النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٦١
باب ١٢٣ /ح ٦٢٢٠
كتاب الأدب
فيه، فقال: ((ارتَفَعَ هذا على هذا تسعَ عشرةَ درجةً))، ويُؤيِّده ما أخرجه التِّرمِذيّ (٤٠٤) وغيره
من حديث رِفاعة بن رافع قال: صَلَّيت مع النبيّ وَّ فِعَطَستُ فقلت: الحمد لله حمداً طيِّباً مُبَارَكاً
فيه مُبَارَكاً عليه كما يُحِبّ رَبُّنا ويَرضَى، فلمَّ انصَرَفَ قال: ((مَن المتكلِّم؟)) ثلاثاً، فقلت: أنا، فقال:
((والذي نفسي بيده، لقد ابتَدَرَها بِضْعةٌ وثلاثونَ مَلَكاً، أيّهم يَصعَدُ بها))، وأخرجه الطبرانيُّ
(٤٥٣٢) وبيَّن أنَّ الصلاة المذكورة المغرب، وسنده لا بأس به، وأصله في ((صحيح البخاريّ))
(٧٩٩) لكن ليس فيه ذِكْر العُطاس وإنَّما فيه: كنَّا نُصلّي مع النبيّ ◌َِّ، فلمَّا رَفَعَ رأسه من الرَّكعة
قال: ((سمعَ الله لمن حَدَه)) فقال رجل وراءَه: رَبّنا لك الحمد ... إلى آخره، بنحوِه، وقد تقدَّم في
صِفَة الصلاة بشرحِه.
ولمسلمٍ (٦٠٠) وغيره من حديث أنس: جاء رجل فدَخَلَ في الصَّفّ وقد حَفَزَه النَّفَس
فقال: الله أكبر، الحمد لله حمداً كثيراً طيِّباً مُبارَكاً فيه ... الحديث، وفيه: ((لقد رأيتُ اثنَي
عشرَ مَلَكاً يَبْتَدِرونَهَا أَيُّهم يَرفَعها))، وأخرج الطبرانيُّ وابن السُّنِّيّ(١) من حديث عامر بن
رَبيعة نحوه بسندٍ لا بأس به، وأخرجه ابن السُّنّيّ (٢٦٠) بسندٍ ضعيف عن أبي رافع قال:
كنت مع رسول الله وَ ﴿ فَعَطَسَ، فخَلَّى يدي ثمَّ قامَ فقال شيئاً لم أفهمه، فسألته فقال: ((أتاني
جِبْريل فقال: إذا أنتَ عَطَستَ فِقُل: الحمد لله لكَرَمِه، الحمد لله لعِّ جَلاله، فإنَّ الله عزَّ
وجلَّ يقول: صَدَقَ عبدي - ثلاثاً - مَغفوراً له)).
وأمَّا الثَّناء الخارج عن الحمد، فَوَرَدَ فيه ما أخرجه البيهقيُّ في ((الشَّعَب)) (٩٣٢٦) من طريق
الضَّحّاك بن قيس اليَشكُريّ قال: عَطَسَ رجل عند ابن عمر: فقال: الحمد لله رَبّ العالمينَ،
فقال ابن عمر لو تَمَّمتَها: والسَّلامُ على رسول الله، وأخرجه (٩٣٢٥) من وجه آخر عن ابن
عمر نحوه، ويعارضه ما أخرجه التِّرمِذيّ (٢٧٣٨) قال: عَطَسَ رجل فقال: الحمد لله والصلاة
على رسول/ الله، فقال ابن عمر: الحمد لله والصلاة على رسول الله(٢)، ولكن ليس هكذا عَلَّمَنا ٦٠١/١٠
(١) في ((عمل اليوم والليلة)) برقم (٢٦٣)، وعزوه لأبي داود (٧٧٤) أولى، وهو في القسم المفقود من ((معجم
الطبراني))، وفي إسناد الحديث شريك النخعي، وهو سيِّئ الحفظ.
(٢) كذا وقع عند الحافظ، والرواية في ((جامع الترمذي)): الحمد لله والسلام على رسول الله؛ في الموضعين.

٦٦٢
باب ١٢٣ /ح ٦٢٢١
فتح الباري بشرح البخاري
رسول الله وَ لّ، قال التِّرمِذيّ: غريب لا نعرفه إلّا من رواية زياد ابن الرَّبيع. قلت: وهو
صَدُوق، قال البخاريّ: فيه نظر، وقال ابن عَديّ: لا أرى به بأساً، وَرَجَّحَ البيهقيُّ (٢٤/٧) ما
تقدَّم على رواية زیاد، والله أعلم.
ولا أصلَ لما اعتادَه كثير من الناس من استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله: الحمد لله ربّ
العالمينَ، وكذا العُدول عن الحمد إلى: أشهَدُ أن لا إله إلا الله، أو تقديمها على الحمد فمكروه،
وقد أخرج المصنِّف في ((الأدب المفرَد)) (٩٣٧) بسندٍ صحيح عن مجاهد: أنَّ ابن عمر سمعَ ابنه
عَطَسَ فقال: اب، فقال: وما اب؟ إنَّ الشَّيطان جعلها بين العَطْسة والحمد، وأخرجه ابن أبي
شَيْبة (٦٨٨/٨) بلفظ: ((اش» بَدَل: اب.
ونَقَلَ ابن بَطّال عن الطَّبري(١): أنَّ العاطِس يَتخيَر بين أن يقول: الحمد لله، أو یزید: رَبّ
العالمينَ، أو: على كلّ حال، والذي يَتَحرَّر من الأدلّة أنَّ كلّ ذلك مُجْزِئ، لكن ما كان أكثرَ
ثَناءً أفضلُ بشرطِ أن يكون مأثوراً.
وقال النَّويّ في ((الأذكار)): اتَّفَقَ العلماء على أنَّه يُستَحَبّ للعاطِسِ أن يقول عَقِبَ
عُطاسه: الحمد لله، ولو قال: الحمد لله رَبّ العالمينَ، لكان أحسن، فلو قال: الحمد لله على
كلّ حالٍ، كان أفضل، كذا قال، والأخبار التي ذكرتُها تقتضى التَّخيير ثمَّ الأولَويَّة كما تقدَّم،
والله أعلم.
٦٢٢١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا سليمانُ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ ﴾ قال:
عَطَسَ رَجُلانٍ عندَ النبيِّ ◌َِّ، فَشَمَّتَ أحدَهما ولم يُشمَّتِ الآخَرَ، فِقِيلَ له، فقال: «هذا حَمِدَ اللهَ،
وهذا لم يخمَدْ».
[طرفه في: ٦٢٢٥]
قوله: ((حدَّثنا سُفْيان)) هو الثَّوريّ، وسليمان: هو النَّيْميّ.
قوله: ((عن أنس)) في رواية شُعْبة (٦٢٢٥) عن سليمان التَّيْميِّ: سمعت أنساً.
(١) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: الطبراني، والتصويب من (ع) و((شرح ابن بطال)) ٩/ ٣٦٧.

