النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ باب ٤٨ / ح ٦٠٥٤ كتاب الأدب قوله: ((باب قول النبيّ وَّه: خَيْر دور الأنصار)) ذكر فيه أوَّل حديث أبي أُسَيدِ الساعديّ، وقد تقدَّم في المناقب (٣٧٨٩) بتمامه، وفي إيراده هذه التَّرجمة هنا إشكال، لأنَّ هذا ليس من الغِيبة أصلاً، إلّا إن أُخِذَ من أنَّ المفضَّل عليهم يَكرَهونَ ذلك، فيُستَئنَى ذلك من عُمُوم قوله: ((ذِكْرك أخاك بما يَكرَه))، ويكون مَحِلّ الَّجر إذا لم يَتَرتَّب عليه حُكم شرعيّ، فأمَّا ما يَتَرتَّب عليه حُكم شرعيّ فلا يَدخُل في الغِيبة، ولو كرهَه المحدّث عنه، ويدخل في ذلك ما يُذكَر لقصدِ النَّصيحة، من بيان غَلَط مَن يُحْشَى أن يُقَلَّد، أو يُغتَرّ به في أمر ما، فلا يَدخُل ذِكْره بما يَكرَه من ذلك في الغِيبة المحرَّمة كما سيأتي، وإليه يُشِير ما تَرجَمَ به المصنّف عَقِبَ هذا. وقال ابن التِّين: في حديث أبي أُسَيدٍ دليل على جواز المفاضلة بين الناس لمن يكون عالماً بأحوالهم، ليُنبِّه على فضل الفاضل ومَن لا يَلحَق بدَرَجَتِه في الفضل، فيُمَثَل أمُرُه بتنزيلِ الناس منازِهم، وليس ذلك بغيبةٍ. ٤٨- باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والرِّيَب ٦٠٥٤ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا ابنُ عُيَينةً، سمعتُ ابنَ المنكَدِرِ، سمعَ عُرْوةَ بنَ الزُّبَيرِ: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها أخبَرَتْه، قالت: استَأْذَنَ رجلٌ على رسولِ الله وَّةِ، فقال: (ائْذَنوا له، بِتْسَ أخو العَشِيرةِ - أو ابنُ العَشِيرةِ - فلمَّا دَخَلَ ألانَ له الكلامَ، قلتُ: یا رسولَ الله، قلتَ، الذي قلتَ ثمَّ أَنْتَ له الكلامَ؟ قال: «أَيْ عائشة، إنَّ شَرَّ الناسِ مَن تَرَكَه الناسُ - أو ودَعَه الناسُ - اتِّقاءَ فُحْشِهِ)). قوله: ((باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد)) ذكر فيه حديث عائشة في قوله: ((بئس أخو العَشيرة))، وقد تقدَّم شرحه قريباً (٦٠٣٢) في ((باب لم يكن النبيّ وَل﴿ فاحشاً)). وقد نُوزِعَ في كَون ما وَقَعَ من ذلك غِيبَةً، وإنَّما هو نَصيحَة ليُحذِّر السامع، وإنَّما لم يواجِه المُقُولَ فيه بذلك لحُسنِ خُلُقْهِ وَِّ، ولو واجَهَ المقُولَ فيه بذلك لكان حسناً، ولكن حَصَلَ القصد بدون مواجَهة. والجواب أنَّ المراد أنَّ صورة الغِيبة موجودة فيه، وإن لم يتناول الغِيبة ٤٢٢ باب ٤٩ / ح ٦٠٥٥ فتح الباري بشرح البخاري المذمومة شرعاً، وغايته أنَّ تعريف الغِيبة المذكور أوَّلاً هو اللُّغَويّ، وإذا استُنِيَ منه ما ذُكِرَ كان ذلك تعريفها الشّرعيّ. وقوله في الحديث: ((إنَّ شَرَّ الناس)) استئناف كلام كالتَّعلیل لتركِه مواجَهَتَه بما ذكره في ٤٧٢/١٠ غَيَتَه، ويُستَنَبَط منه أنَّ/ المجاهر بالفِسقِ والشّ لا يكون ما يُذكَر عنه من ذلك من ورائه من الغِيبة المذمومة، قال العلماء: تُباح الغِيبة في كلّ غَرَض صحيح شرعاً حيثُ يَتَعيَّن طريقاً إلى الوصول بها إليه، كالتَّظَلُّم، والاستعانة على تغيير المنكر، والاستفتاء، والمحاكمة، والتَّحذير من الشّ، ويَدخُل فيه تجريح الزُّواة والشُّهود، وإعلامُ مَن له ولاية عامّة بسيرة مَن هو تحت يده، وجوابُ الاستشارة في نِكاح، أو عَقدٍ من العُقود، وكذا مَن رأى مُتَفَقِّهاً يَتَرَدَّد إلى مُبتَدِع أو فاسق، وتخاف عليه الاقتداء به. وثمَّن تجوز غِيبَتَهم: مَن يَتَجاهَر بالفِسِقِ، أو الظُّلم أو البدعة. وممّا يَدخُل في ضابط الغِيبة وليس