النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
باب ٩١ / ح ٦١٥٠-٦١٥٢
كتاب الأدب
قلت: والرَّاجح عند البخاريّ الثّاني، ولذلك أدخَلَ هذا الحديث في ((باب المعاريض))، ولو
أُريدَ المعنى الأوَّل لم يكن في القوارير تعريض.
٩١ - باب هجاء المشركين
٦١٥٠ - حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثْنَا عَبْدَةُ، أخبرنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها،
قالت: استأذَنَ حسَّانُ بنُ ثابتٍ رسولَ اللهِ وَلَ فيِ هِجاءِ المشركينَ، فقال رسولُ اللهِوَّه: ((فكيفَ
بَنَسَبِي؟)) فقال حسَّانُ: لأَسُلَّنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعَرةُ منَ العَجِينِ.
وعن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، قال: ذهبتُ أسُبُّ حسَّانَ عندَ عائشةَ، فقالت: لا تَسُبَّه،
فإنَّه كان يُنافحُ عن رسولِ الله وَله.
٦١٥١ - حدَّثْنا أصبَغُ، قال: أخبرني عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ
شِهابٍ: أنَّ الهيثَمَ بنَ أبي سِنانٍ أخبَرَه: أنَّه سمعَ أبا هريرةَ في قَصَصِه يَذْكُرُ النبيَّ وَلَه يقول: ((إنَّ
أخاً لكم لا يقولُ الرَّفَثَ)) يعني بذاكَ ابنَ رواحةً قال:
وفينا رسولُ الله يَتْلو كتابَهُ إذا انشَقَّ معروفٌ منَ الفَجْرِ ساطِعُ
أرانا الهُدَى بعدَ العَمَى فقلوبُنا به مُوقِناتٌ أَنَّ ما قال واقِعُ
يَبِيتُ يُجافي جَنْبَه عن فِراشهِ إذا استَثْقَلَتْ بالكافِرِينَ المَضاجِعُ
تَابَعَه عُقَيْلٌ، عن الزُّهْريِّ.
وقال الزُّبَيدِيُّ، عن الزُّهْريِّ: عن سعيدٍ والأعرَج، عن أبي هريرةَ.
٦١٥٢ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ. وحدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني
أخي، عن سُليمانَ، عن محمَّدٍ بنِ أبي عَنِيقٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ
عَوْفٍ: أَنَّه سمعَ حسَّانَ بنَ ثابتٍ الأنصاريَّ يَسْتَشْهِدُ أبا هريرةَ، فيقول: يا أبا هريرةَ، نَشَدْتُكَ الله،
هل سَمِعتَ رسولَ اللهَوَّل يقول: ((يا حسَّانُ، أجِب عن رسولِ الله، اللهمَّ أَيِّدْه بروحِ القُدُسِ»؟
قال أبو هريرةً: نعم.

٥٦٢
باب ٩١ / ح ٦١٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
٦١٥٣ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَدِيٍّ بنِ ثابتٍ، عن البراءِ ﴾: أنَّ
النبيَّ ◌ََّ قال لحسَّانَ: ((اهْجُهم - أو قال: هاجِهم - وجِبْرِيلُ مَعَكَ)).
قوله: ((باب هِجاء المشركينَ)) الهِجاء والهَجو بمعنّى، ويقال: هَجَوتُه، ولا تَقُل: هَجَيتُه.
وأشارَ بهذه التَّرجمة إلى أنَّ بعض الشِّعر قد يكون مُستَحَبّاً، وقد أخرج أحمد (١٢٢٤٦)،
وأبو داود (٢٥٠٤)، والنَّسائيُّ (٣٠٩٦)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٤٧٠٨) من حديث أنس
رَفَعَه: ((جاهِدوا المشركينَ بألسنتِكُم»، وتقدَّم في مناقب قریش الإشارة إلى حدیث کعب
ابن مالك(١) وغيره في ذلك، وللطَّبَرانيّ(٢) من حديث عَّار بن ياسر: لمَّ هَجانا المشركونَ
٥٤٧/١٠ قال لنا رسول الله وَّرَ: ((قُولُوا لهم كما يقولون لكم)) فإن كنَّ/ لَنُعَلِّمه إماء أهل المدينة.
وذکر فیه خمسة أحاديث:
الحديث الأول والثاني: قوله: ((حدَّثنا محمَّد)) هو ابن سَلَامِ، نَسَبه أبو عليّ بن السَّكَن، وصَرَّحَ
به البخاريّ في «الأدب المفرد)» (٨٦٢)، وعَبْدة: هو ابن سليمان، وتقدَّم شرح حديث عائشة هذا
في مناقب قریش (٣٥٣١).
وقوله: ((استأذَنَ حسَّان)) وَقَعَ في طريق مُرسَلة بيان ذلك وسببه؛ فروى ابن وهب
في ((جامعه))، وعبد الرَّزّاق في ((مُصنَّفه)) من طريق محمَّد بن سِيرِين قال: هَجارَهطٌ من المشرِكِينَ
النبيّ وَّهِ وأصحابه، فقال المهاجِرونَ: يا رسول الله ألا تأمُر عليّاً فيَهجُو هؤلاءِ القوم؟ فقال:
((إنَّ القوم الذينَ نَصَروا بأيديهم أحقُّ أن يَنصُرُوا بألسِنَتِهِم)) فقالت الأنصار: أرادَنا والله.
فأرسلوا إلى حسَّان، فأقبَلَ فقال: يا رسول الله، والذي بَعَثَك بالحقِّ ما أُحِبّ أنَّ لي بمَقُولي ما بين
صَنعاء وبَصرَى، فقال: ((أنتَ لها، فقال: لا عِلْم لي بقريشٍ، فقال لأبي بكر: «أخبِرْه عنهم، ونَقِّب
له في مَثاليهم)»(٣). وقد تقدَّم بعض هذا موصولاً من حديث عائشة، وهو عند مسلم (٢٤٩٠).
(١) عند شرح الحديث (٣٥٣١)، وعزى هناك حديث كعب إلى ((مسند أحمد)) (١٥٧٩٦).
(٢) عزوه لـ((المسند)) أولى (١٨٣١٤)، وهو مفقود من ((كبير الطبراني))، وإسناده ضعيف.
(٣) لم نقع عليه في المطبوع من ((جامع ابن وهب))، ولا ((مصنف عبد الرزاق))، ولكن أخرجه ابن سعد في
((الطبقات الكبرى)) (٥٥٧٩) طبعة مكتبة الخانجي - القاهرة، والطبري في مسند عمر من ((تهذيب
الآثار)) ٦٦٠/٢/٢ -٦٦١.

٥٦٣
باب ٩١ / ح ٦١٥٣
كتاب الأدب
وقوله: (لَأَسُلَّنَّك)) أي: لأُخَلِّصن نَسَبك من هَجْوهم بحيثُ لا يَبقَى شيء من نَسَبك فيما
نالَه الهَجْو، كالشَّعَرة إذا انسَلَّت لا يَبقَى عليها شيء من العَجين.
وفي الحديث جواز سَبِّ المشرِك جواباً عن سَبِّه للمسلمينَ، ولا يعارض ذلك مُطلَق
النَّهي عن سَبِّ المشرِكينَ لئلّا يَسُبّوا المسلمينَ، لأنَّه محمول على البَداءة به، لا على مَن
أجابَ مُنتَصِراً.
وقوله في الحديث الثّاني: ((يُنافِح)) بِفاءٍ ومُهمَلة، أي: يُخَاصِم بالمدافَعة، والمنافِح: المدافع،
تقول: نافحتُه عن فلان، أي: دافعتَ عنه.
الحديث الثالث: حديث أبي هريرة في شِعْر عبد الله بن رواحة، وقد تقدَّم شرحه في قيام
اللَّيل في أواخر كتاب الصلاة (١١٥٥)، وكذا بيان مُتَابَعة عَقِيل ومَن وَصَلَها، ورواية
الزُّبَيدِيّ ومَن وصَلَها.
قال ابن بَطّال: فيه أنَّ الشِّعر إذا اشتَمَلَ على ذِكْر الله والأعمال الصالحة كان حَسَناً، ولم
يَدخُل فيما وَرَدَ فيه الذَّمّ من الشِّعر.
قال الكِرْمانيُّ: في البيت الأوَّل إشارة إلى عِلْمِه، وفي الثّالث إلى عَمَله، وفي الثّاني إلى
تَكمِیله غیرَه ◌ُّ فهو کامل مُگَمِّل.
تنبيه: وَقَعَ للجميع في البيت الثّالث: ((إذا استَقَلَت بالكافرينَ المضاجِع)) إلّا الكُشْمِيهنيّ
فقال: ((بالمشرِكِينَ))، واستثَقَلَت - بالمثلَّثة والقاف - من الثِّقَل. وزَعَمَ عِيَاض أنَّه وَقَعَ في رواية
أبي ذرّ: (استَقَلَّت)) بمُثنّة فقط وتشديد اللّام، قال: وهو فاسد الرِّواية والنَّظم والمعنى. قلت:
وروايتنا من طريق أبي ذرِّ مُتَقَنة وهي كالجادّة.
الحديث الرابع: قوله: ((وحدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس، وأخوهُ: أبو بكر، واسمه
عبد الحميد، وسُلَيمان: هو ابن بلال، ومحمَّد بن أبي عَتِيق: هو محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن
عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّدّيق، وأبو عَتِيق: كُنية جَدّه محمَّد. وقد تقدَّمَت رواية شُعَيب مُفرَدة
(٤٥٣) في ((باب الشِّعر في المسجد)) في أوائل الصلاة، وقَرَنَها هنا برواية ابن أبي عَتِيق ولفظهما

