النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
باب ١١ / ح ١٨
كتاب الإيمان
((على)) للمُبالَغة في تحقَّق وقوعه كالواجبات، ويتعيَّن حملُه على غير ظاهره للأدلَّة القاطعة(١)
على أنه لا يَجِبُّ على الله شيء، وسيأتي في حديث معاذ بن جبل (٢٨٥٦) في تفسير حق الله
على العباد تقريرُ هذا.
فإن قيل: فلِمَ اقتصر على المنهيّات ولم یذكُر المأمورات؟ فالجواب: أنه لم ◌ُهمِلْها، بل ذكرها
على طريق الإجمال في قوله: ((ولا تَعْصُوا)) إذ العصيان مُخالَفة الأمر، والحِكْمة في التنصيص على
كثير من المنهيَّات دون المأمورات: أنَّ الكَفَّ أيسرُ من إنشاء الفعل، لأنَّ اجتناب المفاسد مُقدَّم
على اجتلاب المصالح، والتخلّي عن الرذائل قبل التحَلّي بالفضائل.
قوله: (ومَن أصاب من ذلك شيئاً فعُوقِبَ) زاد أحمد في روايته عن أبي اليمان بهذا
الإسناد: ((به)) أي: بسببه(٢).
قوله: ((فهو)) أي: العِقاب ((كَفّارةٌ)) زاد أحمد: ((له))، وكذا هو للمصنِّ من وجهٍ آخرَ في
باب المشيئة من كتاب التوحيد (٧٤٦٨)، وزاد: ((وطَهور)).
قال النَّووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] فالمرتَدُّ إذا قُتِل على ارتِداده، لا يكون القتل له كَفّارة. قلت: وهو
بناءً على أنَّ قوله: ((من ذلك شيئاً) يتناول جميعَ ما ذُكِرَ، وهو ظاهرٌ.
وقد قيل: يحتملُ أنْ يكون المراد ما ذُكِرَ بعد الشِّرك، بقرينة أنَّ المخاطَبَ بذلك
المسلمون، فلا يدخلُ حتَّى يُحْتَاجَ إلى إخراجه، ويؤيِّدُه رواية مسلم (١٧٠٩/ ٤٣) من
طريق أبي الأشعَث عن عُبادةَ في هذا الحديث: ((ومَن أتى منكم حَدّاً)، إذ القتلُ على الشّرك
لا يُسمَّى حَدّاً.
لكن يُعكِّرُ على هذا القائل، أنَّ الفاء في قوله: ((فمَن)) لترتيبِ ما بعدَها على ما قبلَها،
(١) في (س): القائمة.
(٢) من قوله: ((عن أبي اليمان)) إلى هنا - غير لفظة ((به)) - سقط من (س). وقد سلف قريباً التعليق على رواية
أبي اليمان هذه، على أن هذه الزيادة والتي تليها عند أحمد في الروايتين المذكورتين سابقاً.

١٤٢
باب ١١ / ح ١٨
فتح الباري بشرح البخاري
وخِطابُ المسلمين بذلك لا يمنعُ التحذيرَ من الإشراك. وما ذُكِرَ في الحَدِّ عُرْفٌّ حادثٌ،
فالصوابُ ما قاله النَّوويُّ.
وقال الطِّييُّ: الحقُّ أن المراد بالشّركِ الشّركُ الأصغرُ وهو الرّياءُ، ويدلُّ عليه تنكيرُ
((شيئاً)) أي: شِرْكاً أياً ما كان. وتُعُقِّبَ بأن عُرْفَ الشارع إذا أَطْلَقَ الشِّركَ إنما يريد به ما
يُقابِلُ التوحيد، وقد تكرَّر هذا اللفظ في الآيات والأحاديث حيثُ لا يُراد به إلَّا ذلك.
٦٦/١ ويُجاب بأنَّ طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز، فما قال مُحْتَمَلٌ / وإنْ كان ضعيفاً، ولكن
يُعكِّر عليه أيضاً أنه عَقَّبَ الإصابةَ بالعقوبة في الدنيا، والرّياء لا عقوبة فيه، فوَضَحَ أنَّ
المراد الشّركُ وأنه مخصوص.
وقال القاضي عياض: ذهب أكثر العلماء أنَّ الحدود كَفّاراتٌ، واستدلّوا بهذا الحديث،
ومنهم مَن وَقَفَ لحديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((لا أدري الحدودُ كَفّارة لأهلِها أم
لا»، لكنَّ حديث عُبادةَ أصح إسناداً. ويُمكِن - يعني على طريق الجمع بينهما - أنْ يكون
حديث أبي هريرة وَرَدَ أوَّلاً قبل أنْ يُعلِمَه الله، ثمَّ أعلمه بعد ذلك.
قلت: حديث أبي هريرة أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٦/١ و١٤/٢) والبزَّار (٨٥١٩)
من رواية مَعمَر عن ابن أبي ذِئْب عن سعيد المَقَبُري عن أبي هريرة، وهو صحيح على شرط
الشيخين. وقد أخرجه أحمد (١) عن عبد الرزاق عن مَعمَر، وذكر الدَّارَقُطني أنَّ عبد الرزاق
تفرَّد بوَضْلِه، وأنَّ هشامَ بنَ یوسفَ رواه عن مَعمَر فأرسلَه. قلت: وقد وَصَلَه آدم بن أبي إياس
عن ابن أبي ذِئْب أخرجه الحاكم أيضا (٢/ ٤٥٠)، فَقَوِيَتْ روايةُ مَعمَر، وإذا كان صحيحاً
فالجمع الذي جمع به القاضي حسنٌّ، لكنَّ القاضي ومَن تَبِعَه جازمون بأنَّ حديث عُبادةَ هذا
كان بمكَّةَ ليلةَ العَقَبة لمَّا بايع الأنصار رسول الله وَ له البيعة الأولى بمِنّى، وأبو هريرة إنَّما أسلمَ
بعد ذلك بسبع سنين عام خيبرَ، فكيف يكون حديثُه مُتقدِّماً؟
(١) لم نقف عليه في ((مسنده)) ولم يذكره الحافظ نفسه في ((أطراف المسند))، وقد أخرجه الحاكم في ((المستدرك))
٣٦/١ من طريقه.

