النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
باب ٢٤ / ح ١٦٠
كتاب الوضوء
في حال صلاته ما هو مشغوف به أکثر من خارجها.
ووَقَعَ في رواية المصنِّ في الرِّقاق (٦٤٣٣) في آخر هذا الحديث: قال النبي ◌َّ: ((لا
تَغْتَّوا)) أي: فَتَسْتكثِروا من الأعمال السيّئة بناء على أنَّ الصلاة تُكفِّرها، فإنَّ الصلاة التي
تُكَفَّر بها الخطايا هي التي يَقْبَلها الله عز وجلَّ، وأنَّى للعبد بالاطِّلاع على ذلك.
١٦٠ - وعن إبراهيمَ قال: قال صالحُ بنُ كَيْسان: قال ابنُ شِهابٍ: ولكنْ عُرْوةُ مُحدِّثُ عن
مُهْرانَ: فلمَّا توضَّأ عثمانُ، قال: ألا أُحدِّنُكُم حديثاً لَوْلا آيَةٌ ما حَدَّثْتُكُمُوه، سمعتُ النبيَّ ◌ِله
يقول: ((لا يَتوضَّأُ رجلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَه ويُصلّى الصلاةَ، إِلَّا غُفِرَ له ما بينَه وبينَ الصلاةِ حتَّى
◌ُصلِّها».
قال عُرْوةُ: الآيةُ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ ﴾ [البقرة: ١٥٩].
قوله: ((وعن إبراهيم)) أي: ابن سعد، وهو معطوف على قوله: ((حدَّثني إبراهيم بن
سعد)) وزَعَمَ مُغَلْطاي وغيره أنه مُعلَّق، وليس كذلك، فقد أخرجه مسلم (٦/٢٢٧)
والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بالإسنادينِ معاً، وإذا كانا
جميعاً عند يعقوب فلا مانع أنْ يكونا عند الأُوَيسي. ثمَّ وجدت الحديث الثاني عند أبي
عَوَانة في ((صحيحه)) (٦١١) من حديث الأُوَيسي المذكور، فصَحَّ ما قلتُه بحَمْدِ الله تعالى،
وقد أوضحت ذلك في («تغليق التعليق)).
قوله: ((ولكن عُرْوة يُحدِّث)) يعني أنَّ شيخَي ابن شِهاب اختلفا في روايتهما له عن حُمْران
عن عثمان، فحدَّثه به عطاء على صفة وعُرْوة على صفة، وليس ذلك اختلافاً وإنَّما هما
حديثان مُتَغايران، وقد رواهما معاً عن حمران معاذُ بن عبد الرحمن، فأخرج البخاري
(٦٤٣٣) من طريقه نحو سياق عطاء، ومسلم (١٣/٢٣٢) من طريقه نحو سياق عُرْوة،
وأخرجه أيضاً (٢٧٧) من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه.
قوله: ((لولا آية)) زاد مسلم (٥/٢٢٧): ((في كتاب الله)) ولأجلِ هذه الزِّيادة صَحَّفَ
بعض رواته «آية)» فجعلها «أنّه)) بالنّون المشدّدة وبهاءِ الشَّأْن.

٥٤٢
باب ٢٥ / ح ١٦١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ويُصلّي الصلاة)) أي: المكتوبة، وفي رواية لمسلم (٢٣١): ((فُيُصلّي هذه الصلوات
الخمس)).
قوله: ((وبين الصلاة)) أي: التي تليها كما صَرَّحَ به مسلم (٢٢٧/ ٥) في رواية هشام بن
عُرْوة.
قوله: ((حتَّى يُصلّيها)) أي: يَشْرَع في الصلاة الثانية.
قوله: ((قال عُرْوة: الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلْنَا﴾)) يعني: الآية التي في البقرة إلى
قوله: ﴿اَللَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] كما صَرَّحَ به مسلم (٦/٢٢٧)، ومراد عثمان ﴾ه أنَّ هذه
الآية تُحرِّض على التبليغ، وهي وإنْ نزلت في أهل الكتاب لكنَّ العِبْرة بعموم اللفظ، وقد
تقدَّم نحو ذلك لأبي هريرة في كتاب العلم (١١٨)، وإنَّما كان عثمان يرى ترك تبليغهم ذلك
لولا الآية المذكورة، خَشْيةً عليهم من الاغترار، والله أعلم.
وقد روى مالك هذا الحديث في ((الموطَّأ)) (١/ ٣٠) عن هشام بن عُرْوة، ولم يقع في
روايته تعيين الآية فقال من قِبَل نَفْسه: أُراه يريد ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِّ
إِنَّ الْخَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. انتهى، وما ذكره عُرْوة راوي الحديث بالجَزْم
أولی، والله أعلم.
٢٦٢/١
٢٥ - باب الاستئثار في الوضوء
ذكره عثمانُ وعبدُ الله بنُ زيدٍ وابنُ عبَّاس رضي الله عنهم، عن النبيِّ ◌َّ.
١٦١- حدَّثنا عَبْدانُ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْرِيّ، قال:
أخبرني أبو إدرِيسَ، أنَّ سَمِعَ أبا هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّرِ أَنَّه قال: ((مَن تَوضَّأ فلْيَستَثِرْ، ومَن
استَجمَرَ فلْیُوتِ)).
[طرفه في: ١٦٢]
قوله: ((باب الاستئثار)) هو استفعال من النَّثْر، بالنّون والمثلَّثة: وهو طَرْح الماء الذي
يَستَنْشِقه المتوضِّئ - أي: يَجِذِبه بريح أنفه - لتنظيف ما في داخله فيَخرُج بريح أنفه سواء

٥٤٣
باب ٢٥ / ح ١٦١
كتاب الوضوء
كان بإعانة يده أم لا. وحُكيَ عن مالك كراهية فعله بغير اليد لكَوْنه يُشْبه فعل الدَّابّة،
والمشهور عدم الكراهة. وإذا استنثرَ بَيَدِه فالمستَحَب أنْ يكون اليُسرَى، بَوَّبَ عليه النَّسائيُّ
وأخرجه مقيَّداً بها من حديث علي (٩١).
قوله: ((ذكره)) أي: روى الاستنثار ((عثمان)) وقد تقدَّم حديثه (١٥٩)، ((وعبد الله بن
زید» وسیأتي حدیثه (١٨٥).
قوله: ((وابن عبّاس)) تقدَّم حديثه (١٤٠) في صفة الوضوء في «باب غسل الوجه من
غَرْفة)) وليس فيه ذِكْر الاستنثار، وكأنَّ المصنّف أشار بذلك إلى ما رواه أحمد (٢٠١١) وأبو
داود (١٤١) والحاكم (١٤٨/١) من حديثه مرفوعاً: ((استَنْثِروا مرتين بالغَتَينِ أو ثلاثاً)،
ولأبي داود الطَّيالسي (٢٨٤٨): ((إذا تَوضَّأ أحدكُم واستَنثرَ فليفعل ذلك مرتين أو ثلاثاً)
وإسناده حسن.
قوله: ((أبو إدريس)) هو الخَوْلاني.
قوله: ((أنه سَمِعَ أبا هريرة)) زاد مسلم (٢٣٧/ ٢٢) من طريق ابن المبارك وغيره (١) عن
یونس أبا سعید مع أبي هريرة.
قوله: ((فليَستَنَثِر)) ظاهر الأمر أنه للوجوب، فيلزم مَن قال بوجوب الاستنشاق لؤُرودِ
الأمر به كأحمد وإسحاق وأبي عُبيد وأبي ثَوْر وابن المنذر أنْ يقول به في الاستنثار، وظاهر
كلام صاحب ((المُغْني)) يقتضي أنهم يقولون بذلك، وأنَّ مشروعيَّة الاستنشاق لا تَحَصُّل
إلَّا بالاستئثار، وصَرَّحَ ابن بَطَّال بأنَّ بعض العلماء قال بوجوب الاستنثار، وفيه تعقّب على
مَن نقل الإجماع على عدم وجوبه. واستدلَّ الجمهور على أنَّ الأمر فيه للنَّذْبِ بما حَسَّنَه
التِّرمِذي (٣٠٢) وصَحَّحَه الحاكم (٢٤١/١-٢٤٣) من قوله ﴿ ﴿ للأعرابيّ: ((تَوضَّأْ كما
أمرك الله))، فأحاله على الآية وليس فيها ذِكْر الاستنشاق.
(١) الذي في مسلم (٢٣٧) (٢٢) من رواية حسان بن إبراهيم وعبد الله بن وهب عن يونس، وليس فيه ابن
المبارك.

