النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
باب ٣٧ / ح ٥٠
كتاب الإيمان
وقد فسَّرَه وكيع في رواية ابن ماجَهْ (٦٣) بأخص من الأوَّل، قال: أنْ تَلِدَ العَجَمُ
العربَ. ووَجَّهَه بعضهم بأنَّ الإماء يَلِدْنَ الملوك فتصير الأُم من جملة الرَّعيَّة والملك سيِّد
رَعيَّتَه، وهذا لإبراهيم الحربي، وقَرَّبَه أنَّ الرُّؤَساء في الصَّدْر الأوَّل كانوا يستنكفون غالباً
عن وَطْء الإماء ويتنافسون في الحرائر، ثمَّ انعَكَسَ الأمر ولا سيّما في أثناء دولة بني العبّاس،
ولكنَّ رواية ((ربَّتها)) بإثبات التاء قد لا تُساعد على ذلك.
ووَجَّهَه بعضهم بأنَّ إطلاق ((ربَّتها)) على ولدها مَجَاز، لأنه لمَّا كان سبباً في عِتْقها بموت
أبيه أُطلِقَ عليه ذلك. وخَصَّه بعضهم بأنَّ السَّبْي إذا كَثُرَ فقد يُسبَى الولد أوَّلاً وهو صغير
ثُمَّ يُعتَقَ ويَكْبَر ويصير رئيساً بل ملكاً ثمَّ تُسبَى أُمّه فيما بعد فيشتريها عارفاً بها، أو وهو لا
يَشعُر أنها أُمّه، فيستخدمها أو يَتَّخِذِها موطوءةً أو يُعْتِقِها ويتزوَّجها.
وقد جاءَ في بعض الروايات: ((أنْ تَلِد الأمةُ بَعْلها)) وهي عند مسلم (٦/٩) فتُحمَل
على هذه الصورة، وقيل: المراد بالبَعْل: المالك، وهو أولى لتتَّفق الروايات.
الثاني: أنْ تَبيع السادةُ أُمَّهات أولادهم ويَكثُر ذلك فيَتَداول المُلّاكِ المُستَوَلَدة حتَّى
يشتريها ولدها ولا يَشعُر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غَلَبة الجَهْل بتحريم
بيع أُمَّهات الأولاد، أو الاستِهانة بالأحكام الشرعيَّة.
فإنْ قيل: هذه المسألة مُخُتلَف فيها فلا يَصلُح الحمل عليها، لأنه لا جَهْل ولا استِهانة
عند القائل بالجواز. قلنا: يَصلُح أنْ يُحمل على صورة اتِّفاقيَّة كَبيعِها في حال حملها، فإنَّه
حرام بالإجماع.
الثالث: وهو من نَمَط الذي قبله، قال النَّووي: لا يختصُّ شِراء الولد أُمَّه بأُمَّهات
الأولاد، بل يُتْصَوَّر في غيرهنَّ بأنْ تَلِد الأمة حُراً من غير سيِّدها بوَطْءِ شُبْهة، أو رقيقاً
بنكاحِ أو زِنی، ثمَّ تباع الأمة في الصّورتینِ بیعاً صحيحاً وتدور في الأيدي حتَّى يشتريها
ابنها أو ابنتها. ولا يُعكِّر على هذا تفسير محمد بن بِشْر بأنَّ المراد السَّراريّ (١)؛ لأنه تخصيص
بغیر دلیل.
(١) عند مسلم (٩) (٦).

٢٦٢
باب ٣٧ / ح ٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
الرابع: أنْ يَكثُر العُقوق في الأولاد فيُعامل الولد أُمّه معاملة السَّيِّد أمتَه من الإهانة
١٢٣/١ بالسَّبِّ / والضرب والاستِخْدام، فأُطلِقَ عليه ربّها مجازاً لذلك.
أو المراد بالرَّبّ: المُربّي، فيكون حقيقة، وهذا أوجَه الأوجُه عندي لعمومِهِ، ولأنَّ
المقام يدل على أنَّ المراد حالة تكون مع كَوْنها تدل على فساد الأحوال، مُستَغربةً ولا يشعر
بذلك(١).
ومُحصَّله الإشارة إلى أنَّ الساعة يَقرُب قيامها عند انعكاس الأُمور بحيثُ يصير المُربَّى
مُربِّياً، والسافل عالياً، وهو مُناسب لقوله في العلامة الأُخرى: ((أنْ تصير الحُفاة ملوكَ
الأرض))(٢).
تنبيهان:
أحدهما: قال النَّووي: ليس فيه دليل على تحريم بيع أُمَّهات الأولاد ولا على جوازه،
وقد غَلِطَ مَن استدلَّ به لكلٍّ من الأمرين، لأنَّ الشيء إذا جُعِلَ علامة على شيء آخر لا
يدل على حَظْر ولا إباحة.
الثاني: يُجمع بين ما في هذا الحديث من إطلاق الرَّب على السَّيِّد المالك في قوله: ((ربّها))
وبين ما في الحديث الآخر وهو في الصحيح (٣): ((لا يقل أحدكم: أطعِم ربّك، وَضِّئْ ربّك،
اسِقِ ربّك، وليقل: سيِّدي ومولاي)) بأنَّ اللفظ هنا خرج على سبيل المبالَغة. أو المراد بالرَّبِّ
هنا المُربّي، وفي المنهي عنه السَّيِّد، أو أنَّ النهي عنه مُتأخّر، أو مُخْتَص بغير الرسول وَله.
قوله: (تَطاوَلَ)) أي: تفاخَروا في تطويل البُنَيَان وتكاثروا به.
قوله: ((رُعاة الإبل)) هو بضم الراء جمع راعٍ، كقُضاةٍ وقاضٍ.
و((البُهْم)) بضم الموحّدة، ووقع في رواية الأَصِيلي بفتحها ولا يَتَّجِه مع ذِكْر الإبل، وإنَّما
(١) قوله: ((ولا يشعر بذلك)) سقط من (س).
(٢) وهي في رواية عمارة بن القعقاع عند مسلم (١٠) (٧).
(٣) سيأتي برقم (٢٥٥٢).

٢٦٣
باب ٣٧ / ح ٥٠
كتاب الإيمان
يَتَّجِه مع ذِكْر الشّياه أو مع عدم الإضافة كما في رواية مسلم (٩): ((رِعاء البُهْم))، وميم
البُهم في رواية البخاري يجوز ضمّها على أنها صفة الرُّعاة، ويجوز الكسر على أنها صفة
الإبل، يعني: الإبل السُّود، وقيل: إنَّها شر الألوان عندهم، وخيرها الحُمْر التي ضُرِبَ بها
المثل فقيل: ((خير من حُمْرُ النَّعَم))، ووصف الرُّعاة بالبُهْم إمَّا لأنهم مجهولو الأنساب، ومنه:
أُبهمَ الأمر فهو مُبهَم: إذا لم تُعرَف حقيقته.
وقال القُرْطبي: الأَولى أنْ يُحمل على أنهم سود الألوان لأنَّ الأُدمة غالب ألوانهم،
وقيل: معناه: أنهم لا شيء لهم كقوله وَله: (يُحْشَر الناس حُفاة عُراة بُهم)(١) قال: وفيه نظر،
لأنه قد نَسَبَ لهم الإبل، فكيف يقال: لا شيء لهم؟
قلت: يُحمل على أنها إضافة اختصاص لا مِلْك، وهذا هو الغالب أنَّ الراعي يَرْعَى
لغيره بأجرة، وأمَّا المالك فقَلَّ أنْ يباشر الرَّعْي بنَفْسِه.
قوله في التفسير (٤٧٧٧): ((وإذا كان الحفاة العراةُ)) زاد الإسماعيلي في روايته: ((الصُّم
البُكْم)) (٢). وقيل لهم ذلك مُبالَغة في وصفهم بالجَهْل، أي: لم يستعملوا أسماعهم ولا
أبصارهم في شيءٍ من أمر دينهم وإنْ كانت حواشُهم سليمة.
قوله: ((رؤوس الناس)) أي: ملوك الأرض، وصَرَّحَ به الإسماعيلي(٢)، وفي رواية أبي
فَرْوة مثله(٣)، والمراد بهم أهل البادية كما صَرَّحَ به في رواية سليمان التَّيْميِّ وغيره: ((قال: ما
الحفاة العُراة؟ قال: العُرَيْب)) وهو بالعين المهملة على التصغير. وفي الطبراني (١٢٩٤٥) من
طريق أبي ◌َمْرة عن ابن عبّاس مرفوعاً: ((من انقلاب الدِّين تفضُّح النَّبَط واتّخاذهم
القصورَ في الأمصار)) (٤). قال القُرْطبي: المقصود الإخبار عن تَبدُّل الحال بأنْ يستوليَ أهل
(١) أخرجه أحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أنيس، وإسناده حسن.
(٢) وهو أيضاً في رواية عمارة بن القعقاع عند مسلم (١٠) (٧).
(٣) عند النسائي (٤٩٩١).
(٤) في إسناده عمران بن تمام، قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٢٩٥/٦: سألت أبي عنه فقال: كان
عندي مستوراً إلى أن حدَّث عن أبي جمرة عن ابن عباس عن النبي وَّر بحديث منكر؛ وذكر هذا الحديث.

