النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
باب ٥٣ / ح ١٣٤
كتاب العلم
قوله: ((باب ذِكْر العلم)) أي: إلقاء العلم والفُتْيا في المسجد، وأشار بهذه الترجمة إلى الرَّد
على مَن تَوقَّفَ فيه لما يقع في المباحثة من رفع الأصوات، فنبّه على الجواز.
قوله: ((أنَّ رجلاً قام في المسجد)) لم أقف على اسم هذا الرجل، والمراد بالمسجد مسجد
النبي وَله. ويستفاد منه أنَّ السؤال عن مواقيت الحج كان قبل السَّفَر من المدينة.
و((قَرْن)) بإسكان الراء، وغَلِطَ مَن فتحها.
وقول ابن عمر: ((ویَزْعُمون ... )) إلى آخره، يُفسَّر بمَن روی الحدیث تامّاً کابن عبّاس
وغيره (١). وفيه دليل على إطلاق الزَّعْم على القول المحقَّق، لأنَّ ابن عمر سمع ذلك من
رسول الله وَ ل﴿ لكنَّه لم يَفْهَمه لقوله: ((لم أفقَهْ هذه)) أي: الجملة الأخيرة، فصار يرويها عن
غيره، وهو دال على شِدّة تَحرِّيه ووَرَعه، وسيأتي الكلام على فوائده في الحج (١٥٢٢) إن
شاء الله تعالى.
٢٣١/١
٥٣- باب من أجاب السائل بأكثرَ ممّا سأله
١٣٤ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ◌َِّ. وابنُ أبي
ذئب، عن الزُّهْري، عن سالمٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ وَِّ: أنَّ رجلاً سأله: ما يَلْبَسُ المحرِمُ؟
فقال: ((لا يَلْبَسِ القَمِيصَ ولا العِمامةَ ولا السَّراوِيلَ ولا البُرْنُسَ، ولا ثوباً مَسَّه الوَرْسُ أو
الزَّعْفرانُ، فإنْ لم يجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّين، ولَقْطَعْهما حتَّى يكونا تحتَ الگَعْبینِ)).
[أطرافه في: ٣٦٦، ١٥٤٢، ١٨٣٨، ١٨٤٢، ٥٧٩٤، ٥٨٠٣، ٥٨٠٥، ٥٨٠٦، ٥٨٤٧، ٥٨٥٢]
قوله: ((باب من أجاب السائل بأكثر ممّاً سأله)) قال ابن المنيِّر: موقع هذه الترجمة التنبيه على أنَّ
مطابقة الجواب للسؤال غير لازم، بل إذا كان السبب خاصّاً والجواب عاماً جاز، وُلَ الحُكْم
على عموم اللفظ لا على خصوص السبب، لأنه جواب وزيادة فائدة.
ويُؤخَذ منه أيضاً أنَّ المفتي إذا سُئِلَ عن واقعة واحتمل عنده أنْ يكون السائل يَتَذَّع
بجوابه إلى أنْ يُعدِّيَه إلى غير محل السؤال، تَعيَّنَ عليه أنْ يُفضِّل الجواب، ولهذا قال: «فإنْ لم
(١) سيأتي عند المصنف برقم (١٥٢٤).

٤٨٢
باب ٥٣ / ح ١٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
يجد نَعْلَين)) فكأنه سأل عن حالة الاختيار فأجابه عنها وزاده حالة الاضطرار، وليست
أجنبيّة عن السؤال لأنَّ حالة السَّفَر تقتضي ذلك.
وأمَّا ما وقع في كلام كثير من الأُصوليّين: أنَّ الجواب يجب أنْ يكون مطابقاً للسؤال،
فليس المراد بالمطابقة عدم الزِّيادة، بل المراد أنَّ الجواب يكون مفيداً للحُكْم المسؤول عنه،
قاله ابن دقيق العيد.
وفي الحديث أيضاً العُدول عمَّا لا يَنحَصِر إلى ما يَنحَصِر طلباً للإيجاز، لأنَّ السائل سألَ
عَمَّا يَلْبَس فأُجِيبَ بما لا يَلْبَس، إذ الأصل الإباحة، ولو عَذَّدَ له ما يَلْبَس ◌َطالَ به، بل كان
لا يُؤْمَن أنْ يتمسَّك بعض السامعين بمفهومِه فيُظَن اختصاصه بالمحرِم، وأيضاً فالمقصود
ما يَجِرُمِ لُبْسه لا ما يَحِلّ له لُبْسه، لأنه لا يجب له لباس مخصوص بل عليه أنْ يَجِتَنِب شيئاً
مخصوصاً.
قوله: (وابنُ أبي ذِئْب)) هو بالضم عَطْفاً على قول آدم: ((حدَّثنا ابن أبي ذِئْب)) والمراد أنَّ
آدم سمعه من ابن أبي ذِئْب بإسنادين، وفي رواية غير أبي ذرٍّ: ((وعن الزُّهْرِي)) بالعَطْف على
نافع ولم يُعِدْ ذِكْر ابن أبي ذِئْب.
قوله: ((أنَّ رجلاً)) لم أقف على اسمه، وسيأتي بقيَّة الكلام على فوائده في كتاب الحج
(١٥٤٢) أيضاً إن شاء الله تعالى.
خاتمة: اشتمل كتاب العلم من الأحاديث المرفوعة على مئة حديث وحديثين، منها في
المتابعات بصيغة التعليق وغيرها ثمانية عشر، والتعاليق التي لم يُوصِلها في مكان آخر أربعة
وهي: کتب لأمیر السَّريَّة، ورَحَلَ جابر إلى عبد الله بن أُنیس، وقِصَّة ضِمام في رجوعه إلى
قومه، وحديث: ((إنَّما العلم بالتعلُّم)). وباقي ذلك - وهو ثمانون حديثاً - كلّها موصولة،
فالمكرَّر منها ستة عشر حديثاً، وبغير تكرير أربعة وستون حديثاً، وقد وافقه مسلم على
تخريجها إلَّا ستة عشر حديثاً وهي الأربعة المعلّقة المذكورة، وحديث أبي هريرة: ((إذا وُسِّدَ
الأمر إلى غير أهله))، وحديث ابن عبّاس: ((اللهمَّ عَلِّمْه الكتاب))، وحديثه في الذَّبْح قبل

٤٨٣
باب ٥٣ / ح ١٣٤
كتاب العلم
الرَّمْي، وحديث عُقْبة بن الحارث في شهادة المُرْضِعة، وحديث أنس في إعادة الكلمة
ثلاثاً، وحديث أبي هريرة: ((أسعد الناس بالشفاعة))، وحديث الزُّبَير: ((مَن كَذَبَ عليَّ))،
وحديث سَلَمةَ: ((مَن تَقَوَّلَ عليّ))، وحديث علي في الصحيفة، وحديث أبي هريرة في كَوْنه
أكثر الصحابة حديثاً، وحديث أُم سَلَمةَ: ((ماذا أُنزِلَ الليلةَ من الفتن))، وحديث أبي هريرة:
حفِظْت وِعاءین.
والمراد بموافقة مسلم/ موافقته على تخريج أصل الحديث عن صحابيّه وإنْ وَقَعتْ ٢٣٢/١
بعضُ المخالَفة في بعض السِّياقات.
وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة ومَن بعدهم اثنان وعشرون أثراً: أربعة منها
موصولة، والبقيَّة مُعلَّقة.
قال ابن رُشَيد: خَتَمَ البخاري كتاب العلم بـ((باب مَن أجاب السائل بأكثر ممّا سأل
عنه)) إشارة منه إلى أنه بَلَغَ الغاية في الجواب عملاً بالنصيحة، واعتماداً على النِيَّة الصحيحة،
وأشار قبل ذلك بقليل بترجمة مَن ترك بعض الاختيار مخافة أنْ يَقصُر فَهُم بعض الناس عنه
إلى أنه رُبَّما صنع ذلك، فأتبَعَ الطَّيِّب بالطَّيِّبِ بأبَرَع سياق وأبدَع اتِّساق، رحمه الله تعالى
ورضي عنه.