٥٦٤
باب ٩٢ / ح ٦١٥٤ - ٦١٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
واحد، إلّا أنَّه قال هناك: ((أنشدك الله هل سَمِعتَ؟))، وقال هنا: (نَشَدتُك الله))، وفي رواية
الكُشْمِيهنيّ: (نَشَدتُك بالله يا أبا هريرة))، والباقي سواء. وقد تقدَّم بيان الاختلاف على الزُّهْريّ
في شيخه في هذا الحديث هناك، وتَوجِيه الجَمْع، والإشارة إلى شرح الحديث.
وقوله: ((هل سمعتَ)) وقال في آخره: ((نعم)) يُستَفاد منه مشروعيَّة تَحمُّل الحديث بهذه
الصّیغة، وعَدَّ الُِّّ هذا الحدیث في ((الأطراف)) من مُسنَد حسَّان، وهو صريح في گَونِه من
مُسنَد أبي هريرة، ويحتمل أن یکون من مُسنَد حسّان.
الحديث الخامس: قوله: ((عن البراء: أنَّ النبيَّ وَّهِ قال لحسَّانَ)) هكذا رواه أكثر أصحاب
شُعْبة [ورواه يزيد ابن زُرَيع، عن شعبة] (١)، فقال فيه: ((عن البراء عن حسَّان)) جعله من
مُسنَد حسَّان، أخرجه النَّسائيُّ (ك٥٩٨٠)، وقد أورَدتُ هذا في ((الملائكة)) من بَدْء الخلق
(٣٢١٣) مَعزوّاً إلى التِّرمِذيّ، وهو سَهو، كأنَّ سببه التِباسُ الرَّقْم، فإنَّه للِّرمِذيِّ (ت)
وللنَّسائيِّ (ن) وهما يَلْتَبِسان، وقد تقدَّم بيان الوقت الذي وَقَعَ ذلك فيه لحسَّانَ في المغازي
في غزوة بني قُرَيظة (٤١٢٣ ٤١٢٤).
٥٤٨/١٠
٩٢ - باب ما يُكرَه أن يكون الغالبَ على الإنسان الشِّعرُ
حتّى يصدّه عن ذكر الله والعلم والقرآن
٦١٥٤ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، أخبرنا حَنْظَلةُ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما،
عن النبيِّ وََّ، قال: ((لأن يَمْتَلِئَ جَوْفُ أحدِكمْ قَيحاً خيرٌ له من أن يَمْتَلِئَ شِعْراً».
٦١٥٥ - حدّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: سمعتُ أبا صالحٍ، عن
أبي هريرةَ عُ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((لأن يَمْتَلِىَ جَوْفُ رجلٍ قَيِحاً يَرِيهِ، خيرٌّ من أن يَمْتَلِئَ
شِعْراً)).
قوله: ((باب ما يُكرَه أن يكون الغالبَ على الإنسان الشِّعْرُ حتَّى يَصُدّه عن ذِكْرِ الله والعِلْم
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س)، ولا بدَّ منه هنا، وانظر لذلك كلام الحافظ على الحديث
رقم (٣٢١٣).

٥٦٥
باب ٩٢ / ح ٦١٥٥
كتاب الأدب
والقرآن)) هو في هذا الحمل مُتابع لأبي عُبيدٍ كما سأذكره، ووجهه: أنَّ الذَّمّ إذا كان للامتلاءِ،
وهو الذي لا بَقيَّة لغيره معه، دَلَّ على أنَّ ما دونَ ذلك لا يَدخُله الذَّمَ.
ثم ذكر فيه حديث: ((لَأن يَمتَلِى جَوفُ أحدكم قَيحاً خيرٌ له من أن يَمتَلِئِ شِعراً)» من
حديث ابن عمر ومن حديث أبي هريرة. زاد أبو ذَرِّ في روايته عن الگُشْمِيهنيّ في حديث أبي
هريرة: ((حتَّى يَرِيَه))، وهذه الزّيادة ثابتة في ((الأدب المفرد)) (٨٦٠) عن الشَّيخ الذي أخرجه
عنه هنا، وكذلك رواية النَّسَفيّ، ونَسَبَها بعضهم للأَصِيلِيّ. ولِسائرِ رواة الصَّحيح: ((فَيحاً يَرِيهِ»
بإسقاطِ ((حتَّى))، وأخرجه مسلم (٢٢٥٧)، وأبو داود (٥٠٠٩)، والتِّرمِذيّ (٢٨٥١)، وابن
ماجَهْ (٣٧٥٩)، وأبو عَوَانة، وابن حِبّان (٥٧٧٧) من طرق عن الأعمَش في أكثرها: ((حتَّى
يَرِيَه))، ووَفَعَ عند الطبرانيِّ (١٣٢٢٩) من وجه آخر عن سالم عن ابن عمر بلفظ: ((حتَّى يَرِيَه))
أيضاً.
قال ابن الجَوْزيّ(١): وَقَعَ في حديث سعد عند مسلم (٢٢٥٨): ((حتَّى يَرِيَه))(٢)، وفي
حديث أبي هريرة عند البخاريّ بإسقاطِ ((حتَّى))، فعلى ثُبوتها يُقرأ: ((يَرِيه)) بالنَّصبِ، وعلى
حذفها بالرَّفع، قال: ورأيت جماعة من المبتَدِئينَ يقرؤونَها بالنَّصبِ مع إسقاط ((حتَّى)) جَرِياً
على المألوف، وهو غَلَط إذليس هنا ما يَنصِب. وذكرَ أنَّ ابن الخشَّاب نَبَّهَ على ذلك.
ووجَّهَ بعضهم النَّصب على بَدَلِ الفِعل من الفِعل، وإجراء إعراب يَمْتَلِئ على يَرِیه،
ووَقَعَ في حديث عَوف بن مالك عند الطَّحاويِّ (٢٩٥/٤)، والطبرانيِّ (١٤٤/١٨): ((لأن
يَمْتَلِئِ جَوفُ أحدكم من عانَته إلى لهاته فَيحاً يَتَخَضِخَض، خير له من أن يَمتَلِئِ شِعراً»
وسنده حسن، ووقعَ في حديث أبي سعيد عند مسلم (٢٢٥٩) لهذا الحديث سبب، ولفظه:
بينما نحنُ نَسير مع رسول الله ◌ِّه بالعَرْج، إذ عَرَضَ لنا شاعر يُنشِد، فقال: ((أمسِكوا الشَّيطان،
لأن يَمْتَلِئ ... )) فذكره.
(١) في ((كشف المشكل من حديث الصحیحین)) ٤٥٦/٣.
(٢) كذا قال ابن الجوزي رحمه الله، ولكن في المطبوع من ((صحيح مسلم)): يريه، دون لفظة ((حتى))، والله
أعلم.

