهْ
(٥٠٩): وكنّا نحنُ نُصَلّى الصَّلَوات كلّها بوضوءٍ واحد.
قوله: ((يُجْزِئ)) بالضم من: أجزَأ، أي: يكفي، وللإسماعيليّ: يكفي.
(١) في إسناده محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وسلمة بن الفضل وهو كثير الخطأ.
٦٤٩
باب ٥٥ / ح ٢١٥ - ٢١٦
كتاب الوضوء.
٢١٥- حدَّثنا خالدُ بنُ تَخَلَدٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ، قال: حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ، قال:
أخبرني بُشَيرُ بنُ يسارٍ، قال: أخبرني سُوَيدُ بنُ النُّعْمان قال: خَرَجْنا معَ رسولِ الله وَّهِ عامَ
خيبرَ، حتَّى إذا كنَّا بِالصَّهْباءِ صَلَّى لنا رسولُ اللهِ وَّةِ العصرَ، فلمَّا صَلَّى دَعَا بالأطعمةِ فلم
يُؤْتَ إلَّا بِالسَّوِيِقِ، فأكَلْنا وشَرِبنا، ثمَّ قام النبيُّ ◌َّه إلى المغربِ فَمَضْمَضَ، ثمَّ صَلَّى لنا المغربَ
ولم يَتوضَّأْ.
قوله: «حدَّثنا سلیمان)» هو ابن بلال.
ومباحث المتن تقدَّمت قريباً (٢٠٩)، وأفادت هذه الطريق التصريح بالإخبار من يحيى
وشيخه، وليس لسُوَيد بن النُّعْمان عند البخاري إلَّا هذا الحديث الواحد، وقد أخرجه في
مواضع كما تقدَّمت الإشارة إليه، وهو أنصاري حارثي شَهِدَ بيعة الرِّضوان كما سيأتي في
المغازي (٤١٧٥) إن شاء الله تعالى، وذكر ابن سعد: أنَّه شَهِدَ قبل ذلك أُحُداً وما بعدها.
٥٥- بابٌ مِن الكبائر أنْ لا يَستِرَ من بوله
٣١٧/١
٢١٦ - حدَّثنا عثمانُ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاس، قال: مرَّ
النبيُّ ◌َّم بحائطٍ من حِيطان المدينةِ أو مكَّةَ، فسَمِعَ صوتَ إنسانَينِ يُعَذَّبان في قُبورِهما، فقال
النبيُّ وَّ: ((يُعَذَّبان وما يُعَذَّبان في كَبِيرٍ)) ثمَّ قال: (بَلَى، كان أحَدُهُما لا يَستَتِرُ من بَوْلِه، وكان
الآخرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمِةِ» ثمَّ دَعَا بجَرِيدٍ فَكَسَرَها كِسْرتَينٍ، فَوَضَعَ على كلِّ قَيْرٍ مِنْهُما كِسْرةً، فِقِيلَ
له: يا رسولَ الله، لِمَ فَعِلْتَ هذا؟ قال: ((لَعَلَّهِ أنْ يُنَّفَ عَنْهُما ما لم تَنْيَسا)) أو ((إلى أنْ يَيْبَسا)).
[أطرافه في: ٢١٨، ١٣٦١، ١٣٧٨، ٦٠٥٢، ٦٠٥٥]
قوله: ((بابٌ)) بالتنوين ((من الكبائر)) أي: التي وُعِدَ مَن اجْتَنْبَها بالمغفرة.
قوله: ((حدَّثنا عثمان)) هو ابن أبي شَيْبة، وجَرِير: هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن
المُعتَمِر، ومجاهد: هو ابن جَبْر صاحب ابن عبَّاس، وقد سمع الكثير منه واشتهر بالأخذِ
عنه، لكن روى هذا الحديث الأعمش عن مجاهد فأدخلَ بينه وبين ابن عبّاس طاووساً كما
أخرجه المؤلِّف بعد قليل (٢١٨)، وإخراجه له على الوجهين يقتضي صِحَّتهما عنده، فيُحمّل
٦٥٠
باب ٥٥ / ح ٢١٦
فتح الباري بشرح البخاري
على أنَّ مجاهداً سمعه من طاووس عن ابن عبّاس، ثمَّ سمعه من ابن عبّاس بلا واسطة، أو
العكس، ويؤيِّده أنَّ في سياقه عن طاووس زيادة على ما في روايته عن ابن عبّاس، وصَرَّحَ ابن
حِبَّان بصِحَّة الطريقين معاً (٣١٢٩)، وقال الثِّرمِذي (٧٠): رواية الأعمَش أصح.
قوله: ((مَرَّ النبي ◌َّهِ بحائطِ)) أي: بُسْتان، وللمصنّف في الأدب (٦٠٥٥): ((خرج النبي
﴿﴿ من بعض حيطان المدينة)» فيُحمَل على أنَّ الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مرَّ
به، وفي «الأفراد)» للدَّارَقُطني من حديث جابر: أنَّ الحائط كان لأُم مُبِّر الأنصاريَّة، وهو
يُقوِّي رواية الأدب جزمها بالمدينة من غير شك، والشّك في قوله: «أو مگَّة)) من جَرِیر.