بغيبةٍ ما تقدَّم تفصيله في (باب ما يجوز من ذِكْر الناس))(١)، فُيُستَثَنَى أيضاً، والله أعلم. ٤٩- بابُ النّميمةُ من الكبائر ٦٠٥٥- حدَّثنا ابنُ سَلام، أخبرنا عَبِيدةُ بنُ مُميدٍ أبو عبدِ الرَّحمنِ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: خَرَجَ النبيُّنَّه من بعضِ حِيطان المدينةِ، فسمعَ صوتَ إنسانَيْنِ يُعذّبان في قُبورِهما، فقال: «يُعذَّبان وما يُعذَّبان في كبيرةٍ، وإِنَّه لكبيرٌ؛ كان أحدُهما لا يَستَتِرُ منَ البَوْلِ، وكان الآخَرُ يَمْشِي بالنَّمِيمِ)) ثمَّ دَعَا بجَرِيدةٍ فَكَسَرَها بِكِسْرَتَيْنِ - أو ثِنْتَينِ - فَجَعَلَ كِسْرَةَ في قَيْرِ هذا وكِسْرةً في قَبْرِ هذا، فقال: ((لعلَّه يُحُفَّفُ عنهما ما لم يَبَسا)). قوله: ((بابٌّ النَّميمة من الكبائر)) سَقَطَ لفظ: ((باب)) من رواية أبي ذرِّ وحده. ذكر فيه حديث ابن عبَّاس في قصَّة القبرَين، وهو ظاهر فيما تَرجَمَ به، لقولِه في سياق: ((وإنَّه لكبير))، وقد تقدَّم القول فيه في كتاب الطَّهارة (٢١٦ ,٢١٨)، وقد صحَّحَ ابن حِبّان (٨٢٤) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((وكان الآخر يُؤذي الناس بلسانه، ويَمْشِي بينهم بالنَّميمة)). (١) باب رقم (٤٥). ٤٢٣ باب ٥٠ / ح ٦٠٥٦ كتاب الأدب لطيفة: أبدَى بعضُهم للجمع بين هاتينِ الخَصلَتَينِ مُناسَبة، وهي أنَّ البَرزَخ مُقدِّمة الآخرة، وأوَّل ما يُقضَى فيه يوم القيامة من حقوق الله: الصلاة، ومَن حقوق العباد: الدِّماء، ومِفتاح الصلاة: التطُّر من الحَدَث والخَبَث، ومِفتاح الدِّماء: الغِيبة والسَّعي بين الناس بالنَّميمة بنَشِرِ الفِتن التي يُسفَك بسببها الدِّماء. ٥٠- باب ما يُكرَه من النميمة وقوله تعالى: ﴿هَمَّارٍ مَّشَآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]، ﴿وَيْلٌ لِِّكُلِّ هُمَزَقٍ لُمَّزَةٍ﴾[ يَهْمِزُ وَلْمِزُ ويَعِیبُ واحدٌ. [الهمزة: ١]، ٦٠٥٦- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن هنَّام، قال: کنَّا معَ خُذَيفةَ، فِقِيلَ له: إنَّ رجلاً يرفعُ الحديثَ إلى عُثْمانَ، فقال حُذَيفةُ: سمعتُ النبيَّ نَّه، يقول: ((لا يَدخُلُ الجِنَّةَ قَّاتٌ)). قوله: ((باب ما يُكرَه من النَّميمة)) كأنَّه أشارَ بهذه التَّرجمة إلى أن بعض القول المنقول على جهة الإفساد يجوز إذا كان المُقُول فيه كافراً مثلاً، كما يجوز التَّجَسُّس في بلاد الكفَّار ونقلُ ما یَضُرّهم(١). قوله: ((وقولِه تعالى: ﴿هَمَّزٍ مَّشَآءٍ بِنَمِيمٍ﴾) قال الرَّاغِب: هَمزُ الإنسان: اغتيابه، والنَّمّ: إظهار الحديث بالوشاية، وأصل النَّميمة الهَمْس والحركة. قوله: ((﴿وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَقٍ لُّمَزَةٍ﴾، يَهْمِزْ وَلْمِز ويَعِيب واحد)) كذا للأكثر، بكسر العين المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة بعدها موخَّدة، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ويَغْتَاب)) بغَينِ مُعجَمة ساكنة ثمَّ مُثنّة، وأظنّه تصحيفاً. والهُمَزةُ: الذي يَكثُر منه الهمز، وكذا/ اللُّمَزة، واللَّهْز: تَبُّع المعايِب. ونَقَلَ ابن التِّين أنَّ ٤٧٣/١٠ اللَّهْز: العَيب في الوجه، والهمز: في القَفا، وقيل: بالعكس، وقيل: الهمز: الكسر، واللَّمز: الطَّعن، فعلى هذا هما بمعنّى واحد، لأنَّ المراد بالكسر الكسرُ من الأعراض، وبالطَّعنِ الطَّعن (١) في الأصلين: ((يضربهم))، والمثبت من (س). ٤٢٤ باب ٥٠ / ح ٦٠٥٦ فتح الباري بشرح البخاري