النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١ باب ١١٤ / ح ٦٢٠٦ كتاب الأدب يَضبِطِ الدّاووديُّ لفظ المتن، أو هو متن آخر اطَّلَعَ عليه. وأمَّا استدلاله على ضعفه بما ذكر من تسمية بعض الصحابة وبعض الملائكة، فليس بواضحٍ، لاحتمال اختصاص المنع بمَن لا يَملِكُ شيئاً. وأمَّا احتجاجه لجوازِ التَّسمية بخالد بما ذكر من أنَّ الأرواح لا تَفنَی، فعلى تقدير التَّسليم فليس بواضح أيضاً، لأنَّ الله سبحانه وتعالى قد قال النبيِّه وَّهِ: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، والخُلْد: البَقَاءُ الدائم بغیر موت، فلا يلزمُ من گونِ الأرواح لا تَفنَی أن یقال: صاحب تلك الرّوح خالد. قوله: ((عن أبي الزِّناد)» في رواية الحميديّ في «مُسنَده)) (١١٢٧) عن سفيان: حدَّثنا أبو الزّناد، وهي عند أبي عَوَانة في ((صحيحه)) أيضاً من طريقه. قوله: ((روايةً)) كذا في رواية عليّ هنا، وفي رواية أحمد (٧٣٢٩) عن سفيان: يَبلُغ به، أخرجها مسلم (٢٠/٢١٤٣) وأبو داود (٤٩٦١)(١)، وعند التِّرمِذيّ (٢٨٣٧) عن محمَّد بن ميمون عن سفيان مِثله، وكلاهما كِنايةٌ عن الرَّفع بمعنى: قال رسول الله وَّةِ، وَقَعَ التَّصريح بذلك في رواية الحميديّ. قوله: ((أخنَى)) كذا في رواية شُعَيب بن أبي حمزة للأكثر، من الخَنَا بفتح المعجَمة وتخفيف النُّون مقصور: وهو الفُحْش في القول، ويحتمل أن يكون من قولهم: أخنَى عليه الدَّهرُ، أي: أهلَكَه، ووَقَعَ عند المُستَمْلي: ((أخنَعِ)) بعينٍ مُهمَلة، وهو المشهور في رواية سفيان بن عُبَينَةَ، وهو من الخُنُوع: وهو الذُّلّ، وقد فَسَّرَه بذلك الحميديُّ شيخ البخاريّ عَقِبَ روايته له عن سفيان قال: أخنَع: أُذَلٌ. وأخرج مسلم عن أحمد بن حَنبَل قال: سألتُ أبا عَمْرو الشَّيبانيَّ-يعني: إسحاق اللُّغَويّ - عن أخنَعَ فقال: أوضَعُ. قال عِيَاض: معناه أنَّه أشدُّ الأسماء صَغَاراً، وبنحوِ ذلك فَشَّرَه أبو عُبيد، والخانع: الذَّليل، وخَنَعَ الرجلُ: ذَلَّ، قال ابن بَطّال: وإذا كان الاسم أذَلَّ الأسماء، كان مَن تَسَمَّى به أشدَّ ذُلًا، وقد فَسَّرَ الخليل أخنَعَ بأفجَر، فقال: الخَنْع: الفُجور، يقال: (١) رواية أحمد ومسلم: عن النبي آلے، وعند أبي داود والترمذي كما قال. ٦٤٢ باب ١١٤ / ح ٦٢٠٦ فتح الباري بشرح البخاري أخنَعَ الرجلُ إلى المرأة: إذا دَعَاها للفُجورِ. قلت: وهو قريب من معنى الخَنَا: وهو الفُحْش، ووَقَعَ عند التِّرمِذيّ في آخر الحديث: ((أخنَعُ: أقبَح)) وذكر أبو عُبيد أنَّه وَرَدَ بلفظ: ((أنخَع)) بتقديم النُّون على المعجَمة وهو بمعنى: أهلَكَ، لأنَّ النَّخْعَ: الذَّبحُ والقتُلُ الشَّديد، وتقدَّم أنَّ في رواية همَّامٍ: ((أغيَظ)) بغَينٍ وظاء مُعْجَمْتَين، ويُؤيِّده: ((اشتَدَّ غَضَبُ الله على مَن زَعَمَ أَنَّه مَلِك الأملاك)) أخرجه الطبرانيُّ (١٢١١٣)، ووَقَعَ في شرح شيخنا ابن الملقِّن: أنَّ في بعض الرّوايات: ((أفحَش الأسماء)) ولم أرَها، وإنَّما ذكر ذلك بعض الشُّرّاح في تفسير أخنَى. وقوله: ((أخنَعُ اسم عندَ الله، وقال سفيان غيرَ مرَّة: أختَع الأسماء)) أي: قال ذلك أكثر من مرَّة، وهذا اللَّفظ يُستَعمَل كثيراً في إرادة الكَثْرة، وسأذكر توجيه الرِّوايتَينِ. قوله: ((عندَ الله)) زاد أبو داود والتِّرمِذيّ في روايتهما: ((يومَ القيامة)) وهذه الزيادة ثابتة هنا في رواية شُعَيب التي قبلَ هذه. قوله: ((تَسَمَّى)) أي: سَمَّى نفسه أو سُمّيَ بذلك، فَرَضِيَ به واستَمرَّ عليه. قوله: ((بمَلِكِ الأملاك)» بكسر اللّام من: مَلَكَ، والأملاك: جمع مَلِكِ، بالكسر وبالفتح، وجمع مَلِيك. قوله: «قال سفيان: يقول غيرُه)) أي: غیر أبي الزِّناد. ٥٩٠/١٠ قوله: ((تفسيره: شاهانْ شاه)» هكذا ثَبَتَ لفظ تفسیره/ في رواية الكُشْمِیھنيّ، ووَقَعَ عند أحمد (١) عن سفيان: قال سفيان: ((مِثل: شاهان شاه)» فلعلَّ سفيان قاله مرَّة نَقلاً ومرَّة من قبل نفسه، وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية محمّد بن الصَّاح عن سفيان مِثلَه وزاد: مِثل ملك الصِّين، وشاهانْ شاءْ بسكون النُّون وبهاءٍ في آخره وقد تُنَّوَّن، وليست هاءَ تأنيث فلا يقال بالمثنّاة أصلاً. (١) رواية أحمد (٧٣٢٩) عن سفيان خِلٌ عن ذلك، حتى مسلم لمّا أخرج الحديث عنه (٢١٤٣) نبَّ أنَّ هذه الزيادة في رواية الأشعثي. ٦٤٣ باب ١١٤ / ح ٦٢٠٦ كتاب الأدب وقد تَعَجَّبَ بعضُ الشُّاح من تفسير سفيان بن عُبَينَةَ اللَّفظة العربيَّة باللَّفظة العَجميَّة وأنكَرَ ذلك آخرونَ، وهو غَفْلة منهم عن مُراده، وذلك أنَّ لفظ ((شاهان شاه» كان قد کَثُرَ التَّسمية به في ذلك العصر، فنبَّه سفيانُ على أنَّ الاسم الذي وَرَدَ الخبر بذَمِّه لا يَنحَصِر في مَلِك الأملاك، بل كلّ ما أدَّى معناه بأيِّ لسان كان فهو مُرادٌ بالذَّمّ، ويُؤْيِّد ذلك أنَّه وَقَعَ عند التِّرمِذيّ: مِثل: شاهان شاه. وقوله: «شاهان شاه» هو المشهور في روايات هذا الحديث، وحکی عیَاض عن بعض الرِّوايات: ((شاهِ شاه)) بالتَّنوين بغير إشباع في الأُولى، والأصلُ هو الأولى، وهذه الرِّواية تخفيفٌ منها، وزَعَمَ بعضهم أنَّ الصَّواب: شاه شاهان، وليس كذلك، لأنَّ قاعدة العَجَم تقدیم المضاف إليه على المضاف، فإذا أرادوا قاضي القُضاة بلسانهم قالوا: مُوبَذان مُوبَذ، فموبذ هو القاضي وموبذان جمعه، فكذا شاه هو الملك وشاهان هو الملوك. قال عِيَاض: استَدَلَّ به بعضهم على أنَّ الاسم غير المسَمَّی، ولا حُجّة فیه، بل المراد من الاسم صاحب الاسم، يدلّ عليه رواية همّام: ((أغيَظُ رجل)) فكأنّه من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامَه، ويُؤْيِّده قوله: (تَسَمَّى)) فالتَّقدير: أنَّ أخنَعَ اسمِ اسمُ رجل تَسَمَّى، بدليلٍ الرّواية الأُخرى: ((إنَّ أخنَع الأسماء)». واستُدلَّ بهذا الحديث على تحريم التَّسَمّي بهذا الاسم لوُرودِ الوعيد الشَّديد، ويَلتَحِقِ به ما في معناه مِثْلُ: خالق الخلق، وأحكم الحاكمينَ، وسُلطان السَّلاطين، وأمير الأُمَراء، وقيل: يَلْتَحِق به أيضاً مَن تَسَمَّى بشيءٍ من أسماء الله الخاصّة به كالرَّحمنِ والقُدّوس والجبّار. وهل يَلْتَحِق به مَن تَسَمَّى قاضي القُضاة أو حاكم الحكّام؟ اختَلَفَ العلماء في ذلك، فقال الَّتَشَريّ في قوله تعالى: ﴿أَحَكُمُ المَكِينَ ﴾ [هود: ٤٥]: أي: أعدل الحكّام وأعلمهم، إذ لا فضل لحاكم على غيره إلّا بالعلم والعدل، قال: ورُبَّ غريق في الجهل والجوْر من مُقلِّدي زماننا قد لُقِّبَ أقضَى القُضاة، ومعناه: أحكم الحاكمينَ، فاعتَبِرِ واستَعبِرٍ. وتَعقَّبَه ابن المنيِّر بحديثٍ: ٦٤٤ باب ١١٤ / ح ٦٢٠٦ فتح الباري بشرح البخاري ((أقضاكم عليّ) (١) قال: فُيُستَفاد منه أن لا حَرَجَ على مَن أطلقَ على قاضٍ يكون أعدلَ القُضاة أو أعلمهم في زمانه: أقضَى القُضاة، أو يريد إقليمه أو بلده. ثُمَّ تَكلَّمَ في الفَرْق بين قاضي القضاة وأقضَى القُضاة، وفي اصطلاحهم على أنَّ الأوَّل فوق الثّاني، وليس من غَرَضنا هنا. وقد تَعقَّبَ كلامَ ابن المنيِّر عَلمُ الدّين العراقيّ، فصَوَّبَ ما ذكره الَّتَشَريّ من المنع، ورَدَّ ما احتَجَّ به من قضيَّة عليّ بأنَّ التَّفضيل في ذلك وَقَعَ في حَقِّ مَن خُوطِبَ به ومَن يَلْتَحِق بهم، فليس مُساوياً لإطلاق التَّفضيل بالألفِ واللّام، قال: ولا يخفى ما في إطلاق ذلك من الجَراءة وسوء الأدب، ولا عِبرة بقولِ مَن وليَ القضاء فنُعِتَ بذلك فَذَّ في سمعه فاحتال في الجواز، فإنَّ الحقَّ أحقُّ أن يُتَّبَع، انتهى كلامه. ومن النَّوادِرِ أنَّ القاضي عِزّ الدّين ابن جَمَاعة قال: إنَّه رأى أباه في المنام فسألَه عن حاله فقال: ما كان عليَّ أضَرَّ من هذا الاسم، فأمَرَ الموقّعينَ أن لا يَكتُبوا له في السِّجِلّات قاضي القُضاة بل قاضي المسلمينَ، وفَهِمَ من قول أبيه أنَّه أشارَ إلى هذه التَّسمية مع احتمال أنَّه أشارَ إلى الوظيفة، بل هو الذي يَترجَّح عندي، فإنَّ التَّسمية بقاضي القضاة وُجِدَت في العصر القديم من عهد أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وقد مَنَعَ الماورديُّ من جواز تلقيب الملك الذي كان في عصره بمَلِكِ الملوك، مع أنَّ الماورديّ كان يقال له: أقضَى القُضاة، وكأنَّ وجه التَّفرقة بينهما الوقوف مع الخبر وظُهور إرادة العهد الزَّمَانيّ في القُضاة. ٥٩١/١٠ وقال الشَّيخ أبو محمّد بن أبي جَمْرة: يَلْتَحِقِ بمَلِكِ الأملاك قاضي / القُضاة، وإن كان اشتَهَرَ في بلاد الشَّرق من قديم الزّمان إطلاق ذلك على كبير القُضاة، وقد سَلِمَ أهلُ المغرب من ذلك، فاسمُ كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة. قال: وفي الحديث مشروعيَّة الأدب في كلّ شيء، لأنَّ (١) أخرجه ابن ماجه (١٥٤) من حديث أنس، والحديث رواه كثيرون دون قوله: ((وأقضاهم علي)) انظر تخريجه في ((مسند أحمد)» (١٢٩٠٤)، وانظر كلام الخطيب البغدادي على هذا الحديث في كتابه ((الفصل للوصل المدرج)) فقد رجح إرساله، وقال الحافظ في شرح الحديث (٣٧٤٤): إسناده صحيح إلّا أنَّ الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال، والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري. ٦٤٥ باب ١١٥ / ح ٦٢٠٧ كتاب الأدب الَّجر عن مَلِك الأملاك والوعيد عليه يقتضى المنعَ منه مُطلَقاً، سواء أراد مَن تَسَمَّى بذلك أنَّه مَلِك على ملوك الأرض أم على بعضها، سواء كان مُحقّاً في ذلك أم مُبطِلاً، مع أنَّه لا يخفى الفرقُ بين مَن قَصَدَ ذلك وكان فيه صادقاً، ومَن قَصَدَه وكان فيه كاذباً. ١١٥ - باب كُنية المشرك وقال مِسْوَرٌ: سمعتُ النبيَّ ◌َِِّ يقول: ((إلّا أن يريدَ ابنُ أبي طالبٍ)). ٦٢٠٧ - حدّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ. وحدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن محمَّدِ بنِ أبي عَنِيقٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيِ، أنَّ أُسامةَ بنَ زيدٍ رضي الله عنهما أخبَرَه: أنَّ رسولَ اللهَ بَّهَ رَكِبَ على حمارٍ عليه قَطِيفةٌ فَدَكِيَّةٌ وأُسامةُ وراءَه يعودُ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ في بني حارثٍ بنِ الخَزْرَجِ قبلَ وَقْعةٍ بَدْرٍ، فسارا حتَّى مَرّا بمَجْلِسٍ فيه عبدُ الله بنُ أُبيِّ ابنُ سَلُولَ، وذلك قبلَ أن يُسلِمَ عبدُ الله بنُ أَيِّ، فإذا في المجلِسِ أخلاطٌ منَ المسلمينَ والمشركينَ عَبَدةِ الأَوْثانِ واليهودِ، وفي المسلمينَ عبدُ الله بنُ رَوَاحةَ، فلمَّا غَشِيَتِ المجلِسَ عَجَاجَةُ الدّابّةِ خَمََّ ابنُ أَبيَّ أنفَه برِدائِهِ وقال: لا تُغيِّرُوا علينا، فسَلَّمَ رسولُ الله ◌ِّ عليهم، ثمَّ وَقَفَ فَنَزِلَ فَدَعَاهم إلى الله، وقرأَ عليهمُ القرآنَ، فقال له عبدُ الله بنُ أُبيِّ ابنُ سَلُولَ: أَيُّهَا المَرْءُ لا أَحسنَ مَّاً تقولُ إن كان حَقّاً، فلا تُؤْذِنا به في مجالِنا، فمَن جاءَكَ فاقصُصْ عليه، قال عبدُ الله بنُ رَوَاحَةَ: بلى يا رسولَ الله، فاغْشَنا في تَجالسِنا فإنّا نُحِبُّ ذلك، فاستَبَّ المسلمونَ والمشركونَ واليهودُ حتَّى كادُوا يَنَاوَرُونَ، فلم يَزَلْ رسولُ الله ◌ِهِ يُخْفِّضُهم حتَّى سَكَنُوا. ثَمَّ رَكِبَ رسولُ الله ◌ِّهِ دَابَّتَه فسارَ حتَّى دَخَلَ على سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، فقال رسولُ الله ◌ِّ: ((أَيْ سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ ما قال أبو حُبَابٍ؟ - يريدُ عبدَ الله بنَ أُبيِّ - قال: كذا وكذا!)) فقال سَعْدُ ابنُ عُبَادَةَ: أيْ رسولَ الله، بأبي أنتَ، اغْفُ عنه واصفَحْ، فَوَالَّذِي أَنزَلَ عليكَ الكتابَ لقد جاءَ اللهُ بالحقِّ الذي أُنزِلَ عليكَ ولقدِ اصطَلَحَ أهلُ هذه البَحْرةِ على أن يُتَوِّجُوه ويُعَصِّبُوه بالعِصابةِ، فلمَّا رَدَّ اللهُ ذلك بالحقِّ الذي أعطاكَ، شَرِقَ بذلك، فذلك فَعَلَ به ما رأيتَ، فعَفَا عنه رسولُ الله ◌َِّ، وكان رسولُ اللهِ وَه وأصحابُه يَعفُونَ عن المشركينَ وأهلِ الكتاب كما أمَرَهُمُ الله، ٦٤٦ باب ١١٥ / ح ٦٢٠٨ فتح الباري بشرح البخاري ويَصْبِرونَ على الأذَى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ الآيةَ [آل عمران: ١٨٦] وقال: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، فكان رسولُ اللهِه يَتَأوَّلُ في العَفْوِ عنهم ما أُمَرَه اللهُ به حتَّى أَذِنَ له فيهم، فلمَّا غَزَا رسولُ الله ◌ِِّ بَدْراً فقَتَلَ اللهُ بها مَن قَتَلَ من صَنادِيدِ الكُفَّارِ وسادةٍ قُرَيشٍ، فقَفَلَ رسولُ الله ◌َّهِ وأصحابُه مَنصُورِينَ غانمِينَ، معهم أُسارَى من صَنادِيدِ الكفَّار وسادةِ قُرَيشٍ، قال ابنُ أَيِّ ابنُ سَلُولَ ومَن معه منَ المشركينَ عَبَدَةِ الأوثانِ: هذا أمرٌ قد تَوَجَّةَ، فبابِعُوا رسولَ اللهِِّ على الإسلامِ فأسلَمُوا. ٦٢٠٨ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، حدَّثنا عبدُ الملِك، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ نَوْفَلٍ، عن عبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ قال: يا رسولَ الله، هل نَفَعْتَ أبا طالبٍ بشيءٍ، فإِنَّه كان يَحُوطُكَ ويَغْضَبُ لكَ؟ قال: ((نَعَمْ، هو في ضَحْضاحٍ من نارٍ، لولا أنا لَكان في الدَّرْكِ الأسفلِ منَ النارِ)). ٥٩٢/١٠ قوله: «باب گنیة المشرك» أي: هل يجوز ابتداءً، وهل إذا کانت له گُنیة تجوز مُخاطَبْتُه أو ◌ِكْره بها؟ وأحاديث الباب مُطابِقة لهذا الأخير، ويَلتَحِق به الثّاني في الحكم. قوله: ((وقال مِسْور)) هو ابن تَرَمةَ الزُّهْريّ، كذا للجميع إلّا النَّسَفِيّ، فسَقَطَ هذا التَّعليق من روايته، ووَقَعَ في («مُستَخرَج أبي نُعَيم)): وقال المِسوَر، وهو الأشهر. قوله: ((إلّا أن يريدَ ابنُ أبي طالب)) هذا طرفٌ من حديث تقدَّم موصولاً (٣١١٠) في باب فرض الخُمُس(١). قوله: ((وحدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُويس، وهو معطوف على السَّنَد الذي قبله، وساقَ المتن علی لفظه، وسلیمان: هو ابن بلال. وقوله: ((عن عُزْوة)) في رواية شُعَيب: أخبرنا مُرْوة بن الزُّبَير، وتقدَّم سياق لفظ شُعَيب في تفسير آل عمران (٤٥٦٦) مع شرح الحديث، والغرض منه قوله: ((ألم تَسمَع ما قال أبو حُبَاب؟» بضمِّ المهمَلة وتخفيف الموحّدة وآخره موخَّدة، وهي كُنية عبد الله بن أبيّ، وكان حينئذٍ لم يُظهِر (١) اللفظ المعلق أليقُ بالرواية التي في كتاب النكاح برقم (٥٢٣٠). ٦٤٧ باب ١١٥ / ح ٦٢٠٨ كتاب الأدب الإسلام كما هو بَيِّنٌّ من سياق الحديث، وظاهرٌ في آخره. ثم ذكر حديث العبَّاس بن عبد المطَّلِب أنه قال: يا رسول الله، هل نَفَعتَ أبا طالب بشيءٍ؟ وقد تقدَّم شرحه في التَّرجمة النبويَّة (٣٨٨٣) قُبَيل الإسراء، وكأنَّه أراد بإيرادِهِ الأوَّلَ، لأنَّه من لفظ النبيّ وَِّ، وهذا سمعَه فأقَرَّه. قال النَّوويّ في ((الأذكار)) بعد أن قَرَّرَ أَنَّه لا تجوز تكنيةُ الكافر إلّا بشرطَيْنِ ذكرهما: وقد تكرَّر في الحديث ذِكْر أبي طالب واسمه عبد مَناف، وقال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾. ثم ذكر الحديثَ الثاني وقولَه فيه: ((أبو حُبَاب)) قال: ومحلُّ ذلك إذا وُجِدَ فيه الشَّرط؛ وهو أن لا يُعرَف إلّا بِكُنْتِه أو خِيفَ من ذِكْر اسمه فتنةً، ثمَّ قال: وقد كَتَبَ رسول الله وَلَه إلى هِرَقل فسَمّاه باسمِه ولم يُكَنِّه ولا لَقَّبَه بلَقَبِهِ وهو قَصَر، وقد أُمِرنا بالإغلاظِ عليهم فلا تُكَنّيهم ولا نُلِين لهم قولاً. وقد تُعقّب کلامہ بأنّه لا حَصْرَ فیما ذکر، بل قصّة عبد الله بن أُبيّ في ذِكْره بگُنْتِه دونَ اسمه وهو باسمِه أشهرُ ليس لخوفِ الفتنة، فإنَّ الذي ذُكِرَ بذلك عنده كان قويّاً في الإسلام فلا يُحْشَى معه أن لو ذُكِرَ عبد الله باسمِه أن يَجُرّ بذلك فتنة، وإنَّما هو محمول على التَّلَف كما جَزَمَ به ابن بَطّال فقال: فيه جواز تكنية المشركينَ على وجه التََّلَّف، إمّا رَجاء إسلامهم أو لتحصيلِ مَنفَعة منهم، وأمَّا تكنية أبي طالب فالظّاهر أنَّه من القَبِيل الأوَّل، وهو اشتِهاره بكُنْيَتِهِ دونَ اسمه، وأمَّا تكنية أبي لهب فقد أشارَ النَّوويّ في شرحه إلى احتمال رابع. وهو اجتناب نِسبته إلى عُبوديّة الصَّنَم، لأَنَّه كان اسمه عبد العُزَّى، وهذا سَبَقَ إليه ثَعلَبُّ ونَقَلَه عنه ابن بطّال. وقال غيره: إنَّمَا ذُكِرَ بِكُنْيْتِه دونَ اسمه للإشارة إلى أنَّه ﴿سَيَصْلَ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، قيل: وإنَّ تَكنيته بذلك من جهة التَّجنيس، لأنَّ ذلك من جُملة البلاغة أو المجازاة، أُشيرَ إلى أنَّ الذي يَفْخَرُ به في الدُّنيا من الجمال والولد كان سبباً في خِزْيه وعقابه. وحكى ابن بَطّال عن أبي عبد الله بن أبي زَمَنِينَ أنَّه قال: كان اسم أبي لهب عبد العُزَّى وكُنْيته أبو عُتْبةَ،/ وأمَّا أبو لهب فلقبٌ لُقِّبَ به لأنَّ وجهه كان يَتَلَالَأ ويَلْتَهِب جَمالاً، قال: فهو لقَبٌّ ٥٩٣/١٠ ٦٤٨ باب ١١٥ / ح ٦٢٠٨ فتح الباري بشرح البخاري وليس بكُنيةٍ. وتُعقِّبَ بأنَّ ذلك يُقوِّي الإشكال الأوَّل، لأَنَّ اللَّقَب إذا لم يكن على وجه الذَّمّ للكافرٍ، لم يَصلُح من المسلم. وأمَّا قول الزَّتَشَريّ: هذه التَّكنية ليست للإكرام بل للإهانة، إذهي كِناية عن الجَهَنَّمَيّ، إذ معناه: تَبَّت يَدَا جَهنَّميٍّ. فهو مُتَعقَّب، لأنَّ الكُنية لا يُنظَر فيها إلى مدلول اللَّفظ، بل الاسم إذا صُدِّرَ بأُمِّ أو أبٍ فهو كُنية، سَلَّمْنا لكنَّ اللهَب لا يَخْتَصّ بجَهَّم، وإنَّما المعتمَد ما قاله غيره: أنَّ النُّكتة في ذِكْرِه بِكُنْيَتِهِ، أَنَّه لمَّا علم الله تعالى أنَّ مَالَه إلى النار ذاتِ اللهَب ووافَقَت كُنْيْتُه حالَه، حسُنَ أن يُذگر بها. وأمَّا ما استَشْهَدَ به النَّوويّ من الكتاب إلى هِرَقل، فقد وَقَعَ في نفس الكتاب ذِكْره بعظیمِ الُّوم، وهو مُشعِر بالتَّعظيم، واللَّقَب لغير العرب كالكُنَى للعرب، وقد قال النَّوويّ في موضع آخر: فرعٌ: إذا كَتَبَ إلى مُشِرِك كتاباً وكَتَبَ فيه سَلاماً أو نحوه، فينبغي أن يَكتُب