النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
باب ٣٢ / ح ١٦٩
كتاب الوضوء
ووَقَعَ في ((البيان)) للعِمْرانيِّ و((التجريد)) للبَنْدَنيجيِّ نسبة القول بالوجوب إلى الفقهاء
السبعة، وهو تصحيف من الشّيعة. وفي كلام الرافعي ما يوهم أنَّ أحمد قال بوجوبه، ولا
يُعرَف ذلك عنه، بل قال الشيخ موفَّق الدين في ((المُغْني): لا نعلم في عدم الوجوب
خلافاً.
٢٧١/١
٣٢- باب الْتِماس الوَضوءِ إذا حانت الصلاة
وقالت عائشةُ: حَضَرَتِ الصبحُ فالتُمِسَ الماءُ فلم يُوجَد، فَتَزَلَ التَّهُّمُ.
١٦٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي
طَلْحَةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ أنَّه قال: رأيتُ رسولَ الله ◌َّهِ وحانَتْ صلاةُ العصرِ، فالتَمَسَ
الناسُ الوَضُوءَ فلم يَجِدُوا، فَأَتِيَ رسولُ اللهِوَلَه بَوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رسولُ الله ◌َّ في ذلك الإناءِ
يَدَه، وأمَرَ الناسَ أنْ يَتوضَّؤُوا منه، قال: فرأيتُ الماءَ يَنبُعُ من تحتِ أصابعِه حتَّى توضّؤوا من
عند آخرِهم.
[أطرافه في: ١٩٥، ٢٠٠، ٣٥٧٢، ٣٥٧٣، ٣٥٧٤، ٣٥٧٥]
قوله: ((باب التماس الوَضوء)) بفتح الواو، أي: طلب الماء للوضوءِ ((إذا حانَت)) بالمهمَلة
أي: قَرُبَتْ ((الصلاةُ) والمراد وقتها الذي تُوقَع فيه.
قوله: (وقالت عائشة» هذا طرف من حديثها في قِصّة نزول آية التيمُم وسيأتي في كتاب
التيمُّم (٣٣٤) إن شاء الله تعالى، وساقه هنا بلفظ عَمْرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن
القاسم، عن أبيه، عنها، وهو موصول عنده في تفسیر المائدة (٤٦٠٨).
قال ابن المنيِّر: أراد الاستدلال على أنه لا يجب طلب الماء للتَّطْهير قبل دخول الوَقْت؛
لأَنَّ النبيَّ ◌َّه لم يُنكِرِ عليهم التأخير، فدلَّ على الجواز.
قوله: ((فالتُمِسَ)» بالضم على البناء للمفعول، وللكُشْمِيهَني: ((فالتَمَسوا».
قوله: ((وحانَ)) وللكُشْمِیھَنيٍّ: ((وحانَت)) والواو للحال بتقدیرِ ((قد)).
قوله: ((الوَضوء)) بفتح الواو، أي: الماء الذي يُتَوضَّأ به.

٥٦٢
باب ٣٢ / ح ١٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «فلم يجدوا)) وللكُشْمِیھنيِّ: ((فلم يجدوه)) بزيادة الضمير.
قوله: ((فَأَنيَ)) بالضم على البناء للمفعول، وبيَّن المصنّف في رواية قتادة (٣٥٧٢) أنَّ
ذلك كان بالزَّوراء، وهو سوق بالمدينة.
قوله: ((بوَضوءٍ)) بالفتح، أي: بإناءٍ فيه ماء ليتوضَّأ به، ووَقَعَ في رواية ابن المبارَك(١)
(٣٥٧٤): ((فجاءَ رجل بقَدَح فيه ماء يسير، فصَغُرَ أنْ يَبْسُط ◌َلّهِ فيه كفّه فضَمَّ أصابعه))،
ونحوه في رواية حُميدٍ الآتية (١٩٥) في ((باب الوضوء من المِخْضَب)).
قوله: ((يَنْبُع)) بفتح أوَّله وضم الموحّدة ويجوز كسرها وفتحها، وسيأتي الكلام على
فوائد هذا الحديث في كتاب علامات النُّبوّة (٣٥٧٢) مُستَوعَباً إن شاء الله تعالى.
قوله: ((حتَّى تَوضَّؤْوا من عند آخرهم)) قال الكِرْمانيُّ: ((حتَّى)) للتَّذْريج و(مِن)) للبيان،
أي: تَوضَّأ الناس حتَّی توضّأ الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جمیعهم، قال: و((عند))
بمعنى: في، لأنَّ((عند)) وإنْ كانت للظَّرْفيَّة الخاصّة، لكنَّ المبالَغة تقتضي أنْ تكون لمطلَقِ
الظَّرْفيَّة، فكأنه قال: الذين هم في آخرهم.
وقال التَّيْميُّ: المعنى: تَوضَّأ القوم حتَّى وَصَلَتِ النَّوْبة إلى الآخر.
وقال النَّووي: ((مِن)) هنا بمعنى: إلى، وهي لغة. وتعقَّبه الكِرْمانيُّ بأنها شاذَّة، قال: ثمَّ
إِنَّ ((إلى)) لا يجوز أنْ تَدْخُل على ((عند))، ويلزم عليه وعلى ما قال التَّيْمِيُّ أنْ لا يَدخُل
الأخير، لكن ما قاله الكِرْمانيُّ من أنَّ ((إلى)) لا تَدْخُل على ((عند))، لا يلزم مثله في ((مِن)) إذا
وَقَعَتْ بمعنى: إلى، وعلى توجيه النَّووي يُمكِن أنْ يقال: ((عند)) زائدة.
وفي الحديث دليل على أنَّ المواساة مشروعة عند الضَّرورة لمن كان في مائه فضل عن
وُضوئِه.
وفيه أنَّ اغتراف المتوضِّئ من الماء القليل لا يُصيِّر الماء مُستعمَلاً، واستَدلَّ به الشافعي
على أنَّ الأمر بغسل اليد قبل إدخالها الإناء أمر نَذْب لا حَتْم.
(١) المراد به عبد الرحمن بن المبارك شيخ المصنف فيه هناك، وليس الإمام المشهور بابن المبارك، واسمه عبد الله.

٥٦٣
باب ٣٣
كتاب الوضوء
تنبيه: قال ابن بَطَّال: هذا الحديث - يعني حديث نَبْع الماء - شهده جمع من الصحابة،
إلَّا/ أنه لم يُرْو إلَّا من طريق أنس وذلك لطولِ عُمْره ولطلب الناس عُلوَّ السَّنَد.
٢٧٢/١
كذا قال، وقد قال القاضي عِيَاض: هذه القِصّة رواها العَدَد الكثير من الثِّقات عن
الجَمِّ الغَفير عن الكافّة مُتَّصِلاً عن جملة من الصحابة، بل لم يُؤْثَر عن أحد منهم إنكار
ذلك، فهو مُلتحق بالقطعيِّ من مُعجِزاته. انتھی.
فانظُرْ كم بين الكلامَينِ من التفاوت، وسنحرِّرُ هذا الموضع في كتاب علامات النُّبّة
(٣٥٧٢) إن شاء الله تعالى.
٣٣- باب الماء الذي يُغسَل به شَعرُ الإنسان
وكان عطاءٌ لا يَرى به بأساً أنْ يُتَّخَذَ منها الخُيوطُ والحِبالُ.
وسُؤْرِ الكلاب، ومَمَرِّها في المسجد.
وقال الزُّهْرِيُّ: إذا وَلَغَ الكلبُ في إناءٍ ليسَ له وَضوءٌ غيرُه بتوضَّأُ به.
وقال سفيانُ: هذا الفقه بعينِه يقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ﴾ [النساء: ٤٣]،
وهذا ماءٌ، وفي النفسِ منه شيءٌ، يَتوضَّأُ به ويَنَیِمَّمُ.
قوله: ((باب الماء)) أي: حُكْم الماء ((الذي يُغسَل به شعر الإنسان)) أشار المصنّف إلى أنَّ
حُكْمه الطَّهارة، لأنَّ المغتسِل قد يقع في ماء غُسْله من شعره، فلو كان نَجِساً لتَنَجَّسَ الماء
بِمُلاقاته، ولم يُنقَلِ أنَّ النبيَّ وَِّ تَجَنَّبَ ذلك في اغتساله، بل كان يُحُلِّل أُصول شعره كما
سيأتي (٢٧٢)، وذلك يفضي غالباً إلى تناثُر بعضه فدلَّ على طهارته، وهو قول جمهور
العلماء، وكذا قاله الشافعي في القديم، ونَصَّ عليه في الجديد أيضاً، وصَخَّحَه جماعة من
أصحابه وهي طريقة الخُراسانّين، وصَحَّحَ جماعة القول بتنجيِه وهي طريقة العراقيّين.
واستدلَّ المصنّف على طهارته بما ذكره من الحديث المرفوع، وتُعُقِّبَ بأنَّ شعر النبي ؟
مُكرَّم لا يُقاس عليه غيره، ونَقَضَه ابن المنذر والخطَّابي وغيرهما بأنَّ الخصوصيَّة لا تَتْبُت إلَّا
بدليلٍ والأصل عدمه، قالوا: ويلزم القائل بذلك أنْ لا يَحَتَجَّ على طهارة المنيّ بأنَّ عائشة

