النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ باب ٢١ / ح ٢٩ كتاب الإيمان والأوَّل أظهَر وأجرى/ على مألوف المصنّف، ويَعضُدُه إيرادُه لحديث ابن عبّاس بلفظ: ٨٤/١ ((ويَكْفُرْنَ العَشيرَ)) والعَشيرُ: الزوج، قيل له عَشيرٌ بمعنى: مُعاشِر، مثل: أَكِيل بمعنى: مُؤاكل، وحديث ابن عبّاس المذكور طرفٌ من حديث طويل أورده المصنّف في ((باب صلاة الكسوف)) (١٠٥٢) بهذا الإسناد تامّاً، وسيأتي الكلام علیه ثَمَّ. ونُنبِّه هنا على فائدتين: إحداهما: أنَّ البخاري يذهب إلى جواز تقطيع الحديث، إذا كان ما يَفصِلُه منه لا يتعلَّق بما قبله ولا بما بعده تَعلَّقاً يفضي إلى فساد المعنى، فصَنيعُه لذلك يُوهم مَن لا يَحَفَظُ الحديثَ أنَّ المختصَر غير التام، لا سيّما إذا كان ابتداءُ المختصَر من أثناء التام كما وقع في هذا الحديث، فإنَّ أوَّلَه هنا قوله ◌َّ: ((أُرِيتُ النارَ)) إلى آخر ما ذُكِرَ منه، وأَوَّلُ التامّ عن ابن عبَّاس قال: خَسَفَت الشمسُ على عَهْد رسول الله وَّةٍ ... فذكر قصّةَ صلاة الخُسوفِ ثمَّ خُطْبَةَ النبيِ وَِّ وفيها القَدْرُ المذكورُ هنا، فمَن أراد عَدَّ الأحاديثِ التي اشتمل عليها الكتابُ يظن أنَّ هذا الحديث حديثان أو أكثر لاختلاف الابتداء، وقد وقع في ذلك مَن حكى أنَّ عِدَّته بغير تَكْرار أربعةُ آلافٍ أو نحوُها كابن الصلاح والشيخ محيي الدِّين ومَن بعدهما، وليس الأمر كذلك، بل عِدَّتُه على التحرير ألفا حديثٍ وخمس مئة حديث وثلاثةً عشرَ حديثاً كما بَيَّنْتُ ذلك مُفَصلاً في المقدِّمة. الفائدة الثانية: تقرَّر أنَّ البخاري لا يعيد الحديث إلَّا لفائدةٍ، لكن تارةً تكون في المتن، وتارةً في الإسناد، وتارةً فيهما. وحيثُ تكون في المتن خاصّةً لا يعيدُه بصورتِهِ بل يتصرّفُ فيه، فإنْ كَثُرَتْ طُرِقُه أورد لكلِّ باب طريقاً، وإنْ قلَّت اختصر المتنَ أو الإسناد. وقد صنع ذلك في هذا الحديث، فإنَّه أورده هنا عن عبد الله بن مَسْلَمة - وهو القَعْنبيُّ - مُختصَراً مقتصراً على مقصود الترجمة كما تقدَّمت الإشارةُ إليه من أنَّ الكفرَ يُطلَق على بعض المعاصي، ثمَّ أورده في الصلاة (٤٣١) في ((باب مَن صَلَّ وقُدّامَه نار)) بهذا الإسناد بعَينِهِ، لكنَّه لمَّا لم يُغايِر اقتصر على مقصود الترجمة منه فقط، ثمَّ أورده في صلاة الكسوف ١٨٢ باب ٢٢ فتح الباري بشرح البخاري (١٠٥٢) بهذا الإسناد فساقه تامّاً، ثمَّ أورده في بدء الخَلْق (٣٢٠٢) في ذِكْرِ الشمسِ والقمر عن شيخٍ غير القَعْنبي مُقتصِراً على موضع الحاجة، ثمَّ أورده في عِشْرة النساء (٥١٩٧) عن شيخٍ غيرِ هما عن مالكٍ أيضاً. وعلى هذه الطريقة يُحمل جميعُ تصرُّفِهِ، فلا يُوجَد في كتابه حديثٌ على صورة واحدة في موضعَينِ فصاعداً إلَّا نادراً، والله الموقِّق. وسيأتي الكلامُ على ما تضمَّنه حديثُ الباب من الفوائد حیثُ ذکرہ تامّاً، إن شاء الله تعالى. ٢٢ - بابٌ المعاصي من أمر الجاهليَّة ولا يُكفّرُ صاحبُها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبيِّ نَّهِ: ((إنَّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهلِيَةٌ)). وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، فَسَّاهُمُ المؤمنينَ. قوله: ((بابٌ)) هو منوَّن. وقوله المعاصي مُبتدَأ ومن أمر الجاهليّة خبره، والجاهليّة ما قبل الإسلام، وقد يُطلَق في شخص مُعيَّن أي: في حال جاهليّته. ٨٥/١ وقوله: ((ولا يُكفَّ)) بتشديد الفاء المفتوحة، وفي رواية أبي الوَقْت بفتح أوَّله وإسكان الكاف. وقوله: ((إلَّا بالشِّركِ)) أي: إنَّ كل معصية تؤخَدُ من ترك واجب أو فعل مُرَّم، فهي من أخلاق الجاهليّة، والشّرك أكبر المعاصي ولهذا استَثْناه. ومُحُصَّل الترجمة أنه لمَّا قَدَّمَ أنَّ المعاصي يُطلَق عليها ((الكفر)) مَجازاً على إرادة كفر النِّعْمة لا كفر الجَحْد، أراد أنْ يُبيِّ أنه كفر لا يُخْرِج عن المِلَّة خلافاً للخَوارج الذين يُكفِّرون بالذُّنوب، ونَصُّ القرآنِ يردّ عليهم وهو قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾ فصَيَّرَ ما دون الشِّرك تحت إمكان المغفرة، والمراد بالشِّرك في هذه الآية الكفر، لأنَّ مَن جَحَدَ نُبوّة ١٨٣ باب ٢٢ كتاب الإيمان محمد وَّل﴿ مثلاً كان كافراً ولو لم يجعلْ مع الله إلهاً آخر، والمغفِرةُ منتفيةٌ عنه بلا خلاف. وقد يَرِدِ الشِّرك ويُراد به ما هو أخصُّ من الكفر كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]. قال ابن بَطَّال: غَرضُ البخاري الرَّدُّ على مَن يُكفِّر بالذُّنوب كالخَوَارِج، ويقول: إنَّ مَن مات على ذلك يُحُلَّد في النار، والآية تردُّ عليهم لأنَّ المراد بقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَآءُ﴾ مَن مات على كل ذَنْب سوى الشِّرك. وقال الكِرْمانيُّ: لكن في استدلاله بقول أبي ذرٍّ: ((عَيَّرْتُه بأُمِّه)) نظر، لأنَّ التعبير ليس کبیرةً، وهم لا يُكفِّرون بالصغائر. قلت: استدلالُه للردِّ عليهم من الآية ظاهر، ولذلك اقتصر عليه ابنُ بَطَّل، وأمَّا قِصَّة أبي ذرِّ فإِنَّمَا ذُكِرَتْ ليُستَدل بها على أنَّ مَن بَقيَتْ فيه خَصْلة من خِصال الجاهليّة سوى الشِّرك لا يَخْرُج عن الإيمان بها، سواءً كانت من الصغائر أم الكبائر، وهو واضح. واستدلَّ المؤلِّف أيضاً على أنَّ المؤمن إذا ارتَكَبَ معصيةً لا يكفر، بأنَّ الله تعالى أبقَى عليه اسم المؤمن فقال: ﴿وَإِن طَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْتَتَلُواْ﴾ ثمَّ قال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. واستدلَّ أيضاً بقوله وَله: ((إذا الْتَقَى المسلمان بسَيفَيهما)) فسمَّاهما مسلمَينِ مع التوعُّد بالنار، والمراد هنا: إذا كانت المقاتلة بغير تأويل سائغ. واستدلَّ أيضاً بقوله وَّله لأبي ذرّ: «فيكَ جاهليّة)) أي: خَصْلة جاهليّة، مع أنَّ مَنزِلةَ أبي ذرٍّ من الإيمان في الذُّرْوة العالية، وإِنَّا وَبَّخَه بذلك - على عظيم منزلته عنده - تحذيراً له من مُعاودة مِثل ذلك، لأنه وإنْ كان معذوراً بوجهٍ من وجوه العُذْر، لكن وقوع ذلك من مثله يُستَعْظَم أكثرَ مَّن هو دونه، وقد وَضَحَ بهذا وجهُ دخولِ الحديثين تحت الترجمة، وهذا على مُقتَضى هذه الرواية، رواية أبي ذرٍّ عن مشايخه، لكن سقط حديثُ أبي بَكْرةَ من رواية المُستَمْلِي، وأمَّا رواية الأَصِيلي وغيره فأُفرِدَ فيها حديثُ أبي بَكْرَةَ بترجمة ﴿وَإِن طَآَيِفَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وكلٌّ من الروايتين جمعاً وتفريقاً حسنٌ. ١٨٤ باب ٢٢ / ح ٣٠ فتح الباري بشرح البخاري والطائفة: القِطْعة من الشيء، ويُطلَق على الواحد فما فوقَه عند الجمهور. وأمَّا اشتراط حُضور أربعة في رَجْم الزّاني مع قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَابِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِينَ﴾ [النور: ٢] فالآية واردة في الجَلْد ولا اشتراطَ فيه، والاشتراطُ في الرَّجْم بدليلٍ آخر. وأمَّا اشتراط ثلاثة في صلاة الخوف مع قوله تعالى: ﴿فَلْنَهُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ فذاكَ لقوله تعالى: ٨٦/١ ﴿﴿وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ذكره بلفظ الجمع / وأقلَّه ثلاثةٌ على الصحيح. ٣٠- حدّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ المبارَك، حدَّثنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، حدَّثنا أيوبُ ويونسُ، عن الحسن، عن الأحْنَفِ بن قيسٍ قال: ذهبتُ لأنصُرَ هذا الرجلَ فَلَقِيَتي أبو بَكْرةَ فقال: أينَ تُرِيدُ؟ قلتُ: أَنْصُرُ هذا الرجلَ. قال: ارجع، فإني سمعتُ رسولَ الله وَِّ يقولُ: ((إذا التَّقَى المُسلِمان بسَيفَيهما، فالقاتلُ والمقتولُ في النار)) فقلتُ: يا رسولَ الله، هذا القاتلُ، فما بالُ المقتولِ؟ قال: ((إنَّه كان حَرِيصاً على قتلِ صاحبِه)). [طرفاه في: ٦٨٧٥، ٧٠٨٣] قوله: ((حدَّثنا أيوب)) هو السَّخْتِياني، ويونس: هو ابن عُبيد، والحسن: هو ابن أبي الحسن البصري، والأحنَف بن قيس مُخُضرَم وقد رأى النبيَّ وَلّه لكن قبل إسلامه، وكان رئيس بني تميم في الإسلام، وبه يُضرَب المثَلُ في الحِلْم. وقوله: ((ذهبتُ لأنصُر هذا الرجل)) يعني عليّاً، كذا هو في مسلم (٢٨٨٨) من هذا الوجه، وقد أشار إليه المؤلِّف في الفتن (٧٠٨٣) ولفظه: ((أُريد نُصْرةَ ابنِ عَمِّ رسولِ الله ◌ِّ)) زاد الإسماعيلي في روايته: يعني عليّاً. وأبو بَكْرة، بإسكان الكاف: هو الصحابي المشهور، وكان الأحتَفُ أراد أنْ يَخْرُجَ بقومِه . إلى علي بن أبي طالب ليقاتلَ معه يومَ الجَمل، فنهاه أبو بَكْرةَ فَرَجَع، وحمل أبو بَكْرةَ الحديثَ على عمومه في كل مسلمَينِ الْتَّقَيا بسَيفَيهما حَسْماً للمادة، وإلَّ فالحقُّ أنه محمولٌ على ما إذا كان القتالُ منهما بغير تأويلِ سائغٍ كما قدَّمناه، ويُخْصُّ ذلك من عموم الحديث المتقدِّم بدلیله الخاصِّ في قتال أهل البغي، وقد رجع الأحنفُ عن رأي أبي بكرةً في ذلك وشهد مع ١٨٥ باب ٢٢ / ح ٣١ كتاب الإيمان علي باقي حُروبه، وسيأتي الكلامُ على حديث أبي بَكْرةَ في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى. ورجال إسناده كلَّهم بصريُّون، وفيه ثلاثةٌ من التابعين يروي بعضُهم عن بعض وهم: أيوبُ والحسنُ والأحتَفُ. ٣١- حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدّثنا شُعْبةُ، عن واصلٍ، عن المعرُورِ قال: لَقِيتُ أبا ذرّ بالرَّبَذةِ وعليه حُلَّةٌ وعلى غُلامِه حُلَّةٌ، فسَألتُه عن ذلكَ، فقال: إني سابَبْتُ رجلاً فعَبَّتُه بأُمُّه، فقال ليَ النبيُّ وَّهِ: ((يا أبا ذرٍّ، أعَّرْتَه بأُّه! إِنَّكَ امِرُؤٌ فيكَ جاهلِيَّةٌ، إخْوانُكُمْ خَوَلُكُم جعلُمُ الله تحتَ أيدِيكُم، فمَن كان أخُوه تحتَ يَدِه فليُطْعِمْهُ ممَّ يأْكُلُ، وليُلْسِسْهُ ممَّا يَلْبَسُ، ولا تُكَلِّفُوهم ما يَغْلِيُهُم، فإنْ كَلَّقْتُمُوهم فَأَعِينُوهم)). [طرفاه في: ٢٥٤٥، ٦٠٥٠] قوله: ((عن واصل)) هو ابن حَيَّن، وللأَصِيلِيّ: هو الأحدَب، وللمصنِّف في العِثْق (٢٥٤٥): حدَّثنا واصلٌ الأحدَبُ. قوله: ((عن المعرور)) وفي العِثْق: ((سمعتُ المعرورَ بنَ سُوَيدٍ))، وهو بمُهمَلاتٍ ساكن العین. قوله: ((بالرَّبَذَة)) هو بفتح الراء والموحّدة والمعجَمة: موضع بالبادية، بينه وبين المدينة ثلاثُ مراحل. قوله: ((وعليه حُلَّة وعلى غُلامه حُلّة)) هكذا رواه أكثرُ أصحاب شُعْبةَ عنه، لكن في رواية الإسماعيلي من طريق معاذ عن شُعْبةَ: ((أَتَيْتُ أبا ذر، فإذا حُلَّةٌ عليه منها ثوبٌ وعلى عبدِه منها ثوب)) وهذا يوافق ما في اللُّغة أنَّ الحُلّة ثَوْبان من جنس واحد، ويؤيِّده ما في رواية الأعمش عن المعرور عند المؤلِّف في الأدب (٦٠٥٠) بلفظ: ((رأيتُ عليه بُرْداً وعلى غُلامه بُرْداً فقلت: لو أخَذْتَ هذا فلَبِسْتَه كانت حُلَّة))، وفي رواية مسلم (٣٨/١٦٦١): ((فقلنا: يا أبا ذر، لو جمعتَ بينهما كانت حُلَّةً))، ولأبي