٥٦٦
باب ٩٢ / ح ٦١٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
و(يَرِيَه)): بفتح الياء آخر الحروف بعدها راء ثمَّ ياء أُخرَى، قال الأصمَعيّ: هو من
الوَزْي بوزنٍ: الرَّمْي، يقال منه: رجل مَوْريٌّ، غير مَهموز، وهو أن يَوْرِي(١) جَوْفه، وأنشَدَ:
قالت له وَرْياً إذا تَنَحْنَحا
تدعو عليه بذلك. وقال أبو عُبَيد: الوَزْي: هو أن يأكل القيحُ جَوفَه(٢). وحكى ابن التِّين فيه
الفتح بوزنِ الفَرَى، وهو قول الفَرّاء، وقال ثَعَلَب: هو بالسُّكونِ المصدر، وبالفتح الاسم.
وقيل: معنى قوله: ((حتَّى يَرِيَه)) أي: يُصيب رِئَتَه، وتُعقِّبَ بأنَّ الرِّئة مَهموزة، فإذا بَنِيَتَ
منه فِعلاً قلت: رآه يَرآه فهو مَرئيّ. انتهى، ولا يَلزَم من كَون أصلها مَهمُوزاً أن لا تُستَعمَل
مُسَهَّلة، ويُقرِّب ذلك أنَّ الرِّئة إذا امتَلَأَت قَيحاً يَحصُل الهلاك.
وأمَّا قوله: ((جَوفُ أحدكُم)) فقال ابن أبي جَمْرة: يَحَتمِل ظاهرُه أن يكون المراد جَوفَه
كلَّه، وما فيه من القَلْب وغيره، ويحتمل أن يريد به القلب خاصّة وهو الأظهَر، لأنَّ أهل
الطِّبّ يَزْعُمونَ أنَّ القَيحَ إذا وَصَلَ إلى القلب شيء منه وإن كان يسيراً، فإنَّ صاحبه يموت
٥٤٩/١٠ لا مَحَالَة، بخِلَاف غير القلب ممّا في الجَوف/ من الكَبِد والرِّئة. قلت: ويُقوِّي الاحتمال الأوَّل
رواية عوف بن مالك: ((لَأن يَمتَلِئِ جَوفُ أحدِكم من عانته إلى لَهَاته)»، وتظهر مُناسَبته
للثّاني، لأنَّ مُقابِله ـ- وهو الشِّعر - محلّه القلب لأنَّه يَنشَأ عن الفِكر، وأشارَ ابن أبي جَمْرة
إلى عَدَم الفرق في امتلاء الجَوف من الشِّعر بين مَن يُنشِئه أو يَتَعانَى حِفظَه من شِعْر غيره،
وهو ظاهر.
وقوله: ((قَيحاً)) بفتح القاف وسكون التَّحتانيَّة بعدها مُهمَلة: المِدَّة لا يُخالطُها دَم.
وقوله: ((شِعراً)) ظاهره العُمُوم في كلّ شِعْر، لكنَّ مخصوص بما لم يكن مَدحاً حَقّاً كَمَدحِ الله
ورسوله، وما اشتَمَلَ على الذِّكر والزّهد وسائر المواعِظ، ثمّاً لا إفراط فيه، ويُؤيِّده حديث عَمْرو
ابن الشَّرِيد عن أبيه عند مسلم (٢٢٥٥) كما أشرت إليه قريباً.
(١) كذا وقع في أصول الفتح التي بين أيدينا ((يورى)) والذي في معاجم اللغة وكتب الغريب: ((يَدْوَى)) أي:
يصيبه الداء، وهي أوجه.
(٢) هذا التفسير نقله أبو عُبَيد في ((غريب الحديث)) ١/ ٣٥ عن أبي عبيدة معمر بن المثنى.

٥٦٧
باب ٩٢ / ح ٦١٥٥
كتاب الأدب
قال ابن بَطّال: ذكر بعضهم أنَّ معنى قوله: ((خيرٌ له من أن يَمتَلِئِ شِعرا)) يعني: الشِّعر الذي
هُجَيَ به النبيّلنَّهِ. وقال أبو عُبيد (١): والذي عندي في هذا الحديث غيرُ هذا القول، لأنَّ الذي
هُجِيَ به النبيُّ وَّ لو كان شَطَرَ بيت لكان كفراً، فكأنَّه إذا حُملَ وجه الحديث على امتلاء
القلب منه أنَّه قد رُخّصَ في القليل منه، ولكن وجهه عندي أن يَمتَلِئ قلبُه من الشِّعر حتّى يَغلِب
عليه، فيَشغله عن القرآن وعن ذِكْر الله، فيكون الغالبَ عليه، فأمَّا إذا كان القرآن والعِلم
الغالبينِ عليه فليس جَوفُه ◌ُمتَلِئاً من الشِّعر. قلت: وأخرج أبو عُبيد التَّأويل المذكور من
رواية مُجالِد عن الشَّعْبيّ مُرسَلاً، فذكر الحديث، وقال في آخره: يعني: من الشِّعر الذي هُجيَ به
النبيّ ◌َّهُ. وقد وَقَعَ لنا ذلك موصولاً من وجهَينٍ آخرَين، فعند أبي يَعْلى (٢٠٥٦) من
حديث جابر في الحديث المذكور: ((قَيحاً أو دَماً، خيرٌ له من أن يَمْتَلِئِ شِعراً هُجِيتُ به)) وفي
سنده راوٍ لا يُعرَف، وأخرجه الطَّحاويُّ (٢٩٦/٤)، وابن عَديّ (١١٩/٦) من رواية ابن
الكَلْبِيّ عن أبي صالح عن أبي هريرة مثل حديث الباب، قال: فقالت عائشة: لم يَحفَظ، إنَّما قال:
من أن يَمْتَلِئِ شِعراً هُجِيتُ به. وابن الكَلْبِيّ واهي الحديث، وأبو صالح شيخه ما هو الذي
يقال له: السَّان، المتَّفَق على تخريج حديثه في ((الصَّحيح)) عن أبي هريرة، بل هذا آخَر ضعيف،
يقال له: باذان، فلم تَثْبُت هذه الزّيادة. ويُؤيِّد تأويل أبي عُبيد ما أخرجه البَغَويُّ في ((مُعجَم
الصحابة)) (٢٠٦٩)، والحسن بن سفيان في ((مُسنَده))، والطبرانيُّ في ((الأوسط))(٢) من
حديث مالك بن عُمَير السُّلَميِّ: أنَّه شَهِدَ مع رسول الله وَلفي الفتح وغيرها، وكان شاعراً،
فقال: يا رسول الله أفتِني في الشِّعر ... فذكر الحديث، وزاد: قلت: يا رسول الله امسَحْ على
رأسي، قال: فوضَعَ يده على رأسي، فما قلتُ بيت شِعْرٍ بعد. وفي رواية الحسن بن سفيان بعد
قوله: على رأسي: ثمَّ أمّها على كَبِدي وبطني. وزاد البَغَويُّ في روايته: «فإن رابَك منه شيء
فشبِّبْ بامرأتِك، وامدَح راحلَتك)). فلو كان المراد الامتلاء من الشَّعر لما أَذِن له في شيء منه، بل
دَلَّتِ الزّيادة الأخيرة على الإذن في المباح منه.
(١) في ((الغريب)) ٣٦/١
(٢) هذا اللفظ إنما رواه في ((معجمه الكبير)) (١٩ /٦٥٥)، وهو في ((معجمه الأوسط)) (٧٤٧٨) مختصر.

٥٦٨
باب ٩٢ / ح ٦١٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
وذكر السُّهَيليُّ في غزوة ودّانَ عن ((جامع ابن وهب)) أنَّ رُويَ فيه: أنَّ عائشة رضي الله
عنها تأوَّلَت هذا الحديث على ما هُجيَ به النبيّ وَّهِ، وأنكَرَت على مَن حَمَلَه على العُمُوم
في جميع الشِّعر، قال السُّهَيليُّ: فإن قلنا بذلك فليس في الحديث إلّ عَيبُ امتلاء الجَوف
منه، فلا يَدخُل في النَّهي رواية اليَسِير على سبيل الحكاية، ولا الاستشهاد به في اللُّغة. ثمّ
ذكر استشكال أبي عُبيد، وقال: عائشة أعلم منه، فإِنَّ الذي يَروي ذلك على سبيل
الحكاية لا يَكفُر، ولا فرقَ بينه وبين الكلام الذي ذَمّوا به النبيّ ◌َِّ. وهذا هو الجواب
عن صنيع ابن إسحاق في إيراده بعضَ أشعار الكفرة في هَجْو المسلمينَ، والله أعلم.
واستَدَلَّ بتأويلِ أبي عُبيد على أنَّ مفهوم الصِّفة ثابت باللُّغة، لأنَّه فهمَ منه أنَّ غير الكثير
من الشِّعر ليس كالكثير، فخُصَّ الذَّمَّ بالكثير الذي دلَّ عليه الامتلاء دونَ القليل منه، فلا
يَدخُل في الذَّمَ.
وأمَّا مَن قال: إنَّ أبا عُبيد بَنَى هذا التَّأويل على اجتهاده، فلا يكون ناقلاً للُّغة، فجوابه:
٥٥٠/١٠ أنَّهِ إِنَّمَا فَسَّرَ حديث النبيّ وَّهِ في كتابه على ما تَلَقَّفَه من لسان العرب/ لا على ما يَعرِض في
خاطِرِه، لما عُرِفَ من تَحُّزه في تفسير الحديث النبويّ.
وقال النَّوويّ: استَدلَّ به [بعض العلماء](١) على كراهة الشِّعر مُطلَقاً، وإن قَلَّ وإن سَلمَ من
الفُحْش، وتَعلَّقَ بقوله في حديث أبي سعيد: ((خُذوا الشَّيطان))(٢). وأُجيبَ باحتمال أن يكون
كافراً، أو كان الشِّعر هو الغالبَ عليه، أو كان شِعْره الذي يُنشِده إذ ذاكَ من المذموم، وبالجملة
فهي واقعة عين يَتَطَرَّق إليها الاحتمال ولا عُمُوم لها، فلا حُجّة فيها.
وألْحَقَ ابنُ أبي جَمْرة بامتلاءِ الْجَوْف بالشِّعرِ المذموم حتَّى يَشغَلَه عمَّا عَدَاه من الواجبات
والمستَحَبّات: الامتلاءَ من السَّجع مثلاً، ومن كلِّ عِلم مذموم كالسِّحرِ، وغيرَ ذلك من
العلوم التي تُقَسّي القلب، وتَشغله عن الله تعالى، وتُحدِث الشُّكوك في الاعتقاد، وتُفضِي به
إلى التَّبَاغُضِ والتَّنَافُس.
(١) ما بين معقوفين لم يرد في أصول ((الفتح))، واستدركناه من ((شرح النووي على صحيح مسلم).
(٢) ذكره الحافظ قريباً في بدايات شرح هذا الباب.

