النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١
باب ٦ / ح ٦٣
كتاب العلم
الاعتذار بين يَدَيْ مسألته لظنِّه أنه لا يصل إلى مقصوده إلَّا بتلك المخاطبة.
وفي رواية ثابت من الزّيادة أنه سأله: ((مَن رفع السماء وبَسَطَ الأرض؟)) وغير ذلك من
المصنوعات، ثمَّ أقسَمَ عليه به أنْ يَصْدُقه عمَّا يسأل عنه، وكَرَّرَ القَسَم في كل مسألة تأكيداً
وتقريراً للأمر، ثمَّ صَرَّحَ بالتصديق، فكل ذلك دليل على حُسْن تصرُّفه وتمكُّن عقله، ولهذا
قال عمر في رواية أبي هريرة(١): ما رأيت أحداً أحسن مسألة ولا أوجَزَ من ضِمام.
قوله: ((ابنَ عبد المُطَّلِّب)) بفتح النون على النِّداء، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (يا ابن))
بإثبات حرف النِّداء.
قوله: ((فلا تَجِدْ)) أي: لا تَغْضَب. ومادّة ((وَجَدَ)» مُتَّحِدة الماضي والمضارع مُختلفة المصادر
بحَسَبِ اختلاف المعاني، يقال في الغضب: مَوجِدةً، وفي المطلوب: وجوداً، وفي الضالّة:
وِجْداناً، وفي الحُب: وَجْداً بالفتح، وفي المال: وُجْداً بالضمّ، وفي الغِنَى: جِدَةً بكسر الجيم
وتخفيف الدَّال المفتوحة على الأشهر في جميع ذلك، وقالوا أيضاً في المكتوب: وجادةً، وهي
موَّدة.
قوله: ((أنشُدك)) بفتح الهمزة وضم المعجَمة وأصله من النَّشيد: وهو رفع الصوت،
والمعنى: سألتُّك رافعاً نَشيدَتي، قاله البَغَويُّ في ((شرح السُّنّة)). وقال الجَوْهري: نَشَدْتُك
بالله، أي: سألتُك بالله، كأنَّك ذَكَّرْته فتَشَدَ، أي: تَذَكَّر.
قوله: ((آللهُ» بالمدِّ في المواضع كلّها.
قوله: ((اللهمَّ نَعَم)) الجواب حصل بنَعَم، وإنَّما ذكر ((اللهمَّ)) تَبرُّكاً بها، وكأنه استَشْهَدَ بالله
في ذلك تأكيداً لصِدْقِهِ. ووقع في رواية موسى(٢): «فقال: صَدَقْت. قال: فمَن خَلَقَ السماء؟
قال: الله. قال: فمَن / خَلَقَ الأرض والجبال؟ قال: الله. قال: فمَن جعل فيها المنافع؟ قال: الله. ١٥٢/١
(١) ذكره الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) ٤٨٧/٣، فلعله عند البغوي في ((معجمه))، فإن النسائي لم يذكره في
روایته حديث أبي هريرة (٢٠٩٤).
(٢) الآتي تخريجها في آخر الكلام على هذا الحديث.
٣٢٢
باب ٦ / ح ٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
قال: فبالذي خَلَقَ السماء وخَلَقَ الأرض ونَصَبَ الجبال وجعل فيها المنافع، اللهُ أرسَلَك؟
قال: نَعَم» وکذا هو في رواية مسلم (١٢).
قوله: ((أنْ تُصلِی)) بتاءِ المخاطَب فیه وفیما بعده. ووقع عند الأصِيلي بالنون فيها، قال
القاضي عِيَاض: هو أوجه. ويؤيِّده رواية ثابت بلفظ: ((إنَّ علينا خمس صَلَوات في يومنا
وليلَتنا)) وساق البقيَّة كذلك، وتوجيه الأوَّل أنَّ كل ما وَجَبَ عليه وَجَبَ على أُمَّته حتَّى
يقوم دليل الاختصاص. ووقع في رواية الكُشْمِيهَني والسَّرَخْسي: ((الصلاة الخمس» بالإفراد
على إرادة الجنس.
قوله: ((أنْ تأْخُذ هذه الصدقة)) قال ابن التِّين: فيه دليل على أنَّ المَرْء لا يُفرِّق صَدَقَته
بنَفْسِه. قلت: وفيه نظر.
وقوله: ((على فُقرائنا)) خرج ◌َخَرَج الأغلَب، لأنهم مُعظَم أهل الصدقة.
قوله: ((آمَنْت بما جِئْتَ به)) يحتمل أنْ يكون إخباراً، وهو اختيار البخاري، ورَجَّحَه
القاضي عِيَاض، وأنه حَضَرَ بعد إسلامه مُستَئبِتاً من الرسول وَلي ما أخبره به رسوله إليهم،
لأنه قال في حديث ثابت عن أنس عند مسلم (١٢) وغيره: ((فإنَّ رسولك زَعَمَ)) وقال في
رواية كُرَيب عن ابن عبَّاس عند الطبرانيّ (٨١٥٠): ((أَتَتْنا كتبك وأتَتْنا رُسُلك)). واستَنَبَطَ
منه الحاكم أصل طلب عُلوِّ الإسناد لأنه سمع ذلك من الرسول وآمَنَ وصَدَّق، ولكنَّه
أراد أنْ يسمع ذلك من رسول الله وَّ مُشافَهة.
ويحتمل أنْ يكون قوله: ((آمَنْت)) إنشاءً، وَرَجَّحَه القُرْطبي لقوله: ((زَعَمَ)) قال: والزَّعْم:
القول الذي لا يُوثَق به، قاله ابن السِّگّیت وغيره.
قلت: وفيه نظر، لأنَّ الزَّعْم يُطلَق على القول المحقَّق أيضاً كما نقله أبو عمر الزّاهد في
شرح ((فصيح)) شيخه تَعْلَب، وأكثرَ سيبويه من قوله: ((زَعَمَ الخليل)) في مقام الاحتجاج،
وقد أشرنا إلى ذلك في حديث أبي سفيان في بدء الوحي (٧). وأمَّا تبويب أبي داود عليه
(٤٨٦): ((باب المشرك يدخل المسجد)) فليس مَصيراً منه إلى أنَّ ضِماماً قَدِمَ مُشرِكاً، بل
٣٢٣
باب ٦ / ح ٦٣
كتاب العلم
وجهه أنهم تركوا شخصاً قادماً يدخل المسجد من غير استفصال.
وممّا يؤيِّد أنَّ قوله: ((آمَنْتُ)) إخبار: أنه لم يسأل عن دليل التوحيد، بل عن عموم الرِّسالة
وعن شرائع الإسلام، ولو كان إنشاءً لكان طلبَ مُعجِزة تُوجِب له التصديق، قاله الکِرْمانيُّ.
وعَكَسَه القُرْطبي فاستدلَّ به على صِحَّة إيمان المقلِّد للرسول ولو لم تَظْهَر له مُعجِزة.
وكذا أشار إليه ابن الصلاح، والله أعلم.
تنبيه: لم يُذكر الحج في رواية شريك هذه، وقد ذكره مسلم وغيره، فقال موسى في
روايته: ((وأنَّ علينا حَجَّ البيت مَن استطاع إليه سبيلاً؟ قال: صَدَقَ))، وأخرجه مسلم أيضاً
(١٢)، وهو في حديث أبي هريرة وابن عبّاس أيضاً(١).