٦٦٣
باب ١٢٣ /ح ٦٢٢١
كتاب الأدب
قوله: ((عَطَسَ)) بفتح الطاء في الماضي، وبكسرها وضمّها في المضارع.
قوله: ((رجلانٍ)) في حديث أبي هريرة عند المصنّف في ((الأدب المفرَد)) (٩٣٢) وصَحَّحَه
ابن حِبّان (٦٠٢): أحدهما أشرَفُ من الآخر، وأنَّ الشَّريف لم يَحمَد، وللطََّرانيّ (٥٧٢٤) من
حديث سهل بن سعد: أنَّهما عامر بن الطُّفَيل وابن أخيه.
قوله: ((فشَمَّتَ)) بالمعجَمة، وللسَّرَخْسيِّ بالمهمَلة، ووَقَعَ في رواية أحمد (١٢١٦٧) عن
يحيى القَطّان عن سليمان التَّيْمِيِّ: ((فشَمَّتَ أو سَمَّتَ)) بالشكِّ في المعجَمة أو المهمَلة، وهو
من التَّشميت، قال الخليل وأبو عبيد وغيرهما: يقال بالمعجَمة وبالمهمَلة، وقال ابن
الأنباريّ: كلّ داع بالخير مُشَمِّت بالمعجَمة وبالمهمَلة، والعرب تجعل الشِّين والسِّين في
اللَّفظ الواحد بمعنّی. انتهى، وهذا ليس مُطَّرِّداً، بل هو في مواضع معدودة وقد جمعها
شيخنا مجد الدّين (١) الشِّيرازيّ صاحب ((القاموس)) في جُزء لطيف، قال أبو عبيد: التَّشميت
بالمعجَمة أعلى وأكثر، وقال عِيَاض: هو كذلك للأكثر من أهل العربيَّة وفي الرِّواية، وقال
ثَعلَب: الاختيار أنه بالمهمَلة لأنَّه مأخوذ من السَّمْت: وهو القَصْدُ والطَّريق القويم. وأشارَ
ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)» إلی ترجيحه.
وقال القَزّاز: التَّشميت: التَّبريك، والعرب تقول: شَمَّتَه: إذا دَعَا له بالبَرَكة، وشَمَّتَ
عليه: إذا بَرَّكَ عليه. وفي الحديث في قصَّة تزويج عليّ بفاطمة: ((شَمَّتَ عليهما))(٢) أي: دَعَا
لهما بالبَرَكة.
ونَقَلَ ابن التِّين عن أبي عبد الملك قال: التَّسميت بالمهمَلة أفصَحُ، وهو من: سَمَتِ الإبلُ
في المرعَى: إذا جُمِعَت، فمعناه على هذا: جَمَعَ الله شَمْلك. وتَعقَّبَه بأنَّ (سَمَت الإبل)) إنَّما هو
بالمعجَمة، وكذا نَقَلَه غير واحد أنَّه بالمعجَمة، فيكون معنى: سَمَّتَه: دَعَا له بأن يجمع شَمْلَه.
(١) تحرَّف في (س) إلى: شمس الدین.
(٢) لم يذكر هذا الحرف في الحديث سوى أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه ((غريب الحديث)) ١٨٤/٢
بإسناد معضل، وأصل الحديث دون هذا الحرف عن الحميدي في («مسنده)» (٣٨) بلفظ: دعا بإناء فيه ماء
فدعا فیه ثم رشَه علينا.

٦٦٤
باب ١٢٣ / ح ٦٢٢١
فتح الباري بشرح البخاري
وقيل: هو بالمعجَمة من الشَّماتة: وهو فرحُ الشَّخص بما يَسُوء عدوّه، فكأنَّه دَعًا له أن
يكون في حال مَن يَشمَت به، أو أنَّه إذا حَمِدَ الله أدخَلَ على الشَّيطان ما يَسُوؤه، فشَمِتَ هو
بالشَّيطان. وقيل: هو من الشَّوامت جمع شامِتة: وهي القائمة، يقال: لا تَرَكَ الله له شامتة، أي:
قائمة.
وقال ابن العربيّ في ((شرح التِّرمِذيّ)): تَكلَّمَ أهل اللُّغة على اشتِقاق اللَّفْظَينِ ولم يُبيِّنوا
المعنى فيه وهو بديع، وذلك أنَّ العاطِس يَنحَلُّ كلّ عُضو في رأسه وما يَتَّصِل به من العُنُق
ونحوه، فكأنَّه إذا قيل له: رَحِمَك الله، كان معناه: أعطاه الله رحمةً يَرجِعُ بها بذلك إلى حاله
قبل العُطاس، ويُقيم على حاله من غير تغيير، فإن كان التَّسميت بالمهمَلة فمعناه: رَجَعَ كلُّ
٦٠٢/١٠ عُضو / إلى سَمْتِه الذي كان عليه، وإن كان بالمعجَمة فمعناه: صانَ الله شَوامِتَه، أي: قوائمه
التي بها قِوامُ بَلَنه عن خروجها عن الاعتدال، قال: وشوامتُ كلّ شيء قوائمُه، فقِوام الدّابّة
بسلامة قوائمها التي يُتَفَع بها إذا سَلِمَت، وقِوام الآدَمَيّ بسلامة قوائمه التي بها قوامُه، وهي
رأسه وما يَتَّصِل به من عُنُق وصدر. انتهى مُلخَّصاً.
قوله: ((فقيلَ له)) السائل عن ذلك هو العاطِسُ الذي لم يَحمَد، وَقَعَ كذلك في حديث أبي
هريرة المشار إليه بلفظ: ((فسألَه الشّريف))، وكذا في رواية شُعْبة الآتية بعد بابَينٍ بلفظ:
((فقال الرجل: يا رسول الله، شَمَّتَّ هذا ولم تُشَمِّتني!)) وهذا قد يُعكِّر على ما في حديث
سهل بن سعد أنَّ الشَّريف المذكور هو عامر بن الطَّفَيل، فإنَّه كان كافراً وماتَ على كُفره،
فيَبَعُد أن يُخَاطِب النبيَّ وَّه بقولِه: يا رسول الله، ويحتمل أن يكون قالها غير مُعتَقِد بل
باعتبار ما يُخاطِبه المسلمونَ، ويحتمل أن تكون القصَّة لعامٍ بن الطَّفَيل غير (١) المذكور، ففي
الصحابة عامر بن الطَّفَيل الأسلميِّ له ذِكْر في الصحابة، وحديث رواه عنه عبد الله بن
بُرَيدة الأسلميُّ: حدَّثْنِي عَمّي عامر بن الطَّفَيَل، وفي الصحابة أيضاً عامر بن الطُّفَيَل الأزدُّ
ذكره وثیمةُ في «كتاب الرِّدة))، وأَورَدَ له مرثية في النبيّ پێے، فإن لم یکن في سياق حديث سهل
(١) لفظ ((غير)) سقط من (س).

٦٦٥
باب ١٢٣ / ح ٦٢٢١
كتاب الأدب
ابن سعد ما يدلّ على أنَّه عامر المشهور، احتَمَلَ أن يكون أحدَ هذَينٍ. ثمَّ راجعتُ ((مُعجم
الطبرانيّ)) (٥٧٢٤) فوجدتُ في سياق حديث سهل بن سعد الدّلالة الظّاهرة على أنَّه عامر
ابن الطُّفَيل بن مالك بن جعفر بن كِلاب الفارس المشهور، وكان قَدِمَ المدينةَ وجَرَى بينه
وبين ثابت بن قيس بحَضْرة النبيّ ◌َ ﴿ كلام، ثمَّ عَطَسَ ابنُ أخيه فحَمِدَ فشَمَّتَه النبيّ وَاهـ
ثُمَّ عَطَسَ عامر فلم يَحمَد فلم يُشمِّته، فسألَه ... الحديث، وفيه قصَّة غزوة بئر مَعُونة وكان
هو السَّببَ فيها، وماتَ عامر بن الطُّفَيل بعد ذلك كافراً في قصَّة له مشهورة في موته ذكرها
ابنُ إسحاق وغيره.
قوله: ((هذا حَمِدَ اللهَ وهذا لم يَحمَدْ)) في حديث أبي هريرة: ((إنَّ هذا ذَكَرِ اللهَ فذَكَرتُه، وأنتَ
نسيتَ الله فنَسِيتُك))، وقد تقدَّم أنَّ النِّسيان يُطلَق ويُراد به التَّرك.
قال الحَلِيميّ: الحكمة في مشروعيَّة الحمد للعاطسِ أنَّ العُطاس يَدفَع الأذى من الدِّماغ
الذي فيه قوّة الفِكْرِ، ومنه مَنشَأ الأعصاب التي هي مَعدِن الحِسّ وبسَلامتِهِ تَسلَم الأعضاء،
فيظهر بهذا أنَّها نِعمة جليلة فناسَبَ أن تُقابَل بالحمد لله، لما فيه من الإقرار الله بالخلق
والقُدْرة، وإضافة الخلق إليه لا إلى الطَّبائع. انتهى، وهذا بعض ما ادَّعى ابنُ العربيّ أنَّه انفَرَدَ
به، فيحتمل أنَّه لم يَطَّلِعِ علیه.
وفي الحديث أنَّ التَّشْميت إنَّما يُشرَع لمن حَمِدَ الله، قال ابن العربيّ: وهو مُجُمَع عليه، وسيأتي
تقريره في الباب الذي بعده.
وفيه جواز السُّؤال عن عِلّة الحُكم وبيانها للسائلِ، ولا سيّما إذا كان له في ذلك مَنْفَعة.
وفيه أنَّ العاطِس إذا لم يَحمَد الله، لا يُلقَّن الحمدَ ليَحمَد فيُشْمَّت، كذا استَدَلَّ به بعضهم وفيه
نظرٌ، وسيأتي البحث فيه بعد ثالث باب.
ومن آداب العاطِس أن يَخْفِض بالعَطْسة صوتَه ويرفعه بالحمد، وأن يُغَطّ وجهه لئلا يَبْدوَ
مِن فيهِ أو أَنفه ما يُؤذي جليسَه، ولا يَلْوِي عُنُقُه يميناً ولا شِمالاً لتلَا يَتَضَرَّر بذلك.
قال ابن العربيّ: الحكمة في خَفْض الصَّوت بالعُطاس أنَّ في رفعه إزعاجاً للأعضاء، وفي