٥٤٤
باب ٢٥ / ح ١٦١
فتح الباري بشرح البخاري
وأُجيبَ بأنه يحتمل أنْ يُراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء، فقد أمَرَ الله سبحانه
باتِّباع نبيّهِ وَِّ وهو المبيِّن عن الله أمرَه، ولم يَحِكِ أحد ممَّن وَصَفَ وضوءَه عليه الصلاة
والسلام على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق بل ولا المضمضة، وهو يردّ على مَن لم يُوجِب
المضمضة أيضاً، وقد ثبت الأمر بها أيضاً في ((سنن أبي داود)) (١٤٤) بإسنادٍ صحيح.
وذكر ابن المنذر: أنَّ الشافعي لم يَحَتَجَّ على عدم وجوب الاستنشاق مع صِحَّة الأمر به،
إلَّا لكَوْنه لا يعلم خِلافاً في أنَّ تاركه لا يعيد، وهذا دليل قوي، فإنَّه لا يُحفَظ ذلك عن أحد
من الصحابة ولا من التابعين إلَّا عن عطاء، وثبت عنه أنه رجع عن إيجاب الإعادة، ذكره
کلّه ابن المنذر.
ولم يَذكُر في هذه الرواية عَدَداً، وقد وَرَدَ في رواية سفيان عن أبي الزناد ولفظه:
((وإذا استَثَرَ فليَستَنَثِرْ وِتْرًا)) أخرجه الحميدي في ((مسنده)) (٩٥٧) عنه، وأصله لمسلمٍ
(٢٠/٢٣٧). وفي رواية عيسى بن طَلْحة عن أبي هريرة عند المصنّف في بدء الخَلْق (٣٢٩٥):
((إذا استَيْقَظَ أحدُكم من مَنامه فتَوضَّأ فليَستَنِثِرْ ثلاثاً، فإنَّ الشيطان يَبِيت علی خیشومه))،
وعلى هذا فالمراد بالاستنثار في الوضوء التنظيف، لما فيه من المعونة على القراءة، لأنَّ بتنقية
مَجَرَى النَّفَس تصح مخارج الحروف، ويُزاد للمُستَيَقِظ بأنَّ ذلك لطَرْدِ الشيطان. وسنذكر
باقي مباحثه في مكانه إن شاء الله تعالى.
قوله: ((ومَن استجمَرَ)) أي: استعمل الجِمار - وهي الحِجارة الصِّغار - في الاستنجاء.
٢٦٣/١ وحمله بعضهم/ على استعمال البَخُور فإنَّه يقال فيه: تجمَّرَ واستجمَر، حكاه ابن حَبيب عن
ابن عمر ولا يصح عنه، وابن عبد البَرِّ عن مالك، وروى ابن خُزيمة في (صحيحه)) عنه
خلافه، وقال عبد الرزاق عن مَعمَر أيضاً بموافقة الجمهور، وقد تقدَّم القول على معنى
قوله: ((فليُوتِر)) في الكلام على حديث ابن مسعود (١٥٦).
واستدلَّ بعض مَن نَفَى وجوب الاستنجاء بهذا الحديث للإتيان فيه بحرف الشَّرْط،
ولا دلالة فيه، وإِنَّمَا مُقتَضاه التخيير بين الاستنجاء بالماء أو بالأحجار، والله أعلم.

٥٤٥
باب ٢٦ / ح ١٦٢
كتاب الوضوء
٢٦ - باب الاستجمار وتراً
١٦٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي
هُرَيْرةَ، أنَّ رسول الله ◌َّهِ قال: ((إذا توضَّأ أحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ في أنفِه ماءً ثمَّ لَيَنْتَثِّرْ، ومَنِ اسْتَجمَرَ
فلْيُوتِرْ، وإذا استَقَظَ أحَدُكُم من نومِه فليغسِلْ يَدَه قبلَ أنْ يُدخِلَها في وضوئه، فإنَّ أحَدَكُم لا
يَدْري أينَ باتَتْ يَدُه».
قوله: ((باب الاستجمار وِتْراً)) استشكل إدخال هذه الترجمة في أثناء أبواب الوضوء،
والجواب أنه لا اختصاصَ لها بالاستشكال، فإنَّ أبواب الاستطابة لم تتميّز في هذا الكتاب
عن أبواب صفة الوضوء لتلازُمِهما، ويحتمل أنْ يكون ذلك ممَّن دون المصنّف على ما أشرنا
إليه في المقدِّمة والله أعلم. وقد ذكرت توجيه ذلك في أوَّل كتاب الوضوء.
قوله: ((إذا تَوضَّأ)) أي: إذا شَرَعَ في الوضوء.
قوله: ((فليجعلْ في أنفه ماء)) كذا لأبي ذرٍّ، وسقط قوله: ((ماء)» لغيره. وكذا اختلفَ رواة
((الموطَّا)) في إسقاطه وذِكْره، وثبت ذِكْره لمسلم (٢٣٧/ ٢٠) من رواية سفيان عن أبي الزناد.
قوله: (ثُمَّ لَيَنْيِرِ)) كذا لأبي ذرِّ والأَصِيلِي بَوَزْن لِيَفْتَعِل، ولغيرهما: (ثمَّ لِيَنْتُ)) بمُثَلَّئَةٍ
مضمومة بعد النّون الساكنة، والرِّوايتان لأصحاب («الموطَّأ)) (١٩/١) أيضاً، قال الفَرَّاء:
يقال: نَثَرَ الرجل وانَثَرَ واستَنَثَر: إذا حَرَّكَ النَّثْرة، وهي طرف الأنف في الطَّهارة.
قوله: ((وإذا استَقَظَ)) هكذا عَطَفَه المصنّف، واقتضى سياقه أنه حدیث واحد، وليس هو
كذلك في ((الموطَّأ)). وقد أخرجه أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من ((الموطأ)) من(١) رواية عبد الله
ابن يوسف شيخ البخاري مُفرَّقاً، وكذا هو في ((موطَّأ)) يحيى بن بُكَير وغيره (٢)، وكذا فَرَّقه
الإسماعيلي من حديث مالك، وكذا أخرج مسلم الحديث الأوَّل (٢٣٧/ ٢٠) من طريق
ابن عُيَينةَ عن أبي الزّناد، والثاني (٨٨/٢٧٨) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي
(١) في (س): من ((موطأ)) يحيى رواية ... وهو خطأ.
(٢) وهو في ((موطأ)) مالك برواية يحيى الليثى مفرق أيضاً ١٩/١-٢١.