٥٦٤
باب ٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
كانت تَفرُكه من ثوبه وَلَ(١)، لإمكان أنْ يقال له: مَنّه طاهر فلا يُقاس على غيره، والحق أنَّ
حُكْمه حُكْم جميع المُكَلَّفين في الأحكام التكليفيَّة إلَّا فيما خُصَّ بدليلٍ، وقد تكاثرت الأدلّة
على طهارة فَضَلاته وعَدَّ الأئمّة ذلك في خصائصه، فلا يُلتفت إلى ما وَقَعَ في کتب کثیر من
الشافعيَّة ممَّا يخالف ذلك، فقد استَقرَّ الأمر بين أئمَّتهم على القول بالطَّهارة.
وهذا كلّه في شعر الآدمي، أمَّا شعر الحيوان غير المأكول المذَّى، ففيه اختلاف مبنيٌّ على
أنَّ الشَّعر هل تَحُلّه الحياة فيَنجُس بالموتِ أو لا، فالأصح عند الشافعيَّة أنه يَنجُس بالموت،
وذهب جمهور العلماء إلى خلافه، واستدلَّ ابن المنذر على أنه لا تَحُلّه الحياة فلا يَنجُس بالموتِ
ولا بالانفصال، بأنهم أجمعوا على طهارة ما يُجَزُّ من الشاة وهي حَيَّة، وعلى نجاسة ما يُقْطَع
من أعضائها وهي حَيَّة، فدلَّ ذلك على التفرقة بين الشَّعر وغيره من أجزائها، وعلى التسوية
بين حالتَي الموت والانفصال، والله أعلم.
وقال البَغَويُّ في ((شرح السُّنّة)) في قولهِوَ له في شاة ميمونة: ((إنَّما حَرُمَ أكلها))(٢): يُستَدل
به لمن ذهب إلى أنَّ ما عدا ما يُؤْكَل من أجزاء المَيْتة، لا يجرُم الانتفاع به. انتهى.
وسيأتي الكلام على ريش المَيْتَة وعَظْمها في باب مُفرَد من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى(٣).
قوله: ((وكان عطاء)) هذا التعليق وَصَلَه محمد بن إسحاق الفاكهي في ((أخبار مكّة))
بسندٍ صحيح إلى عطاء، وهو ابن أبي رَبَاح: أنه كان لا يرى بأساً بالانتفاع بشُعورِ الناس
التي تُحلَق بمنّی.
قوله: ((وسُؤْرِ الكلاب)) هو بالجرِّ عَطْفاً على قوله: ((الماء))، والتقدير: وباب سُؤْر
الكلاب، أي: ما حُكْمه؟
والسُّؤْر: البقيَّة، والظاهر من تصرُّف المصنِّف أنه يقول بطهارته. وفي بعض النُّسَخ
بعد قوله: ((في المسجد)): ((وأكلها)) وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل.
(١) أخرجه مسلم (٢٨٨) من حديث عائشة.
(٢) سيأتي عند المصنف برقم (١٤٩٢) و(٢٢٢١).
(٣) في باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء، من كتاب الوضوء عند الحديث (٢٣٥).

٥٦٥
باب ٣٣
كتاب الوضوء
قوله: ((وقال الزُّهْري: إذا وَلَغَ الكَلْب)) جمع المصنّف في هذا الباب/ بين مَسألتين، وهما: ٢٧٣/١
حُكْم شعر الآدمي، وسُؤْر الكَلْب. فذكر الترجمة الأولى وأثرها معها، ثمَّ ثنَّى بالثانية وأثرها
معها، ثمَّ رجع إلى دليل الأولى من الحديث المرفوع، ثمَّ ثَنَّى بأدلَّة الثانية.
وقول الزُّهْري هذا رواه الوليد بن مسلم في ((مصنَّفْه)) عن الأوزاعي وغيره عنه، ولفظه:
سمعت الزُّهْري في إناء وَلَغَ فيه كلب فلم يجدوا ماء غيره، قال: يتوضَّأ به. وأخرجه ابن
عبد البَرِّ في ((التمهيد)) (٢٧٤/١٨) من طريقه بسند صحيح.
قوله: ((وقال سفيان)) المُتَبَادِر إلى الذِّهْن أنه ابن عُيَينةَ، لكَوْنه معروفاً بالرواية عن
الزُّهْري دون الثَّوْري، لكنَّ المراد به هنا الثَّوْري، فإنَّ الوليد بن مسلم عَقَّبَ أثر الزُّهْري
هذا بقوله: فذكرت ذلك لسفيان الثَّوْري فقال: هذا والله الفقه بعينه ... فذكره، وزاد بعد
قوله ((شيء)): ((فأرَى أنْ يتوضَّأ به ويَتَيِمَّم))، فسَمَّى الثَّوْري الأخذ بدلالة العموم فِقْهاً،
وهي التي تَضَمَّنها قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ ﴾ لكَوْنها نَكِرة في سياق النَّفي فتَعُم ولا
◌َّخُص إلَّا بدليلٍ، وتنجيس الماء بولوغ الكلب فيه غير مُتَّفَق عليه بين أهل العلم. وزاد من
رأيه التيمُم احتياطاً.
وتعقَّبه الإسماعيلي بأنَّ اشتراطه جواز التوُّؤْ به إذا لم يجد غيره، يدلَّ على تنجيسه
عنده، لأنَّ الظاهر يجوز التوضُّؤ به مع وجود غيره.
وأُجيبَ بأنَّ المراد: أنَّ استعمال غيره ممّاً لم يُخْتَلَف فيه أولى، فأمَّا إذا لم يجد غيره فلا يَعْدِل
عنه - وهو يعتقد طهارته - إلى التيمُّم، وأمَّا فُتْيا سفيان بالتيُّم بعد الوضوء به، فلأنه رأى
أنه ماء مشكوك فيه من أجل الاختلاف فاحتاطَ للعبادة، وقد تُعُقِّبَ بأنه يلزم من استعماله
أنْ يكون جسده طاهراً بلا شك فيصير باستعماله مشكوكاً في طهارته، ولهذا قال بعض
الأئمّة: الأَولى أنْ يُريق ذلك الماء ثمَّ يَتَيَمَّم، والله أعلم.
تنبيه: وَقَعَ في رواية أبي الحسن القابسي عن أبي زيد المَرْوزي في حكاية قول سفيان:
يقول الله تعالى: ((فإنْ لم تَجِدوا ماء))، وكذا حكاه أبو نُعيم في (المستخرَج)) على البخاري، وفي

