النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ باب ٨٩ / ح ٦١٤٤ كتاب الأدب ٦١٤٤- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، حدَّثنيَ نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((أخبروني بشَجَرةٍ مَثَلُها مَثَلُ المسلم، تُؤْني أُكُلَها كلَّ حِينٍ بإذْنِ رَبِّها، ولا تَحُتُّ ورَقَها)) فَوَقَعَ في نفْسِي النَّخْلةُ، فكَرِهْتُ أن أتكلّمَ وثَمَّ أبو بكرٍ وعمرُ، فلمَّا لم يتكلَّما قال النبيُّ نَّه: ((هِيَ النَّخْلة)) فلمَّا خَرَجْتُ معَ أبي قلتُ: يا أبتاه، وقَعَ في نفسِي النَّخْلةُ، قال: ما مَنَعَكَ أن تقولها؟ لو كنتَ قلتَها كان أحَبَّ إليَّ من كذا وكذا، قال: ما مَنَعَني إلا أنّي لم أرَكَ ولا أبا بكر تَكلَّمْتُا، فگرِهْت. قوله: ((باب إِكْرام الكبير، ويَبْدَأ الأكبرُ بالكلامِ والسُّؤال)) المراد الأكبر في السِّنّ إذا وَقَعَ ٥٣٦/١٠ التَّساوي في الفضل، وإلّا فيُقدَّم الفاضل في الفقه والعلم إذا عارَضَه السِّنّ. وذکر فیه حديث سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج في قصّة مُحيِّصة و حويِّصة، وسيأتي شرحه في كتاب القَسَامة (٦٨٩٨). وقوله: ((فوداهم)) هو للأكثر، ويُروَى بالفاءِ بدلَ الواو. وقوله: ((من قِبَله)) بكسر القاف وفتح الموحّدة على الصَّحيح. قوله: ((قال اللَّيث: حدَّثني يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاريّ، وبُشَير بالموخَّدة والمعجَمة مُصغَّر: هو ابن يَسار بتحتائيَّةٍ ثمَّ مُهمَلة خفيفة، وهذا التَّعليق وَصَلَه مسلم (١/١٦٦٩)، والتِّرمِذيّ (١٤٢٢) والنَّسائيُّ (٤٧١٢) من حديث اللَّیث به. قوله: ((وقال ابن عُيَينةَ: حدّثنا يحيى)) هو ابن سعيد أيضاً، وهذا التَّعليق وَصَلَه مسلم (٢/١٦٦٩)، والنَّسائيُّ (٤٧١٧) من حديث ابن عُيَينةَ به. ثم ذكر حديث ابن عمر: «أخبِروني بشَجَرةٍ مَثَلها مَثَل المسلم» الحديث، وقد تقدَّم شرحه في كتاب العلم (٦١) مُستَوقَى، وكأنّه أشارَ بإيرادِه إلى أنَّ تقديم الكبير حيثُ يقع التَّساوي، أمّا لو كان عند الصَّغير ما ليس عند الكبير فلا يُمنَع من الكلام بحَضْرة الكبير، لأنَّ عمر تأسَّفَ حیثُ لم يتكلَّم ولده، مع أنَّه اعتَذَرَ له بكَونِه بحضوره وحضور أبي بكر، ومع ذلك تأسَّفَ على گونه لم یتکلَّم. ٥٤٢ باب ٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ٩٠ - باب ما يجوزُ من الشِّعر والرَّجَز والحُدَاءِ، وما يُكْرَه منه وقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآهُ يَتَبِعُهُمُ الْغَاؤُونَ (٦ ◌َلَمْ تَّرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٥]. قال ابنُ عبّاسٍ: في كلِّ لَغْوِ يَخِوضُونَ. ٥٣٨/١٠ قوله: ((باب ما يجوز من الشِّعْر والرَّجَز والحُدَاء)» أمَّا الشِّعر فهو في الأصل اسم لما دَقَّ، ومنه: لَيتَ شِعْري، ثمَّ استُعمِلَ في الكلام المقَفَّى الموزون قصداً، ويقال: أصله: الشَعَر بفتحَتَينِ، يقال: شَعَرتُ: أصَبت الشَّعر، وشَعَرتُ بكذا: عِلِمْت عِلماً دقيقاً كَإصابة الشَّعر. وقال الرَّاغِب: قال بعض الكفَّار عن النبيّ وَّ: إنَّه شاعر، فقيل: لما وَقَعَ في القرآن من الكلمات الموزونة والقوافي، وقيل: أرادوا أنَّ كاذِب، لأنَّ أكثر ما يأتي به الشّاعر كذِب، ومن ثَمَّ سَمَّوا الأدلّة الكاذبة شِعراً، وقيل في الشِّعر: أحسنه أكذبه، ويُؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦]، ويَردُّ(١) الأوَّل ما ذُكِرَ في حَدِّ الشِّعر أنَّ شرطه القَصْدُ إليه، وأمَّا ما وَقَعَ مَوزوناً اتِّفاقاً فلا يُسَمَّى شِعراً. وأمَّا الَّجَز: فهو بفتح الراء والجيم بعدها زاي، وهو نوع من الشِّعر عند الأكثر، وقيل: ليس بشِعرٍ؛ لأَنَّه يقال: راجِزِ لا شاعر، وسُمّيَ رَجَزاً لتَقارُبِ أجزائه واضطِراب اللِّسان به، ويقال: رَجَزَ الْبَعِيرُ إذا تَقَارَبَ خَطْوه واضطَرَبَ لضعفٍ فیه. وأمَّا الْحُدَاء فهو بضمُّ الحاء وتخفيف الدّال المهمَلتَينِ، يُمَدّ ويُقْصَر: سَوقُ الإبل بضرْبٍ مخصُوصٍ من الغِناء، والحُداء في الغالب إنَّما يكون بالرَّجَزِ، وقد يكون بغيره من الشِّعر، ولذلك عَطَفَه على الشِّعر والرَّجَز، وقد جَرَت عادة الإبل أنَّها تُسرِع السّير إذا حُديَ بها. وأخرج ابن سعد (٢١/١-٢٢) بسندٍ صحيح عن طاووسٍ مُرسَلاً، وأورَدَه البزَّار(٢) موصولاً عن ابن عبّاس - دَخَلَ حديثُ بعضهم في بعض -: إنَّ أوَّل مَن حَدا الإبل عبدٌ لمُضَرَ بن ◌ِزار بن مَعدّ (١) تحرفت في (س) إلى: ويُؤْيِّد، وهو خطأ لا يستقيم به الكلام، والمثبت من الأصلين، وهو الصواب. (٢) كما في ((كشف الأستار)) (٢١١٣). ٥٤٣ باب ٩٠ كتاب الأدب ابن عدنان، كان في إبلِ لمُضَرَ فقَصَّرَ، فضَرَبَه مُضَر على يده فأوجَعَه، فقال: يا يَداه يا يَداه، وكان حسن الصَّوت، فأسرَعَتِ الإبل لمَّا سمعَته في السَّير، فكان ذلك مَبدَأ الحُداء. ونَقَلَ ابن عبد البَرِّ الاتّفاق على إياحة الحُداء، وفي كلام بعض الحنابلة إشعارٌ بنَقلِ خلاف فيه، ومانِعُه محجوجٌ بالأحاديثِ الصَّحيحة. ويَلتَحِقِ بالحُداءِ غناءُ(١) الحَجِيج المشتَمِل على الشَّوق إلى الحجّ بذِكْر الكعبة وغيرها من المشاهد، ونَظيرُه ما يُرِّض أهل الجهاد على القتال، ومنه غِناء المرأة لتسكينِ الولد في المهد. قوله: ((وقولِه تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاؤُونَ (٦) أَلَمْ تَرَأَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾» ساقَ في رواية كَرِيمة والأَصِيلِيّ إلى آخر السّورة، ووَقَعَ في رواية أبي ذرِّ بين الآيتَينِ المذكورتَينِ لفظة ((وقوله))، وهي زيادة لا يُحتاج إليها، قال المفسِّرونَ في هذه الآية: المراد بالشُّعَراءِ شُعَراء المشرِكِينَ، يَتَّبِعهم غُواهُ الناس ومَرَدَة الشَّياطين وعُصاةُ الجِنّ وَيَروونَ شِعرَهم، لأنَّ الغاوي لا يَتَّبَعِ إلّا غاوياً مِثْلَه، وسَمَّى الثَّعَلَبيُّ منهم عبدَ الله بن الزِّبَعْرَى وهُبَيرةَ بن أبي وَهْب ومُسافِعَ/ بنَ عبد مناف وعمرو بن عبد الله أبا عزَّةَ وأُميَّة (٢) بن أبي الصَّلت. وقيل: نزلت في ٥٣٩/١٠ شاعرَينٍ تَهَاجَيا، فكان مع كلّ واحد منهما جماعة، وهم الغُواة السُّفَهاء. وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٨٧١)، وأبو داود (٥٠١٦) من طريق يزيد النَّحويّ عن عِكْرمة عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿ وَاَلُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ قال: فنَسخَ من ذلك واستَثْنَى، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ إلى آخر السّورة. وأخرج ابن أبي شَيْبة (٨/ ٧٠٦ -٧٠٧) من طريق مُرسَلة قال: لمَّا نزلت: ﴿وَالشُّعَرَآهُ يَنَّبِعُهُمُ اُلْغَاؤُونَ﴾ جاء عبد الله بن رَوَاحة وحسَّان بن ثابت وكعب بن مالك وهم يَيكُونَ، فقالوا: يا رسول الله أنزلَ الله هذه الآية وهو يعلم أنّ شُعَراء. فقال: «اقرؤوا ما بعدها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ (١) تحرفت في (س) إلى: هنا. (٢) من قوله: ((ومسافع)) إلى هنا اضطربت فيه أصولنا الخطية و(س)، فوقع في (أ): ومسافع وعمرو بن أمية، وفي (ع): ومسافع وعمرو ابني أمية، وفي (س): ومسافع وعمرو بن أبي أمية، وهذا كله خطأ، والصواب ما أثبتناه من ((تفسير الثعلبي) ٧/ ١٨٥ وغيره من التفاسير. ٥٤٤ باب ٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أنتم، ﴿وَأَنْنَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ أنتم)). وقال السُّهَيليُّ: نزلت الآية في الثلاثة، وإنَّما ورَدَت بالإبهام ليَدخُل معهم مَن اقْتَدَى بهم، وذكر الثَّعلَبيّ مع الثلاثة كعب بن زُهَير بغير إسناد، والله أعلم. قوله: ((قال ابن عبّاس: في كلّ لَغْوِ يَخْوضُونَ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم (٢٨٣٣/٩)، والطََّريّ (١٢٨/٢٨) من طريق معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿فی كُلِّ وَادٍ﴾ قال: في كلّ لَغوٍ، وفي قوله: ﴿يَهِيمُونَ﴾ قال: يخوضونَ. وقال غيره: ﴿يَهِيمُونَ﴾ أي: يقولون في الممدوح والمذموم ما ليس فيه، فهُمْ كالهائمٍ على وجهه، والهائمُ: المخالف للقَصْدِ. قوله: ((وما يُكرَه منه)) هو قَسِيم قوله: ((ما يجوز))، والذي يَتَحَصَّل من كلام العلماء في حَدّ الشِّعر الجائز: أنَّه إذا لم يُكثِرِ منه في المسجد، وخَلا عن هَجْو، وعن الإغراق في المدح والكذِب المحض، والتَّغَزُّلِ بِمُعيَّنٍ(١) لا يَحِلّ. وقد نَقَلَ ابن عبد البَرِّ الإجماع على جوازه إذا كان كذلك، واستَدَلَّ بأحاديث الباب وغيرها، وقال: ما أُنْشِدَ بحَضرة النبيّ وَّرِ أو استَنْشَدَه ولم يُنكِرِه. قلت: وقد جَمَعَ ابن سَيِّد الناس شيخُ شيوخنا مجلَّداً في أسماء مَن نُقِلَ عنه من الصحابة شيء من شِعر مُتَعلَّق بالنبيِّي وَ ل خاصّة، وقد ذكر في الباب خمسة أحاديث دالّة على الجواز، وبعضها مُفَصِّل لما يُكرَه مَّا لا يُكرَه، وتَرجَمَ في ((الأدب المفرد)»: ما يُكرَه من الشِّعر، وأورَدَ فيه حديث عائشة مرفوعاً (٨٧٤): ((إنَّ أعظَم الناس فِرِيةَ الشّاعر يَهجُو القبيلة بأسْرِها» وسنده حسن، وأخرجه ابن ماجَهْ (٣٧٦١) من هذا الوجه بلفظ: ((أعظَمُ الناس فِريةً رجل هاجَى رجلاً، فهَجا القَبِيلَةَ بأسْرها)) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٥٧٨٥). وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٨٦٦) عن عائشة أنَّها كانت تقول: الشِّعر منه حسن ومنه قبيح، خُذِ الحسن ودَع القبيح، ولقد رَويتُ من شِعر كعب بن مالك أشعاراً، منها القصيدة فيها أربعونَ بيتاً. وسنده حسن، (١) في (ع) بمعنّى، والمثبت من (أ) و(س)، وكلاهما موجّه. ٥٤٥ باب ٩٠ / ح ٦١٤٥ كتاب الأدب وأخرج أبو يَعْلى (٤٧٦٠) أوَّله من حديثها من وجه آخر مرفوعاً، وأخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٨٦٥) أيضاً من حديث عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً بلفظ: ((الشِّعر بمَنزِلة الكلام، فحسَنُه كَحَسَنِ الكلام، وقبيحُه کَقبيح الكلام» وسنده ضعيف، وأخرجه الطبرانيُّ في «الأوسط» (٧٦٩٦) وقال: لا يُروى عن النبيّ وَّهَ إلّا بهذا الإسناد. وقد اشتُهِرَ هذا الكلام عن الشافعيّ، واقتَصَرَ ابن بَطّال على نِسبته إليه فقَصَّرَ، وعابَ القُرطُبيّ المفسّر على جماعة من الشافعيَّة الاقتصارَ على نِسْبة ذلك للشّافعيِّ، وقد شارَكَهم في ذلك ابن بَطّال وهو مالكيّ. وأخرج الطََّرِيُّ(١) من طريق ابن جُرَيج قال: سألت عطاء عن الحُداء والشِّعر والغِناء، فقال: لا بأس به ما لم یکن فُحشاً. ٦١٤٥- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو بكرِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ مَرْوانَ بنَ الحَكَم أخبَرَه، أنَّ عبد الرَّحْمنِ بنَ الأسوَدِ بنِ عبدِ يَغوثَ أخبَرَه، أنَّ أَبِيَّ بِنَ كَعْبٍ أخبَرَه، أنَّ رسولَ اللهَوَ ◌ّه قال: ((إنَّ منَ الشِّعْرِ حِكْمَةً)). الحديث الأول: قوله: ((عن الزُّهْريّ، أخبرني أبو بكر بن عبد الرَّحمن)) يعني: ابن الحارث ابن هشام المخزوميّ، وفي هذا الإسناد أربعة من التابعينَ قُرَشيّونَ مَلَنّونَ في نَسَق، فالزُّهْريّ من صِغار التابِعِينَ، وأبو بكر ومَن فوقه من كِبارهم، ولِمروان وعبد الرَّحمن مَزِيَّة إدراك النبِّ وَّه، ولكنَّهما من حيثُ الرّواية مَعدُودَان في التابعينَ، وقد تقدَّم قريباً(٢) أنَّ لعبد الرَّحمن رُؤية، وأنَّه عُدَّ لذلك في الصحابة، وكذا ذكر بعضهم مروان في الصحابة لإدراكه، وقد تقدَّم ذلك في الشُّروط (٢٧١١ و٢٧٣١). وقد اختُلِفَ على الزُّهْريّ/ في سنده: فالأكثر على ما قال شُعَيب، وقال مَعمَر في المشهور ٥٤٠/١٠ عنه: ((عن الزُّهْريّ عن عُرْوة)) بَدَل ((أبي بكر)) موصولاً، وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٨/ ٦٩١) عن (١) لم نقع عليه في المطبوع من كتب الطبري التي بين أيدينا، ولكن أخرجه من طريق الطبري بإسناده إلى ابن جريج به: ابن عبد البر في ((التمهيد)» ١٩٨/٢٢، وأخرجه