٥٤٦
باب ٢٦ / ح ١٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
الزِّناد. وعلى هذا فكأنَّ البخاري كان يرى جواز جمع الحديثَينِ إذا اَّحَدَ سندُهما في سياق
واحد، كما يرى جواز تفريق الحديث الواحد إذا اشتمل على حُكْمَينِ مُستِقِلَّين.
قوله: ((من نومه)) أخذ بعمومِه الشافعي والجمهور فاستَحَبّه عَقِب كل نوم، وخَصَّه
أحمد بنوم الليل لقوله في آخر الحديث: ((باتَتْ يده)) لأنَّ حقيقة المَبيت أنْ يكون في الليل.
وفي رواية لأبي داود (١٠٣) ساق مسلم (٢٧٨/ ٨٧) إسنادها: ((إذا قام أحدُكم من الليل))
وكذا للتِّرمِذيّ (٢٤) من وجه آخر صحيح، ولأبي عَوَانة (٧٣٥) في رواية ساق مسلم
(٢٧٨/ ٨٨) إسنادها أيضاً: ((إذا قام أحدُكم إلى الوضوء حين يُصْبح)) لكنَّ التعليل يقتضي
إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنَّما خُصَّ نوم الليل بالذِّكْر للغَلَبة.
قال الرافعي في ((شرح المسند)): يُمكِن أنْ يقال: الكراهة في الغَمْس لمن نام ليلاً أشدُّ
منها لمن نام نهاراً، لأنَّ الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادة.
ثمَّ الأمر عند الجمهور على النَّذْب، وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون
النهار، وعنه في رواية استحبابه في نوم النهار، واتَّفقوا على أنه لو غَمَسَ يده لم يَضُرَّ الماء،
وقال إسحاق وداود والطبري: يَنجُس، واستُدلَّ لهم بما وَرَدَ من الأمر بإراقَتِهِ، لكنَّه
٢٦٤/١ حديث ضعيف أخرجه ابن عَدي (٦/ ٢٣٧١)، والقَرينة/ الصارفة للأمر عن الوجوب
عند الجمهور التعليل بأمرٍ يقتضى الشَّك، لأنَّ الشَّك لا يقتضي وجوباً في هذا الحُكْم
استصحاباً لأصلِ الطَّهارة.
واستدلَّ أبو عَوَانة على عدم الوجوب بوُضوئِه ◌ِ لِّ من الشَّن المعلِّق بعد قيامه من النوم
كما سلف في حديث ابن عبّاس (١٣٨).
وتُعُقِّبَ بأنَّ قوله: ((أحدُكم)) يقتضي اختصاصه بغيره ◌َِّ، وأُجيبَ بأنه صََّ عنه غسل
یدیه قبل إدخالهما في الإناء حال اليقظة(١)، فاستحبابه بعد النوم أولى، ویکون تركه لبيان
الجواز. وأيضاً فقد قال في هذا الحديث في روايات لمسلم (٢٧٨) وأبي داود (١٠٤ و١٠٥)
(١) سلف ضمن حدیث عثمان برقم (١٥٩).

٥٤٧
باب ٢٦ / ح ١٦٢
كتاب الوضوء
وغيرهما: ((فلْيَغسِلْهما ثلاثاً)، وفي رواية: ((ثلاث مرات))، والتقييد بالعَدَدِ في غير النجاسة
العينِيَّة يدل على النَّدْبيَّة.
ووَقَعَ في رواية همَّام عن أبي هريرة عند أحمد (٨١٨٢): ((فلا يضعْ يده في الوضوء حتَّى
يَغْسِلها)) والنهي فيه للتنزيه كما ذكرنا، إنْ فعل استُحِبَّ وإنْ ترك كُرِهَ، ولا تزول الكراهة بدونٍ
الثلاث، نَصَّ عليه الشافعي. والمراد باليدِ هنا الكَفُّ دون ما زاد عليها اتِّفاقاً.
وهذا كلّه في حق مَن قام من النوم لما دلَّ عليه مفهوم الشَّرْط؛ وهو حُجّة عند الأكثر،
أمَّا المستيقظ فيُستحَب له الفعل لحديث عثمان وعبد الله بن زيد (١)، ولا يُكرَه الترك لعدم
◌ُرود النهي فيه، وقد روى سعيد بن منصور بسندٍ صحيح عن أبي هريرة: أنه كان يفعله
ولا یری بترکِه بأساً، وسيأتي عن ابن عمر والبراء نحو ذلك.
قوله: ((قبل أنْ يُدخِلها))، ولمسلم (٢٧٨) وابن خُزيمة (٩٩) وغيرهما من طرق: ((فلا
يَغْمِسْ يَدَه في الإناء حتَّى يَغسِلها)) وهي أبيَن في المراد من رواية الإدخال، لأنَّ مُطلَق
الإدخال لا يترتَّب علیه کراهة، کمَن أدخلَ یده في إناء واسع فاغتَرَفَ منه بإناءٍ صغیر من
غير أنْ تلامس يدُه الماء.
قوله: ((في وَضوئِه)) بفتح الواو، أي: الإناء الذي أُعِدَّ للوضوء، وفي رواية الكُشْمِيھَني:
((في الإناء) وهي رواية مسلم (٢٧٨) من طرق أُخرى، ولابن خُزيمة (١٠٠): ((في إنائه أو
وَضوئِه)) على الشَّك، والظاهر اختصاص ذلك بإناءِ الوضوء، ويَلْحق به إناء الغُسْل لأنه
وضوء وزيادة، وكذا باقي الآنية قياساً، لكن في الاستحباب من غير كراهة لعدم ورود
النهي فيها عن ذلك، والله أعلم.
وخرج بذِكْر الإناء البِرَك والحياض التي لا تَفْسُد بغَمْسِ اليد فيها على تقدير نجاستها
فلا يتناولها النهي، والله أعلم.
قوله: ((فإنَّ أحدَكُم)) قال البيضاوي: فيه إيماء إلى أنَّ الباعث على الأمر بذلك احتمال
(١) حديث عثمان سلف عند المصنف برقم (١٥٩)، وحديث عبد الله بن زيد سيأتي برقم (١٩٢).

٥٤٨
باب ٢٦ / ح ١٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
النجاسة، لأنَّ الشارع إذا ذكر حُكْماً وعَقَّبَه بعِلّةٍ، دلَّ على أنَّ ثبوت الحُكْم لأجلِها، ومثله
قوله في حديث المُحرِم الذي سقط فمات: ((فإنَّه يُبعَث مُلَبِّيا)) بعد نهيهم عن تطييبه(١)، فنبّه
على عِلّة النهي وهي كَوْنه مُحِماً.
قوله: ((لا يَذْري) فيه أنَّ عِلّة النهي احتمال هل لاقَتْ يدُه ما يُؤثِّر في الماء أو لا، ومُقتَضاه
إلحاق مَن شكَّ في ذلك ولو كان مُستَقِظاً، ومفهومه أنَّ مَن دَرَى أين باتَتْ يده كمَن لَفَّ عليها
خِرْقة مثلاً فاستَيَقَظَ وهي على حالها، أنْ لا كراهة، وإنْ كان غسلُها مُستَحَبّاً على المختار كما في
المستيقظ، ومَن قال بأنَّ الأمر في ذلك للتعبُّدِ ـ كمالك - لا يُفرِّق بين شاكٌّ ومُتَيَقْن.
واستدلَّ بهذا الحديث على التفرقة بين ورود الماء على النجاسة وبين وُرود النجاسة
على الماء، وهو ظاهر، وعلى أنَّ النجاسة تُؤَثِّر في الماء، وهو صحيح، لكنَّ كَوْنها تُؤَثِّر
التنجيس وإنْ لم يتغيَّر فيه نظر، لأنَّ مُطلَق التأثير لا يدل على خصوص التأثير بالتنجيس،
فيحتمل أنْ تكون الكراهة بالمتيقَّنِ أشد من الكراهة بالمظنون، قاله ابن دقيق العيد، ومراده
أنه ليست فيه دلالة قَطْعيَّة على مَن يقول: إنَّ الماء لا يَنجُس إلَّا بالتغيُّر.
قوله: ((أينَ باتَتْ يدُه)) أي: من جسده، قال الشافعي رحمه الله: كانوا يَسْتجمِرون
وبلادهم حارّة، فُرُبَّا عَرِقَ أحدهم إذا نام فيحتمل أنْ تَطُوف يده على المَحَلِّ أو على بَثْرة
أو دم حيوان أو قَذَر غير ذلك.
وتعقَّبه أبو الوليد الباجي: بأنَّ ذلك يستلزم الأمر بغسل ثوب النائم لجواز ذلك عليه.
وأُجيبَ بأنه محمول على ما إذا كان العَرَق في اليد دون المَحَل، أو أنَّ المستيقظ لا يريد
٢٦٥/١ غَمْس ثوبه في الماء حتَّى يُؤْمَر / بغسله، بخلاف اليد فإنَّه محتاج إلى غَمْسها، وهذا أقوى
الجوابین.
والدليل على أنه لا اختصاص لذلك بمَحَلِّ الاستجمار ما رواه ابن خُزَيمة (١٠٠)
وغيره من طريق محمد بن الوليد، عن محمد بن جعفر، عن شُعْبة، عن خالد الحَذّاء، عن
(١) سيأتي عند المصنف برقم (١٢٦٨).