١٤٣
باب ١١ / ح ١٨
كتاب الإيمان
وقالوا في الجواب عنه: يُمكِن أنْ يكون أبو هريرة ما سمعه من النبي وَلَّ، وإنَّما سمعه
من صحابي آخر كان سمعه من النبي ◌َّ قديماً ولم يسمع من النبي ◌َّل بعد ذلك أنَّ
الحدود كَفّارة كما سمعه عُبادةُ، وفي هذا تَعَسُّف، ويُبطِله أنَّ أبا هريرة صَرَّحَ بسماعه، وأنَّ
الحدود لم تكنْ نزلت إذْ ذاك.
والحق عندي أنَّ حديثَ أبي هريرة صحيحٌ، وهو سابقٌ على حديث عُبادة، والمبايعة
المذكورة في حديث عُبادةَ على الصِّفة المذكورة لم تقع ليلة العَقَبة، وإنَّما كان(١) ليلة العَقَبة ما
ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي: أنَّ النبيَّ نَّهِ قال لمن حَضَرَ من الأنصار:
((أُبايعكم على أنْ تَمَنْعُوني ممَّا تَمَنْعُون منه نساءَكم وأبناءَكم)) فبايعوه على ذلك، وعلى أنْ
يَرْحَل إليهم هو وأصحابه(٢).
وسيأتي في هذا الكتاب في كتاب الفتن وغيره (٧٠٥٦ و ٧١٩٩) من حديث عُبادةَ
أيضاً قال: بايَعْنا رسول الله وَّر على السَّمْعِ والطاعة في العُسْرِ والْيُسِرِ والمَنشَطِ
والمَكرَه ... الحديث. وأصرح من ذلك في هذا المراد ما أخرجه أحمد (٢٢٧٦٩)
والطبراني من وجه آخرَ عن عُبادةَ أنه جَرَتْ له قِصَّة مع أبي هريرة عند معاوية بالشام،
فقال: يا أبا هريرة، إنَّك لم تكنْ معنا إذْ بايعْنا رسول الله وََّ على السَّمْع والطاعة في
النَّشاط والكَسَل، وعلى الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكر، وعلى أنْ نقولَ بالحقِّ ولا
نخافَ في الله لَوْمَةَ لائم، وعلى أنْ نَنصُرَ رسولَ الله وَّهِ إذا قَدِمَ علينا يَثْرِبَ فَتَمْنَعَه ممّاً
نَمْنَعُ منه أنفُسَنا وأزواجَنا وأبناءَنا، ولنا الجنَّةُ. فهذه بيعةُ رسول الله وَّهِ التي بايَعْناه
عليها. فذكر بقيَّةَ الحديث. وعند الطبراني له طريق أُخرى وألفاظ قريبة من هذه. وقد
وَضَحَ أنَّ هذا هو الذي وقع في البيعة الأولى.
ثمَّ صَدَرَتْ مُبايعات أُخرى ستُذكَرُ في كتاب الأحكام (٧١٩٩ -٧٢١٥) إن شاء الله
(١) في (أ) و (ع): وإنما نصُّ.
(٢) انظر: ((سيرة ابن هشام)) ٨٤/٢-٨٥، و((مسند أحمد)) (١٤٤٥٦) و(١٥٧٩٨).

١٤٤
باب ١١ / ح ١٨
فتح الباري بشرح البخاري
تعالى، منها هذه البيعة في حديث الباب في الزَّجْر عن الفواحش المذكورة. والذي يُقوِّي
أنها وقعت بعد فتح مكَّة بعد أنْ نزلت الآية التي في المُمْتَحِنة وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
النَِّىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢]، ونزول هذه الآية مُتأخِّر بعد قِصَّة الحُدَيْبية
بلا خلاف، والدليل على ذلك أن عند البخاري في كتاب الحدود (٦٧٨٤) من رواية
سفيان بنِ عُيَينةَ عن الزُّهْري في حديث عُبادةَ هذا: أنَّ النبيَّ وَِّ لمَّا بايعَهم قرأ الآية كلّها،
وعنده في تفسير المُمْتَحِنة (٤٨٩٤) من هذا الوجه قال: ((قرأ آيةَ النساء)»، ولمسلم
(١٧٠٩/ ٤٢) من طريق مَعمَر عن الزُّهْري قال: ((فتلا علينا آيةَ النساء قال: ﴿أَن لَّا
يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]))، وللنَّسائي (٤١٦٢) من طريق الحارث بن فُضَيل عن
الزّهْرِي أنَّ رسول الله وَّم قال: «ألا تبايعونَني على ما بايعَ عليه النساءُ: أنْ لا تُشرِكوا بالله
شيئاً)) الحديث، وللطبراني من وجه آخر عن الزّهْري بهذا السَّنَد: ((بايَعْنا رسولَ الله وَّل
على ما بايعَ عليه النساءُ يومَ فتح مكَّةَ))، ولمسلم (١٧٠٩ / ٤٣) من طريق أبي الأشعَث عن
عُبادةَ في هذا الحديث: ((أخذ علينا رسولُ الله ◌َليل كما أخذ على النساء)».
٦٧/١
فهذه أدلَّة ظاهرة صريحةٌ في أنَّ هذه البيعة إنَّما صَدَرَتْ بعد نزول/ الآية، بل بعد
صُدور البيعة(١)، بل بعد فتح مكَّة، وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمُدّةٍ. ويؤيِّد هذا ما رواه
ابن أبي خيثمةَ في ((تاريخه)) عن أبيه عن محمد بن عبد الرحمن الطُّفاوي، عن أيوب، عن
عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله وَله: ((أُبايعُكم على أنْ لا تُشرِكوا
بالله شيئاً) فذكر نحوَ حديث عُبادة، ورجاله ثقات(٢).
وقد قال إسحاقُ بن راهويه: إذا صَحَّ الإسناد إلى عَمْرو بن شعيب فهو کأيوبَ عن
نافع، عن ابن عمرَ. انتهى، وإذا كان عبد الله بن عَمْرو أحدَ مَن حَضَرَ هذه البيعة وليس هو
من الأنصار ولا تَمَّن حَضَرَ بيعتَهم بمنّى، وإنَّما كان إسلامُه قُرْبَ إسلام أبي هريرة، وَضَحَ
(١) يريد بيعة النساء.
(٢) لا يبلغ بعضُ رجاله هذه الرتبة، وأحسن أحوال هذا الإسناد أن يكون حسناً، والله تعالى أعلم.

١٤٥
باب ١١ / ح ١٨
كتاب الإيمان
تَغايُر البيعتَينِ: بيعة الأنصار ليلة العَقَبة وهي قبل الهجرة إلى المدينة، وبيعةٍ أُخرى وقعت
بعد فتح مكَّة وشَهِدَها عبد الله بن عَمْرو، وكان إسلامه بعد الهجرة بمُدّةٍ طويلة.
ومثل ذلك ما رواه الطبراني (٢٢٦٠) من حديث جَرِير قال: ((بايعْنا رسولَ الله وَهـ
على مِثل ما بايعَ عليه النساءَ)) فذكر الحديث(١)، وكان إسلام جَرِير مُتأخّراً عن إسلام أبي
هريرة على الصواب، وإنَّما حصل الالتباس من جهة أنَّ عُبادة بن الصامت حَضَرَ البيعتَينِ
معاً، وكانت بيعة العَقَبة من أجَلٌّ ما يُتَمَدَّح به، فكان يَذكُرِها إذا حدَّث تنويهاً بسابقَتِهِ،
فلمَّا ذكر هذه البيعة التي صَدَرَتْ على مِثل بيعة النساء عَقِبَ ذلك، تَوهَّمَ مَن لم يَقِف على
حقيقة الحال أنَّ البيعة الأُولى وقعت على ذلك. ونظيرُه ما أخرجه أحمدُ (٢٢٧٠٠) من
طريق محمد بن إسحاق، عن عُبادةَ بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جدّه
- وكان أحدَ النُّقباء - قال: بايَعْنا رسول الله وَ لّ بيعةَ الحرب - وكان عُبادة من الاثنَيْ عشر
الذين بايعوا في العَقَبة الأولى على بيعة النساء - وعلى السَّمْع والطاعة في عُسْرنا ويُسْرنا))
الحديث، فإنَّه ظاهر في اتّحاد البيعتین، ولكنَّ الحديث في ((الصحیح)) كما سيأتي في الأحكام
(٧١٩٩) ليس فيه هذه الزِّيادة، وهو من طريق مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن
عُبادةَ بن الوليد.
والصواب أنَّ بيعة الحرب بعد بيعة العَقَبة، لأنَّ الحرب إنَّما شُرِعَ بعد الهجرة، ويُمکِن
تأویل روایة ابن إسحاق ورَدُّها إلى ما تقدَّم، وقد اشتملتْ روایته على ثلاث بیعات:
بيعة العَقَبة، وقد صَرَّحَ أنها كانت قبل أنْ تُفرَض الحرب في رواية الصُّنابحي عن عُبادةَ
عند أحمد (٢٢٧٥٤).
والثانية: بيعة الحرب، وسيأتي في الجهاد(٢) أنها كانت على عدم الفرار.
والثالثة: بيعة النساء، أي: التي وقعت على نظير بيعة النساء.
(١) وإسناده ضعيف ولا تقوم به الحُجّة.
(٢) كتاب الجهاد: ١١٠ - باب البيعة في الحرب على أن لا يفرّوا.