٢٦٤
باب ٣٧ / ح ٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
البادية على الأمر ويتملكوا البلاد بالقَهْرِ فتكثُر أموالهم وتنصَرِف هممُهم إلى تشييد البُنْيان
والتفاخُر به، وقد شاهَدْنا ذلك في هذه الأزمان. ومنه الحديث الآخر: ((لا تقوم الساعة
حتَّى يكون أسعدَ الناس بالدنيا لُكَع ابن لُكَع))(١) ومنه: ((إذا وُسِّدَ الأمر - أي: أُسْنِدَ - إلى
غير أهله فانتَظِروا الساعة))(٢) وكلاهما في ((الصحيح)).
قوله: ((في خمس)) أي: عِلْم وقت الساعة داخل في جملة خمس، وحذف مُتعلَّق الجار
سائغ كما في قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ ءَايَتٍ﴾ [النمل: ١٢] أي: اذْهَبْ إلى فِرْعَون بهذه الآية في
جملة تسع آيات، وفي رواية عطاء الخُراساني: ((قال: فمتى الساعة؟ قال: هي في خمس من
الغيب لا يعلمها إلَّ الله))، قال القُرْطبي: لا مَطْمع لأحدٍ في عِلْم شيء من هذه الأُمور
الخمسة لهذا الحديث، وقد فسَّرَ النبيِ نَ ◌ّه قول الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْدِ لَا يَعْلَمُهَا
١٢٤/١ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] / بهذه الخمس، وهو في ((الصحيح)) (٣). قال: فمَن اذَّعَى عِلْم شيء
منها غير مُسْنِده إلى رسول الله و ﴿ كان كاذباً في دعواه. قال: وأمَّا ظنُّ الغيب فقد يجوز من
المنجِّم وغيره إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بعِلْمٍ.
وقد نقل ابن عبد البَرِّ الإجماع على تحريم أخذ الأجرة والجُعْل وإعطائها في ذلك،
وجاءَ عن ابن مسعود قال: أوتيَ نبيّكم ◌َّ عِلْم كل شيء سوى هذه الخمس. وعن ابن
عمر مرفوعاً نحوه، أخرجهما أحمد (٤)، وأخرج مُميدُ بن زَنْجويه عن بعض الصحابة: أنه
ذكر العلم بوَقْت الكسوف قبل ظُهوره فأُنكِرَ عليه فقال: إنَّما الغيب خمس - وتلا هذه
الآية - وما عدا ذلك غيبٌ يعلمه قوم وتَجهَله قوم.
تنبيه: تَضمَّنَ الجواب زيادةً على السؤال للاهتمام بذلك، إرشاداً للأُمّة لما يترتَّب على
(١) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٢٣٣٠٣)، والترمذي (٢٢٠٩)، وإسناده ضعيف، لكن الحديث حسن
بشواهده، منها حديث أبي هريرة في ((المسند)) (٨٣٢٠م)، وذكرنا سائر شواهده هناك، ومنه تعرف أن
عزوه للصحيح وهمٍّ من الحافظ رحمه الله.
(٢) سيأتي برقم (٥٩).
(٣) سيأتي برقم (١٠٣٩).
(٤) الأول برقم (٣٦٥٩)، والثاني برقم (٥٥٧٩).
٠٠

٢٦٥
باب ٣٧ / ح ٥٠
كتاب الإيمان
معرفة ذلك من المصلحة.
فإن قيل: ليس في الآية أداة حَصْر كما في الحديث، أجاب الطِّيبي بأنَّ الفعل إذا كان
عظيم الخَطَرِ، وما يَنْبني عليه الفعل رفيع الشَّأْن، فُهمَ منه الحَصْر على سبيل الكِناية، ولا
سيَّما إذا لُوحِظَ مَا ذُكِرَ في أسباب التُّول من أنَّ العرب كانوا يَدَّعون عِلْم نزول الغَيْث،
فيُشعِر بأنَّ المراد من الآية نفي عِلْمهم بذلك واختصاصه بالله سبحانه وتعالى.
فائدة: النُّكْتَة في العُدول عن الإثبات إلى النَّفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا
تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، وكذا التعبير بالدِّراية دون العلم، للمُبالَغة والتعميم، إذ
الدِّراية اكتساب عِلْم شيء بحيلةٍ، فإذا انتفى ذلك عن كل نَفْس مع كَوْنه من مُختصّاتها، ولم
تقع منه على عِلْم، كان عدم اطّلاعها على عِلْم غير ذلك من باب أولى. انتهى مُلخَّصاً من
كلام الطِّيبي.
قوله: ((الآيةَ)) أي: تلا الآية إلى آخر السورة، وصرَّحَ بذلك الإسماعيلي، وكذا في رواية
عُمارة. ولمسلم (٩/ ١٠) إلى قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾، وكذا في رواية أبي فَرْوة(١). وأمَّا ما وقع عند
المؤلّف في التفسير (٤٧٧٧) من قوله: إلى ﴿ اٌلْأَرْحَامِ﴾، فهو تقصير من بعض الرُّواة،
والسِّياق يُرشِد إلى أنه تلا الآية كلّها.
قوله: ((ثُمَّ أَدبَرَ فقال: رُدّوه)) زاد في التفسير (٤٧٧٧): ((فأخذوا ليُرُدّوه فلم يَرَوْا شيئاً»،
فيه أنَّ الملَك يجوز أنْ يتمثَّل لغير النبي ◌َّـ فيراه ويَتكَلَّم بحَضْرَتِه وهو يسمع، وقد ثبت
عن عِمْران بن حُصَينٍ أنه كان يسمع كلام الملائكة(٢)، والله أعلم.
قوله: ((جاءَّ يُعلِّم الناس)) في التفسير: ((ليُعلِّم))، وللإسماعيليِّ: ((أراد أنْ تعلَموا إذا لم
تسألوا))، ومثله لعمارة(٣)، وفي رواية أبي فَرْوة: ((والذي بَعَثَ محمداً بالحقِّ ما كنت بأعلم به
(١) عند النسائي (٤٩٩١).
(٢) أخرجه مسلم (١٢٢٦) (١٦٧).
(٣) عند مسلم (١٠)، وابن منده في ((الإيمان)) (١٦).