وأغربَ ابن التِّين فقال: إنَّما لم يَذكُره لأنه لم يكن فُرِض. وكأنَّ الحامل له على ذلك ما
جزم به الواقدي ومحمد بن حَبيب أنَّ قُدوم ضِمام كان سنة خمس، فيكون قبل فرض الحج،
لكنَّه غلط من أوجٍُ:
أحدها: أنَّ في رواية مسلم: أنَّ قُدومه كان بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال
الرسول، وآية النهي في ((المائدة)) ونزولها مُتأخّر جدّاً.
ثانيها: أنَّ إرسال الرُّسُل إلى الدُّعاء إلى الإسلام إنَّما كان ابتداؤُه بعد الحُدَيْبية، ومُعظَمه
بعد فتح مگّة.
ثالثها: أنَّ في القِصَّة: أنَّ قومه أوفَدوه، وإنَّما كان مُعظَم الوُفود بعد فتح مكَّة.
رابعها: في حديث ابن عبّاس: أنَّ قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم،
ولم يدخل بنو سعد - وهو ابن بكر بن هوازِن - في الإسلام إلَّا بعد وَقْعة حُنَينٍ وكانت في
شوّال سنة ثمان كما سيأتي مشروحاً في مكانه إن شاء الله تعالى(٢).
(١) حديث أبي هريرة أخرجه النسائي في ((المجتبى)) (٢٠٩٤)، وحديث ابن عباس أخرجه أحمد في «مسنده)»
(٢٢٥٤) و(٢٣٨٠).
(٢) في كتاب المغازي: باب رقم (٥٥)، بين يدي الحديث (٤٣١٤).
٣٢٤
باب ٦ / ح ٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
فالصواب: أنَّ قُدوم ضِمام كان في سنة تسع، وبه جزم ابن إسحاق وأبو عُبيدة وغيرهما،
وغَفَلَ البدر الزَّرْكشي فقال: إنَّما لم يَذكُر الحج لأنه كان معلوماً عندهم في شريعة إبراهيم عليه
السلام. انتهى، وكأنه لم يُراجع ((صحيح مسلم)) فضلاً عن غيره.
قوله: ((وأنا رسولُ مَن ورائي))، ((مَن)) موصولة و((رسول)) مضاف إليها، ويجوز تنوينه
١٥٣/١ وكسر ((مَن)) لكن لم تأتِ به الرواية. ووقع/ في رواية كُرَيب عن ابن عبّاس عند الطبراني
(٨١٥٠): جاءَ رجل من بني سعد بن بكر إلى رسول الله وَ ل﴿ ـــ وكان مُستَرضَعاً فيهم -
فقال: أنا وافد قومي ورسولهم. وعند أحمد (٢٣٨٠) والحاكم (٥٤/٣ -٥٥): بَعَثَتْ بنو
سعد بن بكر ضِمامَ بن ثَعْلبة وافداً إلى رسول الله وَ ﴿ فَقَدِمَ علينا، فذكر الحديث. فقول ابن
عبَّاس: ((فقَدِمَ علينا» يدل على تأخّر وِفادته أيضاً، لأنَّ ابن عبَّاس إنَّمَا قَدِمَ المدينة بعد
الفتح.
وزاد مسلم (١٢) في آخر الحديث قال: ((والذي بَعَثَك بالحقِّ لا أزيد عليهنَّ ولا أنقُص.
فقال النبي ◌َّهِ: لَئِنْ صَدَقَ لَيدخلَنَّ الجنَّةُ))، وكذا هي في رواية موسى بن إسماعيل(١). ووقعت
هذه الزِّيادة في حديث ابن عبّاس، وهي الحاملة لمن سَمَّى المُبهم في حديث طلحة ضِمام بن
تَعْلبة كابن عبد البَرِّ وغيره، وقد قدَّمنا هناك أنَّ القُرْطبي مالَ إلى أنه غيره.
ووقع في رواية عُبيد الله بن عمر عن المَقْبُريّ عن أبي هريرة، التي أشرت إليها قبلُ
من الزّيادة في هذه القِصَّة: أنَّ ضِماماً قال بعد قوله: ((وأنا ضِمام بن ثَعْلبة)): فأمَّا هذه
الهَنَاة فوالله إنْ كنَّا لنَتَنَّه عنها في الجاهليَّة؛ يعني الفواحش، فلمَّا أنْ ولَّ قال النبي ◌َّ:
((فَقُّهَ الرجل))، قال: وكان عمر بن الخطّاب يقول: ما رأيت أحسن مسألة ولا أوجَزَ من
ضِمام. ووقع في آخر حديث ابن عبَّاس عند أبي داود(٢): فما سَمِعْنا بوافدٍ قوم كان أفضل
من ضِمام.
(١) سلفت قبل قليل.
(٢) أخرجه أبوداود في ((سننه)) (٤٨٧) ولم يسق لفظه بتمامه، والعبارة التي ذكرها الحافظ في حديث ابن
عباس عند أحمد في «المسند» (٢٣٨٠).
٣٢٥
باب ٦ / ح ٦٣
كتاب العلم
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: العملُ بخبر الواحد، ولا يَقدَح فيه مجيء
ضِمامٍ مُستَئِتاً لأنه قَصَدَ اللِّقاء والمُشافَهة كما تقدَّم عن الحاكم، وقد رجع ضِمام إلى قومه
وَحْدَه فصَدَّقوه وآمنوا کما وقع في حديث ابن عبّاس.
وفيه: نسبة الشَّخْص إلى جدّه إذا كان أشهرَ من أبيه، ومنه قوله { ﴿ يوم حُنَينٍ: ((أنا ابن
عبد المطَّلِب))(١). وفيه: الاستحلاف على الأمر المحقّق لزيادة التأكيد. وفيه: رواية الأقران،
لأنَّ سعيداً وشريكاً تابعيّان من درجة واحدة وهما مَدَنّان.
قوله: ((رواه موسى)) هو ابن إسماعيل أبو سَلَمَةَ التَّبُوذَكيُّ شيخ البخاري، وحديثه
موصول عند أبي عَوَانة في ((صحيحه)) (١) وعند ابن مَندَهْ في ((الإيمان)) (١٢٩)، وإنَّما عَلَّقَه
البخاري لأنه لم يَحَتَجَّ بشيخِه سليمان بن المغيرة، وقد خولفَ في وصله فرواه حمّاد بن سَلَمَةَ
عن ثابت مُرسَلاً، ورَجَّحَها الدَّارَ قُطنيُّ، وزَعَمَ بعضهم أنها عِلّة تمنع من تصحيح الحديث،
وليس كذلك، بل هي دالّة على أنَّ لحديث شريك أصلاً.
قوله: ((وعلي بن عبد الحميد) هو المَعْنيُّ، بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النون
بعدها ياء النَّسَب، وحديثه موصول عند الِّرمِذي (٦١٩) أخرجه عن البخاري عنه، وكذا
أخرجه الدّارميُّ (٦٥٠) عن علي بن عبد الحميد، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع
المعلَّق.
قوله: ((بهذا)» أي: هذا المعنى، وإلَّ فاللفظ كما بَيَّنًا مُخْتلِف، وسقطت هذه اللفظة من
رواية أبي الوَقْت وابن عساكر. والله سبحانه وتعالى أعلم.
تنبيه: وقع في النُّسْخة البغداديَّة - التي صَحَّحَها العَلامة أبو محمد بن الصَّغَاني اللُّغَوي بعد
أنْ سمعها من أصحاب أبي الوَقْت وقابلها على عِدّة نسخ وجعل لها علامات - عَقِبَ قوله:
رواه موسى وعلي بن عبد الحميد عن سليمان بن المغيرة عن ثابت، ما نَصّه: حدَّثنا موسى بن
إسماعيل، حدَّثنا سليمان بن المغيرة، حدَّثنا ثابت، عن أنس، وساق الحديث بتمامه.