٤٨٥
باب ١
كتاب الوضوء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الوضوء
١ - باب ما جاءَ في قَولِ الله عزَّ وجلّ:
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ
بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]
قال أبو عبدِ الله: وبَيَّنَّ النبيُّ نَّهِ أَنَّ فرضَ الوُضُوءِ مَرّةٌ مَرّةٌ، وتوضَّأ أيضاً مرَّتین مرَّتين،
وثلاثاً، ولم يَزِدْ على ثلاثٍ. وكَرِهَ أهلُ العلم الإسرافَ فيه، وأنْ يُجَاوِزُ وا فِعْلَ النبيِّ وَّه.
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الوضوء. باب ما جاءَ في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ ﴾ الآية)) وفي رواية الأَصِيلي: ((ما جاءَ في قول الله)) دون ما قبله، ولكَرِيمة:
(باب في الوضوء وقول الله عزَّ وجلَّ ... )) إلى آخره.
والمراد بالوضوء: ذِكْر أحكامه وشرائطه وصِفَته ومُقدِّماته. والوضوء بالضم: هو
الفعل، وبالفتح: الماء الذي يُتَوَضَّأ به على المشهور فيهما، وحُكيَ في كلٍّ منهما الأمران. وهو
مُشْتَق من الوَضاءة، وسُمّيَ بذلك لأنَّ المصلِّ يَتَنَظَّف به فيصير وضيئاً.
وأشار بقوله: ((ما جاءَ)) إلى اختلاف السَّلَف في معنى الآية، فقال الأكثرون: التقدير:
إذا قُمْتُم إلى الصلاة مُحدِثین.
وقال آخرون: بل الأمر على عمومه من غير تقدير حذف، إلَّا أنه في حق المحدث علی
الإيجاب، وفي حق غيره على النَّذْب.
وقال بعضهم: كان على الإيجاب ثمَّ نُسِخَ فصارَ مندوباً، ويدل لهذا ما رواه أحمد
(٢١٩٦٠) وأبو داود (٤٨) من طريق عبد الله (١) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب: أنَّ أسماء
(١) في (ع): عبيد الله. وقد اختلف في تعيينه في إسناد هذا الحديث هل هو عبد الله مكبراً أو عبيد الله مصغراً،
على ما بيَّنَّاه فى تخريج الحديث في ((مسند أحمد))، ولا يضر هذا الخلاف فكلاهما ثقة. وإسناد الحديث حسن.

٤٨٦
باب ١
فتح الباري بشرح البخاري
بنت زيد بن الخطّاب حدَّثتْ أباه عبد الله بن عمر عن عبد الله بن حَنْظلة الأنصاري: أنَّ
رسول الله ﴿ أُمِرَ بالوضوءِ لكلِّ صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلمَّا شَقَّ عليه وُضِعَ عنه
الوضوء إلا من حَدَثٍ.
ولمسلم (٢٧٧) من حديث بُرَيدة: كان النبيِ نَّه يتوضَّأ عند كل صلاة، فلمَّا كان يوم
الفتح صَلَّى الصلوات بوضوءٍ واحد، فقال له عمر: إنَّك فعلْتَ شيئاً لم تكنْ تَفْعَله! فقال:
((عَمْداً فعلْتُه)) أي: لبيان الجواز. وسيأتي حديث أنس في ذلك في ((باب الوضوء من غير
حَدَث)) (٢١٤).
واختلفَ العلماء أيضاً في مُوجِب الوضوء، فقيل: يجب بالحَدَثِ وجوباً موسَّعاً، وقيل:
به وبالقيام إلى الصلاة معاً، ورَجَّحَه جماعة من الشافعيَّة، وقيل: بالقيام إلى الصلاة حَسْب،
ويدل له ما رواه أصحاب السُّنَن من حديث ابن عبّاس عن النبيِ وَِّ قال: ((إِنَّمَا أُمِرْتُ
بالوضوءِ إذا قمتُ إلى الصلاة))(١).
واستَنْبَطَ بعض العلماء من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ﴾ إيجاب النيّة في
الوضوء، لأنَّ التقدير: إذا أرَدْتُم القيام إلى الصلاة فَتَوضَّؤوا لأجلِها، ومثله قولهم: إذا
رأيت الأمير فقُم، أي: لأجلِه.
٢٣٣/١
وتَسَّكَ بهذه الآية مَن قال: إنَّ/ الوضوء أوَّل ما فُرِضَ بالمدينة، فأمَّا ما قبل ذلك فنقل
ابن عبد البَرِّ اتِّفاق أهل السِّيَر على أنَّ غُسْل الجنابة إنَّما فُرِضَ على النبي ◌َّ وهو بمكّة كما
فُرِضَتِ الصلاة، وأنه لم يُصلِّ قَطُّ إلَّا بوضوءٍ، قال: وهذا ممّا لا تَجِهَله عالم. وقال الحاكم في
((المستدرك)) (١٦٣/١): وأهل السُّنّة بهم حاجة إلى دليل الرَّد على مَن زَعَمَ أنَّ الوضوء لم
يكن قبل نزول آية المائدة. ثمَّ ساق حديث ابن عبّاس: دخلتْ فاطمة على النبي ◌َّ وهي
تَبْكي قالت: هؤلاء الملأ من قُرَيش قد تَعاهَدوا ليقتلوك، فقال: ((ائتوني بوَضوءٍ) فَتَوضَّأ ...
(١) أخرجه أحمد (٢٥٤٩) و(٣٣٨١)، وأبو داود (٣٧٦٠)، والترمذي (١٨٤٧)، والنسائي (١٣٢)،
وإسناده صحيح.