٥٤٩
باب ٢٧ / ح ١٦٣
كتاب الوضوء
عبد الله بن شَقِيق، عن أبي هريرة في هذا الحديث قال في آخره: ((أين باتَتْ يدُه منه))،
وأصله في مسلم (٢٧٨) دون قوله: ((منه))، قال الدَّارَ قُطنيُّ: تفرَّد بها شُعْبة، وقال البيهقيُّ:
تفرَّد بها محمد بن الوليد.
قلت: إنْ أراد عن محمد بن جعفر فمُسلَّم، وإنْ أراد مُطلَقاً فلا، فقد قال الدَّارَ قُطنيُّ
(١٢٧): تابعَه عبد الصمد عن شُعْبة. وأخرجه ابن مَندَهْ من طريقه.
وفي الحديث الأخذ بالوثيقة، والعمل بالاحتياط في العبادة، والكِناية عمَّا يُسْتَحْيا منه
إذا حصل الإفهام بها، واستحباب غسل النجاسة ثلاثاً، لأنه أمَرَنا بالتثليث عند تَوقُّمها
فعند تَيقُّنها أَولى.
واستنْبَطَ منه قوم فوائد أُخرى فيها بُعْد، منها: أنَّ موضع الاستنجاء مخصوص
بالرُّخصة في جواز الصلاة مع بقاء أثر النجاسة عليه، قاله الخطّابيُّ.
ومنها: إيجاب الوضوء من النوم، قاله ابن عبد البَرِّ. ومنها: تقوية قول مَن يقول
بالوضوءِ من مَسِّ الذَّكَر، حكاه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) عن ابن عُيَينة.
ومنها: أنَّ القليل من الماء لا يصير مُستعمَلاً بإدخال اليد فيه لمن أراد الوضوء، قاله
الخَفَّاف(١) صاحب ((الخِصال)) من الشافعيَّة.
٢٧ - باب غسل الرِّجلَین
١٦٣- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو عَوَانة، عن أبي بِشْر، عن يوسفَ بنِ
ماهَكَ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو قال: تَخْلَّفَ النبيُّ ◌َّهِ عَنّا فِي سَفْرةٍ، فأدرَكَنا وقد أرهَقَنا العصرُ،
(١) في أصل (س): الخطابي، وفي هامشها: في مخطوط الرياض ((الخفاف)). قلنا: وهو الصواب، كذلك هو في
نسختينا الخطيتين، والخفَّاف هذا: هو أحمد بن عمر بن يوسف أبو بكر الخفَّاف، ذكره ابن قاضي شُهبة في
(طبقات الشافعية)) ١/ ٩٥ في الطبقة الخامسة (وهم الذين كانوا في العشرين الثالثة من المئة الرابعة) وقال في
ترجمته: صاحب ((الخصال)) مجلد متوسط، ذكر في أوله نبذة من أصول الفقه سماه بـ((الأقسام والخِصال)) ولو
سماه بالبیان لكان أولى، لأنه يترجم الباب بقوله: البيان عن كذا.

٥٥٠
باب ٢٧ / ح ١٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
فجعلْنا نَتوضَّأُ ونَمْسَحُ على أرجُلِنا فنادَى بأعلى صَوْتِه: ((وَيْلٌ للأَعقابِ مِن النارِ)) مرَّتين أو
ثلاثاً. [انظر: ٦٠]
قوله: ((باب غسل الرِّجلَين)» كذا للأكثر، وزاد أبو ذرٍّ: ((ولا يمسح على القدمين)).
قوله: ((حدَّثني موسى)) هو ابن إسماعيل النَّبُوذَكي.
قوله: ((عَّا في سَفْرة)) زاد في رواية كَرِيمة: ((سافَرْناها)) وظاهره أنَّ عبد الله بن عمرو
كان في تلك السَّفْرة، ووَقَعَ في رواية لمسلمٍ (٢٦/٢٤١): أنها كانت من مكّة إلى المدينة، ولم
يقع ذلك لعبد الله مُحقَّقاً إلَّا في حَجّة الوداع، أمَّا غَزْوة الفتح فقد كان فيها لكن ما رجع
النبي ◌َّ فيها إلى المدينة من مكّة بل من الجِعْرانة، ويُتَمل أنْ تكون عُمْرة القَضيَّة، فإِنَّ
هِجْرة عبد الله بن عمرو كانت في ذلك الوَقْت أو قريباً منه.
قوله: ((أرْهَقَنا)) بفتح الهاء والقاف، و((العصرُ)) مرفوع بالفاعليَّة كذا لأبي ذر، وفي رواية
كَرِيمة بإسكان القاف و((العصرَ)) منصوب بالمفعوليَّة، ويُقوِّي الأوَّل رواية الأَصِيلي
((أرْهَقَتْنا)) بفتح القاف بعدها مُثنَّاة ساكنة، ومعنى الإرهاق: الإدراك والغِشْيان.
قال ابن بَطَّل: كأنَّ الصحابة أخّروا الصلاة في أوَّل الوَقْت طَمعاً أنْ يَلْحقهم النبي ◌َِل
فيُصلُّوا معه، فلمَّا ضاقَ الوقت بادروا إلى الوضوء ولِعَجَلَتِهم لم يُسبِغوه، فأدرَكَهم على
ذلك فأنكر عليهم.
قلت: ما ذكره من تأخيرهم ليُصلُّوا معه(١) قاله احتمالاً، ويحتمل أيضاً أن يكونوا
أخَّروا لكَوْنهم على طُهْر أو لرجاءِ الوصول إلى الماء، ويدل عليه رواية مسلم (٢٤١):
((حتَّى إذا كنَّا بماءٍ بالطريق تَعَجَّلَ قوم عند العصر)) أي: قُرْب دخول وقتها فتَوضَّؤوا وهم
عِجال.
قوله: ((ونَمْسَح على أرْجُلنا)) انتَزَعَ منه البخاري أنَّ الإنكار عليهم كان بسبب المسح لا
بسبب الاقتصار على غسل بعض الرِّجل، فلهذا قال في الترجمة: ولا يمسح على القدمين،
(١) قوله: ((ليصلوا معه)) سقط من (س).

