النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
ح ١
كتاب بدء الوحي
الأحكام عنده، وهي هذا، و((مَن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدُّ)، و((الحلال بَيِّن
والحرام بَيِّن)) الحديث(١).
ثمّ إنَّ هذا الحديث مُتَّفَق على صِحَّته، أخرجه الأئمّة المشهورون إلَّا ((الموطَّأ))، ووَهِمَ
مَن زَعَمَ أنه في ((الموطَّأ)) مُغتَرّاً بتخريج الشيخين له والنَّسائي من طريق مالك(٢).
وقال أبو جعفر الطبري: قد يكون هذا الحديث على طريقة بعض الناس مردوداً لكَوْنه
فَرْداً، لأنه لا يُروَى عن عمر إلَّا من رواية عَلْقمة، ولا عن عَلْقمة إلّا من رواية محمد بن
إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلَّا من رواية يحيى بن سعيد، وهو كما قال، فإنَّه إنّما
اشتَهَرَ عن يحيى بن سعيد وتفرَّد به مَن فوقه، وبذلك جزم التِّرمِذيُّ والنَّسائي والبزَّار وابن
السّگن وحمزة بن محمد الكناني.
وأطلق الخطّابيُّ نفيَ الخلاف بين أهل الحديث في أنه لا يُعرَف إلَّا بهذا الإسناد، وهو
كما قال، لکن بقیدین:
أحدهما: الصِّحّة، لأنه وَرَدَ من طرق معلولة ذكرها الدَّارَقُطنيُّ وأبو القاسم بن مَندَهْ
وغيرهما.
ثانيهما: السِّياق، لأنه وَرَدَ في معناه عِدّةُ أحاديث صَحَّتْ في مُطلَق النيّة كحديث عائشة
وأُم سَلَمةَ عند مسلم (٢٨٨٢ و٢٨٨٤): ((يُبعَثون على نِيّاتهم))، وحديث ابن عبّاس:
((ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ)، وحديث أبي موسى: «مَن قاتَلَ لتكون كلمةُ الله هي العُلْيا، فهو في
سبيل الله)) مُتَّفَق عليهما(٣)، وحديث ابن مسعودٍ: ((رُبَّ قتيلِ بين الصفَّينِ اللهُ أعلم بنيَّتِهِ))
أخرجه أحمد (٣٧٧٢)، وحديث عُبادة: ((مَن غَزا وهو لا ينوي إلَّا عِقالاً فله ما نَوَى))
أخرجه النَّسائيُّ (٣١٣٨ و٣١٣٩)، إلى غير ذلك ممّا يتعسَّر خَصْرُه.
(١) سيأتي حديث: ((من عمل عملاً)) عند المصنف برقم (٢٦٩٧)، وحديث: ((الحلال بيِّن)) برقم (٥٢).
(٢) بل هو في ((الموطأ)) برواية محمد بن الحسن برقم (٩٨٣).
(٣) حديث ابن عباس عند البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٨٦٣) (٨٥)، وحديث أبي موسى عند البخاري
(١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤).

٢٢
ح ١
فتح الباري بشرح البخاري
وعُرِفَ بهذا التقرير غلطُ - مَن زَعَمَ أنَّ حديث عمرَ متواتر، إلَّا إنْ ◌ُمِلَ على التواتُر
المعنوي فيحتمل. نعم قد تواتر عن يحيى بن سعيد، فحكى محمد بن علي بن سعيد النَّقّاش
الحافظ أنه رواه عن يحيى مئتان وخمسون نَفْساً، وسَرَدَ أسماءَهم أبو القاسم بن مَندَهْ فجاوز
الثلاث مئة، وروى أبو موسى المديني عن بعض مشايخه مُذاكَرةً عن الحافظ أبي إسماعيل
الأنصاري الهَرَوي قال: كتبتُه من حديث سبع مئةٍ من أصحاب يحيى.
قلت: وأنا أستَبَعِد صِحَّة هذا، فقد تَتَبَّعْتُ طرقَه من الروايات المشهورة والأجزاء
١٢/١ المنثورة منذُ طلبتُ الحديث إلى وقتي هذا فما قَدَرْت على تكميل المئة، وقد / تَتَبَّعْت طرق
غيره فزادتْ على ما نُقِلَ عمَّن تقدَّم، كما سيأتي مثال لذلك في الكلام على حديث ابن عمرَ
في غُسْل الجمعة (٨٧٧) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((على المِبر)) بكسر الميم، واللام للعَهْد، أي: منبَر المسجد النبوي، ووقع في رواية
حمّاد بن زيد عن يحيى في ترك الحِيل (٦٩٥٣): سمعت عمر يخطب.
قوله: ((إنَّما الأعمال بالنِّيات)) كذا أُورِدَ هنا، وهو من مُقابلة الجمع بالجمع، أي: كل
عملٍ بنيّته. وقال الخُوَيِّيُّ(١): كأنه أشار بذلك إلى أنَّ النيّة تتنوّع كما تتنوَّع الأعمال، كمَن
قَصَدَ بعمله وجهَ الله أو تحصيلَ موعوده أو الاتِّقاءَ لوعيدِه.
ووقع في مُعظَم الروايات بإفراد النيّة، ووجهه أنَّ محل النيَّة القلبُ وهو مُتَّحِد، فناسب
إفرادُها. بخلاف الأعمال فإنَّهَا مُتَعلِّقةٌ بالظَّواهرِ وهي مُتعدِّدة، فناسب جمعُها، ولأنَّ النّيَّة
تَرجِع إلى الإخلاص وهو واحد للواحدِ الذي لا شريك له. ووقع في ((صحيح ابن حِبَّان))
(٣٨٨) بلفظ: ((الأعمال بالنِّيّات)) بحذف ((إِنَّا)) وجمع الأعمال والنِّيّات، وهي ما وقع في
كتاب ((الشِّهاب)) للقُضاعي ووَصَلَه في ((مسنده)) (١١٧١ و١١٧٢) كذلك، وأنكره أبو
(١) نسبة إلى: خُوَي، وهي إحدى بلاد آذربيجان، وهو القاضي شهاب الدين محمد بن أحمد بن الخليل الُوَيِّي،
قاضي دمشق وابن قاضيها، توفي سنة ٦٩٣هـ. انظر ترجمته في ((طبقات الشافعية)) ٢٤٧/٢- ٢٥٠ لابن
قاضي شهبة، ومن تصانيفه ـ ولم يكمله - شرح على ((ملخص الموطأ)) للقابسي الذي اعتمد في تلخيصه على
رواية ابن القاسم عن مالك.