٤٨٧
باب ١
كتاب الوضوء
الحديث. قلت: وهذا يَصلُحِ رَدّاً على مَن أنكر وجودَ الوضوء قبل الهِجْرة، لا على مَن أنكر
وجوبه حينئذٍ.
وقد جزم ابن الجَهْم المالكي بأنه كان قبل الهِجْرة مندوباً، وجزم ابن حَزْم بأنه لم يُشرَع
إلَّا بالمدينة، ورُدَّ عليهما بما أخرجه ابن لَهِيعة في ((المغازي)) التي يَرْويها عن أبي الأسود يتيم
عُرْوة، عنه: أنَّ جِبْرِيل عَلَّمَ النبي ◌َّ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي. وهو مُرسَل،
ووَصَلَه أحمد (١٧٤٨٠) من طريق ابن لَهِيعة أيضاً لكن قال: عن الزُّهْري، عن عُرْوة، عن
أسامة بن زيد، عن أبيه، وأخرجه ابن ماجَهْ (٤٦٢) من رواية رِشْدين بن سعد، عن عُقيل،
عن الزُّهْري نحوه، لكن لم يَذكُر زيد بن حارثة في السَّنَدَ (١)، وأخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)»
(٣٩٠١) من طريق الليث عن عُقَيل موصولاً، ولو ثبت لكان على شرط الصحيح، لكنَّ
المعروف رواية ابن لَهِيعة.
قوله: ((وبَيَّنَ النبي ◌ََّ أنَّ فرض الوضوء مَرّةٌ مَرّةٌ) كذا في روايتنا بالرفع على الخبرِيَّة،
ويجوز النصب على أنه مفعول مُطلَق، أي: فرضُ الوضوء غسلُ الأعضاء غسلاً مَرّةً مَرّةً،
أو على الحال السادّة مَسَدَّ الخبر، أي: يُفْعَل مَرّة، أو على لغة مَن يَنْصِب الْجُزْأينِ بـ((أنَّ)،
وأعاد لفظ ((مَرّة)) لإرادة التفصيل، أي: الوجه مَرّة واليد مَرّة ... إلى آخره.
والبيان المذكور يَحَتَمِل أنْ يشير به إلى ما رواه بعدُ (١٥٧) من حديث ابن عبّاس: أنَّ
النبيَّ وَّهِ تَوضَّأْ مَرّة مَرّة، وهو بيان بالفعل لمُجمَل الآية، إذ الأمر يفيد طلب إيجاد
الحقيقة ولا يَتَعيَّن بعَدَدٍ، فبيَّن الشارع أنَّ المّة الواحدة للإيجاب وما زاد عليها
للاستحباب، وستأتي الأحادیث على ذلك فيما بعد.
وأمَّا حديث أُبي بن كعب أنَّ النبيَّ وَِّدَعا بماءٍ فَتَوضَّأْ مَرّة مَرّة وقال: ((هذا وضوء لا
يَقْبَل الله الصلاةَ إلَّا به)) ففيه بيان الفعل والقول معاً، لكنَّه حديث ضعيف أخرجه ابن
(١) رواية أحمد من طريق ابن لهيعة عن عُقيل بن خالد، عن الزهري، بينهما عقيل بن خالد، وكذلك هي
رواية ابن ماجه وليست من طريق رشدين عن عقيل، وأما رواية رشدين عن عقيل عن الزهري فقد
أخرجها أحمد (٢١٧٧١)، والحديث عل كل حال ضعيف من أجل ابن لهيعة ورِشْدين.

٤٨٨
باب ١
فتح الباري بشرح البخاري
ماجَهْ (٤٢٠)، وله طرق أُخرى كلّها ضعيفة.
قوله: ((وتَوضَّأ أيضاً مرتین مرتین)» كذا في رواية أبي ذر، ولغيره: ((مرتين)» بغير تَكْرار،
وسيأتي هذا التعليق موصولاً (١٥٨) في باب مُفرَد مع الكلام عليه.
قوله: ((وثلاثاً)) أي: وتَوضَّأ أيضاً ثلاثاً، زاد الأَصِيلي: ((ثلاثاً) على نسق ما قبله، وسيأتي
(١٥٩) موصولاً أيضاً في باب مُفرَد.
قوله: ((ولم يَزِدْ على ثلاث)) أي: لم يأتِ في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وُضوئِه
وَ﴿ أنه زاد على ثلاث، بل وَرَدَ عنه ◌َِّذَمُ مَن زاد عليها، وذلك فيما رواه أبو داود (١٣٥)
وغيره من طريق عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدّه: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ تَوضَّأ ثلاثاً ثلاثاً ثمَّ
قال: ((مَن زاد على هذا أو نَقَصَ فقد أساءَ وظَلَمَ)) إسناده جيِّد، لكن عَدَّه مسلم في جملة ما
أُنكِرَ على عَمْرو بن شعيب لأنَّ ظاهره ذم النقص من الثلاث.
وأُجيبَ بأنه أمر سيِّئ والإساءة تَتَعلَّق بالنقص، والظُّلْم بالزيادة. وقيل: فیه حذف
تقديره: مَن نَقَصَ من واحدة، ويُؤْيِّده ما رواه نُعيم بن حمّاد من طريق المطَّلِب بن حَنْطَب
مرفوعاً: ((الوضوء مَرّة ومرتين وثلاثاً، فإنْ نَقَصَ من واحدة أو زاد على ثلاث فقد أخطأ)»
وهو مُرسَل رجاله ثقات.
وأُجيبَ عن الحديث أيضاً بأنَّ الزُّواة لم يَتَّفِقوا على ذِكْر النقص فيه، بل أكثرهم مُقْتَصِر على
قوله: ((فمَن زاد)» فقط، كذا رواه ابن خُزيمة في ((صحيحه)) (١٧٤) وغيره(١).
٢٣٤/١
ومن الغرائب ما / حكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني عن بعض العلماء: أنه لا يجوز
النقص من الثلاث، وكأنه تَسَّكَ بظاهر الحديث المذكور، وهو محجوج بالإجماع، وأمَّا قول
مالك في ((المدوَّنة)): لا أُحِب الواحدة إلّا من العالم، فليس فيه إيجاب زيادة عليها، والله أعلم.
قوله: (وكَرِه أهل العلم الإسراف فيه)) يشير بذلك إلى ما أخرجه ابن أبي شَيْبة (١/ ٦٦) من
طريق هلال بن يساف أحد التابعين قال: كان يقال: من الوضوء إسراف ولو كنت على شاطئ
(١) انظر التعليق على الحديث (٦٦٨٤) من ((مسند الإمام أحمد)).