داود (٥١٥٧): ((فقال القوم: يا أبا ذر، لو أَخَذْتَ الذي على غُلامِكَ فجعلتَه مع الذي عليك لكانت حُلّةً))، فهذا موافق لقول أهل ١٨٦ باب ٢٢ / ح ٣١ فتح الباري بشرح البخاري اللُّغة، لأنه ذكر أنَّ الثوبَينِ يصيران بالجمع بينهما حُلّةً، ولو كان كما في الأصل: على كل واحد منهما حُلَّةٌ، لكان إذا جمعهما يصير عليه حُلَّتان. ويُمكِن الجمع بين الروايتين بأنه كان عليه بُرْدٌ جيِّد تحتَه ثوبٌ خَلَقٌ من جنسه وعلى غلامه كذلك، وكأنه قيل له: لو أخَذْتَ البُزْدَ الجيّد فأضَفْتَه إلى البُرْد الجيِّد الذي عليك وأعطيتَ الغُلامَ البُرْدَ الْخَلَقَ بدلَه لكانت خُلَّةً جيِّدةً، فَتَلَئِمُ بذلك الروايتان، ويُحمَل قولُه في رواية الأعمش: ((لكانت حُلَّةً)) أي: كاملةَ الجَوْدة، فالتنكير فيه للتعظيم، والله أعلم. وقد نقل بعضُ أهل اللُّغة أنَّ الحُلَّة لا تكون إلَّا ثوبَينِ جَديدَينِ يَخُلُّهما من طَيِّهما، فأفاد أصلَ تسمية الحُلَّة. وغُلامُ أبي ذرِّ المذكور لم يُسم، ويحتمل أنْ یکون أبا مُراوح مولى أبي ذرٍّ، وحديثه عنه في ((الصحيحين)). وذكر مسلم في ((الكُنَى)) أنَّ اسمَه سعدٌ. قوله: ((فسألتُه)) أي: عن السبب في إلباسه غُلامَه نظير لُبْسه، لأنه على خلاف المألوف، فأجابه بحكاية القصّة التي كانت سبباً لذلك. قوله: ((سابَيْتُ)) في رواية الإسماعيلي: ((شاتمتُ)) وفي الأدب للمؤلِّف (٦٠٥٠): ((كان بيني وبينَ رجلٍ كلامٌ)) وزاد مسلم (٣٨/١٦٦١): ((من إخواني)). وقيل: إنَّ الرجلَ المذكورَ هو بلالٌ المؤذِّنُ مولى أبي بكر، وروى ذلك الوليدُ بنُ مسلم مُنقطِعاً. ومعنى ((سابَيْت)): وقع بيني وبينه سِبابٌ بالتخفيف، وهو من السَّبِّ بالتشديد، وأصلُهُ القَطْعُ، وقيل: مأخوذ من السَّبَّة: وهي حَلْقة الدُّبُر، سُمِّيَ الفاحشُ من القول بالفاحشِ من الجسد، فعلى الأوَّل: المراد قَطْعُ المسبوب، وعلى الثاني: المراد كَشْف عَوْرَته، لأنَّ من شأن الساب إبداءَ عَوْرة المسبوب. قوله: ((فعَيَّرُه بأُمِّه)) أي: نسبته إلى العار، زاد في الأدب (٦٠٥٠): ((وكانت أُمّه أعجميّة ١٨٧ باب ٢٢ / ح ٣١ كتاب الإيمان فيِلْتُ منها)) وفي رواية: ((قلت له: يا ابنَ السَّوْداء))(١)، والأعجمي: مَن لا يُفصِح باللِّسان العربي سواء/ كان عربيّاً أو عَجميّاً، والفاء في ((فعَيَّرْته)) قيل: هي تفسيريَّة كأنه بيَّن أنَّ ٨٧/١ التعبيرَ هو السَّبُّ، والظاهرُ أنه وقع بينهما سِبابٌ وزاد عليه التعبير فتكون عاطفةً، ويدل عليه روايةُ مسلم قال: ((أعيَرْتَه بأُمِّه؟ فقلت: نعم، مَن سَبَّ الرجالَ سَبُّوا أَباه وأُمَّه. قال: إنَّكَ امِرُؤٌ فيك جاهليّة)) أي: خَصْلةٌ من خِصال الجاهليّة. ويَظْهر لي أنَّ ذلك كان من أبي ذرٍّ قبل أنْ يعرفَ تحريمَه، فكانت تلك الخَصْلةُ من خِصال الجاهليَّة باقيةً عنده، فلهذا قال كما عند المؤلِّف في الأدب (٦٠٥٠): ((قلت: على ساعتي هذه من كِبَرَ السِّنّ؟ قال: نَعَم)) كأنه تَعَجَّبَ من خَفاء ذلك عليه مع كِبَرَ سِنِّه، فبيَّن(٢) له وَجْهَ كَوْنِ هذه الخَصْلة مذمومةً شرعاً، وكان بعد ذلك يساوي غُلامَه في الملبوس وغيرِه أخذاً بالأَحوط، وإنْ كان لفظُ الحديث يقتضي اشتراطَ المواساة لا المساواة، وسنذكر ما يتعلَّق ببقيَّة ذلك في كتاب العِثْق (٢٥٤٥) حيثُ ذكره المصنِّفُ إن شاء الله تعالى. وفي السِّياق دلالةٌ على جواز تعدِيَة ((عَيَّرْته)) بالباء، وقد أنكره ابن قُتَيبة وتَبِعَه بعضُهم، وأثبتَ آخرون أنها لغةٌ. وقد جاءَ في سبب إِلْباس أبي ذرِّ غُلامَه مثل لُبْسِه أثرٌ مرفوع أصرحُ من هذا وأخصُّ، أخرجه الطبرانيُّ (٨١٠٤) من طريق أبي غالب عن أبي أمامةَ: أنَّ النبيَّ وَِّ أعطَى أبا ذر عبداً فقال: ((أطعِمْهُ ممَّا تأكُلُ، وأَلْبِسُهُ مَّا تَلْبَسُ)) وكان لأبي ذرٍّ ثوبٌ فشَقَّه نصفَين، فأعطَى الغُلامَ نصفَه، فرآه النبيُّ ◌َّهِ فسأله فقال: قلتَ يا رسولَ الله: «أَطعِمُوهم مما تأكلون، وألْبِسُوهم ممَّا تَلَبَسونَ))، قال: ((نَعَم)). (١) هذه الرواية من حديث أبي أمامة، وقد أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥١٣٥)، وفيه أن الذي عيَّره أبو ذر هو بلال، وسنده ضعيف جداً. (٢) في (أ): فذكر. ١٨٨ باب ٢٣ / ح ٣٢ فتح الباري بشرح البخاري ٢٣ - باب ظُلْم دونَ ظُلْم ٣٢- حدَّثنا أبو الوليد، قال: حدَّثْنا شُعْبةُ. وحدَّثني بِشْرٌ، قال: حدَّثنا محمَّدٌ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله قال: لمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب رسولِ الله وَ له أيُّنا لم يَظْلِمْ! فأنزلَ الله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. [أطرافه في: ٣٣٦٠، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٣٧] قوله: ((باب ظُلْمٌّ دونَ ظُلْم))، ((دون)) يحتمل أنْ تكون بمعنى: غير، أي: أنواعُ الظَّلْم مُتَغايِرةٌ. أو بمعنى الأدنى، أي: بعضُها أخَفُّ من بعض، وهو أظهَرُ في مقصود المصنّف. وهذه الجملةُ لفظُ حديثٍ رواه أحمدُ في كتاب ((الإيمان)) من حديث عطاء، ورواه أيضاً من طريق طاووسٍ عن ابن عبّاس بمعناه(١)، وهو في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ﴾ الآية [المائدة: ٤٤]، فاستعمله المؤلِّف ترجمةً، واستدلَّ له بالحديث المرفوع. ووجهُ الدّلالة منه أنَّ الصحابة فهموا من قوله: ﴿يظُلْمٍ﴾ عمومَ أنواع المعاصي، ولم يُنكِرْ علیھم النبيُّ وَ ل﴿ ذلك، وإنَّما بيَّن لهم أنَّ المراد