٢٦٦
باب ٣٧ / ح ٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
من رجل منكُم، وإنَّه لجبريلُ))، وفي حديث أبي عامر: ((ثمَّ ولَّى فلمَّا لم نَرَ طريقه قال النبي
وَ﴾: سُبْحان الله! هذا جِبْريل جاءَ ليُعلِّم الناس دينهم، والذي نَفْس محمد بَيَدِه ما جاءَني
قَطُّ إلَّا وأنا أعرفه، إلَّا أنْ تكون هذه المرّة))(١)، وفي رواية سليمان التَّيْمَيّ: ((ثمَّ نَهَضَ فولَّ،
فقال رسول الله وَله: عليَّ بالرجل، فطلبْناه كل مَطْلَب فلم نَقْدِر عليه، فقال: هل تدرون
مَن هذا؟ هذا جِبْريل أتاكم ليُعلِّمكم دينكم، خُذوا عنه، فوالذي نَفْسي بَيَدِه ما شُبَّهَ عليَّ
منذُ أتاني قبل مَرَّتي هذه، وما عَرَفْته حتَّى وَلَى))(٢)، قال ابن حِبَّان: تفرّد سليمان التَّيْمِيُّ
بقوله: ((خُذوا عنه)). قلت: وهو من الثِّقات الأثبات، وفي قوله: ((جاءَ ليُعلِّم الناس دينهم»
إشارة إلى هذه الزِّيادة، فما تفرَّد إلَّا بالتصريح، وإسناد التعليم إلى چِبريل مجازي، لأنه كان
السبب في الجواب، فلذلك أمَرَ بالأخذِ عنه. واتَّفقَتْ هذه الروايات على أنَّ النبيَّ وَلّ أخبر
الصحابة بشأنه بعد أنِ الْتَمَسوه فلم يجدوه.
وأمَّا ما وقع عند مسلم (٨) وغيره من حديث عمر في رواية كَهْمَس: ((ثمَّ انطَلَق، قال
عمر: فَلَبِئْت مليّاً ثمّ قال: يا عمر أتدري مَن السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنَّه
جِبْريل))، فقد جمع بين الروايتين بعض الشُّراح بأنَّ قوله: ((فَلَبِئْت مليّا)) أي: زماناً بعد
انصرافه، فكأنَّ النبيَّ نَّهِ أعلمَهم بذلك بعد مُضيِّ وقت ولكنَّه في ذلك المجلس. لكن
يُعكِّر على هذا الجمع قوله في رواية النَّسائيّ (٤٩٩٠) والتِّرمِذي (٢٦١٠): «فَلَبِئْت ثلاثاً»،
لكنِ اذَّعَى بعضهم فيها التصحيف، وأنَّ (مليّا)) صُغِّرَتْ ميمها فأشبَهَتْ ((ثلاثاً)، لأن
١٢٥/١ (ثلاثاً)) تُكتَب بلا ألف، وهذه الدَّعْوى مردودة، فإنَّ في رواية أبي عَوَانة:/ ((فَلَِثْنا لَياليَ،
فَلَقْيَني رسول الله وَ لَ بعد ثلاث))، ولابن حِبَّان (١٦٨): ((بعد ثالثة))، ولابن مَندَهْ (٧):
(بعد ثلاثة أيام)). وجمع النَّووي بين الحديثين بأنَّ عمر لم يحضُر قول النبي ◌ِّ في المجلس،
بل كان ممَّن قام إمَّا مع الذين تَوَجَّهوا في طلب الرجل أو لشُغْلِ آخر ولم يَرْجِع مع مَن رجع
(١) أخرجه أحمد (١٧١٦٧)، وفي سنده شهر بن حوشب، وهو سيئ الحفظ.
(٢) هذه الرواية بهذا اللفظ عند ابن حبان في ((صحيحه)) (١٧٣)، لكن فيها أحرف تفرَّد بها سليمان التيمي
کما أشار ابن حبان.

٢٦٧
باب ٣٧ / ح ٥٠
كتاب الإيمان
العارضٍ عَرَضَ له، فأخبر النبي ◌َِّ الحاضرين في الحال، ولم يَتَّفِقِ الإخبار لعمر إلَّا بعد
ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: ((فَلَقِيَني)) وقوله: ((فقال لي: يا عمر)) فوَجَّهَ الخِطاب له وَحْدَه،
بخلاف إخباره الأوَّل. وهو جمع حسن.
تنبيهات:
الأوّل: دَّت الروايات التي ذكرناها على أنَّ النبيَّ نَّ مَا عَرَفَ أنه جِبْريل إلَّا في آخر
الحال، وأنَّ جِبْريل أتاه في صورة رجل حسن الهَيْئة لكنَّه غير معروف لَدَيْهم، وأمَّا ما وقع في
رواية النَّسائيّ (٤٩٩١) من طريق أبي فَرْوة في آخر الحديث: ((وإنَّه لجبريلُ نزل في صورة
دِحْية الكَلْبِي)) فإنَّ قوله: ((نزل في صورة دِحْية الكَلْبي)) وَهْم، لأنَّ دِحْية معروف عندهم،
وقد قال عمر: (ما یعرفه منّا أحد))، وقد أخرجه محمد بن نصر المروزيُّ في كتاب «الإیمان»
له من الوجه الذي أخرجه منه النَّسائيُّ فقال في آخره: «فإنَّ جِبْریل جاءَ ليُعلِّمكم دينكم)»
حَسْبُ، وهذه الرواية هي المحفوظة لموافقتِها باقي الروايات.
الثاني: قال ابن المنِر: في قوله: ((يُعلِّمكم دينكم)) دلالة على أنَّ السؤال الحسن يُسمَّى
عِلْماً وتعليماً، لأنَّ جِبْريل لم يَصْدُر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سَّه مُعلِّماً، وقد اشتَهرَ
قولهم: حُسْن السؤال نصف العلم، ويُمكِن أنْ يُؤخَذ من هذا الحديث، لأنَّ الفائدة فيه
انبَنَتْ على السؤال والجواب معاً.
الثالث: قال القُرْطبي: هذا الحديث يَصلُح أنْ يقال له: أُم السُّنّة، لما تضمَّنه من جُل
عِلْم السُّنّة.
وقال الطِييُّ: لهذه النُّكْتَة استفتَحَ به البَغَويُّ كتابيْه ((المصابيح)) و((شرح السُّنّة)) اقتداء
بالقرآنِ في افتتاحه بالفاتحة، لأنها تَضمَّنَتْ علوم القرآن إجمالاً.
وقال القاضي عياض: اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة
من عُقود الإيمان ابتداء وحالاً ومَآلاً ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السَّرائر والتحَفُّظ
من آفات الأعمال، حتَّى إنَّ علوم الشّريعة كلّها راجعة إليه ومُتشعِّبة منه.

٢٦٨
باب ٣٨ / ح ٥١
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: ولهذا أشبعتُ القول في الكلام عليه، مع أنَّ الذي ذكرته وإنْ كان كثيراً لكنَّه
بالنّسبة لما يتضمَّنه قليل، فلم أُخالف طريق الاختصار. والله الموفِّق.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) يعني المؤلِّف: ((جعل ذلك كلّه من الإيمان)) أي: الإيمان الكامل
المشتمِل على هذه الأُمور كلّها.
٣٨- بابٌ
٥١- حدّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْدٍ، عن صالحٍ، عن ابن شِهابٍ،
عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، أنَّ عبد الله بنَ عبَّاس أخبره، قال: أخبرني أبو سفيان: أنَّ هِرَقَلَ قال
له: سألتُك: هل يزيدونَ أم يَنقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أنَّهم يَزِيدُونَ، وكذلكَ الإيمانُ حتَّى يَتِمَّ،
وسألتُكَ: هل يَرْتَدُّ أحَدٌ سُخْطَةً لِدِينِهِ بعدَ أنْ يدخلَ فيه؟ فَزَعَمْتَ أنْ لا، وكذلكَ الإِيمانُ حِينَ
تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ لا يَسْخَطُه أحَدٌ.
قوله: ((باب)) كذا هو بلا ترجمة في رواية كريمة وأبي الوَقْت، وسقط من رواية أبي ذرِّ
والأَصِيلي وغيرهما، ورجَّح النوويُّ الأول، قال: لأن الترجمة - يعني سؤالَ جبريل عن
الإيمان - لا يتعلَّق بها هذا الحديث، فلا يصحُّ إدخالُه فيه.
قلت: نفيُ التعلق لا يَتِمُّ هنا على الحالتين، لأنه إنْ ثبت لفظُ ((باب)) بلا ترجمة، فهو
بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، فلا بدَّ له من تعلُّق به، وإن لم يَتْبُت فتعلُّقه به متعيِّن،
لكنه يتعلق بقوله في الترجمة: ((جعل ذلك كلَّه ديناً))، ووجهُ التعلق أنه سَمَّى الدِّين إيماناً في
حديث هرقل، فيَتِمُّ مرادُ المؤلف بكون الدِّينِ هو الإيمان.
١٢٦/١
فإِنْ قيل: لا حُجّةَ له فيه، لأنه منقولٌ عن هرقل، فالجوابُ: أنه ما قاله من قِبَلِ اجتهاده،
وإنما أَخبر به عن استقرائه من كتب الأنبياء كما قرَّرناه فيما مضى. وأيضاً فهرقلُ قاله بلسانه
الرُّومي، وأبو سفيان عَبَّر عنه بلسانه العربي، وألقاه إلى ابن عباس - وهو من علماء اللسان -
فرواه عنه ولم يُنكِرْه، فدلَّ على أنه صحيحٌ لفظاً ومعنّى.
وقد اقتَصَر المؤلفُ من حديث أبي سفيان الطويل الذي تكلَّمنا عليه في بدء الوحي (٧)