فيها، وحُكِيَ في ميم ((يَهَمِز)) و((يَلمِز)) الضَّمّ والكسر، وأسنَدَ البيهقيُّ عن ابن جُرَيج قال: الهمْزُ بالعينِ والشِّدْقِ واليد، واللَّهُزُ باللِّسان. قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوريّ، ومنصور: هو ابن المعتمِر، وإبراهيم: هو النَّخَعَيّ، وهمَّام: هو ابن الحارث، والسَّنَد كلّه كوفيّونَ. قوله: ((إنَّ رجلاً يرفع الحديث)) لم أقِفْ على اسمه، وعثمان: هو ابن عَفّانَ أمير المؤمنينَ. قوله: ((فقال حُذَيفة)) في رواية المُستَمْلي: ((فقال له حُذَيفة))، ولمسلم (١٠٥/ ١٧٠) من رواية الأعمَش عن إبراهيم: فقال حُذَيفة، وأرادَه أن يَسمَعَه. قوله: ((لا يَدخُل الجنَّة» أي: في أوَّل وهلة كما في نظائره. قوله: ((قَّات)) بِقافٍ ومُثنّاة ثقيلة وبعد الألف مُثنّة أُخرى: هو النَّام، ووَقَعَ بلفظ: (نَّام)) في رواية أبي وائل عن حُذَيفة عند مسلم (١٦٨/١٠٥)، وقيل: الفَرق بين القَتّات والنَّامِ: أنَّ النَّام الذي يحضُر القصة فيَنَقُلها، والقَتّات: الذي يَتَسَمَّع من حيثُ لا يُعلم به، ثمَّ يَنقُل ما سمعَه. قال الغَزالِيّ ما مُلخَّصه: ينبغي لمن ◌ُلَت إليه نَمِيمة أن لا يُصدِّق مَن نَمَّ له، ولا يَظُنّ بمَن نُمَّ عنه ما نُقِلَ عنه، ولا يَبحَث عن تحقيق ما ذُكِرَ له، وأن ينهاه ويُقبِّح له فِعلَه، وأن يُبْغِضِه إن لم يَنْزَجِر، وأن لا يرضى لنفسه ما نهى النَّامَ عنه، فَنِمّ هو على النَّام فيصير نَمّاماً. قال النَّوويّ: وهذا كلّه إذا لم يكن في النَّقْل مَصلَحة شرعيَّة، وإلّا فهي مُستَحبّة أو واجبة، كمَن الطَّلَعَ من شخص أنَّه يريد أن يُؤذي شخصاً ظُلماً فحَذَّرَه منه، وكذا مَن أخبر الإمام أو من له ولایةٌ بسیرة نائبه مثلاً، فلا منعَ من ذلك. وقال الغَزاليّ ما مُلخَّصه: النَّميمة في الأصل: نقلُ القول إلى المقُول فيه، ولا اختصاصَ لها بذلك، بل ضابطها كَشفُ ما يُكرَه كَشفُه، سواء كَرِهَه المنقول عنه أو المنقول إليه أو غير هما، وسواء كان المنقول قولاً أم فِعلاً، وسواء كان عَيباً أم لا، حتَّى لو رأى شَخصاً يُخْفي مالَه فأفشَى کان نَمِیمة. ٤٢٥ باب ٥١ / ح ٦٠٥٧ كتاب الأدب واختُلِفَ في الغِيبة والنَّميمَة هل هما مُتَغَايِرَتان أو مُتَّحِدَتان؟ والرَّاجح التَّغايُر، وأنَّ بينهما عُموماً وخصوصاً وجهيّاً، وذلك لأنَّ النَّميمَة: نقلُ حال الشّخص لغيره على جهة الإفساد بغير رِضاه، سواء كان بعِلمِه أم بغير عِلمِهِ، والغِيبة: ذِكْره في غَيِبَته بما لا يُرضيه، فامتازَتِ النَّميمة بقصدِ الإفساد، ولا يُشتَرَط ذلك في الغِيبة، وامتازَتِ الغِيبة بكَونها في غَيبة المُقُول فيه، واشتَرَكتا فيما عَدا ذلك. ومن العلماء مَن لم(١) يَشتَرِط في الغِيبة أن يكون المقُول فيه غائباً، والله أعلم. ٥١- باب قول الله تعالى: ﴿وَأَجْتَنِبُواْقَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] ٦٠٥٧- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((مَن لم يَدَع قولَ الزّورِ والعَمَلَ به والجَهْلَ، فليس لله حاجةٌ أن يَدَعَ طعامَه وشرابه)). قال أحمدُ: أفهَمَني رجلٌ إسنادَه. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ))) قال الرَّاغِب: الزُّور: الكذِب، قيل له ذلك لكَونِه مائلاً عن الحقّ، والزّورُ بفتح الزّاي: المَيْل. وكأن مَوقِع هذه التَّرجمة للإشارة إلى أنَّ القول المنقول بالنَّميمة لمَّا كان أعَمَّ من أن يكون صِدقاً أو كذباً، فالكذِب فيه أقبح. قوله: ((حدّثنا أحمد بن يونس)) هو أحمد بن عبد الله بن يونس، نُسِبَ إلى جَدّه، وقد تقدَّم حديث الباب في أوائل الصيام (١٩٠٣)، أخرجه عن آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذِئْب بالسَّنَد والمتن، وتقدّم/ شرحه هناك. ٤٧٤/١٠ وقوله هنا في آخره: ((قال أحمد: أفْهَمَني رجلٌ إسنادَه)) أحمد: هو ابن يونس المذكور. والمعنى: أنَّه لمَّا سمعَ الحديث من ابن أبي ذِئْب لم يَتَقَّن إسناده من لفظ شيخه، فأفهمه إيّاه رجلٌ كان معه في المجلس، وقد خالَفَ أبو داود (٢٣٦٢) رواية البخاريّ، فأخرج الحديثَ المذكور (١) لفظة (لم)) سقطت من (س). ٤٢٦ باب ٥١ / ح ٦٠٥٧ فتح الباري بشرح البخاري عن أحمد بن يونس هذا، لكن قال في آخره: قال أحمد: فَهِمتُ إسناده من ابن أبي ذِئْب، وأفهَمَني الحديثَ رجلٌ إلى جنبه أُراه ابنَ أخيه. وهكذا أخرجه الإسماعيليّ عن إبراهيم بن شَرِيك عن أحمد بن يونس، وهذا عكس ما ذكره البخاريّ، فإنَّ مُقتَضَى روايته أنَّ المتن فِهِمَه أحمد من شيخه، ولم يفهم الإسناد منه، بخلاف ما قال أبو داود وإبراهيم بن شَرِيك، فيُحمَل على أنَّ أحمد بن يونس حدَّث به على الوجهَينِ. وخَبَطَ الكِرْمانيُّ هنا فقال: قال: أفهَمَني، أي: كنتُ نَسِيتُ هذا الإسناد فذگّرني رجل إسناده، ووجه الخَبط: نِسَبَته إلى أحمد بن يونس نِسْيانَ الإسناد، وأنَّ التَّذكير وَقَعَ له من الرجل بعد ذلك، ولیس کذلك، بل أراد أنّه لمّا سمعه من ابن أبي ذِئْب خفي عنه بعض لفظه، أمَّا على رواية البخاريّ فمن الإسناد، وأمَّا على رواية أبي داود فمن المتن، وكان الرجل بجنبِه فكأنَّه اسْتَفْهَمَه عمَّا خَفِيَ عليه منه فأفهَمَه، فلمَّا كان بعد ذلك وتَصَدَّى للتَّحديثِ به، أخبر بالواقع ولم يَستَجِز أن يُسنِده عن ابن أبي ذِئْب بغير بيان. وقد وَقَعَ مِثل ذلك لکثیرِ من المحدِّثينَ، وعَقَدَ الخطيب لذلك باباً في كتاب ((الكِفاية))، وانظُر إلى قوله: ((أفهَمَني رجل إلى جَنِه» أي: إلى جنب ابن أبي ذِئب. ثمّ قال الکِرْمانيُّ: وأراد: رجلٌ عظيمٌ، والتَّنوین یدلّ علیه، والغرض مَدُ شيخه ابن أبي ذِئْب، أو رجل آخرُ غيره أفهَمَني. انتهى، ولم يَتَعيَّن أنَّه تعظيم للرجلِ الذي أفهَمَه من مُجَّد قوله: رجل، بل الذي فيه أنَّه إمّا نَسِيَ اسمه فعَبَّرَ عنه برجلٍ، أو كَنَّى عن اسمه عمداً، وأمَّا مَدخُ شيخه فليس في السّياق ما يقتضيه. قلت: وابن أبي ذِئْب، هو محمّد بن عبد الرّحمن بن المغيرة المخزوميّ، وكان له أخَوَان، المغيرة وطالوت، ولم أقِفْ على اسم ابن أخيه المذكور، ولا على تعيين أبيه أيّهما هو. قال ابن التِّين: ظاهر الحديث أنَّ مَن اغتابَ في صومه فهو مُفطِر، وإليه ذهب بعض السَّلَّف، وذهب الجمهور إلى خِلَافه، لكنَّ معنى الحديث أنَّ الغِيبة من الكبائر، وأنَّ إثمها لا يَفي له بأجرٍ صومه، فكأنَّه في حکم المفطِر. قلت: وفي کلامهمُناقشة؛ لأنَّ حدیث الباب لا ذِكْر للغیبة فیه، وإنّما فيه قول الزور والعَمَل به والجهل، ولكنَّ الحُكم والتَّأويل في كلّ ذلك ما أشار إليه، والله أعلم. ٤٢٧ باب ٥٢ / ح ٦٠٥٨ كتاب الأدب وقوله فيه: ((فليس لله حاجة)) هو مجاز عن عَدَم قَبُول الصوم. ٥٢- باب ما قيل في ذي الوجهین ٦٠٥٨ - حدّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا أبو صالح، عن أبي هريرةَ عُهُ، قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((تَجِدُ من شِرار الناسِ يومَ القيامةِ عندَ الله ذا الوَجْهَينِ، الذي يأتي هؤُلاءِ بوَجْهٍ، وهؤُلاءِ بوَجْمٍ». قوله: «باب ما قيل