٦٦٦
باب ١٢٤ / ح ٦٢٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
تغطية الوجه أنَّه لو بَدَرَ منه شيء آذى جليسه، ولو لَوَى عُنُقُه صيانةً لجليسِه لم يأمَنْ من
الالتِواء، وقد شاهَدْنا مَن وَقَعَ له ذلك. وقد أخرج أبو داود (٥٠٢٩) والتِّرمِذيّ (٢٧٤٥)
بسندٍ جيِّ عن أبي هريرة قال: كان النبيّ ◌َ له إذا عَطَسَ وَضَعَ يدَه على فيهِ وخَفَضَ صوته، وله
شاهد من حديث ابن عمر بنحوه عند الطبراني(١).
قال ابن دقيق العيد: ومن فوائد التَّشميت تحصيلُ المودّة والتَّأليف بين المسلمينَ، وتأديبُ
العاطس بكسر النَّس عن الكِبْر، والحمل على التَّواضُع، لما في ذِكْرِ الرَّحمة من الإشعار بالذَّنبِ
الذي لا يَعْرَى عنه أكثرُ المكلَّفِينَ.
١٢٤ - باب تشميت العاطس إذا حَمِدَ اللهَ
٦٠٣/١٠
فيه أبو هريرةَ.
٦٢٢٢- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأشعَثِ بنِ سُلَیم، قال: سمعتُ
مُعَاوِيةَ بنَ سُوَيدِ بنِ مُقَرِّنٍ، عن البراءِ ﴾ قال: أُمُرَنا النبيُّ نَّهِ بِسَبْعٍ، وَهانا عن سَبْعٍ: أُمَرَنا
بعِيادةِ المَرِيضِ، واتّباع الجِنازةِ، وتَشْمِيتِ العاطِسِ، وإجابةِ الدّاعي، ورَدِّ السَّلامِ، ونَصْرِ
المَظْلومِ، وإبرارِ المُقْسِمِ.
وَهانا عن سَبعٍ: عن خاتَمِ الذَّهَبِ - أو قال: حَلْقَةِ الذَّهَبِ - وعن لُبْسِ الحَرِيرِ، والدِّيباجِ
والسُّنْدُسِ، والمَیائِرِ.
قوله: ((باب تَشْميت العاطِس إذا حَمِدَ الله)) أي: مشروعيَّة التَّشميت بالشَّرطِ المذكور ولم يُعيِّن
الحُكم، وقد ثَبَتَ الأمرُ بذلك كما في حديث الباب، قال ابن دقيق العيد: ظاهر الأمر الوجوب،
ويُؤْيِّده قوله في حديث أبي هريرة الذي في الباب الذي يليه (٦٢٢٣) ((فحَقٌّ على كلّ مسلم
سمعَه أن يُشمِّته))، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم (٢١٦٢/ ٥): ((حَقُّ المسلم على المسلم
ستّ)) فذكر فيها: ((وإذا عَطَسَ فحَمِدَ الله فشَمِّته))، وللبخاريِّ (١٢٤٠) من وجه آخر عن أبي
هريرة: ((خمسٌ تجبُ للمسلم على المسلم)) فذَكَر منها التَّشميت، وهو عند مسلم (٤/٢١٦٢)
(١) في ((الأوسط)) (٧٤٥٢).

٦٦٧
باب ١٢٤ / ح ٦٢٢٢
كتاب الأدب
أيضاً، وفي حديث عائشة عند أحمد (٢٤٤٩٧) وأبي يَعْلى (٤٩٤٦): ((إذا عَطَسَ أحدكم
فليَقُل: الحمد الله، وليَقُل مَن عنده: يرحمك الله)) ونحوه عند الطبرانيِّ (٣٤٤١) من حديث
أبي مالك، وقد أخَذَ بظاهرها ابن مُزَينٍ من المالكيَّة، وقال به جمهورُ أهل الظاهر، وقال ابن
أبي جَمْرة: قال جماعة من عُلَمائنا: إنَّه فَرْض عَينٍ، وقَوّاه ابن القَيِّم في ((حواشي السُّنَن)) فقال:
جاء بلفظ الوجوب الصَّريح، وبلفظ: ((الحقّ)) الدّالِّ عليه، ويلفظ: ((على)) الظّاهرة فيه، وبصيغة
الأمر التي هي حقيقةٌ فيه، وبقولِ الصحابيّ: ((أمَرَنا رسول الله وَلَ﴾) قال: ولا رَيبَ أنَّ الفقهاء
أثبتوا وجوبَ أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء.
وذهب آخرونَ إلى أنَّه فرضُ كِفاية إذا قام به البعض سَقَطَ عن الباقين، ورَجَّحَه
أبو الوليد بن رُشْد (١) وأبو بكر بن العربيّ، وقال به الحنفيّة وجمهور الحنابلة، وذهب
عبد الوهّاب وجماعة من المالكيَّة إلى أنَّه مُستَحَبّ، ويُجزِئ الواحدُ عن الجماعة، وهو قول
الشافعيَّة.
والرَّاجح من حيثُ الدَّليل القول الثّاني، والأحاديث الصَّحيحة الدّالَّة على الوجوب
لا تُنافي كَونَه على الكِفاية، فإنَّ الأمر بتَشميتِ العاطِس وإِن وَرَدَ في عُموم المكلَّفينَ ففَرضُ
الكِفاية يُخاطَب به الجميع على الأصحّ ويَسقُط بفِعْل البعض، وأمَّا مَن قال: إنَّه فرض على
مُبهَم، فإنَّه يُنافي گونَه فرضَ عَينٍ.
قوله: «فیه أبو هريرة» يحتمل أن یرید به حديث أبي هريرة المذكور في الباب الذي بعده،
ويحتمل أن يريد به حديث أبي هريرة الذي أوَّله: ((حَقُّ المسلم على المسلم ستٌّ)) وقد أشرتُ إليه
قبلُ وأنَّ مسلماً أخرجه.
ثم ذكر المصنِّفُ حديث البراء: ((أمَرَنا رسول الله وَّه بسبع، وَهانا عن سبع: أمَرَنا
بعيادة المريض، واتِّباع الجنائز، وتشميت العاطِس)) الحديث، وقد تقدَّم شرح مُعظَمه في
كتاب اللباس (٥٨٣٨).
(١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: رشيد.

٦٦٨
باب ١٢٤ / ح ٦٢٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن بَطّال: ليس في حديث البراء التَّفصيل الذي في التَّرجمة، وإنَّما ظاهره أنَّ كلّ
عاطسٍ يُشمَّت على التَّعميم، قال: وإنَّما التَّفصيل في حديث أبي هريرة الآتي، قال: وكان
ينبغي له أن يَذكُره بلفظه في هذا الباب ويَذكُر بعده حديث البراء ليدلّ على أنَّ حديث
البراء، وإن كان ظاهرُه العُمومَ، لكن المراد به الخُصوص ببعضِ العاطِسِينَ وهم
الحامدونَ، قال: وهذا من الأبواب التي أعجَلَته المنيَّة عن تهذيبها. كذا قال، والواقع أنَّ
هذا الصَّنيع لا يختصُّ بهذه التَّرجمة، بل قد أكثَرَ منه البخاريّ في ((الصَّحيح))، فطالَمَا تَرجَمَ
٦٠٤/١٠ بالتَّقييدِ والتَّخصيص/ كما في حديث الباب من إطلاق أو تعميم، ويكتفي من دليل التَّقييد
والتَّخصيص بالإشارة إمّا لما وَقَعَ في بعض طرق الحديث الذي يُورِده، أو في حديث آخر
كما صَنَعَ في هذا الباب، فإنَّه أشارَ بقولِه: ((فيه أبو هريرة)» إلى ما وَرَدَ في حديثه من تقييد
الأمر بتَشميتِ العاطس، بما إذا حَمِدَ، وهذا أدَقُّ التَّصَرُّفَين، ودَلَّ إكثارُه من ذلك على أنَّه
عن عَمدٍ منه لا أنَّه ماتَ قبل تهذيبه، بل عَدَّ العلماء ذلك من دقيق فَهمِه وحُسنٍ تَصَرُّفه،
فإنَّ في إيثار الأخفَى على الأجلَى شَخْذاً للذِّهنِ، وبَعثاً للطّالبِ على تَتُّع طرق الحديث، إلى
غير ذلك من الفوائد.
وقد خُصَّ من عُموم الأمر بتَشميتِ العاطسينَ جماعة:
الأوَّل: مَن لم يَحمَدْ كما تقدَّمَ، وسيأتي في بابٍ مُفْرَد(١).
الثّاني: الكافر، فقد أخرج أبو داود (٥٠٣٨) وصحَّحه الحاكم (٢٦٨/٤) من حديث أبي
موسى الأشعريّ قال: كانت اليهود يَتَعاطَسونَ عند النبيّ وَّ هِ رَجاءَ أن يقول: يرحمكم الله،
فكان يقول: ((يهديكم الله ويُصلِح بالكم))، قال ابن دقيق العيد: إذا نظرنا إلى قول مَن قال:
من أهل اللُّغة: إنَّ التَّشْميت الدُّعاء بالخير، دَخَلَ الكفّار في عموم الأمر بالتَّشميت، وإذا نظرنا
إلى مَن خَصَّ التَّشْميت بالرَّحمة، لم يَدخُلوا. قال: ولعلَّ مَن خَصَّ الَّشميت بالدُّعاءِ بالرّحمة بناه
على الغالب، لأنَّه تقييد لوضع اللَّفظ في اللُّغة.
(١) باب رقم (١٢٧): لا يشمت العاطس إذا لم يحمد الله.