(١) سيأتي برقم (٢٨٦٤) من حديث البراء.
٣٢٦
باب ٧ / ح ٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الصَّغَاني في الهامش: هذا الحديث ساقط من النُّسَخ كلِّها إلَّا في النُّشْخة التي
قُرِئَتْ على الفِرَبْري صاحب البخاري وعليها خطُّه. قلت: وكذا سقط في جميع النَّسَخ التي
وقفتُ عليها، والله تعالى أعلم بالصواب.
٧- باب ما يُذكَر في المُناوَلة
وكتابٍ أهل العلم بالعلم إلى البُلْدان
وقال أنسُ: نَسَخَ عثمانُ المصاحفَ، فَبَعَثَ بها إلى الآفاق، ورأى عبدُ الله بنُ عمرَ ویحیی بنُ
سعيدٍ ومالكٌ ذلكَ جائزاً.
واحتَجَّ بعضُ أهلِ الحجازِ في المُنَاوَلةِ بحديث النبيِّ ◌َلِّ حيثُ كتب لأميرِ السَّرِيَّة كتاباً،
١٥٤/١ وقال: ((لا تَقْرَأْه حتَّى تَبلُغَ مكانَ كذا وكذا)» فلمَّا بَلَغَ ذلكَ المكانَ قَرَأه على الناس وأخبرهم
بِأمْرِ النبيِّ ◌ََّ.
٦٤- حذَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ سَعْدٍ، عن صالحٍ، عن ابن
شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُثْبةَ بنِ مسعودٍ، أنَّ عبدَ الله بنَ عبَّاس أخبره: أنَّ
رسولَ الله ◌َّهِ بَعَثَ بكتابه رجلاً وأمَرَه أنْ يَدْفَعَه إلى عَظِيمِ البحرَين، فدَفَعَه عَظِيمُ البحرَينِ
إلى كِسَرَى، فلمَّا قَرَأْه مَزَّقَه، فحَسِبتُ أنَّ ابنَ المسيِّبِ قال: فدعا عليهم رسولُ الله ◌َفيِ أَنْ
◌ُمَزَّقُوا كلَّ تُزَّقٍ.
[أطرافه في: ٢٩٣٩، ٤٤٢٤، ٧٢٦٤]
قوله: ((باب ما يُذكَر في المُنَاوَلة)) لمَّا فَرَغَ من تقرير السَّماعِ والعَرْض أردَفَه ببقيَّة وجوه
التحمُّل المعتبَرَة عند الجمهور، فمنها المُناولة، وصورتها: أنْ يُعْطي الشيخُ الطالبَ
الكتاب فيقول له: هذا سماعي من فلان، أو هذا تصنيفي، فارْوِه عنِّي. وقد قدَّمنا (١) صورة
عَرْض المُنَاوَلة وهي إحضار الطالب الكتاب، وقد سَوَّغَ الجمهور الرواية بها، ورَدَّها مَن
رَدَّ عَرْض القراءة من باب الأَولى.
(١) في الكلام على الباب السابق.
٣٢٧
باب ٧ / ح ٦٤
كتاب العلم
قوله: ((إلى البُلْدان)) أي: إلى أهل البُلْدان. و((كتاب)) مصدر وهو مُتَعلَّق ((إلى))، وذكر
البُلْدان على سبيل المثال، وإلَّا فالحُكْم عام في القرى وغيرها.
والمُكاتبة من أقسام التحمُّل، وهي أن یکتب الشیخ حديثه بخَطِّه، أو یأْذَن لمن يثق به
بكَتْبِهِ، ويُرسِله بعد تحريره إلى الطالب، ويأْذَن له في روايته عنه، وقد سَوَّى المصنّف بينها
وبين المُناولة. ورَجَّحَ قوم المُناولة عليها لحصول المُشافَهة فيها بالإذنِ دون المُكاتَبة.
وقد جَوَّزَ جماعة من القدماء إطلاق الإخبار فيهما، والأَولى ما عليه المحقِّقون من اشتراط
بیان ذلك.
قوله: (نَسَخَ عثمان المصاحف)) هو طرف من حديث طويل يأتي الكلام عليه في فضائل
القرآن (٤٩٨٧) إن شاء الله تعالى. ودلالته على تسويغ الرواية بالمُكاتبة واضح، فإنَّ
عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف ومُخالَفة ما عداها، والمستفاد من بَعْثه
المصاحف إنَّما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيها إلى عثمان، لا أصل ثبوت القرآن، فإنَّه
متواتر عندهم.
قوله: ((ورأى عبد الله بن عُمر)) كذا في جميع نسخ الجامع ((عمر)) بضم العين، وكنت
أظنّه العمري المدني، وخَرَّجْت الأثر عنه بذلك في ((تغليق التعليق)» و کذا جزم به الکِرْمانُّ،
ثمَّ ظهر لي من قرينة تقديمه في الذِّكْر على يحيى بن سعيد أنه غير العمريِّ؛ لأنَّ يحيى أكبر
منه سِنّاً وقَدْراً، فَتَبَّعْت فلم أجده عن عبد الله بن عمر بن الخطّاب صريحاً، لكن وجدت
في كتاب ((الوصيّة)) لأبي القاسم بن مَندَهْ من طريق البخاري(١) بسندٍ له صحيح إلى أبي
عبد الرحمن الحُبُلي - بضم المهملة والموخَّدة -: أنه أتى عبد الله بكتابٍ فيه أحاديث فقال:
انظُرُ في هذا الكتاب، فما عَرَفْتَ منه اترُكْه وما لم تَعرِفه فامحُهُ .. فذكر الخبر. وهو أصل في
عَرْض المُناولة. وعبد الله يحتمل أنْ يكون هو ابن عمر بن الخطّاب، فإنَّ الحُبُلي سمع منه،
ويحتمل أن یکون ابن عمرو بن العاص، فإنَّ الحبلي مشهور بالرواية عنه.
(١) قوله: من طريق البخاري، ليس في (ع).
٣٢٨
باب ٧ / ح ٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا الأثر بذلك عن يحيى بن سعيد ومالك فأخرجه الحاكم في ((علوم الحديث)) من
طريق إسماعيل بن أبي أُوَيس قال: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: قال لي يحيى بن
سعيد الأنصاري لمَّا أراد الخروج إلى العراق: الْتَقِطْ لي مئة حدیث من حديث ابن شهاب
حتَّى أرويها عنك، قال مالك: فكتبتها ثمَّ بَعَثْتها إليه. وروى الرامَهُزْمُزي من طريق ابن أبي
أُوَيس أيضاً عن مالك في وجوه التحمُّل قال: قراءَتك على العالم، ثمَّ قراءَته وأنتَ تسمع،
ثمّ أنْ يدفع إليك کتابه فيقول: اروٍ هذا عنِّي.
قوله: ((واحتَجَّ بعض أهل الحجاز)) هذا المحتج هو الحميدي، ذکر ذلك في کتاب
((النّوادر)) له.
١٥٥/١
قوله: ((في المُناولة)) أي: في صِحَّة المُناولة، والحديث الذي أشار إليه لم يُورِده
موصولاً في هذا الكتاب، وهو صحيح، وقد وجدته من طريقين: إحداهما: مُرسَلة
ذكرها ابن إسحاق في ((المغازي)) عن يزيد بن رومان(١)، وأبو اليَمَان في نسخته عن
شعيب عن الزُّهْري، كلاهما عن عُرْوة بن الزُّبَير، والأُخرى: موصولة أخرجها الطبراني
(١٦٧٠) من حدیث ◌ُنْدُب البجلي بإسنادٍ حسن. ثمّ وجدت له شاهداً من حديث ابن
عبَّاس عند الطبري في التفسير (٢/ ٣٥٠)، فبمجموع هذه الطرق يكون صحيحاً. وأمير
السَّريَّة اسمه عبد الله بن جَخْش الأسَديِّ أخو زينب أم المؤمنين، وكان تأميره في السنة
الثانية قبل وقعة بدر.