٥٦٩
باب ٩٣ / ح ٦١٥٦- ٦١٥٧
كتاب الأدب
تنبيه: مُناسَبة هذه المبالَغة في ذَمّ الشِّعر: أنَّ الذينَ خُوطِبوا بذلك كانوا في غاية الإقبال
عليه والاشتغال به، فَزَجَرَهم عنه ليُقَبِلوا على القرآن وعلى ذِكْر الله تعالى وعِبادَته، فمَن أخَذَ من
ذلك ما أُمِرَ به لم يَضُرّه ما بَقِيَ عنده ممَّاً سوى ذلك، والله أعلم.
٩٣ - باب قولِ النبيِّ وَّ: ((تَرِبَت يَمِينُكِ))، و («عَقْری حَلْقی)»
٦١٥٦ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن
عائشةَ، قالت: إنَّ أَفَلَحَ أخا أبي القُعَيسِ استَأذَنَ عليَّ بعدَما نزلَ الحِجابُ، فقلتُ: والله لا آذَنُ
له حتَّى أستَأذِنَ رسولَ الله ◌َّةِ، فإنَّ أخا أبي القُعَيسِ ليس هو أرضَعَتي، ولكن أرضَعَتْني امرأةٌ
أبي القُعَيسِ، فَدَخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ وَلَه فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ الرجلَ ليس هو أرضَعَني، ولكن
أرضَعَتْني امرأتُه. قال: (اتْذَني له فإنَّه عَمُّكِ، تَرِبَت يَمِينُكِ)).
قال عُرْوةُ: فبذلك كانت عائشةُ تقولُ: حَرِّموا منَ الرَّضاعةِ ما يَجِرُمُ منَ النَّسَبِ.
٦١٥٧ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبٌ، حدَّثنا الحَكَمُ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةَ
رضي الله عنها قالت: أرادَ النبيُّ نَّهِ أن يَنْفِرَ، فَرَأى صَفِيَّةَ على باب خِبائها كَتِيبةً حَزِينةً،
لأنَّها حاضَت، فقال: ((عَقْرَى حَلْقَى - لُغةُ قُرَيشٍ - إنَّكِ لَحَابسَتُنا)) ثمّ قال: ((أكنتٍ
أَفَضْتِ يومَ النَّحْرِ؟)) يعني: الطَّوافَ، قالت: ((نعم)) قال: ((فانفِري إذا).
قوله: ((باب قول النبيّ ◌َّهَ: تَرِبَت يَمِينُك، وعَقْرَى حَلْقَى)) ذكر فيه حديثَينِ لعائشة مُقدِّماً
فيهما ما تَرجَمَ به.
أحدهما: حديثها في قصَّة أبي القُعَيسِ في الرَّضاعة، وقد تقدَّم شرحه في كتاب النِّكاح في
((باب الأكْفاء في الدِّين)) في شرح حديث أبي هريرة (٥٠٩٠): ((تُنكَح المرأة لأربعٍ)) الحديث.
قال ابن السِّيت: أصل تَرِبَت: افتَقَرَت، ولكنَّها كلمة تُقالُ/ ولا يُرادُ بها الدُّعاء، وإنَّما أراد ٥٥١/١٠
التَّحريض على الفِعل المذكور، وأنَّه إن خالَفَ أساءَ. وقال النَّحّاس: معناه: إن لم تَفْعَل لم يَحَصُّل
فِي يَدَيك إلّا التُراب. وقال ابن كَيْسانَ: هو مَثَلٌ جَرَى على أنَّه إن فاتَك ما أمَرِتُك به افتَقَرت إليه،
فكأنَّه قال: افتَقَرت إن فاتَك، فاختَصَرَ. وقال الدّاووديُّ: معناه افتَقَرت من العلم. وقيل: هي

٥٧٠
باب ٩٤ / ح ٦١٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
كلمة تُستَعمَل في المدح عند المبالَغة، كما قالوا للشّاعرِ: قاتَلَه الله لقد أجادَ، وقيل غير ذلك
مما تقدَّم بيانه في حديث أبي هريرة.
ثانيهما: حديثها في قصَّة صَفيَّة لمَّا حاضَت في الحجّ، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الحجّ
(١٧٦٢) في ((باب إذا حاضَتِ المرأة بعدَما أفاضَت))، وضَبَطَه أبو عُبيد في ((غريب الحديث))
بالقصرِ وبالتّنوين، وذكر في ((الأمثال)) أنَّه في كلام العرب بالمدِّ، وفي كلام المحدِّثينَ بالقصر.
وقال أبو عليّ القاليّ: هو بالمدِّ وبالقصرِ معاً، قالوا: والمعنى: عَقَرَها الله وحَلَقَها، وفيه من القول
نحو ما تقدَّم في ((تَرِبَت)).
٩٤ - باب ما جاء في زعموا
٦١٥٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن أبي الَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ الله، أنَّ
أبا مُرّةَ مولى أمّ هانئ بنت أبي طالبٍ أخبَرَه، أنَّه سمعَ أَمَّ هانئ بنتَ أبي طالبٍ تقولُ: ذهبتُ إلى
رسولِ اللهِوَهِ عامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغتَسِلُ وفاطمةُ ابنَتُهُ تَسْتُرُه، فسَلَّمْتُ عليه، فقال: ((مَن
هذه؟)) فقلتُ: أنا أمّ هانئ بنتُ أبي طالبٍ، فقال: ((مَرْحباً بأُمِّ هاني)) فلمَّا فَرَغَ من غُسْلِهِ قامَ
فصَلَّى ثمانيَ رَكَعاتٍ مُلْتَحِفاً في ثوبٍ واحدٍ، فلمَّ انصَرَفَ قلتُ: يا رسولَ الله، زَعَمَ ابنُ أمّي أَّه
قائلٌ رجلاً قد أجَرْتُه، فلانُ ابنُ هُبَيرةَ، فقال رسولُ الله وَّةِ: ((قد أجَرْنا مَن أجَرْتِ يا أمَّ هانئ)»
قالت أمُّ هاني: وذاكَ ضُخّی.
قوله: «باب ما جاء في زعموا» کانّه یشیر إلی حدیث أبي قلابةً قال: قيلَ لأبي مسعود: ما
سمعتَ رسول الله وَل﴿ يقول في زَعَموا؟ قال: بئسَ مَطيَّة الرجل. أخرجه أحمد (١٧٠٧٥)،
وأبو داود (٤٩٧٢) ورجاله ثقات، إلّا أنَّ فيه انقطاعاً. وكأنَّ البخاريّ أشارَ إلى ضَعْف هذا
الحديث بإخراجِه حديث أمّ هانئ، وفيه قولها: ((زَعَمَ ابن أمّي))، فإنَّ أمّ هانئ أطلقَت ذلك
في حقّ عليٍّ ولم يُنكِرِ عليها النبيّ ◌َّه. والأصل في زَعَم أنَّها تُقالُ في الأمر الذي لا يوقَّف على
حقيقته.
وقال ابن بَطّال: معنى حديث أبي مسعود: أنَّ مَن أكثرَ من الحديث بما لا يَتَحقَّق صِحَّته لم