٢٣
ح ١
كتاب بدء الوحي
موسى المديني كما نقله النَّوويُّ وأقرَّه، وهو مُتعقّبٌ برواية ابن حِبَّان، بل وقع في رواية
مالك عن يحيى عند البخاري في كتاب الإيمان (٥٤) بلفظ: ((الأعمال بالنيَّة))، وكذا في
العِثْق (٢٥٢٩) من رواية الثَّوْري، وفي الهجرة (٣٨٩٨) من رواية حمَّاد بن زيد، ووقع عنده
في النكاح (٥٠٧٠) بلفظ: ((العمل بالنيّة)) بإفراد كُلٌّ منهما.
والنِّيَّة بكسر النون وتشديد التَّحتانية على المشهور، وفي بعض اللَّغات بتخفيفها.
قال الكِرْمانيُّ: قوله: ((إنَّما الأعمال بالنِّيّات)) هذا التركيب يفيد الحَصْر عند المحقّقين،
واختُلِفَ في وجه إفادتِهِ فقيل: لأنَّ الأعمال جمعٌ مُحلَّى بالألف واللام مفيد للاستغراق، وهو
مُستلزِم للقَصْر لأنَّ معناه: كل عمل بنيَّةٍ، فلا عمل إلَّ بنيَّةِ.
وقيل: لأنَّ ((إنَّا)) للحَصْر، وهل إفادتُها له بالمنطوق أو بالمفهوم، أو تفيد الخَصْرَ
بالوضع أو العُرْف، أو تفيده بالحقيقة أو بالمجاز؟ ومُقتَضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده
بالمنطوق وضعاً حقيقياً، بل نقله شيخنا شيخ الإسلام(١) عن جميع أهل الأصول من
المذاهب الأربعة إلّ اليسير كالآمِدي. وعلى العكس من ذلك أهل العربيَّة.
واحتَجَّ بعضهم بأنها لو كانت للحَصْر لَمَا حَسُن: إنَّما قام زيد، في جواب: هل قام
عَمْرو؟ أُجيبَ بأنه يصحُّ أنه يقع في مثل هذا الجواب: ما قام إلَّا زيد، وهي للحَصْرِ اتِّفاقاً.
وقيل: لو كانت للحَصْر لاستَوى: إنَّما قام زيد، مع: ما قام إلَّ زيد، ولا تردُّد في أنَّ
الثاني أقوى من الأوَّل، وأُجيبَ بأنه لا يلزم من هذه القوَّة نفي الحَصْر، فقد يكون أحد
اللفظین أقوى من الآخر مع اشتراکھما في أصل الوضع کسوفَ والسِّین، وقد وقع استعمال
((إنَّ)) موضعَ استعمال النَّفي والاستثناء كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوَّنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[الطور: ١٦] وكقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] وقوله: ﴿إِنَّمَا عَلَى
رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢] وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ اُلْمُّبِينُ﴾ [النور: ٥٤]،
(١) يريد به البُلقينيَّ عمر بن رَسْلان المتوفى سنة ٨٠٥ هـ، ويريد بالإمام أبا المعالي عبد الملك بن عبد الله بن
يوسف الجُوّيني إمام الحرمين، المتوفى سنة ٤٧٨ هـ.

٢٤
ح ١
فتح الباري بشرح البخاري
ومن شواهده قول الأعشى:
ولستُ بالأكثر منهم حَصَّى وإنَّما العِزَّةُ للكاثرِ
يعني: ما ثبتت العِزّة إلَّا لمن كان أكثر حَصَّى.
واختلفوا: هل هي بسيطة أو مُركَّبة، فَرَجَّحوا الأوَّل، وقد يُرجَّح الثاني، ويُجاب عمّا
أُورِدَ عليه من قولهم: إنَّ ((إِنَّ)) للإثبات و((ما)) للنَّفي، فيستلزم اجتماع المتضادّينِ على صَدَد
واحد بأنْ يقال مثلاً: أصلهما كان للإثبات والنَّفي، لكنَّهما بعد التركيب لم يَبْقَيا على أصلهما
بل أفادا شيئاً آخر، أشار إلى ذلك الكِرْمانيُّ قال: وأمَّا قول مَن قال: إفادة هذا السِّياق
للحَصْر من جهة أنَّ فيه تأكيداً بعد تأكيد، وهو المستفاد من ((إنَّم)) ومن الجمع، فمُتعقَّبٌ
بأنه من باب إيهام العكس، لأنَّ قائله لمَّا رأى أنَّ الحَصْر فيه تأكيد على تأكيد، ظَنَّ أنَّ كل
ما وقع كذلك یفید الخصر.
وقال ابن دقيق العيد: استُدلَّ على إفادة ((إنَّم)) للحَصْرِ، بأنَّ ابن عبّاس استدلَّ على أنَّ
الرِّبا لا يكون إلَّا في النَّسيئة بحديث: ((إِنَّمَا الرُّبا في النَّسيئة))(١)، وعارَضَه جماعة من
الصحابة في الحُكْم ولم يخالفوه في فَهْمه، فكان كالاتّفاق منهم على أنها تفيد الخَصْر.
وتُعُقِّبَ باحتمال أنْ يكونوا تركوا المعارضةَ بذلك تَنزُّلاً.
١٣/١
وأمَّا مَن قال: يحتمل أنْ يكون اعتمادهم على قوله: ((لا رِبا إلَّا في النَّسيئة)) لوُرودِ ذلك
في بعض طرق الحديث المذكور(٢)، فلا يفيد ذلك في رَدِّ إفادة الحَصْر، بل يُقوِّيه ويُشعِر بأنَّ
مفاد الصِّيغتَينِ عندهم واحد، وإلّا لَمَا استعملوا هذه موضع هذه. وأوضح من هذا
حديث: ((إنَّما الماءُ من الماء))(٣)، فإنَّ الصحابة الذين ذهبوا إليه لم يعارضهم الجمهور في فَهْم
(١) أخرجه مسلم (١٥٩٦) (١٠٤).
(٢) سيأتي عند المصنف برقم (٢١٧٨).
(٣) أخرجه مسلم (٣٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري.

٢٥
ح ١
كتاب بدء الوحي
الحَصْر منه، وإنَّما عارَضَهم في الحُكْم من أدلَّة أُخرى كحديث: ((إذا الْتَّقَى الخِتانان))(١).
وقال ابن عطيّة: ((إنَّ)) لفظ لا يفارقه المبالَغة والتأكيد حيثُ وقع، ويَصلُح مع ذلك
للحَصْرِ إِنْ دخل في قِصَّة ساعَدَتْ عليه، فجَعْلُ وُروده للحَصْر ◌َجازاً يحتاج إلى قرينة، وكلام
غيره على العكس من ذلك وأنَّ أصل وُرودِها للحَضْر، لکن قد یکون في شيء مخصوص
كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلَهُ وَحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] فإنَّه سِيقَ باعتبار مُنكِرِي الوَحْدانيَّةَ، وإلَّا فِلِلُه
سبحانه صفات أُخرى كالعِلْم والقُدْرة، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] فإنَّه
سِيقَ باعتبار مُنكِرِي الرِّسالة، وإلَّا فله وَّهِ صفات أُخرى كالبِشارة، إلى غير ذلك من
الأمثلة، وهي - فيما يقال - السبب في قول مَن مَنَعَ إفادتَها للحَصْرِ مُطلَقاً.
تكميل: الأعمال تقتضي عاملين، والتقدير: الأعمال الصادرة من المكلَّفين، وعلى هذا
هل تَخْرُج أعمال الكُفّار؟ الظاهر الإخراج، لأنَّ المراد بالأعمال أعمال العبادة وهي لا تصح
من الكافر وإنْ كان مُخاطَباً بها مُعاقَباً على تركها، ولا يَرِدُ العِثْق والصدقة لأنهما بدليلٍ آخر.
قوله: ((بالنَِّات)) الباء للمُصاحَبة، ويحتمل أنْ تكون للسَّبَبيَّة بمعنى أنها مُقوِّمة للعمل
فكأنها سبب في إيجاده، وعلى الأوَّل فهي من نَفْس العمل فيُشترَط أنْ لا تَتَخلَّف عن أوَّله.
قال النَّوويُّ: النيّة القصد، وهي عزيمة القلب. وتعقّبه الكِرْمانيُّ بأنَّ عزيمة القلب
قَدْر زائد على أصل القصد.
واختلفَ الفقهاء هل هي رُكْن أو شرط؟ والمرجَّح أنَّ إيجادها ذِكْراً في أوَّل العمل
رُكْن، واستصحابها حُكْماً - بمعنى أنْ لا يأتيَ بمُنافٍ شرعاً - شرطٌ. ولا بُدَّ من محذوف
يتعلَّق به الجار والمجرور، فقيل: تُعْتَبَرَ، وقيل: تَكْمُل، وقيل: تصحُّ، وقيل: تَحصُل، وقيل:
تستقرّ.
قال الطِّييُّ: كلام الشارع محمول على بيان الشرع، لأنَّ المخاطَبين بذلك هم أهل
اللِّسان، فكأنهم خُوطِبوا بما ليس لهم به عِلْم إلَّا من قِبَل الشارع، فيتعيَّن الحملُ على ما
(١) أخرجه أحمد (٦٦٧٠) من حديث عبد الله بن عمرو، وانظر تتمة تخريجه وأحاديث الباب فيه.