٤٨٩
باب ١
كتاب الوضوء
نَهَر. وأخرج نحوه عن أبي الدَّرْداء وابن مسعود، ورُوِيَ في معناه حديث مرفوع أخرجه أحمد
(٧٠٦٥) وابن ماجَهْ (٤٢٥) بإسنادٍ لَيِّن من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص.
قوله: ((وأنْ يُجاوزوا ... )) إلى آخره، يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شَيْبة (٦٧/١) أيضاً عن
ابن مسعود قال: ليس بعد الثلاث شيء.
وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزّيادة على الثلاث. وقال ابن المبارك: لا آمَن
أنْ يأْثَم.
وقال الشافعي: لا أُحِب أنْ يزيد المتوضِّئ على ثلاث، فإنْ زاد لم أكرَهه، أي: لم ◌ُحرِّمه،
لأنَّ قوله: ((لا أُحِب)) يقتضى الكراهة، وهذا الأصح عند الشافعيّة أنه مكروه كراهة تنزيه.
وحكى الدّارميُّ منهم عن قوم أنَّ الزّيادة على الثلاث تُبْطِل الوضوء كالزِّيادة في الصلاة،
وهو قياس فاسد، ويلزم من القول بتحريم الزّيادة على الثلاث أو كراهتها أنه لا يُندَب
تجديد الوضوء على الإطلاق.
واختُلِفَ عند الشافعيَّة في القَيْد الذي يَمتَنع منه حُكْم الزّيادة على الثلاث، فالأصح إنْ
صَلَّى به فرضاً أو نَفْلاً، وقيل: الفرض فقط، وقيل: مثله حتَّى سَجْدة التِّلاوة والشُّكْر
ومَس المُصحَّف، وقيل: ما يُقصَد له الوضوء وهو أعم، وقيل: إذا وَقَعَ الفصل بزمنٍ
يُحْتَمل في مثله نَقْض الوضوء عادةً، وعند بعض الحنفيّة أنه راجع إلى الاعتقاد، فإنِ اعتَقَّدَ
أنَّ الزّيادة على الثلاث سُنّة، أخطأَ ودَخَلَ في الوعيد، وإلا فلا يُشترَط للتحديد شيءٌ بل لو
زاد الرابعة وغيرها لا لَوْم، ولا سيَّما إذا قَصَدَ به القُرْبة للحديث الوارد: «الوضوء على
الوضوء نور))(١). قلت: وهو حديث ضعيف، ولعلَّ المصنّف أشار إلى هذه الرواية، وسيأتي
بَسْط ذلك في أوَّل تفسير المائدة (٤٦٠٧) إن شاء الله تعالى.
ويُستَثَنَى من ذلك ما لو عَلِمَ أنه بَقيَ من العُضْو شيء لم يُصِبْه الماء في المرات أو بعضها
(١) قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (١٢٦٤): ذكره الغزالي في ((الإحياء)) فقال مخرِّجه: لم أقف عليه، وسبقه
لذلك المنذري، وأما شیخنا (یعني ابن حجر) فقال: إنه حديث ضعيف، رواه رزین في «مسنده)).

٤٩٠
باب ٢ / ح ١٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
فإِنَّه يَغسِل موضعه فقط، وأمَّا مع الشَّك الطارئ بعد الفراغ فلا، لئلا يَؤُولَ به الحال إلى
الوَسْواس المذموم.
٢ - باب لا تُقبَل صلاةٌ بغير طُهور
١٣٥ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا مَعمَرٌ،
عن همَّام بنِ مُنَبِّهِ، أَنَّه سَمِعَ أبا هُرَيرةً، يقول: قال رسولُ اللهِ وَيِ: ((لا تُقبَلُ صلاةُ مَن أَحدَثَ
حتَّى يتوضَّأَ). قال رجلٌ من حَضْرَمَوْتَ: ما الحَدَثُ يا أبا هريرةَ؟ قال: فُساءٌ أو ضُراطٌ.
[طرفه في: ٦٩٥٤]
قوله: ((باب لا تُقْبَل صلاة بغير طُهور)) هو بضمِّ الطاء المهمَلة، والمراد به ما هو أعم من الوضوء
والغُسْل. وهذه الترجمة لفظ حديث رواه مسلم (٢٢٤) وغيره من حديث ابن عمر، وأبو داود
(٥٩) وغيره من طريق أبي المَلِيح بن أُسامة عن أبيه، وله طرق كثيرة لكن ليس فيها شيء على
شرط البخاري، فلهذا اقتصر على ذِكْره في الترجمة وأورد في الباب ما يقوم مَقَامه.
قوله: ((لا تُقبَل)) كذا في روايتنا بالضم على البناء لما لم يُسمَّ فاعله، وأخرجه المصنّف في
ترك الحِيَل (٦٩٥٤) عن إسحاق بن نصر، وأبو داود (٦٠) عن أحمد بن حنبل، كلاهما عن
عبد الرزاق بلفظ: ((لا يَقْبَل الله)).
٢٣٥/١
والمراد بالقَبُول/ هنا: ما يُرادِف الصِّحّة وهو الإجزاء، وحقيقة القَبُول ثَمَرة وقوع الطاعة
مُجْزِئة رافعة لما في الذِّمّة. ولمَّا كان الإتيان بشروطِها مَظِنّة الإجزاء الذي القَبُول ثَمرتُه، عَبَّر
عنه بالقَبُول ◌َجازاً، وأمَّا القَبُول المنفيُّ في مِثل قوله ◌َ الَ: ((مَن أتى عَرَّافاً لم تُقْبَل له صلاةٌ)(١) فهو
الحقيقي، لأنه قد يصحُّ العمل ويَتَخلَّف القَبُول لمانع، ولهذا كان بعض السَّلَف يقول: لَأَنْ
تُقْبَل لي صلاة واحدة أحبُّ إليَّ من جميع الدنيا، قاله ابن عمر، قال: لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا
يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
قوله: ((أحدَثَ)) أي: وُجِدَ منه الحَدَث، والمراد به الخارج من أحد السَّبيلَين، وإنَّما فسَّرَه
(١) أخرجه مسلم (٢٢٣٠) من حديث بعض أزواج النبي ◌َّ.

٤٩١
باب ٣ / ح ١٣٦
كتاب الوضوء
أبو هريرة بأخص من ذلك تنبيهاً بالأخَفِّ على الأغلَظ، ولأنهما قد يقعان في أثناء الصلاة
أكثر من غيرهما، وأمَّا باقي الأحداث المختلف فيها بين العلماء، كمَسِ الذَّكَر، ولمس المرأة
والقَيْء مِلْء الفم، والحِجامة، فلعلَّ أبا هريرة كان لا يرى النَّقْض بشيءٍ منها، وعليه مشى
المصنِّف كما سيأتي في ((باب مَن لم يَرَ الوضوء إلَّا من المخرَجَين)» (١٧٦).
وقيل: إنَّ أبا هريرة إنما اقتصر في الجواب على ما ذُكِرَ، لعِلْمه أنَّ السائل كان يعلم ما
عدا ذلك، وفيه بُعْد.
واستدلَّ بالحديث على بُطْلان الصلاة بالحَدَثِ، سواء كان خروجه اختياريّاً أم
اضطراريّاً، وعلى أنَّ الوضوء لا يجب لكلِّ صلاة، لأنَّ القَبُول انتفى إلى غاية الوضوء، وما
بعدها مخالف لما قبلها، فاقتضى ذلك قَبُول الصلاة بعد الوضوء مُطلَقاً.
قوله: ((يتوضَّأ)) أي: بالماء أو ما يقوم مَقَامه، وقد روى النَّسائيُّ (٣٢٢) بإسنادٍ قوي عن
أبي ذرِّ مرفوعاً: ((الصعيد الطَّيِّب وَضُوء المسلم))(١)، فأطلق الشارع على التيمُم أنه وضوء
لكَوْنه قام مَقَامه، ولا يخفى أنَّ المراد بقَبُولٍ صلاة مَن كان مُحدِثاً فَتَوضَّأ، أي: مع باقي
شروط الصلاة، والله أعلم.
٣- باب فضل الوضوء، والغُرُّ المحجَّلون من آثار الوضوء
١٣٦ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، قال: حدَّثنا اللّيثُ، عن خالدٍ، عن سعيد بنِ أبي هِلالٍ، عن
نُعيم المُجمِر، قال: رَقِيتُ معَ أبي هُرَيرة على ظَهْرِ المسجدِ، فتوضَّأ فقال: إني سمعتُ النبيَّ ◌ِله
يقول: ((إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يومَ القيامة، غُرّاً مُحجَّلِينَ من آثار الوُضُوء، فمَنِ استطاعَ مِنكُمْ أنْ
يُطِيلَ غُرَّتَه فَلْيَفْعَلْ)).
قوله: ((باب فضل الوضوء، والغُرُّ المحجَّلونَ)) كذا في أكثر الرِّوايات بالرفع، وهو على
(١) في إسناده عمرو بن بجدان، قال الحافظ نفسه عنه: تفرد عنه أبو قلابة، لا يُعرف حاله. وانظر التعليق
على ((صحيح ابن حبان)) عند هذا الحديث (١٣١١)، وأخرج الحديث أيضاً أحمد (٢١٣٧١)، وأبو داود
(٣٣٢)، والترمذي (١٢٤) وقال: حسن صحيح. وهو كما قال.