والسَّرِيَّة، بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد الياء التَّحتانية: القِطْعة من الجيش، وكانوا
اثنَيْ عشر رجلاً من المهاجرين.
قوله: ((حتَّى تَبلُغ مكان كذا وكذا)» هكذا في حديث جُنْدُب على الإبهام. وفي رواية
عُرْوة أنه قال له: ((إذا سِرْت يومَينٍ فافتَح الكتاب. قال: ففَتَحَه هناك فإذا فيه: ((أنِ امضِ
حتَّى تَنزِل نَخْلةَ فتأتينا من أخبار قُرَيش، ولا تَسْتَكرِ هَنَّ أحداً) قال في حديث جُنْدُب:
(١) وأخرجه من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن رومان: البيهقي في ((الدلائل)) ١٨/٣-١٩، وفي «السنن
الكبرى ٥٨/٩.
٣٢٩
باب ٧ / ح ٦٥
كتاب العلم
فرجع رجلان ومضى الباقون فلَقُوا عَمْرو بن الحَضْرَمي ومعه عِير - أي: تجارة لقريش -
فقتلوه. فكان أوَّل مقتول من الكُفّار في الإسلام، وذلك في أوَّل يوم من رَجَب، وغَنِموا ما
كان معهم، فكانت أوَّل غَنيمة في الإسلام، فعاب عليهم المشركون ذلك، فأنزل الله تعالى:
يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧].
ووجه الدّلالة من هذا الحديث ظاهرة، فإنَّه ناوله الكتاب وأمره أنْ يَقْرأه على أصحابه
ليعملوا بما فيه، ففيه المُناولة ومعنى المُكاتبة. وتعقّبه بعضهم بأنَّ الحُجّة إِنَّا وَجَبَتْ به لعدم
تَوُّم التبديل والتغيير فيه لعدالة الصحابة، بخلاف من بعدهم، حكاه البيهقي.
وأقول: شرط قيام الحُجّة بالمُكاتبة أنْ يكون الكتاب مختوماً وحامله مُؤْتَمَناً، والمكتوب
إليه يعرف خط الشيخ، إلى غير ذلك من الشُّروط الدّافعة لتَوهُّم التغيير، والله أعلم.
قوله: «حدّثنا إسماعيل بن عبد الله)) هو ابن أبي أُویس، وصالح: هو ابن کیْسان.
قوله: ((بَعَثَ بكتابه رجلاً)) هو عبد الله بن حُذافة السَّهْمي كما سمَّه المؤلِّف في هذا
الحديث في المغازي (٤٤٢٤).
وكِسرَى: هو أَبُرْويز بن هُرْمُز بن أنوشَرْوان، ووهمَ مَن قال هو أنوشَرْوان. وعظيم
البحرين: هو المنذر بن ساوى بالمهملة وفتح الواو المُمالة. وسيأتي الكلام على هذا
الحديث في المغازي.
قوله: ((فحَسِبْت)) القائل هو ابن شِهاب راوي الحديث، فقِصَّة الكتاب عنده موصولة
وقِصَّة الدُّعاء مُرسَلة.
ووجه دلالته على المُكاتّبة ظاهر، ويُمكِن أنْ يُستَدل به على المُناولة من حيثُ إنَّ النبي
﴿﴿ ناولَ الكتاب لرسوله، وأمره أنْ يُبِرِ عظيم البحرين بأنَّ هذا كتاب رسول الله ◌َّهِ، وإِنْ
لم یکن سمع ما فیه ولا قرأه.
٦٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبو الحسن، أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا شُعْبةُ، عن قتادةَ،
عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: كَتَبَ النبيُّ وَِّ كتاباً - أو أراد أنْ يَكتُّبَ - فِقِيلَ له: إنَّهم لا يقرؤون
٣٣٠
باب ٨ / ح ٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
كتاباً إِلا تَحْتُوماً، فاتَّخَذَ خاتماً من فِضّةٍ نَقْتُه: محمَّدٌ رسولُ الله، كأنّي أَنظُرُّ إلى بَياضِه في يَدِهِ.
فقلتُ لِقتادة: مَن قال: نَقْشُه محمَّدٌ رسولُ الله؟ قال: أنسُ.
[أطرافه في: ٢٩٣٨، ٥٨٧٠، ٥٨٧٢، ٥٨٧٤، ٥٨٧٥، ٥٨٧٧، ٧١٦٢]
قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك.
قوله: ((كتب أو أراد أنْ يكتب)» شكَّ من الراوي، ونسبة الكتابة إلى النبي ◌َِّ مَجَازِيَّة،
أي: كتب الكاتب بأمره.
قوله: ((لا يقرؤونَ كتاباً إلَّا مختوماً) يُعرَف من هذا فائدة إيراده هذا الحديث في هذا
١٥٦/١
الباب، ليُنبِّه على أنَّ شرط العمل بالمُكاتَبة أنْ يكون الكتاب مختوماً، ليَحصُل الأمن من
تَوهُّم تغييره، لكن قد يُستَغْنَى عن خَتْمه إذا كان الحامل عَدْلاً مُؤْتَمَناً.
قوله: ((فقلت)) القائل: هو شُعْبة، وسيأتي باقي الكلام على هذا الحديث في الجهاد
(٢٩٣٨) وفي اللُّباس (٥٨٧٠-٥٨٧٧) إن شاء الله تعالی.
فائدة: لم يَذكُر المصنّف من أقسام التحمُّل الإجازة المجرّدة عن المُناولة أو المُكاتبة،
ولا الوِجادة ولا الوصيّة ولا الإعلام المجرَّدات عن الإجازة، وكأنه لا يرى بشيءٍ منها.
وقد ادَّعَى ابن مَندَهْ أنَّ كل ما يقول البخاري فيه: ((قال لي)) فهي إجازة، وهي دعوى
مردودة بدليل أنّي استقرَيْت كثيراً من المواضع التي يقول فيها في ((الجامع)): ((قال لي))
فوجدته في غير ((الجامع)) يقول فيها: ((حدَّثنا))، والبخاري لا يَستَجيز في الإجازة إطلاق
التحديث، فدلَّ على أنها عنده من المسموع، لكن سبب استعماله لهذه الصِّيغة ليُفرِّق بين ما
يَبْلُغ شرطَه وما لا يَبلُغ، والله أعلم.
٨- باب من قَعَدَ حیث ینتھي به المجلسُ، ومن رأى
قُرْجةً في الحلقة فجلس فيها
٦٦- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحة: أنَّ أبا
مُّةَ مولى عَقِيلِ بنِ أبي طالبٍ أخبره، عن أبي واقدِ اللَّينيّ: أنَّ رسولَ الله ◌َّ بينما هو جالسٌ في
٣٣١
باب ٨ / ح ٦٦
كتاب العلم
المسجد والناسُ معَه إِذْ أقبَلَ ثلاثةُ نَفَرِ، فأقبَلَ اثنان إلى رسولِ الله وَّةِ، وذهب واحدٌ قال:
فَوَقَفا على رسولِ الله وَّةِ، فَأَمَّا أحَدُهما فرأى فُرْجَةً في الحَلْقة فجَلَسَ فيها، وأمَّا الآخرُ فجَلَسَ
خلفَهُم، وأمَّا الثالثُ فأدَبَرَ ذاهباً، فلمَّا فَرَغَ رسولُ اللهِ وَلِ قال: «ألا أُخبِرُكُم عن النَّفَرِ الثلاثة،
أمَّا أحَدُهم فأوَى إلى الله فآواه الله، وأمَّا الآخرُ فاستَحْيا فاستَحْيا اللهُ منه، وأمَّا الآخرُ فأعرَضَ
فأعرضَ الله عنه)).