٢٦
ح ١
فتح الباري بشرح البخاري
يفيد الحكمَ الشرعي.
وقال البيضاوي: النّة عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرضٍ من جَلْبٍ
نفع أو دَفْع ضُرِّ حالاً أو مَآلاً، والشَّرع خَصَّصَه بالإرادة المتوجِّهة نحو الفعل لابتغاءِ رِضا
الله وامتثال حُكْمه. والنيّة في الحديث محمولة على المعنى اللُّغَوي، لِيَحسُن تطبيقُه على ما
بعده، وتقسيمُه أحوالَ المهاجر، فإنَّه تفصيل لما أُجمِل، والحديث متروك الظاهر لأنَّ
الذَّوات غير منتفية، إذ التقدير: لا عمل إلَّا بالنيّة، فليس المراد نفيَ ذات العمل لأنه قد
يُوجَد بغير نيَّة، بل المراد نفي أحكامها كالصِّحّة والكمال، لكنَّ الحمل على نفي الصِّحّة
أولى لأنه أشبه بنفي الشيء نَفْسِه، ولأنَّ اللفظ دلَّ على نفي الذّات بالتصريح وعلى نفي
الصِّفات بالتََّع، فلمَّا مَنَعَ الدليلُ نفيَ الذّات بَقِيَتْ دلالته على نفي الصِّفات مستمرّة.
وقال شيخنا شيخ الإسلام: الأحسن تقدير ما يقتضي أنَّ الأعمال تَتْبَع النيّة، لقوله في
الحديث: ((فمَن كانت هِجْرته)) إلى آخره، وعلى هذا يُقدَّر المحذوف كَوْناً مُطلَقاً من اسم
فاعلٍ أو فعل.
ثمَّ لفظ العمل يتناول فعل الجوارح حتَّى اللِّسان فتَدخُل الأقوال، قال ابن دقيق العيد:
وأخرج بعضهم الأقوال وهو بعيد، ولا تردُّدَ عندي في أنَّ الحديث يتناولها. وأمَّا التُّروكُ
فهي وإن كانت فعل كَفِّ لكن لا يُطلَق عليها لفظ العمل. وقد تُعُقِّبَ على مَن يُسمِّي القول
عملاً لكَوْنه عملَ اللِّسان، بأنَّ مَن حَلَفَ لا يعمل عملاً فقال قولاً، لا يَحْنَث.
وأُجيبَ بأنَّ مَرجِع اليمين إلى العُرْف، والقول لا يُسمَّى عملاً في العُرْف ولهذا يُعطَف
عليه، والتحقيق أنَّ القول لا يدخل في العمل حقيقةً ويدخل مجازاً، وكذا الفعل، لقوله
تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ بعد قوله: ﴿زُخْرُفَ آلْقَوْلِ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وأمَّا عمل
القلب كالنيّة فلا يتناولها الحديث لئلا يلزم التسلسلُ والمعرفة، وفي تَناوُلها نظر، قال
بعضهم: هو مُحال، لأنَّ النَّة قَصْد المنْويِّ، وإنَّما يَقصِد المَرْءُ ما يعرف، فيلزم أنْ يكون
عارفاً قبل المعرفة.

٢٧
ح ١
كتاب بدء الوحي
وتعقّبه شيخنا شيخ الإسلام سِراج الدِّين البُلْقيني بما حاصلُه: إنْ كان المراد بالمعرفة
مُطلَق الشُّعور فمُسلَّم، وإنْ كان المراد النَّظَر في الدليل فلا، لأنَّ كلَّ ذي عقل يَشعُر مثلاً
بأنَّ له مَن يُدبِّره، فإذا أخذ في النَّظَر في الدليل عليه ليَتحقَّقه، لم / تكن النيّة حينئذٍ مُحالاً.
١٤/١
وقال ابن دقيق العيد: الذين اشترطوا النيَّ قَدَّروا صِخَّة الأعمال، والذين لم يشترطوها
قَدَّروا كمال الأعمال، ورُجِّحَ الأوَّل بأنَّ الصِّحّة أكثر لزوماً للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها
أَوْلى. وفي هذا الكلام إيهام أنَّ بعض العلماء لا يرى اشتراط النّيَّة، وليس الخلاف بينهم في ذلك
إلَّا في الوسائل، وأمَّا المقاصد فلا اختلاف بينهم في اشتراط النيَّة لها، ومن ثَمَّ خالف الحنفيَّةُ في
اشتراطها للوضوء، وخالف الأوزاعيُّ في اشتراطها في التيمُّم أيضاً. نعم بين العلماء اختلاف في
اقتران النيّة بأوَّلِ العمل كما هو معروف في مبسوطات الفقه.
تكميل: الظاهر أنَّ الألف واللام في ((النِّيّات)) مُعاقِبة للضَّمير، والتقدير: الأعمال
بنيّاتها، وعلى هذا فيدلُّ على اعتبار نيّة العمل من گوْنه مثلاً صلاةً أو غيرها، ومن گَوْنها
فرضاً أو نَفْلاً، ظهراً مثلاً أو عصراً، مقصورةً أو غير مقصورة، وهل يُحتاج في مثل هذا إلى
تعيين العَدَد؟ فيه بحث، والراجح الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تَنفَكُّ عن العدد المعيّن،
كالمسافر مثلاً ليس له أنْ يَقصُر إلَّا بنيَّة القَصْر، لكن لا يحتاج إلى نيَّة رَكْعتَين، لأنَّ ذلك هو
مُقتَضى القَصْر، والله أعلم.
قوله: ((وإنَّما لكلِّ امرِئٍ ما نَوَى)) قال القُرْطبي: فيه تحقيق لاشتراط النيّة والإخلاص في
الأعمال. فجَنَحَ إلى أنها مؤكِّدة، وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى، لأنَّ الأولى نبَّهتْ
على أنَّ العمل يَتْبَعِ النّيَّة ويصاحبها، فيترتَّب الحُكْمُ على ذلك، والثانية أفادت أنَّ العامل لا
يَحصُل له إلَّا ما نواه.
وقال ابن دَقِيق العيد: الجملة الثانية تقتضي أنَّ مَن نَوَى شيئاً يَحصُل له، يعني إذا عَمِلَه
بشرائطه، أو حالَ دون عمله له ما يُعذَر شرعاً بعدم عمله، وكلُّ ما لم يَنْوِه لم يَحصُل له.
ومراده بقوله: ((ما لم يَنْوِه)) أي: لا خصوصاً ولا عموماً، أمّا إذا لم يَنوِ شيئاً مخصوصاً لكن