قوله: ((فسَمِعَ صوت إِنْسانَينِ يُعَذَّبان في قُبورهما)) قال ابن مالك: في قوله: ((صوت
إنْسانَين)) شاهد على جواز إفراد المضاف المثنَّى إذا كان جزءً ما أُضيف إليه، نحو: أكَلْت
رأس شاتَين، وجمعه أجوَد نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وقد اجتمع التثنيةُ
والجمع في قوله(١).
ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهورِ التُّرْسَينْ
فإنْ لم يكن المضاف جزءً ما أُضيف إليه، فالأكثر مجيتُه بلفظ التثنية، فإنْ أُمنَ اللَّبْس جازَ
جَعْل المضاف بلفظ الجمع، وقوله: ((يُعذَّبان في قُبورهما)» شاهد لذلك.
قوله: ((يُعَذَّبان)) في رواية الأعمَش (٢١٨): ((مَرَّ بقَبْرين))، زاد ابن ماجَهْ (٣٤٧):
((جَديدَينِ فقال: إنَّهما ليُعذَّبان)) فيحتمل أن يقال: أعاد الضمير على غير مذكور لأنَّ سياق
الكلام يدل عليه، وأنْ يقال: أعاده على القبرَينِ مجازاً، والمراد: مَن فيهما.
قوله: ((وما يُعَذَّبان في كبير. ثمَّ قال: بَلى)) أي: إنَّه لكَبير، وصَرَّحَ بذلك في الأدب
(٦٠٥٥) من طريق عبد بن حُميدٍ عن منصور فقال: ((وما يُعذَّبان في كبير، وإِنَّه لكَبير)) وهذا
من زيادات رواية منصور على الأعمَش ولم يُخْرِجها مسلم.
(١) القائل هو خِطام المجاشعي من قصيدة له من بحر السريع. انظر ((خزانة الأدب)) للبغدادي ٣١٣/٢
(ش١٣٥).
٦٥١
باب ٥٥ / ح ٢١٦
كتاب الوضوء
واستدلَّ ابن بَطَّال برواية الأعمَش على أنَّ التعذيب لا يختصُّ بالكبائرِ، بل قد يقع على
الصَّغائر، قال: لأنَّ الاحتراز من البول لم يَرِدْ فيه وعيد، يعني قبل هذه القِصّة. وتُعُقِّبَ
بهذه الزِّيادة، وقد وَرَدَ مثلها من حديث أبي بَكْرة عند أحمد (٢٠٣٧٣) والطبراني(١) ولفظه:
((وما يُعذَّبان في کبیر، بلی)).
وقال ابن مالك: في قوله: ((في كبير)) شاهد على وُرود ((في)) للتَّعْليل، وهو مِثل قوله
وَه: ((عُذِّبَت امرأة في هِرّة)(٢) قال: وخَفيَ ذلك على أكثر النَّحْوِيّين مع وروده في القرآن/ ٣١٨/١
كقول الله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] وفي الحديث كما تقدَّم، وفي الشِّعْر،
فذکر شواهدَ. انتهى.
وقد اختُلِفَ في معنى قوله: ((وإِنَّه لكَبير)) فقال أبو عبد الملك البَوْني: يحتمل أنَّه وَ ظِنَّ أنَّ
ذلك غير كبير، فأُوحِيَ إليه في الحال بأنَّه كبير، فاستدرَك. وتُعُقِّبَ بأنَّه يَستلزِم أنْ يكون نَسْخاً،
والنَّسْخ لا يَدخُل الخبر. وأُجيبَ بأنَّ الُكْم بالخبرِ يجوز نسخه، فقوله: ((وما يُعذَّبان في كبير)»
إخبار بالحُكْم، فإذا أو حيَ إليه أنَّه كبير فأخبرَ به، كان نَسْخاً لذلك الحكم.
وقيل: يحتمل أنَّ الضمير في قوله: (وإنَّه)) يعود على العذاب، لما وَرَدَ في ((صحيح ابن
حِبَّان)) (٨٢٤) من حديث أبي هريرة: ((يُعذَّبان عذاباً شديداً في ذَنْب ◌َيِّن)). وقيل: الضمير
يعود على أحد الذَّنْبَينِ وهو النَّميمة، لأنَّها من الكبائر بخلاف كشف العَوْرة، وهذا مع ضعفه
غير مستقيم، لأنَّ الاستتار المنفيَّ ليس المراد به كشف العَوْرة فقط كما سيأتي.
وقال الدّاوودي وابن العربي: ((كَبير)) المنفي بمعنى: أكبر، والمثبت واحد الكبائر، أي:
ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلاً، وإنْ كان كبيراً في الجملة.