كما كَتَبَ النبيّ وَّهِ إلى هِرَقل، فذكر الكتاب وفيه: ((عظيم الروم))، وهذا ظاهره التَّناقضُ. وقد جَعَ أَبي رحمه الله في نُكَت له على ((الأذكار)) بأنَّ قوله: ((عظيم الرّوم)) صِفَة لازِمة لِرَقل، فإنه عظيمُهم، فاكتَفَى بِه ◌ََّ عن قوله: مَلِك الرّوم، فإنَّه لو كَتَبَها لَأمكَنَ هِرَقل أن يَتَمسَّك بها في أنَّه أقَرَّه على المملكة. قال: ولا يَرِدُ مِثلُ ذلك في قوله تعالى حكايةً عن صاحب مِصر: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ [يوسف: ٤٣] لأنَّه حكاية عن أمرِ مضى وانقَضَى، بخلاف هِرَقل. انتهى، وينبغي أن يُضَمّ إليه أنَّ ذِكْر عظيم الرّوم والعُدول عن مَلِك الرّوم حيثُ كان، لا بدَّ له من صِفَة تُميِّزه عند الاقتصار على اسمه، لأنَّ مَن يَتَسَمَّى بِهِرَفْل كثير، فقيل: عظيم الرّوم، ليُميَّز عمَّن يَتَسمَّى بِرَقل، فعلى هذا فلا يُحْتَجّ به على جواز الكتابة لكلِّ مَلِك مُشِرِك بلفظ ((عظيم قومه)) إلّا إن احتيجَ إلى مِثل ذلك للتَّمييز، وعلى عموم ما تقدَّم من التَّأَلُّف أو من خَشْية الفتنة يجوز ذلك بلا تقييد، والله أعلم. وإذا ذُكِرَ قَيصَر وأنَّه لَقَبٌ لكلِّ مَن مَلَكَ الرّوم، فقد شارَكَه في ذلك جماعة من الملوك ككِسِرَى لملكِ الفرس، وخاقان لملكِ التُّرك، والنَّجَاشِيّ لملكِ الحَبَشة، وتُبَّع لملكِ اليمن، ٦٤٩ باب ١١٦ / ح ٦٢٠٩-٦٢١١ كتاب الأدب وبَطْلَيمُوس(١) لملكِ اليونان، والفِطْيَون(٢) لملكِ اليهود، وهذا في القديم ثمَّ صارَ يقال له: رأس الجالوت، ونُمرود لملكِ الصّابئة، ودهمى لملكِ الهند، وفور لملكِ السِّند، وبَغْيُور لملكِ الصّين، وذو يَزَن وغيره من الأذواء لملكِ حِمِيَرَ، وهياج لملكِ الَّنج، وزنبيل لملكِ الخَزَر، وشاه أرمَن لملكِ خِلَاط، وكابل لملكِ النُّوبة، والأفشين لملكِ فَرْغانة وأُشروسَنة، وفِرِعَون لملك مِصر، والعزيز لمن ضَمَّ إليها الإسكَندَريَّة، وجالوت لملكِ العَالقة ثمَّ البَرَبَرِ، والتُّعمان لملكِ العرب من قِبَل الفرس، نُقِلَ أكثر هذا الفصل من («السِّيرة)» لمُغَلْطاي، وفي بعضه نظرٌ. ١١٦ - بابٌ المَعاريضُ مَندُوحةٌ عن الكذب وقال إسحاقُ: سمعتُ أنساً: ماتَ ابنٌّ لأبي طَلْحةَ فقال: كيفَ الغلامُ؟ قالت أمُّ سُلَيمٍ: هَدَأَ نَفَسُه، وأرجو أنْ قد استَراحَ، وظنَّ أنَّها صادِقَةٌ. ٦٢٠٩ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن ثابتٍ البُنائيِّ، عن أنسِ بنِ مالكِ قال: كان النبيُّ ◌َلـ فِي مَسِيرٍ له، فحَدَا الحادي، فقال النبيُّ وَّ: ((ارفُقْ يا أنجَشَةُ - وَيَحَكَ - بالقَواريرِ)). ٦٢١٠ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ. وأيوبُ، عن أبي قِلَابَةَ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ كان في سَفَرٍ، وكان غلامٌ يَحَدُو بِنَّ يقال له: أَنجَشةُ، فقال النبيُّ ◌َ: ((رُوَيدَكَ يَا أَنجَشةُ سَوْقَكَ بِالقَوَارِ)). قال أبو قِلابةَ: يعني: النِّساءَ. ٦٢١١- حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثَنَا حَبّانُ، حدَّثْنَا هَمَّامٌ، حدَّثْنَا قَتَادةُ، حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ قال: كان النبيِّ نَالَهَ حادٍ يقال له: أنجَشَةُ، وكان حَسَنَ الصَّوْتِ، فقال له النبيُّ ◌َّ: ((رُوَيَدَكَ يا أنجَشَةُ لا تَكْسِرِ القَوارِيرَ)». قال قَتَادةُ: يعني: ضَعَفةَ النِّساءِ. (١) تحرَّف في (أ) إلى: بطلميوس، بتقديم الميم على الياء، وفي (ع) و(س) إلى: بطليوس، بإسقاط الميم، والصواب ما أثبتنا، وهو المعروف. (٢) تصحف في (ع) و(س) إلى: والقطنون. ٦٥٠ باب ١١٦ / ح ٦٢١٢ فتح الباري بشرح البخاري ٦٢١٢ - حدَّثْنَا مُسَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، قال: حدَّثني قَتَادةُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: كان بالمدينةِ فَزَعٌ، فَرَكِبَ رسولُ اللهِ وَّهِ فَرَساً لأبي طَلْحَةَ فقال: ((ما رَأَيْنا مِن شيءٍ، وإنْ وَجَدْناهُ لَبَحْراً)). ٥٩٤/١٠ قوله: ((بابٌ)) بالتَّنوين «المعاريضُ)) وَقَعَ عند ابن التِّين: المعارض، بغير ياء، وصوابه بإثبات الياء، قال: وثَبَتَ كذلك في رواية أبي ذرٍّ، وهو من التَّعريض خِلَاف التَّصريح. قوله: ((مَنْدوحة)) بوزنٍ مفعولة بنونٍ ومُهمَلة، أي: فُسْحة ومُتَّسَع، نَدَحتُ الشَّيءَ: وَسَّعته، وانتَدَحَ فلان بكذا: أَّسَعَ، وانتَدَحَتِ الغنمُ في مَرابضِها: إذا أَتَّسَعَت من البِطْنة، والمعنى: أنَّ في المعاريض من الأنِّساع ما يُغني عن الكذب. وهذه التَّرجمة لفظ حديث أخرجه المصنِّف في ((الأدب المفرَد)) (٨٥٧) من طريق قَتَادة عن مُطرِّف بن عبد الله قال: صَحِبتُ عِمرانَ بن حُصَين من الكوفة إلى البصرة، فما أتى عليه يوم إلّا أنشَدَنا فيه شِعراً وقال: إنَّ في مَعاريضِ الكلام مَنْدوحةً عن الكذب. وأخرجه الطَّبَرِيُّ في ((التَّهذيب)) والطبرانيُّ في ((الكبير)» (٢٠١/١٨)، ورجاله ثقات، وأخرجه ابن عَديّ (١) من وجه آخر عن قَتَادة مرفوعاً ووهّاه، وأخرجه أبو بكر بن كامل في ((فوائده)) والبيهقيُّ في ((الشُّعَب))(٢) من طريقه كذلك، وأخرجه ابن عَديّ أيضاً (٣٥/١) من حديث عليّ مرفوعاً بسندٍ واهٍ أيضاً، وللمصنّف في ((الأدب المفرد)) (٨٨٤) من طريق أبي عثمان النَّهْديِّ عن عمر قال: أما في المعاريض ما يكفي المسلم من الكذب؟ والمَعَاريض والمَعَارِض بإثبات الياء أو بحذفِها كما تقدَّم، جمعُ مِعْراض، من التَّعريض بالقول، قال الجَوْهريّ: هو خِلَاف التَّصريح، وهو التَّورية بالشَيءٍ عن الشَّيء. وقال الرَّاغِب: التَّعریض كلام له وجهان في صِدق وگَذِبٍ، أو باطن وظاهر. قلت: والأَولى أن يقال: كلام له وجهان، يُطلَق أحدهما والمراد لازِمُه. ومَّا يَكثُر السُّؤال عنه الفرقُ بين (١) في ((الكامل)) ٣٥/١ و٩٦/٣، وليس فيه توهية للحديث، إلا أنه أشار إلى أنَّ داود بن الزبرقان تفرد برفعه عن سعید بن أبي عروبة عن قتادة، وضعّف داود في آخر ترجمته. (٢) لم نقف عليه في المطبوع منه، لكن أخرجه في ((السنن الكبرى)) ١٩٩/١٠ من طريق داود بن الزبرقان. ٦٥١ باب ١١٦ / ح ٦٢١٢ كتاب الأدب التَّعريض والكِناية، وللشَّيخ تَقيّ الدّين السُّبکيِّ جزء جمعه في ذلك. قوله: ((وقال إسحاق)) هو ابن أبي طلحة التابعيّ المشهور، وهذا التَّعليق سَقَطَ من رواية النَّسَفيّ، وهو طَرَفٌ من حديث طويل أخرجه المصنِّف في الجنائز (١٣٠١)، وشاهد التَّرجمة منه قول أمّ سُلَيم: ((هَدَأْ نَفَسُه، وأرجو أن قد استَراحَ)) فإنَّ أبا طلحة فَهِمَ من ذلك أنَّ الصبيّ المريض تَعافَ، لأنَّ قولها: ((هَدَأ)) مهموز بوزنٍ سَكَنَ ومعناه، والنَّفَس بفتح الفاء مُشعِر بالنَّومِ، والعليل إذا نامَ أشعَرَ بزَوَال مرضه أو خِفَّته، وأرادت هي أنَّه انقَطَعَ بالكُلّيَّة بالموت، وذلك قولها: ((وأرجو أنَّه استَراحَ)) فَهِمَ منه أنَّه استَراحَ من النوم وبالعافية (١)، ومُرادها أنَّه استَراحَ من نَكَد الدُّنيا وألم المرض فيها، فهي صادقة باعتبار مُرادها، وخبرُها بذلك غير مطابق للأمرِ الذي فَهِمَه أبو طلحة، فمن ثَمَّ قال الراوي: ((وظنَّ أنَّها صادقة)) أي: باعتبار ما فهم هو. ثم ذكر حديث أنس في قصَّة أَنجَشة، وقد تقدَّم شرحه في ((باب ما يجوز من الشِّعر)) (٦١٤٩) والمراد منه قوله: ((رِفقاً بالقواريرِ))، فإنَّه كَنَّى بذلك عن النِّساء كما تقدَّم تقريره هناك. وحديث أنس في فَرَس أبي طلحة والمراد منه: ((إنّا وَجَدناه لَبحراً)) أي: لسُرعة جَرْيه، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الجهاد(٢)، وكأنَّه اسْتَشْهَدَ بحديثَي أنس/ لجوازِ التَّعريض، والجامع بين ٥٩٥/١٠ التَّعريض وبين ما دَلًا عليه، استعمالُ(٣) اللَّفظ في غير ما وُضِعَ له لمعنَى جامع بينهما. قال ابن المنيِّر: حديث القوارير والفرس ليسا من المعاريض بل من المجاز، فكأنَّه لمَّا رأى ذلك جائزاً قال: فالمعاريض التي هي حقيقةٌ أَولى بالجوازِ. قال ابن بَطّال: شَبََّ جَريَ الفرس بالبحرِ إشارةً إلى أنَّه لا يَنْقَطِع، يعني ثمَّ أطلقَ صِفَة الجري (١) في (س): استراح من المرض بالعافية. (٢) وأحال في الجهاد (٢٨٥٧) على كتاب الهبة (٢٦٢٧)، وقال في الهبة: سيأتي شرحه في الجهاد! وشرحُه في الهبة أوفى وأتمّ. (٣) سقط لفظ ((استعمال)) من (س)، ووقع فيها ((دلّ)) بالإفراد، وهو خطأ. ٦٥٢ باب ١١٧ / ح ٦٢١٣ فتح الباري بشرح البخاري على نفس الفرس مجازاً، قال: وهذا أصلٌ في جواز استعمال المعاريض، ومحلّ الجواز فيما يُخلِّص من الظُّلم أو يُحِصِّل الحقَّ، وأمَّا استعمالها في عكس ذلك من إبطال الحقّ أو تحصيل الباطل فلا يجوز. وأخرج الطََّرِيُّ من طريق محمَّد بن سِيرِين قال: كان رجل من باهلةَ عَيُوناً - أي: كثير الإصابة بالعين - فرأى بغلة لشُرَيح فأُعجِبَ بها، فخَشِيَ شُرَيحُ عليها فقال: إنَّهَا إذا رَبَضَت لا تقوم حتَّى تُقام، فقال: أُفٍّ أُفٍّ، فسَلِمَت منه؛ وإنَّما أراد شُرَيحٌ بقولِه: ((حتَّى تُقام)) أي: حتَّى يُقیمها الله تعالى. ١١٧ - باب قول الرّجل للشّيء: ليس بشيءٍ وهو يَنْوي أنَّه ليس بحقّ وقال ابنُ عَبَّاسٍ: قال النبيُّ ◌َّهِ لِلْقَبَرَينِ: ((يُعذَّبانِ بلا كبيرٍ وإِنَّه لَکبیرٌ)). ٦٢١٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ سَلَام، أخبرنا تَخَلَدُ بنُ يزيدَ، أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال ابنُ شِهابٍ: أخبرَنا يحيى بنُ عُرْوةَ، أَنَّه سمعَ عُزْوةَ يقول: قالت عائشةُ: سألَ أُنَاسِّ رسولَ الله وَّ عن الكُهّان، فقال لهم رسولُ الله وَّ: ((ليسُوا بشيءٍ)) قالوا: يا رسولَ الله، فإنَّهم يُحدِّثونَ أحياناً بالشَّيءٍ يكونُ حَقّاً! فقال رسولُ اللهِوَّةِ: «تلكَ الكَلِمةُ منَ الحقِّ يَخْطِفُها الجِنِّيُّ، فَقُرُّها في أَنُذِ وَلِيَّه قَرَّ الدَّجاجةِ، فِيَخْلِطُونَ فيها أكثرَ من مئةِ كَذْبٍ)). قوله: «باب قول الرجل للشّيءٍ: ليس بشيءٍ، وهو ینْوي انّهلیس بحقِّ)) ذکر فیه حدیثینِ: الأوَّل: قوله: ((وقال ابن عبّاس: قال النبيّ وَِّ للقبرَينِ: يُعذَّبانِ بلا كبير، وإِنَّه لَكبيرٌ)) وهذا طَرَف من حديث تقدَّم في كتاب الطَّهارة (٢١٦ و٢١٨)، وتقدَّم شرحه أيضاً، وتقدَّم أيضاً في ((باب النَّميمة من الكبائر)) من كتاب الأدب (٦٠٥٥) بلفظ: ((وما يُعذَّبانِ في کبیر، وإنَّه لَكَبِيرٌ)). الثاني: حديث عائشة في الگھان: «ليسوا بشيءٍ» وقد تقدَّم شرحه في أواخر کتاب الطِّبّ (٥٧٦٢). ٦٥٣ باب ١١٨ / ح ٦٢١٤ -٦٢١٥ كتاب الأدب قال الخطَّابيُّ: معنى قوله: ((ليسوا بشيءٍ)) أي: فيما يَتَعاطَونَه من عِلم الغيب، أي: ليس قولهم بشيءٍ صحيحٍ يُعتَمَد كما يُعتمَد قولُ النبيّ وَّه الذي يُخْبِرِ عن الوحي، وهو كما يقال لمن عَمِلَ عَمَلاً غير مُتَقَن، أو قال قولاً غير سَدِيد: ما عَمِلتَ، أو: ما قلتَ شيئاً. وقال ابن بَطّال نحوه وزادَ: أنَّهم يريدونَ بذلك المبالَغة في النَّفي، وليس ذلك كذِباً. وقال كثير من المفسِّرِينَ في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَئِنِ حِينٌ مِنَ الذَّهْرِ لَ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]: المراد بالذِّكرِ هنا القَدرُ والشَّرَف، أي: كان موجوداً، ولكن لم يكن له قَدرٌ يُذكَر به، إمّا وهو مُصوَّر من طين على قول مَن قال: المراد به آدم، أو في بطن أمّه على قول مَن قال: إنَّ المراد به الجنس. ١١٨ - باب رَفْع البصر إلى السّماء وقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنَظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. وقال أيوبُ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ: رَفَعَ النبيُّ ◌َّ رأسه إلى السماء. ٦٢١٤ - حدّثنا ابن بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابن شِهابٍ، قال: سمعتُ أبا سَلَمَةَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ يقول: أخبرني جابرُ بنُ عبدِ الله، أنَّه سمعَ رسولَ الله وََّ يقول: ((ثُمَّ فَتَرَ عِنِّي الوَحْيُ، فبَيْنما أنا أمشي