٢٨
ح ١
فتح الباري بشرح البخاري
كانت هناك نيَّة عامّة تَشْملُه، فهذا مما اختلفَتْ فيه أنظار العلماء. ويَتخرَّج عليه من المسائل
ما لا يُصَی.
وقد تَحَصُل غير المنْويِّ لمُدرَكٍ آخر، كمَن دخل المسجد فصَلَّ الفرض أو الراتبة قبل
أنْ يَقعُد، فإنَّه يَحَصُل له تحيَّة المسجد نواها أو لم يَنِها، لأنَّ القصد بالتحيَّة شَغْلُ البُقْعة وقد
حصل، وهذا بخلاف مَن اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة، فإنَّه لا يَحَصُل له غُسْل الجمعة
على الراجح، لأنَّ غُسْل الجمعة يُنظَر فيه إلى التعبُّد لا إلى مَخْض التنظيف، فلا بُدَّ فيه من
القصد إليه، بخلاف تحيّة المسجد، والله أعلم.
وقال النَّووي: أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنْويِّ كمَن عليه صلاة فائتة لا
يكفيه أنْ ينويَ الفائتةَ فقط، حتَّى يُعيِّنَها ظهراً مثلاً أو عصراً، ولا يخفى أنَّ محلّه ما إذا لم
تنحصر الفائتة.
وقال ابن السَّمْعاني في ((أماليه)): أفادت أنَّ الأعمال الخارجة عن العبادة لا تفيد الثَّواب
إلَّا إذا نَوَى بها فاعلُها القُرْبة، كالأكل إذا نَوَى به القوَّة على الطاعة.
وقال غيره: أفادت أنَّ النِيابة لا تَدخُل في النِيَّة، فإنَّ ذلك هو الأصل، فلا يَرِدُ مِثلُ نيَّة
الوليِّ عن الصبي ونظائرُه، فإنَّها على خلاف الأصل.
وقال ابن عبد السلام: الجملة الأولى لبيان ما يُعْتَبَر من الأعمال، والثانية لبيان ما
يترتَّب عليها. وأفاد أنَّ النيّة إنَّما تُشترَط في العبادة التي لا تتميّز بنَفْسِها، وأمَّا ما يتميّز
بنَفْسه فإنَّه ينصرف بصورتِه إلى ما وُضِعَ له كالأذكار والأدعية والتِّلاوة، لأنها لا تَتَردَّد بين
العبادة والعادة. ولا يخفى أنَّ ذلك إنَّما هو بالنَّظَر إلى أصل الوضع، أمَّا ما حَدَثَ فيه عُرْفٌ
كالتسبيحِ للتعجُّب فلا، ومع ذلك فلو قَصَدَ بالذِّكْرِ القُرْبةَ إلى الله تعالى لكان أكثر ثواباً،
ومن ثَمَّ قال الغَزَالي: حركة اللِّسان بالذِّكْر مع الغَفْلة عنه تُحصِّل الثَّواب، لأنه خير من
حركة اللِّسان بالغِيبة، بل هو خير من السُّكوت مُطلَقاً، أي: المجرَّد عن التفكّر. قال: وإنَّما
هو ناقص بالنّسبة إلى عمل القلب، انتهى.

٢٩
ح ١
كتاب بدء الوحي
ويؤيِّده قوله ◌َّهِ: ((في بَضْع أحدِكم صَدَقةٌ)) ثمّ قال في الجواب عن قولهم: أيأتي أحدُنا
شهوته ويُؤْجَر: ((أرأيتَ لو وَضَعَها في حرام))(١). وأُورِدَ على إطلاق الغَزالي أنه يلزم منه أنَّ
المَرْء يُئاب على فعل مباحٍ لأنه خير من فعل الحرام، وليس ذلك مراده.
وخُصَّ من عموم الحديث ما يُقصَد حصوله في الجملة، فإنَّه لا يحتاج إلى نيَّة تَخُصّه
كتحيَّة المسجد كما تقدَّم، وكمَنَ مات زوجها فلم يَبلُغْها الخبرُ إلَّا بعد مُدّة العِدّة فإنَّ عِدَّتها
تنقضي، لأنَّ المقصود حصول بَراءة الرَّحِم وقد وُجِدَت، ومن ثَمَّ لم يَحَتَجِ المتروك إلى نيَّة.
ونازَعَ الكِرْمانيُّ في إطلاق الشيخ محبي الدِّين (٢) كَوْنَ المتروك لا يحتاج إلى نيَّة بأنَّ الترك
فعل وهو كَفُّ النفس، وبأنَّ التُّروك إذا أُريدَ بها تحصيل الثَّواب بامتثال أمر الشارع، فلا بُدَّ
فيها من / قَصْد الترك. وتُعُقِّبَ بأنَّ قوله: ((الترك فعل)) مُختلف فيه، ومن حق المستَدِل على ١٥/١
المانع أنْ يأتيَ بأمرٍ مُتَّفَق عليه. وأمَّا استدلاله الثاني فلا يطابق المُورَد، لأنَّ المبحوث فيه:
هل تَلْزَم النيّةُ في التُّروك بحيثُ يقع العقاب بتركِها؟ والذي أورده: هل يَحَصُل الثَّوابُ
بدونها؟ والتفاوت بين المقامَينِ ظاهر.
والتحقيق أنَّ الترك المجرَّد لا ثواب فيه، وإنَّما يَحَصُل الثَّواب بالكَفِّ الذي هو فعل
النفس، فمَن لم تَخطُر المعصية بياله أصلاً، ليس كمَن خَطَرَتْ فَكَفَّ نفسَه عنها خوفاً من الله
تعالى، فرجع الحال إلى أنَّ الذي يحتاج إلى النّيَّة هو العمل بجميع وجوهه، لا التركُ المجرَّد،
والله أعلم.
تنبيه: قال الكِرْمانيُّ: إذا قلنا: إنَّ تقديم الخبر على المبتدأ يفيد القَصْر، ففي قوله: ((وإنَّما
لكلِّ امرِئٍ ما نَوَى)) نوعان من الحَصْر: قَصْر المسنّد على المسند إليه؛ إذ المراد: إنَّما لكلِّ
امرِئٍ ما نواه، والتقديمُ المذكور.
قوله: ((فمَن كانت هِجْرتُه إلى دُنْيا)) كذا وقع في جميع الأُصول التي اتَّصلَتْ لنا عن
(١) أخرجه مسلم (١٠٠٦) من حديث أبي ذر.
(٢) يعنى النووي.

٣٠
ح ١
فتح الباري بشرح البخاري
البخاري بحذف أحد وجهي التقسيم وهو قوله: ((فمَن كانت هِجْرتُه إلى الله ورسوله ...
إلخ))، قال الخطّابُّ: وقع هذا الحديث في روايتنا وجميع نسخ أصحابنا محروماً قد ذهب
شَطْرُه، ولست أدري كيف وقع هذا الإغفال، ومن جهة مَن عَرَضَ من رواته؟ فقد ذكره
البخاري من غير طريق الحُميدي مُستَوفَّى، وقد رواه لنا الأثباتُ من طريق الحميديّ(١)
تامّاً.
ونقل ابن القِّين كلام الخطَّابي مُختصَراً، وفَهِمَ من قوله: ((محروماً) أنه يريد أنَّ في السَّنَد
انقطاعاً، فقال من قِبَل نَفْسه: لأنَّ البخاري لم يَلْقَ الْحُميديّ؛ وهو مَّا يُتَعَجَّب من إطلاقه
مع قول البخاري: ((حدَّثنا الحُميدي)) وتَكْرار ذلك منه في هذا الكتاب، وجزم كلَّ مَن
تَرجَمَه بأنَّ الحُميدي من شيوخه في الفقه والحديث.
وقال ابن العربي في ((مَشْيَخته)): لا عُذْر للبخاريِّ في إسقاطه، لأنَّ الحميدي شيخه فيه
قد رواه في ((مسنده)) على التمام. قال: وذكر قوم أنه لعلَّه استَمْلاه من حِفْظ الحميدي
فحدَّثه هكذا فحدَّث عنه كما سمع، أو حدَّثه به تامّاً فسقط من حِفْظ البخاري. قال: وهو
أمر مُستبعَد جِدّاً عند مَن الطَّلَعَ على أحوال القوم.
وقال الدَّاوودي الشارح: الإسقاط فيه من البخاري، فوجوده في رواية شيخه وشيخ
شیخه يدل على ذلك. انتهى.
وقد رُوِّيناه من طريق بِشْر بن موسى وأبي إسماعيل التِّرمِذي وغير واحد عن الحُميدي
تامّاً، وهو في ((مصنَّف)) قاسم بن أصبَغ و(مُستخرَجَي)) أبي نُعيم و((صحيح)) أبي عَوَانة
(٧٤٤٠) من طريق الحميدي، فإنْ كان الإسقاط من غير البخاري فقد يقال: لمَ اختارَ
الابتداء بهذا السِّياق الناقص؟ والجواب قد تقدَّمت الإشارة إليه، وأنه اختارَ الحميديَّ
لكَوْنه أجَلَّ مشايخه المكِّين، إلى آخر ما تقدَّم في ذلك من المناسبة، وإنْ كان الإسقاط منه
فالجواب ما قاله أبو محمد علي بن أحمد بن سعيدٍ الحافظ في أجوبة له على البخاري: إنَّ
(١) في ((مسنده)) (٢٨).