وقيل: المعنى: ليس بكَبيرِ في الصورة، لأنَّ تَعاطيَ ذلك يدل على الدَّناءة والحقارة،
وهو كبير الذَّنْب.
(١) وهو في ((المعجم الأوسط)) (٣٧٤٧). وفات الحافظَ رحمه الله أن يخرجه من ((سنن ابن ماجه)) فهو فيه
برقم (٣٤٩).
(٢) سيأتي عند المصنف برقم (٢٣٦٥).
٦٥٢
باب ٥٥ / ح ٢١٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقيل: ليس بكَبيرٍ في اعتقادهما أو في اعتقاد المخاطبين، وهو عند الله كبير، كقوله
تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ, هَيْئًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
وقيل: ليس بكبيرٍ في مَشَقّة الاحتراز، أي: كان لا يَشُق عليهما الاحتراز من ذلك.
وهذا الأخير جزم به البَغَويُّ وغيره، ورَجَّحَه ابن دقيق العيد وجماعة.
وقيل: ليس بكَبيرِ بمجرَّدِه وإنَّما صارَ كبيراً بالمواظَبة عليه، ويُرشِد إلى ذلك السِّياقُ،
فإنَّه وَصَفَ كُلَّا منهما بما يدل على تجدُّد ذلك منه واستمراره عليه للإتيان بصيغة المضارعة
بعد حَرْف کان، والله أعلم.
قوله: ((لا يَستَتِرِ)) كذا في أكثر الرِّوايات بمُثنَّتين من فوق، الأولى مفتوحة والثانية
مكسورة، وفي رواية ابن عساكر: ((يَستَبِئ)) بموخَّدةٍ ساكنة من الاستبراء، ولمسلم (٢٩٢)
وأبي داود (٢٠) في حديث الأعمَش: ((يَستَزِه)) بنونٍ ساكنة بعدها زاي ثمَّ هاء، فعلى رواية
الأكثر معنى الاستتار: أنَّه لا يَجْعَل بينه وبين بَوْله سُتْرة؛ يعني: لا يَتَحَفَّظ منه، فتوافق
رواية: ((لا يَسْتَنزِه)) لأنَّها من التنُّه وهو الإبعاد، وقد وَقَعَ عند أبي نُعيم في ((المستخرَج)) من
طريق وكيع عن الأعمَش: ((كان لا يَتَوقَّى)) وهي مُفسِّرة للمراد.
وأجراه بعضهم على ظاهره فقال: معناه: لا يَسْتُر عَوْرتَه. وضُعِّفَ بأنَّ التعذيب لو
وَقَعَ على كشف العَوْرة لاستَقلَّ الكَشْف بالسببيَّة واطُّرِحَ اعتبار البول، فيترتَّب
العذاب على الكَشْف سواء وُجِدَ البول أم لا، ولا يخفى ما فيه. وسيأتي كلام ابن دَقِيق
العيد قريباً.
وأمَّا رواية الاستبراء فهي أبلَغ في التوَقّي، وتَعَقَّبَ الإسماعيلي رواية الاستتار بما يَحِصُل
جوابه ممّا ذکرنا.
قال ابن دَقِيق العيد: لو ◌ُلَ الاستتار على حقيقته، لَلَزِمَ أنَّ مجرَّد كشف العَوْرة كان
سبب العذاب المذكور، وسياق الحديث يدل على أنَّ للبَوْلِ بالنِّسْبة إلى عذاب القبر
خصوصيَّة، يشير إلى ما صَخَّحَه ابن خُزيمة من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((أكثر عذاب
٦٥٣
باب ٥٥ / ح ٢١٦
كتاب الوضوء
القبر من البول))(١) أي: بسبب ترك التحرُّز منه. قال: ويؤيِّده أنَّ لفظ ((من)) في هذا الحديث
لمَّا أُضيف إلى البول اقتضى نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول، بمعنى أنَّ
ابتداء سبب العذاب من البول، فلو ◌ُلَ على مجرَّد كشف العَوْرة زالَ هذا المعنى، فَتَعيَّن
الحمل على المجاز لتجتمع ألفاظ الحديث على معنًى واحد، لأنَّ تَخَرَجه واحد. ويؤيِّده أنَّ
في حديث أبي بَكْرة عند أحمد (٢٠٣٧٣) وابن ماجَهْ (٣٤٩): ((أمَّا أحدهما فيُعذّب في
البول))، ومثله للطبراني عن أنس(٢).
قوله: ((من بَوْله)) يأتي الكلام عليه في الترجمة التي بعد هذه (٢١٧).
قوله: ((يَمْشي بالنَّميمَةِ)) قال ابن دقيق العيد: هي نقل كلام الناس. والمراد منه هنا ما ٣١٩/١
كان بقَصْدِ الإضرار، فأمَّا ما اقتضى فعلَ مصلحة أو ترك مفسدة، فهو مطلوب. انتهى،
وهو تفسير للنَّميمة بالمعنى الأعم، وكلام غيره يخالفه كما سنذكر ذلك مبسوطاً في موضعه
من كتاب الأدب (٦٠٥٥).