٢٦٩
باب ٣٩ / ح ٥٢
كتاب الإيمان
على هذه القطعة لتعلّقها بغرضِه هنا، وساقه في كتاب الجهاد (٢٩٤١) تامّاً بهذا الإسناد
الذي أورده هنا، والله أعلم.
٣٩- باب فضل من استبرأ لدينه
٥٢- حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا زكرًّا، عن عامرٍ، قال: سمعتُ النُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ يقولُ:
سمعتُ رسولَ اللهِوَلَه يقولُ: ((الحلالُ بَيِّنٌّ والحرامُ بَيِّنٌّ وبينَهما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعلمُها كَثِيرٌ مِن
الناسِ، فمَنِ اتَّقَى المشبَّهاتِ استَبْأَ لِدِينِهِ وعِرْضِه، ومَن وَقَعَ في المشبَّهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ
الِحِمَّى يُوشِكُ أنْ يُواقعَه، ألا وإنَّ لكلِّ مَلِكٍ حِمَّى، ألا إنَّ حِمَى الله في أرضِه ◌َحارمُه، أَلَّا وإنَّ
في الجَسَدَ مُضْغةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فِسَدَ الجَسَدُ كلُّه، ألا وهي
القلبُ)).
[طرفه في: ٢٠٥١]
قوله: ((باب فضل مَن استبرأَ لدينِهِ)) كأنه أراد أنْ يُبيِّن أنَّ الورع من مُكمِّلات الإيمان،
فلهذا أورد حديث الباب في أبواب الإيمان.
قوله: ((حدّثنا زکریًّا)» هو ابن أبي زائدة، واسم أبي زائدة خالد بن ميمون الوادعي.
قوله: ((عن عامر)) هو الشّعْبي الفقیه المشهور. ورجال الإسناد کوفیُّون، وقد دخل
التُّعْمان الكوفة ووليَ إمرتها.
ولأبي عَوَانة في ((صحيحه)) (٥٤٧٣) من طريق أبي حَريز - وهو بفتح الحاء المهملة
وآخره زاي ـ عن الشَّعْبي: أنَّ النُّعمان بن بشير خَطَبَ به بالكوفة، وفي رواية لمسلم
(١٠٨/١٥٩٩): أنه خَطَبَ به بحِمْص. ويُجمع بينهما بأنه سمع منه مرتين، فإنَّه وليَ إمرة
البلدَينِ واحدة بعد أُخرى، وزاد مسلم (١٥٩٩/ ١٠٧) والإسماعيلي من طريق زكريًّا فيه:
((وأَهوى النُّعْمان بإصبَعِيه إلى أُذْنَيْه يقول: سمعت رسول الله وَّ يقول))، وفي هذا رَدٌّ لقول
الواقدي ومَن تَبِعَه: إنَّ النُّعْمان لا يصح سماعه من رسول الله وَّه.
وفيه دليل على صِحَّة تحمُّل الصبي المُميِّز، لأنَّ النبيَّ وَِّ مات وللتُّعْمان ثمان سنين،

٢٧٠
باب ٣٩ / ح ٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
وزكريًّا موصوف بالتدليس، ولم أرَه في ((الصحيحين)) وغيرهما من روايته عن الشَّعْبي إلَّا
مُعنعَناً، ثمَّ وجدته في ((فوائد)) ابن أبي الهيثم من طريق يزيد بن هارون عن زكريًّا، قال:
حذَّثنا الشَّعْبي، فحصل الأمن من تدليسه(١).
فائدة: ادَّعَى أبو عَمْرو الدّاني أنَّ هذا الحديث لم يَرْوِه عن النبيِ وَِّ غيرِ النُّعْمان بن
بشير، فإنْ أراد من وجه صحيح فمُسلَّم، وإلا فقد رُوّيناه من حديث ابن عمر وعَّر في
(الأوسط)) للطبرانيّ(٣)، ومن حديث ابن عبّاس في ((الكبير)) (١٠٨٢٤) له، ومن حديث
واثلة في ((الترغيب)) للأصبهاني، وفي أسانيدها مَقَال. وادَّعَى أيضاً أنه لم يَرْوِه عن النُّعْمان
غير الشَّعْبي، وليس كما قال: فقد رواه عن التُّعْمان أيضاً خيثمة بن عبد الرحمن عند أحمد
(١٨٣٤٧) وغيره، وعبد الملك بن عُمَير عند أبي عَوَانة (٥٤٧٤) وغيره، وسماك بن حرب
١٢٧/١ عند الطبراني، لكنَّه مشهور عن الشَّعْبي / رواه عنه جمع جَمٌّ من الكوفيِّين، ورواه عنه من
البصريّين عبد الله بن عَوْن، وقد ساق البخاري إسناده في البُيوع (٢٠٥١) ولم يَسُقْ لفظه،
وساقه أبو داود (٣٣٢٩)، وسنشيرُ إلى ما فيه من فائدة إن شاء الله تعالى.
قوله: ((الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن)) أي: في عينهما ووصفهما بأدِلَّتِهِما الظاهرة.
قوله: ((وبينهما مُشَبَّهات)) بوَزْن مُفعَّلات - بتشديد العين المفتوحة - وهي رواية مسلم(٣)،
أي: شُبِّهَتْ بغيرها ممّا لم يتبيَّن به حُكْمها على التعيين. وفي رواية الأَصِيلي: ((مُشتَبِهات))
بوَزْن مُفتَعِلات بتاءٍ مفتوحة وعين خفيفة مكسورة، وهي رواية ابن ماجَهْ (٣٩٨٤)، وهو
لفظ ابن عَوْن (٤)، والمعنى أنها اكتَسَبَت الشَّبَه من وجهين متعارضَين، ورواه الدّارميُّ
(٢٥٣١) عن أبي نُعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: ((وبينهما متشابهات)).
(١) قد صرح زكريا بن أبي زائدة بسماعه من الشعبي عند أحمد في ((المسند)) (١٨٣٧٤)، ثم إن زكريا متابع، قد
تابعه ابنُ عون وأبو فَرْوة عند البخاري (٢٠٥١).
(٢) الأول برقم (٢٨٦٨)، والثاني برقم (١٧٣٥).
(٣) في المطبوع من ((صحيح مسلم)) (١٥٩٩) بلفظ: ((مشتبهات))، وهي كذلك في نسخة مخطوطة منه عندنا،
وهي نسخة مسموعة مصححة، وعلى هامشها: مُشبِهات، بضم الميم وكسر الباء مخففة، وصحح عليها.
(٤) عند أبي داود (٣٣٢٩). وانظر تخريجه من طريقه في «صحيح ابن حبان)) (٧٢١).