٣١
ح ١
كتاب بدء الوحي
أحسن ما يُجاب به هنا أنْ يقال: لعلَّ البخاري قَصَدَ أنْ يجعل لكتابه صَدْراً يَستفتِح به على
ما ذهب إليه كثير من الناس من استفتاح كُتُبهم بالخُطَب المتضمنة لمعاني ما ذهبوا إليه من
التأليف، فكأنه ابتدأَ كتابه بنيَّةِ رَدَّ عِلْمها إلى الله، فإنْ عَلِمَ منه أنه أراد الدنيا أو عَرَضَ إلى
شيء من معانيها، فسَيَجزيه بنيَّتِه. ونَكَبَ عن أحدٍ وجهَي التقسيم مُجانَبَةً للتَّزْكية التي لا
يناسب ذِكْرها في ذلك المقام. انتهى مُلخَّصاً.
وحاصله: أنَّ الجملة المحذوفة تُشْعِر بالقُرْبة المحضة، والجملة المُبْقاة تحتَمِل التردُّدَ
بين أنْ يكون ما قَصَدَه يُحصِلُ القُرْبة أو لا، فلمَّا كان المصنّف كالمخبِرِ عن حال نَفْسه في
تصنيفه هذا بعبارة هذا الحديث، حَذَفَ الجملة المُشعِرَ بالقُرْبة المحضة فِراراً من التزكية،
وأبقى الجملة المتردِّدة المحتَمِلة تَفْويضاً للأمر إلى ربّه المُطَّلِعِ على سريرته، المُجازي له
بمُقتَضى نيَّته. ولمَّا كانت عادة المصنّفين أنْ يُضمِّنوا الخُطَب اصْطِلاحَهم في مذاهبهم
واختياراتهم، وكان من رَأْي المصنِّ جواز اختصار الحديث والرواية بالمعنى، والتدقيق في
الاستِنْباط وإيثار الأغمَض على الأَجْلِى، وترجيح الإسناد الوارد بالصِّيَغِ المصرِّحة بالسَّماع
على غيره، استعمل جميع ذلك في هذا الموضع بعبارة هذا الحديث متناً وإسناداً.
وقد وقع في رواية حمّاد بن زيد في باب الهجرة (٣٨٩٨) تأخّر قوله: ((فمَن كانت
هِجْرته إلى الله ورسوله)) عن قوله: ((فمَن كانت هِجْرته إلى دنيا يصيبها))، فيحتمل أنْ/ ١٦/١
تكون رواية الحميدي وقعت عند البخاري كذلك، فتكون الجملة المحذوفة هي الأخيرة
كما جَرَتْ به عادة مَن يَقتَصِر على بعض الحديث. وعلى تقدير أنْ لا يكون ذلك فهو مَصير
من البخاري إلى جواز الاختصار في الحديث ولو من أثنائه. وهذا هو الراجح، والله أعلم.
وقال الكِرْمانيُّ في غير هذا الموضع: إنْ كان الحديث عند البخاري تامّاً لمَ خَرَمَه في
صَدْر الكتاب، مع أنَّ الخَرْم مُخُتْلَف في جوازه؟ قلت: لا جَزْم بالخَرْم، لأنَّ المقامات
مُخْتِلِفة، فلعلَّه في مقام بيان أنَّ الإيمان بالنيَّة واعتقاد القلب سمع الحديث تامّاً، وفي مقام أنَّ
الشُّروع في الأعمال إنَّما يصح بالنيَّة سمع ذلك القَدْر الذي روى. ثمَّ الحَرْم يحتمل أنْ

٣٢
ح ١
فتح الباري بشرح البخاري
يكون من بعض شيوخ البخاري لا منه، ثمَّ إنْ كان منه فخَرَمَه ثَمَّ، لأنَّ المقصود يَتِم بذلك
المِقْدار. فإنْ قلت: فكان المناسب أنْ يَذكُر عند الخَرْم الشِّق الذي يتعلَّق بمقصودِه، وهو
أنَّ النَّة ينبغي أنْ تكون لله ورسوله. قلت: لعلَّه نظر إلى ما هو الغالب الكثير بين الناس.
انتهى، وهو كلام مَن لم يَطَّلِعِ على شيء من أقوال مَن قَدَّمتُ ذِكْرَه من الأئمّة على هذا
الحديث، ولا سيَّما كلام ابن العربي.
وقال في موضع آخر: إنَّ إيراد الحديث تاماً تارة وغير تام تارة إنَّما هو من اختلاف
الرُّواة، فكُلٌّ منهم قد روى ما سمعه، فلا خَرْمَ من أحد، ولكنَّ البخاري يَذكُرها في
المواضع التي يناسب كُلّا منها بحسب الباب الذي يضعه ترجمة له. انتهى.
وكأنه لم يَطَّلِع على حديث أخرجه البخاري بسندٍ واحد من ابتدائه إلى انتهائه، فساقه
في موضع تامّاً وفي موضع مُقتصِراً على بعضه، وهو كثير جِدّاً في ((الجامع الصحيح))، فلا
يَرْتاب مَن يكون الحديث صناعته أنَّ ذلك من تصرُّفِه، لأنه عُرِفَ بالاستقراءِ من صنيعه
أنّه لا یذکُر الحدیث الواحد في موضعین علی وجه(١)، بل إن كان له أكثر من سند على
شرطه ذكره في الموضع الثاني بالسَّنَد الثاني، وهكذا ما بعده، وما لم يكن على شرطه يُعلِّقُه
في الموضع الآخر تارة بالجزم إن کان صحيحاً، وتارة بغيره إن كان فيه شيء، وما ليس له
إلّا سند واحد يتصرَّف في متنه بالاقتصار على بعضه بحَسَبِ ما يَتَّفِقِ، ولا يُوجَد فيه
حديث واحد مذكور بتمامه سنداً ومتناً في موضعَينٍ أو أكثر إلَّا نادراً، فقد عُنيَ بعضُ مَن
لَقِيته بِتَبُّعِ ذلك فحَصَّلَ منه نحو عشرين موضعاً.
قوله: ((هِجْرته)) الهجرة: الترك، والهجرة إلى الشيء: الانتقال إليه من غيره. وفي الشرع:
ترُ ما نهى الله عنه. وقد وقعت في الإسلام على وجهین:
الأوَّل: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأَمْن، كما في هِجْرتَي الحبشة، وابتداء الهجرة
من مگَّة إلى المدينة.
الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أنِ استَقَرَّ النبيُّ وَله بالمدينة
(١) تحرف في (س) إلى: وجهین.