٦٦٩
باب ١٢٤ / ح ٦٢٢٢
كتاب الأدب
قلت: وهذا البحث أنشأه من حيثُ اللُّغة، وأمَّا من حيثُ الشَّرع فحديث أبي موسى
داٌّ على أنَّهم يَدخُلونَ في مُطلَق الأمر بالتَّشميت، لكن لهم تشميت مخصوص وهو الدُّعاء لهم
بالهداية وصلاح البال وهو الشَّأن، ولا مانع من ذلك، بخِلَاف تشميت المسلمينَ فإنَّهم أهلٌ
للدُّعاء بالرَّحمة بخِلَاف الكفّار.
الثّالث: المزكوم إذا تكرَّر منه العُطاس فزاد على الثلاث، فإنَّ ظاهر الأمر بالتَّشميتِ
يَشْمَلِ مَن عَطَسَ واحدة أو أكثر، لكن أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٩٣٩) من طريق
محمّد بن عَجْلانَ عن سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة قال: فشَمِّته واحدة وثِنتَينِ وثلاثاً، فما
کان بعد ذلك فهو زُكام، هكذا أخرجه موقوفاً من رواية سفيان بن عيينةً عنه، وأخرجه أبو
داود (٥٠٣٤) من طريق يحيى القَطّان عن ابنِ عَجْلانَ كذلك ولفظه: ((شَمِّت أخاك))، وأخرجه
(٥٠٣٥) من رواية اللَّيث عن ابنِ عَجْلانَ وقال فيه: لا أعلمه إلّا رَفَعَه إلى النبيّ ◌ََّ، قال
أبو داود: وَرَفَعَه موسى بن قيس عن ابنِ عَجْلانَ أيضاً.
وفي «الموطَّأ)) (٩٦٥/٢) عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه رَفَعَه: ((إن عَطَسَ فشَمِّته، ثمَّ
إن عَطَسَ فشَمِّته، ثمَّ إِن عَطَسَ فَقُل: إنَّك مَضْنُوك))، قال ابن أبي بكر: لا أدري بعد الثّالثة
أو الرَّابعة، وهذا مُرسَل جيِّد، وأخرجه عبد الرَّزّاق (١٩٦٨٢) عن مَعمَر عن عبد الله بن
أبي بكر عن أبيه قال: ((فشَمِّته ثلاثاً، فما كان بعد ذلك فهو زُكام))، وأخرج ابن أبي شَيْبة
(٦٨٦/٨) من طريق عَمْرو بن العاص: شَمِّتوه ثلاثاً، فإن زاد فهو داءٌ يَخْرُج من رأسه،
موقوف أيضاً، ومن طريق عبد الله بن الزُّبَيرِ: أنَّ رجلاً عَطَسَ عنده فشَمَّتَه ثمَّ عَطَسَ فقال
له في الرَّابعة: أنتَ مَضْنُوك، موقوف أيضاً، ومن طريق عبد الله بن عَمْرو(١) مِثلَه لكن قال:
في الثّالثة، ومن طريق عليّ بن أبي طالب: شَمِّته ما بينَك وبينه ثلاثاً، فإن زاد فهو ریٌ.
وأخرج عبد الرَّزّاق (١٩٦٨١) عن مَعمَر عن قَتَادة: يُشمَّت العاطس إذا تَتَابَعَ عليه العُطاس
ثلاثاً.
(١) في (س): عمر، وهو خطأ.

٦٧٠
باب ١٢٤ / ح ٦٢٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
قال النَّويّ في ((الأذكار)): إذا تكرَّر العُطاس مُتابعاً، فالسُّنّة أن يُشمِّته لكلِّ مرَّة إلى أن
يَبلُغ ثلاث مرَّات، رُوِّيناه في ((صحيح مسلم)) (٢٩٩٣) وأبي داود (٥٠٣٧) والِّرمِذيّ (٢٧٤٣)
عن سَلَمَة بن الأكوعِ: أنَّه سمعَ النبيَّ وَّهِ وَعَطَسَ عنده رجل فقال له: يرحمك الله، ثمَّ عَطَسَ
أُخرى فقال له رسول الله وَّ:((الرجل مَزْكُومٌ)) هذا لفظ رواية مسلم، وأمَّا أبو داود والِّرمِذيّ
فقالا: قال سَلَمة: عَطَسَ رجل عند النبيّ وَّه وأنا شاهد فقال له رسول الله وَّ: ((يرحمك الله))
ثمَّ عَطَسَ الثّانية أو الثّالثة فقال رسول الله: ((يرحمك الله، هذا رجل مَزگُوم)). انتهى كلامه،
ونَقَلته من نسخة عليها خَطُّه بالسَّماع عليه، والذي نَسَبَه إلى أبي داود والتِّرمِذيّ من إعادة
٦٠٥/١٠ قوله وَل﴿ للعاطِسِ: ((يرحمك الله)) ليس/ في شيء من نُسَخهما كما سأُبيِّنُه، فقد أخرجه أيضاً أبو
عَوَانة وأبو نُعَيم في (مُستَخرَجَيهما)) والنَّسائيُّ (ك٩٩٨٠) وابن ماجه (٣٧١٤) والدَّارِمِيُّ
(٢٦٦١) وأحمد (١٦٥٠١) وابن أبي شَيْبة (٨/ ٦٨٥) وابن السُّنِِّّ (٢٤٩) وأبو نُعَيم أيضاً
في ((عَمَل اليوم واللَّيلة)) وابن حِبّان في ((صحيحه)) (٦٠٣) والبيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٩٣٥٧)
كلّهم من رواية عِكْرمة بن عمَّار عن إياس بن سَلَمة عن أبيه، وهو الوجه الذي أخرجه منه
مسلم، وألفاظهم مُتَفاوتة، وليس عند أحدٍ منهم إعادة ((يرحمك الله)) في الحديث، وكذلك
ما نَسَبَه إلى أبي داود والتِّرمِذيّ أنَّ عندهما ((ثمَّ عَطَسَ الثّانيةَ أو الثّالثة)) فيه نظرٌ، فإنَّ لفظ
أبي داود: ((أنَّ رجلاً عَطَسَ)) والباقي مثل سياق مسلم سواء إلّا أنَّه لم يَقُل: ((أُخرَى))، ولفظ
الِّرمِذيّ مثل ما ذكره النَّوويّ إلى قوله: ((ثمَّ عَطَسَ)) فإنَّه ذكره بعده مثلَ أبي داود سواء،
وهذه رواية ابنِ المبارَك عنده، وأخرجه (٢٧٤٣) من رواية يحيى القَطّان، فأحالَ به على رواية
ابنِ المبارَك فقال نحوه، إلّا أنَّه قال له في الثالثة: ((أنتَ مَزْكُوم))، وفي رواية شُعْبة قال نحو(١)
القَطّان، وفي رواية عبد الرّحمن بن مَهديّ: ((قال له في الثّالثة: أنتَ مزكوم))، وهؤلاءِ الأربعة
رَوَوه عن عِكْرمة بن عمَّار، وأكثر الرِّوايات المذكورة ليس فيها تَعرُّض للثّالثة، ورَجَّحَ الِّرمِذيّ
مَن قال: ((في الثّالثة)) على رواية مَن قال: ((في الثّانية».
(١) تحرَّف لفظ ((نحو)) في (س) إلى: يحيى. ورواية شعبة هذه عند الترمذي بإثر الحديث (٢٧٤٣).