٢٧١
باب ٣٩ / ح ٥٢
كتاب الإيمان
قوله: ((لا يعلمها كثيرٌ من الناس)) أي: لا يعلم حُكْمها، وجاءَ واضحاً في رواية التِّرمِذي
(١٢٠٥) بلفظ: ((لا يَدْري كثير من الناس أمنَ الحلال هي أم مِن الحرام)»، ومفهوم قوله:
((كثير)) أنَّ معرفة حُكْمها مُمكِن لكن للقليلِ من الناس وهم المجتهدون، فالشُّبُهات على هذا
في حق غيرهم، وقد تقع لهم حيثُ لا يَظْهر لهم ترجيح أحد الدليلين.
قوله: ((فمَنِ اتَّقَى المشبَّهات)) أي: حَذِرَ منها، والاختلاف في لفظها بين الرُّواة نظير التي
قبلها لكن عند مسلم والإسماعيلي: ((الشُّبُهات)) بالضم جمع شُبْهة.
قوله: ((استبْرَ) بالهمز بوَزْن استَفْعَلَ من البراءة، أي: بَّأ دينه من النقص وعِرْضه من
الطَّعْن فيه، لأنَّ مَن لم يُعرَف باجتناب الشُّبُهات لم يَسلَم لقول مَن يَطْعَن فیه، وفيه دليل
على أنَّ مَن لم يَتَوقَّ الشُّبْهة في كَسْبه ومعاشه فقد عَرَّضَ نَفْسه للطَّعْن فيه، وفي هذا إشارة
إلى المحافظة على أُمور الدّين ومُراعاة المُروءة.
قوله: ((ومَن وقع في المشبّهات)) فيها أيضاً ما تقدَّم من اختلاف الزُّواة. واختُلِفَ في
حُكْم الشُّبُهات، فقيل: التحريم، وهو مردود، وقيل: الكراهة، وقيل: الوَقْف. وهو
كالخلاف فيما قبل الشرع.
وحاصل ما فسَّرَ به العلماء الشُّبُهات أربعة أشياء:
أحدها: تَعارُض الأدلَّة كما تقدَّم.
ثانيها: اختلاف العلماء، وهي مُنتزَعة من الأُولى.
ثالثها: أنَّ المراد بها قِسْم (١) المكروه، لأنه يَجتَذِبه جانبا الفعل والتَّرك.
رابعها: أنَّ المراد بها المباح، ولا يُمكِن لقائل هذا أنْ يَحِمِله على متساوي الطَّرفَيْنِ من
كل وجه، بل يُمكِن حمله على ما يكون من قِسْم خلاف الأولى، بأن يكون متساوي
الطَّرفَينِ باعتبار ذاته، راجح الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج.
ونقل ابن المنيِّر في مناقب شيخه القَبّاري عنه أنه كان يقول: المكروه عَقَبة بين العبد
(١) في (س): مسمى.

٢٧٢
باب ٣٩ / ح ٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
والحرام، فمَن استكثَرَ من المكروه تَطَرَّقَ إلى الحرام، والمباح عَقَبة بينه وبين المكروه، فمَن
استكثَرَ منه تَطَرَّقَ إلى المكروه. وهو مَنزَع حسن، ويؤيِّده رواية ابن حِبَّان (٥٥٦٩) من
طريق ذكر مسلمٌ (١٠٧/١٥٩٩) إسنادها ولم يَسُقْ لفظها، فيها من الزِّيادة: ((اجعَلوا بينكم
وبين الحرام سُتْرة من الحلال، مَن فعل ذلك استَبْرأ لعِرْضِه ودينه، ومَن أرتَعَ فيه كان
كالمُرْتِعِ إلى جَنْب الحِمَّى يُوشِك أنْ يقع فيه))، والمعنى: أنَّ الحلال حيثُ يُحْشَى أنْ يؤول
فعله مُطلَقاً إلى مكروه أو مُحرَّم ينبغي اجتنابه، كالإكثار مثلاً من الطَِّّات، فإنَّه يُحوِج إلى كثرة
الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يُستَحق، أو يفضي إلى بَطَر النفس، وأقل ما فيه الاشتغال عن
مواقف العبوديّة، وهذا معلوم بالعادة مُشاهَد بالعيان.
والذي يَظْهر لي رُجْحانُ الوجه الأوَّل على ما سأذكُرُه، ولا يَبعُد أنْ يكون كلٌّ من
الأوجُه مراداً، ويختلف ذلك باختلاف الناس: فالعالم الفطِن لا يخفى عليه تمییز الحكم، فلا
يقع له ذلك إلّا في الاستكثار من المباح أو المكروه كما تقرَّر قبل، ودونه تقع له الشُّبْهة في
جميع ما ذُكِرَ بحَسَبِ اختلاف الأحوال. ولا يخفى أنَّ المستكثِر من المكروه تصير فيه جُرْأة
على ارتكاب المنهي في الجملة، أو تَجِمِله اعتياده ارتكاب المنهي غير المحرَّم على ارتكاب
المنهي المحرَّم إذا كان من جنسه، أو يكون ذلك لشُبْهةٍ فيه: وهو أنَّ مَن تَعاطَى ما نُهي عنه،
١٢٨/١ يصير مُظْلِم القلب لِفِقْدان نور الورع، فيقع في الحرام/ ولو لم يَخْتَر الوقوع فيه، ووقع عند
المصنّف في البيوع (٢٠٥١) من رواية أبي فَرْوة عن الشَّعْبي في هذا الحديث: ((فمَن ترك ما
شُبِّهَ عليه من الإثم، كان لما استَبان له أترك، ومَن اجتَرأ على ما يَشُكُّ فيه من الإثم، أوشكَ
أنْ يواقع ما استَبانَ)) وهذا يُرجِّح الوجه الأوَّل كما أشرت إليه.
تنبيه: استدلَّ به ابن المنيِر على جواز بقاء المجمَل بعد النبي ◌َّةِ، وفي الاستدلال بذلك
نظر، إلَّا إنْ أراد به أنه مُجُمَل في حق بعض دون بعض، أو أراد الردّ على مُنكِري القياس
فیحتمل ما قال، والله أعلم.
قوله: «ومن وقع في المشبّهات کراع یَرْعَی)» هكذا في جمیع نسخ البخاري بحذف جواب

٢٧٣
باب ٣٩ / ح ٥٢
كتاب الإيمان
الشَّرْط إن اعتبرتْ ((مَن)) شَرطيّة، وقد ثبت المحذوف في رواية الدّارميّ (٢٥٣١) عن أبي
نُعيم شيخ البخاري فيه فقال: ((ومَن وقع في الشُّبُهات وقع في الحرام، كالراعي يَرْعَى»،
ويُمكِن إعراب ((مَن)) في سياق البخاري موصولة فلا يكون فيه حذف، إذ التقدير: والذي
وقع في الشُّبُهات مِثل راع يَرْعَى، والأوَّ أَولى لثبوت المحذوف في ((صحيح مسلم))
(١٥٩٩) وغيره من طريق زكريًّا التي أخرجه منها المؤلّف، وعلى هذا فقوله: ((كراعٍ يَرْعَى))
جملة مُستأنَفة وَرَدَتْ على سبيل التمثيل للتنبيه بالشاهِدِ على الغائب.
والحِمَى: المحميُّ، أُطلِقَ المصدر على اسم المفعول. وفي اختصاص التمثيل بذلك
نُكْتة، وهي أنَّ ملوك العرب كانوا يَحمُون لمراعي مواشيهم أماكن مُختصّة يَتَوعَّدون مَن
يَرْعَى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمَثّل لهم النبي وََّ بما هو مشهور عندهم،
فالخائف من العقوبة المراقب لِرِضا الملِك، يَبعُد عن ذلك الحِمَى خَشْية أنْ تقع مواشيه في
شيء منه، فبُعْده أسلم له ولو اشتَدَّ حَذَرُه، وغير الخائف المراقب يَقرُب منه ويَرْعَى من
جوانبه، فلا يأْمَن أنْ تنفرد الفاذَّة فتقع فيه بغير اختياره، أو يَمْحَل المكان الذي هو فيه
ويقع الخِصْب في الحِمَى فلا يَملِك نَفْسه أنْ يقع فيه. فالله سبحانه وتعالى هو الملِك حقّاً،
وچِمَاه ◌َحَارمُه.
تنبيه: اذَّعَى بعضهم أنَّ التمثيل من كلام الشَّعْبي، وأنه مُدرَج في الحديث، حکی ذلك
أبو عَمْرو الدّاني، ولم أقف على دليله إلَّا ما وقع عند ابن الجارود (٥٥٥) والإسماعيلي من
رواية ابن عَوْن عن الشَّعْبي، قال ابن عَوْن في آخر الحديث: لا أدري المثَل من قول النبي
﴿4﴾ أو من قول الشَّعْبي.
قلت: وتردُّد ابن عَوْن في رفعه لا يستلزم كَوْنَه مُدرَجاً، لأنَّ الأثبات قد جَزَموا
باتِّصاله ورفعه، فلا يَقدَح شكٌّ بعضهم فيه. وكذلك سقوط المثَل من رواية بعض الرُّواة
- كأبي فَرْوة عن الشَّعْبي - لا يَقدَح فيمَن أثبتَه، لأنهم حُفَّاظ. ولعلَّ هذا هو السِّر في حذف
البخاري قوله: ((وقع في الحرام)) ليصيرَ ما قبل المثَل مرتبطاً به فيَسلَم من دعوى الإدراج.