٣٣
ح ١
كتاب بدء الوحي
وهاجَرَ إليه مَن أمكنَه ذلك من المسلمين. وكانت الهجرة إذْ ذاكَ تَخْتَص بالانتقال إلى
المدينة، إلى أنْ فُتِحَتْ مكَّة فانقَطَعَ الاختصاص، وبَقيَ عموم الانتقال من دار الكفر لمن
قَدَرَ علیه باقياً.
فإن قيل: الأصل تَغايُرِ الشَّرْط والجزاء فلا يقال مثلاً: مَن أطاعَ أطاع، وإنَّما يقال مثلاً: مَن
أطاعَ نَجا، وقد وَقَعا في هذا الحديث مُتَّحِدَين، فالجواب: أنَّ التغاير يقع تارة باللفظ وهو الأكثر،
وتارة بالمعنى ويُفهَم ذلك من السِّياق، ومن أمثِلَته قوله تعالى: ﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ.
يَنُبُّ إِلَى اللَّهِ مَتَابً﴾ [الفرقان: ٧١] وهو مُؤَّل على إرادة المعهود المُستقِر في النفس، كقولهم: أنتَ
أنتَ، أي: الصديق الخالص، وقولهم: هُم هُم، أي: الذين لا يُقْدَر قَدْرهم، وقول الشاعر:
أنا أبو النَّجْم وشِعْرِي شِعْرِي
أو هو مُؤوَّل على إقامة السبب مقام المُسبَّب لاشتهار السبب.
وقال ابن مالك: قد يُقْصَد بالخبر الفَرْدِ بيان الشُّهْرة وعدم التغيُّر، فيَتَّحِد بالمبتدأِ لفظاً
كقول الشاعر:
خَلِيلِي خَلِيلِي دون رَيْب ورُبَّما ألانَ امرُؤٌ قولاً فظُنَّ خليلا
وقد يُفْعَل مِثلُ هذا بجواب الشَّرْط كقولك: مَن قَصَدَني فقد قَصَدَني، أي: فقد قَصَدَ مَن
عُرِفَ بإنجاح قاصده.
وقال غيره: إذا أَّحَدَ لفظ المبتدأ والخبر، والشَّرْط والجزاء، عُلِمَ منهما المبالَغة إمَّا في
التعظيم وإمَّا في التحقير.
قوله: ((إلى دُنْيا)) بضم الدَّال، وحكى ابن قُتَية كسرها، وهي فُعْلى من الدُّنو، أي: القُرْب،
سُمّيَتْ بذلك لسَبْقِها للأُخرى. وقيل: سُمّيَتْ دُنْيا لدُنوِّها إلى الزّوال.
واختُلِفَ في حقيقتها فقيل: ما على الأرض من الهواء والجَو، وقيل: كل المخلوقات من
الجواهر والأعراض، والأوَّل أَوْلى، لكن يُزاد فيه: ممّا قبل قيام الساعة، ويُطلَق على كل جزء

٣٤
ح ١
فتح الباري بشرح البخاري
١٧/١ منها مجازاً. ثمّ إنَّ لفظها/ مقصور غیر منوَّن، وحُکيَ تنوینها، وعَزَاه ابن دِحية إلى رواية أبي
الهيثم الكُشْمِيهَني وضَعَّفَها، وحُكيَ عن ابن مُفوّز(١) أنَّ أبا ذرِّ الهَرَوي في آخر أمره كان
يَحَذِف كثيراً من رواية أبي الهيثم حيثُ ينفرد، لأنه لم يكن من أهل العلم.
قلت: وهذا ليس على إطلاقه، فإنَّ في رواية أبي الهيثم مواضع كثيرة أصوب من رواية
غيره، كما سيأتي مُبيّناً في مواضعه.
وقال التَّيْميُّ في شرحه: قوله: ((دُنْيا)) هو تأنيث الأدنى ليس بمصروفٍ، لاجتماع
الوصفيَّة ولزوم حرف التأنيث. وتُعُقِّبَ بأنَّ لزوم التأنيث للألفِ المقصورة كافٍ في عدم
الصَّرْف، وأمَّا الوصفيَّة فقال ابن مالك: استعمال (دُنْيًا)) مُنكَّراً فيه إشكال، لأنها أفعلُ
التفضيل، فكان من حقّها أنْ تُستَعمَل باللام كالكُبرى والحُسْنى، قال: إلَّا أنها خُلِعَتْ عنها
الوصفيَّةَ وأُجريَتْ تَجَرَى ما لم يكن وصفاً قَطُّ، ومثله قول الشاعر(٢).
وإِنْ دَعَوْتِ إلى جُلَّى ومَكْرُمةٍ يوماً سَراةَ كِرام الناس فادْعِينا
وقال الكِرْمانيُّ: قوله: ((إلى)) يتعلَّق بالهجرة إنْ كان لفظ ((كانت)) تامّة، أو هو خبر
لـ((كانت)) إنْ كانت ناقصة. ثمَّ أورد ما مُحصَّلُه: أنَّ لفظ ((كان)) إنْ كان للأمر الماضي فلا يُعلَم
ما الحُكْم بعد صُدور هذا القول في ذلك. وأجاب بأنه يجوز أنْ يُراد بلفظ ((كان)) الوجود من
غير تقييد بزمانٍ، أو يُقاس المستقبل على الماضي، أو من جهة أنَّ حُكْم المكلَّفين سواء.
قوله: ((يُصيبها)) أي: يُصِّلها، لأنَّ تحصيلها كإصابة الغرض بالسَّهْم بجامعٍ حصول
المقصود.
قوله: ((أو امرأةٍ)) قيل: التنصيص عليها من الخاص بعد العام للاهتمام به. وتعقَّبه النَّووي
بأنَّ لفظ «دُنْيًا)) نَكِرة وهي لا تَعُم في الإثبات، فلا يلزم دخولُ المرأة فيها. وتُعُقِّبَ بكَوْنِها في
سياق الشَّرْط فتَعُم، ونُكْتة الاهتمام الزّيادة في التحذير، لأنَّ الافتتان بها أشد.
(١) تحرف في (س) إلى: مغور.
(٢) وقع هذا البيت في شِعرين: أحدهما للمرقَّش الأكبر، والثاني لبشامة بن حَزْن النهشلي. انظر ((خزانة الأدب))
للبغدادي ٨/ ٣٠١.

٣٥
ح ١
كتاب بدء الوحي
وقد تقدَّم النقل عمَّن حكى أنَّ سبب هذا الحديث قِصَّة مهاجرٍ أُم قيس، ولم نَقِفْ على
تَسمَيَتِه، ونقل ابن دِحْية أنَّ اسمها قَيْلةُ، بقافٍ مفتوحة ثمَّ تحتانيَّة ساكنة.
وحكى ابن بَطَّل عن ابن سِراج: أنَّ السبب في تخصيص المرأة بالذِّكْر أنَّ العرب كانوا
لا يُزوِّجون المولى العربيَّة، ويُراعون الكفاءة في النَّسَب، فلمَّا جاءَ الإسلام سَوَّى بين
المسلمين في مُناكَحَتهم، فهاجَرَ كثير من الناس إلى المدينة ليتزوَّج بها مَن كان لا يَصِلُ إليها
قبل ذلك. انتهى، ويُحتاج إلى نَقْل ثابت أنَّ هذا المهاجر كان مَوْلَى وكانت المرأة عربيّة،
وليس ما نفاه عن العرب على إطلاقه، بل قد زَوَّجَ خَلْق كثير منهم جماعة من مَواليهم
وحُلَفائهم قبل الإسلام، وإطلاقه أنَّ الإسلام أبطَلَ الكفاءة في مقام المنع.
قوله: ((فِهِجْرته إلى ما هاجَرَ إليه)) يحتمل أنْ يكون ذكره بالضميرِ ليتناول ما ذُكِرَ من
المرأة وغيرها، وإنَّما أبرَزَ الضمير في الجملة التي قبلها، وهي المحذوفة، لقَصْدِ الالتذاذ
بذِكْر الله ورسوله وعِظَم شأنهما، بخلاف الدنيا والمرأة فإنَّ السِّياق يُشعِر بالحثِّ على
الإعراض عنهما.
وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أنْ يكون قوله: ((إلى ما هاجَرَ إليه)) مُتعلِّقاً بالهجرة، فيكون
الخبر محذوفاً والتقدير: قبيحة أو غير صحيحة مثلاً، ويحتمل أنْ يكون خبرَ ((فهِجْرته))،
والجملة خبر المبتدأ الذي هو ((مَن كانت)). انتهى، وهذا الثاني هو الراجح، لأنَّ الأوَّل
يقتضي أنَّ تلك الهجرة مذمومة مُطلَقاً، وليس كذلك، إلَّا إنْ مُلَ على تقدير شيء يقتضي
التردُّدَ أو القُصورَ عن الهجرة الخالصة، كمَن نَوَى بهجرَتِهِ مُفارَقَةَ دار الكفر وتَزَوُّجَ المرأة
معاً، فلا تكون قبيحة ولا غير صحيحة، بل هي ناقصة بالنِّسبة إلى مَن كانت هِجْرته
خالصة، وإنَّما أشعَرَ السِّياق بذَمِّ مَن فَعَلَ ذلك بالنّسبة إلى مَن طلبَ المرأةَ بصورة الهجرة
الخالصة، فأمَّا مَن طلبَها مضمومةً إلى الهجرة، فإنَّه يُثاب على قَصْد الهجرة لكن دون ثواب
مَن أخلَص، وكذا مَن طلبَ التزويج فقط لا على صورة الهجرة إلى الله، لأنه من الأمر
المباح الذي قد يُثاب فاعلُه إذا قَصَدَ به القُرْبة كالإعفاف.