[طرفه في: ٤٧٤]
قوله: ((باب مَن قَعَدَ حيثُ ينتهي به المجلس)) مناسبة هذا لكتاب العلم من جهة أنَّ
المراد بالمجلسِ وبالخَلْقة حَلْقة العلم ومجلس العلم. فيدخل في أدب الطالب من عِدّة أو جُه
كما سنبيِّنْه، والتراجم الماضية كلّها تتعلَّق بصفات العالم.
قوله: ((مولى عَقيل)) بفتح العين، وقيل لأبي مُرّة ذلك للزومِه إِيَّه، وإنَّما هو مولى ◌ُخته أُم
هانئ بنت أبي طالب.
قوله: ((عن أبي واقد)) صَرَّحَ بالتحديث في رواية النَّسائيّ (ك ٥٨٧٠) من طريق يحيى بن
أبي كثير عن إسحاق فقال: عن أبي مُرّة، أنَّ أبا واقد حدَّثه. وقد قدَّمنا أنَّ اسم أبي واقد
الحارث بن مالك، وقيل: ابن عَوْف، وقيل: عَوْف بن الحارث، وليس له في البخاري غیر
هذا الحديث، ورجال إسناده مدنيُّون، وهو في ((الموطَّأ)) (٢/ ٩٦٠)، ولم يَرْوِه عن أبي واقد
إلَّا أبو مُرّة، ولا عنه إلَّا إسحاق، وأبو مُرّة والراوي عنه تابعيّان، وله شاهد من حديث
أنس أخرجه البزَّار (٧٢٤٣) والحاكم (٤/ ٢٥٥).
قوله: ((ثلاثة نَفَر)) النَّفَر بالتحريك للرجال، من ثلاثة إلى عشرة، والمعنى: ثلاثة هم نَفَر،
والنَّفَر اسم جمع، ولهذا وقع ◌ُميِّزاً للجمع كقوله تعالى: ﴿يَسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨].
قوله: ((فَأقبَلَ اثنان)) بعد قوله: ((أقبَلَ ثلاثة)) هما إقبالان، كأنهم أقبَلوا أوَّلاً من الطريق
فدخلوا المسجد مارِّين كما في حديث أنس، فإذا ثلاثة نَفَر يَمُرّون، فلمَّا رَأوا مجلس النبي ◌َّ
أقبَلَ إليه اثنان منهم واستمرَّ الثالث ذاهباً.
٣٣٢
باب ٨ / ح ٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
١٥٧/١
قوله: ((فَوَقَفا)) زاد أكثر رواة ((الموطَّأ)»: «فلمَّا وَقَفًا سَلَّم)»/ وكذا عند التِّرمِذي (٢٧٢٤)
والنَّسائيّ (ك٥٨٦٩)، ولم يَذكُر المصنِّف هنا ولا في الصلاة السلامَ، وكذا لم يقع في رواية
مسلم (٢١٧٦).
ويستفاد منه: أنَّ الدّاخل يَبدأ بالسلام، وأنَّ القائم يُسلِّم على القاعد، وإنَّما لم يَذكُرُ رَدَّ
السلام عليهما اكتفاءً بشُهْرتِهِ، أو يستفادُ منه أنَّ المُستغرِق في العبادة يَسْقُط عنه الرَّدُّ.
وسيأتي البحث فيه في كتاب الاستئذان(١).
ولم يَذكُر أنهما صَلَّيا تحيَّة المسجد إمَّا لكَوْن ذلك كان قبل أنْ تُشرَع، أو كانا على غير
وضوء، أو وقع فلم يُنقَل للاهتمام بغير ذلك من القِصَّة، أو كان في غير وقت تَنَفُّل، قاله
القاضي عِيَاض بناء على مذهبه في أنها لا تُصَلَّى في الأوقات المكروهة.
قوله: ((فَوَقَفا على رسول الله ◌ِوَ لَ)) أي: على مجلس رسول الله وَليل، أو ((على)) بمعنى: عند.
قوله: ((فُرْجة)) بالضم والفتح معاً (٢): هي الخَلَل بين الشَّيْئَين. والحلْقة بإسكان اللام:
كل شيء مُستَدير خالي الوسط والجمع: حَلَقٌّ بفتحتين، وحُكيَ فتح اللام في الواحد وهو
نادر.
وفيه استحباب التحليق في مجالس الذِّكْر والعلم. وفيه أنَّ مَن سبق إلى موضع منها
کان أحق به.
قوله: ((وأمَّا الآخَرِ)) بفتح الخاء المعجَمة، وفيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنه يختصُّ بالأخيرِ
لإطلاقه هنا على الثاني.
قوله: ((فأوَى إلى الله فآواه الله)) قال القُرْطبي: الرواية الصحيحة بقَصْر الأوَّل ومَدِّ الثاني
وهو المشهور في اللُّغة، وفي القرآن: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ﴾ [الكهف: ١٠] بالقَصْر،
﴿وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] بالمد، وحُكيَ في اللَّغة القَصْر والمد معاً فيهما. ومعنى
(١) انظر شرح الحديث (٦٢٤٥).
(٢) أي: بضم الفاء وفتحها.
٣٣٣
باب ٨ / ح ٦٦
كتاب العلم
أوى إلى الله: لجأَ إلى الله، أو على الحذف، أي: انضمَّ إلى مجلس رسول الله ◌َل﴾.
ومعنى ((فآواه الله)) أي: جازاه بنَظِير فعله بأنْ ضمَّه إلى رحمته ورِضْوانه.
وفيه استحباب الأدب في مجالس العلم وفَضْل سَدِّ خَلَل الحَلْقة، كما وَرَدَ الترغيب في
سَدِّ خَلَل الصُّفوف في الصلاة، وجواز التخَطّ لسَدِّ الخَلَل ما لم يُؤْذ، فإنْ خُشَِ استُحِبَّ
الجلوس حيثُ ينتهي كما فعل الثاني. وفيه الثَّناء على مَن زاحَمَ في طلب الخير.
قوله: ((فاستَحْيا)) أي: ترك المُزاحَمة كما فعل رفيقه حَياءً من النبيِ نَّهِ وَمَّنْ حَضَرَ؛ قاله
القاضي عِيَاض، وقد بيَّن أنس في روايته سبب استحياء هذا الثاني فلفظه عند الحاكم
(٤/ ٢٥٥): ((ومضى الثاني قليلاً ثمَّ جاءَ فجَلَسَ)) فالمعنى: أنه استَحْيا من الذَّهاب عن
المجلس كما فعل رفيقه الثالث.
قوله: ((فاستَحْيا الله منه)) أي: رحمه ولم يُعاقبه.
قوله: ((فأعرَضَ الله عنه)) أي: سَخِطَ عليه، وهو محمول على مَن ذهب مُعرِضاً لا لعُذْرٍ،
هذا إنْ كان مسلماً، ويحتمل أنْ يكون مُنافقاً واطَّلَعَ النبي ◌َّل على أمره، كما يحتمل أنْ يكون
قوله وَله: ((فأعرَضَ الله عنه)» إخباراً أو دُعاء. ووقع في حديث أنس: ((فاستَغْنَى فاستَغْنَى
الله عنه)) وهذا يُرشِّح كَوْنه خبراً، وإطلاق الإعراض وغيره في حق الله تعالى على سبيل
المقابلة والمُشاكَلة، فيُحمَل كل لفظ منها على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى، وفائدة
إطلاق ذلك بيان الشيء بطريقٍ واضح.