٤٩٢
باب ٣ / ح ١٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
سبيل الحكاية لما وَرَدَ في بعض طرق الحديث: ((أنتم الغُرُّ المحجَّلونَ)) وهو عند مسلم
(٢٤٦)، أو الواو استئنافيَّة و ((الغُر المحجَّلون)) مُبتدَأ وخَبَرَه محذوف تقديره: لهم فضل، أو
الخبر قوله: ((من آثار الوضوء))، وفي رواية المُستَمْلي: ((والغُرِّ المحجَّينَ)) بالعَطْفِ على
الوضوءِ، أي: وفَضْل الغُرِّ المحجَّلین، کما صَرَّحَ به الأصيلي في روايته.
قوله: ((عن خالد)» هو ابن يزيد الإسكندراني أحد الفقهاء الثُّقات، وروایته عن سعید
ابن أبي هلال من باب رواية الأقران.
قوله: ((عن نُعيم المُجمِر)) بضم الميم وإسكان الجيم: هو ابن عبد الله المدني، وُصِفَ هو
وأبوه بذلك لكَوْنهما كانا يُبَخِّران مسجد النبي وَ له. وزَعَمَ بعض العلماء أنَّ وصف عبد الله
بذلك حقيقة ووصف ابنه نُعيم بذلك مَجَاز، وفيه نَظَر، فقد جزم إبراهيم الحربي بأنَّ نُعيماً
کان يباشر ذلك.
ورجال هذا الإسناد السِّتّة نصفهم مِصرتُّون، وهم الليث وشيخه والراوي عنه،
والنّصْف الآخر مدنُّون.
قوله: ((رَقِيتُ)) بفتح الراء وكسر القاف، أي: صَعِدْت.
قوله: ((فتَوضَّأ)) كذا لجمهور الرُّواة، وللكُشْمِيهَنيّ: ((يوماً)) بدل قوله: ((فتَوضَّأ) وهو
تصحيف، وقد رواه الإسماعيلي وغيره من الوجه الذي أخرجه منه البخاري بلفظ:
(تَوضَّأ)» وزاد الإسماعيلي فيه: ((فغَسَلَ وجهه ويديه فرفع في عَضُدَيْه، وغَسَلَ رِجْلیه فرفع
٢٣٦/١ في ساقَيْه)) وكذا/ لمسلم (٣٥/٢٤٦) من طريق عَمْرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال
نحوه، ومن طريق عُمارة بن غَزِيَّة عن نُعيم (٣٤/٢٤٦) وزاد في هذه: أنَّ أبا هريرة قال:
((هكذا رأيت رسول الله وَال﴿ يتوضَّأ)) فأفاد رفعَه، وفيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ ذلك من رأي
أبي هريرة، بل من روايته ورأيه معاً.
قوله: (أُمني)) أي: أُمّة الإجابة وهم المسلمون، وقد تُطلَق أُمّة محمد ويُراد بها أُمّة
الدَّعْوة، وليست مرادة هنا.

٤٩٣
باب ٣ / ح ١٣٦
كتاب الوضوء
قوله: ((يُدْعَوْنَ)) بضم أوَّله، أي: يُنادَوْنَ أو يُسمَّوْن.
قوله: ((غُرّا) بضم المُعجَّمة وتشديد الراء جمع: أغّ، أي: ذو غُرّة، وأصل الغُرَة لَمْعةٌ بيضاء
تكون في جَبْهة الفَرَس، ثمّ استُعمِلَتْ في الجمال والشُّهْرة وطِيب الذِّكْر، والمراد بها هنا: النّور
الكائن في وجوه أُمّ محمد ◌َِّ، و(غُرا)) منصوب على المفعوليَّةِ ليُدْعَوْنَ، أو على الحال، أي: أنهم
إذا دُعوا على رؤوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف وكانوا على هذه الصِّفة.
قوله: ((مُجَّينَ)) بالمهمَلة والجيم من التَّحْجيل: وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من
قوائم الفَرَس، وأصله من الحِجْل بكسر المهمَلة: وهو الخَلْخال، والمراد به هنا أيضاً النّور.
واستدلَّ الحَلِيمي بهذا الحديث على أنَّ الوضوء من خصائص هذه الأُمّة، وفيه نَظَر لأنه
ثبت عند المصنِّف (٢٢١٧) في قِصّة سارة رضي الله عنها مع الملك الذي أعطاها هاجَرَ: أنَّ
سارة لمَّا هَمَّ الملك بالدُّنوِّ منها قامت تَتَوضَّأ وتُصلِّ، وفي قِصّة جُرَيج الراهب أيضاً(١): أنه
قام فتَوضَّأ وصَلَّى ثمَّ كلَّمَ الغُلام، فالظاهر أنَّ الذي اختَصَّتْ به هذه الأُمّة هو الغُرّة
والتحجيل لا أصل الوضوء، وقد صُرِّحَ بذلك في رواية لمسلمٍ (٢٤٧) عن أبي هريرة أيضاً
مرفوعاً قال: «سِیمَا لیست لأحدٍ غیرکم)، وله (٢٤٨) من حديث حُذيفة نحوه. و(اسِیما))
بكسر المهمَلة وإسكان الياء الأخيرة، أي: عَلَامة.
وقد اعتَرَضَ بعضهم على الخلیمي بحديث: «هذا وُضوئي ووضوء الأنبياء قبلي)» وهو
حديث ضعيف كما تقدَّم لا يصح الاحتجاج به لضعفِه(٢)، ولاحتمال أنْ يكون الوضوء من
خصائص الأنبياء دون أُعمهم إلَّ هذه الأُمّة.
قوله: ((من آثار الوضوء)) بضم الواو، ويجوز فتحها على أنه الماء، قاله ابن دقيق العيد.
قوله: ((فمَن استَطاعٍ مِنكُمْ أنْ يُطيل غُرَّته فليفعل)) أي: فلْيُطِلِ الغُرّة والتَّحْجيل. واقتصر
(١) ستأتي عند المصنف برقم (٢٤٨٢).
(٢) أخرجه أحمد (٥٧٣٥) من حديث ابن عمر، وابن ماجه (٤٢٠) من حديث أبي بن كعب، وكلاهما
ضعيف لا يصح.