٦٧١
باب ١٢٤ / ح ٦٢٢٢
كتاب الأدب
وقد وجدتُ الحديث من رواية يحيى القَطّان يوافق ما ذكره النَّوويّ، وهو ما أخرجه قاسم
ابن أصبَغَ في ((مُصنََّه)) وابنُ عبد البَرّ (١) من طريقه قال: حدَّثنا محمَّد بن عبد السَّلام، حدَّثُنا
محمَّد بن بشَار، حدَّثنا يحيى القَطّان، حدَّثنا عِكْرمة، فذكره بلفظ: عَطَسَ رجل عند النبيّ ◌َّ
فشَمَّتَه، ثمَّ عَطَسَ فَشَمَّتَه، ثمَّ عَطَسَ فقال له في الثالثة: ((أنتَ مَزْكُومٍ))، هكذا رأيت فيه:
((ثُمَّ عَطَسَ فَشَمَّتَه))، وقد أخرجه الإمام أحمدُ (١٦٥٢٩) عن يحيى القَطّان ولفظه: ثمَّ
عَطَسَ الثّانية والثّالثة(٢)، فقال النبيّ ◌َّهِ: (الرجل مَزْكُومٌ))، وهذا اختلاف شديد في لفظ هذا
الحديث، لكنِ الأكثر على ترك ذِكْر التَّشميت بعد الأولى، وأخرجه ابن ماجَهْ (٣٧١٤) من
طريق وكيع عن عِكْرمة بلفظٍ آخر قال: ((يُشمَّت العاطِسُ ثلاثاً، فما زاد فهو مَزْكُوم))،
وجَعَلَ الحديث كلّه من لفظ النبيّ وَّهِ وأفادَ تكرير التَّشميت، وهي رواية شاذّة لمخالَفة
جميع أصحاب ◌ِكْرمة في سياقه، ولعلَّ ذلك من عِكْرمة المذكور لمَّا حدَّث به وكيعاً، فإنَّ
في حِفْظه مقالاً، فإن كانت محفوظة فهو شاهد قويّ لحديثِ أبي هريرة، ويُستَفاد منه
مشروعيَّة تشميت العاطس ما لم يَزِدْ على ثلاث إذا حَمِدَ الله، سواءٌ تَتَابَعَ عُطاسه أم لا، فلو تَتَابَعَ
ولم يَحمَد لغَلَبة العُطاس عليه ثمَّ كَرَّرَ الحمدَ بعَدَدِ العُطاس، فهل يُشمَّت بعَدَدِ الحمد؟ فيه
نظرٌ، وظاهر الخبر نَعَم.
وقد أخرج أبو يَعْلى وابن السُّنِّيّ (٢٥١) من وجه آخر عن أبي هريرة النَّهيَ عن
التَّشميت بعد ثلاث، ولفظه: «إذا عَطَسَ أحدُكم فليُشمِّتْه جلیسُه، فإن زاد على ثلاث فهو
مزگُوم، ولا يُشمِّته بعد ثلاث))، قال النّوويّ: فیه رجل لم أتحقّق حاله، وباقي إسناده صحيح.
قلت: الرجل المذكور هو سليمان بن أبي داود الحَرَّانيّ، والحديث عندهما من رواية محمَّد بن
سليمان عن أبيه، ومحمّد موثَّق، وأبوه يقال له: الحَرَّانيُّ، ضعيف، قال فيه النَّسائيُّ: ليس بثقةٍ ولا
مأمون.
(١) في ((التمهيد)) ٣٢٦/١٧.
(٢) في نسخنا من ((مسند أحمد)): الثانية أو الثالثة.

٦٧٢
باب ١٢٤ / ح ٦٢٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
قال النَّوويّ: وأمَّا الذي رُوِّيناه في ((سُنَن أبي داود)) (٥٠٣٦) والتِّرمِذيّ (٢٧٤٤) عن
عُبيد بن رِفَاعة الصحابيّ قال: قال رسول الله وَله: ((يُشِمَّت العاطِس ثلاثاً، فإن زاد فإن
شِئت فشَمِّته، وإن شِئتَ فلا)) فهو حديث ضعيف قال فيه التُّرمِذيّ: هذا الحدیث غريب،
وإسناده مجهول.
قلت: إطلاقه عليه الضَّعف ليس بجيِّدٍ، إذْ لا يَلزَم من الغرابة الضَّعف، وأمَّا وصف
التُّرمِذيّ إسناده بكَونِه مجهولاً، فلم يُرِدْ جميع رجال الإسناد، فإنَّ مُعظَمهم موثَّقونَ، وإنَّما
وَقَعَ في روايته تغيير اسم بعض رواته وإبهام اثنَينِ منهم، وذلك أنَّ أبا داود والتِّرمِذيّ
أخرجاه معاً من طريق عبد السَّلام بن حَرْب عن يزيد بن عبد الرَّحمن، ثمَّ اختَلَفا: فأمَّا
٦٠٦/١٠ رواية أبي داود ففيها: عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة عن أمِّ حُميدة - أو عُبيدة - / بنتِ
عُبيد بن رِفاعة عن أبيها، وهذا إسناد حسن، والحديث مع ذلك مُرسَل كما سأُيِّنُ،
وعبد السَّلام بن حَرْب من رجال الصَّحيح، ويزيد: هو أبو خالد الدّالانيُّ وهو صَدُوق في
حِفظه شيء، ويحيى بن إسحاق وثَّقه يحيى بن مَعِين، وأُقّه حُميدة روى عنها أيضاً زوجها
إسحاق بن أبي طلحة، وذكرها ابن حِبّان في ثقات التابعينَ، وأبوها عُبيد بن ◌ِفاعة ذَگروه
في الصحابة لكَونِهِ وُلِدَ في عهد النبيّوَّهُ وله رُؤية، قاله ابن السَّكَن، قال: ولم يَصِحَّ
سماعه، وقال البَغَويُّ: روايته مُرسَلة وحديثه عن أبيه عند التِّرمِذيّ والنَّسائيِّ وغيرهما،
وأمَّا رواية التِّرمِذيّ ففيها عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة عن أمِّه عن أبيها، كذا سَمّاه
عمرَ ولم يُسمّ أمّه ولا أباها، وكأنَّه لم يُمعِنِ النَّظَر فمِن ثَمَّ قال: إنَّه إسناد مجهول، وقد تَبيَّن
أنَّه ليس بمجهولٍ، وأنَّ الصَّواب يحيى بن إسحاق لا عمر، فقد أخرجه الحسن بن سفيان وابن
السُّنِّيّ (٢٥٢) وأبو نُعَيم وغيرهم من طريق عبد السَّلام بن حَرْب فقالوا: يحيى بن إسحاق،
وقالوا: ◌ُميدة، بغير شَكٌّ، وهو المعتمَد.
وقال ابن العربيّ: هذا الحديث وإن كان فيه مجهول، لكن يُستَحَبّ العملُ به لأنَّه دعاء
بخيرٍ وصِلَة وتَوذُّد للجليس، فالأَولِ العملُ به، والله أعلم.