قال النَّووي: وهي نقل كلام الغير بقَصْدِ الإضرار، وهي من أقبَح القبائح. وتعقَّبه
الكِرْمانيُّ فقال: هذا لا يصح على قاعدة الفقهاء، فإنَّهم يقولون: الكبيرة هي المُوجِبة
للحَدِّ، ولا حَدَّ على المشي بالنَّميمة، إلّا أنْ يقال: الاستمرار هو المستفاد منه جَعْله كبيرة؛
لأَنَّ الإصرار على الصغيرة حُكْمه حُكْم الكبيرة، أو أنَّ المراد بالكبيرة معنّى غير المعنى
الاصطلاحي. انتھی.
وما نقله عن الفقهاء ليس هو قول جميعهم، لكنَّ كلام الرافعي يُشعِر بترجيحِه حيثُ
حكى في تعريف الكبيرة وجهين: أحدهما هذا، والثاني: ما فيه وعيد شديد. قال: وهم إلى
الأوَّل أميَل، والثاني أوفَق لما ذَگروه عند تفصيل الكبائر. انتهى.
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة)) ولم يعزه الحافظ نفسه إليه في كتابه ("إتحاف المهرة))
(١٨٠٥٩)، وأخرجه أحمد (٨٣٣١)، وابن ماجه (٣٤٨)، وسنده صحيح.
(٢) الطبراني في «الأوسط)) (١٠٥٤).
٦٥٤
باب ٥٥ / ح ٢١٦
فتح الباري بشرح البخاري
ولا بدَّ من حمل القول الأوَّل على أنَّ المراد به غير ما نُصَّ عليه في الأحاديث الصحيحة،
وإلَّا لَزِمَ أنْ لا يُعَدَّ عُقوق الوالدينِ وشهادة الزُّور من الكبائر، مع أنَّ النبي ◌َِّ عَدَّهما من
أكبر الكبائر. وسيأتي الكلام على هذه المسألة مُستَوفَّى في أوَّل كتاب الحدود (٦٧٧٢) إن شاء
الله تعالى.
وعُرِفَ بهذا الجواب عن اعتراض الكِرْماني بأنَّ النَّميمة قد نُصَّ في ((الصحيح)) على
أنَّها كبيرة كما تقدَّم.
قوله: (ثُمَّ دَعا بجَريدَةٍ))، وللأعمَش (٦٠٥٢): ((فَدَعَا بَعَسيبِ رَطْب)» والعَسِيب
بِمُهمَلتَينِ بوَزْن فَعِيل: هي الجريدة التي لم يَنْبُت فيها خُوص، فإنْ نَبَتَ فهي السَّعَفة.
وقيل: إنَّه خَصَّ الجريد بذلك لأنَّه بَطيء الجفاف. ورُوّينا في ((مشيخة يعقوب الفسوي)(١)
من حديث أبي رافع بسندٍ ضعيف: أنَّ الذي أتاه بالجريدة بلال، ولفظه: كنَّا مع النبي ◌َّ
في جِنازة إذْ سمع شيئاً في قَبْر فقال لبلالٍ: «ائِنِي بجريدةٍ خَضْراء)» الحديث.
قوله: ((فكَسَرَها)) أي: فأتى بها فكَسَرَها، وفي حديث أبي بَكْرة عند أحمد (٢٠٣٧٣)
والطبراني(٢) أنَّه الذي أتى بها إلى النبي ◌َّ، وأمَّا ما رواه مسلم (٣٠١٢) في حديث جابر
الطَّويل المذكور في أواخر الكتاب: أنَّ الذي قَطَعَ الغُصْنَين، فهو في قِصّة أُخرى غير هذه،
فالمغايرة بینھما من أو جُه:
منها: أنَّ هذه كانت في المدينة وكان معه ◌َّيهِ جماعة، وقِصّة جابر كانت في السَّفَر وكان
خرج لحاجَتِه فتَبِعَه جابر وحده.
ومنها: أنَّ في هذه القِصّة: أَنَّه ◌ِِّ ◌َرَسَ الجريدةَ بعد أنْ شَقَّها نصفَينٍ كما في الباب الذي
(١) وقع مكان قوله: ((وروينا في مشيخة يعقوب الفسوي)) في الطبعة السلفية وما تلاها من طبعات إلى:
وروى النسائي، وهو خطأً، وأوهم ذلك أن الحافظ أخرج الحديث من عند النسائي! والحديث قد
أخرجه من طريق يعقوب الفسوي: الذهبيُّ بإسناده إليه في ((الميزان)) ٦٦٩/٢ في ترجمة عبد المنعم بن
بشير أبي الخير الأنصاري، وضعَّفه به وبشيخه أبي مودود القاصّ، وقال: هذا حديث منكر جداً.
(٢) في ((الأوسط)) (٣٧٤٧).