٤٩٤
باب ٣ / ح ١٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
على إحداهما لدلالتِها على الأُخرى نحو ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، واقتصر
على ذِكْر الغُرّة وهي مؤنَّئة دون التَّحْجيل وهو مذكَّر، لأنَّ مَحَلَّ الغُرّة أشرف أعضاء
الوضوء، وأوَّل ما يقع عليه النَّظَر من الإنسان، على أنَّ في رواية مسلم (٣٤/٢٤٦) من
طريق عمارة بن غَزْيَّة ذِكْر الأمرين، ولفظه: ((فلْيُطِلْ غُرَّته وتَحْجيله)).
وقال ابن بَطَّل: كنَّى أبو هريرة بالغُرّة عن التحجيل لأنَّ الوجه لا سبيل إلى الزِّيادة في
غسله. وفيما قال نَظَر، لأنه يستلزم قلب اللُّغة، وما نفاه ممنوع، لأنَّ الإطالة مُمكِنة في الوجه
بأنْ يَغسِل إلى صَفْحة العُنُقَ مثلاً. ونقل الرافعي عن بعضهم أنَّ الغُرّة تُطلَق على كُلٌّ من
الغُرّة والتَّحْجيل.
ثمَّ إنَّ ظاهره أنه بقيَّة الحديث، لكن رواه أحمد (٨٤١٣١) من طريق فُليح عن نُعيم وفي
آخره: قال نُعيم: لا أدري قوله: ((مَن استَطاع ... )) إلى آخره، من قول النبيِّ وَلّ أو من قول
أبي هريرة؟ ولم أرَ هذه الجملة في رواية أحد ممَّن روى هذا الحديث من الصحابة وهم
عشرة، ولا تَمَّن رواه عن أبي هريرة غير رواية نُعيم هذه، والله أعلم(١).
واختلفَ العلماء في القَدْر المستَحَب من التطويل في التحجيل، فقيل: إلى المنكِب
والرُّكْبة، وقد ثبت عن أبي هريرة روايةً ورأياً(٣)، وعن ابن عمر من فعله أخرجه ابن أبي
شَيْبة وأبو عُبيد بإسنادٍ حسن(٣).
وقيل: المستَحَب الزِّيادة إلى نصف العَضُد والساق، وقيل: إلى فوق ذلك. وقال ابن
بَطَّال وطائفة من المالكيَّة: لا تُسْتَحَب الزّيادة على الكَعْب والمِرْفَق لقوله وَّ: ((مَن زاد على
هذا فقد أساءَ وظَلَمَ))، وكلامهم مُعتَرَض من وجوه، ورواية مسلم (٢٤٦) صريحة في
الاستحباب، فلا تعارض بالاحتمال.
(١) قلنا: بل روي هكذا من حديث كعب المدني عن أبي هريرة كما عند أحمد في ((المسند)) (٨٧٤١)، لكن
إسناده ضعيف.
(٢) انظر تخريج هذه الطرق في ((المسند)) عند الحديث (٨٤١٣).
(٣) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١ / ٥٥، وأبو عبيد في ((الطهور)) (٢٤).

٤٩٥
باب ٤ / ح ١٣٧
كتاب الوضوء
وأمَّا دعواهم اتّفاق العلماء على خِلاف مذهب أبي هريرة في ذلك، فهي مردودة بما نقلْناه
عن ابن عمر، وقد صَرَّحَ باستحبابه جماعة من السَّلَف وأكثر الشافعيَّة والحنفيَّة.
وأمَّا / تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء، فمُعتَرَض بأنَّ الراوي أدرَى ٢٣٧/١
بمعنی ما روی، کیف وقد صرَّحَ برفعہ إلی الشارع ێ.
وفي الحديث معنى ما تَرجَمَ له من فضل الوضوء، لأنَّ الفضل الحاصل بالغُرّة والتحجيل
من آثار الزِّيادة على الواجب، فكيف الظَّن بالواجبِ؟ وقد وَرَدَتْ فيه أحاديث صحيحة
صريحة أخرجها مسلم وغيره، وفيه جواز الوضوء على ظَهْر المسجد لكن إذا لم يَحَصُل منه أذًى
للمسجد أو لمن فیه، والله أعلم.
٤- بابٌ لا یتوضّأ من الشِّ حتی یستیقِن
١٣٧ - حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن سعيدِ بنِ المسيّب، وعن
عَبَّادِ بنِ تَميم، عن عَمِّه: أنَّه شَكَا إلى رسولِ اللهِ وَّهِ الرجلُ الذي يُخِيَّلُ إليه أنَّه يجدُ الشيءَ في
الصلاةِ، فقال: ((لا يَنْفَتِلْ - أو لا يَنصِرِفْ - حتَّى يسمعَ صَوْتاً أو يجدَ رِيحاً)).
[طرفاه في: ١٧٧، ٢٠٥٦]
قوله: ((بابٌ)) بالتنوين ((لا يتوضَّأ)) بفتح أوَّله على البناء للفاعل.
قوله: ((من الشَّك)) أي: بسبب الشَّك.
قوله: ((حدَّثنا علي)) هو ابن عبد الله المديني، وسفيان: هو ابن عُيَينة.
قوله: ((وعن عَبَّاد)) هو معطوف على قوله: ((عن سعيد بن المسيِّب))، وسقطت الواو من
رواية كَرِيمة غلطاً، لأنَّ سعيداً لا رواية له عن عَبَّاد أصلاً، ثمَّ إنَّ شيخ سعيد فيه يَحْتَمِل أنْ
يكون عَمَّ عَبَّد كأنه قال: كلاهما عن عمّه، أي: عَمِّ الثاني وهو عَبَّاد، ويَحَتَمِل أنْ يكون
محذوفاً ويكونَ من مراسيل ابن المسيِّب، وعلى الأوَّل جَرَى صاحب ((الأطراف))، ويُؤيِّد
الثاني رواية مَعمَر لهذا الحديث عن الزُّهْري عن ابن المسيِّب عن أبي سعيد الخُدْريِّ،
أخرجه ابن ماجَهْ (٥١٤)، ورواته ثقات، لكن سُئِلَ أحمد عنه فقال: إنَّه مُنكَر.