٥٧١
باب ٩٥ / ح ٦١٥٩- ٦١٦٣
كتاب الأدب
يُؤمن عليه الكذب. وقال غيره: گَثُرَ استعمال الّعم بمعنى القول، وقد وقعَ في حدیث ضِمام
ابن ثعلبة الماضي في کتاب العلم: زَعَمَ رسولك(١)، وقد أکثر سيبويه في کتابه من قوله في أشياء
يَرْتَضِيها: زَعَمَ الخليل.
٩٥ - باب ما جاء في قول الرّجل: وَيْلَك
٦١٥٩ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا همَّامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ النبيَّ وَيه
رَأى رجلاً يَسوقُ بَدَنَةً، فقال: ((اركَبْها)) قال: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قال: ((اركَبْها)) قال: إنَّهَا بَدَنةٌ، قال:
((اركَبْها، ويْلَكَ)).
٦١٦٠ - حدّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، عن مالكِ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾.
أنَّ رسولَ اللهِ وَهَا رَأى رجلاً يَسوقُ بَدَنةً، فقال له: ((اركَبْها)) قال: يا رسولَ الله، إنَّهَا بَدَنَةٌ، قال: ٥٥٢/١٠
((اركَبْها ويلَكَ)) في الثّانيةِ أو في الثّالثةِ.
٦١٦١ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حَمَّادٌ، عن ثابتِ البُنائيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ. وأيوبَ، عن أبي
قِلابةَ، عن أنسِ بنِ مالكِ قال: كان رسولُ اللهَ وَّهِ فِي سَفَرٍ، وكان معه غلامٌ له أسوَدُ - يقال له:
أَنْجَشةُ - تَخْدو، فقال له رسولُ اللهِ: ((ويحَكَ يا أَنْجَشةُ، رُوَيدَكَ بالقَوارِير)).
٦١٦٢- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن خالدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي
بَكْرةَ، عن أبيه، قال: أَثْنَى رجلٌ على رجلٍ عندَ النبيِّ ◌َةِ، فقال: «ويلَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ أخِيك
- ثلاثاً - مَن كان منكم مادحاً لا محالةَ، فَلْيَقُل: أحسِبُ فلاناً، واللهُ حَسِيبُه، ولا أُزَّي على الله
أحداً، إن كان يَعْلَم)).
٦١٦٣ - حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا الوليدُ، عن الأوْزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن
أبي سَلَمَةَ والضَّحّاكِ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ، قال: بينا النبيُّ ◌َّهِ يَقْسِمُ ذاتَ يومٍ قِسْماً، فقال
ذو الخُوَيصِرَةِ - رجلٌ من بني تَمِيم -: يا رسولَ الله، اعْدِلْ، قال: ((وَيَلَكَ، مَن يَعْدِلُ إذا لم
أعدِلْ؟!)) فقال عمرُ: اثْذَنْ لي فلأضْرِبْ عُنُقَه، قال: ((لا، إنَّ له أصحاباً نَحِقِرُ أحدُكم صلاته معَ
(١) هذا اللفظ لمسلم (١٢)، وهو في البخاري (٦٣) بلفظ آخر.

٥٧٢
باب ٩٥ / ح ٦١٦٤-٦١٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
صلاتهم، وصيامَه معَ صيامِهِم، يَمْرُقونَ منَ الدِّينِ كمُروقِ السَّهْمِ منَ الرَّمِيَّةِ، يُنظَرُّ إلى نَصْلِهِ
فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، ثمَّ يُنظَرُ إلى رِصافِهِ فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، ثمَّ يُنظَرُّ إلى نَضِيِّه فلا يُوجَدُ فيه
شيءٌ، ثمَّ يُنظَرُّ إلى قُذَذِه فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ، يَخْرُجونَ على حِينِ فُرْقةٍ منَ
الناسِ، آيْتُهم رجلٌ إحدَى يَدَيهِ مِثلُ ثَدْيِ المرأةِ - أو مِثْلُ البَضْعَةِ - تَدَرْدَر)).
قال أبو سعيدٍ: أشهَدُ لَسمِعْتُهُ منَ النبيِّ ◌َّه وأشهَدُ أَنّي كنتُ معَ عليّ حينَ قاتَلهم، فالتُمِسَ في
القتلَى، فَأَتِيَ به على النَّعْتِ الذي نَعَتَ النبيُّ ◌ِله.
٦١٦٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتلِ أبو الحسنِ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا الأوزاعيُّ، قال: حذَّثني
ابنُ شِهابٍ، عن مُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ ﴾: أنَّ رجلاً أتى رسولَ الله وَال﴿ فقال: يا
رسولَ الله هَلَكْتُ، قال: ((ويَحَكَ)) قال: وقَعْتُ على أهلي في رمضانَ، قال: ((أعتِقِ رَقَبةً)) قال: ما
أجِدُها، قال: ((فصُم شَهْرَينِ مُتَتَابعَينٍ)) قال: لا أستَطِيعُ، قال: ((فأطْعِم ◌ِتِّينَ مِسْكينا)) قال: ما أجِدُ،
فَأَتِيَ بِعَرَقٍ، فقال: ((خُذْه، فَتَصَلَّق به)) فقال: يا رسولَ الله، أعلى غيرِ أهلي؟ فوالّذي نفسي بيده ما
بينَ طُنْبَيِ المدينةِ أحوَجُ منّي. فضَحِكَ النبيُّ ◌َّهِ حَتَّى بَدَت أَنْيابُه، وقال: ((خُذْه)).
تابَعَه يونس، عن الزُّهْريِّ.
وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالدٍ، عن الزُّهْريِّ: ((ويلَكَ)).
٦١٦٥ - حدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرّحمنِ، حدَّثنا الوليدُ، حدَّثنا أبو عَمرِو الأوزاعيُّ، قال:
حذَّثني ابنُ شِهابِ الزُّهْريُّ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ اللَّينِيِّ، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ﴾: أنَّ أعرابياً
قال: يا رسولَ الله، أخبِرْني عن الهِجْرةِ؟ فقال: ((ويحَكَ، إنَّ شأنَ الهِجْرةِ شديدٌ، فهل لكَ من
إِيلٍ؟)) قال: نعم، قال: ((فَهَل تُؤَدّي صَدَقَتَها؟)) قال: نعم، قال: ((فاعْمَلْ من ورَاءِ البِحار، فإنَّ الله لن
يَتِرَكَ مِن عَمَلِكَ شيئاً».
٦١٦٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا خالدُ بنُ الحارثِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن واقِدٍ
ابنِ محمَّدِ بنِ زيدٍ، سمعتُ أبي، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّه قال: ((وَيلَكم - أو
ويحكم، قال شُعْبةُ: شَكَّ هو - لا تَرْجِعوا بَعْدي كفَّاراً يَضْرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ».
أ