٥٥١
باب ٢٧ / ح ١٦٣
كتاب الوضوء
وهذا ظاهر الرواية المُتَّفَق عليها، وفي أفراد مسلم (٢٤١): ((فانتَهَيْنا إليهم وأعقابهم بِيضٌ
تَلُوح لم يَمَسَّها الماء))/ فَتَمسَّكَ بهذا مَن يقول بإجزاءِ المسح، وبحملِ الإنكار على ترك ٢٦٦/١
التعميم، لكنَّ الرواية المُتَّفَق عليها أرجح فتُحْمل هذه الرواية عليها بالتأويل، فيحتمل
أنْ يكون معنى قوله: ((لم يَمَسّها الماء)) أي: ماء الغُسْل جمعاً بين الرّوايتين.
وأصرح من ذلك رواية مسلم (٢٤٢) عن أبي هريرة : أنَّ النبيَّ وَّ رأى رجلاً
لم يَغْسِل عَقِبَه فقال ذلك. وأيضاً فمَن قال بالمسح لم يُوجِب مسح العَقِب، والحديث
حُجّة علیه.
وقال الطَّحاويُّ: لمَّا أمرهم بتعميم غسل الرِّجلَينِ حتَّى لا يَبْقَى منهما لمعةٌ، دلَّ على أنَّ
فرضها الغسل. وتعقَّبه ابن المنيِّر بأنَّ التعميم لا يستلزم الغسل، فالرأس تُعَم بالمسح وليس
فرضها الغسل.
قوله: ((أرْجُلنا)) قابلَ الجمعَ بالجمع، فالأرجُل مُوزَّعة على الرجال فلا يلزم أنْ يكون
لكلِّ رجل أرْجُل.
قوله: ((وَيْل)) جازَ الابتداء بالنَّكِرة لأنه دُعاء، واختُلِفَ في معناه على أقوال: أظهرها ما رواه
ابن حِبَّان في «صحيحه» (٧٤٦٧) من حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((وَيْلٌ وادٍ فِي جَهَنَّم))(١).
قال ابن خُزيمة: لو كان الماسح مُؤدِّياً للفرضِ لَمَا تُؤُعِّدَ بالنار، وأشار بذلك إلى ما
في كتب الخِلاف عن الشّيعة: أنَّ الواجب المسح، أخذاً بظاهر قراءة ((وأَرجُلِكُمْ)) [المائدة: ٦]
بالخفْض.
وقد تواترتِ الأخبار عن النبي ◌َّ في صفة وُضوئِه أنه غَسَلَ رِجْليه، وهو المبيِّن لأمر
الله، وقد قال في حديث عَمْرو بن عَبَسة الذي رواه ابن خُزيمة (١٦٥ و٢٦٠) وغيره مُطوَّلاً
في فضل الوضوء: ((ثُمَّ يَغْسِل قَدَمَيهِ كما أمره الله))، ولم يَثبُت عن أحد من الصحابة خلاف
(١) وإسناده ضعيف. وقد قصَّر الحافظ ابن حجر رحمه الله في تخريج هذا الحديث هنا، فقد أخرجه أيضاً أحمد
(١١٧١٢)، والترمذي (٣١٦٤) وقال: هذا حديث غريب. وأورده الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) عند
الآية (٧٩) من سورة البقرة وقال: هذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعاً منكر.

٥٥٢
باب ٢٨ / ح ١٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
ذلك إلَّا عن علي وابن عبّاس وأنس(١)، وقد ثبت عنهم الرُّجوع عن ذلك، قال عبد الرحمن
ابن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله وَليل على غسل القدمين، رواه سعيد بن منصور.
وادَّعَى الطَّحاويُّ وابن حَزْمِ: أنَّ المسح منسوخ، والله أعلم.
قوله: ((للأعقاب)) أي: المَرْئيَّة إذْ ذاكَ، فاللام للعَهْدِ ويَلتَحِق بها ما يُشاركها في ذلك،
والعَقِب: مُؤخَّر القَدَم.
قال البَغَويُّ: معناه: وَيْل لأصحاب الأعقاب المقصِّرين في غسلها. وقيل: أراد أنَّ
العَقِب مُخْتَص بالعِقاب إذا قُصِّرَ في غسله.
وفي الحديث تعليم الجاهل، ورفع الصوت بالإنكار، وتكرار المسألة لتُفْهَم كما تقدَّم في
کتاب العلم.
٢٨ - باب المضمضة في الوضوء
قاله ابنُ عبَّاس وعبدُ الله بنُ زيدٍ رضي الله عنهم عن النبيِّ ◌َِّ.
١٦٤ - حدّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌّ، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرني عطاءُ بنُ یزیدَ،
عن ◌ُمْرانَ مولى عثمانَ بنِ عَفَّان: أنَّه رأى عثمانَ دَعا بوَضُوءٍ فأفرَغَ على يديه من إنائِهِ فَغَسَلَهُما
ثلاث مَرّاتٍ، ثمَّ أدخلَ يَمِينَه في الوَضُوء، ثمَّ تَمَضمَضَ واستَشَقَ واستَثرَ، ثمَّ غَسَلَ وجهَه
ثلاثاً، ويديه إلى المرفقَينِ ثلاثاً، ثمَّ مَسَحَ بَرَأْسِه، ثمَّ غَسَلَ كلَّ رِجْلٍ ثلاثاً، ثمّ قال: رأيتُ النبيَّ
وَلّه يتوضَّأُ نحوَ وُضُوئي هذا، وقال: ((مَن تَوضَّأْ نَحْوَ وُضُوئي هذا، ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَينِ لا يُحدِّثُ
فيهما نفسَه، غَفَرَ الله له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ)».
قوله: ((باب المضمضة في الوضوء)) أصل المضمضة في اللَّغة: التحريك، ومنه: مضمّض
النُّعاس في عينيه: إذا تَحَرَّكَتا بالنُّعاس، ثمَّ اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم وتحريكه،
وأمَّا معناه في الوضوء الشرعي فأكمله أنْ يضع الماء في الفم ثمَّ يُديره ثمَّ يَمُجّه، والمشهور
(١) سيأتي مزيد كلام على ذلك في شرح الحديث (١٦٦).

٥٥٣
باب ٢٩ / ح ١٦٥
كتاب الوضوء
عن الشافعيّة أنه لا يُشترَط تحريكه ولا مَجّه وهو عجيب، ولعلَّ المراد أنه لا يَتَعَّن المُ، بل
لو ابتَلَعَه أو تركه حتَّى يسيل أجزأ.
قوله: ((قاله ابن عبّاس)) قد تقدَّم حديثه في أوائل الطَّهارة (١٤٠).
قوله: ((وعبد الله بن زيد)) سيأتي حديثه قريباً (١٨٥).
قوله: (ثمَّ غَسَلَ كلَّ رِجْل)) كذا للأَصِيلِيِّ والكُشْمِيهَني، ولابن عساكر:/ ((كِلْتَا رِجْلیه)) ٢٦٧/١
وهي التي اعتَمَدَها صاحب ((العُمْدة))، وللمُستَمْلِي والحَمُِّي: ((كلَّ رِجْله)) وهي تفيد
تعميم كل رِجْل بالغسل، وفي نسخة: ((رِجْلَيْه)) بالتثنية وهي بمعنى الأولى.
قوله: ((لا يُحدِّث)) تقدَّمتْ مباحثه قريباً (١٥٩)، وقال بعضهم: يحتمل أنْ يكون المراد بذلك
الإخلاص، أو ترك العُجْب بأنْ لا يرى لنَفْسِه مَزِيَّةٍ خَشْية أنْ يتغيَّر فيَتَكَبََّ فيَهلِك.
قوله: (غَفَرَ الله له)) كذا للمُستَمْلِي، ولغيره: ((غُفِرَ له)) على البناء للمفعول، وقد تقدَّمتْ
مباحثه، إلَّا أنَّ في هذا السّياق من الزِّيادة رفع صفة الوضوء إلى فعل النبي ◌َّ، وزاد مسلم
(٣/٢٢٦) في رواية ليونس: ((قال الزُّهْري: كان عُلَمَا ؤُنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما
یتوضّأ به أحد للصلاة))، وقد تَسَّكَ بهذا مَن لا یری تثليث مسح الرأس كما سيأتي في باب
مسح الرأس مَرّة (١٩٢) إن شاء الله تعالی.
٢٩ - باب غسل الأعقاب
وكان ابنُ سِيرِينَ يَغْسِلُ مَوضِعَ الخاتَمِ إذا توضَّأ.
١٦٥ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثْنا محمّدُ بنُ زِیادٍ، قال:
سمعتُ أبا هُرَيرةَ، وكان يَمُرُّ بنا والناسُ يتوضَّؤُونَ مِن المِطْهرة، قال: أسبِغُوا الوُضُوءَ، فإنَّ أبا
القاسمِّم قال: ((وَيْلٌ للأَعقابِ مِن النارِ)».
قوله: ((باب غسل الأعقاب. وكان ابن سيرينَ)) هذا التعليق وَصَلَه المصنّف في ((التاريخ))
(١/ ٢٦٢) عن موسى بن إسماعيل، عن مَهْدي بن ميمون، عنه، وروى ابن أبي شَيْبة

٥٥٤
باب ٣٠ / ح ١٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
(٣٩/١) عن هُشَيْم، عن خالد، عنه: أنه كان إذا تَوضَّأْ حَرَّكَ خاتمه، والإسنادان صحيحان،
فيُحمَل على أنه كان واسعاً بحيثُ يصل الماء إلى ما تحته بالتحريك، وفي ابن ماجَهْ (٤٤٩) عن
أبي رافع مرفوعاً نحوه باسنادٍ ضعيف.
قوله: ((محمَّد بن زياد)» هو الجُمَحيُّ المدني لا الأَلْهاني الحِمْصي.
قوله: ((وكان)) الواو حاليَّة من مفعول ((سَمِعْت))، و((الناس يتوضَّؤون)) حال من فاعل
(یَمُر)).
قوله: ((الِطْهرة)) بكسر الميم: هي الإناء المُعَدُّ للتطهُّرِ منه.
قوله: ((أَسِغوا)) بفتح الهمزة، أي: أكمِلوا، وكأنه رأى منهم تقصيراً وخَشِيَ عليهم.
قوله: «فإنَّ أبا القاسم، فیہ ذِكْر رسول الله ێے بگنیته وهو حسن، وذكره بوصفٍ
الرِّسالة أحسن.
وفيه أنَّ العالم يستدل على ما يُفْتي به ليكون أوقعَ في نَفْس سامعه.
وقد تقدَّم شرح الأعقاب، وإنَّما خُصَّتْ بالذِّكْر لصورة السبب كما تقدَّم في حديث
عبد الله بن عَمْرو (١٦٣)، فيَلتَحِق بها ما في معناها من جميع الأعضاء التي قد يَحَصُل
التساهل في إسباغها.
وفي الحاكم (١/ ١٦٢) وغيره من حديث عبد الله بن الحارث: ((وَيْل للأعقاب وبُطون
الأقدام من النار))، ولهذا ذكر في الترجمة أثر ابن سيرين في غسله موضع الخاتم، لأنه قد لا
يصل إليه الماءُ إذا كان ضَيِّقاً، والله أعلم.
٣٠- باب غسل الرِّجلين في الَّعلَین، ولا يمسحُ
على النَّعلَين
١٦٦- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن سعيدِ المَقْبُريّ، عن عُبيدِ بنِ
جُرَيج، أَنَّه قال لعبد الله بنِ عُمر: يا أبا عبدِ الرحمن، رأيتُكَ تَصْنَعُ أربعاً لم أرَ أحداً من أصحابِكَ
يصنعُها؟ قال: وما هي يا ابنَ جُرَيج؟ قال: رأيتُكَ لا تَمَسُّ مِن الأركانِ إلَّ الَمَانِيَينِ، ورأيتُكَ

٥٥٥
باب ٣٠ / ح ١٦٦
كتاب الوضوء
تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، ورأيتُكَ تَصْبُغُ بالصُّفْرة، ورأيتُكَ إذا كنتَ بمكَّةَ أهَلَّ الناسُ إذا رَأْوًا الهِلالَ
ولم تُهِلَّ أنتَ حتَّى كان يومُ الَّرْوِية.
٢٦٨/١
قال عبدُ الله: أمَّا الأركانُ، فإني لم أرَ رسولَ اللهِ وَّهِ يَمَسُّ إِلَّ اليَمَانِيَيْن، وأمَّا التَّعالُ
السِِّْيَّةُ/ فإني رأيتُ رسولَ الله ◌َّه يَلْبَسُ الثَّعْلَ الَّتَي ليسَ فيها شَعَرٌ ويتوضَّأُ فيها، فأنا أُحِبُّ !
أنْ أَلْبَسَها، وأمَّا الصُّفْرةُ، فإني رأيتُ رسولَ الله وََّ يَصْبُغُ بها، فإِنِّي أُحِبُّ أنْ أصبُغَ بها، وأمّا
الإهلالُ، فإني لم أرَ رسولَ الله ◌َّهِ يُهِلٌّ حَتَّى تَنْبَعِثَ به راحِلتُه.
[أطرافه في: ١٥١٤، ١٥٥٢، ١٦٠٩، ٥٨٥١،٢٨٦٥]
قوله: ((باب غسل الرِّجلَينِ في الَّعلَينِ)) ليس في الحديث الذي ذكره تصريح بذلك وإنَّما
هو مأخوذ من قوله: ((يتوضَّأ فيها)) لأنَّ الأصل في الوضوء هو الغسل، ولأنَّ قوله: ((فيها)»
يدل على الغسل، ولو أُريدَ المسح لقال: عليها.
قوله: ((ولا يَمسح على الثَّعَلَينِ)) أي: لا يُكتَفَى بالمسح عليهما كما في الخُفَّين، وأشار
بذلك إلى ما رُوِيَ عن علي وغيره من الصحابة: أنهم مَسَحوا على نِعالهم في الوضوء ثمَّ
صَلَّوْا، ورُوِيَ في ذلك حديث مرفوع أخرجه أبو داود (١٥٩) وغيره من حديث المغيرة بن
شُعْبة، لكن ضَعَّفَه عبد الرحمن بن مَهْدي وغيره من الأئمّة.
واستدلَّ الطَّحاويُّ على عدم الإجزاء بالإجماع على أنَّ الْخُفَّينِ إذا تَّخَرَّقا حتَّى تَبْدو
القَدَمان أنَّ المسح لا يُجزِئ عليهما، قال: فكذلك النَّعْلان لأنهما لا تُغيِّان(١) القدمين.
انتھی.
وهو استدلال صحيح، لكنَّه مُنازَع في نقل الإجماع المذكور، وليس هذا موضع بَسْط
هذه المسألة، ولكن نُشير إلى مُلَخَّص منها: فقد تَمَسَّكَ مَن اكتفى بالمسحِ بقوله تعالى:
((وأَرجُلِكم)) عَطْفاً على ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فذهب إلى ظاهرها جماعةٌ من
الصحابة والتابعين، فحُكيَ عن ابن عبّاس في رواية ضعيفة والثابت عنه خلافه، وعن
(١) تصحف في (س) إلى: لا يفيدان!