وفيه جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للَّجْرِ عنها، وأنَّ ذلك لا يُعَد من
الغِيبة.
وفي الحديث فضل مُلازَمة حَلَق العلم والذِّكْر، وجلوس العالم والمذكِّر في المسجد. وفيه
الثَّاء على المُستَحي، والجلوس حيثُ ينتهي به المجلس. ولم أقف في شيء من طرق هذا
الحديث على تسمية واحد من الثلاثة المذكورين، والله تعالى أعلم.
٣٣٤
باب ٩ / ح ٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
٩ - باب قول النبيِّ وَّهِ: ((رُبَّ مُبلَّغ أوعَى من سامع))
٦٧- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا بِشْرٌ، قال: حدّثنا ابنُ عَوْنٍ عن ابن سِيرِينَ، عن
عبد الرحمن بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه ذَكَر النبيَّ ◌ََّ: قَعَدَ على بَعِيرِه وأمْسَكَ إنسانٌ بخِطَامه أو
١٥٨/١ بزِمَامه، قال: ((أيُّ يوم هذا؟)) فسَكَتْنا/ حتَّى ظَنَّا أَنَّه سيُسمِّيه ◌ِوَى اسمِه، قال: ((أليسَ يومَ
النَّحْرِ؟)) قلنا: بَلَى، قال: ((فأيُّ شهرٍ هذا؟)) فسَكَتْنا حتَّى ظَنَّا أَنَّه سيُسمِّيه بغيرِ اسمِه، فقال:
((أليسَ بذي الحِجّةِ؟)) قلنا: بَلَى، قال: ((فإنَّ دِماءَكُم وأمْوالَكُم وأعراضَكُم بينَكُم حرامٌ كحُرْمةٍ
يَومِكُم هذا في شهرِكُم هذا في بَلَدِكُم هذا، لِيُبلِّغِ الشّاهدُ الغائبَ، فإنَّ الشّاهدَ عسى أنْ يُبلِّغَ
مَن هو أوعی له منه».
[أطرافه في: ١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧]
قوله: ((باب قول النبي ◌َّ: رُبَّ مُبلَّغ أوعَى من سامع)) هذا الحديث المعلَّق أورد
المصنِّف في الباب معناه، وأمَّا لفظه فهو موصول عنده في ((باب الخُطْبة بمنّى)) من كتاب
الحج (١٧٤١)، أورد فيه هذا الحديث من طريق قُرّة بن خالد، عن محمد بن سيرين قال:
أخبرني عبد الرحمن بن أبي بَكْرة ورجل أفضل في نَفْسي من عبد الرحمن - حُميد بن
عبد الرحمن - كلاهما عن أبي بَكْرة قال: خَطَبَنا رسول الله وَِّ يومِ النَّحْر قال: «أتدرون أيَّ
يوم هذا؟)) وفي آخره هذا اللفظ. وغَفَلَ القُطْب الحَلَبي ومَن تَبِعَه من الشُّراح في عَزْوهم له
إلى تخريج التُّرمِذي من حديث ابن مسعود (٢٦٥٨)، فأبعَدوا النَّجْعة، وأوهَموا عدم تخريج
المصنّف له، والله المستعان.
و ((رُبَّ)) للتقليل، وقد تَرِدُ للتكثير، و((مُبلَّغ)) بفتح اللام و((أوعَى)) نَعْت له، والذي
يتعلَّق به ((رُبَّ)) محذوف، وتقديره: يُوجَد أو يكون، ويجوز على مذهب الكوفيِّين في أنَّ
((رُبَّ)) اسمٌ أنْ تكون هي مُبتدَأ، و((أوعَى) الخبر فلا حذف ولا تقدير، والمراد: رُبَّ مُبلَّغ
عنِّي أوعَى - أي: أفهَم - لما أقول من سامع منّي. وصَرَّحَ بذلك أبو القاسم بن مَندَهْ في
روايته من طريق هَوْذة عن ابن عَوْن ولفظه: «فإنَّه عَسى أنْ يكون بعض مَن لم يَشْهَد أوعَى
٣٣٥
باب ٩ / ح ٦٧
كتاب العلم
لما أقول من بعض من شهد)).
قوله: ((بِشْر)) هو ابن المفضَّل، ورجال الإسناد كلّهم بصريُّون.
قوله: ((ذكر النبيَّ وَّ) نَصَبَ النبي على المفعوليَّة، وفي ((ذكر)) ضمير يعود على الراوي،
يعني أنَّ أبا بَكْرة كان يُحدِّثهم فذكر النبيَّ ◌َ له فقال: فَعَدَ على بعيره. وفي رواية النَّسائيّ
(ك٤٠٧٧) ما يُشعِر بذلك ولفظه: عن أبي بَكْرة قال وذكر النبي وَله. فالواو إمَّا حاليَّة،
وإمَّا عاطفة والمعطوف عليه محذوف، وقد وقع في رواية ابن عساكر عن أبي بَكْرة: أنَّ النبيَّ
﴿ فَعَدَ، ولا إشكال فيه.
قوله: ((وأمسَكَ إنسان بخِطامه أو بزِمامه)) الشَّك من الراوي، والزِّمام والخِطام بمعنّى،
وهو الخيط الذي تُشَد فيه الحَلْقة التي تُسمَّى بالبُرَة - بضم الموخَّدة وتخفيف الراء
المفتوحة - في أنف البعير. وهذا المُمْسِك سَّاه بعض الشُّراح بلالاً، واستَندَ إلى ما رواه
النَّسائيُّ (٣٠٦٠) من طريق أُم الحُصَين قالت: حَجَجْتُ، فرأيت بلالاً يقود بخِطام راحلة
النبي گۆ، انتھی.
وقد وقع في ((السُّنَن)) من حديث عَمْرو بن خارجة قال: كنت آخِذاً بزمام ناقة النبي
وَّة. انتهى، فذكر بعض الخُطْبة(١)، فهو أولى أنْ يُفسَّر به المُبُهَم من بلال، لكنَّ الصواب
أنه هنا أبو بَكْرة، فقد ثبت ذلك في رواية الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن ابن عَوْن
ولفظه: خَطَبَ رسول الله وَِّ على راحلته يوم النَّحْر، وأمسَكْتُ؛ إمَّا قال: بخِطامها، وإمَّا
(١) باللفظ الذي ذكره الحافظ أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٧٦٦٤)، وأما حديث عمرو بن خارجة في
((السنن)) فهو بدونه، أخرجه ابن ماجه (٢٧١٢)، والترمذي (٢١٢١)، والنسائي (٣٦٤٢)، وفي سند
حديث عمرو هذا شهر بن حوشب، وهو ضعيف، أما حديث أم الحصین فسنده صحیح، وهو مخرَّج في
((صحيح مسلم)) (١٢٩٨) لكن فيه: أنه كان معه بلال وأسامة أحدهما يقود به راحلته والآخر رافع ثوبَه
على رأس رسول الله وَ ل﴿ من الشمس. وهكذا هو في سائر روايات حديث أم الحصين، فهذا أصح وأولى
من حديث عمرو بن خارجة، كما أنه أولى من رواية ابن المبارك عن ابن عون التي سيذكرها الحافظ،
خاصة أن ابن المبارك قد خُولف في روايته عن ابن عون كما عند البخاري حيث ذكر أن الممسك بالخِطام
إنسان، فلم یسمِّ نفسه ولا غيره.