٥٧٣
باب ٩٥ / ح ٦١٦٧
كتاب الأدب
وقال النَّضْرُ، عن شُعْبَةَ: ((ويُحَكُمْ)).
وقال عمرُ بنُ محمَّدٍ، عن أبيه: ((ویلَكُم، أو ويحَكُم)).
٦١٦٧ - حدَّثنا عَمْرو بنُ عاصم، حدَّثنا همَّامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ: أنَّ رجلاً من أهلِ
البادِيةِ أتى النبيَّ ◌َّهِ، فقال: يا رسولَ الله، متى الساعةُ قائمةٌ؟ قال: ((ويلَكَ، وما أعدَدْتَ لها؟»
قال: ما أعدَدْتُ لها إلا أنّي أُحِبُّ اللهَ ورسولَه، قال: ((إِنَّكَ مِعَ مَن أحبَيْتَ)) فقُلْنا: ونحنُ كذلك؟
قال: ((نعم)) ففَرِحْنا يومَئذٍ فَرَحاً شديداً، فمَّ غلامٌ للْمُغِيرةِ - وكان من أقراني - فقال: ((إن أُخْرَ
هذا فلم يُدْرِكْه الهرَمُ حتَّى تقوم الساعة».
واخْتَصَرَهِ شُعْبةُ، عن قَتَادَةَ، سمعتُ أنساً، عن النبيِّ وَّ.
قوله: ((باب ما جاء في قول الرجل: وَيْلك)) تقدَّم شرح هذه الكلمة في كتاب الحجّ عند ٥٥٣/١٠
شرح أوَّل أحاديث الباب (١٦٨٩)، وقد قيل: إنَّ أصل ((ويل)): وي، وهي كلمة تأوُّه، فلمَّا كَثُرَ
قولهم: وي لفلانٍ، وصَلوها باللّام وقَدَّروها أنَّها منها، فأعرَبوها.
وعن الأصمَعَيّ: ويل للتَّقبيح على المخاطَب فِعْله. وقال الرَّاغِب(١): ويل قُبُوح، وقد
تُستَعمَل بمعنى التَّحَسُّر، وويح: تَرَخُّم، ووَيْس استصغار، وأمَّا ما وَرَدَ ((ويُلِّ وادٍ فِي جَهَنَّم)) فلم
يُرِد أنَّه معناه في اللُّغة، وإنَّما أراد: مَن قال الله ذلك فيه فقد استَحقَّ مَقَرّاً من النار.
وفي كتاب ((مَن حدَّث ونَسِيَ)) عن مُعتَمِر بن سليمان قال: قال لي أبي: أنتَ حَدَّثَنِي عنِّي
عن الحسن قال: وَيْح كلمة رحمة. وأكثر أهل اللّغة على أنَّ وَيْل كلمة عذاب، ووَيْح كلمة رحمة.
وعن الیزیديّ: هما بمعنی واحد، تقول: ویح لزیدٍ، وویل لزیدٍ، ولَك أن تَنصِبهما بإضمار فِعْل
كأَنَّك قلت: ألزَمَه الله ويلاً أو ويجاً.
قلت: وتَصَرُّف البخاريّ يقتضى أنَّه على مذهب اليزيديّ في ذلك، فإنَّه ذکر في بعض
الأحاديث في الباب ما وَرَدَ بلفظ: (ويل)) فقط، وما وَرَدَ بلفظ: ((ويح)) فقط، وما وَقَعَ التردُّد
(١) هذا التفسير للأصمعي، وليس للراغب، فقد نسبه إليه الراغب نفسه في ((المفردات)) ص٨٨٨، كما عزته
للأصمعي بعض كتب التفسير والغريب.

٥٧٤
باب ٩٥ / ح ٦١٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
فيهما، ولعلَّه رَمَزَ إلى تضعيف الحديث الوارد عن عائشة: أنَّ النبيَّ وَ لّ قال لها في قصَّة: ((لا
تَجَزَعي من الويح فإنَّه كلمة رحمة، ولكنِ اجزَعي من الويل)) أخرجه الخَرائطيّ في ((مَساوِئ
الأخلاق)) (٨٥٣) بسندٍ واهٍ، وهو آخر حدیث فیه.
وقال الدّاووديُّ: وَيْل ووَيْح ووَيْس كلمات تقولها العرب عند الذَّمّ، قال: وويح
٥٥٤/١٠ مأخوذ من الحُزْن، ووَيْس من الأسَى وهو الحزن. وتَعقَّبَه ابن التِّين: بأنَّ أهل اللُّغة/ إنَّما
قالوا: ويل كلمة تُقالُ عند الحزن. وأمَّا قول ابن عَرَفة: الويل: الحزن، فكأنَّه أخَذَه من أنَّ
الدُّعاء بالويلِ إِنَّما يكون عند الحزن.
والأحاديث التي ساقَها المؤلِّف رحمه الله هنا، فيها ما اختَلَفَ الرُّواة في لفظه هل هي ويل أو
ويح، وفيها ما تَرَدَّدَ الراوي فقال: ويل أو ويح، وفيها ما جَزَمَ فيه بأحدِهما، ومجموعها يدلّ على
أنَّ كلَّ منهما كلمة تَوجّع يُعرَف هل المراد الذَّمّ أو غيره من السّياق، فإنَّ في بعضها الجزم بويلٍ
وليس حمله على العذاب بظاهرٍ. والحاصل أنَّ الأصل في كلّ منهما ما ذُكِرَ، وقد تُستَعمَل إحداهما
موضع الأُخرَى. وقوله: وَيْس مأخوذ من الأسَى مُتَعقَّبٌ، لاختلاف تصريف الكَلِمِتَينِ.
وذكر المصنف فى الباب تسعة أحاديث تقدمت كلها:
الحديث الأول والثاني: لأبي هريرة وأنس في قوله وَّهِ لسائقٍ(١) البَدَنة: ((اركَبها، ويْلَك)) هذا
لفظ أنس، زاد في رواية أبي هريرة: ((في الثانية، أو في الثالثة))، وقد تقدم شرحه (١٦٨٩ و١٦٩٠)
في ((باب ركوب البُدْن)) من كتاب الحج، وما وقع في حديث أنس من اختلاف ألفاظه في قوله:
ثلاثاً، أو في الثالثة، أو الرابعة، وهل قال له: ويلك أو ويحك؟
الحديث الثالث: حديث أنس في قصَّة أنجشة، وقد تقدَّم شرحه قريباً (٦١٤٩) قبل أربعة
أبواب.
الحديث الرابع: حديث أبي بَكْرة: ((أثْنَى رجل)) وفيه: ((ويلك قَطَعتَ عُنُق أخيك)) وقد تقدَّم
شرحه (٦٠٦١) في ((باب ما يُكرَه من التَّادُح)).
(١) في الأصلين: لراكب، والمثبت من (س) وهو أوجه.

٥٧٥
باب ٩٥ / ح ٦١٦٧
كتاب الأدب
الحديث الخامس: حديث أبي سعيد في قصَّة ذي الخُوَيصِرة، وقوله: يا رسول الله اعدِل،
قال: ((ويلك مَن يَعِدِلُ إذا لم أعدِل؟)) وقد تقدَّم بعض شرحه في علامات النَّة (٣٦١٠)، وفي
أواخر المغازي (٤٣٥١)، ويأتي تمامه في استتابة المرتدِّينَ (٦٩٣٣).
وقوله هُنا: ((على حِينِ فُرِقَةٍ)) بالحاءِ المهمَلة المكسورة والنّون، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ:
((خَيْر فِرِقَة)) بخاءٍ مُعجمة وراء.
والضَّحّاك المذكور في السَّنَد: هو ابن شُرَحبيل المِشْرَقي بكسر الميم وسكون المعجَمة
وفتح الرَّاء: منسوب إلى بطن من هَمْدانَ.
الحديث السادس: حديث أبي هريرة في الذي وَقَعَ على امرأته في رمضان، وقد تقدَّم
شرحه في كتاب الصيام (١٩٣٦)، وأورَدَه هنا لقولِه في بعض طرقه: ((فقال: ويلك)) كما
سأُبِّئُ.
وقوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك.
وقوله: ((أخبرنا الأوزاعيُّ قال: حَدَّثني الزُّهْريّ)) فيه رَدٌّ على من أعَلَّ هذه الطَّريق بأنَّ
الأوزاعيَّ لم يسمعه من الزُّهْريّ لرواية عُقْبة بن عَلْقمة له عن الأوزاعيِّ قال: ((بَلَغَني عن
الزُّهْريّ)»، هكذا رُوِّيناه في الجزء الثّاني من حديث أبي العبَّاس الأصَمّ، وعُقْبة لا بأس به،
فيحتمل أن يكون الأوزاعيُّ لَقِيَ الزُّهْريّ، فحدثه به بعد أن كان بَلَغَه عنه، فحدَّث به على
الوجهَین.
وقوله: ((ما بين طُنْبَي المدينة)) بضمِّ الطاء المهمَلة وسكون النُّون بعدها موحّدة: تثنية طُنْب،
أي: ناحيَتَي المدينة، قال ابن التِّين: ضُبِطَ في رواية الشَّيخ أبي الحسن: بفتحَتَينٍ، وفي رواية
أبي ذرِّ: بضمَّتَين، والأصل: ضَمُّ النُّون وتُسكّن تخفيفاً، وأصل الطُّنب، الحبل للخَيمة، فاستُغيرَ
للطَّرَفِ من الناحية.
وقوله: ((أحوَج مِنِّي)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أَفْقَر)).
وقوله في آخره: ((وقال: خُذْه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ثمَّ قال: أطعِمْه أهلك)).