٥٥٦
باب ٣٠ / ح ١٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
عِكْرمة والشَّعْبي وقتادة، وهو قول الشّيعة. وعن الحسن البصري: الواجب الغسل أو
المسح، وعن بعض أهل الظاهر يجب الجمع بينهما، وحُجّة الجمهور الأحاديث الصحيحة
المذكورة وغيرها من فعل النبي وَ لّ فإنَّه بيان للمراد، وأجابوا عن الآية بأجوبةٍ منها:
أنه قُرِئَ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عَطْفاً على ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾، وقيل: معطوف على
محلّ ﴿بُ وسِكُمْ﴾، كقوله: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِىِ مَعَهُ, وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] بالنصب.
وقيل: المسح في الآية محمول لمشروعيَّة المسح على الخُفَّينِ، فحملوا قراءة الجَر على
مسح الخُفَّين، وقراءة النصب على غسل الرِّجَلَين، وقَرَّرَ ذلك أبو بكر بن العربي تقريراً
حسناً فقال ما مُلَخَّصه: بين القراءَتَينِ تَعارُض ظاهر، والحُكْم فيما ظاهره التعارُض أنه إنْ
أمكنَ العمل بهما وَجَب، وإلَّا عُمِلَ بالقَدْرِ المُمكِن، ولا يتأتَى الجمع بين الغسل والمسح
في عُضْو واحد في حالة واحدة، لأنه يُؤَدّي إلى تَكْرار المسح، لأنَّ الغسل يتضمَّن المسح،
والأمر المطلَق لا يقتضي التكرار، فبقيَ أنْ يُعمَل بهما في حالَينِ توفيقاً بين القراءَتَينِ وعملاً
بالقَدْرِ المُمكِن.
وقيل: إنَّما عُطِفَتْ على الرُّؤوس الممسوحة لأنها مَظِنّة لكثرة صَبِّ الماء عليها فلمَنعِ
الإسراف عُطِفَت، وليس المراد أنها تُسَح حقيقة، ويدل على هذا المراد قوله: ﴿إِلَى
اُلْكَعْبَيْنِ﴾ لأنَّ المسح رُخصة فلا يُقيَّد بالغاية، ولأنَّ المسح يُطلَق على الغسل الخفيف،
يقال: مَسَحَ أطرافه، لمن تَوضَّأ، ذكره أبو زيد اللُّغَوي وابن قُتَيبة وغيرهما.
قوله: ((عُبيد بن جُرَيج)) هو مَدَني مولى بني تميم، وليس بينه وبين ابن جُرَيج الفقيه
المكِّي مولى بني أُميَّة نَسَب، وقد تقدَّم في المقدِّمة أنَّ الفقيه هو عبد الملك بن عبد العزيز بن
◌ُرَیج، فقد يُظَن أنَّ هذا عمّه ولیس کذلك. وهذا الإسناد كلّه مدنُّون، وفيه رواية
الأقران لأنَّ عُبيداً وسعيداً تابعيّان من طبقة واحدة.
قوله: «أربعاً) أي: أربع خصال.
قوله: ((لم أرَ أحداً من أصحابك)) أي: أصحاب رسول الله وَّة، والمراد بعضهم، والظاهر

٥٥٧
باب ٣٠ / ح ١٦٦
كتاب الوضوء
من السِّياق انفرادُ ابن عمر بما ذُكِرَ دون غيره ممَّن رآهم عُبيد.
وقال المازَرِي: يحتمل أنْ يكون مراده: لا يصنعهُنَّ غيرك مُجْتَمِعة وإنْ كان يصنع
بعضها.
قوله: ((الأركان)) أي: أركان الكعبة الأربعة، وظاهره أنَّ غير ابن عمر من الصحابة
الذين رآهم / عُبيد كانوا يَستَلِمون الأركانَ كلَّها، وقد صَحَّ ذلك عن معاوية وابن الزُّبَير، ٢٦٩/١
وسيأتي الكلام على هذه المسألة في الحج (١٦٠٨) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((السِّبْيَّة)) بكسر المهمَلة: هي التي لا شعرَ فيها، مُشَقّة من السَّبْت: وهو الحَلْق،
قاله في ((التهذيب))، وقيل: السِّبْت: جِلْد البقر المدبوغ بالقَرَظ، وقيل: بالسُّبْت بضمٍّ أوَّله:
وهو نبت يُدَبَغ به، قاله صاحب ((المنتهى))، وقال المَرَويُّ: قيل لها: سِبْيَّة، لأنها انسَبَتَتْ
بالدِّباغ، أي: لانَتْ به، يقال: رَطْبة مُنسَبِتَة، أي: لَيِّنة.
قوله: ((تَصْبُغ)) بضم الموحَّدة وحُكيَ فتحها وكسرها، وهل المراد صَبْغ الثوب أو
الشَّعر؟ يأتي الكلام على ذلك حيثُ ذكره المصنّف في كتاب اللِّباس (٥٨٥١) إن شاء الله
تعالی.
قوله: ((أهَلَّ الناس)) أي: رَفَعوا أصواتهم بالتَّلْبية من أوَّل ذي الحِجّة.
قوله: ((ولم تُإِلَّ أنتَ حتَّى كان)) ولمسلم (١١٨٧): ((حتَّى يكون))، ((يومُ التَّرْوية)) أي:
الثامن من ذي الحِجّة، ومراده: فتُهِل أنتَ حينئذٍ. وتَبيَّن من جواب ابن عمر أنه كان لا يُهِلُّ
حتَّى يركب قاصداً إلى منّى، وسيأتي الكلام على هذه المسألة أيضاً في الحج (١٥٥٢) إن
شاء الله تعالى.
قوله: ((قال عبد الله)) أي: ابن عمر مُجيباً لعُبيدٍ. وللمصنّف في اللِّباس (٥٨٥١): فقال له
عبد الله بن عمر.
قوله: ((اليَمَانَينِ)) تَثْنية يَمَانٍ، والمراد بهما: الرُّكْن الأسود والذي يُسامِتُه من مُقابلة
الصفا، وقيل للأسودِ: يَمَانٍ، تغليباً.

٥٥٨
باب ٣١ / ح ١٦٧ -١٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فإني أُحِب أَنْ أصْبُغ)) وللكُشْمِيهَني والباقين: ((فأنا أُحِب)) كالتي قبلها. وسيأتي
باقي الكلام على هذا الحديث في كتاب اللِّباس (٥٨٥١) إن شاء الله تعالى.
٣١- باب التيمُّن في الوضوء والغُسل
١٦٧ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثْنا خالدٌ، عن حَقْصةَ بنتِ سِيرِينَ،
عن أُمَّ عَطِيَّةَ قالت: قال النبيُّنَّلهنَّ فِي غَسْلَ ابَتِهِ: «ابدأْنَ بمَيامنِها ومَوَاضعِ الوُضُوءِ منها».
[أطرافه في: ١٢٥٣، ١٢٥٤، ١٢٥٥، ١٢٥٦، ١٢٥٧، ١٢٥٨، ١٢٥٩، ١٢٦٠، ١٢٦١، ١٢٦٢، ١٢٦٣]
١٦٨ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني أشعَثُ بنُ سُلَيمٍ، قال:
سمعتُ أَبي، عن مسروقٍ، عن عائشةَ قالت: كان النبيُّ وَل﴿ يُعجِبُهُ التَّمُّنُ فِي تَنْعُلِه وتَرَ جُلِه
وطُهُورِهِ، في شَأْنِهِ كلِّه.
[أطرافه في: ٤٢٦، ٥٣٨٠، ٥٨٥٤، ٥٩٢٦]
قوله: ((باب التيمُّن)) أي: الابتداء باليمين.
قوله: ((إسماعيل)) هو ابن عُليَّة، وخالد: هو الحَذّاء. والإسناد كلُّه بصريُّون.
قوله: ((في غَسْل)) أي: في صفة غسل ابنته زينب عليها السلام، كما سيأتي تحقيقه في
كتاب الجنائز (١٢٥٣) إن شاء الله تعالى.
وأورد المصنّف من الحديث طرفاً ليُبيِّنَ به المراد بقول عائشة: ((يُعجِبه التيمُّن)) إذْ هو
لفظ مُشترَك بين الابتداء باليمين وتَعاطي الشيء باليمين والتبرُّك وقَصْد اليمين، فبان
بحديث أُم عطيّة أنَّ المراد بالطُّهورِ الأوَّل.
قوله: ((سمعت أَبي)) هو سُلَيمُ بن أسود المُحَارِبي الكوفي أبو الشَّعْثاء، مشهور بكُنْيته
أكثر من اسمه، وهو من كِبَار التابعين كشيخِه مسروق، فهما قَرِينان، كما أنَّ أشعَث وشُعْبة
قَرينان وهما من كِبَار أتباع التابعين.
قوله: ((كان يُعجِبِه التَّيِّمُّن)) قيل: لأنه كان يحب الفَأْل الحسن، إذْ أصحاب اليمين أهل

٥٥٩
باب ٣١ / ح ١٦٧ -١٦٨
كتاب الوضوء
الجنَّة. وزاد المصنِّف في الصلاة (٤٢٦) عن سليمان بن حرب، عن شُعْبة: ((ما استَطاع)) فنبّه
على المحافظة على ذلك ما لم يمنع مانع.
قوله: ((في تَنْعُّله)) أي: لُبْس نَعْله ((وتَرجُّله)) أي: ترجيل شعره وهو تَسْريحه ودَهْنه، قال
في ((المشارق)): رَجَّلَ شعره: إذا مَشَّطَه بماءٍ أو دُهْن ليَلِين ويُرسِل الثائر ويَمُد المنْقَبِض.
زاد أبو داود (٤١٤٠) عن مسلم بن إبراهيم، عن شُعْبة: ((وسواکه)).
قوله: «في شأنه کلّه)) کذا للأکثر من الرُّواة بغیر واو، وفي/ رواية أبي الوَقْت بإثبات الواو ٢٧٠/١
وهي التي اعتَمَدَها صاحب ((العُمْدة))، قال الشيخ تَقيُّ الدّين: هو عامٌّ مخصوص، لأنَّ
دخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوهما يُبدَأ فيهما باليسار. انتهى.
وتأكيد الشَّأْن بقوله: (كلّه)) يدل على التعميم، لأنَّ التأكيد يرفع المجاز فيُمكِن أنْ
يقال: حقيقة الشَّأْن ما كان فعلاً مقصوداً، وما يُستحَب فيه التياسُر ليس من الأفعال
المقصودة، بل هي إمَّا تُروك وإمَّا أفعالٌ غير مقصودة، وهذا كلّه على تقدير إثبات الواو،
وأمَّا على إسقاطها فقوله: ((في شَأْنه كلّه)) مُتعلِّق بيُعجِبُه لا بالتيمُّن، أي: يُعجِبه في شَأْنه كلّه
التيمُّن في تَنعُّله ... إلى آخره، أي: لا يترك ذلك سَفَراً ولا حَضَراً، ولا في فراغه ولا شُغْله،
ونحو ذلك.
وقال الطِّيبي: قوله: ((في شَأْنه)) بدل من قوله: ((في تَنقُّله)) بإعادة العامل. قال: وكأنه
ذكر التنقُّل لتعلَّقِه بالرِّجل، والترجُّل لتعلُّقِه بالرأس، والطُّهور لكَوْنه مِفْتَاح أبواب
العبادة، فكأنه نبّه علی جمیع الأعضاء فیکون کبدل الکل من الكل.
قلت: ووَقَعَ في رواية مسلم (٦٧/٢٦٨) بتقديم قوله: ((في شَأنه كلّه)) على قوله: ((في تَنْعُّله
إلخ)) وعليها شرحَ الطِّيي، وجميع ما قدَّمناه مبنيّ على ظاهر السِّياق الوارد هنا، لكن بيَّن
المصنّف في الأطعمة (٥٣٨٠) من طريق عبد الله بن المبارك عن شُعْبة: أنَّ أشعَت شيخه كان
يُحدِّث به تارةً مُقتصِراً على قوله: ((في شَأْنه كلّه)) وتارةً على قوله: ((في تَنْقُّله ... )) إلى آخره. وزاد
الإسماعيلي من طريق غُندَر عن شُعْبة: أنَّ عائشة أيضاً كانت تُجمِله تارة وتُبيِّته أُخرى، فعلى

٥٦٠
باب ٣١ / ح ١٦٧ - ١٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
هذا يكون أصل الحديث ما ذُكِرَ من التنعُّل وغيره، ويُؤيِّده رواية مسلم (٦٦/٢٦٨) من
طريق أبي الأحوص، وابن ماجَهْ (٤٠١) من طريق عمر بن عُبيد، كلاهما عن أشعَث بدونٍ
قوله: ((في شَأْنه كلّه))، وكأنَّ الرواية المقتَصِرة على «في شَأْنه كلّه)) من الرواية بالمعنى.
ووَقَعَ في رواية لمسلمٍ: ((في طُهوره ونَعْله) بفتح النّون وإسكان العين، أي: هَيْئَة تَنعُله،
وفي رواية ابن ماهان في مسلم: ((ونَعَله) بفتح العين.
وفي الحديث استحباب البِدَاءة بشِقٌّ الرأس الأيمَن في الترجُّل والغُسْل والحَلْق، ولا
يقال: هو من باب الإزالة فيُبدَأ فيه بالأيسر، بل هو من باب العبادة والتزيين، وقد ثبت
الابتداء بالشِّقِّ الأيمَن في الحَلْق كما سيأتي قريباً (١٧١).
وفيه البِداءة بالرِّجلِ اليُمنَى في التنعُّل وفي إزالتها باليُسرَى. وفيه البِداءة باليدِ الْيُمنَى
في الوضوء وكذا الرِّجل، وبالشِّقِّ الأيمَن في الغُسْلِ. واستُدلَّ به على استحباب الصلاة
عن يمين الإمام، وفي مَيْمَنة المسجد، وفي الأكل والشُّرْب باليمين، وقد أورده المصنّف في
هذه المواضع كلّها.
قال النَّووي: قاعدة الشرع المستمرّة استحباب البداءة بالیمین في کل ما كان من باب
التكريم والتزيين، وما كان بضدِهما استُحِبَّ فيه التياسُر. قال: وأجمع العلماء على أنَّ تقديم
اليمين في الوضوء سُنّ مَن خالفها فاتَه الفضل وتَمَّ وُضوؤه، انتهى.
ومراده بالعلماء: أهل السُّنّة، وإلَّا فمذهب الشّيعة الوجوب، وغَلِطَ المُرْتَضَى منهم
فَنَسَبَه للشافعي، وكأنه ظنَّ أنَّ ذلك لازِم من قوله بوجوب الترتيب، لكنَّه لم يقل بذلك في
اليدَينِ ولا في الرِّجلَينِ لأنهما بمَنزِلة العُضْو الواحد، ولأنهما جُمِعا في لفظ القرآن، لكن
يُشكِل على أصحابه حُكْمهم على الماء بالاستعمال إذا انتَقلَ من يد إلى يد أُخرى، مع قولهم
بأنَّ الماء ما دامَ مُتَردِّداً على العُضْو لا يُسمَى مُستعمَلاً، وفي استدلالهم على وجوب الترتيب
بأنه لم يَنقُل أحد في صفة وضوء النبي ◌َِّ أنه تَوضَّأْ مُنكِّساً، وكذلك لم يَنقُل أحد أنه قَدَّمَ
اليُسرَى على الیُمنَى.