٤٩٦
باب ٤ / ح ١٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن عَمّه)) هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري، سمَّه مسلم (٣٦١)
وغيره في روايتهم لهذا الحديث من طريق ابن عُيَينة، واختُلِفَ هل هو عَم عَبَّاد لأبيه
أو لأُمُّه.
قوله: ((أنه شكا)) كذا في روايتنا ((شكا)» بألفٍ، ومُقتَضاه أنَّ الراوي هو الشاكي،
وصَرَّحَ بذلك ابن خُزَيمة (٢٥) عن عبد الجبّار بن العلاء عن سفيان، ولفظه: عن عمّه
عبد الله بن زيد قال: سألتُ رسول الله وَ له عن الرجل.
ووَقَعَ في بعض الرّوايات: ((شُكيَ)) بضمٍّ أوَّله على البناء للمفعول، وعلى هذا فالهاء في
((أنه)) ضمير الشَّأْن. ووَقَعَ في مسلم (٣٦١): ((شُكِيَ)) بالضم أيضاً كما ضَبَطَه النَّووي،
وقال: لم يُسمَّ الشاكي، قال: وجاءَ في رواية البخاري أنه الراوي. قال: ولا ينبغي أنْ يُتَوهَّم
من هذا أنَّ(شكا)) بالفتح. أي: في رواية مسلم، وإنَّما نَبَّهت على هذا لأنَّ بعض الناس قال:
إنَّه لم يَظْهر له كلام النَّووي.
قوله: (الرجلُ)) بالضم على الحكاية. وهو وما بعده في موضع النصب.
قوله: ((يُخْيَّل)) بضم أوَّله وفتح المعجمة وتشديد الياء الأخيرة المفتوحة، وأصله من
الخَيَال، والمعنى: يظن، والظَّن هنا أعم من تساوي الاحتمالَينِ أو ترجيح أحدهما على ما
هو أصل اللُّغة من أنَّ الظَّن خِلاف اليقين.
قوله: ((يجد الشيءَ)) أي: الحَدَث خارجاً منه، وصَرَّحَ به الإسماعيلي ولفظه: ((يُحيَّل إليه
في صلاته أنه يَخْرُج منه شيء)»، وفيه العُدول عن ذِكْر الشيء المُستَقِذَر بخاصّ اسمه إلَّا
للضَّرورة.
٢٣٨/١
قوله: ((في الصلاة)) تَسَّكَ بعض المالكيَّة بظاهره فخَصّوا الحُكْم/ بمَن كان داخل الصلاة،
وأوجَبوا الوضوء على مَن كان خارجها، وفَرَّقوا بالنهي عن إبطال العبادة، والنهي عن إبطال
العبادة مُتوقِّف على صِحَّتها، فلا معنى للتَّفْريق بذلك، لأنَّ هذا التخيُّل إنْ كان ناقضاً خارج
الصلاة فينبغي أنْ يكون كذلك فيها كبقيّة النَّواقِض.

٤٩٧
باب ٤ / ح ١٣٧
كتاب الوضوء
قوله: ((لا يَنْفَتِلْ)) بالجَزْم على النهي، ويجوز الرفع على أنَّ(لا)) نافية.
قوله: ((أو لا ينصرفْ)) هو شك من الراوي، وكأنه من علي، لأنَّ الرُّواة غيره رَوَوْء عن
سفيان بلفظ: ((لا يتصرف)) من غير شك.
قوله: «صَوْتاً» أي: من ◌َرَجه.
قوله: ((أو يجد))، ((أو)) للتَّنْويع، وعَبَّر بالوِجْدان دون الشَّم ليشمل ما لو لَمَسَ المحلّ
ثمَّ شَمَّ يده، ولا حُجّة فيه لمن استدلَّ به على أنَّ لمس الدُّبُر لا يَنقُض، لأنَّ الصورة تُحمَل
على لمس ما قاربه لا عينه.
ودلَّ حديث الباب على صِحَّة الصلاة ما لم يَتَيقَّن الحَدَث، وليس المراد تخصيص هذين
الأمرينِ باليقين، لأنَّ المعنى إذا كان أوسَع من اللفظ كان الحُكْم للمعنى، قاله الخطَّبيُّ.
وقال النَّووي: هذا الحديث أصل في حُكْم بقاء الأشياء على أُصولها حتَّى يُتَقَّن خلافُ
ذلك، ولا يَضُر الشَّك الطارئ عليها. وأخذ بهذا الحديث جمهور العلماء، ورُوِيَ عن مالك
النَّقْض مُطلَقاً، ورُوِيَ عنه النَّقْض خارج الصلاة دون داخلها، ورُوِيَ هذا التفصيل عن
الحسن البصري، والأوَّل مشهور مذهب مالك، قاله القُرْطبي، وهو رواية ابن القاسم عنه،
وروى ابن نافع عنه: لا وضوء عليه مُطلَقاً كقول الجمهور، وروى ابن وَهْب عنه: أَحبُّ
إليَّ أنْ يتوضَّأ. ورواية التفصيل لم تَنْبُت عنه وإنَّما هي لأصحابه.
وحمل بعضهم الحديث على مَن كان به وَسْواس، وتَسَّكَ بأنَّ الشَّكْوى لا تكون إلَّا
عن عِلّة، وأُجيبَ بما دلَّ على التعميم، وهو حديث أبي هريرة عند مسلم (٣٦٢) ولفظه:
((إذا وَجَدَ أحدُكم في بَطْنه شيئاً فأشكَلَ عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يَخْرُجَنَّ من المسجد
حتَّى يسمعَ صوتاً أو يجدَ ريحاً))، وقوله: ((فلا يَخْرُ جَنَّ من المسجد)) أي: من الصلاة، وصَرَّحَ
بذلك أبو داود في روايته (١٧٧).
وقال العراقي: ما ذهب إليه مالك راجح، لأنه احتاطَ للصلاة وهي مَقصِد، وألْغَى
الشَّك في السبب المُؤْرِئ، وغيره احتاط للطّهارة وهي وسيلة، وألْغَى الشَّك في الحَدَث

٤٩٨
باب ٥ / ح ١٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
الناقض لها، والاحتياط للمَقَاصدِ أَولى من الاحتياط للوسائل. وجوابه: أنَّ ذلك من حيثُ
النَّظَر قوي، لكنَّه مُغاير لمدلولِ الحديث، لأنه أمَرَ بعدم الانصراف إلى أنْ يَتَحقَّق.
وقال الخطَّبيُّ: يُستَدل به لمن أوجَبَ الحدَّ على مَن وُجِدَ منه ريح الخمر، لأنه اعتبر
وِجْدان الرّيحِ ورَتَّبَ عليه الْحُكْم، ويُمكِنِ الفَرْق بأنَّ الحدود تُدْرَأ بالشُّبْهة، والشُّبْهة هنا
قائمة، بخلاف الأوَّل فإنَّه مُتحقّق.
٥- باب التخفيف في الوضوء
١٣٨ - حذَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرٍو، قال: أخبرني كُرِيبٌ، عن
ابن عبّاس: أنَّالنبيَّوَّنَامَ حتَّى نَفَخَ، ثمَّ صَلَّى. ورُبَّا قال: اضطَجَعَ حتَّى نَفَخَ، ثمَّ قام فصَلَّى.
ثَّ حدَّثنا به سفيانُ مَرّةً بعدَ مَّةٍ عن عَمْرٍو، عن كُرَيبٍ، عن ابن عبّاس قال: بِتُّ عند خالَتي
ميمونةَ ليلةً، فقام النبيُّ وٍَّ مِن الليل، فلمَّا كان في بعضِ الليلِ قام النبيُّ ◌َ ◌ّهِ فتوضَّأ من شَنِّ
مُعلَّقٍ وُضُوءاً خَفِيفاً - يُخْفِّفُه عَمْرٌو ويُقلِّلُه - وقام يُصلّى فتوضَّأْتُ نَحْواً مَّ توضَّأ، ثمَّ جِئْتُ
فقُمْتُ عن يسارِهِ - ورُبَّما قال سفيانُ: عن شِماله - فحَوَّلَني فجَعَلَني عن يَمِينِهِ، ثمَّ صَلَّى ما شاءَ
الله، ثمَّ اضطَجَعَ فنامَ حتَّى نَفَخَ، ثمَّ أتاه المُنادِي فَاذَنَهُ بالصلاةِ، فقامَ معه إلى الصلاةِ فصَلَّى ولم
يتوضَّأْ.
قلنا لعَمْرِو: إنَّ ناساً يقولون: إنَّ رسولَ الله وَّه تنامُ عينُهُ ولا ينامُ قلبُهُ! قال عَمْرٌو:
٢٣٩/١ سمعتُ عُبيدَ بنَ عُمَيرٍ / يقول: رُؤْيا الأنبياءِ وَحْيٌّ، ثمَّ قَرَأ: ﴿ إِّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾
[الصافات: ١٠٢].
قوله: ((باب التَّخْفيف في الوضوء)» أي: جواز التخفيف.
قوله: ((سفيان)) هو ابن عُيَينة، وعَمْرو: هو ابن دينار المكِّي لا البصري، وكُرَيب
- بالتصغير - من الأسماء المفرَدة في ((الصحيحين))، ورجالُ الإسناد مَكِّيّون، سوى عليٍّ
وقد أقام بها مُدّة، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعي: عَمْرو عن كُرَيب.