٥٧٦
باب ٩٥ / ح ٦١٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((تابَعَه يونس)) يعني: ابن يزيد ((عن الزُّهْريّ)) يعني: بسندِه في قوله: «فقال: ويحكَ،
قال: وَقَعتُ على أهلي))، وهذه المتابعة وَصَلَها البيهقيُّ (٢٢٤/٤) من طريق عَنَبَسةً بن خالد
عن يونس بن يزيد عن الزُّهْريّ بتمامه، وقال في روايته: ((فقال: ويحك، وما ذاكَ؟)).
قوله: ((وقال عبد الرَّحمن بن خالد، عن الزُّهْريّ: ويلك)) يعني: بدلَ قوله: ((ويحك))، وهذا
التَّعليق وَصَلَه الطَّحاويُّ (٦٠/٢) من طريق اللَّيث، حدَّثني عبد الرّحمن بن خالد عن ابن
شِهاب الزُّهْريّ بسنده المذكور فيه: فقال: مالَكَ ويلك؟ قال: وقَعت على أهلي.
الحديث السابع: حديث أبي سعيد من رواية الوليد: هو ابن مسلم.
قوله: (أخبِرْني عن الهِجْرة، قال: ويحك، إنَّ الهِجْرة شأنها شديد)) الحديث، وقد تقدَّم (٣٩٢٣)
في ((باب الهجرة إلى المدينة))، وأنَّ الهجرة كانت واجبةً على أهل مَكّة على الأعيان قبل فتح مَكّة،
٥٥٥/١٠ فكان/ النبيّ وَّهِ يُحذّرهم من شِدّة الهجرة ومُفارَقة الأهل والوَطَن، وقد تقدَّم شرح حديثه ◌ِلُ
«لا هجرة بعد الفتح» (٢٨٢٥ و ٣٩٠٠)
وقوله: ((من وراء البِحار)) بِموخَّدةٍ ثمَّ مُهمَلة للأكثر، أي: من وراء القُرَى، والقرية يقال لها:
البَحْرة لاتِّساعِها، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: بمُئنّةٍ ثمَّ جیم وهو تصحيف.
وقوله: ((لن يَتركَ)) بفتح أوَّله وسكون ثانيه: من التَّرْك والكاف أصليَّة، وبفتح أوَّله وكسر
ثانيه ونصبِ الرَّاء وفتح الكاف، أي: لن يُنقِصَك.
الحديث الثامن: حديث ابن عمر.
قوله: ((قال: ويلكم - أو ويحكم، قال شُعْبة: شَكَّ هو-)) يعني: شيخه واقد بن محمَّد.
قوله: ((وقال النَّضْر)) هو ابن شُمَيلِ، ((عن شُعْبة)) يعني: بهذا السَّنَد. ((ويحكُمْ)) يعني: لم
يَشُكّ.
قوله: «وقال عمر بن محمَّد» هو أخو واقد المذكور.
قوله: ((عن أبيه)) هو محمّد بن زَيْد بن عبد الله بن عُمَر عن جَدّه ابن عمر. ((ويلكم، أو
ويحكُمْ)) يعني: مِثل ما قال أخوه واقد، فدلَّ على أنَّ الشكّ فيه من محمّد بن زيد، أو ممَّن فوقه،

٥٧٧
باب ٩٥ / ح ٦١٦٧
كتاب الأدب
وقد تقدَّمَت طريق عمر هذه موصولة في أواخر المغازي (٤٤٠٢) من طريق ابن وهب عنه،
وتقدَّم حديث ابن عمر هذا (٦٠٤٣) من وجه آخر عن ابن عمر مُطوَّلاً في ((باب قوله: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ﴾))، ويأتي شرحه في كتاب الفتن (٧٠٧٧) إن شاء الله تعالى.
الحديث التاسع: قوله: ((همَّم، عن قَتَادةَ، عن أنس)) صَرَّحَ شُعْبة في روايته عن قَتَادة بسماعِه له
من أنس، ویأتي بیانه عَقِبَ هذا.
قوله: ((أنَّ رجلاً من أهل البادية)) في رواية الزُّهْريّ عن أنس عند مسلم (٢٦٣٩/ ١٦٢):
أنَّ رجلاً من الأعراب، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس عنده (٢٦٣٩ / ١
نحوه، وفي رواية سالم بن أبي الجَعْد الآتية في كتاب الأحكام (٧١٥٣) عن أنس: بينما أنا
والنبيُّ ◌َّهِ خَارِجَينٍ من المسجد، فَلَقِيَنا رجل عند سُدّة المسجد، وقد بيَّنتُ في مناقب عمر
(٣٦٨٨): أنَّه ذو الخويصرة اليَمَانيّ الذي بالَ في المسجد، وأنَّ حديثه بذلك مُخرَّج عند
الدّارَ قُطْنِيِّ (٤٧٨)، وأَنَّ مَن زَعَمَ أنَّه أبو موسى أو أبو ذَرِّ فقد وهِمَ، فإنَّهما وإن اشتَرَكا في
معنى الجواب وهو أنَّ المرء مع مَن أحَبَّ، فقد اختَلَفَ سؤالهما، فإنَّ كلَّا من أبي موسى وأبي ذرِّ
إِنَّمَا سألَ عن الرجل يُحِبّ القوم ولم يَلحَق بهم، وهذا سألَ: متى الساعة.
قوله: ((مَتَى الساعة قائمة)) يجوز فيه الرَّفع والنَّصب. وفي رواية حمّاد بن سَلَمة عن ثابت
عن أنس عند مسلم: ((مَتَى تقوم الساعة؟)) (١) وكذا في أكثر الرِّوايات.
قوله: («ويلك، وما أعْدَدْتَ لها؟ قال: ما أعْدَدْتُ لها)) زاد مَعمَر عن الزّهْريّ عن أنس عند
مسلم (٢٦٣٩ / ١٦٢): من كثير عَمَل أحمدُ عليه نفسي، وفي رواية سفيان عن الزُّهْريّ عند
مسلم: فلم يَذكُر كثيراً، وفي رواية سالم بن أبي الجَعْد المذكورة: فكأنَّ الرجل استَكان ثمَّ قال: ما
أعدَدتُ من كبير صلاةٍ ولا صوم ولا صَدَقة.
قوله: ((إلّا أنّ أُحِبّ الله ورسوله)) قال الكِرْمانيُّ: هذا الاستثناء يحتمل أن يكون مُتَّصِلاً،
وأن يكون مُنقَطِعاً.
(١) رواية مسلم (٢٦٣٩) (١٦٣) هي من طريق حماد بن زيد لا ابن سلمة، ولفظها: ((متى الساعة؟)).

٥٧٨
باب ٩٥ / ح ٦١٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «إنَّك مع مَن اخْبَيْت)) أي: مُلحَق بهم حتَّى تکون من زُمرَتهم، وبهذا یندَفِع إيراد
أنَّ منازِلهم مُتَفاوتة، فكيف تَصِحّ المعيَّة؟ فيقال: إنَّ المعيَّة ◌َحصُل بمُجرَّدِ الاجتماع في شيء
ما، ولا تَلزَم في جميع الأشياء، فإذا اتَّفَقَ أنَّ الجميع دخلوا الجنَّة صَدَقَتِ المعيَّة، وإن
تَفاوتَتِ الدَّرَجات، ويأتي بَقِيَّة شرحه في الباب الذي بعده.
قوله: ((فقُلْنا: ونحنُ كذلك؟ قال: نعمْ)) هذا يُؤيِّد ما بَّنْتُ به المعيَّة، لأنَّ دَرَجات الصحابة
مُتَفاوتة.
قوله: ((ففَرِحْنا شديداً(١)» في رواية أُخرى عن أنس: «فلم أرَ المسلمينَ فِرِحوا فرَحاً أشدَّ
منه)).
قوله: ((فمرَّ غلام للمغيرة)) في رواية مسلم (١٣٩/٢٩٥٣): ((للمغيرة بن شُعْبة)) أخرجه
من رواية عَفّانَ عن همَّام قال: ((مَرَّ غلام))، ولم يَذكُر ما قبله من هذه الطَّريق.
قوله: ((وكان من أقراني)) أي: مِثْلي في السِّنّ، قال ابن التِّين: القَرْن: المثل في السِّنّ، وهو
بفتح القاف، وبكسرها: المثل في الشّجاعة، قال: وفَعَل - بفتح أوَّله وسكون ثانیه - إذا كان
٥٥٦/١٠ صحيحاً لا يُجمَع على أفعال، إلّا ألفاظاً لم يَعُدّوا هذا فيها. ووَقَعَ/ في رواية معبد بن هلال
عند مسلم (١٣٨/٢٩٥٣) عن أنس: ((وذلك الغلام من أترابي يومَئذٍ)) والأتراب: جمع
تِرْب بكسر المثنّة وسكون الرَّاء بعدها موخَّدة، وهم المتماثلون، شُبِّهوا بالتَّرائبِ التي هي
ضُلُوع الصدر. ووَقَعَ في رواية الحسن عن أنس في آخره: ((وأنا يومَئذٍ بعدُ غلام))، قال ابن
بَشْكُوال: اسم هذا الغلام محمَّد، واحتَجَّ بما أخرجه مسلم (١٣٧/٢٩٥٣) من رواية حمّاد
ابن سَلَمة عن ثابت عن أنس: أنَّ رجلاً سألَ النبيّ وَّ: متى تَقُوم الساعة؟ وغلامٌ من الأنصار
يقال له: محمَّد ... الحديث، قال: وقيل: اسمه سعد. ثمَّ أخرج (٢٣٦/١ -٢٣٧) من طريق
الحسن عن أنس: أنَّ رجلاً سألَ عن الساعة - فذكر حديثاً - قال: فَنَظَرَ إلى غلام من دَوْس، يقال
(١) كذا في الأصلين (ففرحنا شديداً)، وفي (س) والنسخة السلطانية: ((ففرحنا يومئذٍ فرحاً شديداً) ولم يشر في
هامش السلطانية إلى اختلاف بين روايات ((الصحيح)).