٦٧٣
باب ١٢٤ / ح ٦٢٢٢
كتاب الأدب
وقال ابن عبد البَرِّ: دَلَّ حديث عُبيد بن رِفَاعة على أنَّه يُشمَّت ثلاثاً ويقال: أنتَ مَزكُوم بعد
ذلك، وهي زيادةٌ يجب قَبِّولها فالعمل بها أَولى.
ثمَّ حكى النَّويّ عن ابنِ العربيّ: أنَّ العلماء اختَلَفوا هل يقول لمن تَتَابَعَ عُطاسه: أنتَ
مزكوم في الثّانية أو الثّالثة أو الرَّابعة؟ على أقوال، والصَّحيح في الثّالثة، قال: ومعناه: إِنَّك لست
ممَّن يُشْمَّت بعدها، لأنَّ الذي بك مرض وليس من العُطاس المحمود الناشئ عن خِفّة البَدَنِ،
كما سيأتي تقريرُه في الباب الذي يليه، قال: فإن قيل: فإذا كان مرضاً فكان ينبغي أن يُشمَّت
بطريق الأَولى، لأَنَّه أحوَجُ إلى الدُّعاء من غيره. قلنا: نعم، لكن يُدعَى له بدعاءٍ يُلائمه لا
بالدُّعاءِ المشروع للعاطسِ بل من جِنْس دعاء المسلم للمسلم بالعافية.
وذكر ابن دقيق العيد عن بعض الشافعيَّة أنَّه قال: يُكرَّر التَّشميت إذا تكرَّر العُطاس إلّا أن
يُعرَف أنَّه مزكومٍ فَيَدعُو له بالشِّفاء، قال: وتقريره أنَّ العُموم يقتضي التَّكرارَ إلّا في موضع العِلّة
وهو الزُّكام، قال: وعند هذا يَسقُط الأمر بالتَّشميتِ عند العلم بالزّكام، لأنَّ التَّعليل به يقتضي أن
لا يُشمَّت مَن عُلِمَ أنَّ به زُكاماً أصلاً، وتَعقَّبَه بأنَّ المذكور هو العِلّة دونَ التَّعليل، وليس المعلَّل
هو مُطلَق التَّرك ليَعُمّ الحكمُ عليه بعُمومٍ عِلَّته، بل المعلَّل هو التَّرك بعد التَّكرير، فكأنَّه قيل: لا
يَلْزَمُ تَكُّر التَّشميت لأنَّه مزكوم، قال: ويَتَأَيَّد بمُناسَبة المشَقّة الناشئة عن التكرار.
الرَّابع: ثَمَّن يُخْصّ من عُموم العاطِسينَ مَن يَكرَه التَّشميت، قال ابن دقيق العيد: ذهب
بعضُ أهل العلم إلى أنَّ مَن عُرِفَ من حاله أنَّه يَكرَه التَّشْميت، أنَّه لا يُشْمَّت إجلالاً للتَّشميتِ
أن يُؤَهَّل له مَن يَكرَهُه، فإن قيل: كيف يَترُك السُّنّة لذلك؟ قلنا: هي سُنّة لمن أحَبَّها، فأمَّا مَن
كَرِهَها وَرَغِبَ عنها، فلا. قال: ويَطَّرِد ذلك في السَّلام والعِيَادة.
قال ابن دقيق العيد: والذي عندي أنَّه لا يَمتَنِعِ من ذلك إلّا مَن خافَ منه ضَرَراً، فأمَّا
غيره فيُشْمَّت امتثالاً للأمرِ ومُناقَضة للمُتكَيِِّ في مُراده وكسراً لسَوْرَتِه في ذلك، وهو أَولِی
من إجلال التَّشميت. قلت: ويُؤيِّده أنَّ لفظ التَّشميت دعاءٌ بالرّحمة، فهو يناسب المسلمَ كائناً
مَن كان، والله أعلم.

٦٧٤
باب ١٢٥ / ح ٦٢٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
الخامس: قال ابن دقيق العيد: يُستَثَنَى أيضاً مَن عَطَسَ والإمام يَخْطُب، فإنَّه يَتَعَارَض الأمرُ
بتَشميتِ مَن سمعَ العاطِسَ والأمرُ بالإنصات لمن سمعَ الخطيب، والرّاجح الإنصات لإمكان
تَدَارُك التَّشميت بعد فراغ الخطيب، ولا سيَّما إن قيل بتحريمِ الكلام والإمام يَخْطُب، وعلى هذا
فهل يَتَعيَّن تأخيرُ التَّشميت حتَّى يَفرُغ الخطيب، أو يُشرَع له التَّشميت بالإشارة؟ فلو كان
العاطسُ الخطيبَ فحَمِدَ واستَمرَّ في خُطْبته، فالْحُكم كذلك، وإن حَدَ فوقَفَ قليلاً ليُشمَّت، فلا
يَمْتَنِعِ أن يُشرَع تشميتُه.
٦٠٧/١٠ السادس: مَّن يُمكِن أن يُستَئِنَى مَن كان عند عُطاسه في حالة يَمتَنِع / عليه فيها ذِكْر الله،
كما إذا كان على الخَلَاء أو في الجِماع(١) فَيُؤَخِّر ثمَّ يَحمَدُ الله فيُشْمَّت، فلو خالَفَ فحَمِدَ في تلك
الحالة، هل يَستَحِقّ التَّشميت؟ فيه نظرٌ.
١٢٥ - باب ما يُستَحبّ من العُطاس وما يُكرَه من التثاؤب
٦٢٢٣ - حذَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حذَّثنا ابنُ أبي ذِثْبٍ، حدّثنا سعيد المقبريُّ، عن أبيه، عن
أبي هريرةَ عُه، عن النبيِّ وَّةِ: ((إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطاسَ، ويَكْرَه التَّاؤُبَ، فإذا عَطَسَ فحَمِدَ اللهَ فحَّ
على كلٍّ مسلم سمعَه أن يُشِمِّتَه، وأمَّا الَّنَاؤُبُ فإنّا هو منَ الشَّيطان، فَلْيُرُدَّه ما استَطاعَ، فإذا قال:
ها، ضَحِكَ منه الشّيطانُ».
قوله: ((باب ما يُسْتَحَبّ من العُطاس، وما يُكرَه من التََّاؤُب)) قال الخطَّبيُّ: معنى المحبّة
والكراهة فيهما مُنصَرِفٌ إلى سَبِيِهما، وذلك أنَّ العُطاس يكون من خِفّة البَدَن وانفتاح المَسَامِّ
وعَدَم الغاية في الشِّبَع، وهو بخِلَاف التََّاؤُب، فإنَّه يكون من عِلّة امتلاء البَدَن وثِقَله ممّ يكون
ناشئاً عن كَثْرة الأكل والتَّخليط فيه، والأوَّل يستدعي النَّشاطَ للعبادة، والثّاني على عكسه.
قوله: ((سعيد المَقْبُرُيِّ عن أبيه عن أبي هريرة)» هكذا قال آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذِئْب،
وتابَعَه عاصم بن عليّ كما سيأتي بعد باب، والحجّاج بن محمَّد عند النَّسائيِّ (ك٩٩٧٢) وأبو داود
الطَّيالسُّ (٢٤٣٤)، ويزيد بن هارون عند التِّرمِذيّ (٢٧٤٧)، وابن أبي فُدَيك عند الإسماعيليّ،
(١) في (س): الجماعة، وهو تحريف.

٦٧٥
باب ١٢٥ / ح ٦٢٢٣
كتاب الأدب
وأبو عامر العَقَديّ عند الحاكم (٤/ ٢٦٤)، كلّهم عن ابن أبي ذِئْب، وخالَفَهم القاسم بن يزيد
عند النَّسائيِّ (ك٩٩٧٣) فلم يَقُل فيه: عن أبيه، وكذا ذكره أبو نُعَيم من طريق الطَّالسِّ، وكذلك
أخرجه النَّسائيُّ (ك٩٩٧٤) وابن خُزَيمةَ (٩٢١) وابن حِبّان (٢٣٥٨) والحاكم (٤/ ٢٦٣ -٢٦٤)
من رواية محمَّد بن عَجْلانَ عن سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة ولم يَقُل: عن أبيه، ورَجَّحَ التِّرمِذيّ
رواية مَن قال فيه: عن أبيه، وهو المعتمد.
قوله: ((إنَّ الله يُحِبّ العُطاس)) يعني الذي لا يَنشَأُ عن زُكام، لأنَّه المأمور فيه بالتَّحميدِ
والتَّشميت، ويحتمل التَّعميم في نوعَي العُطاس والتَّفصيل في التَّشميت خاصّة، وقد وَرَدَ ما
يُخُصّ بعض أحوال العاطِسينَ، فأخرج التِّرمِذيّ (٢٧٤٨) من طريق أبي اليَقْظان عن عَدِيّ ابن
ثابت عن أبيه عن جَدّه رَفَعَه قال: ((العُطاس والنُّعاس والتَّاؤُب في الصلاة من الشَّيطان))
وسنده ضعيف، وله شاهد عن ابن مسعود في الطبرانيِّ (٩٤٥٣) لكن لم يَذْكُر النُّعاس، وهو
موقوف وسنده ضعيف أيضاً.
قال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): لا يعارضُ هذا حديثَ أبي هريرة - يعني حديث
الباب - في محبّة العُطاس وكراهة التَّنَاؤُب لكَونِه مُقيَّداً بحال الصلاة، فقد يَتَسَبَّب الشَّيطان
في حصول العُطاس للمُصَلّ لِيَشغَلَه عن صلاته، وقد يقال: إنَّ العُطاس إنَّما لم يُوصَف
بكَونِه مكروهاً في الصلاة، لأنَّه لا يُمكِن رَدُّه بخِلَاف التََّاؤُب، ولذلك جاء في التَّاؤُب كما
سيأتي بعدُ (٦٢٢٦): «فليَرُدَّه ما استَطاعَ))، ولم يأتِ ذلك في العُطاس.
وأخرج ابن أبي شَيْبة (٢/ ٤٢٨) عن أبي هريرة: إنَّ الله يَكْرَه التَّثَاؤُبِ وُحِبّ العُطاس
في الصلاة، وهذا يعارض حديث جَدّ عَديٍّ، وفي سنده ضعف أيضاً وهو موقوف، والله
أعلم.
وممّا يُستَحَبّ للعاطِسِ أن لا يُبالغَ في إخراج العَطْسة، فقد ذكر عبد الرَّزّاق (٢٠٢٩٠)
عن مَعمَر عن فَتَادة قال(١): سبعٌ من الشَّيطان، فذكر منها شِدّة العُطاس.
(١) كذا وقع في أصولنا من ((الفتح)) أنَّ القائل قتادة، وهو خطأ، فإنَّ هذا الأثر من رواية قتادة عن عليٍّ، هكذا
هو في ((مصنف عبد الرزاق))، وهكذا أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٨٢٩٣) من طريق عبد الرزاق.
٠ -٠