١٤٦
باب ١١ / ح ١٨
فتح الباري بشرح البخاري
ويُعكِّر على هذا التصريح في رواية ابن إسحاق من طريق الصُّنابحي عن عُبادة: أنَّ
بيعة ليلة العَقَبة كانت على مِثل بيعة النساء، فيُمكِنُ في الجمع أنه اتَّفَقَ وقوع ذلك قبل أنْ
تَنزِل الآية، وإِنَّمَا أُضيفَتْ إلى النساء لضبطِها بالقرآن. والراجح أنَّ التصريح بذلك وَهْمٌ
من بعض الزُّواة، والله أعلم. ونظيره ما وقع في ((الصحيحين))(١) أيضاً من طريق
الصُّنابحي عن عُبادةَ قال: ((إني من النُّقَباء الذين بايعوا رسولَ الله وَلَ))، وقال: ((بايعْناه
على أنْ لا نُشْرِك بالله شيئاً) الحديث. فظاهر هذا اتحاد البيعتين، ولكنَّ المراد على ما قَرَّرْته
أنَّ قوله: ((إني من النُّقَباء الذين بايعوا)) أي: ليلة العَقَّبة على الإيواء والنصر وما يتعلَّق
بذلك، ثمَّ قال: بايَعْناه ... إلى آخره، أي: في وقت آخر، ويشير إلى هذا الإتيانُ بالواو العاطفة
في قوله: «وقال: بايَعْناه)». وعليك برَدِّ ما أتى من الروايات مُوهِماً بأنَّ هذه البيعة كانت ليلة
العَقَبة، إلى هذا التأويل الذي نَهَجْتُ إليه فيرتفع بذلك الإشكال، ولا یبقی بین حديثيْ أبي
هريرة وعُبادةَ تَعارُض، ولا وجهَ بعد ذلك للتوقُّفِ في كَوْن الحدود كَفّارة.
واعلم أنَّ عُبادةَ بن الصامت لم ينفرد برواية هذا المعنى، بل روى ذلك علي بن أبي
طالب وهو في الترمذي (٢٦٢٦) وصَخَّحَه الحاكم (٤٤٥/٢و ٣٨٨/٤) وفيه: ((مَن أصاب
ذَنْباً فعُوقِبَ به في الدنيا، فالله أكرَمُ من أنْ يُئِنِّيَ العقوبةَ على عبده في الآخرة))(٢)، وهو عند
الطبراني بإسنادٍ حسن من حديث أبي تَميمةَ الهُجَيْمي(٣)، ولأحمد (٢١٨٦٦) من حديث
٦٨/١ خُزيمة بن ثابت بإسنادٍ / حسن ولفظه: ((مَن أصاب ذَنْباً أُقيمَ عليه حدُّ ذلك الذَّتْب فهو
كَفّارتُه)). وللطبراني عن ابن عمرَ مرفوعاً: ((ما عُوقِبَ رجل على ذَنْب إلَّا جعله الله كَفّارةً
لما أصاب من ذلك الذَّتْب))(٤). وإنَّما أطلتُ في هذا الموضع لأنَّني لم أرَ مَن أزالَ اللَّيْسَ فيه
(١) البخاري: (٣٨٩٣)، ومسلم (١٧٠٩) (٤٤).
(٢) وإسناده حسن، وانظر ((مسند أحمد)) (٧٧٥).
(٣) بل إسناده ضعيف، فإن فيه هشام بن لاحق المدائني ضعَّفه غير واحدٍ، وله ترجمة في ((لسان الميزان))
للشارح، والحديث أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٣١١).
(٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٨٤٣٨)، وإسناده ضعيف جداً.

١٤٧
باب ١١ / ح ١٨
كتاب الإيمان
على الوجه المرضيِّ، والله الهادي.
قوله: ((فعُوقِبَ به)) قال ابن التِّين: يريد به القَطْع في السَّرِقة والجَلْد أو الرَّجْم في
الزِّنى. قال: وأمَّا قتل الولد فليس له عقوبة معلومة، إلَّا أنْ يريد قتل النفس فكنَّى عنه،
قلت: وفي رواية الصُّنابحي عن عُبادةَ في هذا الحديث (٣٨٩٣): ((ولا تَقْتُلوا النفس التي
حَرَّمَ الله إلَّا بالحق))، ولكنَّ قوله في حديث الباب: ((فعوقِبَ به)) أعمُّ من أنْ تكون العقوبة
حَدّاً أو تَعْزِيراً.
قال ابن التِّين: وحُكيَ عن القاضي إسماعيل وغيره: أنَّ قتل القاتل إنَّما هو إرداعٌ لغيره،
وأمَّا في الآخرة فالطَّلَب للمقتول قائم، لأنه لم يَصِلْ إليه حق. قلت: بل وصل إليه حقٌّ وأُّ
حق، فإنَّ المقتول ظُلْماً تُكَفَّر عنه ذنوبُه بالقتل، كما وَرَدَ في الخبر الذي صَخَّحَه ابن حِبَّان
(٤٦٦٣) وغيرُه: ((إِنَّ السَّيْفَ مَحّاءٌ للخَطايا))، وعن ابن مسعود قال: ((إذا جاءَ القتل مَحَا
كلَّ شيءٍ)) رواه الطبرانيّ (٩٧٣٦) (١)، وله (٢٦٩٠) عن الحسن بن علي نحوُه، وللبزَّار(٢) عن
عائشة مرفوعاً: ((لا يَمُر القتلُ بذَنْبِ إلَّا محاه))، فلولا القتل ما كُفِّرَتْ ذنوبُه، وأُّ حقِّ يصل
إليه أعظم من هذا؟ ولو كان حَدُّ القتل إنَّما شُرِعَ للارتِداع فقط لم يُشْرَع العَفْو عن القاتل.
وهل تَدخُل في العقوبة المذكورة المصائبُ الدُّنيويَّة من الآلام والأسقام وغيرها؟ فيه
نظر، ويدل للمنع قوله: ((ومَن أصاب من ذلك شيئاً ثمَّ سَتَرَه الله)) فإنَّ هذه المصائب لا
تُنافي السَّتْر، ولكن تُثبت الأحاديث الكثيرة أنَّ المصائب تُكفِّر الذُّنوب، فيحتمل أنْ يُراد
أنها تُكفِّر ما لا حَدَّ فيه، والله أعلم.
ويستفاد من الحديث: أنَّ إقامة الحد كَفّارةٌ للَّنْبِ ولو لم يَتُبِ المحدودُ، وهو قول
الجمهور. وقيل: لا بُدَّ من التوبة، وبذلك جَزَمَ بعض المتأخرين(٣)، وهو قول المعتزِلة،
(١) وإسناده ضعيف.
(٢) البزار (١٥٤٥ - كشف الأستار عن زوائد البزار).
(٣) في (ع): بعض الناس، وفي (س): بعض التابعين.