أعظم أنواع الظُّلْم وهو الشِّرك على ما سنوضحه، فدلَّ على أنَّ للظُّلْم مراتبَ مُتفاوتَةً. ومناسبة إيراد هذا عَقِبَ ما تقدَّم من أنَّ المعاصي غيرَ الشِّركِ لا يُنسَبُ صاحبُها إلى الكفر المخرِج عن المِلَّة على هذا النَّقديرِ(٢) ظاهرة. قوله: ((حدَّثنا أبو الوليد)» هو الطَّيالسي. قوله: ((وحدَّثني بِشْرٌ)) كذا هو في الروايات المصحَّحة بواو العَطْف، وفي بعض النُّسَخ قبلها صورة ح، فإنْ كانت من أصل التصنيف فهي مُهمَلة مأخوذة من التحويل على المختار، وإنْ كانت مزيدة من بعض الرُّواة فيحتمل أنْ تكون مُهمَلة كذلك، أو مُعجَمة مأخوذة من البخاري لأنها رَمْزه، أي: قال البخاري: وحدَّثني بِشْر، وهو ابن خالد (١) وأخرجه الحاكم ٢/ ٣١٣ من طريق طاووس عن ابن عباس. (٢) في (ع) و(س): التقرير، براءين. ١٨٩ باب ٢٣ / ح ٣٢ كتاب الإيمان العَسْكَري، وشيخه محمد: هو ابن جعفر المعروف بغُندَرٍ، وهو أثبتُ الناس في شُعْبة، ولهذا أخرج المؤلِّف روايته مع كَوْنِه أخرج الحديثَ عالياً عن أبي الوليد، واللفظ المُساقُ هنا لفظ بِشْر، وكذلك/ أخرجه النَّسائي (ك١١١٠١) عنه، وتابعه ابنُ أبي عَديٍّ عن شُعْبة ٨٨/١ وهو عند المؤلّف في تفسير الأنعام (٤٦٢٩). وأمَّا لفظ أبي الوليد فساقه المؤلّف في قِصَّة لُقْمان (٣٤٢٨) بلفظ: ((أَيُّنا لم يَلْبِسْ إيمانَه بظُلْمٍ))، وزاد فيه أبو نُعيم في «مُستخرَجِه)) من طريق سليمان بن حرب عن شُعْبةَ بعد قوله: ﴿إِنَّ اُلْشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]: فطابتْ أَنفُسُنا. واقتَضَتْ رواية شُعْبة هذه أنَّ هذا السؤال سببُ نزول الآية الأُخرى التي في لُقْمان، لكن رواه البخاري ومسلم (١٢٤) من طُرق أُخرى عن الأعمش، وهو سليمانُ المذكور في حديث الباب، ففي رواية جَرِير عنه (٤٧٧٦): ((فقالوا: أَيُّنا لم يَلْبِسْ إِيمانَه بظُلْم؟ فقال: ليس بذلك، ألا تسمعون إلى قول لُقْمانَ))، وفي رواية وكيع عنه (٦٩٣٧): ((فقال: ليس كما تَظُنّونَ»، وفي رواية عيسى بن يونس عنه (٣٤٧٩): ((إنَّما هو الشِّركُ، ألم تسمعوا إلى ما قال لُقْمَانُ»، وظاهر هذا أنَّ الآية التي في لُقْمانَ كانت معلومةً عندهم ولذلك نبَّههم عليها، ويحتمل أنْ يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم ثمَّ نبَّههم فتَلْتِمِ الرواياتُ. قال الخطَّبيُّ: كان الشّركُ عند الصحابة أكبرَ من أنْ يُلقَّب بالظُّلْم، فحملوا الظُّلمَ في الآية على ما عداه - يعني من المعاصي - فسألوا عن ذلك، فنزلت هذه الآية. كذا قال، وفيه نظر. والذي يَظْهر لي أنهم حملوا الظُّلْمَ على عموم الشِّرك فما دُونَه، وهو الذي يقتضيه صَنیعُ المؤلِّف، وإنَّما حملوه على العموم لأنَّ قوله: ﴿يِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٢] نَكِرةٌ في سياق النَّفي، لكنَّ عمومها هنا بحَسَبِ الظاهر. قال المحقّقون: إنْ دخل على النَّكِرة في سياق النَّفي ما يُؤَكِّد العمومَ ويُقوِّيه نحو ((مِن)) في قوله: ما جاءَني من رجلٍ، أفاد تنصيصَ العموم، وإلّا فالعمومُ مُستفادٌ بحَسَبِ الظاهر ١٩٠ باب ٢٣ / ح ٣٢ فتح الباري بشرح البخاري كما فَهِمَه الصحابةُ من هذه الآية، وبيَّن لهم النبيُّ وَِّ أَنَّ ظاهرَها غيرُ مراد، بل هو من العام الذي أُرِيدَ به الخاصُّ، فالمراد بالظُّلْم أعلى أنواعه وهو الشّركُ. فإنْ قيل: من أين يلزم أنَّ مَن لَبَسَ الإيمانَ بظُلْمٍ لا يكون آمناً ولا مُهْتَدياً حتَّى شَقَّ عليهم، والسِّياقُ إنَّما يقتضي أنَّ مَن لم يُوجَدْ منه الظلمُ فهو آمن ومُهْتَدٍ، فما الذي دلَّ على نفي ذلك عمَّن وُجِدَ منه الظُّلمُّ؟ فالجواب أنَّ ذلك مُستفادٌ من المفهوم وهو مفهومُ الصِّفة، أو مُستفادٌ مِن الاختصاص المستفادِ من تقديم ((لهم)) على الأمن، أي: لهم الأمنُ لا لغيرهم، كذا قال الزمخشريُّ في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُهُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقال في قوله تعالى: كَلََّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] تقديم ((هو)) على ((قائلها)) يفيد الاختصاص، أي: هو قائلها لا غیرُه. فإن قيل: لا يلزم من قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] أنَّ غير الشِّرك لا يكون ظُلْماً. فالجواب: أنَّ التنوين في قوله: ﴿لَظُلْمٌ﴾ للتعظيم، وقد بيَّن ذلك استدلالُ الشارع بالآية الثانية، فالتقدير: لم يَلْبِسوا إيماءَهم بظُلْمٍ عظيمٍ، أي: بشِرْكٍ، إذْ لا ظُلْم أعظم منه، وقد وَرَدَ ذلك صريحاً عند المؤلِّف (٣٣٦٠) في قِصَّة إبراهيمَ الخليلِ عليه السلام من طريق حَفْص بن غياث عن الأعمش ولفظه: «قلنا: يا رسولَ الله، أَيُّنا لم يَظلِمِ نفسَه؟ قال: ليس كما تقولون، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾: بِشِرْكٍ، أَوَلم تسمعوا إلى قول لُقْمانَ)) فذكر الآية. واستَنبَطَ منه المازَرِي جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونازَعَه القاضي عِيَاضُ فقال: ليس في هذه القِصَّة تكليفُ عَملِ، بل تكليفُ اعتقادٍ بتصديقِ الخبر، واعتقادُ التصديق لازمٌ لأوَّلِ وُرودِهِ، فما هي الحاجةُ؟ ويُمكِن أنْ يقال: الاعتقاد أيضاً يحتاج إلى البيان، فلمَّ أجملَ الظُّلْمَ حتَّى تناولَ إطلاقُه جميعَ المعاصي، شَقَّ عليهم حتَّى وَرَدَ البيانُ، فما انتفت الحاجةُ. والحق أنَّ في القِصَّة تأخيرَ البيان عن وقت الخِطاب؛ لأنهم حيثُ احتاجوا إليه لم يتأخّر. ١٩١ باب ٢٤ / ح ٣٣ كتاب الإيمان قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ﴾ أي: لم يَخْلِطوا، تقول: لَبَسْتُ الأمرَ - بالتخفيف - ألْبِسُه، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، أي: خَلَطْتُه، وتقول: لَبِسْتُ الثوب الْبَسه، بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل. وقال محمد بنُ إسماعيل التَّيْمِيُّ في ((شرحه)): خَلْطُ الإيمان بالشِّركِ لا يُتصَوَّر، فالمراد أنهم لم تَحصُل لهم الصِّفَتان: كفر مُتأخّر عن الإيمان المتقدِّم، أي: لم يَرْتَدّوا. ويجوز أنْ يُراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهراً وباطناً، أي: لم يُنافقوا. وهذا أوجَه، ولهذا عَقَّبَه المصنِّف بباب علامات المنافق، وهذا من بدیع ترتيبه. فائدة: في هذا الإسناد روايةٌ ثلاثةٍ من التابعين بعضِهم عن بعض، وهم الأعمش عن شيخه إبراهيم بن يزيد / النَّخَعيِّ عن خاله عَلْقمة بن قيس النَّخَعي، والثلاثة كوفيُّون فقهاء، ٨٩/١ وعبد الله الصحابي هو ابن مسعود، وهذه الترجمة أحد ما قيل فيه: إنَّه أصح الأسانيد. والأعمش موصوف بالتدليس، ولكن في رواية حَفْص بن غياث التي تقدَّمت الإشارة إليها عند المؤلِّف عنه: ((حدَّثنا إبراهيم)) ولم أرَ التصريحَ بذلك في جميع طرقه عند الشيخين وغيرهما إلَّا في هذا الطريق. وفي المتن من الفوائد: الحملُ على العموم حتَّى يَرِدَ دليلُ النَّخصيص، وأنَّ النَّكِرة في سياق النَّفي تَعُمُّ، وأنَّ الخاصَّ يَقْضى على العام والمبيَّن على المجمَل، وأنَّ اللفظ يُحِمَل على خلاف ظاهره لمصلحة دَفْع التعارُض، وأنَّ درجات الظُّلْم تتفاوت كما تَرجَمَ له، وأنَّ المعاصي لا تُسمَّى شِرْكاً، وأنَّ مَن لم يُشْرِك بالله شيئاً فله الأمن وهو مُهْتَدٍ، فإنْ قيل: فالعاصي قد يُعذّب، فما هو الأمنُ والاهتداءُ الذي حصل له؟ فالجواب: أنه آمنٌ من التخليد في النار، مُهْتَدٍ إلى طريق الجنَّة، والله أعلم. ٢٤ - باب علامة المنافق ٣٣- حدَّثنا سليمانُ أبو الرَّبِيع، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ مالكِ ابن أبي عامرٍ أبو سُهَيلٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ◌َِّ قال: «آيَةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا ١٩٢ باب ٢٤ / ح ٣٣-٣٤ فتح الباري بشرح البخاري حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أخلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ)). [أطرافه في: ٢٦٨٢، ٢٧٤٩، ٦٠٩٥] ٣٤- حدَّثنا قَبِيصةُ بنُ عُقْبةَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن عبدِ الله بنِ مُرّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ قال: ((أربعٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافقاً خالصاً، ومَن كانت فيه خَصْلةٌ منهُنَّ كانت فيه خَصْلةٌ مِن النِّاقِ حَتَّى يَدَعَها: إذا اقْتُمِن خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ )). تابعه شُعْبُ عن الأعمش. [طرفاه في: ٣١٧٨،٢٤٥٩] قوله: ((باب علامات المنافق)) لمَّا قَدَّمَ أنَّ مراتبَ الكفرِ مُتفاوتةٌ، وكذلك الظُّلْمُ، أَتَبَعَه بأنَّ النِّفاق كذلك. وقال الشيخ محبي الدِّين: مرادُ البخاري بهذه الترجمة أنَّ المعاصي تُنْقِصُ الإيمان، كما أنَّ الطاعة تزيدُه. وقال الكِرْمانيُّ: مناسبة هذا الباب لكتابِ الإيمان أنَّ النِّفاقَ علامةُ عدم الإيمان، أو لِيُعلَمَ منه أنَّ بعض النِّفاق كفرٌ دون بعضٍ. والنِّفاق لغةً: مُخالَفةُ الباطن للظاهر، فإنْ كان في اعتقاد الإيمان فهو نِفاقُ الكفر، وإِلَّا فهو نِفاقُ العمل، ويدخل فيه الفعلُ والتركُ، وتتفاوت مراتبُه. قوله: ((حدَّثْنا سليمانُ أبو الرَّبيع)) هو الزّهْرانيُّ، بصريٌّ نزل بغداد، ومن شَيخِه فصاعداً مدنيُون، ونافعُ بن مالك: هو عَمُّ مالك بن أنس الإمام. قوله: ((آية المنافق ثلاثٌ)) الآيةُ: العلامةُ، وإفرادُ الآية إمَّا على إرادة الجنس، أو أنَّ العلامة إنَّا تَحصُل باجتماع الثلاث، والأوَّل أَلْيَقُ بصَنيع المؤلِّف، ولهذا تَرجَمَ بالجمع وعَقَّبَ بالمتنِ الشاهد لذلك. وقد رواه أبو عَوَانة في «صحيحه» (٤٣) بلفظ: «علاماتُ المنافق)). ١٩٣ باب ٢٤ / ح ٣٣ -٣٤ كتاب الإيمان فإن قيل: ظاهرُه الحَصْرُ في الثلاث، فكيف جاءَ في الحديث الآخر بلفظ: ((أربعٌ مَن كُنَّ فيه ... )) الحديث؟ أجاب القُرْطبيُّ باحتمال أنه استَجدَّ له وَّهِ من العلم بخِصالهم ما لم يكن عنده. وأقول: ليس بين الحديثين تَعارُضٌ، لأنه لا يلزمُ من عَدِّ الخَصْلة / المذمومة الدَّالّة على ٩٠/١ كمال النِّفاق كَوْنُها علامةً على النِّفاق، لاحتمال أن تكون العلامات دالّات على أصل النِّفاق، والخَصْلةُ الزائدةُ إذا أُضيفَتْ إلى ذلك كمُلَ بها خُلوص النِّفاق، على أنَّ في رواية مسلم (١٠٨/٥٨) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة ما يدلُّ على إرادة عدم الحَصْر، فإنَّ لفظه: ((من علامة المنافقِ ثلاثٌ))، وكذا أخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط» (٢٩٥٠) من حديث أبي سعيد الخُدْري، وإذا ◌ُلَ اللفظُ الأوَّل على هذا لم يَرِدِ السؤالُ، فیکون قد أخبر ببعض العلامات في وقتٍ، وببعضِها في وقت آخر. وقال القُرْطبيُّ أيضاً والنَّوويُّ: حصل من مجموع الروايتين خمسُ خِصالٍ، لأنهما تَوارَدَنا على الكذب في الحديث والخيانة في الأمانة، وزاد الأوَّلُ الخُلْفَ في الوعد، والثاني الغَدْرَ في المعاهدة، والفُجور في الخُصومة. قلت: وفي رواية مسلم في الثاني بدل الغَدْر في المعاهدة الخُلْفُ في الوعد كما في الأوَّل، فكأنَّ بعضَ الرُّواة تَصَرَّفَ في لفظه لأنَّ معناهما قد يَتَّحِدُ، وعلى هذا فالمَزِيد خَصْلة واحدة وهي الفجور في الخصومة، والفُجور: المَيلُ عن الحق والاحتيالُ في رَدّه. وهذا قد يَندَرِجُ في الحَصْلة الأولى وهي الكذب في الحديث. ووجهُ الاقتصار على هذه العلامات الثلاث: أنها مُنبِّهةٌ على ما عداها، إذْ أصل الدّيانة مُنحصِرٌ في ثلاثٍ: القول، والفعل، والنيَّة. فنبَّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النيَّ بالخُلْف، لأنَّ خُلْف الوَعْد لا يَقدَحُ إلَّا إذا كان العَزْمُ عليه مُقارناً للوعد، أمَّا لو كان عازماً ثمَّ عَرَضَ له مانعٌ أو بدا له رأيٌ، فهذا لم تُوجَد منه صورة النِّفاق، قاله الغَزَالي في ((الإحياء)). ١٩٤ باب ٢٤ / ح ٣٣-٣٤ فتح الباري بشرح البخاري وفي الطبراني (٦١٨٦) في حديث طويل ما يشهد له، ففيه من حديث سَلْمان: ((إذا وَعَدَ وهو يُحدِّث نَفْسه أنه يُخْلِفِ))، وكذا قال في باقي الخِصال، وإسنادُه لا بأس به ليس فيهم مَن أُجمعَ على تركه(١)، وهو عند أبي داود (٤٩٩٥) والتِّرمِذي (٢٦٣٣) من حديث زيد بن أرقم مُخْتَصَرٌ بلفظ: ((إذا وَعَدَ الرجلُ أخاه، ومن نيَّتِهِ أنْ يَفيَ له، فلم يَفِ، فلا إثمَ عليه)(٢). قوله: ((إذا وَعَدَ)) قال صاحب ((المحكم)): يقال: وَعَدتُه خيراً، ووَعَدتُه شراً. فإذا أسقَطوا الفعل قالوا في الخير: وَعَدتُه، وفي الشَّر: أوْعَدتُه. وحكى ابن الأعرابي في ((نوادره)): أوْعَدتُه خيراً، بالهمزة. فالمرادُ بالوعد في الحديث الوعد بالخير، وأمَّا الشَّر فيُستَحبُّ إخلافُه، وقد يجبُ ما لم يترتَّب على ترك إنفاذه مفسدةٌ. وأمَّا الكذب في الحديث، فحكى ابن التِّين عن مالك: أنه سُئِلَ عمَّن جُرِّبَ عليه كذبٌ فقال: أيُّ نوع من الكذب؟ لعلَّه حدَّث عن عَيْش له سَلَفَ فبالَغَ في وصفه، فهذا لا يَضُرُّ، وإِنَّا يَضُرُّ مَن حدَّث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه قاصداً الكذب. انتهى. قال النَّووي: هذا الحديث عَدَّه جماعة من العلماء مُشكِلاً من حيثُ إنَّ هذه الخِصال قد توجَدُ في المسلم المجمع على عدم المُكْم بكفره. قال: وليس فيه إشكالٌ، بل معناه صحيح، والذي قاله المحقّقون: إنَّ معناه أنَّ هذه ◌ِصالُ نِفاقٍ، وصاحبها شبيهٌ بالمنافقين في هذه الخِصال ومُتَخلِّق بأخلاقهم. قلت: ومُحصَّل هذا الجواب الحمل في التسمية على المجاز، أي: صاحب هذه الخِصال كالمنافق، وهو بناء على أنَّ المراد بالنِّفاق نِفاق الكفر. وقد قيل في الجواب عنه: إنَّ المراد بالنِّفاق نفاق العمل كما قدَّمناه. وهذا ارتضاه القُرْطبي واستدلَّ له بقول عمر لحذيفة: هل تعلَمُ فيَّ شيئاً من النِّفاق؟ فإنَّه لم يُرِد بذلك (١) قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١/ ١٠٨: فيه أبو النعمان عن أبي وقاص، وكلاهما مجهول. (٢) وفي إسنادهما أيضاً أبو النعمان وشيخه المجهولان. ١٩٥ باب ٢٤ / ح ٣٣ -٣٤ كتاب الإيمان نفاق الكفر، وإنَّما أراد نفاق العمل. ويؤيِّده وصفُه بالخالصِ في الحديث الثاني بقوله: ((كان منافقاً خالصاً)). وقيل: المراد بإطلاق النِّفاق: الإنذارُ والتحذير عن ارتكاب هذه الخِصال، وأنَّ الظاهر غير مرادٍ، وهذا ارتضاه الخطَّبيُّ. وذكر أيضاً أنه يحتمل أنَّ المتَّصِف بذلك هو مَن اعتاد ذلك وصار له دَيْدَناً. قال: ويدلُّ عليه التعبير بإذا، فإنَّها تدل على تكوُّر الفعل. كذا قال. والأَولى ما قال الكِرْمانيُّ: إنَّ حذف المفعول من ((حدَّث)) يدلُّ على العموم، أي: إذا حدَّث في كل شيء كذَبَ فيه، أو يصير قاصراً، أي: إذا وَجَدَ ماهيّة التحديث كذَب. وقيل: هو محمولٌ على مَن غَلَبَتْ عليه هذه الخِصالُ، وتهاون بها واستَخَفَّ بأمرها، فإنَّ مَن كان كذلك، كان فاسد الاعتقاد غالباً. وهذه الأجوبة كلّها مبنيّة على أنَّ اللام في المنافق للجنس، ومنهم مَن ادَّعَى أنها للعَهْدِ فقال: إنَّه وَرَدَ في حق شخص مُعيَّن، أو في حق المنافقين في عَهْد النبي ◌َِّ، وتَسَّكَ هؤلاء بأحاديث ضعيفةٍ جاءَتْ في ذلك، لو ثبت شيءٌ منها لَتَعيَّنَ المَصيرُ إليه. وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القُرْطبي، والله أعلم. قوله: ((تابعه شُعْبةُ)) وصل المؤلّف هذه المتابعة في كتاب المظالم (٢٤٥٩)، ورواية قَبِيصة عن سفيان - وهو الثَّوْري - ضَعَّفَها يحيى بن مَعِين، وقال الشيخ محبي الدِّين: إنَّما أوردها البخاري على طريق المتابعة لا الأصالة. وتعقَّبه الكِرْمانيُّ بأنها مُخالفة في اللفظ والمعنى من عِدّة چهات، فكيف تكون متابعة؟ وجوابه أنَّ المراد بالمتابعة هنا كَوْنُ الحديث مُرَّجاً في ((صحيح مسلم)) (٥٨) وغيره من طرق أُخرى عن الثَّوْري، وعند المؤلّف من طرق أُخرى عن الأعمش، منها رواية شُعْبة المُشار إليها، وهذا هو السِّر في ذِكْرها هنا. وكأنه فهمَ أنَّ المراد بالمتابعة حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وليس كذلك إذْ لو أراده لَسمَّه شاهداً. وأمَّا دعواه أنَّ بينهما مُخالَفة في المعنى فليس بمُسلَّم، لما قَرَّرْناه آنفاً. وغايته أنْ يكون في ١٩٦ باب ٢٥ / ح ٣٥ فتح الباري بشرح البخاري أحدهما زيادة، وهي مقبولة لأنها من ثقةٍ مُتِقِينٍ، والله أعلم. فائدة: رجالُ الإسناد الثاني كلّهم كوفيُّون، إلَّا الصحابي وقد دخل الكوفة أيضاً، والله أعلم. ٢۵- باب قيام ليلة القدر من الإیمان ٣٥- حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، قال: حدَّثنا أبو الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَن يَقُمْ ليلةَ القَدْرِ إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ)). [أطرافه في: ٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤] قوله: ((باب قيام ليلة القدر من الإيمان)) لمَّا بيَّن علامات النُّفاق وقُبْحَها رجع إلى ذِكْر علامات الإيمان وحُسْنها، لأنَّ الكلام على مُتَعلَّقات الإيمان هو المقصود بالأصالة، وإنَّما يَذْكُر مُتَعلَّقات غيره استِطْراداً. ثمَّ رجع فذكر أنَّ قيام ليلة القَدْر وقيام رمضان وصيام رمضان من الإيمان، وأورد الثلاثة من حديث أبي هريرة مُتَّحِدات الباعث والجزاء. وعَبَّر في ليلة القَدْر بالمضارع في الشَّرْط وبالماضي في جوابه، بخلاف الآخرَينِ فبالماضي فيهما، وأبدَى الكِرْمانيُّ لذلك نُكْتة لطيفة قال: لأنَّ قيام رمضان مُقَّقُ الوقوع، وكذا صيامُه، بخلاف قيام ليلة القَدْر، فإنَّه غير مُتَيِّقَّن، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل، انتهى كلامه. وفيه شيءٌ ستأتي الإشارة إليه. وقال غيره: استعمل لفظ الماضي في الجزاء إشارة إلى تحقَّق وقوعه، فهو نظير: ﴿ أَقَ أَمْرُ اللّهِ﴾ [النحل: ١]، وفي استعمال الشَّرْط مضارعاً والجواب ماضياً نِزاعٌ بين النُّحاة، فمَنَعَه الأكثر، وأجازَه آخرون لكن بقِلّةٍ، واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿إِن تَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَايَةً فَظَلَتْ﴾ [الشعراء: ٤] لأنَّ قوله: ﴿فَظَلَّتْ﴾ بلفظ الماضي، وهو تابعٌ للجواب، وتابعُ الجواب جوابٌ. واستدلُّوا أيضاً بهذا الحديث، وعندي في الاستدلال به نظرٌّ، لأنني أظنُّه من تصرُّف الرُّواة، لأنَّ الروايات فيه مشهورة عن أبي هريرة بلفظ المضارع في الشَّرْط والجزاء، وقد ١٩٧ باب ٢٦-٢٧ / ح ٣٦-٣٧ كتاب الإيمان رواه النَّسائيُّ (ك ٣٣٩٨) عن محمد بن علي بن ميمون، عن أبي اليَمَان شيخ البخاري فيه، فلم يُغاير بين الشَّرْط والجزاء بل قال: ((مَن يَقُم ليلةَ القَدْرِ يُغفَرْ له))، ورواه أبو نُعيم في (المستخرَج)) عن سليمان، وهو الطبرانيُّ، عن أحمد بنِ عبد الوهّاب بن نَجْدة، عن أبي اليَمَان، ولفظه زائد على الروايتين فقال: ((لا يقومُ أحدُكم ليلةَ القَدْرِ / فيوافقُها إيماناً ٩٢/١ واحتساباً، إلَّا غَفَرَ الله له ما تقدَّم من ذَنْبه))، وقوله في هذه الرواية: ((فیُوافقُها)» زيادة بيان، وإِلَّا فالجزاء مُرتَّب على قيام ليلة القَدْر، ولا يَصْدُق قيام ليلة القَدْر إلَّا على مَن وافقها، والحَصْر المستفاد من النَّفي والإثبات مُستفاد من الشَّرْط والجزاء، فوَضَحَ أنَّ ذلك من تصرُّف الزُّواة بالمعنى، لأَنَّ مَخَرَج الحديث واحد. وسيأتي الكلام على ليلة القَدْر وعلى صيام رمضان وقيامه إن شاء الله تعالى في كتاب الصيام (١٩٠١ و٢٠٠٨). ٢٦ - باب الجهاد من الإیمان ٣٦- حدَّثْنَا حَرَمِيُّ بنُ حَفْصٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد، قال: حدَّثنا عُمارةُ، قال: حدَّثنا أبو زُرْعَةَ بنُ عَمْرِو بنِ جَرِيٍ، قال: سمعتُ أبا هُرَيرةَ، عن النبيِّ وَّ قال: ((انتَدَبَ اللهُ لمن خَرَجَ في سَبِيلِه لا يُخْرِجُه إلا إيمانٌ بي وتَصدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أَرْجِعَه بما نالَ من أجرٍ أو غَنِيمةٍ أو أُدْخِلَه الجنَّةَ، ولَوْلا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي مَا فَعَدْتُ خلفَ سَرِيَّةٍ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْتَلُ في سَبِيلِ الله ثمَّ أُخْيا، ثمَّ أُقْتَلُ ثمَّ أُخْيا، ثمَّ أُقْتَلُ)). [أطرافه في: ٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣، ٧٢٢٦، ٧٢٢٧، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣] ٢٧ - باب تطوُّعُ قيام رمضانَ من الإيمان ٣٧- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثْني مالكٌ، عن ابن شِهابٍ، عن مُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هُرَيرة، أنَّ رسولَ الله وَّرَ قال: ((مَن قام رمضانَ إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ». ١٩٨ باب ٢٨ / ح ٣٨ فتح الباري بشرح البخاري ٢٨ - باب صومُ رمضانَ احتساباً من الإيمان ٣٨- حدَّثنا ابنُ سَلَام، قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ فُضَيلٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرةَ قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: ((مَن صامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ». قوله: ((باب الجهاد من الإيمان)) أورد هذا الباب بين قيام ليلة القَدْر وبين قيام رمضان وصيامه، فأمَّا مناسبة إيراده معها في الجملة فواضحٌ لاشتراكها في کَوْنها من خِصال الإيمان، وأمَّا إيرادُه بين هذينِ البابينِ مع أنَّ تَعلَّقَ أحدِهما بالآخرِ ظاهرٌ فلِنُكْتَةٍ لم أرَ مَن تَعرَّضَ لها، بل قال الكِرْمانيُّ: صنيعُه هذا دالٌّ على أنَّ النَّظَر مقطوعٌ عن غير هذه المناسبة، يعني اشتراکها في گوْنها من خصال الإیمان. وأقولُ: بل قيامُ ليلة القَدْر، وإنْ كان ظاهرَ المناسبة لقيام رمضان، لكن للحديث الذي أورده في باب الجهاد مناسبة بالتماس ليلة القَدْر حسنة جدّاً، لأنَّ الْتماس