من أوجه أخرى عن ابن جريج: ابن أبي شيبة ٣/ ٦٧٣، وأبو عوانة (٣٩١٨)، والبيهقي ٢٢٥/١٠، والخطيب البغدادي في ((تلخيص المتشابه)) ص ٢٢. (٢) خلال شرح الحديث رقم (٦٠٧٣). ٥٤٦ باب ٩٠ / ح ٦١٤٥ فتح الباري بشرح البخاري سفيان بن عُيَينةَ عن الزّهْريّ عن عُرْوة مُرسَلاً، ووافَقَ رَباحَ بنَ أبي زيد عن مَعمَر الجماعة، وكذا قال هشام بن یوسف عن معمر، لكن قال: عبد الله بن الأسود، و کذا قال إبراهيم بن سعد: عن الزُّهْرِيّ، وحذَفَ يزيدُ بن هارون عن إبراهيم بن سعد («مروان)) من السَّنَد، والصَّواب إثباته. قوله: ((إنَّ من الشِّعْرِ حِكْمة)) أي: قولاً صادِقاً مُطابِقاً للحقِّ، وقيل: أصل الحكمة: المنع، فالمعنى: إنَّ من الشِّعر كلاماً نافعاً يَمنَع من السَّفَه. وأخرج أبو داود (٥٠١٢) من رواية صخر بن عبد الله بن بُرَيدة عن أبيه عن جَدّه: سمعتُ رسول الله ◌َّه يقول: ((إنَّ من البيان سِحْراً، وإنَّ من العِلم جهْلاً، وإنَّ من الشِّعر حُكْماً، وإنَّ من القول عِيَالاً(١)» فقال صَعْصَعة بن صُوحَان: صَدَقَ رسول الله وَلَيهِ، أمّا قوله: ((إنَّ من البيان سِحْراً): فالرجل يكون عليه الحقّ، وهو ألحَن بالحُجَجِ من صاحب الحقّ، فَيَسحَر القومَ ببيانه فيذهب بالحقِّ. وأمَّا قوله: ((وإنَّ من العِلم جهلاً)): فيتكلَّف العالِمُ إلى عِلمِه ما لا يعلَم، فيُجهِّلُه ذلك، وأمَّا قوله: ((إنَّ من الشِّعر حُكْمًا) فهي هذه المواعِظ والأمثال التي يَتَّعِظ بها الناس، وأمَّا قوله: ((إنَّ من القول عِيَالاً(١)) فعَرضُك كلامَك على مَن لا یریده. وقال ابن التِّين: مفهومه أنَّ بعض الشِّعر ليس كذلك، لأنَّ((من)) تبعيضيَّةٌ. ووَقَعَ في حديث ابن عبَّاس عند البخاريّ في ((الأدب المفرَد)» (٨٧٢)، وأبي داود (٥٠١١) والتِّرمِذيّ (٢٨٤٥) وحَسَّنَه وابن ماجَهْ (٣٧٥٦) بلفظ: ((إنَّ من الشِّعر حُكْماً))، وكذا أخرجه ابن أبي شَيْبة (٨/ ٦٩٣) من حديث ابن مسعود، وأخرجه أيضاً من حديث بُرَيدة مِثله، وأخرج ابن أبي شَيْبة (٨/ ٧٠٠) من طريق عبد الله بن عُبيد بن عُمَير قال: قال أبو بكر: رُبَّما قال الشّاعر الكلمة الحكيمة. وقال ابن بَطّال: ما كان في الشِّعر والرَّجَز ذِكْرٌ لله تعالى، وتعظيم له، ووحدانيته، وإيثار طاعَتِهِ والاستسلام له، فهو حسن مُرغَّب فيه، وهو المراد في الحديث بأنَّه حِكمة، وما كان كذِباً وفُحْشاً فهو مذموم. (١) في (ع) و(س): عيّاً، والمثبت من (أ) و((سنن أبي داود)). ٥٤٧ باب ٩٠ / ح ٦١٤٥ كتاب الأدب قال الطَّبَرِيُّ: في هذا الحديث رَدٌّ على مَن كَرِهَ الشِّعر مُطلَقاً، واحتَجَّ بقولِ ابن مسعود: ((الشِّعر مَزامِيرِ الشَّيطان))، وعن مسروق: أنَّه تَثَّلَ بأوَّل بيت شِعر ثمَّسَكَتَ، فقيلَ له، فقال: أخاف أن أجِد في صحيفَتي شِعراً، وعن أبي أُمامةَ رَفَعَه: ((إنَّ إبليس لمَّا أُهبِطَ إلى الأرض قال: رَبّ اجعَل لي قرآناً، قال: قرآنك الشِّعر))(١)، ثمَّ أجابَ عن ذلك بأنَّهما أخبار واهية. وهو كذلك، فحديث أبي أمامةَ فيه عليّ بن يزيد الأَلْاني(٢) وهو ضعيف، وعلى تقدير قوَّتها فهو محمُولٌ على الإفراط فیه والإكثار منه، کما سيأتي تقریره بعد باب، ويدلّ على الجواز سائر أحاديث الباب، وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٨٦٩) عن عمرو (٣) بن الشَّريد عن أبيه قال: اسْتَشَدَني النبيّ ◌َلَه من شِعر أُميَّة بن أبي الصَّلت، فأنشدته حتَّى أنشدته مئة قافية، وعن مُطرِّف (٨٥٧) قال: صَحِبتُ عِمران بن حُصَين من الكوفة إلى البصرة، فقَلَّ مَنزِل نزلَه إلّا وهو يُنشِدُني شِعراً. وأسنَدَ الطَّبَريُّ عن جماعة من كبار الصحابة ومن كِبار التابِعِينَ أنَّهم قالوا الشِّعر وأنشَدوه واستنشَدوه. وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٨٥٦) عن خالد بن كَيْسانَ قال: كنتُ عند ابن عمر، فوقَفَ عليه إياس ابن خَيْئمةَ، فقال: ألا أُنشِدك من شِعْري؟ قال: بلى، ولكن لا تُنشِذْني إلّا حسناً. وأخرج ابن أبي شَيْبة (٧١١/٨-٧١٢ و٤٢٧/١٣) بسندٍ حسن عن أبي سَلَمة بن عبد الرّحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله وَ ﴿ مُنْحَرِ فِينَ ولا مُتَمَاوِتِينَ، وكانوا يتناشَدونَ الأشعار في مجالسِهم، ويَذكُرونَ أمر جاهليّتهم، فإذا أُريدَ أحدهم على شيء من أمر دينه دارَت حَماليق عينيه، ومن طريق عبد الرَّحمن بن أبي بَكْرة قال: كنت أُجالس أصحابَ رسول الله وَ ل﴿ مع أبي في المسجد، فيتناشَدونَ الأشعار، ويَذكُرُونَ حديث الجاهليَّة. وأخرج أحمد (٢٠٨٤٤) وابن أبي شَيْبة (٧١٢/٨-٧١٣) والتِّرمِذيّ (٢٨٥٠) وصَخَّحَه من حديث جابر بن سَمُرة قال: كان أصحاب رسول ◌َّهِ يَتَذَاكَرونَ الشِّعر وحديثَ الجاهليَّة عند رسول الله وَلّ،/ فلا يَنْهاهُم، ورُبَّما يَتَبَسَّم. (١) أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٧٨٣٧). (٢) تحرفت في (س) إلى: الهاني. (٣) تحرفت في (س) إلى: عمر. ٥٤١/١٠ ٥٤٨ باب ٩٠ / ح ٦١٤٦ فتح الباري بشرح البخاري ٦١٤٦- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن الأسوَدِ بنِ قيسٍ، سمعتُ جُندُباً يقول: بينما النبيُّ ◌َّ يَمْشِي إذ أُصابه حَجَرٌ، فعَثَرَ فَدَمِيَت إِصْبَعُه، فقال: «هل أنتِ إلّا إِصْبَعِّ دَمِيتِ وفي سبيلِ الله ما لَقِيتٍ)) الحديث الثاني: قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوريّ. قوله: (سمعت جُندُبا)) في رواية أبي عَوَانة عن الأسْوَد الماضية في أوائل الجهاد (٢٨٠٢): جُندُب بن سفيان البَجَليّ. قوله: ((بينَمَا النبيّ وَّهِ يَمْشي) في رواية أبي عَوَانة: كان في بعض المشاهد، وفي رواية شُعْبة عن الأسْوَد: خَرَجَ إلى الصلاة، أخرجه الطَّيالسيُّ (٩٧٩) وأحمد (١٨٧٩٧)، وفي رواية ابن عُيَينةً(١) عن الأسود عن جُندُب: کنت مع النبيّ ټ في غار. قوله: ((فعَثَرَ)) بالعين المهمَلة والثّاء المثلَّثة. قوله: ((فقال: هل أنتِ إلّا إِصْبَعِ دَميتِ وفي سَبيل الله ما لَقیتٍ)) هذان قسمان من رَجَز، والتاء في آخرهما مكسورة على وَفْق الشِّعر، وجَزَمَ الكِرْمانيُّ بأنَّهما في الحديث بالسُّكونِ، وفيه نظرٌ، وزَعَمَ غيره أنَّ النبيَّ وَّهِ تَعَمَّدَ إسكانهما ليُخرِجَ القسمَينِ عن الشِّعر، وهو مردودٌّ؛ فإنَّه يصير من ضرب آخر من الشِّعر، وهو من ضُرُوب البحر الملَقَّب بالكامل، وفي الثّاني زِحاف جائز. قال عِيَاض: وقد غَفَلَ بعض الناس فروى (دَميتِ)) و((لَقيت)) بغيرِ مَدّ، فخالَفَ الرِّواية لیسلم من الإشکال فلم یُصِب. وقد اختُلِفَ هل قاله النبيّ وَل﴿ مُتَمَثِّلاً، أو قاله من قِبَل نفسه غير قاصد لإنشائه فخَرَجَ مَوزُوناً؟ وبالأوَّل جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وغيره، ويُؤيِّده أنَّ ابن أبي الدُّنيا في ((مُحاسَبة النَّفْس)) (١٩) أو رَدَهما لعبد الله بن رواحة، فذكر أنَّ جعفر بن أبي طالب لمَّا قُتِلَ في غزوة مؤتة بعد أن قُتِلَ (١) عند مسلم (١٧٩٦) (١٣). ٥٤٩ باب ٩٠ / ح ٦١٤٦ كتاب الأدب زيد ابن حارثة، أخَذَ اللُّواءَ عبدُ الله بن رواحة فقاتَلَ، فأُصيبَ إصبعه، فارتَجَزَ وجَعَلَ يقول هذَينِ القِسمَينِ، وزادَ: يانفسُ إِن لا تُقتَلي تموتي هَذِي حياضُ الموت قد صَلِيتٍ وما تَمَّنَّتِ فقد لَقيتِ إن تَفْعَلِي فِعلَهما هُدِيتِ وهكذا جَزَمَ ابن التِّين بأنَّهما من شِعر ابن رواحة. وذكر الواقديُّ أنَّ الوليد بنَ الوليد بن المغيرة كان رافَقَ أبا بَصِير في صُلْحِ الْحُدَيبية على ساحل البحر، ثمَّ إِنَّ الوليد رَجَعَ إلى المدينة فعَثَرَ بالحَرّة، فانقَطَعَت إصبعه فقال هذَينِ القِسمَينِ. وأخرجه الطبرانيُّ (٦٣٦٢) من وجه آخر موصول بسندٍ ضعيف. وقال ابن هشام في زيادات ((السِّيرة)): حدَّثني مَن أثق به: أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((مَن لي بعبَّاس بن أبي رَبِيعَة؟)) فقال الوليد بن الوليد: أنا .. فذكر قصَّة فيها: فعَثَرَ فَدَمِيَت إصبعُه، فقالهما. وهذا إن كان محفوظاً احتَمَلَ أن يكون ابن رواحة ضَمَّنَهما شِعرَه وزاد عليهما، فإنّ قصَّة الحُدَيبية قبل قصَّة مُؤتة، وقد تقدَّم نحو هذا الاحتمال في أوائل غزوة خَيْبَرَ (٤١٩٦) في الرَّجَز المنسوب لعامر بن الأكوع: اللهمَّ لولا أنتَ ما اهتَدَینا وأنَّه نُسِبَ في رواية أُخرى لابنِ رواحة. وقد اختُلِفَ في جواز تَتَّل النبيّ وَّهِ بشيءٍ من الشِّعر وإنشادِه حاكياً عن غيره، فالصَّحيح جوازه. وقد أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٨٦٧)، والتِّرمِذيّ (٢٨٤٨) وصَحَّحَه، والنَّسائيُّ (ك١٠٧٦٩) من رواية المقدام بن شُرَيح عن أبيه: قلتُ لعائشة: أكان رسول الله ◌َ﴿ يَتَمثَّل بشيءٍ من الشِّعر؟ قالت: كان يَتَمثَّل من شِعر ابن رواحة: ويأتيك بالأخبار مَن لم تُزَوِّدِ وأخرج ابن أبي شَيْبة (٨/ ٦٩٤) نحوه من حديث ابن عبّاس، وأخرج (٧٠٧/٨ -٧٠٨) ٥٥٠ باب ٩٠ / ح ٦١٤٦ فتح الباري بشرح البخاري أيضاً من مُرسَل أبي جعفر الخَطْمِيّ قال: كان رسول الله وَلّ يبني المسجد وعبدُ الله ابن رواحة يقول: أفلَحَ مَن يُعالج المساجِدا فیقوها رسول الله څے، فیقول ابن رواحة: يَتلو القرآن قائماً وقاعِداً فيقولها رسول الله الآلات. وأمَّا ما أخرجه الخطيب في ((التاريخ)) (١٠/ ١٨٠) عن عائشة: تفاءلْ بما تَهوَى يَكُنْ، فلَقلَّما يقالُ لشيءٍ كان إلَّا تَحَقَّق (١) قال: وإنَّما لم يُعرِبِه لئلا يكون شِعراً(٢)، فهو شيء لا يَصِحّ. ومما يدلّ على وهائه التَّعليل ٥٤٢/١٠ المذكور، والحديث الثّالث / في الباب يُؤْيِّد ذلك، وأنَّه وَّه كان يجوز له أن يَحَكِي الشِّعر عن ناظِمه. وقد تقدَّم في غزوة حُنَينٍ (٤٣١٥) قوله وَّ: ((أنا النبيّ لا كذِب أنا ابن عبد المطَّلِّب)»، وأنَّه دالٌّ على جواز وقوع الكلام منه مَنظُوماً من غير قصد إلى ذلك، ولا يُسَمَّى ذلك شِعراً. وقد وَقَعَ الكثيرُ من ذلك في القرآن العظيم، لكنَّ غالبها أشطار أبيات والقليل منها وَفَعَ وزن بيت تامّ، فمن التامّ قوله تعالى: ﴿الْحَمِدُونَ السَّيِحُونَ الزَّكِمُونَ اُلسَّجِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَهْرٍ وَلَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، ﴿مُسْلِمَتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَئِنَاتٍ تَفَِّةٍ عَنِدَاتٍ سَيِحَتٍ﴾ [التحريم: ٥]، ﴿ فَرَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦]، ﴿نَبِّ عِبَادِىّ أَنِّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]، ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم﴾ [الأنفال: ٣٨]، ﴿وَحِفَانٍ كَالْجَوَابٍ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ [سبأ:١٣]، ﴿ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، ﴿تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِلَإِثْمِ وَالْعُذْوَنِ﴾ (١) في (س): ((تحققا))، وهو خطأ. (٢) لفظ العبارة في ((التاريخ)): ولم يقل: ((تحققا)) لئلا يعربه فيصير شعراً، وقال: غريب جداً. ٥٥١ باب ٩٠ / ح ٦١٤٦ كتاب الأدب [البقرة: ٨٥]، ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحُهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]، وكذا ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَسَيِّحْهُ وَإِدْبَرَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ النور: ٤٦]، ﴿ إِّ وَجَدَتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَمَا﴾ [النمل: ٢٣]، ﴿يَأْنِيَكُمُ الْتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ﴿وَأَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَرٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥]، ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤]، ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١]، ﴿وَدَائِيَةٌ عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤]، ﴿وَتَأْكُلُونَ الَُّاثَ أَكْلًا لَّمَّا ) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبَّا جَمَّا﴾ [الفجر: ١٩ - ٢٠] والواو في كلٍّ منهما وإن كانت زائدة على الوزن، لكنَّه يجوز في النَّظم، ويُسمَّى الْخَزْم؛ بالزّاي بعد الخاء المعجمة. وأمَّا الأشطار فكثيرة جدّاً، فمنها: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، ﴿لَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]، ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ﴿فِيّ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَيِّلِهَا أُمٌَ﴾ [الرعد: ٣٠]، ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَِّ فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، ﴿فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، ﴿أَدْ خُلُوهَا بِسَلَمٍ ءَامِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، ﴿إِنَّهُ, كَانَ وَعْدُهُ، مَأْنِيًّا﴾(١) [مريم: ٦١]، ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمٍ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠]، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِلنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، ﴿وَتَرَنَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيَّهَا﴾ [الشورى: ٤٥]، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، ﴿وَاَللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾ [النساء: ٨٨]، ﴿حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠]، ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَّا بِهِ﴾ [الملك: ٢٩]، ﴿أَلَّ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]، ﴿نَصْرٌ مِّنَ اَللَّهِ وَفَنْحٌ غَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، ﴿نَقْذِفُ بِالحَّ عَلَى الْبَطِلِ﴾ [الأنبياء: ١٨]، (١) وقعت هذه الآية في الأصلين و(س) بلفظ: ((إنه كان وعده مفعولاً))، وهو خطأ، فهذه الآية من سورة المزمل (١٨) دون لفظة («إنه))، وعليه فإنها لا تكون شطراً موزوناً، فالصواب ما أثبتنا من آية سورة مريم، والله أعلم. ٥٥٢ باب ٩٠ / ح ٦١٤٧ فتح الباري بشرح البخاري ﴿فَاَلْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيّ اَلْكَبِيرِ﴾(١) [غافر: ١٢]، ﴿اَلْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ [النساء: ١]، ﴿لَيِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، ﴿قُئِلَ اَلْإِنسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]، ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿قَدْ عَلِنَا مَا نَنَقُصُ اٌلْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: ٤]، ﴿إِنَّ فَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص: ٧٦]، ﴿إِنَّ رَبِ يِكَدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠]، ﴿وَيَصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣]، ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢]، ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَدَهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠]، ﴿وَأَحَلُواْ قَوَّمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾ [إبراهيم: ٢٨]، ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِ حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُوأ يُغْفَرْ لَهُم﴾ [الأنفال: ٣٨]، ﴿كُلِّمَا أَضَآءَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، ﴿وَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِدٍ﴾ [طه: ١٠٢]، ﴿يَأَيُّهَا الإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ﴾ [الانشقاق: ٦]، ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ﴾ [الانفطار: ٦]، ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨]، ﴿وَاَلَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلِّ لَّهُ، أَوَابٌ﴾ [ص: ١٩]، ﴿وَعِندَهْ قَضِرَتُ الطَّرْفِ أَنْرَبُ﴾ [ص: ٥٢]، ﴿فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، ﴿َزَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، ﴿أَنْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَلْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، ﴿ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ﴾ [النحل: ٦٧]، ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ لَ رَيْبَ فِهِ﴾ [البقرة: ٢])). ومن التامّ أيضاً: ﴿وَقُرْءَنَا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْتَهُ نَزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] وإذا انتهى إلى ((الناس)) تَمَّ أيضاً، وأيضاً: ﴿لِنَقْرَأَهُ، عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْتَهُ نَِيلًا﴾. وقيل في الجواب عن الحديث: إنَّ وقوع البيت الواحد من الفصيح لا يُسَمَّى شِعراً، ولا يُسَمَّى قائله شاعراً. ٦١٤٧- حدَّثنا ابنُ بِشَارٍ، حدَّثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الملِكِ، حدَّثنا أبو سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال النبيُّمَ: «أصدَقُ كلمةٍ قالها الشّاعرُ، كلمةُ لَبِيدٍ: ألاكُلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باطلُ وكادَ أُميَّةُ بنُ أبي الصَّلْتِ أن يُسلِمَ)). (١) هذه الآية لم ترد في (أ) و(س)، وأثبتناها من (ع) فقط. ٥٥٣ باب ٩٠ / ح ٦١٤٧-٦١٤٨ كتاب الأدب ٦١٤٨ - حدّثنا قُتَيةُ بنُ سعيدٍ، حَدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ، قال: خَرَجْنا معَ رسولِ اللهِ وَّهِ إِلى خَبِيرَ، فسِرْنا ليلاً، فقال رجلٌ منَ القومِ لعامِ بنِ الأكوَعِ: ألا تُسْمِعُنا من هُنَيهاتِكَ؟ قال: وكان عامرٌ رجلاً شاعراً، فنزلَ يَحْدو بالقومِ يقول: اللهمَّ لولا أنتَ ما اهْتَدَينا ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّينا وَثَبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا فاغفِر فِداءٌ لكَ ما اقتَفَینا إنّا إذا صِيحَ بنا أتينا وألقِيَنْ سَكِينَةً علينا. وبالصِّيَاح عَوَّلوا علينا فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((مَن هذا السائق؟)) قالوا: عامرُ بنُ الأكوَع، فقال: ((يرحمه الله)) فقال رجلٌ منَ القوم: وجبت یا نبيَّ الله، لو امتعتنا به، قال: فأتينا خییرَ فحاصرْناهم حتّی أصابتْنا تَخْمَصةٌ شديدةٌ، ثمَّ إنَّ اللهَ فَتَحَها عليهم، فلمَّا أمسَى الناسُ اليومَ الذي فُتِحَت عليهم أوْقَدوا نِيراناً كثيرةً، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((ما هذه النِّيرانُ؟ على أيِّ شيءٍ تُوقِدونَ؟» قالوا: على لحمٍ، قال: ((على أيِّ لحمٍ؟)) قالوا: على لحمٍ مُرٍ إِنسِيَّةٍ، فقال رسولُ اللهَ وَله: «أهْرِقوها واكْسِروها)) فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، أوْ نُهَرِيقُها ونَغْسِلُها؟ قال: ((أوْ ذاكَ)) فلمَّا تَصافَّ القومُ كان سيفُ عامٍ فيه قِصَرٌّ، فتَنَاوَلَ به يهودياً ليَضْرِبَه ويَرجِعُ ذُبابُ سيفِه، فأصاب رُكْبَةَ عامٍ فماتَ منه، فلمَّا قَفَلوا قال سَلَمةُ: رآني رسولُ اللهِ وَّهِ شاحباً، فقال لي: «ما لكَ؟)) فقلتُ: فِدَّى لكَ أبي وأُمّي، زَعَموا أنَّ عامراً حَبِطَ عَمَلُه! قال: ((مَن قاله؟)) قلتُ: قاله فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ، وأُسَيِدُ ابنُّ الحُضَيرِ الأنصاريُّ، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((كَذَبَ مَن قاله، إنَّ له لأجْرَينِ - وَعَ بينَ إِصْبَعَيه - إِنَّه لَجَاهِدٌ مجاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِّ نَشَأ بها مِثْلَه)). الحديث الثالث: حديث أبي هريرة: ((أصدَق كلمة قالها الشّاعر)) تقدَّم شرحه في أيام الجاهليّة (٣٨٤١). وقوله: ((عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة)) وَقَعَ في رواية زائدة بن قُدامةً(١): عن عبد الملِك (١) عند ابن أبي شيبة ٨/ ٦٩٤ -٦٩٥. ٥٥٤ باب ٩٠ / ح ٦١٤٧-٦١٤٨ فتح الباري بشرح البخاري ابن عُمَير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة به. وزاد بعد قوله: ((كلمة لَبيد)): ثمَّ تَمثَّلَ أوَّله وتَرَكَ آخره. وقد أخرج مسلم (٤/٢٢٥٦) من وجه آخر عن زائدة مِثل رواية سفيان ومَن تابَعَه، وهو المحفوظ. ٥٤٣/١٠ الحديث الرابع: / حديث سَلَمة بن الأكوع في قصَّة عامر بن الأكوع، تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في غزوة خَيْبَرَ (٤١٩٦) من كتاب المغازي. وقوله فیه: ((و کان عامر رجلاً شاعراً، فنزلَ يجدو بالقوم» يُؤخذ منه جميع التّرجمة لاشتِماله على الشِّعر والرَّجَز والحُدَاء، ويُؤخَذ منه الرَّجَز من جُملة الشِّعر. وقوله: ((اللهمَّ لولا أنتَ ما اهتَدَينا)) قال ابن التِّين: هذا ليس بشِعرٍ ولا رَجَز، لأنَّه ليس بمَوزُونٍ. وليس كما قال، بل هو رَجَز مَوزُون، وإنَّما زِيدَ في أوَّله سبب خفيف، ويُسَمَّى الخَزْم بالمعجَمتَينِ. وقوله: ((فاغفِرِ فِداءٌ لك ما اقتَفَينا)) أمَّا ((فِداء)) فهو بكسر الفاء والمدّ منوَّن، ومنهم مَن يقوله بالقصر، وشَرَطَ اتِّصاله بحرفِ الجرّ كالذي هنا، قاله ابن التِّين. وقال المازريُّ: لا يقال لله: فِداء لك، لأنَّها كلمة تُستَعمَل عند تَوقُّع مَكْروه لشخصٍ، فيختار شخصٌ آخر أن يَحِلّ به دونَ ذلك الآخر ويَفديه، فهو إمّا مَجَازٌ عن الرِّضا، كأنَّه قال: نفسي مَبذُولة لرِضاك، أو هذه الكلمة وَقَعَت خِطاباً لسامع الكلام، وقد تقدَّم له توجيه آخر في غزوة خَيبَرَ (٤١٩٦). وأما قوله: ((اقتفينا)) فمعناه: اتبعنا أثره(١)، وقال ابن بَطّال: معناه: اغفِرْ لنا ما ارتَكَبناه من الذُّنوب، و((فِداءٌ لك)) دعاء، أي: افِنا من عِقابك على ما اقتَرَفنا من ذُنوبنا، كأنَّه قال: اغفِر لنا وافِدِنا مِنكَ فِداء لك، أي: من عندك فلا تُعاقِبنا به. وحاصله: أنَّه جَعَلَ اللّام للتَّبِينِ مِثل: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]. واستُدلَّ بجوازِ الحُدَاء على جواز غِناء الرُّكبان المسَمَّى بالنَّصْب، وهو ضرب من النَّشيد بصوتٍ فيه تَطِيط، وأفرَطَ قوم فاستَدَلّوا به على جواز الغِناء مُطلَقاً بالألحان التي تَشتَمِل عليها (١) من قوله: ((وأما قوله)) إلى هنا أثبتناه من (ع) فقط، ولم يرد في (أ) و(س). ٥٥٥ باب ٩٠ / ح ٦١٤٩ كتاب الأدب الموسيقى، وفيه نظرٌّ. وقال الماورديُّ: اختُلِفَ فيه، فأباحَه قوم مُطلَقاً، ومَنَعَه قوم مُطلَقاً، وكَرِهَه مالك والشافعيّ في أصحّ القولَين، ونُقِلَ عن أبي حَنِيفة المنع، وكذا أكثر الحنابلة. ونَقَلَ ابن طاهر في كتاب ((السَّماع)) الجواز عن كثير من الصحابة، لكن لم يَثْبُت من ذلك شيء إلّا في النَّصْب المشار إليه أوَّلاً. قال ابن عبد البَرِّ: الغِناء الممنوع ما فيه تَطِيطٌ وإفسادٌ لوزنٍ الشِّعر، طلباً للطَّرَبِ وخروجاً من مذاهب العرب، وإنَّما ورَدَتِ الرُّخصة في الضَّرب الأوَّل دونَ ألحان العَجَم. وقال الماوَزْديُّ: هو الذي لم يزل أهل الحجاز يُرخّصونَ فيه من غير نَكِير إلّا في حالتَينِ: أن يُكثِرِ منه جدّاً، وأن يَصحَبه ما يُمنعُ منه. واحتَجَّ مَن أباحَه: بأنَّ فيه تَرويحاً للنَّفْس، فإِن فعَلَه ليقوى على الطاعة فهو مُطِيع، أو على المعصية فهو عاصٍ، وإلّا فهو مِثل التثُّه في البُستان والتَّفَرُّج على أثماره (١). وأطنَبَ الغَزاليّ في الاستدلال. ومُحصَّله: أنَّ الحُداء بالرَّجَزِ والشِّعر لم يزل يُفْعَل في الحَضْرة النبويَّة، ورُبَّما التُّمِسَ ذلك، وليس هو إلّا أشعار تُوزَن بأصواتٍ طيِّية وألحان مَوزُونة، وكذلك الغِناء أشعار مَوزونة تُؤَدَّى بأصواتٍ مُستَلَذّة وألحان مَوزُونة(٢). وقال الحَلِيميّ: ويلحقُ بالطاعة: ما يتعيَّنُ طريقاً إلى الدَّواء أو شَهِدَ به طَبِيبٌ عَدلٌ عارف. ٦١٤٩ - حدَّثنا مُسَّدٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قلابةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: أتى النبيُّ ◌ََّ على بعضِ نسائه - ومعهُنَّ أُمُّ سُلَيم - فقال: ((وَيَحَكَ يا أَنْجَشةُ! رُوَيَدَكَ سَوْقَكَ بالقَواریر)). قال أبو قلابةً: فتَكلَّمَ النبيُّ ◌َّه بكلمةٍ لو تكلَّمَ بها بعضُكم لَعِبتُموها عليه، قولُهُ: ((سوْقَكَ بالقوارير)). [أطرافه في: ٦١٦١، ٦٢٠٢، ٦٢٠٩، ٦٢١١،٦٢١٠] الحديث الخامس: قوله: ((إسماعيل)) هو ابن عُليَّةَ. (١) وقع في (أ) و(س): المارَّة، والمثبت من (ع) وهو أوجه. (٢) زاد هنا في (ع) و (س) عبارة: «وقد تقدم له توجيه آخر في غزوة خيبر، ولم ترد هذه العبارة في (أ)، وهو الصواب، إذ لا معنى لها هنا، ولعله سبق قلم من النساخ، فقد تقدمت العبارة نفسها قبل قليل. ٥٥٦ باب ٩٠ / ح ٦١٤٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «أتی النبيّ پژ على بعض نسائه)) يأتي في ((باب المعاریض» في روایة حمّاد بن زید عن أيوب (٦٢١٠): أنَّ رسول الله و ◌َيَ كان في سَفَر، وفي رواية شُعْبة عن ثابت عن أنس: كان في مَنزِله فحدا الحادي، وسيأتي ذلك في ((باب المعاريض)) (٦٢٠٩)، وأخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٢٨٥) والإسماعيليّ من طريق شُعْبة بلفظ: وكان معهم سائق وحادٍ. ولأبي داود الطَّيالسيِّ (٢١٦١) عن حمّاد بن سَلَمة عن ثابت عن أنس: كان أنجَشةُ يَحِدُو بالنِّساء، وكان البراء بن مالك يَجِدُو بالرِّجال، وأخرجه أبو عَوَانة(١) من رواية عَفّانَ عن حمّاد. وفي رواية قَتَادة عن أنس: كان للنبيّ رپڼ حادٍ يقال له: أنجشة، وكان حسن الصّوت، وسيأتي (٦٢١١) في «باب المعاريض))، وفي رواية وُهَيب (٦٢٠٢): وأنجَشة غلام النبيّ ◌َّهِ يَسوق بهِنَّ. وفي رواية مُميدٍ عن أنس: فاشتَدَّ بِهِنَّ في السِّياقة، أخرجها أحمد (١٢٠٤١) عن ابن أبي (٢) عَديّ عنه، وفي ٥٤٤/١٠ رواية حَمَّاد بن / سَلَمة عن ثابت: ((فإذا [حَدَا] (٣) أعنَقَتِ الإبل))(٤) وهي بعينٍ مُهمَلة ونون وقاف، أي: أسرَعَت وزنه ومعناه، والعَنَق بفتحَتَينِ قد تقدَّم بيانه في كتاب الحجّ (١٦٦٦). قوله: ((ومعهُنَّ أمّ سُلَيم)) في رواية حُميدٍ عن أنس عند الحارث: وكان يَحدو بأُمَّهات المؤمنينَ ونسائهم، وفي رواية وُهَيب عن أيوب كما سيأتي بعد عشرينَ باباً (٦٢٠٢): كانت أمّ سُلَيم في الثَّقَل، وفي رواية سليمان التَّيْميِّ عن أنس عند مسلم (٧٢/٢٣٢٣): كانت أمّ سُلَيم مع نساء النبيّ وَّةِ، أخرجه من طريق يزيد بن زُرَيع عنه، وأخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٢٨٧) من طريق زُهَير، والرَّامَهُرمُزيّ في ((الأمثال)) (٨٧) من طريق حَمَّاد بن مَسعَدة، كلاهما عن سليمان، فقال: ((عن أنس عن أمّ سُلَيم)) جعله من مُسنَد أمّ سُلَيم، والأوَّل هو المحفوظ، وحكى عِيَاض: أنَّ في رواية السَّمَر قَنديّ في مسلم: أُمّ سَلَمة بدلَ أمّ سُلَيم، قال: وقوله في الرِّواية الأُخرَى: ((مع نساء النبيّ ◌َّ﴾ يُقوِّي أنَّها ليست من نسائه. قلت: وتَضافُر (١) كما في («إتحاف المهرة)) ٤٨٣/١. (٢) لفظة ((أبي)) سقطت من (س). (٣) ما بين معقوفين سقطت من الأصول، وأثبتناها من ((مسند الطيالسي)). (٤) عزاها الحافظ قريباً لأبي داود الطيالسي (٢١٦١). ٥٥٧ باب ٩٠ / ح ٦١٤٩ كتاب الأدب الرِّوايات على أنَّها أمّ سُلَيم يقضي بأنَّ قوله: ((أمّ سَلَمة)) تصحيف. قوله: ((فقال: ويحك يا أنْجَشة)) في رواية حمّاد: كان في سَفَر له، وكان غلام يحدو بِهِنَّ يقال له: أنجَشة، وسيأتي في ((باب المعاريض)) (٦٢١٠)، وفي رواية مسلم (٢٣٢٣/ ٧٠) من هذا الوجه: كان في بعض أسفاره، وغلام أسود، وفي رواية للنَّسائيِّ (ك١٠٢٨٢) عن قُتَيبة عن حمّاد: وغلام له يقال له: أنجَشة. وهو بفتح الهمز وسكون النُّون وفتح الجيم بعدها شين مُعجَمة ثمَّ هاء تأنيث، ووَقَعَ في رواية وُهَيب: ((يا أنجَشُ)) على التَّرخيم، قال البَلاذُريّ: كان أنجَشة حَبَشّاً يُكْنى أبا مارية. وأخرج الطبرانيُّ (٢٠٥/٢٢) من حديث واثِلة: أنَّه كان مَّن نَّفاهم النبيّ وَّه من المخَتَّتِينَ(١). قوله: ((رُوَيدَك)) كذا للأكثر، وفي رواية سليمان التَّيْمِيِّ: ((رُوَيداً)، وفي رواية شُعْبة: ((ارفُقْ))، ووَقَعَ في رواية حُميدٍ: (رويدك ارفُق)) جَمَعَ بينهما، رُوّيناه في (جُزء الأنصاريّ)) عن حُميدٍ. وأخرجه الحارث عن عبد الله بن بكر عن حُميدٍ فقال: ((كذاك سَوْقك)) وهي بمعنى: كَفاك. قال عِيَاض: قوله: ((رويداً)) منصوب على أنَّه صِفَة لمحذوفٍ دَلَّ عليه اللَّفظ، أي: سُق سوقاً رويداً، أو احْدُ حَذْواً رُوَيداً، أو على المصدر، أي: أروِدْ(٢) رويداً، مِثل: ارفُق ◌ِفقاً، أو على الحال، أي: سِر رُوَيداً، أو رُوَيدك منصوب على الإغراء، أو مفعول بفعلٍ مُضمَر، أي: الزَمِ رِفْقَك، أو على المصدَر، أي: أروِدْ رُويدك. وقال الرَّاغِب: رُوَيداً من أرْوَدَ يُروِد، كأمهَلَ يُمهِل وزنه ومعناه، وهو من الرَّوْد - بفتح الرَّاء وسكون ثانيه - وهو التردُّد في طلبِ الشَّيء برفقٍ، رادَ وارتادَ، والرَّائد: طالب الكَلَا، ورادَتِ المرأة تَرُود: إذا مَشَت على هِينَتِها. وقال الرَّامَهُرمُزيّ: رُوَيداً تصغير رَوْد، وهو مصدر فِعل الرَّائد، وهو المبعوث في طلبٍ (١) وقد أشار إليه الحافظ خلال شرحه للحديث (٥٨٨٦)، وذكرنا هناك أنَّ إسناده ضعيف جداً، وأنه قد تحرَّف اسم أنجشة في مطبوع ((الطبراني)) إلى: الحشبة. (٢) تحرفت في (س) إلى: أورد. ٥٥٨ باب ٩٠ / ح ٦١٤٩ فتح الباري بشرح البخاري الشَّيء، ولم يُستَعمَل في معنى المُهْلَةِ(١) إلّا مُصغَّراً، قال: وذكر صاحب ((العين)): أنَّه إذا أُرِيدَ به معنى التَّرويدِ في الوعيد لم يُنَوَّن. وقال السُّهَيليُّ: قوله: ((رويداً)، أي: ارفُق، جاء بلفظ النَّصغير لأنَّ المراد النَّقليل، أي: ارفُق قليلاً، وقد يكون من تصغير المرخّم، وهو أن يُصَغَّر الاسم بعد حَذْف(٢) الَّوائد، كما قالوا في أسْوَد: سُوَيدٌ، فكذا في أرْوَد: رُوَید. قوله: ((سَوْقَك)) كذا للأكثر، وفي رواية حُميدٍ: ((سَيْرك)) وهو