١٤٨
باب ١١ / ح ١٨
فتح الباري بشرح البخاري
ووافقهم ابن حَزْم، ومن المفسِّرين البَغَوي وطائفة يسيرة، واستدلّوا باستثناءِ مَن تاب في
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقِّدِرُواْ عَلَّهِمْ﴾(١) [المائدة : ٣٤]، والجواب عن
ذلك: أنه في عقوبة الدنيا، ولذلك فُيِّدَتْ بالقُدْرة عليه.
قوله: (ثمَّ ستره الله)) زاد في روایة کریمة: «علیه)).
قوله: ((فهو إلى الله)) قال المازَرِيُّ(٢): فيه رَدٌّ على الخَوَارج الذين يُكفِّرون بالذُّنوب، ورَدّ
على المعتزلة الذين يُوجِبون تعذيبَ الفاسق إذا مات بلا توبة، لأنَّ النبيَّ وَلّل أخبر بأنه تحت
المَشيئة، ولم يقل: لا بُدَّ أنْ يُعَذِّبه.
وقال الطِّيي: فيه إشارة إلى الكَف عن الشهادة بالنار على أحد أو بالجنَّة لأحدٍ إلَّا مَن
وَرَدَ النصُّ فيه بعَينِهِ.
قلت: أمَّ الشِّق الأوَّل فواضح، وأمَّا الثاني فالإشارة إليه إنَّما تُستفاد من الحمل على
غير ظاهر الحديث وهو مُتعیِّن.
قوله: ((إنْ شاءَ عَذَّبَه وإنْ شاءَ عَفا عنه)) شَمَلَ مَن تاب من ذلك ومَن لم يَتُب، وقالت
بذلك طائفة، وذهب الجمهور إلى أنَّ مَن تاب لا يبقى عليه مُؤاخَذة، ومع ذلك فلا يَأْمَن
مَكْرَ الله لأنه لا اطّلاع له هل قُبِلَتْ توبتُه أو لا. وقيل: يُفرَّق بين ما يجب فيه الحد وما لا
يجب.
واختُلِفَ فیمَن أتی بما يُوجِب الحدَّ، فقيل: يجوز أن يتوب سِراً ويكفيه ذلك. وقيل: بل
الأفضل أنْ يأتيَ الإمامَ ويَعْتَرِف به ويسأله أنْ يقيم عليه الحد كما وقع لماعزِ والغامديَّة.
وفصل بعض العلماء بين مَن يكون مُعلِناً بالفُجورِ فُيُستَحب أنْ يُعلِنَ بتوبتِهِ، وإلَّ فلا.
تنبيه: زاد في رواية الصُّنابحي عن عُبادةَ في هذا الحديث: ((ولا نَنْتَهب)) وهو ممَّا يُتمسَّك
به في أنَّ البيعة مُتأخّرة، لأنَّ الجهاد عند بيعة العقبة لم يكن فُرِض، والمراد بالانتهاب ما يقع
(١) لم يذكر الآية في (أ) و(ع) وفيهما: باستثناء من تاب في آية المحاربين.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: المازني.

١٤٩
باب ١٢ / ح ١٩
كتاب الإيمان
بعد القتال في الغَنائم. وزاد في روايته أيضاً: ((ولا نَعْصِي بالجنَّة إنْ فَعَلْنا ذلك، فإنْ غَشِينا
من ذلك شيئاً كان قضاء ذلك إلى الله)) أخرجه المصنّف في باب وُفود الأنصار (٣٨٩٣) عن
قُتَيبة، عن الليث، ووقع عنده: ((ولا نَقْضي)) بقافٍ وضاد مُعجَمة وهو تصحیف، وقد
تَكلَّفَ بعض الناس في تخريجه وقال: إنَّه نهاهُم / عن ولاية القضاء، ويُبطِلُهُ أنَّ عُبادةَ وليَ ٦٩/١
قضاءَ فِلَسطينَ في زمن عمر. وقيل: إنَّ قوله: ((بالجنَّة)) متعلِّق بنقضي، أي: لا نقضي بالجنَّة
لأحدٍ مُعيَّن.
قلت: لكن يبقى قوله: ((إنْ فعلنا ذلك)) لا جواب له، ويكفي في ثبوت دعوى التصحيف
فيه رواية مسلم (٤٤/١٧٠٩) عن قُتَيَبةَ بالعين والصاد المهمَلتَين، وكذا الإسماعيلي عن
الحسن بن سفيان، ولأبي نُعيم من طريق موسى بن هارون، كلاهما عن قُتَيبة، وكذا هو عند
البخاري أيضاً في هذا الحديث في الدّيات (٦٨٧٣) عن عبد الله بن يوسف عن الليث في
مُعظَم الروايات، لكن عند الكُشْمِيهَني بالقاف والضاد أيضاً، وهو تصحيفٌ كما بَيَّنّاه.
وقوله: ((بالجنَّةَ)) إنَّما هو متعلِّق بقوله في أوَّله: ((بايَعْناه)، والله أعلم.
١٢ - باب من الدِّين الفِرارُ من الفتن
١٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمةَ، عن مالك، عن عبد الرحمن بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الرحمن
ابنِ أبي صَعْصَعَةً، عن أبيه، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ﴾ أنَّه قال: قال رسولُ الله ◌َ: «يُوشِكُ
أنْ يكونَ خيرَ مالِ المُسلِمِ غَنَمٌ يَتَّبعُ بها شَعَفَ الجبالِ، ومَواقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِن الفِتَنِ)».
[أطرافه في: ٣٣٠٠، ٣٦٠٠، ٧٠٨٨،٦٤٩٥]
قوله: ((باب من الدِّين الفِرار من الفتن)) عَدَلَ المصنّف عن الترجمة بالإيمان - مع کَوْنه
يترجمُ لأبواب الإيمان - مُراعاةً للفظِ الحديث، ولمَّا كان الإيمان والإسلام مُترادفَينِ في
عُرْف الشرع، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ ◌ُلِّيْنَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، صَحَّ إطلاقُ
الدِّين في موضع الإیمان.
قوله: ((حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلَمَةَ)) هو القَعْنبي، أحد رواة ((الموطَّأ))، نُسِبَ إلى جدّه قَعْنَب،

١٥٠
باب ١٢ / ح ١٩
فتح الباري بشرح البخاري
وهو بصري أقام بالمدينة مُدّةً.
قوله: ((عن أبيه)) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صَعْصَعة، فسقط الحارث
من الرواية، واسم أبي صَعْصَعة عَمْرو بن زيد بن عَوْف الأنصاري ثمَّ المازِني، هلك في
الجاهليّة، وشهد ابنه الحارث أُحُداً، واستُشهِدَ باليمامة.
قوله: ((عن أبي سعيد)) اسمه سعد على الصحيح، وقيل: ◌ِنان بن مالك بن سنان،
استُشهِدَ أبوه بأُحُدٍ، وكان هو من المُكْثِرِين. وهذا الإسناد كلّه مدنيُّون، وهو من أفراد
البخاري عن مسلم، نعم أخرج مسلم (١٨٨٨) - وهو عند المصنّف أيضاً في الجهاد
(٢٧٨٦) - من وجه آخر عن أبي سعيد حديث الأعرابي الذي سأل: أيُّ الناس خيرٌ؟ قال:
((مؤمن مجاهد في سبيل الله بنَفْسِه ومالِه. قال: ثمَّ مَن؟ قال: مؤمنٌ في شِعْبٍ من الشِّعابِ
يَتَّقِي الله ويَدَعُ الناسَ من شرِّه)) وليس فيه ذِكْر الفتن، وهي زيادة من حافظ فيُقيَّد بها
المطلَق. ولها شاهد من حديث أبي هريرة عند الحاكم(١)، ومن حديث أُم مالك البَهْزيَّة عند
التِّرمِذيّ (٢١٧٧)، ويؤيِّده ما وَرَدَ من النهي عن سُكْنَى البَوادي والسّياحة والعُزْلة عن
الناس، وسيأتي مزيدٌ لذلك في كتاب الفتن (٧٠٨٨).
قوله: ((يُوشِك)) بكسر الشّين المعجمة، أي: يَقْرُب.
قوله: ((خير)) بالنصب على الخبر، و((غَنَم)) الاسم، وللأَصِيلِيِّ برفع ((الخير)) ونصب
((غَنَما)) على الخبرِيَّة، ويجوز رفعهما على الابتداء، والخبر يُقدَّر في ((يكون)) ضمير الشَّأْن، قاله
ابن مالك، لکن لم تُمجئ به الرواية.
قوله: ((يَتَّبع)) بتشديد التاء ويجوز إسكانها، و((شَعَف)) بفتح المعجَمة والعين المهملة:
جمعُ شَعَفة، كأكَمٍ وأكَمَة، وهي رُؤوس الجبال.
قوله: ((ومَواقعَ القَطْر)) بالنصب عَطْفاً على ((شَعَف))، أي: بُطون الأودية، وخَصَّهما
بالذِّكْر لأنهما مَظانُّ المَرْعَى.
(١) لم نقف عليه عند الحاكم من حديث أبي هريرة، وعنده ٤٤٦/٤ ما يشهد لهذه الزيادة من حديث ابن
عباس، وأما حديث أبي هريرة فهو عند مسلم (١٨٨٩) وليس فيه ما يشهد لها.