٣٣٦
باب ٩ / ح ٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
قال: بِزِمَامها، واستفدنا من هذا أنَّ الشَّك ممَّن دون أبي بَكْرة لا منه.
وفائدة إمساك الخِطام صَوْن البعير عن الاضطراب حتَّى لا يُشوِّش على راکبه.
قوله: ((أيُّ يوم هذا؟)) سقط من رواية المُستَمْلي والحَقُّوِي السؤال عن الشهر والجواب
الذي قبله فصار هكذا: ((أيُّ يوم هذا؟ فسَكَتْنا حتَّى ظَنَّا أنه سيُسمِّيه سوى اسمه قال:
أليس بذي الحِجّة؟)) وكذا في رواية الأَصِيلي، وتوجيهه ظاهر، وهو من إطلاق الكل على
البعض، ولكنَّ الثابت في الروايات عند مسلم وغيره ما ثبت عند الكُشْمِھني وكريمة،
١٥٩/١ وكذلك وقع في رواية مسلم (١٦٧٩/ ٣٠) وغيره السؤال عن / البلد، وهذا كلّه في رواية
ابن عَوْن، وثبت السؤال عن الثلاثة عند المصنّف في الأضاحي (٥٥٥٠) من رواية أيوب،
وفي الحج (١٧٤١) من رواية قُرّة كلاهما عن ابن سيرين.
قال القُرْطبي: سؤاله وَلّر عن الثلاثة وسُكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار
فُهومهم وليُقِلوا عليه بكُلَيَّتِهِم، وليَستَشْعِرُوا عَظَمة ما يُحِبِرِهم عنه، ولذلك قال بعد هذا:
فإنَّ دماءكم إلخ، مُبالَغة في بیان تحریم هذه الأشياء. انتهى.
ومَناط التشبيه في قوله: ((كحُزْمة يومكم هذا)) وما بعده ظُهوره عند السامعين، لأنَّ
تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتاً في نُفوسهم، مُقرَّراً عندهم، بخلاف الأنفُس والأموال
والأعراض فكانوا في الجاهليّة يَستَبيحونها، فطَرَأ الشرع عليهم بأنَّ تحريم دم المسلم وماله
وعِرْضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يَرِدُ كَوْن المشبّه به أخفض رُتْبة من
المشبّه، لأنَّ الخِطاب إنّما وقع بالنّسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع.
ووقع في الروايات التي أشرنا إليها عند المصنِّ وغيره أنهم أجابوه عن كل سؤال
بقولهم: الله ورسوله أعلم، وذلك من حُسْن أدبهم، لأنهم عَلِموا أنه لا يخفى عليه ما
يعرفونه من الجواب، وأنه ليس مراده مُطلَق الإخبار بما يعرفونه، ولهذا قال في رواية
الباب: حتَّى ظَنًا أنه سيُسمِّيه سوى اسمه. ففيه إشارة إلى تفويض الأُمور الكلّيّة إلى
الشارع، ويستفاد منه الحُجّة لمُثبِتِي الحقائق الشرعيَّة.
٣٣٧
باب ٩ / ح ٦٧
كتاب العلم
قوله: ((فإنَّ دِماءَكُم ... )) إلى آخره، هو على حذف مضاف، أي: سَفْك دمائكم وأخذ
أموالكم وثَلْب أعراضكم. والعِرْض بكسر العين: موضع المدح والذّم من الإنسان، سواء
كان في نَفْسه أو سَلَفه.
قوله: (ليُبلِّغ الشاهدُ)) أي: الحاضر في المجلس ((الغائبَ)) أي: الغائب عنه، والمراد إمَّا
تبليغ القول المذكور، أو تبليغ جميع الأحكام.
وقوله: ((منه)) صِلة لأفعل التفضيل، وجازَ الفصل بينهما لأنَّ في الظَّرْف سَعَة، ولیس
الفاصل أيضاً أجنبيّاً.
تكملة: وقع في حديث الباب: ((فسَكَتْنا)) بعد السؤال، وعند المصنّف في الحج (١٧٣٩)
من حديث ابن عبّاس: ((أنَّ رسول الله وٍَّ خَطَبَ الناس يوم النَّحْر فقال: أيُّ يوم هذا؟
قالوا: يوم حرام)) وظاهرهما التعارض، والجمع بينهما أنَّ الطائفة الذين كان فيهم ابن
عبَّاس أجابوا، والطائفة الذين كان فيهم أبو بَكْرة لم يُجيبوا بل قالوا: الله ورسوله أعلم، كما
أشرنا إليه. أو تكون رواية ابن عبّاس بالمعنى، لأنَّ في حديث أبي بَكْرة عند المصنّف في
الحج (١٧٤١) وفي الفتن (٧٠٧٨) أنه لمَّ قال: ((أليس يوم النَّحْر؟ قالوا: بَلى)) بمعنى
قولهم: يوم حرام، بالاستلزام، وغايته أنَّ أبا بَكْرة نقل السِّياق بتمامه، واختصره ابن
عبَّاس، وكأنَّ ذلك كان بسبب قُرْب أبي بَكْرة منه لكَوْنه كان آخِذاً بخِطام الناقة.
وقال بعضهم: يحتمل تعدُّد الخطبة، فإن أراد أنه گرِّرها في يوم النَّخْر فیحتاج لدلیل،
فإنَّ في حديث ابن عمر عند المصنِّ في الحج (١٧٤٢): أنَّ ذلك كان يوم النَّحْر بين
الجَمَرات في حجّته.
وفي هذا الحديث من الفوائد - غير ما تقدَّم -: الحثُّ على تبليغ العلم، وجواز التحمُّل
قبل كمال الأهليَّة، وأنَّ الفَهْم ليس شرطاً في الأداء، وأنه قد يأتي في الآخِر مَن يكون أفهمَ
ثَمَّن تقدَّمه لكن بقِلّةٍ.
واستَنْبَطَ ابن المنيِّر من تعليل كَوْن المتأخّر أرجح نظراً من المتقدِّم: أنَّ تفسير الراوي
٣٣٨
باب ١٠
فتح الباري بشرح البخاري
أرجح من تفسیر غيره.
وفيه جواز القعود على ظَهْر الدَّواب وهي واقفة إذا احتيجَ إلى ذلك، وُلَ النهي
الوارد في ذلك على ما إذا كان لغير ضرورة(١).
وفيه الخُطْبة على موضع عالٍ ليكون أبلَغَ في إسماعه للناس ورُؤْيتَهم إيَّه.
١٠ - باب العلم قبل القول والعمل
لقول الله تعالى: ﴿فَأَعْلَ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فبدأً بالعلم.
وأنَّ العلماءَ هم وَرَثُ الأنبياءِ وَرَّثُوا العلمَ، مَن أخذه أخذ بحَظُّ وافِرٍ، ومَن سَلَك طَرِيقاً
يَطلُبُ به عِلْماً سَهَّلَ الله له طَرِيقاً إلى الجنَّةُ.
١٦٠/١
وقال جَلَّ ذِكرُه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨] وقال: ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَآ
إِلَّا الْعَلِّمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاكُنَا فِىَ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]
وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
وقال النبيُّ ◌َّ: ((مَن يُرِدِ اللهُ به خيراً يُفَقِّهْه)) و((إنَّما العلمُ بالتَّعَلُّم).