٦٥٥
باب ٥٥ / ح ٢١٦
كتاب الوضوء
بعد هذا من رواية الأعمش، وفي حديث جابر: أنَّه ﴿ أَمَرَ جابراً بقَطْع غُصْنَينِ من شجرَتَينِ
كان النبي ◌َّاستثَر بهما عند قضاء حاجته، ثمَّ أمَرَ جابراً فألْقَى الغُصْنَينِ عن يمينه وعن
يساره حيثُ كان النبيِ وَّهِ جالساً، وأنَّ جابراً سألَه عن ذلك فقال: ((إني مَرَرْت بقَبْرِينٍ
يُعذَّبان فأحببتُ بشفاعتي أنْ يُرفَع عنهما ما دامَ الغُصْنان رَطْبَين))، ولم يُذكَر في قِصّة جابر
أيضاً السبب الذي كانا يُعذَّبان به، ولا التَرَجّي الآتي في قوله: ((لعلَّه))، فبان تَغايُر حديث ابن
عبَّاس وحديث جابر، وأنَّهما كانا في قِصَّتَينِ مُتِلِفتَين، ولا يَبعُد تعدُّد ذلك.
وقد روى ابن حِبَّان في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة: أنَّه ◌َّهِ مَّ بقَيْرٍ فَوَقَفَ عليه
فقال: (ائتوني بجَرِيدَتَين))، فجعل إحداهما عند رأسه والأُخرى عند رِجْليه(١)، فيحتمل أنْ
تكون هذه قِصّة ثالثة، ويؤيِّده أنَّ في حديث أبي رافع كما تقدَّم: ((فسمع شيئاً في قَبْر)) وفيه:
((فكَسَرَها باثنَينِ ترك نصفها عند رأسه ونصفها عند رِجْليه))، وفي قِصّة الواحد ◌َلَ نصفها
عند رأسه ونصفها عند رِجْليه، وفي قِصّة الاثنينِ: ((جعل على كل قبر جريدة».
قوله: ((كِسْرَتَينِ)) بكسر الكاف، والكِسْرة: القِطْعة من الشيء المكسور، وقد تَبيَّن من
رواية الأعمَش (٢١٨) أنَّها كانت نصفاً، وفي رواية جَرِير عنه (١٣٧٨): ((باثنتين))، قال
النَّووي: الباء زائدة للتوكيد والنصب على الحال.
قوله: ((فَوَضَعَ)) وفي رواية الأعمَش الآتية (٢١٨): ((فَغَرَزَ)) وهي أخصُّ من الأولى.
قوله: ((فوَضَعَ على كل قَبْرِ منهما كِسْرة))/ وَقَعَ في ((مسند عبد بن حُميدٍ)) (٦٢٠) من طريق ٣٢٠/١
عبد الواحد بن زياد عن الأعمَش: ثمَّ غَرَزَ عند رأس كل واحد منهما قِطْعة.
قوله: ((فقيل له)) للأعمَش: ((قالوا)) أي: الصحابة، ولم نَقِف على تعيين السائل منهم.
قوله: (لَعَلَّه)) قال ابن مالك: يجوز أنْ تكون الهاء ضمير الشَّأْن، وجازَ تفسيره بـ((أنْ))
وصِلَتها لأنَّها في حُكْم جملة لاشتمالها على مسند ومسند إليه. قال: ويحتمل أنْ تكون ((أن))
(١) حديث أبي هريرة بهذا اللفظ لم نقف عليه في ((صحيح ابن حبان))، وهو عنده (٨٢٤) بلفظ: مرَّ بقبرين ...
فجعل في کل قبر واحدة. وأما اللفظ المذکور فهو مخرَّج عند أحمد في «مسنده)) برقم (٩٦٨٦) بإسناد آخر
عن أبي هريرة غير إسناد ابن حبان عنه، وكلاهما صحيح.
٦٥٦
باب ٥٥ / ح ٢١٦
فتح الباري بشرح البخاري
زائدة مع کَوْنها ناصبة كزيادة الباء مع کَوْنِها جارّة. انتهى، وقد ثبت في الرواية الآتية
بحذف ((أن)) فقَوَّى الاحتمال الثاني، وقال الكِرْ مانيُّ: شَبَّهَ لعلَّ بعَسی فأتى بأنْ فِي خَبَرَه.
قوله: ((يُخَفَّف)) بالضم وفتح الفاء، أي: العذاب عن المقبورين.
قوله: ((ما لم تَيْبَسا)) كذا في أكثر الرِّوايات بالمثنَّة الفَوْقانيَّة، أي: الكِسْرَتان، وللكُشْمِيهَني:
((إلَّا أنْ تَيَسا)) بحرف الاستثناء، وللمُستَمْلي: ((إلى أنْ يَبْبَسا)) بإلى التي للغاية والياء التَّحتانية،
أي: العُودان.
قال المازَرِي: يحتمل أنْ يكون أوحيَ إليه أنَّ العذاب يُحُفَّف عنهما هذه المدَّة. انتهى،
وعلى هذا فـ(لعلَّ)) هنا للتَّعْليل، قال: ولا يظهر له وجه غير هذا.