٤٩٩
باب ٥/ ح ١٣٨
كتاب الوضوء
قوله: ((ورُبَّما قال: اضطَجَعَ)) أي: كان سفيان يقول تارة: نامَ، وتارة: اضطَجَع، وليسا
مُترادِفَينِ بل بينهما عموم وخصوص من وجه، لكنَّه لم يُرِدْ إقامة أحدهما مَقَام الآخر، بل
كان إذا روى الحديث مُطوَّلاً قال: ((اضطَجَعَ فنامَ)) كما سيأتي، وإذا اختصره قال: ((نامَ))
أي: مُضْطَجِعاً، أو ((اضطَجَعَ)) أي: نائماً.
قوله: ((ثمَّ حدَّثَنا) يعني أنَّ سفيان كان يُحدِّثهم به مُختصَراً ثمَّ صارَ يُحدِّثهم به مُطوَّلاً.
قوله: ((ليلة فقامَ)) كذا للأكثر، ولابن السَّكن: ((فنامَ)) بالنّون بدل القاف، وصَوَّبَها القاضي
عِيَاض لأجلِ قوله بعد ذلك: ((فلمَّا كان في بعض الليل قامَ)) انتهى. ولا ينبغي الجَزْم
بخَطَئِها، لأنَّ توجيهها ظاهر، وهو أنَّ الفاء في قوله: ((فلمَّا)) تفصيليَّة، فالجملة الثانية وإنْ
كان مضمونها مضمون الأولى، لكنَّ المغايرة بينهما بالإجمال والتفصيل.
قوله: «فلمّا کان» أي: رسول الله ێے «في بعض الليل)) وللگُشْمِیھَني: ((من)) بدل: في،
فيَحتَمِل أنْ تكون بمعناها ويَحَتَمِل أنْ تكون زائدة و((كان)) تامّة، أي: فلمَّا حصل بعض
الليل.
قوله: ((شَرٌّ)) بفتح المعجَمة وتشديد النّون، أي: القِرْبة العَتيقة.
قوله: ((مُعلَّق)) ذُكِّرَ على إرادة الجِلْد أو الوعاء، وقد أخرجه بعد أبواب (١٨٣) بلفظ:
(مُعلَّقة)).
قوله: ((يُقِّفه عَمْرو ويُقلِّله)) أي: يَصِفه بالتخفيف والتقليل، وقال ابن المنيِر: ((يُحُفِّقه)»
أي: لا يُكثِرِ الدَّلْك، و((يُقلِّله)) أي: لا يزيد على مَرّة مرّة. قال: وفيه دليل على إيجاب
الدَّلْك، لأنه لو كان يُمكِن اختصاره لاختصره، لكنَّه لم يخْتَصِرِه. انتهى، وهي دعوى
مردودة، فإنَّه ليس في الخبر ما يقتضي الدَّلْك، بل الاقتصار على سَيَلان الماء على العُضْو
أخَفُّ من قليل الدَّلْك.
قوله: ((نحواً ممَّا تَوضَّأ)) قال الكِرْمانيُّ: لم يقل: مِثلاً، لأنَّ حقيقة مُماثَلَتِهِ وَ لا يَقْدِر
علیها غيره. انتهى.

٥٠٠
باب ٦ / ح ١٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقد ثبت في هذا الحديث كما سيأتي بعد أبواب (١٨٣): ((فقُمْت فصَنَعْت مِثل ما
صنع)) ولا يلزم من إطلاق المثليَّة المساواة من كل جهة.
قوله: ((فَذَنه)) بالمدّ، أي: أعلمه، وللمُستَمْلي: فناداه.
قوله: ((فصَلَّى ولم يتوضَّأ)) فيه دليل على أنَّ النوم ليس حَدَثاً بل مَظِنَّة الحَدَث، لأنّه وَه
كان تنام عينُه ولا ينام قلبه، فلو أحدَثَ لعَلِمَ بذلك، ولهذا كان رُبَّما تَوضَّأ إذا قام من النوم
ورُبَّما لم يتوضَّأ، قال الخطّبيُّ: وإنَّما مُنِعَ قلبُه النوم ليَعِيَ الوحي الذي يأتيه في منامه.
قوله: ((قلنا)) القائل سفيان، والحديث المذكور صحيح كما سيأتي (١١٤٧) من وجه آخر،
وعُبيد بن عُمَير من كِبَار التابعين، ولأبيه عُمَير بن قتادة صُحْبة.
وقوله: ((رُؤْيا الأنبياء وَخْي)) رواه مسلم مرفوعاً (١). وسيأتي في التوحيد (٧٥١٧) من
رواية شریك عن أنس.
ووجه الاستدلال بما تلاه من جهة أنَّ الرُّؤْيا لو لم تكنْ وَحْياً، لَمَا جازَ لإبراهيم عليه
الصلاة والسلام الإقدامُ علی ذَبح ولده.
وأغربَ الدَّاوودي الشارح فقال: قول عُبيد بن عُمَير لا تعلَّق له بهذا الباب. وهذا
إلزام منه للبخاريِّ بأنْ لا يَذكُر من الحديث إلَّا ما يتعلَّق بالترجمة فقط، ولم يشترط ذلك
أحد، وإنْ أراد أنه لا يتعلَّق بحديث الباب أصلاً فممنوع، والله أعلم. وسيأتي بقيّة
مباحث هذا الحديث في كتاب الوِتْر من كتاب الصلاة (٩٩٢) إن شاء الله تعالى.
٦ - باب إسباغ الوضوء
وقال ابنُ عَمَر: إسباغُ الوضوءِ الإنقاءُ.
١٣٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلمَةَ، عن مالكِ، عن موسى بنِ عُقْبَةَ، عن ◌ُریبٍ مولى ابن
(١) الحديث لم يخرجه مسلم، وعزوه إليه ذهول من الحافظ رحمه الله، وإنما أخرجه مرفوعاً ابن أبي حاتم في
(تفسيره)) - كما في ((تفسير ابن كثير)) ٢٧،٢٨/٧ - وسنده ضعيف، وأخرجه ابن أبي عاصم في ((السنة))
(٤٦٣)، والطبراني (١٢٣٠٢)، والحاكم ٢/ ٤٣١ عن ابن عباس موقوفاً، وسنده حسن.