١٥١
باب ١٣
كتاب الإيمان
قوله: ((يَفِرُّ بدينِه)) أي: بسبب دينه، و((مِن)) ابتدائيَّة.
قال الشيخ النَّووي: في الاستدلال بهذا الحديث للترجمة نظر، لأنه لا يلزم من لفظ
الحديث عَدُّ الفِرار دِيناً، وإنَّما هو صيانة للدّين.
قال: فلعلّه لمّا رآه صيانة للدّینِ أطلق عليه اسم الدّین. وقال غيره: إِنْ أُرید ب(مِن)) گوْنها
جنسيّة أو تبعيضيّة فالنَّظَر مُتَّجه، وإِنْ أُريدَ كَوْنُها ابتدائيَّة/ أي: الفِرار من الفتنة مَنْشَؤُه الدّين، ٧٠/١
فلا يَتَّجِه النَّظَر. وهذا الحديث قد ساقه المصنّف أيضاً في كتاب الفتن (٧٠٨٨)، وهو ألْيَق
المواضع به، والكلام علیه یُستوفی هناك إن شاء الله تعالى.
١٣ - بابُ قول النبي ◌َّ: أنا أعلَمُكم بالله
وأنَّ المعرفةَ فِعلُ القلب، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
قوله: «بابُ قول النبي پڼ)) هو مضاف بلا ترُّد.
قوله: ((أنا أعلمُكم)) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وهو لفظ الحديث الذي أورده في جميع طرقه.
وفي رواية الأصيلي: ((أعرفكم)) وكأنه مذکور بالمعنی حملاً علی ترادُفهما هنا، وهو ظاهر هنا
وعليه عمل المصنّف.
قوله: ((وأنَّ المعرفة)) بفتح ((أنَّ)) والتقدير: باب بيان أنَّ المعرفة. ووَرَدَ بكسرها، وتوجيهُه
ظاهر، وقال الکِرْماني: هو خلاف الرواية والدِّرایة.
قوله: (لقوله تعالى)) مراده الاستدلال بهذه الآية على أنَّ الإيمان بالقول وَحْدَه لا يَتِم إلَّا
بانضمام الاعتقاد إليه، والاعتقادُ فعلُ القلب.
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: بما استَقَرَّ فيها، والآية وإنْ وَرَدَتْ في الأيمان بالفتح،
فالاستدلال بها في الإيمان بالكسر واضح للاشتراك في المعنى، إذْ مَدار الحقيقة فيهما على
عمل القلب.
وكأنَّ المصنِّف لَمَحَ تَفسيرَ زيد بن أسلم، فإنَّه في قوله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيّ

١٥٢
باب ١٣
فتح الباري بشرح البخاري
أَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] قال: هو كقول الرجل: إنْ فعلتُ كذا فأنا كافرٌ، قال: لا يُؤاخذه الله
بذلك حتَّى يَعقِد به قلبُه، فظهرت المناسبةُ بين الآية والحديث، وظهر وجهُ دخولهما في
مباحث الإيمان، فإنَّ فيه دليلاً على بُطْلان قول الكَرَّاميَّة: إنَّ الإيمان قول فقط، ودليلاً على
زيادة الإيمان ونقصانه لأنَّ قوله وَّهِ: «أنا أعلَمُكم بالله)) ظاهر في أنَّ العلم بالله درجات،
وأنَّ بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأنَّ النبيَّ ◌َّهِ منه في أعلى الدَّرَجات، والعلمُ بالله
يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلَّق بذلك، فهذا هو الإيمان حقّاً.
فائدة: قال إمام الحرمين: أجمع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى، واختلفوا في أوَّل
واجب(١) فقيل: المعرفة، وقيل: النَّظَر، وقال المُقتَرَح(٢): لا اختلاف في أنَّ أَوَّلَ واجبٍ
خِطاباً ومقصوداً المعرفة، وأوَّلَ واجب اشتِغالاً وأداء القصدُ إلى النَّظَر. وفي نَقْل الإجماع نظر
كبير ومُنازَعة طويلة، حتَّى نقل جماعةٌ الإجماعَ في نقيضه، واستدلّوا بإطباق أهل العصر
الأوَّل على قَبُول الإسلام ممَّن دخل فيه من غير تنقيب، والآثار في ذلك كثيرة جِدّاً.
وأجاب الأوَّلون عن ذلك بأنَّ الگُفّار كانوا يَذُبّون عن دينهم ويقاتلون علیه، فرجوعهم
عنه دليل على ظُهور الحق لهم. ومُقتَضى هذا أنَّ المعرفة المذكورة يُكتفى فيها بأدنى نظر، بخلاف
ما قَرَّروه. ومع ذلك فقول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ
٧١/١ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] / وحديث: ((كلُّ مَوْلودٍ يولد على الفِطْرة))(٣)، ظاهران في دَفْع هذه المسألة من
أصلها، وسيأتي مزيد بيان لذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى.
(١) الصواب ما ذكره المحققون من أهل العلم أن أول واجبٍ هو شهادة أن لا إله إلا الله علماً وعملاً، وهي
أول شيء دعا إليه الرسلُ، وسيدهم وإمامهم نبيُّنا محمد ◌َله أولُ شيء دعا إليه أن قال لقومه: ((قولوا: لا
إله إلا الله، تُفلحوا))، ولما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا
الله)، ولأن التوحيد شرطٌ لصحة جميع العبادات، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَّكُواْلَحَيِطَ عَنْهُم ◌َّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨]. (س).
(٢) هو الإمام الأُصولي الفقيه مظفَّر بن عبد الله الشافعي، جدُّ ابن دقيق العيد لأمّه، وهو المعروف بالمُقترَح،
توفي سنة ٦١٢ هـ. انظر: ((التكملة)) للمنذري ٣٤٣/٢، و((طبقات الشافعية)) للسبكي ٣٧٢/٨.
(٣) سيأتي برقم (١٣٨٥).