وتعقَّبه القُرْطبي بأنَّه لو حصل الوحي لَمَا أتى بحرف الترَجّي. كذا قال، ولا يَرِد عليه
ذلك إذا حَلْناها على التعليل.
قال القُرْطبي: وقيل: إنَّه شَفَعَ لهما هذه المدَّة كما صُرِّحَ به في حديث جابر؛ لأنَّ الظاهر
أنَّ القِصّة واحدة. وكذا رَجَّحَ النَّووي كَوْن القِصّة واحدة، وفيه نظرٌ، لما أوضحنا من
المغایرة بينهما.
وقال الخطَّايُّ: هو محمول على أنَّه دَعا لهما بالتخفيف مُدّة بقاء النَّداوة، لا أنَّ في الجريد
معنَى يَخُصّه، ولا أنَّ في الرَّطْب معنّى ليس في اليابس. قال: وقد قيل: إنَّ المعنى فيه أنَّه
يُسَبِّح ما دامَ رَطْباً فيَحصُل التخفيف ببَرَكة التسبيح، وعلى هذا فيَطَّرِد في كل ما فيه رُطوبة
من الأشجار وغيرها، وكذلك فيما فيه بَرَكة الذِّكْر وتلاوة القرآن من باب الأولى.
وقال الطِّيبي: الحِكْمة في كَوْنهما ما دامَتا رَطْبَتَيْنِ تمنعان العذاب، يحتمل أنْ تكون غير
معلومة لنا كعَدَدِ الزَّبانية.
وقد استَنكَرَ الخطَّبيُّ ومَن تَبِعَه وَضْعَ الناس الجريد ونحوه في القبر عملاً بهذا
الحديث، قال الطَّرْطوشي: لأنَّ ذلك خاص بَرَكة يده. وقال القاضي عياض: لأنَّه عَلَّلَ
غَرْزهما على القبر بأمرٍ مُغَيَّب وهو قوله: ((لَيُعذَّبان)).
٦٥٧
باب ٥٥ / ح ٢١٦
كتاب الوضوء
قلت: لا يلزم من كَوْننا لا نعلم أيُعذّبُ أم لا، أنْ لا نتسبَّب له في أمر يُحُفِّف عنه العذاب
أنْ لو عُذِّب، كما لا يمنع كَوْننا لا ندري أرُحِمَ أم لا أنْ لا نَدْعوَ له بالرَّحْمَة. وليس في السِّیاق
ما يَقْطَع على أنَّه باشَرَ الوضع بيَدِه الكَرِيمة، بل يحتمل أنْ يكون أمَرَ به.
وقد تَأْسَى بُرَيدة بن الحُصَيب الصحابي بذلك فأوصى أنْ يُوضَع على قبره جَرِيدَتان
كما سيأتي في الجنائز من هذا الكتاب(١)، وهو أولى أنْ يُتَّبع من غيره.
تنبيه: لم يُعرَف اسم المقبورَينِ ولا أحدهما، والظاهر أنَّ ذلك كان على عَمْد من الرُّواة
لَقَصْدِ السَّتْر عليهما، وهو عمل مُسْتحسَن. وينبغي أنْ لا يُبالَغ في الفَحْص عن تسمية
مَن وَقَعَ في حقّه ما يُذَم به، وما حكاه القُرْطبي في ((التذكرة)) وضَعَّفَه عن بعضهم: أنَّ
أحدهما سعد بن معاذ، فهو قول باطل لا ينبغي ذِكْره إلَّا مقروناً ببيانه. ومما يدل على
بُطْلان الحكاية المذكورة أنَّ النبي وَلِّ حَضَرَ دَفْن سعد بن معاذ كما ثبت في الحديث
الصحيح (٢)، وأمَّا قِصّة المقبورَينِ ففي حديث أبي أُمامةَ عند أحمد (٢٢٢٩٢): أنَّه ◌َ قال
لهم: ((مَن دَفَنْتُم اليوم هاهنا؟))(٣) فدلَّ على أنَّه لم يَحْضُرهما، وإنَّما ذكرت هذا ذَبّاً عن هذا
السَّيِّد الذي سمَّه النبي ◌َّهِ ((سَيِّداً)) وقال لأصحابه: ((قوموا إلى سَيِّدِكُم)) وقال: ((إنَّ
حُكْمه قد وافق / حُكْم الله))(٤)، وقال: ((إنَّ عَرْش الرحمن اهتَزَّ لموتِه))(٥)، إلى غير ذلك من ٣٢١/١
مَناقِبِه الجليلة، خَشْية أنْ يَغتَرَّ ناقص العلم بما ذكره القُرْطبي فيعتقد صِحَّة ذلك
وهو باطل.