٦٧٦
باب ١٢٦ / ح ٦٢٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فحَقٍّ على كلّ مسلم سمعَه أن يُشمِّتَه)) استُدِلَّ به على استحباب مُبادَرة العاطسِ
بالتَّحميد، ونَقَلَ ابن دقيق العيد عن بعض العلماء أنَّه ينبغي أن يَتَأَنَّى في حَقّه حتَّى يَسكُن ولا
٦٠٨/١٠ يُعاجِله بالتَّشميت، قال: وهذا فيه غَفْلة عن شرط التَّشميت،/ وهو تَوقُّفه على حمد العاطس.
وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٩٣٦) عن مكحول الأزديِّ: كنت إلى جنب ابن عمر
فَعَطَسَ رجل من ناحية المسجد، فقال ابن عمر: يرحمك الله إن كنتَ حَدتَ الله، واستُلِلَّ به على
أنَّ التَّشْميت إِنَّما يُشرَع لمن سمعَ العاطسَ وسمعَ حمَدَه، فلو سمعَ مَن يُشمِّت غيرَه ولم يسمع هو
عُطاسَه ولا حمدَه، هل يُشرَع له تشميته؟ سيأتي قريباً.
قوله: «وأمَّا التَّاُب)» سيأتي شرحه بعد بابَينِ.
١٢٦ - بابٌ إذا عَطَس كيف يُشمَّت؟
٦٢٢٤ - حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ، أخبرنا عبدُ الله بنُ
دِينارٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَّم قال: «إذا عَطَسَ أحدُكم فلْيَقُل: الحمدُ لله،
ولْيَقُل له أَخُوه، أو صاحبُهُ: يَرِحَمُك الله، فإذا قال له: يَرَُك اللهُ، فلْيَقُلْ: يَهِدِيكُمُ اللهُ وُصلِحُ
بالَكُم)).
بالكم: شَأْنُكم(١).
قوله: ((بابٌ إذا عَطَسَ كيف يُشمَّت؟)) بضمِّ أوَّله وتشديد الميم المفتوحة.
قوله: ((عن أبي صالح)) هو السَّان، والإسناد كلُّه مَدَنّونَ إلّا شيخ البخاريّ، وهو من رواية
تابعيٍّ عن تابعيّ.
قوله: ((إذا عَطَسَ أحدُكم فلْيَقُل: الحمد لله)) كذا في جميع نُسَخ البخاريّ، وكذا أخرجه
النَّسائيّ (٩٩٨٩) من طريق يحيى بن حسَّان، والإسماعيليّ من طريق بشر بن المفضَّل وأبي
النَّضر، وأبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق عاصم بن عليّ، وفي ((عمل يوم وليلة)) من طريق
(١) قوله: ((بالكم: شأنكم)) من شرح الحافظ ابن حجر فقط، وليس في شيء من الروايات المذكورة في النسخة
اليونينية من ((الصحيح))!

٦٧٧
باب ١٢٦ / ح ٦٢٢٤
كتاب الأدب
عبد الله بن صالح، کلّهم عن عبد العزیز بن أبي سلمة، وأخرجه أبو داود (٥٠٣٣) عن موسی
ابن إسماعيل عن عبد العزيز المذكور به بلفظ: ((فليقُل: الحمد لله على كلّ حال)). قلت: ولم أرَ
هذه الزّيادة من هذا الوجه في غير هذه الرِّواية، وقد تقدَّم ما يَتَعلَّق بحُكمِها(١).
واستُدِلَّ بأمرِ العاطس بحَمدِ الله أنَّه يُشرَع حتَّى للمُصَلِّي، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إلى حديث
رِفاعة بن رافع في ((باب الحمد للعاطِسِ))(٢)، وبذلك قال الجمهور من الصحابة والأئمّة
بعدهم، وبه قال مالك والشافعيّ وأحمد، ونَقَلَ التِّرمِذيّ عن بعض التابعينَ: أنَّ ذلك يُشرَع في
النافلة لا في الفريضة، ويَحمَدُ مع ذلك في نفسه. وجَوَّزَ شيخُنا في ((شرح التِّرمِذيّ)) أن يكون
مراده أنَّه يُسِرّ به ولا يَجِهَرُ به، وهو مُتَعقَّب مع ذلك بحديثٍ رِفاعة بن رافع، فإنَّ جَهَرَ بذلك ولم
يُنكِرِ النبيُّ وَّ عليه. نعم يُفرَّق بين أن يكون في قراءة الفاتحة أو غيرها من أجل اشتراط
الموالاة في قراءتها.
وجَزَمَ ابن العربيّ من المالكيَّة بأنَّ العاطس في الصلاة يَحمَدُ في نفسه، ونَقَلَ عن سَحْنونٍ:
أنَّه لا يَحِمَد حتَّى يَفرُغ، وتَعقَّبَه بأنّه غُلوّ.
قوله: ((ولْيَقُل له أخوه أو صاحبُه)) هو شَكٌّ من الراوي، وكذا وَقَعَ للأكثر في رواية عاصم بن
عليّ: ((فليَقُل له أخوه)) ولم يَشُكَّ(٣)، والمراد بالأُخوّة أُخوّة الإسلام.
قوله: (يرحمك الله)) قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون دعاءً بالرَّحمة، ويحتمل أن يكون
إخباراً على طريق البِشَارة كما قال في الحديث الآخر: ((طَهُور إن شاء الله)(٤) أي: هي طُهْر لك،
فكأنَّ المشَمِّت بَشَّرَ العاطس بحصولِ الرّحمة له في المستقبل بسببٍ حصولها له في الحال لگونها
دَفَعَت ما يَضُرّه، قال: وهذا يَنبني على قاعدةٍ: وهي أنَّ اللَّفظ إذا أُريدَ به معناه لم يَنْصَرِف لغيره،
(١) عند شرح الحديث (٦٢٢١).
(٢) باب رقم (١٢٣).
(٣) أخرجه هكذا من رواية عاصم بن علي: البيهقي في ((الشعب)) (٩٣٣٥)، وستأتي قريباً عند البخاري
برقم (٦٢٢٦) بغير هذا اللفظ.
(٤) سلف برقم (٣٦١٦) من حديث ابن عباس.

٦٧٨
باب ١٢٦ / ح ٦٢٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
وإن أُريدَ به معنَّى يحتمله انصَرَفَ إليه، وإن أُطلِقَ انصَرَفَ إلى الغالب وإن لم يَسْتَحِضِر القائلُ
المعنى الغالب.
وقال ابن بَطّال: ذهب إلى هذا قوم فقالوا: يقول له: يرحمك الله، يُخُصّه بالدُّعاءِ وحده،
وقد أخرج البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٩٣٢٣) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦١٦٤) من طريق حفص
٦٠٩/١٠ ابن عاصم عن أبي هريرة رَفَعَه: «لمَّا خَلَقَ الله آدمَ عَطَسَ، فأهَمَه/ رَبُّه أن قال: الحمد لله، فقال
له رَبُّه: يرحمك الله))، وأخرج الطَّبَريُّ عن ابن مسعود قال: يقول: يرحمنا الله وإيّاكُم،
وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٨/ ٦٩٠) عن ابن عمر نحوه، وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)»
(٩٢٩) بسندٍ صحيح عن أبي جَمْرة - بالجيم -: سمعت ابن عبّاس إذا شَمَّتَ يقول: عافانا الله
وإيّاكم من النار، يرحمكم الله، وفي ((الموطأ)) (٢/ ٩٦٥) عن نافع عن ابن عمر: أنَّه كان إذا عَطَسَ
فقيلَ له: يرحمك الله، قال: يرحُمُنا الله وإيّاكم ويَغْفِرُ الله لنا ولكم.
قال ابن دقيق العيد: ظاهر الحديث أنَّ السُّنّة لا تَتأدَّى إلّ بالمخاطَبة، وأمَّا ما اعتادَه كثير
من الناس من قولهم للرّئيسِ: يرحمُ الله سَيِّدنا، فخِلَاف السُّنّة، وبَلَغَني عن بعض الفُضَلاء أنَّه
شَمَّتَ رئيساً فقال له: يرحمك الله يا سيِّدنا، فجَمَعَ الأَمَرَينِ وهو حسن !!
قوله: ((فإذا قال له: يرحمك الله، فلْيَقُل: يَهْديكم الله ويُصلِح بالَكم)) مُقتَضاه أنَّه لا يُشرَع ذلك
إلّا لمن شَمَّتَ، وهو واضح، وأنَّ هذا اللَّفظ هو جواب النَّشميت، وهذا مُتَلَف فيه.
قال ابن بَطّال: ذهب الجمهور إلى هذا، وذهب الكوفيّونَ إلى أنَّه يقول: يَغْفِر الله لنا ولكم،
وأخرجه الطَّبَرِيُّ عن ابن مسعود وابن عمر(١) وغيرهما. قلت: وأخرجه البخاريّ في ((الأدب
المفرَد)» (٩٣٤) والطبرانيُّ (١٠٣٢٦) من حديث ابن مسعود، وهو في حديث سالم بن عُبيد المشار
إليه قبلُ (٢) ففيه: ((وليَقُل هو: يَغْفِر الله لنا ولكم)).
(١) حديث ابن عمر أخرجه مرفوعاً البزار (٢٠١١ - كشف الأستار)، وفي سنده من لم نعرفه.
(٢) في شرح الباب (١٢٣): باب الحمد للعاطس. وحديثه هذا أخرجه أحمد (٢٣٨٥٣) وأبو داود (٥٠٣١)
والترمذي (٢٧٤٠) والنسائي في «الكبرى» (٩٩٨٢).