٢٧٤
باب ٣٩ / ح ٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
ومَّا يُقوِّي عدم الإدراج رواية ابن حِبَّان (٥٥٦٩) الماضية، وكذا ثبوت المثَل مرفوعاً في
رواية ابن عبّاس وعَّار بن ياسر أيضاً (١).
قوله: ((أَلَا إِنَّ حِى الله في أرضه تحارِمُه)) سقط ((في أرضه)) من رواية المُستَمْلي، وثبتت
الواو في قوله: ((ألا وإنَّ حِمَى الله)) في رواية غير أبي ذرِّ، والمراد بالمَحارم: فعل المنهي
المحرَّم أو ترك المأمور الواجب، ولهذا وقع في رواية أبي فَرْوة التعبير بالمعاصي بدل
المحارم. وقوله: ((ألَا)) للتنبيه على صِحَّة ما بعدها، وفي إعادتها وتكريرها دليل على عِظَم
شأن مدلولها.
قوله: ((مُضْغة)) أي: قَدْر ما يُمضَغ، وعَبَّر بها هنا عن مِقْدار القلب في الرُّؤْية، وسُمّيَ
القلب قلباً لتقلُّبِه في الأُمور، أو لأنه خالص ما في البدن، وخالص كل شيء قلبه، أو لأنه
وُضِعَ في الجسد مقلوباً.
وقوله: ((إذا صَلَحَت) و((إذا فَسَدَت)) هو بفتح عينهما وتُضم في المضارع، وحكى الفَرَّاء
الضم في ماضي صَلَح، وهو يُضم وِفاقاً إذا صار له الصلاح هَيْئة لازمة لشرفٍ ونحوه،
والتعبير بـ((إذا)) لتحقَّق الوقوع غالباً، وقد تأتي بمعنى ((إنْ)) كما هنا. وخَصَّ القلب بذلك
لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تَصلُحِ الرَّعيَّة، وبفساده تَفسُد.
وفيه تنبيه على تعظيم قَدْر القلب، والحثّ على صلاحه، والإشارة إلى أنَّ لطِيبٍ
١٢٩/١ الكَسْب/ أثراً فيه، والمراد: المتعلِّق به من الفَهْم الذي رَكَّبَه الله فيه. ويُستَدل به على أنَّ
العقل في القلب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَمُهْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهِآَ﴾ [الحج: ٤٦]، وقوله تعالى:
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ، قَلْبُ﴾ [ق: ٣٧]، قال المفسِّرون: أي: عقل، وعَبَّر عنه
بالقلب لأنه محلٌّ استقراره.
فائدة: لم تقع هذه الزّيادة التي أوَّلها: ((ألا وإنَّ في الجسد مُضْغة)) إلَّا في رواية الشَّعْبي،
ولا هي في أكثر الروايات عن الشَّعْبي، إنَّما تفرَّد بها في ((الصحيحين)) زكريّا المذکور عنه،
(١) سلف تخريجها قريباً ص ٢٧٠.

٢٧٥
باب ٤٠ / ح ٥٣
كتاب الإيمان
وتابعه مجالد(١) عند أحمد (١٨٤١٢)، ومُغيرة وغيره عند الطبرانيّ. وعَبَّر في بعض رواياته
عن الصلاح والفساد بالصِّحّة والسَّقَم، ومناسبتها لما قبلها بالنَّظَر إلى أنَّ الأصل في
الاتِّقاء والوقوع هو ما كان بالقلب، لأنه عماد البدن.
وقد عَظَّمَ العلماء أمر هذا الحديث فعَدُّوه رابع أربعة تَدُور عليها الأحكام كما نُقِلَ عن
أبي داود، وفيه البيتان المشهوران وهما:
عُمْدة الدِّين عندنا كَلِماتٌ مُسنَداتٌ من قولِ خير البَرِيَّهْ
اترُكِ المُشَبَهاتِ وازهَدْ ودَعْ ما ليس يعنيكَ واعمَلَنَّ بِنِيَّهْ
والمعروف عن أبي داود عَدُّ ((ما نَهيتُكم عنه فاجتَنِبوه ... )) الحديث(٢) بدل: ((ازهَدْ فيما في
أيدي الناس))(٣).
وجعله بعضهم ثالثَ ثلاثة حَذَفَ الثاني، وأشار ابن العربي إلى أنه يُمكِن أنْ يُنتَزع منه
وَحْدَه جميع الأحكام، قال القُرْطبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تَعلُّق
جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يُمكِن أنْ تُرَدَّ جميع الأحكام إليه. والله المستعان.
٤٠ - باب أداء الخُمُس من الإيمان
٥٣- حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال: أخبرنا شُعْبةُ، عن أبي جَمْرةَ قال: كنتُ أقعُدُ معَ ابن
عبَّاس يُجْلِسُني على سَرِيرِهِ، فقال: أقِمْ عندي حتَّى أجعَلَ لك سَهْماً من مالٍ، فَأَقَمْتُ معَه
شهرين، ثمَّ قال: إنَّ وَفْدَ عبدِ القيسِ لمَّا آتَوُا النبيَّ ◌َّه قال: ((مَنِ القومُ؟)) أو ((مَنِ الوَقْدُ؟)) قالوا:
رَبِيعٌ، قال: ((مَرْحباً بالقوم - أو بالوَفْدِ - غيرَ خَزَايا ولا نَدامَى)) فقالوا: يا رسول الله، إنّا لا
(١) تحرف في (س) إلى: مجاهد.
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤١٠٢)، والحاكم ٤/ ٣١٣، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٥٢/٣ -٢٥٣ و ١٣٦/٧، وابن
عدي في ((الكامل)) ٣/ ٩٠٢، وإسناده ضعيف جداً، وجاء من طرق أخرى لا يصح منها شيء وبذلك
یستقیم قول أبي داود بإسقاطه من العدِّ.