٥٦٦
باب ٣٣ / ح ١٧٠ - ١٧١
فتح الباري بشرح البخاري
باقي الرِّوايات: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ﴾ وهو الموافق للتِّلاوة.
وقال القابسي: وقد ثبت ذلك في ((الأحكام)) لإسماعيل القاضي - يعني بإسناده إلى
سفیان - قال: وما أعرف من قرأ بذلك. قلت: لعلَّ الشّوْري حكاه بالمعنی وکان یری جواز
ذلك، وكأنَّ هذا هو الذي جَرَّ المصنِّف أنْ يأتيَ بمِثلِ هذه العبارة في كتاب التيمُّم (٣٣٤)
کما سيأتي إن شاء الله تعالى.
١٧٠ - حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن عاصمِ، عن ابن سِيرِينَ، قال:
قلتُ لعَبِيدة: عندَنا من شَعَرِ النبيِّ ◌َِّ، أَصَبْناه من قِبَلِ أنسٍ - أو من قِبَلِ أهل أنسٍ - فقال:
لَأنْ تكونَ عندي شَعَرةٌ منه، أحبُّ إليَّ مِن الدُّنْيا وما فيها.
[طرفه في: ١٧١]
١٧١ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيم، قال: أخبرنا سعيدُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا عَبَّادٌ، عن
ابن عَوْنٍ، عن ابن سِيرِينَ عن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله وَلِ لمَّا حَلَقَ رَأْسَه كان أبو طَلْحةَ أوَّلَ مَن
أخَذَ من شَعَرِه.
قوله: ((عن عاصم)) هو ابن سليمان، وابن سيرين: هو محمد، وعَبيدةُ: هو ابن عَمْرو
السَّلْماني أحد كِبَار التابعين المخَضْرَمين، أسلمَ قبل وفاة النبي ◌ِّ بسنتين ولم يَرَه.
قوله: ((من شَعَر النبي ◌ِِّ)) أي: شيءٌ.
قوله: ((أصَبْناه)) أي: حصل لنا من جهة أنس بن مالك.
وأراد المصنّف بإيرادِ هذا الأثر تقرير أنَّ الشَّعَر الذي حصل لأبي طَلْحة كما في الحديث
الذي يليه، بَقيَ عند آل بيته إلى أنْ صارَ لمواليهم منه؛ لأنَّ سيرين والد محمد كان مولی أنس
٢٧٤/١ ابن مالك، وكان أنس / رَبِيب أبي طَلْحة.
ووجه الدّلالة منه على الترجمة: أنَّ الشَّعر طاهر وإلَّا لَمَا حَفِظوه ولا تمنَّى عَبِيدة أنْ
یکون عنده شعرة واحدة منه، وإذا كان طاهراً فالماء الذي يُغسل به طاهر.
قوله: ((حدَّثنا عَبَّاد)» هو ابن عَبَّاد المُهلَّبي، وقد نزل البخاري في هذا الإسناد لأنه قد

٥٦٧
باب ٣٣ / ح ١٧١
كتاب الوضوء
سمع من شیخ شیخه سعید بن سليمان، بل سمع من أبي عاصم وغيره من أصحاب ابن
عَوْن، فيقع بينه وبين ابن عَوْن واحد، وهنا بينه وبينه ثلاثة أنفُس.
قوله: ((لمَّا حَلَقَ)) أي: أمَرَ الْحَلّق فحَلَقَه، فأضافَ الفعل إليه مجازاً، وكان ذلك في
حَجّة الوداع كما سنبيِّنْه (١٧٢٦).
قوله: ((كان أبو طَلْحة)) يعني: الأنصاري زَوْج أُم سُلَيم والدة أنس، وقد أخرج أبو
عَوَانة في ((صحيحه)) (٣٢٣٢) هذا الحديث من طريق سعيد بن سليمان المذكور أبين ممّاً
ساقه محمد بن عبد الرحيم ولفظه: أنَّ رسول الله وَّهِ أَمَرَ الْخَلَّاق فحَلَقَ رأسه، ودَفَعَ إلى
أبِي طَلْحة الشِّق الأيمن، ثمَّ حَلَقَ الشِّق الآخر، فأمره أنْ يَقْسِمه بين الناس.
ورواه مسلم (٣٢٦/١٣٠٥) من طريق ابن عُيَينةً، عن هشام بن حَسّان، عن ابن سيرين
بلفظ: لمَّا رَمَى الْجَمْرة ونَحَرَ نُسُكه ناولَ الحالق شِقّه الأيمَن فحَلَقَه، ثمَّ دَعا أبا طَلْحة
فأعطاه إِيَّه، ثمَّ ناوله الشِّق الأيسر فحَلَقَه فأعطاه أبا طَلْحة فقال: اقسِمْه بين الناس، وله
(٣٢٤/١٣٠٥) من رواية حَفْص بن غياث عن هشام: أنه قَسَمَ الأيمَن فيمَن يليه، وفي لفظ:
فوزَّعَه بين الناس الشَّعرة والشَّعرَتَين، وأعطَى الأيسر أُم سُلَيم، وفي لفظ: أبا طَلْحة.
ولا تناقضَ في هذه الرّوايات، بل طريق الجمع بينها: أنه ناولَ أبا طَلْحة كُلَّ من
الشِّقَّين، فأمَّا الأيمَن فوزَّعَه أبو طَلْحة بأمره، وأمَّا الأيسر فأعطاه لأُمُّ سُلَيم زوجته بأمره وِّيه
أيضاً، زاد أحمد في رواية له (١٣٢١٨): ((لتَجْعَله في طِيبها))، وعلى هذا فالضمير في قوله:
((يَقْسِمه)) في رواية أبي عَوَانة يعود على الشِّق الأيمن، وكذا قوله في رواية ابن عُيَينة: ((فقال:
اقسِمْه بین الناس».
قال النَّووي: فيه استحباب البِداءة بالشِّقِّ الأيمَن من رأس المحلوق، وهو قول
الجمهور خلافاً لأبي حنيفة. وفيه طهارة شعر الآدمي وبه قال الجمهور وهو الصحيح
عندنا، وفيه التبرُّك بشعرِهِ وَله وجواز اقتنائه. وفيه المواساة بين الأصحاب في العطيّة
والهديّة.

٥٦٨
باب ٣٣ / ح ١٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
أقول: وفيه أنَّ المواساة لا تستلزم المساواة. وفيه: تنفيل مَن يَتَولَّى التفرقة على غيره.
قال: واختلفوا في اسم الحالق، فالصحيح أنه مَعمَر بن عبد الله كما ذكر البخاري،
وقيل: هو خِراش بن أُميَّة وهو بمُعجمَتين. انتهى، والصحيح أنَّ خِراشاً كان الحالق
بالحُدَيْبية، والله أعلم.
وَقَعَ هنا في رواية ابن عساكر قبل إيراد حديث مالك: ((باب إذا شَرِبَ الكلب في
الإناء)).
١٧٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، عن مالكِ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج عن أبي هُرَيرةَ،
قال: إنَّ رسولَ اللهِ ◌ّم قال: «إذا شَرِبَ الكَلْبُ في إناءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغِلْه سبعاً».
قوله: ((إذا شَرِبَ)) كذا هو في ((الموطَّأ)) (٣٤/١)، والمشهور عن أبي هريرة من رواية
جمهور أصحابه عنه: ((إذا وَلَغَ))، وهو المعروف في اللُّغة، يقال: وَلَغَ یَلَغُ - بالفتح فيهما -:
إذا شَرِبَ بطرفٍ لسانه، أو أدخلَ لسانه فيه فحَرَّكَه، وقال ثَعْلَب: هو أنْ يُدخِل لسانه في
الماء وغيره من كل مائع فيُحرِّكه، زاد ابن دَرَسْتويه: شَرِبَ أو لم يشرب. وقال ابن مَكِّي:
فإنْ كان غير مائع يقال: لَعِقَه. وقال المطرِّزي: فإنْ كان فارغاً يقال: لَحِسَه.
واذَّعَى ابن عبد البَرِّ أنَّ لفظ ((شَرِبَ)) لم يروه إلَّا مالك، وأنَّ غيره رواه بلفظ: ((وَلَغَ))،
وليس كما اذَّعَى، فقد رواه ابن خُزيمة (٩٧) وابن المنذر (٣٠٤/١) من طريقين عن هشام
ابن حَسّان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا شَرِبَ)»، لكنَّ المشهور عن هشام بن
حَسّان بلفظ: ((إذا وَلَغ))، كذا أخرجه مسلم (٢٧٩/ ٩١) وغيره من طرق عنه، وقد رواه
٢٧٥/١ عن أبي الزناد شيخ مالك بلفظ: / ((إذا شَرِبَ)) وَرْقاء بن عمر أخرجه الجَوْزَقي، وكذا
المغيرة ابنُ عبد الرحمن أخرجه أبو يعلى، نعم ورُوِيَ عن مالك بلفظ: ((إذا ولَغَ)) أخرجه أبو
عُبيد في كتاب ((الطَّهور)) له (١٩٠) عن إسماعيل بن عمر عنه، ومن طريقه أورده
الإسماعيلي، وكذا أخرجه الدَّارَقُطْنيُّ في ((الموطَّآت)) له من طريق أبي علي الخَنَفي عن
مالك، وهو في نسخة صحيحة من ((سنن ابن ماجَهْ)) (٣٦٤) من رواية رَوْح بن عُبادةَ عن