٥٧٩
باب ٩٥ / ح ٦١٦٧
كتاب الأدب
له: سعد. وهذا أخرجه الباوَرْدي(١) في ((الصحابة)) وسنده حسن، وأخرجه أيضاً من طريق أبي
قِلابةَ عن أنس نحوه، وأخرجه ابن مَندَهْ من طريق قيس بن وَهْب عن أنس وقال فيه: ((مرَّ سعدٌ
الدَّوسيّ) قال: ورواه قُرّة بن خالد عن الحسن، فقال فیه: فقال لشابٍّ من دَوْس يقال له:
ابن سعد. قلت: وقد وَقَعَ عند مسلم في رواية مَعبَد بن هلال عن أنس: ثمَّ نظرَ إلی غلام
من أزد شَنُوءة، فيحتمل التعدُّد، أو كان اسم الغلام سعداً ويُدعَى محمَّداً، أو بالعكس، ودَوْس
من أزد شَنُوءة، فيحتمل أن يكون حالَفَ الأنصار.
قوله: («فقال: إن أُخّرَ هذا فلم يُدْرِكْه الهرَمُ حتَّى تقومَ الساعةُ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ:
((فَلَن)) وكذا لمسلمٍ، وهي أولى، وفي رواية حمّاد بن سَلَمة: ((إن يَعِش هذا الغلام فعَسَى أن
لا يُدرِكِه الھَرَم»، وفي رواية مَعبَد بن هلال: ((إن عُمِّر هذا لم يُدرِكه الهَرَم))، كذا في الطُّرق
كلّها بإسنادِ الإدراك للهَرَم، ولو أُسنِدَ للغلام لكان سائغاً، ولكن أُشيرَ بالأوّل إلى أنَّ
الأجَلِ كالقاصدِ للشَّخصِ.
قوله: ((حتَّى تقوم الساعة)) وَقَعَ في رواية الباوَرْدي التي أشرتُ إليها بَدَل قوله: ((حتَّى
تقوم الساعة)): ((لا يَبقَى منكم عين تَطْرِف)) وبهذا يَتَّضِح المراد، وله في أُخرى (ما من نَفْسٍ
مَنْفُوسة يأتي عليها مئة سنة)) وهذا نَظيرُ قوله وَّ في الحديث الذي تقدَّم بيانه في العلم (١١٦)
أنَّه قال لأصحابه في آخر عُمُره: ((أرأيتَكم ليلتَكم هذه، فإنَّ على رأس مئة سنةٍ منها لا
يَبقَى على وجه الأرض ثمَّن هو اليومَ عليها أحد))، وكان جماعة من أهل ذلك العصر يَظُنّونَ
أنَّ المراد أنَّ الدُّنيا تَنقَضي بعد مئة سنة، فلذلك قال الصحابيّ: فوَهِلَ الناس فيما يَتَحدَّثُونَ
من مئة سنة، وإنَّما أراد ◌َ ◌َّ بذلك انخِرامَ قَرْنِه، أشارَ إلى ذلك عِيَاض مختصراً. قلت: ووَفَعَ
في الخارج كذلك، فلم يَبقَ ممَّن كان موجوداً عند مقالته تلك عند استكمال مئة سنة من سنة
موته أحد، وكان آخِرَ مَن رأى النبيَّ نَّهِ موتاً أبو الطَّفَيل عامر ابن واثِلة، كما ثَبَتَ في ((صحيح
(١) تحرفت في (س) إلى: البارودي، وفي (ع) إلى: الماوردي، والمثبت من (أ) وهو الصواب، وهو أبو منصور
محمد بن سعد الباوردي، نسبة إلى باورد، ويقال: أبيورد، بليدة بخراسان، وهو من شيوخ أبي عبد الله،
ابن منده المتوفى سنة (٣٠١هـ). انظر ((الرسالة المستطرفة)) للكتاني ص١٢٨.

٥٨٠
باب ٩٥ / ح ٦١٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
مسلم)) (٢٣٤٠)، وقال الإسماعيليّ بعد أن قَرَّرَ أنَّ المراد بالساعة ساعة الذينَ كانوا حاضِرِينَ
عند النبيّ وَ ﴿، وأنَّ المراد موتهم، وأنَّه أطلقَ على يوم موتهم اسمَ الساعة لإفضائه بهم إلى
أُمور الآخرة: ويُؤيِّد ذلك أنَّ الله استأثرَ بعِلْمٍ وقت قيام الساعة العُظمَى، كما دَلَّت عليه
الآياتُ والأحاديث الكثيرة. قال: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((حتَّى تقوم الساعة)):
المبالَغة في تقريب قيام الساعة لا التَّحديد، كما قال في الحديث الآخر: ((بُعِثت أنا والساعة
كَهاتَينِ))(١)، ولم يُرِد أنَّها تقوم عند بلوغ المذكور الهَرَم. قال: وهذا عَمَل شائع للعَرَبِ، يُستَعمَل
للمُبالَغة عند تَفخِيم الأمر وعند تَحقيره وعند تقريب الشّيء وعند تبعیده، فیکون حاصل
المعنى: أنَّ الساعة تقوم قريباً جدّاً، وبهذا الاحتمال الثّاني جَزَمَ بعض شُرّاح ((المصابيح))،
واستَبعَدَه بعض شُرّاح ((المشارق))، وقال الدّاووديُّ: المحفوظ أنَّه ◌َ له قال ذلك للَّذِينَ خاطَبَهم
بقولِه: تأتيكم ساعَتكُم، يعني بذلك: موتَهم، لأنَّهم كانوا أعراباً، فخَشِيَ أن يقول لهم: لا
أدري متى الساعة فيرتابوا، فكَلَّمَهم بالمعاريض، وكأنَّه أشارَ إلى حديث عائشة الذي
أخرجه مسلم(٢): كان الأعراب إذا قَدِموا على النبيّ ◌َ لّ سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فيَنظُر
٥٥٧/١٠ إلى أحدث إنسان منهم / سِنّاً، فيقول: ((إن يَعِشْ هذا حتَّى يُدرِ كه الهَرَم، قامت علیکم ساعتكُم))
قال عِيَاض - وتَبِعَه القُرطُبيّ -: هذه رواية واضحة تُفَسِّر كلّ ما وَرَدَ من الألفاظ المشكلة
في غيرها.
وأمَّا قول النَّوويّ: يحتمل أنَّه وَهِ أراد أنَّ الغلام المذكور لا يُؤَخَّر ولا يُعَمَّر ولا يَهرَم، أي:
فيكون الشَّرط لم يقع، فكذلك لم يقع الجزاء، فهو تأويل بعيد، ويَلَزَم منه استمرار الإشكال، لأنّه
إن حَمَلَ الساعة على انقراض الدُّنيا وحُلول أمر الآخرة، كان مُقْتَضَى الخبر أنَّ القَدْر الذي كان
بين زمانه ◌َ * وبين ذلك بمقدار ما لو عُمِّر ذلك الغلام إلى أن يَبلُغ الهَرَم، والمشاهَد خِلاف
ذلك، وإن ◌َ الساعة على زمن مخصوص رَجَعَ إلى التَّأويل المتقدِّم، وله أن يَنْفَصِل عن ذلك
بأنَّ سِنَّ الْهَرَم لا حَدَّ لقَدْره. وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يكون الجزاء محذوفاً. كذا قال.
(١) تقدم برقم (٤٩٣٦).
(٢) لو عزاه للبخاري (٦٥١١) لكان أفضل، وهو عند مسلم (٢٩٥٢).