٢٧٦
باب ٤٠ / ح ٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
نستطيعُ أنْ نأَتْيَكَ إلا في الشهرِ الحرام، وبينَنا وبينَكَ هذا الحيُّ من ◌ُفّار مُضَرَ، فَمُرْنا بِأَمْرٍ فَضْلٍ
نُخبِرُ به مَن وراءَنا ونَدخُلُ به الجنَّةَ، وسألُوه عن الأشربة، فأمَرَهم بأربعٍ ونَهَاهُم عن أربعٍ:
أمَرَهم بالإيمان بالله وحده، قال: ((أَتَدرُونَ ما الإيمانُ بالله وَحْدَه؟)) قالوا: الله ورسولُه أعلَمُ، قال:
(شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّ الله وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزَّكاة، وصِيامُ رمضانَ،
وأنْ تُعْطُوا مِن المَغْنَمِ الخُمُسَ)) ونَهَاهم عن أربعٍ: عن الحَتَم والدُّبَاءِ والنَّقِيرِ والمُزْقَّت - ورِّيَّما
قال: المُفِيَّر - وقال: ((احفَظُوهنَّ وأخْبِرُوا بِهِنَّ مَن وَراءَكُمْ)).
[أطرافه في: ٨٧، ٥٢٣، ١٣٩٨، ٣٠٩٥، ٣٥١٠، ٤٣٦٨، ٤٣٦٩، ٦١٧٦، ٧٢٦٦، ٧٥٥٦]
قوله: ((باب أداء الخُمُس من الإيمان)) هو بضم الخاء المعجمة، وهو المراد بقوله تعالى:
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُمْ مِن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. وقيل: إنَّه رُويَ هنا بفتح
الخاء، والمراد: قواعد الإسلام الخمس المذكورة في حديث: ((بُنيَ الإسلام على خمس))(١)،
وفيه بُعْد، لأنَّ الحج لم يُذكَر هنا ولأنَّ غيره من القواعد قد تقدَّم، ولم يُرِدْ هنا إلَّا ذِكْر ◌ُس
الغَنيمة، فَتَعيَّنَ أنْ يكون المراد إفراده بالذِّكْر. وسنذكر وجه كَوْنه من الإيمان قريباً (٢).
١٣٠/١
قوله: ((عن أبي جَمْرة)) هو بالجيم والراء كما تقدَّم، واسمه نصر بن عِمْران بن نوح بن
تَخَد الضُّبعيُّ، بضم الضاد المعجَمة وفتح الموحّدة، من بني ضُبَيعةَ بضم أوَّله مصغّراً، وهم
بَطْن من عبد القيس كما جزم به الرُّشَاطي، وفي بكر بن وائل بطن يقال لهم: بنو ضُبيعةَ أيضاً،
وقد وَهِمَ مَن نَسَبَ أبا جَمْرة إليهم من شُراح البخاري، فقد روى الطبرانيُّ وابن مَندَهْ في
ترجمة نوح بن تَلَد جد أبي جَمْرة: أنه قَدِمَ على رسول الله وَّه فقال له: ((مَّنْ أنتَ؟)) قال:
من ضُبيعةِ ربيعة، فقال: ((خير رَبِيعة عبدُ القيس، ثمَّ الحيُّ الذين أنتَ منهم))(٣).
(١) سلف برقم (٨).
(٢) قلنا: ويؤيد ترجيح الحافظ ابن حجر أن الخمس بالضم لا بالفتح: أن البخاري رحمه الله وضعه في كتاب
فرض الخمس کما سيأتي برقم (٣٠٩٥) في: باب أداء الخمس من الدين.
(٣) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٧١٢٢)، وعزاه الهيثمي في ((المجمع)) ٤٩/١٠ - بالإضافة إلى ((الأوسط)) -
إلى الطبراني في ((الكبير)) وقال: وفيه من لم أعرفهم.

٢٧٧
باب ٤٠ / ح ٥٣
كتاب الإيمان
قوله: ((كنت أقعُد مع ابن عبّاس)) بيَّن المصنِّف في العلم (٨٧) من رواية غُندَر عن شُعْبة
السبب في إكرام ابن عبّاس له ولفظه: ((كنت أُترجم بين ابن عبّاس وبين الناس)) قال ابن
الصلاح: أصل الترجمة التعبيرُ عن لغة بلُغةٍ، وهو عندي هنا أعمُّ من ذلك، وأنه كان يُبلِّغ
كلام ابن عبّاس إلى مَن خَفيَ عليه ويُبلِّغه كلامهم، إمَّا لِزِحامٍ أو لقُصورِ فَهْم.
قلت: الثاني أظهَر، لأنه كان جالساً معه على سريره، فلا فرقَ في الزِّحام بينهما إلّا أنْ يُحِمَل
على أنَّ ابن عبّاس كان في صَدْر السرير، وكان أبو جَمْرة في الطرف الذي يلي مَن يُترجِم
عنهم، وقيل : إنَّ أبا جَمْرة کان یعرف الفارسیّة فكان يُترچِم لابن عبّاس بها.
قال القُرْطبي: فيه دليل على أنَّ ابن عبّاس كان يكتفي في الترجمة بواحدٍ. قلت: وقد
بَوَّبَ عليه البخاري في أواخر كتاب الأحكام كما سيأتي (٧٢٦٦).
واستنْبَطَ منه ابن التِّين جواز أخذ الأجرة على التعليم لقوله: ((حتَّى أجعل لك سَهْماً
من مالي)) وفيه نظر، لاحتمال أنْ يكون إعطاؤه ذلك كان بسبب الرُّؤْيا التي رآها في العُمْرة
قبل الحج كما سيأتي عند المصنّف صريحاً في الحج (١٥٦٧).
وقال غيره: هو أصل في اتّخاذ المحدِّثِ المُستَمْليَ.
قوله: (ثُمَّ قال: إنَّ وَفْد عبد القيس)) بيَّن مسلم (٢٤/١٧) من طريق غُندَر عن شُعْبة
السبب في تحديث ابن عبّاس لأبي جَمْرة بهذا الحديث، فقال بعد قوله: ((وبين الناس)): فأتَتْه
امرأة تسأله عن نبيذ الجَرّ، فنهى عنه، فقلت: يا ابن عبّاس إني أنتَبِذ في جَرّة خَضْراء نبيذاً
حُلْواً، فأشرب منه فتُقْرقِرُ بطني، قال: لا تشرب منه وإنْ كان أحلى من العَسَل.
وللمصنّف في أواخر المغازي (٤٣٦٨) من طريق قُرّة عن أبي جَمْرة قال: قلت لابن
عَبَّاس: إِنَّ لِي جَرّة أنتَبِذُ فيها فأشربه حُلْواً، إنْ أكثرتُ منه فجالست القوم فأطلت الجلوس
خَشِيتُ أنْ أُفتضَح، فقال: ((قَدِمَ وَفْد عبد القيس)). فلمَّا كان أبو جَمْرة من عبد القيس،
وکان حديثهم يشتمل على النهي عن الانتباذ في الجِرار، ناسب أنْ یَذكُرَه له. وفي هذا دلیل
على أنَّ ابن عبّاس لم يَبلُغه نَسْخُ تحريم الانتباذ في الجِرار، وهو ثابت من حديث بريدة بن