٥٦٩
باب ٣٣ / ح ١٧٢
كتاب الوضوء
مالك أيضاً، وكأنَّ أبا الزِّناد حدَّث به باللفظين لتَقارُبهما في المعنى، لكنَّ الشُّرْب كما بَيَّنًا
أخص من الوُلوغ فلا يقوم مَقَامه.
ومفهوم الشَّرْط في قوله: ((إذا وَلَغَ)) يقتضي قَصْر الحُكْم على ذلك، لكن إذا قلنا: إنَّ
الأمر بالغسل للتنجيسٍ يتعدَّى الْحُكْم إلى ما إذا لَحِسَ أو لَعِقَ مثلاً، ويكون ذِكْر الوُلوغ
للغالب، وأمَّا إلحاق باقي أعضائه كيَدِه ورِجْله فالمذهب المنصوص أنه كذلك، لأنَّ فمه
أشرفها فيكون الباقي من باب الأَولى، وخَصَّه في القدیم بالأوَّل.
وقال النَّوي في ((الرَّوْضة): إنَّه وجه شاذ. وفي ((شرح المهذَّب)): إنَّه القوي من حيثُ
الدليل، والأولَويَّة المذكورة قد تُمنَع لكَوْن فمه محلّ استعمال النجاسات.
قوله: ((في إناء أحدِكم)) ظاهره العموم في الآنية، ومفهومه يُخْرِج الماء المُستَنقَع مثلاً،
وبه قال الأوزاعيُّ مُطلَقاً، لكن إذا قلنا بأنَّ الغسل للتنجيسٍ، يجري الحُكْم في القليل من
الماء دون الكثير، والإضافة التي في ((إناء أحدكُم)) يُلغَى اعتبارها هنا، لأنَّ الطَّهارة لا
تَتَوقَّف على مِلْكه، وكذا قوله: ((فلْيَغسِله)) لا يتوقَّف على أنْ يكون هو الغاسل. وزاد مسلم
(٨٩/٢٧٩) والنَّسائيُّ (٦٦) من طريق علي بن مُسهِر، عن الأعمَش، عن أبي صالح وأبي
رَزِين، عن أبي هريرة في هذا الحديث: ((فليِرِقْه))، وهو يُقوِّي القول بأنَّ الغسل للتنجيس،
إذ المُراق أعم من أنْ يكون ماءً أو طعاماً، فلو كان طاهراً لم يُؤْمَر بإراقَتِه للنهي عن إضاعة
المال، لكن قال النَّسائيُّ: لا أعلم أحداً تابعَ علي بن مُسهِر على زيادة «فليُرِقْه)). وقال حمزة
الكِناني: إنَّها غير محفوظة. وقال ابن عبد البَرِّ: لم يَذكُرها الحُفَّاظ من أصحاب الأعمَش
كأبي معاوية وشُعْبة. وقال ابن منده: لا تُعرَف عن النبي ◌ََّ بوجه من الوجوه إلّ عن علي
ابن مُسهِر بهذا الإسناد.
قلت: قد وَرَدَ الأمر بالإراقة أيضاً من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً، أخرجه ابن
عَدي (٢/ ٧٧٦)، لكن في رفعه نَظَر، والصحيح أنه موقوف. وكذا ذكر الإراقة حمّاد بن
زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موقوفاً، وإسناده صحيح أخرجه
الدَّارَ قُطني (١٨٣) وغيره.

٥٧٠
باب ٣٣ / ح ١٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فلْيَغسِلْه)) يقتضي الفَوْر، لكن حمله الجمهور على الاستحباب إلَّا لمن أراد أنْ
يستعمل ذلك الإناء.
قوله: ((سبعاً)) أي: سبع مِرار، ولم يقع في رواية مالك التَّْريب ولم يَثْبت في شيء من
الرِّوايات عن أبي هريرة إلَّا عن ابن سيرين، على أنَّ بعض أصحابه لم یذکُره.
ورُوِيَ أيضاً عن الحسن وأبي رافع عند الدَّارَقُطني (١٨٤ و١٩٠)، وعبد الرحمن والد
السُّدّي عند البزَّار (٩٧٠٢).
واختلفَ الرُّواة عن ابن سِيرين في محلٌّ غسلة التتريب، فلمسلم (٢٧٩/ ٩١) وغيره من
طريق هشام بن حَسّان عنه: ((أولاُهُنَّ) وهي رواية الأكثر عن ابن سيرين، وكذا في رواية أبي
رافع المذكورة، واختُلِفَ عن قتادة عن ابن سيرين، فقال سعيد بن بشير عنه: ((أُولاهُنَّ) أيضاً
أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ (١٨٩)، وقال أبان عن قتادة: ((السابعة)) أخرجه أبو داود (٧٣)، وللشافعيّ
(٢٣/١-٢٤) عن سفيان عن أيوب عن ابن سيرين: ((أُولاهُنَّ أو أُخراهُنَّ))، وفي رواية السُّدّي
عند البزّار: ((إحداهُنَّ))، وكذا في رواية هشام بن عُرْوة عن أبي الزناد عنه(١).
فطريق الجمع بين هذه الرِّوايات أنْ يقال: ((إحداهُنَّ) مُبهَمة ((وأُولاهُنَّ)) و((السابعة))
مُعيَّنة، و((أو)) إنْ كانت في نفس الخبر فهي للتَّخْبِير، فمُقتَضى حمل المطلَق على المقيَّد أنْ يُحمَل
٢٧٦/١ على أحدهما لأنَّ فيه زيادة على / الرواية المعيَّنة، وهو الذي نَصَّ عليه الشافعي رحمه الله في
((الأُم)) والبُوَيْطي، وصَرَّحَ به المَرْعَشي وغيره من الأصحاب، وذكره ابن دقيق العيد
والسُّبْكي بحثاً، وهو منصوص كما ذكرنا. وإنْ كانت ((أو)) شكّاً من الراوي فرواية مَن عَيَّنَ
ولم يَشُك أَولى من رواية مَن أبهَمَ أو شك، فَيَبْقَى النَّظَر في الترجيح بين رواية ((أولاهُنَّ»
ورواية ((السابعة))، ورواية «أولاهُنَّ)) أرجح من حيثُ الأكثرِيَّة والأحفَظِيَّة ومن حيثُ
المعنى أيضاً، لأنَّ تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أُخرى لتنظيفه، وقد نَصَّ
الشافعي في حَرْملة على أنَّ الأُولى أولى، والله أعلم.
(١) يعني: عند البزار، وهي عنده في ((مسنده)) برقم (٨٨٨٧).