١٥٣
باب ١٣ / ح ٢٠
كتاب الإيمان
وقد نقل القُدْوة أبو محمد بن أبي جَمْرة عن أبي الوليد الباجي عن أبي جعفر السِّمْناني
- وهو من كِبَار الأشاعرة - أنه سمعه يقول: إنَّ هذه المسألة من مسائل المعتزلة بَقيَتْ في
المذهب، والله المستعان. وقال النَّووي: في الآية دليل على المذهب الصحيح أنَّ أفعال
القلوب يُؤاخَذ بها إنِ استَقَرَّت، وأمَّا قوله وَ هِ: ((إنَّ الله تَجاوز لأُمَّتي عمَّا حدَّثتْ به أنفُسَها
ما لم تكلَّمْ به أو تعملْ)) (١) فمحمول على ما إذا لم تستقِر.
قلت: ويُمكِن أنْ يُستَدل لذلك من عموم قوله: ((أو تعمل)) لأنَّ الاعتقاد هو عمل
القلب، ولهذه المسألة تكملة تُذكَر في كتاب الرِّقاق (٦٤٩١).
٢٠- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سَلَام، قال: أخبرنا عَبْدةُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ قالت:
كان رسولُ الله ◌َّهِ إذا أُمَرَهم أُمَرَهم مِن الأعمال بما يُطِيقُونَ، قالوا: إنّا لسنا كهَيْئِكَ يا
رسولَ الله، إنَّ الله قد غَفَرَ لك ما تقدَّم من ذَنْبِكَ وما تَأْخَّرَ، فَيَغْضَبُ حتَّى يُعرَفَ الغضبُ في
وجهِه ثمَّ يقول: ((إنَّ اتّقاكُم وأعلَمَكُم بالله أنا)).
قوله: ((حدَّثنا محمّد بن سَلَام)) هو بتخفيف اللام على الصحيح، وقال صاحب
((المطالع)): هو بتشديدها عند الأكثر، وتعقَّبه النَّووي بأنَّ أكثر العلماء على أنه بالتخفيف،
وقد رُوِيَ ذلك عنه نَفْسِه وهو أخبر بأبيه، فلعلَّه أراد بالأكثر مشايخ بلده. وقد صَنَّفَ
المنذري جزءاً في ترجيح التشديد، ولكنَّ المعتمد(٢) خلافه.
قوله: «أخبرنا عَبْدُ» هو ابن سلیمان الكوفي، وفي رواية الأَصِیلي: حدّثنا.
قوله: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة بن الزُّبَير بن العَوّام.
قوله: ((إذا أمَرَهم أمَرَهم)) كذا في مُعظَم الروايات، ووقع في بعضها: ((أمرهم)) مرّة واحدة،
وعليه شرح القاضي أبو بكر بن العربي، وهو الذي وقع في طرق هذا الحديث التي وقفتُ
عليها من طريق عبدة، وكذا من طريق ابن نُمَير وغيره عن هشام عند أحمد (٢٤٢٨٩)، وكذا
(١) سيأتي برقم (٢٥٢٨).
(٢) في (أ): ولكن المعروف.
٠

١٥٤
باب ١٣ / ح ٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
ذكره الإسماعيلي من رواية أبي أسامة عن هشام ولفظه: ((كان إذا أمَرَ الناسَ بالشيء)).
قالوا: والمعنى: كان إذا أمرهم بما يَسهُل عليهم دون ما يَشُقَ خَشْية أنْ يَعِزوا عن
الدَّوام عليه، وعَمِلَ هو بنظير ما يأمرُهم به من التخفيف، طلبوا منه التكليف بما يَشُق،
لاعتقادهم احتياجَهم إلى المبالَغة في العمل لرفع الدَّرَجات دُونَه، فيقولون: لسنا کھَيْتِك،
فَيَغْضَب من جهة أنَّ حصول الدَّرَجات لا يُوجِبُ التقصير في العمل، بل يُوجِبُ الازدياد
شُكْراً للمُنْعِم الوهّاب، كما قال في الحديث الآخر: ((أفلا أكونُ عبداً شكوراً))(١). وإنَّما
أمرهم بما يَسهُل عليهم ليُداوِموا عليه كما في الحديث الآخر: ((أحبُّ العمل إلى الله
أدوَمُه))(٢).
وعلى مُقتَضى ما وقع في هذه الرواية من تكرير ((أمرهم)) يكون المعنى: كان إذا أمرهم
بعمل من الأعمال أمَرهم بما يُطيقون الدَّوام عليه، فأمرهم الثانية جواب الشَّرْط، وقالوا:
جوابٌ ثانٍ.
قوله: ((كَهَيْتِك)) أي: ليس حالنا كحالك. وعَبَّر بالهَيْئة تأكيداً.
وفي هذا الحديث فوائد:
الأولى: أنَّ الأعمال الصالحة تُرَقّي صاحبَها إلى المراتب السَّنَّة من رفع الدَّرَجات ومَحْوِ
الخطيئات، لأنه وَّه لم يُنكِرِ عليهم استدلالهم ولا تعليلهم من هذه الجهة، بل من الجهة
الأُخرى.
الثانية: أنَّ العبد إذا بَلَغَ الغايةَ في العبادة وثَمراتها، كان ذلك أدعَى له إلى المواظَبة
عليها، استِبْقاءً للنِّعْمة، واستِزادةً لها بالشُّكْرِ عليها.
الثالثة: الوقوف عند ما حَدَّ الشارعُ من عزيمة ورُخْصة، واعتقادُ أنَّ الأخذ بالأرفَقِ
الموافق للشَّرْع أولى من الأشق المخالف له.
(١) سيأتي برقم (١١٣٠).
(٢) سيأتي برقم (٦٤٦٥).

١٥٥
باب ١٣ / ح ٢٠
كتاب الإيمان
الرابعة: أنَّ الأَوْلِى في العبادة القصدُ والملازَمةُ، لا المبالَغة المُفْضيةُ إلى الترك، كما جاءَ
في الحديث الآخر: ((المُنبَتُّ - أي: المُجِدُّ في السَّيْر - لا أرضاً قَطَعَ ولا ظَهْراً أبقَى))(١).
الخامسة: التنبيه على شِدّة رَغْبة الصحابة في العبادة وطلبهم الازدياد من الخير.
السادسة: مشروعيّة الغضب عند مُخالَفة الأمر الشرعي، والإنكار على الحاذِق المُتأهِّل
لفَهْم المعنى إذا قَصَّرَ في الفَهْم، تحريضاً له على التيقُّظ.
السابعة: جواز تحدَّث المَرْء بما فيه من فضل بحَسَبِ الحاجة لذلك عند الأمن من
المُباهاة والتعاظُم.
الثامنة: بيان أنَّ لرسول الله وَّهِ رُتْبَةَ الكمال الإنساني لأنه مُنحِصِر في الحِكْمَتَينِ العلميّة
والعمليَّة، وقد أشار إلى الأولى بقوله: (أَعلَمكم)) وإلى الثانية بقوله: ((أتقاكم))، ووقع عند
أبي نُعيم: ((وأعلَمكم بالله لَأنا)) بزيادة/ لام التأكيد، وفي رواية أبي أسامة عند الإسماعيلي: ٧٢/١
((والله إنَّ أبرّكم وأَتقاكم أنا))، ويستفاد منه إقامة الضمير المنفَصِل مقام المتَّصِل، وهو ممنوع
عند أكثر النُّحاة إلَّا للضَّرورة، وأوَّلوا قول الشاعر:
........ وإنَّما يُدافِعُ عن أَحسابِهم أنا أو مِثلي(٢)
بأنَّ الاستثناء فيه مُقدَّر، أي: وما يُدافع عن أحسابهم إلَّا أنا.
قال بعض الشُّراح: والذي وقع في هذا الحديث يَشْهَد للجواز بلا ضرورة.
وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، وهو من غرائب ((الصحيح))، لا أعرفُه إلّا من
هذا الوجه، فهو مشهور عن هشام فَرْدٌ مُطلَقٌ من حديثه عن أبيه عن عائشة، والله أعلم.
(١) أخرجه البزار (٧٤ - كشف الأستار)، والبيهقي ١٨/٣-١٩، والقضاعي (١١٤٧) من حديث جابر،
وأخرجه البيهقي ١٩/٣ من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناداهما ضعيفان.
(٢) هذا البيت للفرزدق، وأوله كما في «ديوانه)) ١٥٣/٢:
أنا الضامنُ الراعي عليهمْ وإنَّما
وروايته في ((معاهد التنصيص)) للعباسي ٢٦٠/١:
أنا الذائدُ الحامي الذِّمارَ وإنما