٦٧٩
باب ١٢٦ / ح ٦٢٢٤
كتاب الأدب
قلت: وقد وافَقَ حديثَ أبي هريرة في ذلك حديثُ عائشة عند أحمد (٢٤٤٩٦) وأبي يَعْلى
(٤٩٤٦)، وحديث أبي مالك الأشعَريّ عند الطبرانيِّ (٣٤٤١)، وحديثُ عليٍّ عند الطبراني(١)
أيضاً، وحديث ابن عمر عند البزَّار، وحديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عند البيهقيِّ في
((الشُّعَب)) (٩٣٤٠)(٢).
وقال ابن بَطّال: ذهب مالك والشافعيّ: إلى أنَّه يَتخيَر بین اللَّفظَین، وقال أبو الوليد بن
رُشْد: الثّاني أولى، لأنَّ المكلّف محتاجٌ إلى طلبِ المغفِرة، والجمع بينهما أحسن إلّا للدِّمِّيّ.
وذكر الطَّبَرُّ أنَّ الذينَ مَنَعوا من جواب التَّشميت بقولِ: ((يهديكم الله ويُصلِح بالكم))
احتَجُّوا بأنَّه تشميت اليهود كما تقدَّمَتِ الإشارة إليه من تخريج أبي داود (٥٠٣٨) من
حديث أبي موسى، قال: ولا حُجّة فيه، إذ لا تَضادَّ بين خبر أبي موسى وخبر أبي هريرة -
يعني حديث الباب - لأنَّ حديث أبي هريرة في جواب التَّشميت وحديث أبي موسى هو
التَّشْميت نفسه، وأمَّا ما أخرجه البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٩٣٥٢) عن ابن عمر قال: اجتَمَعَ اليهودُ
والمسلمونَ(٣) فعَطَسَ النبيّ ◌َّهِ فِشَمَّتَه الفريقان جميعاً فقال للمسلمينَ: ((يَغْفِر الله لكم ويرحمنا
وإيّاكُم))، وقال لليهودِ: ((يهدیکم الله ويُصلِح بالكم))، فقال البيهقي: تفرَّد به عبد الله بن
عبد العزيز بن أبي رَوّاد عن أبيه عن نافع، وعبد الله ضعيف.
واحتَجَّ بعضهم بأنَّ الجواب المذكور مذهب الخوارج، لأنَّهم لا يَرَونَ الاستغفار
للمسلمين، وهذا منقولٌ عن إبراهيم النَّخَعَيّ، وكلّ هذا لا حُجّة فيه بعد ثُبوت الخبر
بالأمر به.
قال البخاريّ بعد تخريجه (٤) في ((الأدب المفرَد)) (٩٢١): وهذا أثبَتُ ما يُروَى في هذا الباب،
وقال الطََّرِيُّ: هو من أثبَت الأخبار، وقال البيهقيُّ: هو أصحُّ شيءٍ وَرَدَ في هذا الباب. وقد أخَذَ
(١) في («الأوسط)) (٥٥٢٠)، وأخرجه أيضاً أحمد (٩٩٥)، والترمذي (٢٧٤١).
(٢) برقم (٩٣٤٠)، وعزوه ((لمسند أحمد)) (١٧٤٨) أولى، وانظر تتمة تخريجه فيه.
(٣) في (أ): ((اليهود والنصارى))، والمثبت على الصواب من (ع) و(س)، وعلى هامش (ع): في الأصل: والنصارى.
(٤) أي: تخريج حديث أبي هريرة الذي في الباب، والذي فيه: ((يهديكم الله ويصلح بالكم)).

٦٨٠
باب ١٢٦ / ح ٦٢٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
به الطَّحاويُّ من الحنفيَّة واحتَجَّ له بقولِ الله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُبِِّثُمْ بِشَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآَ ﴾
[النساء: ٨٦] قال: والذي يُجيب بقولِه: ((غَفَرَ الله لنا ولكم)) لا يزيد المشَمِّتَ على معنى قوله:
يرحمك الله، لأنَّ المغفرة: سَتْر الذَّنب، والرَّحمة: تركُ المعاقَبة عليه، بخِلَاف دعائه له بالهداية
والإصلاح، فإنَّ معناه أن يكون سالماً من مُواقَعة الذَّنب صالحَ الحال، فهو فوق الأوَّل فيكون
أَولى. واختارَ ابن أبي جَمْرة أن يجمع المجيبُ بين اللَّفْظَينِ، فيكون أجمَعَ للخير ويَخْرُج من
الخِلاف، ورَجَّحَه ابن دقيق العيد، وقد أخرج مالك في ((الموطَّأ)) (٢/ ٩٦٥) عن نافع عن ابن
عمر: أنَّه كان إذا عَطَسَ فقيلَ له: يرحمك الله، قال: يرحمنا الله وإيّاكُم، يَغْفِرِ الله لنا ولكم.
قال ابن أبي جَمْرة: وفي الحديث دليل على عظيم نعمة الله على العاطس، يُؤخَذ ذلك ممّاً
٦١٠/١٠ رَتَّبَ عليه من الخير، وفيه إشارة إلى عظيم فضل الله على عبده، فإنَّه أذهَبَ عنه الضَّرَر بنعمة/
العُطاس، ثمَّ شَرَعَ له الحمد الذي يُثاب عليه، ثمَّ الدُّعاء بالخير بعد الدُّعاء بالخير، وشرع
هذه النِّعَم المتواليات في زمن يسير فضلاً منه وإحساناً، وفي هذا لمن رآه بقلبٍ له بصيرةٌ
زيادةُ قوّةٍ في إيمانه حتَّى يَحَصُلَ له من ذلك ما لا يَحَصُل بعبادة أيام عديدة، ويُداخِله من حُبّ الله
الذي أنعَمَ عليه بذلك ما لم يكن في باله، ومن حُبِّ الرَّسول الذي جاءت معرِفةُ هذا الخير على
يده، والعِلم الذي جاءت به سُنَّه ما لا يُقدَّرُ قَدرُه. قال: وفي زيادة ذَرّةٍ من هذا ما يَفوقُ الكثيرَ
ممَّا عَدَاه من الأعمال، ولله الحمد كثيراً.
وقال الحَلِيمَيّ: أنواع البلاء والآفات كلّها مُؤاخَذات، وإنَّما المؤاخَذة عن ذنب، فإذا حَصَلَ
الذَّنب مغفوراً وأدرَكَتِ العبدَ الرَّحمةٌ، لم تقع المؤاخذة، فإذا قيل للعاطسِ: يرحمك الله، فمعناه:
جَعَلَ الله لك ذلك لتَدومَ لك السَّلامة.
وفيه إشارة إلى تنبيه العاطس على طلبِ الرَّحمة والثّوبة من الذَّنب، ومن ثَمَّ شُرِعَ له الجواب
بقولِه: غَفَرَ الله لنا ولكم.
قوله: ((بالكم: شأنُكُم)) قال أبو عُبيدة في معنى قوله تعالى: ﴿سَيَّهْدِهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَمْ ﴾
[محمد: ٥]، أي: شأنهم.