٥٧١
باب ٣٣ / ح ١٧٢
كتاب الوضوء
وفي الحديث دليل على أنَّ حُكْم النجاسة يتعدَّى عن مَحَلّها إلى ما يُجاورها بشرطِ كَوْنه
مائعاً، وعلى تنجيس المائعات إذا وَقَعَ في جزء منها نجاسة، وعلى تنجيس الإناء الذي يَتَّصِل
بالمائع، وعلى أنَّ الماء القليل يَنجُس بوقوع النجاسة فيه وإنْ لم يتغيّر، لأنَّ وُلوغ الكلب لا
يُغيِّر الماء الذي في الإناء غالباً، وعلى أنَّ وُرودَ الماء على النجاسة يخالف ورودها عليه، لأنه
أمَرَ بإراقة الماء لمَّا وَرَدَتْ عليه النجاسة، وهو حقيقة في إراقة جميعه، وأمَرَ بغسله، وحقيقته
تَتأدَّى بما يُسمَّى غسلاً ولو كان ما يُغسَل به أقل ثمّ أُريق.
فائدة: خالف ظاهرَ هذا الحديث المالكيَّة والحنفيّة، فأمَّا المالكيَّة فلم يقولوا بالتقريب أصلاً
مع إيجابهم التسبيعَ على المشهور عندهم، لأنَّ التتريب لم يقع في رواية مالك، قال القَرَافي
منهم: قد صحَّتْ فیه الأحاديث، فالعجب منھم کیف لم يقولوا بها.
وعن مالك رواية: أنَّ الأمر بالتسبيع للنَّذْب، والمعروف عند أصحابه أنه للوجوب
لكنَّه للتعبُّدِ، لكَوْن الكلب طاهراً عندهم، وأبدى بعض مُتأخّريهم له حِكْمة غير التنجيس
کما سيأتي.
وعن مالك رواية بأنه نَجِسٌ، لكنَّ قاعدته: أنَّ الماء لا يَنجُس إلَّا بالتغيُّر، فلا يجب التسبيع
للنَّجاسة بل للتعبِّد، لكن يَرِدُ عليه قوله وَّلَه في أوَّل هذا الحديث فيما رواه مسلم (٢٧٩/ ٩١-
٩٢) وغيره من طريق محمد بن سيرين وهمَّام بن مُنبِّه، عن أبي هريرة: ((طَهُور إناء أحدكُم)) لأنَّ
الطَّهارة تُستَعمل إمَّا عن حَدَث أو خَبَث، ولا حَدَث على الإناء، فَتَعَيَّن الخَبَث.
وأُجيبَ بمَنْع الْحَصْرِ، لأنَّ التيمُّم لا يرفع الحَدَث وقد قيل: ((له طَهُور المسلم)(١)،
ولأنَّ الطَّهارة تُطلَق على غير ذلك كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَفَّةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة:
١٠٣] وقوله ◌َّهِ: ((السِّواكِ مَطْهَرة للفَمِ))(٢).
(١) أخرجه من حديث أبي ذر بهذا اللفظ الترمذي برقم (١٢٤)، وقد سلف تخريجه بلفظ: ((وَضوء المسلم))
في آخر شرح الحديث (١٣٥).
(٢) أخرجه أحمد (٧) من حديث أبي بكر، وأحمد أيضاً (٢٤٢٠٣)، والنسائي (٥) من حديث عائشة،
وسيأتي حديثها معلّقاً عند البخاري بين يدي الحديث (١٩٣٤). والحديث صحيح.

٥٧٢
باب ٣٣ / ح ١٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
والجواب عن الأوَّل: بأنَّ التيمُّم ناشِئ عن حَدَث، فلمَّا قام مَقَامَ ما يُطهِّر الحدثَ
سُمّيَ طَهوراً. ومَن يقول بأنه يرفع الحدث، يمنع هذا الإيراد من أصله.
والجواب عن الثاني: أنَّ ألفاظ الشرع إذا دارَتْ بين الحقيقة اللُّغَويَّة والشرعيَّة، ◌ُمِلَتْ
على الشرعيَّة إلَّا إذا قام دليل، ودعوى بعض المالكيَّة أنَّ المأمور بالغسل من وُلوغه الكلبُ
المنهي عن التّخاذه دون المأذون فيه، يحتاج إلى ثبوت تقدُّم النهي عن الاتّخاذ على الأمر
بالغسل، وإلى قرينة تدل على أنَّ المراد ما لم يُؤْذَن في اتّخاذه، لأنَّ الظاهر من اللام في قوله:
((الكَلْبِ)) أنها للجنسِ أو لتعريفِ الماهيَّة، فيحتاج المدَّعي أنها للعَهْدِ إلى دليل، ومثله تَفرِقة
بعضهم بين البَدَوي والحَضَري، ودعوى بعضهم أنَّ ذلك مخصوص بالكَلْبِ الكَلِب، وأنَّ
الحِكْمة في الأمر بغسله من جهة الطِّب لأنَّ الشارع اعتَبَرَ السبع في مواضع منه كقوله:
((صُبّوا عليَّ من سبع قِرَب))(١)، وقوله: ((مَن تَصَبَّحَ بسبع تَمَرَات عَجْوة))(٢).
وتُعُقِّبَ بأنَّ الكلب الكَلِب لا يَقْرب الماء، فكيف يُؤْمَر بالغسل من وُلوغه؟ وأجاب
حَفيد ابن رُشْد: بأنه لا يَقْرب الماء بعد استحكام الكَلَبِ منه، أمَّا في ابتدائه فلا يَمتَنع.
وهذا التعليل وإنْ كان فيه مناسبة لكنَّه يستلزم التخصيص بلا دليل، والتعليل بالتنجيسٍ
أقوى لأنه في معنى المنصوص، وقد ثبت عن ابن عبَّاس التصريح بأنَّ الغسل من وُلوغ
الكلب بأنه رِجْس، رواه محمد بن نصر المَرْوزي بإسنادٍ صحيح، ولم يصح عن أحد من
الصحابة خلافُه.
والمشهور عن المالكيَّة أيضاً التفرقة بين إناء الماء فيُراق ويُغسَل، وبين إناء الطعام
فِيُؤْكَل ثمَّ يُغسَل الإناء تَعبُّداً، لأنَّ الأمر بالإراقة عامٌّ فيُخص الطعام منه بالنهي عن
إضاعة المال، وعُورِضَ بأنَّ النهي عن الإضاعة مخصوص بالأمر بالإراقة، ويترجَّح هذا
الثاني بالإجماع على إراقة ما تقع فيه النجاسة من قليل المائعات ولو عَظُمَ ثَمنُه، فثبت أنَّ
عموم النهي عن الإضاعة مخصوص بخلاف الأمر بالإراقة، وإذا ثبتت نجاسة سُؤْره كان
٢٧٧/١
(١) سيأتي عند المصنف برقم (١٩٨).
(٢) سيأتي عند المصنف برقم (٥٤٤٥).