ليلة القَدْر يَسْتَدْعي محافظةً زائدةً ومُجاهَدةً تامّةً، ومع ذلك فقد يوافقُها أو لا، وكذلك المجاهدُ يَلتمِسُ الشهادة ويَقصِد إعلاء كلمة الله، وقد يَحَصُّل له ذلك أو لا، فتَنَاسَبا في أنَّ فِي كُلِّ منهما مُجاهَدةً، وفي أنَّ كُلَّ منهما قد يُحِصِّل المقصود الأصلي لصاحبه أو لا، فالقائم لالتماس ليلة القَدْر مأجور، فإنْ وافقها كان أعظمَ أجراً، والمجاهد لالتماس الشهادة مأجور، فإنْ وافقها كان أعظم أجراً. ويشير إلى ذلك تمنِّيه وَِّ الشهادة بقوله: ((ولَوَدِدْت أنّ أُقْتَلُ في سبیل الله)). فذکر المؤلِّف فضل الجهاد لذلك استِطْراداً، ثمّ عاد إلى ذِكْر قيام رمضان، وهو بالنّسبة لقيام ليلة القَدْر عام بعد خاص، ثمَّ ذكر بعده باب الصيام، لأنَّ الصيام من التُّروك فأخَّرَه عن القيام لأنه من الأفعال، ولأنَّ الليل قبل النهار، ولعلَّه أشار إلى أنَّ القيام ٩٣/١ مشروع/ في أوَّل ليلة من الشهر خلافاً لبعضهم. قوله: ((حدَّثنا حَرَمي)» هو اسم بلفظ النِّسبة، وهو بصري يُكْنى أبا علي. قوله: ((حدَّثنا عبد الواحد)» هو ابن زياد البصري العبدي، ويقال له: الثَّقفي، وهو ثقة ١٩٩ باب ٢٨ / ح ٣٨ كتاب الإيمان مُتَقِن. قال ابن القَطَّان: لم يُعتَلَّ عليه بقادح. وفي طبقته عبد الواحد بن زيد بصري أيضاً لكنَّه ضعيف ولم يُخرَّج عنه في ((الصحيحين)) شيء. قوله: ((حدَّثنا عمارةُ)) هو ابن القَعْقاع بن شُبْرُمةَ الضَّبّ. قوله: ((انتَدَبَ اللهُ) هو بالنون والدال المهملة، سارَعَ بثوابه وحُسْن جزائه، وقيل: بمعنى: أجاب إلى المراد، ففي ((الصِّحاح)): نَدَبْتُ فُلاناً لكذا فانتَدَبَ، أي: أجاب إليه، وقيل: معناه: تكفَّل بالمطلوب، ويدل عليه رواية المؤلِّف في أواخر الجهاد (٣١٢٣) لهذا الحديث من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: ((تكفَّل الله)) وله في أوائل الجهاد (٢٧٨٧) من طريق سعيد بن المسيِّب عنه بلفظ: ((تَوكَّلَ الله)) وسيأتي الكلام عليها وعلى رواية مسلم هناك إن شاء الله تعالى. ووقع في رواية الأَصِيلي هنا ((ائتَدَبَ)) بياءٍ تحتانيَّة مهموزة بدل النون من المأدبة، وهو تصحيف، وقد وَجَّهوه بتكلَّفٍ، لكن إطباق الرُّواة على خلافه مع اتّحاد المخرَج كافٍ في تخطئته. قوله: ((لا يُخْرِجه إلَّا إيمان بي)) كذا هو بالرفع على أنه فاعل ((يُخْرِج)) والاستثناء مُفرَّغ، وفي رواية مسلم (١٨٧٦) والإسماعيلي: ((إلَّا إيماناً)) بالنصب، قال النَّووي: هو مفعول له، وتقديره: لا يُخْرِجه المخرج إلَّا الإيمان والتصديق. قوله: ((وتصديق بُرُسُلي)) ذكره الكِرْمانيُّ بلفظ: ((أو تصديق)) ثمَّ استشكله وتَكلَّفَ الجواب عنه، والصواب أسهل من ذلك، لأنه لم يَثبُت في شيء من الروايات بلفظ ((أو))، وقوله: ((بي)) فيه عُدول عن ضمير الغَيبة إلى ضمير المتكلِّم، فهو الْتِفات. وقال ابن مالك: كان اللَّائق في الظاهر هنا: إيمان به، ولكن على تقدير اسم فاعل من القول منصوب على الحال، أي: انتَدَبَ الله لمن خرج في سبيله قائلاً: لا يُخْرِجه إلَّا إیمان بي، ولا يُخْرِجِه مَقُول القول لأنَّ صاحب الحال على هذا التقدير هو الله. وتعقّبه شهاب الدِّين ابن المرحِّل بأنَّ حذف الحال لا يجوز، وأنَّ التعبير باللَّائقِ هنا غير لائق، فالأَولى أنه من ٢٠٠ باب ٢٩ / ح ٣٩ فتح الباري بشرح البخاري باب الالتفات، وهو مُتَّجِه، وسيأتي في أثناء فرض الخُمُس (٣١٢٣) من طريق الأعرج بلفظ: «لا يُخْرِ جہ إلّا الجهاد في سبیله وتصدیق گَلِماته». تنبيه: جاءَ هذا الحديث من طريق أبي زُرْعة هذه مُشتمِلاً على أُمور ثلاثة، وقد اختصر المؤلِّف من سياقه أكثر الأمر الثاني، وساقه الإسماعيلي وأبو نُعيم في ((مُستخرَجيهما)) من طريق عبد الواحد بن زياد المذكور بتمامه، وكذا هو عند مسلم (١٨٧٦) في هذا الحديث من وجه آخر عن عُمارة بن القَعْقاع، وجاءَ الحديث مُفرَّقاً من رواية الأعرَج وغيره عن أبي هريرة كما سيأتي عند المؤلِّف في كتاب الجهاد (٣١٢٣)، وهناك يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. وقد تقدّمت الإشارة إلى أنَّ الكلام على قيام رمضان وباب صيام رمضان يأتي في كتاب الصيام (١٩٠١ و ٢٠٠٨). ٢٩ - بابٌّ الدِّين يُسرٌ وقولُ النبيِّ ◌َّ: ((أحبُّ الدِّينِ إلى الله الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحةُ)). ٣٩- حدَّثنا عبدُ السلام بنُ مُطهّرٍ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ عليّ، عن مَعْنِ بنِ محمَّدِ الغِفاري، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدِ المَقْبُري، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ نَّهِ قال: ((إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولن يُشاذّ الدِّينَ إلا غَلَبَه، فسَدِّدُوا وقارِبُوا، وأبشِرُوا، واستَعِينُوا بالغَدْوةِ والرَّوْحةِ وشيءٍ مِن الدُّالْجَةِ)). [أطرافه في: ٥٦٧٣، ٦٤٦٣، ٧٢٣٥] قوله: ((باب الدّين يُسْر))، أي: دين الإسلام ذو يُسْر، ويُسمَّى الدينُ يُسْراً مُبالَغة بالنّسبة إلى الأديان قبله، لأنَّ الله رفع عن هذه الأُمّة الإصر الذي كان على مَن قبلهم. ومن أوضح الأمثلة له أنَّ توبتهم كانت بقتلِ أنفُسهم، وتوبة هذه الأُمّة بالإقلاع والعَزْم والنَّدَم. قوله: ((أَحبُّ الدِّين)) أي: خِصال الدّين، لأنَّ خِصال الدين كلَّها محبوبة/ لكن ما كان منها سَمْحاً - أي: سَهْلاً - فهو أحب إلى الله. ويدل عليه ما أخرجه أحمد (١٥٩٣٦) بسندٍ ٩٤/١