٣٦
ح ١
فتح الباري بشرح البخاري
ومن أمثلة ذلك ما وقع في قِصَّة إسلام أبي طَلْحة فيما رواه النَّسائيُّ (٣٣٤٠) عن أنس
قال: تزوَّج أبو طَلْحة أُم سُلَيم فكان صَدَاقُ ما بينهما الإسلام، أسلمَتْ أُم سُلَيم قبل أبي
طَلْحة فخَطَبَها فقالت: إني قد أسلمْتُ، فإنْ أسلمْتَ تَزَوَّجْتُك، فأسلمَ فتزوَّجْه. وهو
محمول على أنه رَغِبَ في الإسلام ودخلَه من وجهه وضمَّ إلى ذلك إرادةَ التزويج المباح،
١٨/١ فصار كمَن نَوَى بصومِه العبادةَ والحِمْية، / أو بطوافه العبادةَ ومُلازَمةَ الغريم.
واختارَ الغَزالي فيما يتعلَّق بالثَّواب أنه إنْ كان القصد الدُّنيَوي هو الأغلَب، لم يكن فيه
أجر، أو الدِّينِيُّ أُجِرَ بقَدْرِهِ، وإنْ تَساوَيا فتَردَّدَ القصد بين الشَّيئَينِ فلا أجر. وأمَّا إذا نَوَى
العبادة وخالَطَها شيءٌ مَّا يُغاير الإخلاص، فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطبري عن جمهور
السَّلَف أنَّ الاعتبار بالابتداء، فإنْ كان في ابتدائه(١) لله خالصاً، لم يَضِرْه ما عَرَضَ له بعد
ذلك من إعجاب وغيره، والله أعلم.
واستدلَّ بهذا الحديث على أنه لا يجوز الإقدام على العمل قبل معرفة الحُكْم، لأنَّ فيه
أنَّ العمل يكون مُنتَفياً إذا خَلا عن النيّة، ولا يصح نيَّة فعل الشيء إلَّا بعد معرفة حُكمِه،
وعلى أنَّ الغافل لا تكليف عليه، لأنَّ القصد يستلزم العلمَ بالمقصود، والغافلُ غير قاصد،
وعلى أنَّ مَن صامَ تَطَوُّعاً بنيَّةٍ قبل الزَّوال أنْ لا يُحسَبَ له إلَّا من وقت النيَّة وهو مُقتَضى
الحديث، لكن تَسَّكَ مَن قال بانعِطافها بدليلٍ آخر، ونظيره حديث: ((مَن أدرَكَ من
الصلاة رَكْعةً فقد أدرَكَها))(٢)، أي: أدرَكَ فضيلة الجماعة أو الوقت، وذلك بالانعِطاف
الذي اقتَضاه فضلُ الله تعالى، وعلى أنَّ الواحد الثِّقة إذا كان في مجلسٍ جماعةٍ ثُمَّ ذكر عن
ذلك المجلس شيئاً لا يُمكِن غَفْلَتُهم عنه ولم يَذكُره غيره، أنَّ ذلك لا يَقدَح في صِدْقه،
خلافاً لمن أَعَلَّ بذلك، لأنَّ عَلْقمة ذكر أنَّ عمرَ خَطَبَ به على المنبر، ثمَّ لم يَصحَّ من جهة
أحد عنه غير عَلْقمة.
(١) في (س): فإن كان ابتداؤه.
(٢) سيأتي عند المصنف برقم (٥٨٠).

٣٧
ح ٢
كتاب بدء الوحي
واستدلَّ بمفهومِه على أنَّ ما ليس بعمل لا تُشترَط النيّة فيه، ومن أمثلة ذلك جمعُ
التقديم، فإنَّ الراجح من حيثُ النَّظَر أنه لا يُشتَرَط له نيَّة، بخلاف ما رَجَّحَه كثير من
الشافعيَّة، وخالفهم شيخنا شيخ الإسلام وقال: الجمع ليس بعمل، وإنَّما العمل الصلاة.
ويُقوِّي ذلك أنه عليه الصلاة والسلام جمع في غَزْوة تَبُوكَ(١) ولم يَذكُر ذلك للمأمومين
الذين معه، ولو كان شرطاً لَأعلمهم به.
واستدلَّ به على أنَّ العمل إذا كان مضافاً إلى سبب ويجمع مُتعدِّدَه جنسٌ، أنَّ نيَّة
الجنس تكفي، كمَن أعتَقَ عن كَفّارة ولم يُعيِّ كَوْنها عن ظِهار أو غيره، لأنَّ معنى الحديث
أنَّ الأعمال بنّاتها، والعمل هنا القيام بالذي يُخْرَجُ عن الكَفّارة اللّازمة، وهو غير مُحُوج
إلى تعيين سبب، وعلى هذا لو كانت عليه كَفّارةٌ، وشكَّ في سببها، أجزأه إخراجها بغير
تعیین.
وفيه زيادة النَّص على السبب، لأنَّ الحديث سيقَ في قِصَّة المهاجر لتزويج المرأة، فذِكْر
الدنيا في القِصَّة زيادة في التحذير والتنفير.
وقال شيخنا شيخ الإسلام: فيه إطلاق العام وإنْ كان سببه خاصّاً، فيُستَنْبَط منه
الإشارة إلى أنَّ العِبْرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وسيأتي ذِكْر كثير من فوائد هذا الحديث في كتاب الإيمان (٥٤) حيثُ قال المصنّف في
الترجمة: فدخل فيه العبادات والأحكام، إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.
الحديث الثاني من أحاديث بدء الوحي:
٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن
عائشةَ أُمّ المؤمنينَ رضي الله عنها: أنَّ الحارثَ بنَ هشام ه سأل رسولَ الله ◌َي فقال: يا
رسولَ الله، كيفَ يأتيكَ الوحيٌّ؟ فقال رسولُ الله ◌َّ: «أحياناً يأتيني مثلَ صَلْصَلِ الجَرَس،
(١) انظر: حديث ابن عباس عند مسلم برقم (٧٠٥) (٥١)، وحديث معاذ بن جبل برقم (٧٠٦).