٢٧٨
باب ٤٠ / ح ٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
الحُصَيب عند مسلم (٩٧٧) وغيره.
قال القُرْطبي: فيه دليل على أنَّ للمُفْتي أنْ يَذكُر الدليل مُستَغنياً به عن التنصيص على
جواب الفُتْيا إذا كان السائل بصيراً بموضع الحُجَّة.
قوله: ((لمَّا آتَوُا النبيَّ ◌َ لَ قال: مَن القوم؟ أو: مَن الوَفْد؟)) الشَّك من أحد الرُّواة، إمّا أبو
جَمْرة أو مَن دونه، وأظنّه شُعْبة، فإنَّه في رواية قُرّة وغيره بغير شك. وأغربَ الكِرْمانيُّ
فقال: الشَّك من ابن عبّاس.
قال النَّووي: الوَفْد: الجماعة المختارة للتقدُّم في لُقيِّ العُظَماء، واحدهم: وافدٌ. قال:
ووَفْد عبد القيس المذكورون كانوا أربعة عشر راكباً كبيرهم الأشجُّ، ذكره صاحب
((التحرير)) في ((شرح مسلم)) وسَمَّى منهم المنذر بن عائذ وهو الأشج المذكور، ومُنقِذ بن
حبَّان، ومَزِيدة بن مالك، وعَمْرو بن مرحوم، والحارث بن شعيب، وعُبيدة بن همَّام،
والحارث بن جُنْدُب، وصُحَار بن العبّاس، وهو بصادٍ مضمومة وحاء مُهملتَين، قال: ولم
نَعْتُر بعد طول التُّع على أسماء الباقين.
قلت: قد ذكر ابن سعد (٥٦٦/٥) منهم عُقْبة بن جَرْوة، وفي ((سنن أبي داود)) (٣٦٩٥):
قيس بن النُّعْمان العبدي، وذكره الخطيب أيضاً في ((المُبُهَمات))، وفي ((مسند البزَّار))(١)
١٣١/١ و((تاريخ ابن أبي خيثمة)): الجَهْم بن قُثَم، ووقع / ذِكْره في ((صحيح مسلم)) أيضاً لكن لم
يُسمِّه، وفي (مسندَي)) أحمد (١٥٩٤٨) وابن أبي شَيْبة: الرُّسَيم(٢) العبدي، وفي ((المعرفة))
لأبي نعيم: جُوَيريةُ العبدي، وفي ((الأدب))(٣) للبخاريّ: الزّارع بن عامر العبدي. فهؤلاء
السِّة الباقون من العَدَد. وما ذكر من أنَّ الوَقْد كانوا أربعة عشر راكباً لم يَذكُر دليله، وفي
((المعرفة)) لابن مَندَهْ من طريق هُود العَصَري، وهو بعين وصاد مُهملتَين مفتوحتين نسبة
(١) برقم (٢٧٤٦ - كشف الأستار عن زوائد البزار).
(٢) تصحف في (س) إلى: الرستم، بمثناة فوقية. والرُّسَيم: بضم الراء وفتح السين، هكذا وقع مضبوطاً في
نسخة (أ)، وهكذا ضبطه ابن نُقْطة، وأما ابن ماكولا فضبطه بفتح الراء وكسر السين، ونقل الضبطين ابنُ
الأثير في ترجمته من ((أسد الغابة)).
(٣) ((الأدب المفرد)) برقم (٩٧٥)، وأخرجه أبو داود (٥٢٢٥) بلفظ أصرح منه.

٢٧٩
باب ٤٠ / ح ٥٣
كتاب الإيمان
إلى عَصَرِ بَطْن من عبد القيس، عن جدّه لأُمِّه مَزِيدة قال: بينما رسول الله وَِّ يُحدِّث
أصحابه إذْ قال لهم: ((سيَطلُعُ لكم من هذا الوجه رَكْب هم خير أهل المشرق)) فقام عمر
فَلَقيَ ثلاثة عشر راكباً فَرَخَّبَ بهم وقَرَّبَ وقال: مَن القوم؟ قالوا: وَفْد عبد القيس.
فيُمكِّن أنْ يكون أحد المذكورين كان غير راكب أو مُرتَدِفاً.
وأمَّا ما رواه الدُّولابي (٢٧/١) وغيره من طريق أبي خَيْرة - بفتح الخاء المعجَمة
وسكون المثنَّاة التَّحتانية وبعد الراء هاء - الصُّبَاحي - وهو بضم الصاد المهملة بعدها
موحّدة خفيفة وبعد الألف حاء مُهمَلة - نسبة إلى صُبَاحِ بَطْن من عبد القيس، قال: كنت
في الوَفْد الذين أَتَوْا رسول الله وَ له من وَفْد عبد القيس، وكنّا أربعين رجلاً، فنهانا عن
الدُّاء والنَّقِير ... الحديث(١)، فيُمكِن أنْ يُجمَع بينه وبين الرواية الأُخرى بأنَّ الثلاثة عشر
كانوا رؤوس الوفد، ولهذا كانوا رُكْباناً، وكان الباقون أتباعاً.
وقد وقع في جملة من الأخبار ذِكْر جماعة من عبد القيس زيادة على مَن سَمَّيتُه هنا،
منهم أخو الزّارع واسمه مَطَر وابن أُخته ولم يُسمَّ وروى ذلك البَغَويُّ في ((معجمه))،
ومنهم: مُشَمْرَجِ السَّعْدي، روى حديثه ابن السَّكن وأنه قَدِمَ مع وفد عبد القيس، ومنهم:
جابر بن الحارث، وخُزيمة بن عبد بن عَمْرو، وهمَّام بن ربيعة، وجارية - أوَّله جيم - بن
جابر، ذكرهم ابن شاهين في ((معجمه))، ومنهم: نوح بن تَخَلَد جدُّ أبي جَمْرة، وكذا أبو
خيرة الصُّبَاحي كما تقدَّم. وإنَّما أطلتُ في هذا الفصل لقول صاحب ((التحرير)): إنَّه لم يَظْفَر
- بعد طول التُّع - إلَّا بما ذكر.
قال ابن أبي جَمْرة: في قوله: ((مَن القوم؟)) دليل على استحباب سؤال القاصد عن
نَفْسه ليُعرَف فیُنزَل منزلته.
قوله: ((قالوا: ربيعة)) فيه التعبير عن البعض بالكلِّ لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض
الرُّواة، فإنَّ عند المصنّف في الصلاة (٥٢٣) من طريق عَبَّاد عن أبي جَمْرة: فقالوا: إنَّا هذا
(١) وإسناده ضعيف، فلا ضرورة بعد هذا إلى تكلُّف الجمع بينه وبين الرواية الأخرى.

٢٨٠
باب ٤٠ / ح ٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
الحيَّ من ربيعة. قال ابن الصلاح: الحيَّ منصوب على الاختصاص، والمعنى: إنّا هذا الحي
حَيٌّ من ربيعة، قال: والحي: هو اسم لمنزل القبيلة، ثمَّ سُمِّيَت القبيلة به، لأنَّ بعضهم يحيا
ببعضٍ.
قوله: ((مَرْحباً)) هو منصوب بفعلِ مُضمَر، أي: صادفْتَ رُحْباً بضم الراء، أي: سَعَة،
والرَّحْب بالفتح: الشيء الواسع، وقد يزيدون معها أهلاً، أي: وَجَدْتَ أهلاً فاستأنِس،
وأفاد العَسْكَري أنَّ أوَّل مَن قال: مرحباً، سيف بن ذي يَزَن.
وفيه دليل على استحباب تأنيس القادم، وقد تكرَّر ذلك من النبي وَ لّ، ففي حديث أُم
هانئ: ((مَرْحباً بأُمُّ هانى))(١)، وفي قِصَّة عِكْرمة بن أبي جَهْل: ((مَرْحباً بالراكبِ المهاجر))(٢)،
وفي قِصَّة فاطمة: ((مَرْحباً بابنتي))(٣)، وكلّها صحيحة. وأخرج النَّسائيُّ (ك١٠٠٧٢) من
حديث عصام(٤) بن بَشِير الحارثي عن أبيه: أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال له لمَّا دخل فسلّم عليه:
((مَرْحباً، وعليك السلامُ)).
قوله: ((غيرَ خَزَايا)) بنصب ((غير)) على الحال، ورُويَ بالكسر على الصِّفة، والمعروف
الأوَّل، قاله النَّووي، ويؤيِّده رواية المصنِّف في الأدب (٦١٧٦) من طريق أبي النَّيّاح عن
أبي جَمْرة: ((مرحباً بالوَفْدِ الذين جاؤوا غير خَزَايا ولا نَدامَى))، وخَزَايا جمع خَزْيان:
وهو الذي أصابه خِزْي، والمعنى: أنهم أسلموا طَوْعاً من غير حرب أو سَبْي يُحزيهم
ويفضحهم.
قوله: ((ولا نَدامَى)) قال الخطَّبيُّ: كان أصله ((نادمين)) جمع نادم، لأنَّ نَدامَى إنَّما هو جمع
(١) سيأتي برقم (٣٥٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٧٣٥)، والطبراني في ((الكبير)) ١٧/ (١٠٢٢)، والحاكم ٢٤٢/٣ من حديث عكرمة،
وإسناده ضعيف.
(٣) سيأتي عند البخاري برقم (٣٦٢٣).
(٤) تحرف في (س) والنسخ الخطية إلى: عاصم، ولم يذكر أحدٌ ممن ترجم له أنه يقال له: عاصم، وقد جاء على
الصواب في كتاب النسائي.