وقد اختُلِفَ في المقبورَينِ فقيل: كانا كافرين، وبه جزم أبو موسى المديني، واحتَجَّ بما
رواه من حديث جابر بسندٍ فيه ابن لَهِيعة: ((أنَّ النبيِِّ مرَّ على قَبْرَيْنِ من بني النَّجّار
(١) في باب الجريد على القبر، رقم الباب (٨١).
(٢) انظر ((صحيح مسلم)) (٢٤٦٦).
(٣) إسناده ضعيف جداً.
(٤) سيأتي عند المصنف برقم (٣٠٤٣) و(٣٨٠٤).
(٥) سيأتي عند المصنف برقم (٣٨٠٣).
٦٥٨
باب ٥٥ / ح ٢١٦
فتح الباري بشرح البخاري
هَلَكا في الجاهليّة، فسمعهما يُعذَّبان في البول والنَّميمة))(١) قال أبو موسى: هذا وإنْ كان
ليس بقويٌّ لكنَّ معناه صحيح؛ لأنَّهما لو كانا مسلمَينِ لَمَا كان لشفاعته إلى أنْ تَيْيَس
الجريدتان معنَى؛ ولكنَّه لمَّا رآهما يُعذَّبان لم يَستَجِزْ للُطْفِه وعَطْفه حِرْمانهما من إحسانه
فشَفَعَ لهما إلى المدَّة المذكورة.
وجزم ابن العَطَّار في ((شرح العُمْدة)) بأنَّهما كانا مسلمَينٍ وقال: لا يجوز أن يقال: إنَّهما
كانا كافرَينٍ، لأنَّهما لو كانا كافرَينٍ لم يَدْعُ لهما بتخفيف العذاب ولا تَرجّاه لهما، ولو كان
ذلك من خصائصه لَبيَّته، یعني کما في قِصّة أبي طالب.
قلت: وما قاله أخيراً هو الجواب، وما طالَبَ به من البيان قد حصل، ولا يلزم
التنصيص على لفظ الخصوصيّة، لكنَّ الحديث الذي احتَجَّ به أبو موسى ضعيف كما اعترفَ
به، وقد رواه أحمد (١٤١٥٢) بإسناد صحيح على شرط مسلم وليس فيه سبب التعذیب،
فهو من تخليط ابن لَهِيعة، وهو مطابق لحديث جابر الطّويل الذي قدَّمنا أنَّ مسلماً أخرجه
(٣٠١٢)، واحتمال گَوْنهما کافرینِ فیه ظاهر.
وأمَّا حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنَّهما كانا مسلمَين، ففي رواية ابن ماجَهْ
(٣٤٧): ((مَرَّ بقَبْرِينٍ جديدين)) فانتفى كَوْنهما في الجاهليّة، وفي حديث أبي أُمامةَ عند أحمد:
((أَنَّه ◌ِهِ مرَّ بالبقيع فقال: مَن دَفَنْتُم اليوم هاهنا؟))(٢) فهذا يدل على أنَّهما كانا مسلمَينِ؛
لأنَّ البقيع مقبرة المسلمين، والخِطاب للمسلمين، مع جَرَيان العادة بأنَّ كل فريق يَتَوَلّاه
مَن هو منهم، ويُقوِّي كَوْنهما كانا مسلمَينِ رواية أبي بَكْرة عند أحمد (٢٠٣٧٣)
والطبراني(٣) بإسنادٍ صحيحٍ: ((يُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير، وبَلى، وما يُعذَّبان إلَّ في الغيبة
والبول)) فهذا الحَصْر ينفي كَوْنهما كانا كافرَينٍ، لأنَّ الكافر وإنْ عُذِّبَ على ترك أحكام
(١) أخرجه بنحوه الطبراني في «الأوسط)) (٤٦٢٨) من طريق ابن لهيعة، ولم يذكر فيه إلا النميمة. وسنده
ضعيف لسوء حفظ ابن لهيعة.
(٢) سلف التعليق عليه في الصفحة السابقة.
(٣) في ((الأوسط)) (٣٧٤٧). وهو عند ابن ماجه أيضاً برقم (٣٤٩).
٦٥٩
باب ٥٦ / ح ٢١٧
كتاب الوضوء
الإسلام فإنَّه يُعذّب مع ذلك على الكفر بلا خلاف.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم إثباتُ عذاب القبر، وسيأتي الكلام عليه في
الجنائز (١٣٦١) إن شاء الله تعالی.
وفيه التحذير من مُلابسة البول، ويَلتَحِق به غيره من النجاسات في البدن والثوب،
ويُستَدل به على وجوب إزالة النجاسة، خلافاً لمن خَصَّ الوجوب بوقتٍ إرادة الصلاة،
والله أعلم.
٥٦ - باب ما جاءَ في غَسْل البول
وقال النبيُّ وَّ لصاحب القبرِ: ((كان لا يَستَتِّرُ من بَوْلِه)) ولم يَذْكُرْ سوی بولِ الناس.