٣٨
ح ٢
فتح الباري بشرح البخاري
وهو أشَدُّه عليَّ، فيَقصِمُ عَنّي وقد وَعَيْتُ عنه ما قالَ، وأحياناً يَتمَثَّلُ لِيَ الملَكُ رجلاً فيُكَلِّمُني
فَأَعِي ما يقولُ)).
قالت عائشةُ رضي الله عنها: ولقد رَأيْتُهُ يَنزِل عليه الوحيُّ في اليومِ الشَّدِيدِ البَرْد، فَفصِمُ
عنه وإنَّ جَبِينَهَ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقاً.
[طرفه في: ٣٢١٥]
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن يوسف)) هو التِّنِّيسيُّ، كان يَنزِلُ تِنِّيس من عمل مِصْر، وأصله
دمشقي، وهو من أتقن الناس في ((الموطَّأ))، كذا وَصَفَه يحيى بن مَعِين.
قوله: ((أُم المؤمنينَ)) وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَجُهُ: أُمَّهَُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] أي: في
الاحترام وتحريم نكاحهن، لا في غير ذلك مما اختُلِفَ فيه على الراجح، وإنَّما قيل للواحدة
منهُنّ: أُمُّ المؤمنين، للتغليب، وإلَّا فلا مانع من أنْ يقال لها: أُمُّ المؤمنات، على الراجح.
قوله: ((أنَّ الحارث بن هشام)) هو المخزومي، أخو أبي جَهْل شقيقه، أسلمَ يوم الفتح،
١٩/١ وكان من فضلاء الصحابة/ واستُشهِدَ في فُتوح الشام.
قوله: (سأل)) هكذا رواه أكثر الرُّواة عن هشام بن عُرْوة، فيحتمل أنْ تكون عائشة
حَضَرَتْ ذلك، وعلى هذا اعتَمَدَ أصحاب ((الأطراف)) فأخرجوه في مسند عائشة. ويحتمل
أنْ يكون الحارث أخبرَها بذلك بعدُ فيكون من مُرسَل الصحابة، وهو محكوم بوَصْلِه عند
الجمهور. وقد جاءَ ما يؤيِّد الثاني، ففي ((مسند أحمد)) (٢٥٢٥٣) و((مُعجَم الْبَغَوي))
وغيرهما من طريق عامر بن صالح الزُّبَيري، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث
ابن هشام قال: سألتُ. وعامر فيه ضعف(١)، لكن وَجَدْت له متابعاً عند ابن مَندَه،
والمشهور الأوَّل.
قوله: ((كيف يأتيك الوحيُّ)) يحتمل أنْ يكون المسؤول عنه صفة الوحي نَفْسه، ويحتمل
أنْ يكون صفةً حاملِه أو ما هو أعم من ذلك، وعلى كل تقدير فإسناد الإتيان إلى الوحي
(١) بل متروك، وكذبه ابن معين، كما في ((التقريب)).

٣٩
ح ٢
كتاب بدء الوحي
مَجاز، لأنَّ الإتيان حقيقة من وصف حاملِهِ.
واعتَرَضَ الإسماعيلي فقال: هذا الحديث لا يَصلُح لهذه الترجمة، وإنَّما المناسب لكيفيَّة بدء
الوحي الحديث الذي بعده، وأمّا هذا فهو لکیفیّة إتيان الوحي لا لبدء الوحي. انتهى.
وقال الكِرْمانيُّ: لعلَّ المراد منه السؤال عن كيفيَّة ابتداء الوحي، أو عن كيفيَّة ظُهور
الوحي، فيوافق ترجمةَ الباب.
قلت: سياقه يُشعِر بخلاف ذلك لإتيانه بصيغة المستقبَل دون الماضي، لكن يُمكِن أنْ
يقال: إنَّ المناسبة تَظْهَر من الجواب، لأنَّ فيه إشارة إلى انحصار صفة الوحي أو صفة
حامله في الأمرينِ فيشمل حالة الابتداء، وأيضاً فلا أثر للتَّقْديم والتأخير هنا ولو لم تَظْهَر
المناسبة، فَضْلاً عن أنّا قدَّمنا أنه أراد البِدَاءة بالتحديث عن إمامَي الحجاز فبدَأ بمكّة ثمّ
ثنَّی بالمدينة.
وأيضاً فلا يلزم أنْ تَتعلَّق جميع أحاديث الباب ببدءِ الوحي، بل يكفي أنْ تتعلَّقَ بذلك
وبما يتعلَّق به وبما يتعلَّقُ بالآية أيضاً، وذلك أنَّ أحاديث الباب تتعلَّق بلفظ الترجمة وبما
اشتملتْ عليه، ولمَّا كان في الآية أنَّ الوحي إليه نظير الوحي إلى الأنبياء قبله، ناسب
تقديم ما يتعلَّق بها وهو صفة الوحي وصفة حامله، إشارة إلى أنَّ الوحي إلى الأنبياء لا
تَبَايُن فيه، فحَسُنَ إيراد هذا الحديث عَقِبَ حديث الأعمال الذي تقدَّم التقريرُ بأنَّ تَعلُّقه
بالآية الكريمة أقوى تَعلُّق، والله أعلم.
قوله: ((أحيانً) جمع حِينٍ، يُطلَق على كثير الوقت وقليله، والمراد به هنا مجرَّد الوقت،
فكأنه قال: أوقاتاً يأتيني، وانتَصَبَ على الظَّرْفيَّة وعامله ((يأتيني)) مُؤخَّر عنه.
وللمصنّف من وجه آخر عن هشام في بدء الخَلْق (٣٢١٥) قال: ((كل ذلك يأتي
الملَكُ)»، أي: كل ذلك حالتان، فذكرهما.
وروى ابن سعد (١٩٧/١ - ١٩٨) من طريق أبي سَلَمةَ الماحِشُونِ أنه بَلَغَه: أنَّ النبيَّ
﴿ ي* كان يقول: «كان الوحيُّ يأتيني على نحوَين: يأتيني به جِبْريل فيُلْقيه عليَّ كما يُلْقي

٤٠
ح ٢
فتح الباري بشرح البخاري
الرجلُ على الرجل، فذاكَ يَتَفَلَّتُ منّي، ويأتيني في بيتي(١) مِثل صوت الجَرَس حتَّى يُخالط
قلبي، فذاكَ الذي لا يتَفَلَّتُ منّي)) وهذا مُرسَل مع ثقة رجاله، فإنْ صَحَّ فهو محمول على ما
كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تُحرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] كما سيأتي، فإنَّ الملك قد تَثَّلَ
رجلاً في صور كثيرة ولم يَتَفَلَّتْ منه ما أتاه به كما في قِصَّة مجيئِه في صورة دِخْية وفي صورة
أعرابي وغير ذلك، وكلّها في ((الصحيح))(٢).
وأُورِدَ على ما اقتَضاه هذا الحديث وهو أنَّ الوحي مُنحصِر في الحالتين حالاتٌ أُخرى:
إمَّا من صفة الوحي: كمجيئه كدَوِيِّ النَّحْلِ(٣)، والنَّفْث في الرُّوع(٤)، والإلهام(٥)، والرُّؤْيا
الصالحة (٦)، والتكليم ليلة الإسراء بلا واسطة. وإمَّا من صفة حامل الوحي: کمجيئه في
صورته التي خُلِقَ علیھا له ستُّ مئة جناح(٢)، ورُؤْیته على كُرْسی بين السماء والأرض وقد
سَدَّ الأُفُقْ (٨).
والجواب منع الحَصْر في الحالتينِ المقدَّم ذِكْرهما وحملُهما على الغالب، أو حمل ما يُغاير هما
(١) في المطبوع من ((طبقات ابن سعد)): في شيء.
(٢) قصة مجيء جبريل في صورة دحية ستأتي في ((الصحيح)) برقم (٣٦٣٣) و(٤٩٨٠)، وأما قصة مجيئه في
صورة أعرابي فالشارح يشير إلى حديث أبي هريرة الآتي برقم (٥٠).
(٣) روي هذا من حديث عمر عند أحمد في ((المسند)) (٢٢٣)، والترمذي (٣١٧٣)، والنسائي في ((الكبرى))
(١٤٤٣)، وسنده ضعيف، وقال النسائي: هذا حديث منكر.
(٤) روي هذا من حديث حذيفة عند البزار (٢٩١٤)، ومن حديث أبي أمامة عند الطبراني في ((الكبير))
(٧٦٩٤)، وأبي نعيم في ((الحلية)) ٢٦/١٠-٢٧، ومن حديث ابن مسعود عند الحاكم ٤/٢، والبغوي
في ((شرح السنة)) (٤١١١) و(٤١١٢) و(٤١١٣)، بأسانيد فيها مقال، وروي عن المطّلب بن حنطب
مرسلاً عند البغوي أيضاً (٤١١٠)، وبمجموعها يتقوى الحديث. والرُّوع: القلب والعقل.
(٥) هذا في الوحي إلى غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كالوحي إلى النحل مثلاً، قاله العيني في ((عمدة
القاري» ١/ ٤٠. وما قبله يُغني عنه.
(٦) سيأتي في أول حديث عائشة برقم (٣).
(٧) سيأتي برقم (٣٢٣٢).
(٨) سيأتي برقم (٤).