٥٧٣
باب ٣٣ / ح ١٧٢
كتاب الوضوء
أعمَّ من أنْ يكون لنجاسة عينه أو لنجاسةٍ طارئة كأكلِ المَيْنة مثلاً، لكنَّ الأوَّل أرجح إذْ
هو الأصل، ولأنه يلزم على الثاني مُشارَكة غيره له في الحُكْم كالِرّة مثلاً، وإذا ثبتت
نجاسة سُؤْره لعَينِهِ، لم يدلَّ على نجاسة باقيه إلَّا بطريق القياس كأن يقال: لُعابه نَجِس
ففمُهُ نَجِس، لأنه مُتَحَلِّب منه، واللُّعاب عَرَق فمه، وفَمُه أطيبُ بدنه، فيكون عَرَقُه
نَجِساً، وإذا كان عَرَقه نَجِساً كان بدنه نَجِساً، لأنَّ العَرَقِ مُتحَلِّب من البدن، ولكن هل
يَلتَحِقِ باقي أعضائه بلسانه في وجوب السبع والتتريب أم لا؟ تقدَّمتِ الإشارة إلى ذلك
من كلام النَّووي.
وأمَّا الحنفيَّة فلم يقولوا بوجوب السبع ولا التقريب، واعتَذَرَ الطَّحاويُّ وغيره عنهم
بأُمورٍ:
منها كَوْن أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غَسَلات، فثبت بذلك نَسْخ السبع. وتُعُقِّبَ بأنه
يحتمل أنْ يكون أفتى بذلك لاعتقادِه نَذْبيَّة السبع لا وجوبها، أو كان نَسِيَ ما رواه، ومع
الاحتمال لا يَثبُت النَّسْخ، وأيضاً فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعاً، ورواية من روى عنه
موافقة فُتْياه لروايته، أرجح من رواية مَن روى عنه مخالفتها من حيثُ الإسناد ومن حيثُ
النَّظَرِ، أمَّا النَّظَر فظاهر، وأمَّا الإسناد فالموافقة ورَدَتْ من روایة حمّاد بن زيد عن أيوب عن
ابن سيرين عنه(١)، وهذا من أصح الأسانيد، وأمَّ المخالَفة فمن رواية عبد الملك بن أبي
سليمان عن عطاء عنه(٢)، وهو دون الأوَّل في القوّة بكثيرٍ.
ومنها: أنَّ العَذِرة أشد في النجاسة من سُؤْر الكَلْب، ولم يُقيَّد بالسبع، فيكون الوُلوغ
كذلك من باب الأَولى. وأُجيبَ بأنه لا يلزم من كَوْنها أشد منه في الاستقذار أنْ لا يكون أشد
منها في تغليظ الحُكْم، وبأنه قياس في مُقابلة النَّص، وهو فاسد الاعتبار.
ومنها: دعوى أنَّ الأمر بذلك كان عند الأمر بقتلِ الكلاب، فلمَّا نُهي عن قتلها نُسِخَ
(١) أخرجه الدار قطني (١٨٣).
(٢) أخرجه الدار قطني أيضاً (١٩٦) و(١٩٧)، وقال عقبه: لم يروه هكذا غير عبد الملك عن عطاء. قلنا:
وعبد الملك بن أبي سلیمان ۔ على حفظه وصدقه - له أوهام وأشياء يتفرد بها.

٥٧٤
باب ٣٣ / ح ١٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
الأمر بالغسل. وتُعُقِّبَ بأنَّ الأمر بقتلها كان في أوائل الهِجْرة والأمر بالغسل مُتأخّر جدّاً،
لأنه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مُغفَّل، وقد ذكر ابن مُغفَّل أنه سمع النبيِ نَّهِ يَأْمُر
بالغسل وكان إسلامه سنة سبع كأبي هريرة، بل سياق مسلم (٢٨٠) ظاهرٌ في أنَّ الأمر
بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب.
ومنها: إلزام الشافعيَّة بإيجاب ثمان غَسَلات عملاً بظاهر حديث عبد الله بن مُغفَّل
الذي أخرجه مسلم (٢٨٠) ولفظه: «فاغسِلوه سبع مرات وعَفِّروه الثامنة في التُراب)»، وفي
رواية أحمد (١٦٧٩٢): ((بالتُّراب)»، وأُجيبَ بأنه لا يلزم من كَوْن الشافعيّة لا يقولون
بظاهر حديث عبد الله بن مُغفَّل أن يتركوا هم العمل بالحديث أصلاً ورأساً، لأنَّ اعتذار
الشافعيَّ عن ذلك إنْ كان مُتَّجِهاً فذاك، وإلَّ فكلٌّ من الفريقَينِ مَلُوم في ترك العمل به،
قاله ابن دقيق العيد.
وقد اعتَذَرَ بعضهم عن العمل به بالإجماع على خلافه، وفيه نظرٌ، لأنه ثبت القول
بذلك عن الحسن البصري، وبه قال أحمد بن حنبل في رواية حرب الكِرْماني عنه، ونُقِلَ
عن الشافعي أنه قال: هو حديث لم أقِف على صِخَّته، ولكنَّ هذا لا يُثْبِت العُذْر لمن وَقَفَ
على صِحّته.
وجَنَحَ بعضهم إلى الترجيح لحديث أبي هريرة على حديث ابن مُغفَّل، والترجيح لا
يُصار إليه مع إمكان الجمع، والأخذ بحديث ابن مُغفَّل يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة
دون العكس، والزِّيادة من الثِّقة مقبولة. ولو سَلَكْنا الترجيح في هذا الباب، لم نَقُلْ
بالتقريب أصلاً، لأنَّ رواية مالك بدونِه أرجح من رواية مَن أثبَتَه، ومع ذلك فقلنا به أخذاً
بزيادة الثِّقة.
وجمع بعضهم بين الحديثَينِ بضَرْبٍ من المجاز فقال: لمَّا كان التُراب جنساً غير الماء،
٢٧٨/١ جُعِلَ اجتماعهما في المرّة الواحدة معدوداً باثنتين. وتعقَّبه ابن دَقِيق العيد/ بأنَّ قوله:
((وعَفِّروه الثامنة بالتُراب)) ظاهر في كَوْنها غسلة مُستقِلّة، لكن لو وَقَعَ التعفير في أوَّله قبل

٥٧٥
باب ٣٣ / ح ١٧٣
كتاب الوضوء
وُرودِ الغَسَلات السبع، كانت الغَسَلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازاً.
وهذا الجمع من مُرجِّحات تَعَيُّن التُّراب في الأُولى.
والكلام على هذا الحديث وما يتفرَّع منه مُنتَشِر جدّاً، ويُمكِن أنْ يُفرَد بالتصنيف،
ولكنَّ هذا القَدْر كافٍ في هذا المختَصَر، والله المُستَعان.
١٧٣- حذَّثنا إسحاقُ، أخبرنا عبدُ الصَّمَد، حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ دِينارٍ،
سمعتُ أَبي، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّ: ((أَنَّ رجلاً رأى كلباً يَأْكُلُ الثَّرَى
مِن العَطَش، فأخذ الرجلُ خُقَّه فجَعَل يَغْرِفُ له به حتَّى أَزْواه، فشَكَرَ اللهُ له فَأَدْخَلَه الجنَّةَ)).
[أطرافه في: ٢٣٦٣، ٢٤٦٦، ٦٠٠٩]
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن منصور الكَوْسَج كما جزم به أبو نُعيم في ((المستخرَج))، وعبد
الصمد: هو ابن عبد الوارث، وشيخه عبد الرحمن تكلّم فيه بعضهم لكنَّه صَدُوق ولم يَنفَرِد بهذا
الحديث، والإسناد منه فصاعداً مدنيُّون، وأبوه وشيخه أبو صالح السَّمّان تابعيّان.
قوله: ((أنَّ رجلاً) لم يُسمَّ هذا الرجل، وهو من بني إسرائيل كما سيأتي.
قوله: ((بأكل الثَّرَى)) بالمثلَّثة، أي: يَلْعَق التُرابِ النَّدي، وفي ((المحكم)): الثَّرَى: التُراب،
وقيل: التُراب الذي إذا بُلَّ لم يَصِرْ طيناً لازِباً.
قوله: ((من العَطَش)) أي: بسبب العَطَش.
قوله: ((يَغْرِف له به)) استدلَّ به المصنّف على طهارة سُؤْر الكلب، لأنَّ ظاهره أنه سَقَی
الكلب فيه. وتُعُقِّبَ بأنَّ الاستدلال به مبنيّ على أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا، وفيه اختلاف،
ولو قلنا به لكان محلّه فيما لم يُنسَخ، ومع إرخاء العِنان لا يتم الاستدلال به أيضاً، لاحتمال
أنْ يكون صَبَّه في شيء فسَقاه، أو غَسَلَ خُفّه بعد ذلك، أو لم يَلْبَسه بعد ذلك.
قوله: ((فشكَرَ اللهُ له)) أي: أثْنَى عليه فجَزَاه على ذلك بأنْ قَبِلَ عمله وأدخلَه الجنَّة.
وسيأتي بقيّة الكلام على فوائد هذا الحديث في ((باب فضل سَقّي الماء)) من كتاب
الشُّرْب (٢٣٦٣) إن شاء الله تعالى.