بالنَّصبِ على نَزْع الخافض، أي: ارفُق في سَوقِك، أو سُقهُنَّ كَسوقِك. وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): رويداً أي: ارفُق، وسَوْقَك مفعول به. ووَقَعَ في رواية مسلم: ((سَوْقاً»، وكذا للإسماعيليِّ في رواية شُعْبة، وهو منصوب على الإغراء بقوله: ارفُقْ سَوْقاً، أو على المصدر، أي: سُق سوقاً. وقرأت بخَطِّ ابن الصّائغ المتأخّر: رويدك، إمّا مصدر والكاف في محلّ خَفْض، وإمّا اسم فِعِلٍ والكاف حرف خطاب، وسوقَك بالنَّصبِ على الوجهَينِ، والمراد به: حَدْوك؛ إطلاقاً لاسم المسبَّب على السَّبَب. وقال ابن مالك: رويدك، اسم فِعلٍ بمعنى أرْوِد، أي: أمهِلْ، والكاف المتَّصِلة به حرف خِطاب، وفتحةُ دالِه بنائيَّة، ولك أن تجعل رُوَيدك مصدراً مضافاً إلى ٥٤٥/١٠ الكاف، ناصبُها (٣) سوقك، وفتحةُ دالِه على هذا إعرابيّة. وقال أبو البَقَاء: الوجه النَّصب/ بُرُوَيد، والتَّقدير: أمهِلْ سَوْقَك، والكاف حرف خطاب وليست اسماً، ورُوَيد يَتَعَدَّى إلى مفعول واحد. قوله: ((بالقَواريِرِ)) في رواية هشام عن قَتَادة: ((رُوَيدَك سَوْفَك، ولا تَكِرِ القَوارِير))(٤)، (١) تحرفت في (س) إلى: المهملة. (٢) تحرفت في (س) إلی: حرف. (٣) وقعت هذه اللفظة في المطبوع من ((شواهد التوضيح)) لابن مالك ص ٢٠٥: ((ناصباً)، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا من أصولنا الخطية و((عمدة القاري)) ١٨٦/٢٢، فهو أراد أن يبيِّن ما الذي نصبَ ((رويد)) التي دالها إعرابية، والله أعلم. (٤) أخرجها النسائي في ((الكبرى)) (١٠٢٨٣). ٥٥٩ باب ٩٠ / ح ٦١٤٩ كتاب الأدب وزاد حمّاد في روايته عن أيوب: ((قال أبو قِلابةَ: يعني النِّساء))(١)، ففي رواية همَّام عن قَتَادة: ((ولا تَكسِر القوارير. قال قَتَادةُ: يعني ضَعَفة النِّساء))(٢) والقَوارِير: جمع قارورة، وهي الزّجاجة، سُمّيَت بذلك لاستقرار الشَّراب فيها. وقال الرَّامَهُرمُزيّ: كَنَّى عن النِّساء بالقوارير لرٍقَّتِهِنَّ وضعفهنَّ عن الحركة، والنِّساء يُشَبَّهِنَ بالقوارير في الرِّقّة واللَّطافة وضعف البُنية، وقيل: المعنى: سُقهُنَّ كَسوقِك القوارير لو كانت محمولةً على الإبل. وقال غيره: شَبَّهَهُنَّ بالقوارير لسُرْعة انقلابِنَّ عن الرِّضا، وقِلّة دَوامِهِنَّ على الوفاء، كالقوارير يُسرِع إليها الكسر ولا تَقْبَل الجَبر، وقد استَعملَ الشُّعَراء ذلك، قال بشّار: ارَفُقْ بِعَمرٍو إذا حَرَّكتَ نِسبَتَه فإنَّه عربيٌّ مِن قَوارِيرِ(٣) قوله: «قال أبو قلابةَ: فَتَكلَّمَ النبيّ وَّه بكلمةٍ لو تَكلَّمَ بها بعضكم، لَعِبتُموها عليه: قوله: سَوْقَك بالقواريرِ)) قال الدّاووديُّ: هذا قاله أبو قلابةَ لأهلِ العراق لِما كان عندهم من التَّكَلُّف، ومُعارَضةِ الحقّ بالباطلِ. وقال الكِرْمانيُّ: لعلَّه نظر إلى أنَّ شرط الاستعارة أن يكون وجه الشَّبه جلياً، ولیس بين القارورة والمرأة وجه التشبيه(٤) ظاهراً، لكن الحقّ أنَّه كلام في غاية الحُسن والسَّلامة عن العَيب، ولا يَلزَم في الاستعارة أن يكون جَلاء وجه التَّشبيه من حيثُ ذاتهما، بل يكفي الجَلاء الحاصل من القَرائِن الحاصلة، وهو هنا كذلك. قال: ويحتمل أن يكون قَصْدُ أبي قِلابةَ أنَّ هذه الاستعارة من مِثْل رسول الله وَّله في البلاغة، ولو صَدَرَت من غيره مَّن لا بلاغةَ له لَعِبتُموها. قال: وهذا هو اللّائق بمَنصِبٍ أبي قلابةً. (١) ستأتي برقم (٦٢١٠). (٢) ستأتي برقم (٦٢١١). (٣) البيت من البسيط، وانظر ((ديوان بشار بن برد)) ٦٣/٤. (٤) زاد هنا في (س) عبارة ((من حيث ذاتهما)) وهو خطأ، فلم ترد هذه العبارة هنا في الأصلين ولا في ((شرح الکرماني» ٢٢/٢٢، وإنما ستأتي بعد سطرٍ كما هو واضح. ٥٦٠ باب ٩٠ / ح ٦١٤٩ فتح الباري بشرح البخاري قلت: وليس ما قاله الدّاووديُّ بعيداً، ولكنِ المراد مَن كان يَتَنَطَّع في العِبارةِ ويَتَجَنَّب الألفاظ التي تَشتَمِل على شيء من الهَزْل. وقريبٌ من ذلك قول شدَّاد بن أوس الصحابيّ لغلامه: ائْتِنا بسُفرةٍ نَعَبَث بها، فأُنكِرَتْ عليه، أخرجه أحمد (١٧١١٤)، والطبرانيُّ (٧١٥٧). قال الخطَّبيُّ: قيل: كان أنجَشةُ أسودَ، وكان في سَوْقه عُنْف، فأمَرَه أن يَرِفُق بالمطايا، وقيل: كان حسَنَ الصَّوت بالحُداءِ، فكَرهَ أن تَسمَع النِّساء الحُداء؛ فإنَّ حُسْن الصَّوت يُحرِّك من النُّفُوس، فشَبَّهَ ضعفَ عَزائِمِهِنَّ وسُرعةَ تأثير الصَّوت فيهنَّ بالقوارير في سُرعة الکسر إلیھا. وجَزَمَ ابن بَطّال بالأوَّل فقال: القوارير كِناية عن النِّساء اللّآتي كُنَّ على الإبل التي تُساقُ حينئذٍ، فأمَرَ الحادي بالرِّفقِ في الحُداء، لأنَّه يَحُثُّ الإبل حتَّى تُسرِع، فإذا أسرَعَت لم يُؤمَن على النِّساء السُّقوط، وإذا مَشَت رُوَيداً أُمِنَ على النِّساء السُّقوط، قال: وهذا من الاستعارة البديعة، لأنَّ القوارير أسرَع شيء تَكسِيراً، فأفادَتِ الكناية من الحَضّ على الرِّفق بالنِّساءِ في السَّير ما لم تُفِده الحقيقة لو قال: ارفُقْ بالنِّساءِ. وقال الطِّييُّ: هي استعارة؛ لأنَّ المشبّه به غير مذكور، والقَرِينة حاليَّة لا مقاليَّة، ولفظ الکسر ترشيح لها. وجَزَمَ أبو عُبيد الهَرَويُّ بالثّاني، وقال: شَبَّهَ النِّساء بالقوارير لضعفٍ عَزائِمِهِنَّ، والقوارير يُسرِع إليها الكسر، فخَشِيَ من سماعهنَّ النَّشيد الذي يَحدُو به أن يقع بقلوبِنَّ منه، فأمَرَه بالكفّ، فشَبَّهَ عَزائمَهنَّ بسُرعة تأثير الصَّوت فيهنَّ بالقوارير في إسراع الكسر إليها. ورَجِّحَ عِيَاض هذا الثّاني فقال: هذا أشبه بمَساق الكلام، وهو الذي يدلّ عليه كلام أبي قلابةَ، وإلّا فلو عَبَّرَ عن السُّقوط بالكسر لم يَعِبه أحد. وجَوَّزَ القُرطُبِيّ في ((المفهم)) الأمرَينِ، فقال: شَبَّهَهُنَّ بالقوارير لسُرعة تأثّرهنَّ وعَدَم تَجُلُّدهنَّ، فخافَ عليهنَّ من حَثِّ السَّير بسُرعة السُّقوط، أو التَّلُّ من كَثْرة الحركة والاضطراب ٥٤٦/١٠ الناشئ عن / السُّرعة، أو خافَ عليهنَّ الفتنة من سماع النَّشيد.