وقال أبو ذرٍّ: لو وَضَعْتُمُ الصَّمْصامةَ على هذه - وأشار إلى قَفَاه - ثمّ ظَنَنتُ أَنّي أُنِفِذُ كَلِمَةٌ
سمعتُها مِن النبيِّوَّهِ قبلَ أنْ تُجِزُوا عليَّ، لأَنفَذْتُها.
وقال ابنُ عبَّاس: ﴿كُونُواْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُنُواْ رَبَّكِيِْنَ ﴾ [آل عمران:٧٩]:
حُلَماءِ فُقَهاء.
ويقالُ: الرَّبّانُّ: الذي يُربّ الناسَ بصِغار العلم قبلَ كِباره.
قوله: ((باب العلم قبل القول والعمل)) قال ابن المنيِّر: أراد به أنَّ العلم شرط في صِحَّة
القول والعمل، فلا يُعتَبَرَان إلَّ به، فهو مُتقدِّم عليهما لأنه مُصَحِّح للنيَّة المُصَخِّحة
للعمل، فنبَّه المصنّف على ذلك حتَّى لا يَسْبِقِ إلى الذِّهْن من قولهم: ((إنَّ العلم لا ينفع إلَّا
(١) يشير إلى حديث معاذ بن أنس الجهني مرفوعاً: ((لا تتخذوا الدواب كراسيَّ))، أخرجه أحمد (١٥٦٢٩)
و (١٥٦٣٩) و(١٥٦٥٠) وغيره، وهو حديث حسن.
٣٣٩
باب ١٠
كتاب العلم
بالعمل)» تهوينٌ أمر العلم والتساهل في طلبه.
قوله: ((فبدأ بالعلم)) أي: حيثُ قال: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ، لَآ إِلَهَ إِلَّ اللّهُ﴾ ثمّ قال: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ
لِذَئِكَ﴾، والخِطاب وإنْ كان للنبيِّ وَِّ فهو مُتَنَاوِل لأُمَّتِه. واستدلَّ سفيان بن عُيَينة بهذه
الآية على فضل العلم كما أخرجه أبو نُعيم في ((الحِلْية)) (٢٨٥/٧) في ترجمته من طريق الرَّبيع بن
نافع عنه أنه تلاها فقال: ألم تسمع أنه بدأ به فقال: اعلم، ثمَّ أمره بالعمل؟ ويُنتزع منها دليل ما
يقوله المتكلِّمون من وجوب المعرفة، لكنَّ النّزاع كما قدَّمناه إنَّما هو في إيجاب تعلُّم الأدلَّة على
القوانين المذكورة في کتب الكلام، وقد تقدّم شيء من هذا في كتاب الإيمان.
قوله: ((وأنَّ العلماء)) بفتح ((أن))، ويجوز كسرها على الحكاية(١)، ومن هنا إلى قوله:
((وافر)» طرف من حديث أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والتِّرمِذي (٢٦٨٢) وابن حِبَّان (٨٨)
والحاكم مُصَخَّحاً(٢) من حديث أبي الدَّرْداء، وحَسَّنَه حمزة الكِناني، وضَعَّفَه غيرهم
الاضطراب في سنده، لكن له شواهد يَتَقَوَّى بها، ولم يُفصِح المصنِّف بكَوْنِه حديثاً فلهذا لا
يُعَد في تعاليقه، لكن إيراده له في الترجمة يُشعِر بأنَّ له أصلاً، وشاهده في القرآن قوله تعالى:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، ومناسبته للترجمة من جهة أنَّ
الوارث قائم مقام الموروث، فله حُكمه فيما قام مقامه فيه.
قوله: ((وَرَّثوا)) بتشديد الراء المفتوحة، أي: الأنبياء. ويُروى بتخفيفها مع الكسر، أي:
العلماء. ويؤيِّد الأوَّل ما عند التِّرمِذي (٢٦٨٢) وغيره فيه: ((وإنَّ الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً
ولا دِرْهماً، وإنَّما ورَّثوا العلم)).
قوله: ((بحَظِّ) أي: نصيب ((وافرٍ)) أي: كامل.
قوله: ((ومَن سَلَك طريقاً)) هو من جملة الحديث المذكور، وقد أخرج هذه الجملة أيضاً
مسلم (٢٦٩٩) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في حديثٍ غیر هذا،
(١) قوله: ((على الحكاية)) سقط من (س).
(٢) لم نقف عليه في ((المستدرك)) للحاكم، كما لم يعزه الحافظ نفسه إليه في كتابه («إتحاف المهرة)) ١٢/ ٥٩١-٥٩٢،
فلعله في بعض كتبه الأخرى، والله تعالى أعلم. والحديث حسن بشواهده، وانظر ((مسند أحمد)) (٢١٧١٥).
٣٤٠
باب ١٠
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرجه التِّرمِذي (٢٦٤٦) وقال: حسن. قال: ولم يقل له: صحيح، لأنه يقال: إنَّ الأعمش
دَّس فيه فقال: حُدِّثتُ عن أبي صالح.
قلت: لكن في رواية مسلم عن أبي أسامة عن الأعمش: ((حدَّثنا أبو صالح)) فانتفتْ
تُهْمة تدليسه.
قوله: ((طريقاً)) نَكَّرَها ونَكَّرَ ((عِلْمَ)) لتَنَاوُلِ أنواع الطرق المُوصِلَة إلى تحصيل العلوم
الدّينيّة، ولیندَرِج فیه القليل والكثير.
قوله: ((سَهَّلَ الله له طريقاً)) أي: في الآخرة، أو في الدنيا بأن يوفِّقه للأعمال الصالحة
المُوصِلَة إلى الجنَّة. وفيه بشارة بتسهيلِ العلم على طالبه، لأنَّ طلبه من الطرق المُوصِلَة إلى
الجنَّة.
قوله: ((وقال)) أي: الله عَزَّ وجَلَّ، وهو معطوف على قوله: لقول الله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ ﴾
١٦١/١ أي: يخاف من الله مَن / عَلِمَ قُدْرتَه وسلطانه وهم العلماء، قاله ابن عبّاس.
قوله: ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَآَ﴾ أي: الأمثال المضروبة.
قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ أي: سَمْع مَن يَعِي ويَفْهَم ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ عقل مَن يُميِّز، وهذه
أوصاف أهل العلم. فالمعنى: لو كنَّا من أهل العلم لَعَلِمْنا ما يجب علينا فعَمِلْنا به فتَجَوْنا.
قوله: ((وقال النبي ◌َّهِ: مَن يُرِدِ الله به خيراً يُفَقِّهه)» كذا في رواية الأكثر، وفي رواية
المُستَمْلي: ((ُفَهِّمه)) بالهاءِ المشدَّدة المكسورة بعدها ميم، وقد وَصَلَه المؤلِّف باللفظ الأوَّل
بعد هذا ببابين كما سيأتي (٧١). وأمَّا اللفظ الثاني فأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب ((العلم))
من طريق ابن عمر عن عمر مرفوعاً، وإسناده حسن. والفقه: هو الفَهْم، قال الله تعالى: ﴿لَا
يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] أي: لا يَفْهَمون، والمراد: الفَهْم في الأحكام الشرعيَّة.
قوله: ((وإنَّما العلمُ بالتَّعلُّم)) هو حديث مرفوع أيضاً، أورده ابن أبي عاصم والطبراني
(٩٢٩/١٩) من حديث معاوية أيضاً بلفظ: ((يا أيُّها الناس تَعَلَّموا، إنَّما العلم بالتعلَّم،
والفقه بالتفَقُّه، ومَن يُرِدِ الله به خيراً يُفَقِّهه في الدّين)) إسناده حسن، إلّا أنَّ فيه مُبهَماً اعتَضدَ