٥٧٦
باب ٣٣ / ح ١٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
١٧٤ - وقال أحمدُ بنُ شَبِيبٍ: حدَّثنا أَبي، عن يونسَ، عن ابن شِهابٍ، قال: حدَّثني حمزةٌ
ابنُ عبدِ الله، عن أبيه قال: كانتِ الكلابُ تُقْبِلُ وتُدْبِرُ في المسجدِ في زمانِ رسولِ الله ◌ِِّ، فلم
يكونُوا يَرُشُّون شيئاً من ذلكَ.
قوله: ((وقال أحمد بن شَبيب)) بفتح المعجَمة وكسر الموحّدة.
قوله: ((حمزة بن عبد الله)) أي: ابن عمر بن الخطّاب.
قوله: ((کانت الكلاب» زاد أبو نُعيم والبيهقي (٤٢٩/٢) في روايتهما لهذا الحديث من
طريق أحمد بن شّبيب المذكور موصولاً بصريح التحديث قبل قوله: ((تُقْبِل)): ((تَبُول))
وبعدها واو العَطْف، وكذا ذكر الأَصِيلي أنها في رواية إبراهيم بن مَعقِل عن البخاري،
وكذا أخرجها أبو داود (٣٨٢) والإسماعيلي من رواية عبد الله بن وَهْب، عن يونس بن
يزيد شيخ شَبيب بن سعيد المذكور، وعلى هذا فلا حُجّة فيه لمن استدلَّ به على طهارة
الكلاب للاتفاقِ على نجاسة بوها، قاله ابن المنیِر.
وتُعُقِّبَ بأنَّ مَن يقول: إنَّ الكلب يُؤْكَل وإنَّ بَوْل ما يُؤْكَل لحمُّه طاهر، يَقدَح في نقل
الاتّفاق، لا سيّما وقد قال جمع بأنَّ أبوال الحيوانات كلّها طاهرة إلَّا الآدمي، وممَّن قال به
ابن وهب، حكاه الإسماعيلي وغيره عنه، وسيأتي في باب غسل البول (٢١٧).
وقال المنذري: المراد أنها كانت تَبُول خارج المسجد في مواطنها ثمَّ تُقْبِل وتُدبِر في
٢٧٩/١ المسجد، إذْ لم يكن/ عليه في ذلك الوَقْت غَلَقٌ. قال: ويَبعُد أنْ تُترَك الكلاب تَنْتَاب
المسجد حتَّى تَمتهِنَه بالبول فیه.
وتُعُقِّبَ بأنه إذا قيل بطهارتها، لم يَمتَنع ذلك كما في الهِرّة، والأقرب أنْ يقال: إنَّ ذلك
كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثمَّ وَرَدَ الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجَعْل
الأبواب عليها، ويشير إلى ذلك ما زاده الإسماعيلي في روايته من طريق ابن وَهْب في هذا
الحديث عن ابن عمر قال: كان عمر يقول بأعلى صوته: ((اجتَنِبوا اللَّغْو في المسجد)) قال ابن
عمر: وقد كنت أَبِيتُ في المسجد على عَهْد رسول الله وَّهِ وكانت الكلاب ... إلى آخره،

٥٧٧
باب ٣٣ / ح ١٧٥
كتاب الوضوء
فأشار إلى أنَّ ذلك كان في الابتداء، ثمَّ وَرَدَ الأمر بتكريم المسجد حتَّى من لَغْو الكلام،
وبهذا يَندفع الاستدلال به على طهارة الكَلْب.
وأمَّا قوله: ((في زمن رسول الله وَّ) فهو وإنْ كان عامّاً في جميع الأزمنة، لأنه اسم
مضاف، لكنَّه مخصوص بما قبل الزَّمَن الذي أُمِرَ فيه بصيانة المسجد.
وفي قوله: ((فلم يكونوا يَرُشّونَ)) مُبالَغة لدلالتِه على نفي الغسل من باب الأَولى،
واستدلَّ بذلك ابن بَطَّل على طهارة سُؤْره لأنَّ من شَأْن الكلاب أنْ تَتْبَع مواضع
المأكول، وكان بعض الصحابة لا بيوت لهم إلَّا المسجد فلا يَخْلو أنْ يصلَ لُعابها إلى بعض
أجزاء المسجد، وتُعُقِّبَ بأنَّ طهارة المسجد مُتَقَّنة، وما ذُكِرَ مشكوك فيه، واليقين لا يُرفَع
بالشَّك. ثمَّ إنَّ دلالته لا تُعارِض دلالة منطوق الحديث الوارد في الأمر بالغسل من
وُلوغه، واستَدَلَّ به أبو داود في ((السُّنَن)) (٣٨٢) على أنَّ الأرض تَطهُر إذا لاقَتْها النجاسة
بالجَفاف، يعني أنَّ قوله: (لم يكونوا يَرُشّونَ)) يدل على نفي صَبِّ الماء من باب الأَولى،
فلولا أنَّ الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك، ولا يخفى ما فيه.
تنبيه: حكى ابن الِّين عن الدَّاوودي الشارح أنه أبدلَ قوله: ((يَرُشّون)) بلفظ: ((يَرْتَقِبونَ»
بإسكان الراء ثمَّ مُثنَّة مفتوحة ثمَّ قاف مكسورة ثمَّ موخَّدة، وفَسَّرَه بأنَّ معناه لا يَحْشَوْنَ،
فصَخَّفَ اللفظ، وأبعَدَ في التفسير، لأنَّ معنى الارتقاب: الانتظار، وأمَّا نفي الخوف من نفي
الارتقاب فهو تفسير ببعض لوازمه، والله أعلم.
١٧٥ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن ابن أبي السَّفَر، عن الشَّعْبيّ، عن
عَدِيٍّ بنِ حاتمٍ، قال: سألتُ النبيَّ ◌َّه فقال: ((إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ المُعلَّمَ فقَتَلَ فَكُلْ، وإذا أُكَلَ
فلا تَأْكُلْ فِنَّمَا أمسَكَه على نَفْسِه)) قلتُ: أُرْسِلُ كلبي فأجِدُ معه كلباً آخرَ؟ قال: «فلا تَأْكُلْ،
فإِنَّا سَمَّيْتَ على كلِكَ ولم تُسَمِّ على كلبٍ آخرَ)).
[أطرافه في: ٢٠٥٤، ٥٤٧٥، ٥٤٧٦، ٥٤٧٧، ٥٤٨٣، ٥٤٨٤، ٥٤٨٥، ٥٤٨٦، ٥٤٨٧، ٧٣٩٧]
قوله: ((ابن أبي السَّفَر)) تقدَّم في المقدِّمة أنَّ اسمه عبد الله، وأنَّ السَّفَر بفتح الفاء، ووَهِمَ
مَن سَگَّنها.

٥٧٨
باب ٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عَدي بن حاتم)) أي: الطائي.
قوله: ((سألتُ)) أي: عن حُكْم صَيْد الكلاب، وحَذَفَ لفظ السؤال اكتفاء بدلالة
الجواب علیه، وقد صرَّحَ به المصنّف من طريق أُخرى في الصيد (٥٤٧٥) كما سيأتي الكلام
عليه مُستَوفَى هناك إن شاء الله تعالى.
وإنَّما ساق المصنّف هذا الحديث هنا ليستدلَّ به لمذهبه في طهارة سُؤْر الكَلْب،
ومطابقته للترجمة من قوله فيها: ((وسُؤْر الكلاب))، ووجه الدّلالة من الحديث: أنَّ النبيَّ
وَّ أَذِنَ له في أكل ما صاده الكلب ولم يُقَيِّد ذلك بغسل موضع فمه، ومن ثَمَّ قال مالك:
كيف يُؤْكَل صَيْده ويكون لُعابه نَجِساً؟ وأجاب الإسماعيلي بأنَّ الحديث سِيقَ لتعريف أنَّ
قتله ذَكاتُه، وليس فيه إثبات نجاسة ولا نفيها. ويدل لذلك أنه لم يقل له: اغسِلِ الدَّم إذا
خرج من ◌ُرْح نابه، لكنَّه، وَكَلَه إلى ما تقرّر عنده من وجوب غسل الدَّم. فلعلَّه وَكَلَه أيضاً
٢٨٠/١ إلى ما تقرَّر عنده من غسل ما يُماسّه/ فمُه.
وقال ابن المنيِر: عند الشافعيَّة أنَّ السُّكّين إذا سُقيَتْ بماءٍ نَجِس وذبح بها نَجَّسَتِ
الذَّبيحة، وناب الكلب عندهم نَجِس العين، وقد وافقونا على أنَّ ذَكَاته شرعيَّةٌ لا تُنجِّس
المذگَّی.
وتُعُقِّبَ بأنه لا يلزم من الاتفاق على أنَّ الذَّبيحة لا تصير نَجِسة بعَضِّ الكلب ثبوتُ الإجماع
على أنها لا تصير مُتَنجِّسة، فما ألْزَمَهم به من التناقض ليس بلازِمِ، على أنَّ في المسألة عندهم
خلافاً، والمشهور وجوبُ غسل المَعَضّ، وليس هذا موضع بَسْط هذه المسألة.
٣٤ - باب من لم يرَ الوضوءَ إلَّا من المَخرَجَينِ من القُبُل والدُّبُر
لقوله تعالى: ﴿أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ ﴾ [النساء: ٤٣]
وقال عطاءٌ فيمَن يَخْرُجُ من دُبْرِه الدُّودُ أو من ذَكَرِه نحوُ القَمْلة: يُعِيدُ الوضوءَ.
وقال جابرُ بنُ عبدِ الله: إذا ضَحِكَ في الصلاةِ أعادَ الصلاةَ ولم يُعِدِ الوضوءَ.
وقال الحسنُ: إنْ أَخَذَ من شَعَرِه وأظفارِهِ، أو خَلَعَ خُفَّيْه فلا وضوءَ عليه.