سمعتُ صَوتاً منَ السماءِ، فَرَفَعْتُ بَصَري إلى السماءِ، فإذا الملَكُ الذي جاءني بحِراءٍ قاعدٌ على كُرْسٍّ بينَ السماءِ والأرضِ». ٦٢١٥ - حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفٍ، قال: أخبرني شَرِيكٌ، عن كُرَیبٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: بِتُّ في بيتِ مَيِمُونَ والنبيُّ ◌َِّ عندَها، فلمَّا كان ثُلُثُ اللَّلِ الآخِرُ، أو بعضُه، فَعَدَ يَنظُرُّ إلى السماءِ فقراً: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اُلَيْلِ وَاَلنَّهَارِ لَيَتْلِأُ وْلِىِ الْأَلْبَبِ ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. قوله: ((باب رَفْع البَصَر إلى السماء، وقولِه تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾)) كذا ٥٩٦/١٠ لأبي ذرٍّ، وزاد الأَصِيلِيّ وغيره: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾، وهذا القَدرُ هو المراد من التَّرجمة، وكأنَّ المصنِّف أشارَ إلى ما جاء في النَّهي عن ذلك. ٦٥٤ باب ١١٨ / ح ٦٢١٥ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن التِّين: غَرَضُ البخاريّ الردُّ على مَن كَرِهَ أن يَرفَع بَصَرَه إلى السماء كما أخرجه الطَّبَرِيُّ عن إبراهيم التَّيْمِيِّ وعن عطاء السُّلَميِّ: أنَّ مَكَثَ أربعينَ سنة لا يَنظُر إلى السماء تَتُّعاً. نعم صَحَّ النَّهيُ عن رفع البصر إلى السماء في حالة الصلاة كما تقدَّم في الصلاة (٧٥٠) عن أنس رَفَعَه: ((ما بالُ أقوام يَرفَعونَ أبصارَهم إلى السماء في صلاتهم)) فاشتَدَّ قوله في ذلك حتَّى قال: ((لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك أو لَتُخطَفَن أبصارُهم»، ولمسلم (٤٢٨) عن جابر بن سَمُرة نحوه، ولابنٍ ماجَهْ (١٠٤٣) عن ابن عمر نحوُه وقال: ((أن تُلتَمعَ)) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٢٢٨١). وحاصل طريق الجمع بين الحديثَينِ: أنَّ النَّهي خاصّ بحالة الصلاة، وقد تَكلَّمَ أهل التَّفسير في تخصيص الإبل بالذِّكرِ دونَ غيرها من الدَّوابّ بأشياءَ امتازت به، وذكر بعضهم أنَّه اسم السَّحاب، فإن ثَبَتَ فمُناسَبتها للسماءِ والأرض ظاهرة، فكأنَّه ذكر شيئينِ من الأُفْقِ العُلْويّ وشيئينِ من الأَفْقِ السُّفليّ في كلٌّ منهما ما يَعتَبِ به مَن وَفَّقه الله تعالى إلى الحقِّ. قوله: ((وقال أيوب)) هو السَّخْتِيانيُّ ((عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة: رَفَعَ النبيُّ ◌َّ رَأْسَه إلى السماء))، وَقَعَ هذا التَّعليق لأبي ذرِّ عن المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيّ فقط وسَقَطَ للباقينَ، وهو طَرَف من حديث أوَّله: ماتَ رسول الله وَّر في بيتي ويومي وبين سَخْري ونَحْري ... الحديث، وفيه: فَرَفَعَ بَصَرَه إلى السماء وقال: ((الرَّفيق الأعلى) أخرجه هکذا أحمد (٢٤٢١٦) عن إسماعيل ابن عُليَّةً عن أيوب، وأخرجه ابن حِبّان (٧١١٦) من وجه آخر عن إسماعيل، وقد تقدَّم للمصنّف في الوفاة النبويَّة (٤٤٥١) من طريق حمّاد بن زيد عن أيوب بتمامه لكن فيه: ((فَرَفَعَ رأسه إلى السماء)) وقد تقدَّم شرحه مُستَوقّى هناك(١). ثم ذكر حديثَ جابر في فَتْرة الوحي، والغرض منه قوله: ((فَرَفَعتُ بَصَري إلى السماء)) وقد تقدَّم شرحه في أوَّل الكتاب (٤). (١) انظر شرح الحديث (٤٤٣٥) فما بعده. ٦٥٥ باب ١١٩ / ح ٦٢١٦ كتاب الأدب وحديثَ ابن عبّاس: ((بِتُّ في بيت ميمونةَ))، والغرض منه قوله: ((فنَظَرَ إلى السماء)) وقد تقدَّم بتمامه مشروحاً في ((باب التَّهَجُّد))(١) في أواخر كتاب الصلاة. وفي الباب حديثُ أبي موسى: كان رسول الله وَ ل﴿ كثيراً ما يَرفَع بَصَرَه إلى السماء ... الحديث، أخرجه مسلم (٢٥٣١)، وحديث عبد الله بن سَلَامٍ: كان رسول الله وَ﴿ إذا جَلَسَ يَتَحدَّث يُكثِرِ أن يَرفَع طَرْفَه إلى السماء، أخرجه أبو داود (٤٨٣٧). فحاصل طريق الجمع: أنَّ النَّهي خاصٌّ بحالة الصلاة، والله أعلم. ١١٩ - باب مَن نَكَت بالعُود في الماء والطِّين ٦٢١٦- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُثْمانَ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أبو عثمانَ، عن أبي موسى: أنَّه كان معَ النبيِّ وَّه في حائطٍ من حِيطان المدينةِ، وفي يدِ النبيِّ وَّهِ عُودٌ يَضْرِبُ به بينَ الماءِ والطِّينِ، فجاء رجلٌ يَستَفْتِحُ فقال النبيُّ نَّهِ: ((افتَحْ له وبَشِّرْهُ بالجنَّةِ)) فذهبتُ فإذا أبو بكرٍ، ففتحتُ له وبَشَّرْتُه بالجنَّةِ، ثمّ استَفْتَحَ رجلٌ آخَرُ فقال: ((افتَحْ له وبَشِّرْهُ بالجنَّةِ)) فإذا عمرُ، ففَتَحتُ له وبَشَّرْتُه بالجِنَّةِ، ثمَّ اسْتَفْتَحَ رجلٌ آخَرُ، وكان مُتَّكِئاً فجَلَسَ فقال: ((افْتَحْ وبَشِّرْهُ بالجِنَّةِ على بَلْوَى تُصِيبُهُ أو تكونُ)) فذهبتُ فإذا عُثْمانُ، ففَتَحتُ له وبَشَّرْتُه بالجنَّةِ، فأخبرتُه بالَّذي قال، قال: الله المستعانُ. قوله: ((باب من نَكَت بالعُودِ في الماء والطّين)) النَّكْت بالنّونِ والمثنّة: الضَّرب المؤثِّر. ٥٩٧/١٠ ذكر فيه حديث أبي موسى في قصَّة القُفّ، وقد تقدَّم شرحه في المناقب (٣٦٧٤) وهو ظاهر فيما تَرَجَمَ له، وأورَدَه هنا بلفظ: ((عُود يَضرِب به بين الماء والطّين)) وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((في الماء والطّين))، وأورَدَه بلفظ: ((يَنْكُت)) في مناقب أبي بكر الصِّدّيق(٢). وعثمانُ بن غِيَاث المذكور في السَّنَد بكسر الغَين المعجمة ثمَّ تحتانيَّة خفيفة وآخره مُثلَّثة، (١) بل في أول الوتر برقم (٩٩٢). (٢) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فإنَّ هذه اللفظة لم ترد في مناقب الصديق (٣٦٧٤)، وعزاها هناك في شرحه لمسلم (٢٤٠٣)، لکن الذي في «صحيحه»: یرکُز بعود، ویروی: یضرب بعود، کما ذكر القاضي عياض في ((المشارق)) ٢٨٩/١، وأما لفظ ((ينكت)) فهو عند ابن حبان في ((صحيحه)) (٦٩١٢). ٦٥٦ باب ١٢٠ -١٢١ /ح ٦٢١٧ -٦٢١٨ فتح الباري بشرح البخاري وحكى الكِرْ مانيُّ أنَّه وَقَعَ في بعض النُّسَخِ ((يحيى بن عثمان)) وهو غَلَط. قال ابن بَطّال: من عادة العرب إمساك العصا والاعتماد عليها عند الكلام وغيره، وقد عابَ ذلك عليهم بعضُ مَن يَتَعَصَّب للعَجَم، وفي استعمال النبيّ وَّ لها الحُجّة البالغة، وكأنَّ المراد بالعودِ هنا المِخصَرة التي كان النبيّ وَ لِ يَتَوَّأ عليها، وليس مُصرَّحاً به في هذا الحديث. قلت: وفِقْهُ التَّرجمة أنَّ ذلك لا يُعَدّ من العَبَث المذموم، لأنَّ ذلك إنَّما يقع من العاقل عند التفگُّر في الشّيء ثمَّ لا یستعمِلہ فیما لا يَضُرّ تأثیره فیه، بخلاف مَن يَتَفَگّر وفي يده ◌ِگّین فَيَستَعمِلها في خَشَبة تكون في البناء الذي فيها فساداً، فذاكَ هو العَبَث المذموم. ١٢٠ - باب الرّجل يَنْكُت الشّيء بيده في الأرض ٦٢١٧ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ ومنصورٍ، عن سَعْدِ بنِ عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ ﴾ قال: كنَّا معَ النبيِّ وَّهُ فِي جَنازةٍ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ في الأرضِ بِعُودٍ فقال: ((ليس منكم من أحدٍ إلّ وقد فُرِغَ من مَفْعَدِهِ مِنَ الجَنَّةِ والنارِ)) فقالوا: أَفَلا نَتَّكِلُ؟ قال: ((اعْمَلُوا، فكلٌّ مُيَسَّرٌ، ﴿فَأَمَا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى﴾ الآيةَ [الليل: ٥])). قوله: ((باب الرجل يَنْكُت الشَّيءَ بيلِه في الأرض)) ذكر فيه حديث عليّ بن أبي طالب: ((اعملوا فكلٌّ مُيَسَّر لما خُلِقَ له)) وسيأتي شرحه في كتاب القَدَر (٧٥٥٢)، ومَضَى الحديث بأتمَّ من هذا السّياق في تفسير سورة اللَّيل (٤٩٤٥)، والغرض منه قوله: ((يَنْكُت في الأرض بعودٍ)). وقوله في السَّنَد: ((شُعْبة عن سليمان)) هو الأعمَش، ومنصور: هو ابن المعتمِر،/ وقد ٥٩٨/١٠ أخرجه الإسماعيليّ عن عمران بن موسى عن محمّد بن بشَّار شيخ البخاريّ فيه فقال: عن الأعمَش، وذَهَلَ الكِرْمانُّ حيثُ زَعَمَ أنَّ سلیمان هو التَّيْمِيّ. ١٢١ - باب التكبير والتّسبيح عند التَّعُّب ٦٢١٨ - حدَّثْنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، حدَّثْنِ هِنْدُ بنتُ الحارثِ، أَنَّ أَمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالت: استَقَظَ النبيُّنَّ فقال: ((سُبْحانَ الله، ماذا أُنزِلَ منَ الخزائنِ، وماذا أُنزِلَ ٦٥٧ باب ١٢١ / ح ٦٢١٩ كتاب الأدب مِنَ الفِتَنِ! مَن يُوقِظُ صَوَاحبَ الحُجَرِ - يريدُ به أزْواجَه - حتَّى يُصَلِّينَ، رُبَّ كَاسِيَةٍ في الدُّنْيا عاريةٍ في الآخرةِ». وقال ابنُ أبي ثَوْرٍ: عن ابنِ عبَّاسٍ، عن عمرَ قال: قلتُ للنبيِّ وَّهِ: طَلَّقْتَ نساءَكَ؟ قال: ((لا)) قلتُ: الله أكبرُ. ٦٢١٩ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ (ح) وحدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن محمَّدٍ بنِ أبي عَتِيقٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عليٍّ بنِ الحسينِ، أنَّ صَفِيَّةَ بنتَ حُبَيٍّ زَوْجَ النبيِّوَ أَخْبَرَتْه: أنَّها جاءت رسولَ الله ◌َلاَ تَزورُه وهو مُعتكِفٌ في المسجدِ في العَشْرِ الغَوَابِ من رمضانَ، فَتَحدَّثَت عندَه ساعةً منَ العِشاءِ ثمَّ قامَت تَنْقَلِبُ، فقامَ معها النبيُّ وَ يَقْلِبُها، حتَّى إذا بَلَغَت بابَ المسجدِ الذي عندَ مَسْكَنِ أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبيِّ وَّهِ مَّ بهما رجلانٍ منَ الأنصار، فسَلَّمَا على رسولِ الله ◌َِّ، ثُمَّ نَفَذَا، فقال لهما رسولُ الله وَاِهِ: ((على رِسْلِكُما، إِنَّما هي صَفِيَّةُ بنتُ حُبَيٍّ)) قالا: سُبْحانَ الله يا رسولَ الله! وكَبُرَ عليهما، قال: ((إنَّ الشَّيطانَ يَخْرِيَ مِن ابنِ آدَمَ مَبْلَغَ الدَّمِ، وإنّ خَشِيتُ أن يَقْذِفَ في قُلُوپگُ)). قوله: ((باب التَّكْبير والتَّسْبيح عندَ التَّعَجّب)) قال ابن بَطّل: التَّسبيح والتَّكبير معناه تعظيم الله وتنزيهه من السُّوء، واستعمال ذلك عند التَّعَجُّب واستعظام الأمر حَسَنٌ، وفيه تمرین اللِّسان على ذِكْر الله تعالى، وهذا توجيه جيِّد، كأنَّ البخاريّ رَمَزَ إلى الردِّ على مَن مَنَعَ من ذلك. وذكر المصنف فيه حديث صَفيَّة بنت حُبَيٍّ في قصَّة الرجلينِ اللَّذَينِ قال لهما رسول الله وَّت: ((على رِسْلِكُما إنَّهَا صَفيَّة، فقالا: سبحان الله!)) أورَدَه من طريق شُعَيب بن أبي حمزة، ومن طريق ابن أبي عَتيق، وساقَه على لفظ ابن أبي عَتيق، وقد تقدَّم شرحه في الاعتكاف (٢٠٣٥). وقوله: ((العشر الغَوابِرِ)) بالغَينِ المعجَمة ثمَّ الموحّدة المراد بها هنا البَواقي، وقد تُطلَق أيضاً على المواضي، وهو من الأضداد، وهو مطابق لما تَرجَمَ له، لأنَّ الظّاهر أنَّ مُرادهما بقولهما: ((سبحان الله!)) التَّعَجُّب من القول المذكور بقَرِينة قوله: ((وكَبُرَ عليهما)) أي: عَظُمَ وشَقَّ. ٦٥٨ باب ١٢١ / ح ٦٢١٩ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((يَقذِفُ في قُلُوبِكُما)) كذا هنا بحذفِ المفعول، وقد سَبَقَ في الاعتكاف بلفظ: (في قُلُوبِكُمَا شَرّا)(١)، وحديث أمّ سَلَمة: استَقَظَ النبيّ ◌َِّ فقال: ((ماذا أَنْزِلَ من الفِتَنِ!» وقد تقدَّم بعض شرحه في العلم (١١٥)، وتأتي بَقيَّته في الفتن (٧٠٦٩). وقوله: ((من الخزائن)) قيل: عَبَّرَ بها عن الرَّحمة كقوله: ﴿خَزَآبِنَ رَحْمَةٍ رَبٍِّ﴾ [الإسراء: ١٠٠] كما عَبَّرَ بالفتنِ عن العذاب لأنَّها أسباب مُؤَدّيّة إليه، أو المراد بالخزائنِ إعلامه بما سيُفْتَحُ على أمَّته ٥٩٩/١٠ من الأموال بالغنائم من البلاد التي يَفتَحونَها وأنَّ/ الفتن تَنشَأ عن ذلك، فهو من جُملة ما أخبر به ممّا وَقَعَ قبل وقوعه، وقد تَعرَّضَ له البيهقيُّ في ((دلائل التُّبّة)). قوله: ((وقال ابن أبي ثَوْر)) هو عُبيد الله بن عبد الله، فذكر حديث عمر حيثُ قال: أطَلَّقْتَ نساءَك؟ قال: ((لا)) قلت: الله أكبر، وهو طَرَفٌ من حديث طويل تقدَّم موصولاً في كتاب العلم (٨٩)، وتقدَّم شرحه في كتاب النِّكاح (٥١٩١)، وقد وَرَدَت عِدّة أحاديث صحيحة في قول: ((سبحان الله)) عند التَّعَجُّب كحديث أبي هريرة: لَقِيَتِي النبيّ ◌َّهِ وأنا جُنُب، وفيه فقال: (سبحان الله، إنَّ المؤمن لا يَنْجُس)) مُنَّفَق عليه(٢)، وحديث عائشة: أنَّ امرأة سألتِ النبيّ وَيه عن غُسلها من المحيض، وفيه: قال: ((تَطَهَّري بها)) قالت: كيف؟ قال: ((سبحان الله!)) الحديث، مُتَّفَق عليه(٣)، وعند مسلم (١٦٤١) من حديث عمران بن حُصَين في قصَّة المرأة التي نَذَرَت أن تَنْحَر ناقة النبيّ وَِّ، فقال: ((سبحان الله! بئسَا جَزَيتِها))، وكلاهما من قول النبيّ ◌َّ، وفي ((الصحيحين)) أيضاً (٤) من قول جماعة من الصحابة كحديث عبد الله بن سَلَام لمَّا قيل له: إنَّك من أهل الجنَّة، قال: سبحان الله! ما ينبغي لأحدٍ أن يقول ما لا يَعلَم. تنبيه: وَقَعَ حديث صَفيَّة في رواية غير أبي ذرِّ مُؤَخَّراً آخرَ هذا الباب، والخَطْب فيه سهل، ووَقَعَ في ((شرح ابن بَطّال)) إِيراد حديث صَفيَّة المذكور عَقِبَ حديث عليّ في الباب الذي (١) في الرواية التي في الاعتكاف: ((شيئاً)، وأشار في شرحه أن رواية معمر بلفظ: شراً. (٢) البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١). (٣) البخاري (٣١٤)، ومسلم (٣٣٢). (٤) البخاري (٣٨١٣)، ومسلم (٢٤٨٤). ٦٥٩ باب ١٢٢-١٢٣ / ح ٦٢٢٠ كتاب الأدب قبله مُتَّصِلاً به، ثمَّ استَشكَلَ مُطابقتَه للتَّرجمة وقال: سألتُ المهلَّب عنه فقال: إنَّما أورَدَه لحديثِ عليّ حيثُ قال فيه: ((ليس منكم من أحد إلّ وقد فُرِغَ من مَفعَده من الجنَّة والنار)) فَقَوّاه بحديثٍ أمّ سَلَمة، أشار إلى أنَّ أقوى أسباب النار الفتنُ والعَصبيَّة فيها والتَّقاتل على المال وما يُفتَح من الخزائن. انتهى، ولم أقِفْ في شيء من نُسَخ البخاريّ على وَفْق ما نَقَلَ ابن بَطّال، وإِنَّا وَقَعَ حديث أمّ سَلَمة في باب التَّسبيحِ والتَّكبير للتَّعَجُّب، وهو ظاهرٌ فيما تَرجَمَ له مُستَغنٍ عن التَّكَلَّف، والجوابُ المذكور لا يفيد مُطابقةَ الحديث للتَرجمة، وإنَّما هو مطابق لحديثِ التَّرجمة فيما لا يَتَعلَّق بالتَّرجمة. ١٢٢ - باب النَّهي عن الخَذْف ٦٢٢٠ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، قال: سمعتُ عُقْبَةَ بنَ صُهْبانَ الأزْدِيَّ يُحدِّثُ عن عبدِ الله بنٍ مُغفَّلِ المُزَنِيِّ قال: نَهَى النبيُّ نَّهِ عن الخَذْفِ، وقال: ((إنَّهَ لا يَقتُّلُ الصَّيدَ، ولا يَنْكَأُ العَدُوَّ، وإِنَّه يَفْقَأُ العَيْنَ، ويَكْسِرُ السِّنَّ)». قوله: ((باب النَّهي عن الخَذْف)) بفتح المعجَمة وسكون الذّال المعجمة بعدها فاءٌ، تقدَّم بيانه وشرحُ الحديث في كتاب الصَّيد والذَّبائح (٥٤٧٩). ١٢٣ - باب الحمد للعاطس قوله: ((باب الحمد للعاطِسِ)) أي: مشروعيَّته. وظاهر الحديث يقتضى وجوبَه لثُبُوتٍ ٦٠٠/١٠ الأمر الصَّريح به، ولكن نَقَلَ النَّوويُّ الاتِّفاق على استحبابه، وأمَّا لفظه فنَقَلَ ابن بَطّل وغيره عن طائفة: أنّه لا یزید علی «الحمد لله)) كما في حديث أبي هريرة الآتي بعد بابینِ (٦٢٢٤)، وعن طائفة يقول: الحمد لله على كلّ حال، قال: جاء ذلك عن ابن عمر(١) وقال فيه: هكذا عَلَّمَنا رسول الله وَل﴿، أخرجه البزَّار والطبرانيّ، وأصله في التِّرمِذيّ (٢٧٣٨) (٢) وعند الطبرانيّ (٣٤٤١) من حديث أبي مالك الأشعَريّ رَفَعَه: «إذا عَطَسَ أحدكم فليقُل: الحمد لله على كلّ (١) هكذا في الأصلين على الصواب، وفي (سٍ): ((وقد جاء النهي عن ابن عمر)) وهو خطأ. (٢) لم نقف على حديث ابن عمر عند البزار، وهو عند الطبراني في «الأوسط)) (٥٦٩٨). ٦٦٠ باب ١٢٣ /ح ٦٢٢٠ فتح الباري بشرح البخاري حال))، ومثله عند أبي داود (٥٠٣٣) من حديث أبي هريرة كما سيأتي التَّنبيه عليه، وللنَّسائيِّ (ك٩٩٦٩) من حديث عليّ رَفَعَه: ((يقول العاطِس: الحمد لله على كلّ حال))، ولابنِ السُّنِّيّ (٢٥٥) من حديث أبي أيوب مِثله(١). ولأحمد (٢٣٨٥٣) والنَّسائيِّ (ك٩٩٨٤) من حديث سالم بن عُبيد رَفَعَه: «إذا عَطَسَ أحدكم فليَقُل: الحمد لله على كلّ حال، أو: الحمد لله ربّ العالمينَ))، وعن طائفة: يقول: الحمد لله رَبّ العالمينَ. قلت: وَرَدَ ذلك في حديث لابنِ مسعود أخرجه المصنّف في ((الأدب المفرد)» (٩٣٤) والطبرانيُّ (١٠٣٢٦). ووَرَدَ الجمعُ بين اللَّفْظَينِ فعنده في ((الأدب المفرَد)) (٩٢٦) عن عليّ قال: مَن قال عند عَطسةٍ سمعَها: الحمد لله رَبّ العالمينَ على كلّ حالٍ ما كان، لم يَجِد وجعَ الضّرس ولا الأُذُن أبداً، وهذا موقوف رجاله ثقات(٢)، ومثله لا يقال من قِبَل الرَّأي فله حُكم الرَّفع، وقد أخرجه الطبرانيُّ(٣) من وجه آخر عن عليّ مرفوعاً بلفظ: ((مَن بادَرَ العاطِسَ بالحمدِ، عُوفِيَ من وَجَع الخاصِرَة، ولم يَشْتَكِ ضِرْسَه أبداً) وسنده ضعيف، وللمصنَّف أيضاً في ((الأدب المفرد)) (٩٢٠) والطبرانيٌّ (١٢٢٨٤) بسندٍ لا بأس به (٤) عن ابن عبّاس قال: إذا عَطَسَ الرجل فقال: الحمد لله، قال الملك: رَبّ العالمينَ، فإن قال: رَبّ العالمينَ، قال الملك: يرحمك الله. وعن طائفة: ما زاد من الثَّاء فيما يَتَعلَّق بالحمدِ كان حسناً، فقد أخرج أبو جعفر الطَّريُّ في ((التَّهذيب)) بسندٍ لا بأس به عن أمّ سَلَمة قالت: عَطَسَ رجل عند النبيّ وَّ فقال: الحمد لله، فقال النبيّ وَّ: ((يرحمك الله)) وعَطَسَ آخر فقال: الحمد لله ربّ العالمينَ حَداً كثيراً طيِّباً مُبَارَكاً (١) وهو عند أحمد أيضاً (٩٧٤)، والترمذي (٢٧٤١). (٢) وقع في الراوي عن عليٍّ خلاف، هل هو خيثمة كما عند البخاري في ((الأدب المفرد)» ولم ينسبه، أو هو حبّة العُربي كما وقع عند ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٤٢٢/١٠، وحبة هذا فيه مقال، وإن كان المحفوظ فيه خيثمة فقد اعتبره المزي في (تهذيب الكمال)) خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، وهو ثقة. (٣) في ((الأوسط)) (٧١٤١). (٤) كذا قال، وفيه عندهما عطاء بن السائب وكان قد اختلط، ورواية الطبراني مرفوعة لكن سنده إلى عطاء ضعيف جداً.