٢١٧- حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنِي رَوْحُ
ابنُّ القاسم، قال: حدَّثني عطاءُ بنُ أبي ميمونةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: كان النبيُّ نَّهِ إِذا تَبَرَّزَ
لحاجَتِه أتيتُهُ بماءٍ فتَغَسَّلَ به.
قوله: ((باب ما جاءَ في غسل البَوْل. وقال النبي ◌َّ لصاحبِ القبر)) أي: عن صاحب
القبر، وقال الكِرْماني: اللام بمعنى: لأجل.
قوله: ((كان لا يَستَتِرِ من بَوْله)) يشير إلى لفظ الحديث الذي قبله (٢١٦).
قوله: ((ولم يَذْكُرُ سِوَى بَوْل الناس)) قال ابن بَطَّال: أراد البخاري أنَّ المراد بقوله في رواية
الباب: ((كان لا يَستَقِرِ من البول)) بَوْل الناس لا بَوْل سائر الحيوان، فلا يكون فيه حُجّة لمن
◌َمَلَه على العموم في بول جميع الحيوان، وكأنَّه أراد الردّ على الخطّابي حیثُ قال: فيه دليل
على نجاسة الأبوال كلّها. ومُحصَّل الرَّد: أنَّ العموم في رواية ((من البول)) أُرِيدَ به
الخصوص / لقوله: ((من بَوْله)) والألف واللام بدل من الضمير، لكن يَلتَحِق ببولِه بَوْل مَن ٣٢٢/١
هو في معناه من الناس لعدم الفارق، قال: وكذا غير المأكول، وأمَّا المأكول فلا حُجّة في هذا
الحدیث من قال بنجاسة بوله، ولمن قال بطهارته حُجَج أُخرى.
٦٦٠
باب ٥٦م / ح ٢١٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقال القُرْطبي: قوله: ((من البول)) اسم مُفرَد لا يقتضي العموم، ولو سَلِمَ فهو مخصوص
بالأدلَّة المُقتَضية لطهارة بَوْل ما يُؤْكَل.
قوله: ((حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم)) هو الذَّوْرَقي ((قال: أخبرنا)» وللأکثر: «حدَّثنا إسماعيل
ابن إبراهيم)) وهو المعروف بابن عُلَيَّة، وليس هو أخا يعقوب. ورَوْح بن القاسم بفتح الراء
على المشهور، ونقل ابن التِّين والقابِسي: أنَّه قُرِئَ بضمِها، وهو شاذ مردود.
وقد تقدَّمت مباحث المتن في ((باب الاستنجاء بالماء)) (١٥٠)، والاستدلال به هنا على
غسل البول أعم من الاستدلال به على الاستنجاء، فلا تَكْرار فيه.
قوله: ((فَتَغْسَّلَ به)) كذا لأبي ذرِّ بَوَزْنِ تَفعَّل(١)، ولغيره بفتح التَّحتانية وسكون الغين
وکسر السّین، وحذف مفعوله للعلم به، أو للحیاءِ من ذِكْره.
٥٦م- بابٌ
٢١٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ خازِمِ، قال: حدَّثنا الأعمَشُ، عن
مجاهدٍ، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبَّاس قال: مَرَّ النبيُّ وَّهِ بِقَبْرَينٍ، فقال: ((إنَّما لَيُعَذَّبانِ وما
يُعَذَّبان في كبيرٍ: أَمَّ أحَدُهُما فكانَ لا يَستَتِرُ مِن البَوْل، وأمَّا الآخرُ فكان يَمْشي بالنَّمِيمِ)» ثمَّ
أَخَذَ جَرِيدةً رَطْبةً فشَقَّها نِصْفَينٍ، فغَرَزَ في كلِّ قَبْرٍ واحدةً، قالوا: يا رسولَ الله، لِمَ فعلتَ
هذا؟ قال: ((لَعَلَّه يُحَفَّفُ عَنْهُمَا ما لم يَنْبَسا)».
قال ابنُ المُثنَّى: وحدَّثنا وَكِيعٌ، قال: حدَّثنا الأعمَشُ، قال: سمعتُ مجاهداً، مثلَه.
[انظر: ٢١٦]
(١) قوله: ((فَتَغْسَّل ... تَفعَّل)) هكذا يحتمله الرسم في نسختينا الخطيتين، وعليه نصّ العيني في ((عمدة القاري))
١٢٢/٣ فقال: في رواية أبي ذر ((فتغسَّل به)) من باب تَفعَّل بالتشديد، يقال: تغسَّل يتغسَّل تغسُّلاً ...
ويروى: ((فيغتسل به)) من باب الافتعال. قلنا: وقد ضبطها القسطلاني تبعاً لرواية فرع اليونينية التي
اعتمدها في ضبط روايات ((الصحيح))، فقال في ((إرشاد الساري)) ٢٨٩/١: لأبي ذر: ((فيغتسل)) بمثناة
فوقية بين الغين والسين، ولابن عساكر: ((فتغسَّل)) بفتح المثناة الفوقية وفتح الغين وتشديد السين
المفتوحة! والله أعلم.