١٥٦
باب ١٤ -١٥ / ح ٢١ -٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقد أشرت إلى ما وَرَدَ في معناه من وجه آخر عن عائشة في ((باب مَن لم يواجِه ... )) من
كتاب الأدب (٦١٠١)، وذكرتُ فيه ما يُؤخَذ منه تعيينُ المأمور به، ولله الحَمْد.
١٤ - باب مَن كَرِهَ أنْ يعودَ في الكفر كما يَكْرَه أنْ يُلقَى في النار
من الإیمان
٢١ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، عن
النبيِ وَ لِ قال: ((ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وَجَدَ حَلاوةَ الإيمان: مَن كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه ممّاً
سواهما، ومَن أحبَّ عَبْداً لا يحبُّه إلا لله، ومَن يَكْرَهُ أنْ يَعُودَ في الكفرِ بعدَ إِذْ أَنْقَذَه الله، كما يَكْرَهُ
أنْ يُلْقَى في النارِ)).
قوله: ((باب مَن كَرِهَ)) يجوز فيه التنوين والإضافة، وعلى الأوَّل ((مَن)) مُبتدَأ و((مِن
الإيمان)) خبرُه، وقد تقدَّم الكلام على حديث الباب (١٦)، ومطابقة الترجمة له ظاهرة ممّاً
تقدَّم، وإسناده كلّه بصريُّون، وجَرَى المصنّف على عادته في التبويب على ما يستفاد من
المتن مع أنه غايَرَ الإسناد هنا إلى أنس.
و((مَن)) في المواضع الثلاثة موصولة بخلاف التي بعد ((ثلاث)) فإنَّها شرطيَّة.
١٥ - باب تفاضُلٍ أهل الإيمان في الأعمال
٢٢ - حذَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عَمْرِو بنِ یحیی المازني، عن أبيه، عن أبي
سعيدِ الخُذريِّ ﴾، عن النبيِّ وَّه قال: ((يدخلُ أهلُ الجَنَّةِ الجنَّةَ، وأهلُ النارِ النارَ، ثمَّ يقولُ
الله تعالى: أخِرِجُوا مَن كان في قلبِهِ مِثْقَالُ حَبّةٍ من خَرْدلٍ من إيمانٍ، فيُخرَجُونَ منها قد اسوَدُّوا
فِيُلْقَوْنَ في نَهرِ الحَيَاء - أو الحَيَاةِ، شكَّ مالكٌ - فِيَبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبُّ في جانب السَّيْلِ، ألم تَرَ
أنَّها تَخْرُجُ صَفْراءَ مُلتَوِيَةً؟».
قال وُهَيبٌ: حدَّثْنَا عَمْرٌو: ((الحياة))، وقال: ((خَرْدلٍ من خيرٍ)).
[أطرافه في: ٤٥٨١، ٤٩١٩، ٦٥٦٠، ٦٥٧٤، ٧٤٣٩،٧٤٣٨]

١٥٧
باب ١٥ / ح ٢٢
كتاب الإيمان
قوله: ((باب تفاضُل أهل الإيمان في الأعمال)) ((في)) ظَرْفِيَّة، ويحتمل أنْ تكون سببيّة، أي:
التفاضُل الحاصل بسبب الأعمال.
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيْس عبدُ الله بن عبدِ الله الأصبَحِيُّ المدنُّ ابنُ أُختِ
مالكٍ، وقد وافقه على رواية هذا الحديث عبدُ الله بن وَهْب ومَعْنُ بن عيسى عن مالك،
وليس هو في ((الموطَّأ))(١)، قال الدَّارَقُطني: هو غريب صحيح.
قوله: ((يدخل)) للدَّارَقُطْني من طريق إسماعيلَ وغيره: ((يُدخِلُ الله)) وزاد من طريق معنٍ:
((يُدخِل مَن يشاء برحمتِه))، وكذا له وللإسماعيليِّ من طريق ابن وَهْب.
قوله: ((مِثْقَالُ حَبّةٍ)) بفتح الحاء، هو إشارة إلى ما لا / أقلَّ منه، قال الخطَّابي: هو مَثلٌ ٧٣/١
ليكون عياراً في المعرفة لا في الوَزْن، لأنَّ ما يُشكِلُ في المعقول يُرَد إلى المحسوس ليُفهَم.
وقال إمام الحرمين: الوَزْن للصُّحُفِ المشتمِلة على الأعمال، ويقع وَزْنُها على قَدْر أُجور
الأعمال.
وقال غيرُه: يجوز أنْ تُجُسَّدَ الأعراضُ فتُوزَن، وما ثبت من أُمور الآخرة بالشرع لا
دَخْل للعقل فيه، والمراد بحَبّة الخَرْدل هنا: ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد،
لقوله في الرواية الأخرى: ((أخرِجوا مَن قال: لا إله إلَّا الله، وعَمِلَ من الخير ما يَزِنُ
ذرّةً))(٢). ومحل بسط هذا يقعُ في الكلام على حديث الشفاعة حيثُ ذكره المصنّف في
کتاب الرِّقاق (٦٥٦٠).
قوله: ((في نهر الحياء)) كذا في هذه الرواية بالمد، ولكريمة وغيرها بالقَصْر، وبه جزم
الخطَّابي وعليه المعنى، لأنَّ المراد كلُّ ما تَحصُل به الحياةُ، والحَيا بالقَصْر: هو المطر، وبه
تَحصُل حياة النَّبات، فهو ألْيَقُ بمعنى الحياة من الحياء الممدود الذي هو بمعنى الخَجَل.
(١) رواية ابن وهب عن مالك عند مسلم (١٨٤) وابن حبان (٢٢٢)، ورواية معن بن عیسی عنه عند ابن
حبان (١٨٢).
(٢) سيأتي بنحوه عند المصنف برقم (٤٤) من حديث أنس بن مالك.