٥٧٩
باب ٣٤
كتاب الوضوء
وقال أبو هريرة: لا وُضوءَ إلَّا من حَدَثٍ.
ويُذكَرُ عن جابرٍ: أنَّ النبيَّ ◌ََّ كان في غَزْوةِ ذاتِ الرِّقَاعِ فُرُمِيَ رجلٌ بِسَهْمٍ فَنَزَفَه الدَّمُ،
فَرَكَعَ وسَجَدَ ومَضَى في صلاتِهِ.
وقال الحسنُ: ما زالَ المسلمونَ يُصلُّونَ في چِراحاتهم.
وقال طاووسٌ ومحمَّدُ بنُ عليٍّ وعطاءٌ وأهلُ الحِجاز: ليسَ في الدَّمِ وضوءٌ.
وعَصَرَ ابنُ عمَرَ بَثْرَةً فخَرَجَ منها الدَّمُ ولم يتوضَّأ.
وبَزَقَ ابنُ أبي أَوَى دَماً فمَضَى في صلاتِهِ.
وقال ابنُ عمَرَ والحسنُ فيمَن يَحْتَجِمُ: ليسَ عليه إلَّا غَسلُ مَحَاجِهِ.
قوله: ((باب مَن لم يَرَ الوضوء إلَّا من المخرَجَينِ)) الاستثناء مُفرَّغْ، والمعنى: مَن لم يَرَ
الوضوء واجباً من الخروج من شيء من مخارج البدَن إلَّا من القُبُل والدُّبُر، وأشار بذلك
إلى خلاف مَن رأى الوضوء ممّا يَخْرُج من غيرهما من البدَن كالقَيْءِ والحِجامة وغيرهما،
ويُمكِن أنْ يقال: إنَّ نواقض الوضوء المُعتَبَرَة تَرجِع إلى المخرَجَين: فالنوم مَظِنّة خروج
الرّيح، ولمس المرأة ومَس الذَّكَر مَظِنّة خروج المَذْي.
قوله: (لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِنَ الْغَابِطِ ﴾)) فَعَلَّقَ وجوب الوضوء أو التيمُّم
- عند فَقْد الماء - على المجيء من الغائط. وهو المكان المطمئنُّ من الأرض الذي كانوا
يَقصِدونَه لقضاءِ الحاجة، فهذا دليل الوضوء ممَّا يَخْرُج من المخرَجَين. وقوله: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ
النِّسَآءَ﴾ دليل الوضوء من مُلامَسة النساء، وفي معناه مَس الذَّكَر مع صِحَّة الحديث فيه،
إلَّا أنه ليس على شرط الشيخين، وقد صَحَّحَه مالك (٤٢/١) وجميع مَن أخرج الصحيح
غير الشيخين.
قوله: ((وقال عطاء» هو ابن أبي رَبَاح، وهذا التعليق وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٣٨/١-٣٩)
وغيره بنحوه، وإسناده صحيح، والمخالف في ذلك إبراهيم النَّخَعيُّ وقَتادة وحَمَّاد بن أبي
سليمان، قالوا: لا يَنقُض النادِر، وهو قول مالك قال: إلَّا إن حصل معه تلويث.

٥٨٠
باب ٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال جابر)) هذا التعليق وَصَلَه سعيد بن منصور والدَّارَقُطني (٦٥٠-٦٥٣)
وغيرهما، وهو صحيح من قول جابر، وأخرجه الدَّارَقُطنيُّ (٦٥٨) من طريق أُخرى مرفوعاً
لكن ضَعَّفَها. والمخالف في ذلك إبراهيم النَّخَعِيُّ والأوزاعيُّ والثَّوْريُّ وأبو حنيفة وأصحابه
قالوا: يَنقُض الضَّحِك إذا وَقَعَ داخل الصلاة لا خارجها.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا يَنقُض خارج الصلاة، واختلفوا إذا وَقَعَ فيها، فخالف
مَن قال به القياس الجَليَّ، وتَسَّكوا بحديثٍ لا يصح، وحاشا أصحاب رسول الله ◌َّ الذين
هم خير القُرون أنْ يَضْحَكوا بين يَدَي الله تعالى خَلْف رسول الله وََّ(١). انتهى، على أنهم لم
٢٨١/١ يأخذوا بعموم الخبر المروي في الضَّحِك بل / خَصُّوه بالقَهْقَهة.
قوله: ((وقال الحسن)) أي: ابن أبي الحسن البصري، والتعليق عنه للمسألة الأولى وَصَلَه
سعيد بن منصور وابن المنذر بإسنادٍ صحيح(٢). والمخالف في ذلك مجاهد والحكم بن
◌ُتَيَبة وحمّاد قالوا: مَن قَصَّ أظفاره أو جَزَّ شاربه فعليه الوضوء. ونقل ابن المنذر أنَّ
الإجماع استَقَرَّ على خلاف ذلك.
وأمَّا التعليق عنه للمسألة الثانية فوَصَلَه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩٢) بإسنادٍ صحيح،
ووافقه على ذلك إبراهيم النَّخَعيُّ وطاووسٌ وقتادة وعطاء، وبه كان يُفْتي سليمان بن
حرب وداود، وخالفهم الجمهور على قولينِ مُرتَّبَينِ على إيجاب الموالاة وعدمها، فمَن
أوجَبَها قال: يجب استئناف الوضوء إذا طالَ الفصل، ومَن لم يُوجِبها قال: يكتفي بغسل
رِجْليه، وهو الأظهَر من مذهب الشافعي، وقال في ((الموطَّأ)»: أحب إليَّ أنْ يَبتدِىَ الوضوء
من أوَّله، وقال بعض العلماء من الشافعيّة وغيرهم: يجب الاستئناف وإنْ لم تجب الموالاة،
وعن اللیث عكس ذلك.
(١) يشير إلى الخبر الذي فيه: أن رجلاً في بصره شيء جاء والنبي ◌َّه يصلي بالناس فتردّى في حفرة كانت في
المسجد فضحك بعض القوم وهم في الصلاة، فأمر رسول الله وعليه من ضحك أن يعيد الوضوء
والصلاة. روي هذا الخبر بأسانيد لا تصح، انظر: ((نصب الراية)) للزيلعي ٤٧/١-٥١، و((التحقيق))
لابن الجوزي ١/ ١٩٤ وما بعدها، و((تنقيح التحقيق)) لابن عبد الهادي ١٦٩/١ وما بعدها.
(٢) ووصله أيضاً ابن أبي شيبة دون ذكر الخُفَّين في ((مصنفه)) ١ / ٥٢ بإسناد صحيح.