١٥٨
باب ١٥ / ح ٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((الِحِبّة)) بكسر أوَّله، قال أبو حنيفة الدِّينَوري: الحِبّة: جمع بُزور النَّبات واحدتها
حَبّة بالفتح، وأمَّا الحَبُّ: فهو الحِنْطة والشَّعير، واحدتها حَبّة بالفتح أيضاً، وإنَّما افتَرَقا في
الجمع. وقال أبو المعالي في (المنتهى)): الحِبّة بالكسر: بُزور الصحراء ممّا ليس بقُوتٍ.
قوله: ((قال وُهَيب)) أي: ابن خالد ((حدَّثنا عَمْرو)) أي: ابن يحيى المازني المذكور.
قوله: ((الحياة)) بالخَفْض على الحكاية، ومرادُه أنَّ وُهَيباً وافق مالكاً في روايته لهذا الحديث
عن عَمْرو بن يحيى بسنده، وجزم بقوله: ((في نهر الحياة)) ولم يَشُك كما شكَّ مالك.
فائدة: أخرج مسلم (٣٠٤/١٨٤) هذا الحديث من رواية مالك وأَبهَمَ الشاكَّ، وقد
و. ،
يُفسَّر هنا.
قوله: ((وقال: خَرْدل من خير)) هو على الحكاية أيضاً، أي: وقال وُهَيب في روايته: مِثْقَالُ
حَبّة من خَرْدل من خير، فخالف مالكاً أيضاً في هذه الكلمة. وقد ساق المؤلِّف حديث
وُهَيبٍ هذا في كتاب الرِّقاق (٦٥٦٠) عن موسى بن إسماعيل، عن وُهَيب، وسياقُه أتمُّ من
سياق مالك، لكنَّه قال: ((من خَرْدلٍ من إيمانٍ)) كرواية مالك، فاعتُرِضَ على المصنّف بهذا،
ولا اعتراضَ عليه فإنَّ أبا بكر بنَ أبي شَيْبةَ أخرج هذا الحديث في ((مسنده) عن عَفَّن بن
مسلم عن وُهَيب فقال: ((من خَرْدل من خير)) كما عَلَّقَه المصنِّف، فَتَبَّن أنه مرادُه لا لفظُ
موسى. وقد أخرجه مسلم (١٨٤ / ٣٠٥) عن أبي بكر هذا، لكن لم يَسُقْ لفظه.
ووجهُ مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهر، وأراد بإيراده الرَّدَّ على المُرْجِئَة لِمَا فيه من
بيان ضَرَر المعاصي مع الإيمان، وعلى المعتزلة في أنَّ المعاصِيَ مُوجِبةٌ للخُلود.
٢٣- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عُبيدِ الله، قال: حدّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْدٍ، عن صالحِ، عن ابن شِهابٍ،
عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْل، أنَّ سَمِعَ أبا سعيدِ الخُدْرِيَّ يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ( بَيْنا أنا نائمٌ
رَأيتُ الناسَ يُعرَضُونَ عليَّ وعليهم قُمُصٌّ، منها ما يَبلُغُ القُّدِيَّ ومنها ما دونَ ذلكَ، وعُرِضَ عليّ
عمرُ بنُ الخطَّابِ وعليه قَمِيصٌ يَجُّه)، قالوا: فما أوَّلْتَ ذلكَ يا رسول الله؟ قال: ((الدِّينَ)).
[أطرافه في: ٣٦٩١، ٧٠٠٨، ٧٠٠٩]

١٥٩
باب ١٦ / ح ٢٤
كتاب الإيمان
قوله: ((حدَّثنا محمّد بن عُبيد الله)) هو أبو ثابت المدني، وأبوه بالتصغير.
قوله: (عن صالح) هو ابن گیْسان، تابعي جلیل.
قوله: ((عن أبي أمامةَ بن سَهْل)) هو ابن حُنَيْف كما ثبت في رواية الأَصِيلي، وأبو أُمامةَ
مُخْتَلَف في صُحْبَته، ولم يصحَّ له سماع، وإنَّما ذُكِرَ في الصحابة لشرفِ الرُّؤْية، ومن حيثُ
الروايةُ يكون في الإسناد ثلاثةٌ من التابعين أو / تابعيّان وصحابيّان، ورجالُه كلُّهم مدنيُّون ٧٤/١
كالذي قبلَه. والكلام على المتن يأتي في كتاب التعبير (٧٠٠٨).
ومطابقته للترجمة ظاهرة من جهة تأويل القُمُص بالدِّين، وقد ذُكِرَ أنهم متفاضلون في
گُبْسِها، فدلَّ على أنهم متفاضلون في الإيمان.
قوله: ((بينا أنا نائمٌ رَأيتُ الناسَ)) أصل («بَيْنا»: بينَ، ثمَّ أُشبِعَت الفتحةُ. وفيه استعمال
(بينا)) بدون ((إذا)) وبدون ((إذ)) وهو فصيح عند الأصمعي ومَن تَبِعَه وإنْ كان الأكثر على
خلافه، فإنَّ في هذا الحديث حُجّة.
وقوله: ((الُّدِيّ) بضم المثلَّثة وكسر الدَّال المهملة وتشديد الياء التَّحتانية، جمع ثَدْي
بفتح أوَّله وإسكان ثانيه والتخفيف، وهو مذكَّر عند مُعظَم أهل اللُّغة، وحُكيَ أنه مؤنَّث،
والمشهور أنه يُطلَق في الرجل والمرأة، وقيل: يختصُّ بالمرأة وهذا الحديث يَرُدُّه، ولعلَّ قائل
هذا يَدَّعي أنه أُطلِقَ في الحديث مجازاً، والله أعلم.
١٦ - بابٌ الحياء من الإيمان
٢٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابن شِهابٍ، عن سالم
ابن عبدِ الله، عن أبيه: أنَّ رسولَ اللهِ وَّ مَرَّ على رجلٍ مِن الأنصار وهو يَعِظُ أخاهُ في الحياء،
فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((دَعْه، فإنَّ الحياءَ مِن الإيمانِ)).
[طرفه في: ٦١١٨]
قوله: «بابٌ)) هو منوَّن، ووجه گوْن الحياء من الإيمان تقدَّم مع بقيَّة مباحثه في باب

١٦٠
باب ١٦ / ح ٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
أمور الإيمان (٩)، وفائدة إعادته هنا أنه ذُكِرَ هناك بالتبعيَّة وهنا بالقصدِ مع فائدة مُغايرة
الطريق.
قوله: ((حدَّثنا عبدُ الله بن يوسف)) هو التِّنِّيسيُّ نزيل دمشق، ورجال الإسناد سواه من
أهل المدينة.
قوله: (أخبرَنا)) وللأَصِيلِيِّ: ((حدَّثنا مالك))، ولكَرِيمة: ((بن أنس))، والحديث في
((الموطَّأ)) (٢/ ٩٠٥).
قوله: ((عن أبيه)) هو عبد الله بن عمرَ بن الخطّاب.
قوله: ((مَرَّ على رجل)) لمسلم (٣٦) من طريق مَعمَر: ((مرَّ برجلٍ)) ومرَّ بمعنى: اجتازَ،
يُعَدَّى بعلى وبالباء، ولم أعرف اسم هذينِ الرجلَين: الواعظ وأخيه.
وقوله: ((يَعِظُ)) أي: يَنْصَحِ أو يُجُوُّف أو يُذكِّر، كذا شرحوه، والأَوْلى أنْ يُشرَحَ بما جاءَ
عند المصنّف في الأدب (٦١١٨) من طريق عبد العزيز بن أبي سَلَمة، عن ابن شِهاب
ولفظه: ((يُعاتبُ أخاهُ في الحياء)) يقول: إنَّك لَتَسْتَحي، حتَّى كأنه يقول: قد أضَرَّ بك.
انتھی.
ويحتمل أنْ يكون جمعَ له العِتابَ والوعظَ فذكر بعض الرُّواة ما لم يذكرهُ الآخر، لكنَّ
المخرَج مُتَّحِدٌ، فالظاهر أنه من تصرُّف الراوي بحَسَبٍ ما اعتَقَدَ أنَّ كل لفظ منهما يقوم
مقام الآخر، و((في)) سببيَّة فكأنَّ الرجل كان كثير الحياء، فكان ذلك يمنعُه من استيفاء
حقوقه، فعاتَبَه أخوه على ذلك، فقال له النبي بَّ: ((دَعْه)) أي: اترُكْه على هذا الخُلُق
السَّنِيّ، ثمّ زاده في ذلك ترغيباً تكْمِه بأنه من الإيمان، فإذا كان الحياء يمنع صاحبه من
استيفاء حق نفسِه، جَرَّ له ذلك تحصيل أجر ذلك الحق، لا سيّما إن كان المتروكُ له مُستَحِقّاً.
وقال ابن قُتَية: معناه أنَّ الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمانُ، فسُمّيَ
إيماناً كما يُسمَّى الشيء باسم ما قام مقامَه.
وحاصله أنَّ إطلاق كَوْنِهِ من الإيمان مَجاز، والظاهر أنَّ الناهي ما كان يعرف أنَّ الحياء