في ذي الوَجْهَینِ» أورَدَ فیه حديث أبي هريرة، وفيه تفسیره، وهو من جُملة صور النَّام. قوله: (تَجِدِ من شِرار الناس)) كذا وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((شِرار)) بصيغة الجمع، وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٠٢٥) من طريق أبي معاوية عن الأعمَش بلفظ: ((إنَّ من شَرّ الناس))، وقد تقدَّم في أوائل المناقب (٣٤٩٤) من طريق عُمارة بن القعقاع عن أبي زُرْعة عن أبي هريرة بلفظ: ((َجِدونَ شَرّ الناس))، وأخرجه مسلم (٢٥٢٦) من هذا الوجه، ومن رواية ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب عنه بلفظ: (تَجِدونَ من شَرّ الناس ذا الوجهَين))، وأخرجه أبو داود (٤٨٧٢) من رواية سفيان بن عُبَينَةَ عن / أبي الزناد عن الأعرَج عنه بلفظ: ((من شَرّ ٤٧٥/١٠ الناس ذو الوجهَينِ))، ولمسلم (٩٨/٢٦٠٤) من رواية مالك عن أبي الزِّناد: ((إنَّ من شَرّ الناس ذا الوجهَينِ))، وسيأتي في الأحكام (٧١٧٩) من طريق عِرَاك بن مالك عنه بلفظ: ((إنَّ شَرّ الناس ذو الوجهَينِ))، وهو عند مسلم (٩٩/٢٦٠٤) أيضاً، وهذه الألفاظ مُتَقاربة، والرِّوايات التي فيها: (شَرّ الناس)) محمولة على الرِّواية التي فيها: ((من شَرّ الناس))، ووصفه بكَونِهِ شَرّ الناس أو من شَرّ الناس مُبالَغة في ذلك، ورواية: ((أشَرُّ الناس)) بزيادة الألف لغة في شَرّ، يقال: خير وأخيَرَ، وشَرّ وأشَرُّ بمعنَى، ولكنِ الذي بالألفِ أقلُّ استعمالاً. ويحتمل أن يكون المراد بالناس: مَن ذُكِرَ من الطائفَتَينِ المتضادَّتَينِ خاصّة، فإنَّ كلَّ طائفة منهما تُجانِبٌ للأُخرى ظاهراً، فلا يُتمكَّن من الاطّلاع على أسرارها إلّا بما ذُكِرَ من خِداعه الفريقينِ لَيَطَّلِع على أسرارهم، فهو شَرُّهم كلِّهم. والأَوْلى حمل الناس على عُمُومه، ٤٢٨ باب ٥٢ / ح ٦٠٥٨ فتح الباري بشرح البخاري فهو أبلَغُ في الذَّمّ، وقد وَقَعَ في رواية الإسماعيليّ من طريق أبي شِهاب(١) عن الأعمَش بلفظ: ((مِن شَرّ خلق الله ذو الوجهَينِ)). قال القُرطُبيّ: إنَّما كان ذو الوجهَينِ شَّ الناس، لأنَّ حالَه حالُ المنافق، إذ هو مُتَمَلِّق بالباطلِ وبالكذِب، مُدخِلٌ للفسادِ بين الناس. وقال النَّوويّ: هو الذي يأتي كلّ طائفة بما يُرضِيها، فيُظهِر لها أنَّه منها ومخالف لضِدِها، وصَنیعُه نِفاق ومَحَضُ كذبٍ وخداع، وتَحُّل على الاطّلاع على أسرار الطائفَتَين، وهي مُداهَنة مُرَّمة. قال: فأمَّا مَن يَقصِد بذلك الإصلاحَ بين الطائفَتَينِ فهو محمود. وقال غيره: الفَرق بينهما: أنَّ المذموم مَن يُزَيِّن لكلِّ طائفة عَمَلها ويُقبّحه عند الأُخرى، ويَذُمّ كلّ طائفة عند الأُخرَى، والمحمود أن يأتي لكلِّ طائفة بكلامٍ فيه صلاح الأُخرى، ويَعْتَذِر لكلِّ واحدة عن الأُخرَى، ويَنْقُل إليها ما أمكَّنَه من الجميل ويَستُر القبيح. ويُؤيِّد هذه التَّفرِقة رواية الإسماعيليّ من طريق ابن نُمَير عن الأعمَش: ((الذي يأتي هؤلاءِ بحديثٍ هؤلاءِ وهؤلاءِ بحديثٍ هؤلاءِ)). وقال ابن عبد البَرِّ: حَمَلَه على ظاهره جماعة وهو أوْلى، وتأوَّلَه قوم على أنَّ المراد به مَن يُرائي بعَمَلِه، فيُري الناس خُشوعاً واستكانة، ويُوهِمُهم أنَّه يَخْشَى الله، حتَّى يُكرِموه، وهو في الباطن بخِلَاف ذلك، قال: وهذا مُتَمَل لو اقتَصَرَ في الحديث على صَدْره، فإنَّه داخل في مُطلَق ذي الوجهَين، لكن بَقِيَّة الحديث تَرُدّ هذا التَّأويل، وهي قوله: ((يأتي هؤلاءِ بوجهٍ، وهؤلاءِ بوجهٍ)). قلت: وقد اقتَصَرَ في رواية التِّرمِذيّ (٢٠٢٥) على صَدْر الحديث، لكن دَلَّت بَقيَّة الرِّوايات على أنَّ الراوي اختَصَرَه، فإنَّه عند التِّرمِذيّ من رواية الأعمش، وقد ثبتَ هنا من رواية الأعمش بتمامه، ورواية ابن نُمَير التي أشرت إليها هي التي تَرُدّ التَّأويل المذكور صريحاً، وقد رواه البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٣١٣) من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: ((لا ينبغي لذي الوجهَينِ أن يكون أميناً»، وأخرج أبو داود (٤٨٧٣) من حديث عَّار بن ياسر قال: قال رسول الله: ((مَن كان له وجهان (١) تحرفت في (ع) إلى: ابن شهاب، والمثبت من (أ) و(س)، وأبو شهاب هذا هو عبد ربه بن نافع الكناني الحناط. انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)). ٤٢٩ باب ٥٣ / ح ٦٠٥٩ كتاب الأدب في الدُّنيا كان له يومَ القيامة لسانان من نار))، وفي الباب عن أنس أخرجه ابن عبد البَرِّ بهذا اللَّفَظ (١)، وهذا يتناول الذي حكاه ابن عبد البَرِّ عمَّن ذكره، بخِلَاف حديث الباب فإنَّه فُسِّرَ بِمَن يَتَرَدَّد بين طائفَتَينِ من الناس، والله أعلم. ٥٣- باب من أخبر صاحبه بما یقال فیه ٦٠٥٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، أخبرنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن ابنِ مسعودٍ ◌ُ، قال: قَسَمَ رسولُ الله ◌َّهِ قِسْمةً، فقال رجلٌ منَ الأنصار: والله ما أرادَ محمَّدٌ بهذا وجهَ الله، فأتيتُ رسولَ الله ◌َِّ فأخبَرْتُه، فَتَمَعَّرَ وجهُه، وقال: ((رَحِمَ الله موسى، لقد أوذِيَ بأكثرَ من هذا فصَبَرَ)). قوله: ((باب مَن أخبر صاحبه بما يقال فيه)) قد تقدَّمَتِ الإشارة إلى أنَّ المذموم مِن نَقَلة الأخبار مَن يَقصِد الإفساد، / وأمَّا مَن يَقصِد النَّصيحة ويَتَحرَّى الصِّدق ويَجَتَنِب الأذَى فلا، وقَلَّ مَن ٤٧٦/١٠ يُفرِّق بين البابين، فطريق السَّلامة في ذلك لمن يَخْشَى عَدَم الوقوف على ما يُباح من ذلك ممّا لا يُباح الإمساك عن ذلك. وذكر فيه حديث ابن مسعود في إخباره النبيّ وَله بقولِ القائل: هذه قِسمةٌ ما أُرِيدَ بها وجهُ الله، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى (٦١٠٠) في ((باب الصَّبر على الأذَى)) إن شاء الله تعالى. وقوله في هذه الرِّواية: ((فَتَمَعَّرَ وجهه)) بالعين المهمَلة، أي: تَغيَّرَ من الغضب، وللكُشْمِيهنيّ: ((فَتَمَغَّرَ)) بالغَينِ المعجَمة، أي: صارَ لونه لونَ المَغَرة. وأراد البخاريّ بالتَّرجمة بيانَ جواز النَّقل على وجه النَّصيحة، لكونِ النبيّ وَلّ لم يُنكِرِ على ابن مسعود نَقلَه ما نَقَلَ، بل غَضِبَ من قول المنقول عنه، ثمَّ حَلُمَ عنه وصَبَرَ على أذاه، ائتِساءً(٢) بموسى عليه السلام، وامتثالاً لقولِه تعالى: ﴿فَيِهُدَ لُهُمُ أَقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. (١) أخرجه في ((التمهيد)) ٢٦٢/١٨ لكن جعل بدل قوله: ((له وجهان)): من كان ذا لسانين ... إلى آخره. (٢) في (ع): تأسِّياً. ٤٣٠ باب ٥٤ / ح ٦٠٦٠ - ٦٠٦١ فتح الباري بشرح البخاري ٥٤- باب ما يُکره من التّمادح ٦٠٦٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ الصَّاحِ، حدَّثنا إسماعیلُ بنُ زکریّا، عن بُرَیدٍ بن عبدِ الله بنِ أبي بُرْدقَ، عن أبي بُرْدَ، عن أبي موسى، قال: سمعَ النبيُّ ◌َّه رجلاً يُثْني على رجلٍ، ويُطْرِيه في المِدْحِةِ، فقال: ((أهلَكْتُم - أو قَطَعْتُم - ظَهْرَ الرجلِ)). ٦٠٦١ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن خالدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه: أنَّ رجلاً ذُكِرَ عندَ النبيِّ وَّةِ، فَأَثْنَى عليه رجلٌ خيراً، فقال النبيُّ ◌َّ: ((ويحَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صاحبِكَ - يقوله مِراراً - إن كان أحدُكم مادحاً لا تَحالةَ فلْيَقُل: أحسِبُ كذا وكذا، إن كان يُرَى أَنَّه كذلك، واللهُ حَسِيبُهُ، ولا يُزَّى على الله أحدٌ». قال وُهَيبٌ، عن خالدٍ: ((ويلَكَ)). قوله: ((باب ما يُكرَه من التَّادُح)) هو تَفاعُل من المدح، أي: المبالَغ، والمُتمدِّح: المُتكلِّف، والمادَحة، أي: مَدْح كلّ من الشّخصَينِ الآخر، وكأنَّه تَرجَمَ ببعضٍ ما يدلّ عليه الخبر، لأنَّه أعَمُّ من أن يكون من الجانبين أو من جانب واحد، ويحتمل أن لا يريد حمل التَّفاعُل فيه على ظاهره، وقد تَرجَمَ له في الشَّهادات (٢٦٦٣): ((ما يُكرَه من الإطناب في المدح». أورد فیه حدیثین: الأول: حديث أبي موسى، قال فيه: ((حدَّثنا محمَّد بن الصَّاح)) بفتح المهمَلة وتشديد الموحّدة وآخره حاء مُهمَلة: هو البزَّار، ووَقَعَ هنا في رواية أبي ذرٍّ: ((محمَّد بن صَبّاح)) بغير ألِف ولام، وتقدَّم الكلّ في الشَّهادات بهذا الحديث بعينه، وأخرجه مسلم (٣٠٠١) عنه، فقال: ((حدَّثنا أبو جعفر محمَّد بن الصَّاح)). وهذا الحديث مَّ اتَّفَقَ الشَّيخان على تخريجه عن شيخ واحد، وممّاً ذكره البخاريّ بسنده ومتنه في موضعین، ولم يَتَصَرَّف في متنه ولا إسناده، وهو قليل في کتابه، وقد أخرجه أحمد في «مُسنَده)) (١٩٦٩٢) عن محمَّد بن الصَّاح، وقال عبد الله بن أحمد بعد أن أخرجه عن أبيه عنه: قال عبد الله: وسمعته أنا من محمَّد بن الصَّاح، فذكره. وإسماعيل بن زكريّا ٤٣١ باب ٥٤ / ح ٦٠٦١ كتاب الأدب شيخه: هو الخُلقانيّ بضمِ المعجمة وسکون اللّام بعدها قاف، وبُريد، بموحّدةٍ وراء: يُكنى أبا بزدةمِثل گُنیة جَدّه، وهو شيخه فیه. وقوله: ((عن بُرَيدِ)) في رواية الإسماعيليّ: حدَّثنا بُرَید. قوله: ((سمعَ النبيُّ ◌َّه رجلاً يُثْني على رجل)» لم أقِفْ على اسمهما صريحاً، ولكن أخرج أحمد (١٨٩٧٦)، والبخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٣٤١) من حديث مِحْجَن بن الأدْرَع الأسلَميِّ قال: أخَذَ رسول الله وَلَّ بِيَدِي ... فذكر حديثاً/ قال فيه: فدَخَلَ المسجد، فإذا رجل ٤٧٧/١٠ يُصلّي، فقال لي: «مَن هذا؟)) فأثنیتُ علیه خیراً، فقال: ((اسُت، لا تُسمِعه فتُهلِکه))، وفي رواية له: فقلت: يا رسول الله، هذا فلان، وهذا وهذا، وفي أُخرى له: هذا فلان، وهو من أحسن أهل المدينة صلاةً، أو من أكثر أهل المدينة .. الحدیث. والذي اثنَی علیه مِحْجَن يُشبه أن یکون هو عبد الله ذو البِجادَين المُزَنيّ، فقد ذكرتُ في ترجمته في ((الصحابة)) ما يقرب ذلك. قوله: ((ويُطْريه )) بضمِّ أوَّله وبالطاءِ المهمَلة، من الإطراء: وهو المبالَغة في المَدْح، وسأذكر ما وَرَدَ في بيان ما وَقَعَ من ذلك في الحديث الذي بعده. قوله: ((في المِذْحة)) بكسر الميم، وفي نُسخة مَضَت في الشَّهادات: ((في المدح)) بفتح الميم بلا هاء، وفي أُخرى: ((في مَدحِه)) بفتح الميم وزيادة الضَّمير، والأوَّل هو المعتمَد. قوله: (لقد أهلَكْتُم - أو قَطَعْتُم - ظَهْر الرجل)) كذا فيه بالشكّ، وكذا لمسلم، وسيأتي في حديث أبي بكرة الذي بعده بلفظ: ((قَطَعتَ عُنُق صاحبك)) وهما بمعنَى، والمراد بكلّ منهما الهلاك، لأنَّ مَن يُقطَع عُنُقُه يُقتَل، ومَن يُقطَع ظهره يَهلِك. الحديث الثاني: قوله: ((عن خالد)) هو الحَذّاء، وصَرَّحَ به مسلم في روايته (٦٦/٣٠٠٠) من طريق غُندَر عن شُعْبة. قوله: ((أنَّ رجلاً ذُكِرَ عندَ النبيّ نَّهِ، فَأَثْنَى عليه رجلٌ خيراً» وفي رواية غُندَر: فقال رجل: يا رسول الله، ما مِن رجلٍ بعد رسول الله وَل﴿ أفضلُ منه في كذا وكذا)) لعلَّه يعني الصلاة، لما سيأتي. ٤٣٢ باب ٥٤ / ح ٦٠٦١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وَيَحَك)) هي كلمة رحمة وتَوجِّع، وويل كلمة عذاب، وقد تأتي موضع ويح كما سأذكره. قوله: ((قَطَعْتَ عُنُق صاحبك - يقوله مِراراً -)) في رواية يزيد بن زُرَيعِ عن خالد الحَذّاء التي مَضَت في الشَّهادات(١): ((ويحكَ، قَطَعتَ عُنُق صاحبك، قَطَعتَ عُنُق صاحبك)) مِراراً، وبيَّن في رواية وُهَيب التي سأُنّبِّه عليها بعدُ (٦١٦٢): أنَّه قال ذلك ثلاثاً. قوله: ((إن كان أحدكم)) في رواية يزيد بن زُرَبِعٍ: ((وقال: إن كان)) (٢). قوله: ((لا محالةَ)) أي: لا حيلة له في ترك ذلك، وهي بمعنى: لا بُدَّ، والميم زائدة، ويحتمل أن يكون من الحَوْل، أي: القوّة والحركة. قوله: ((فلْيَقُل: أحْسِبُ كذا وكذا، إن كان يُرَى)) بضمٍّ أوَّله، أي: يَظُنّ، ووَقَعَ في رواية یزید بن زُرَیعٍ: «إن کان یعلم ذلك)) وكذا في رواية وُهَيب. قوله: ((والله حَسِيبُه)) بفتح أوَّله وكسر ثانيه وبعد التَّحتانيَّة الساكنة موحّدة، أي: كافيه، ويحتمل أن يكون هنا فعيل من الحساب، أي: مُحاسِبه على عَمَله الذي يعلم حقيقته، وهي ◌ُملة اعتراضيَّة. وقال الطِّييُّ: هي من تَتِمّة القول، والجملة الشَّرطيَّة حال من فاعل ((فليَقُل))، والمعنى: فليَقُل: أحسِب أنَّ فلاناً كذا، إن كان يحسِب ذلك منه، والله يعلم سِرّه لأنَّه هو الذي يُجازِيه، ولا يَقُل: أتيَقَّن ولا أتحَقَّق جازِماً بذلك. قوله: ((ولا يُزَّى على الله أحد)) كذا لأبي ذرِّ عن المُستَمْلي والسَّرَخْسيّ: بفتح الكاف على البناء للمجهولِ، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ولا يُزِّي)) بكسر الكاف على البناء للفاعلِ، وهو المخاطَب أوَّلاً المقُول له: فليَقُل، وكذا في أكثر الرِّوايات، وفي رواية غُندَر: ((ولا أُزَكّي)) بهمزة بَدَل التَّحتانيَّة، أي: لا أقطَع على عاقبة أحد ولا على ما في ضميره، لكونِ ذلك مُغيَّاً عنه، وجيءَ بذلك بلفظ الخبر، ومعناه: النَّهي، أي: لا تُزَكّوا أحداً على الله لأنَّه أعلم بكم منكم. (١) لم تتقدم في الشهادات، بل هي عند مسلم (٣٠٠٠) (٦٥). (٢) رواية يزيد بن زريع في ((صحيح مسلم)): إذا كان أحدكم مادحاً. ٤٣٣ باب ٥٤ / ح ٦٠٦١ كتاب الأدب قوله: ((قال وُهَيب عن خالد)) يعني: بسندِه المذكور: ((ويلك)) أي: وَقَعَ في روايته: ((ويلك)) بَدَل ((ويحك))، وستأتي رواية وُهَيب موصولة (٦١٦٢) في ((باب ما جاء في قول الرجل: ويلك)) ويأتي شرح هذه اللَّفظة هناك. قال ابن بَطّل: حاصل النَّهي: أنَّ مَن أفرَطَ في مَدحٍ آخرَ بما ليس فيه، لم يَأْمَن على الممدوح العُجْبَ لظنِّه أنَّه بتلك المنزلة، فرُبَّمَا ضَيَّعَ العَمَل والازدِيادَ من الخير اتكالاً على ما وُصِفَ به، ولذلك تأوَّلَ العلماء في الحديث الآخر: ((احْثُوا في وجوه المدّاحينَ التُّراب)) أنَّ المراد بهم: مَن يَمدَح الناس في وجوههم بالباطل، وقال عمر: المَدْح هو الذَّبح. قال: وأمَّا مَن مُدِحَ بما فيه فلا يَدخُل في النَّهي، فقد مُدِحَ وََّ في الشِّعر والخُطَب والمخاطَبة ولم يَحثُ في وجه مادحه تراباً. انتهى مُلخَّصاً، فأمَّا/ الحديث المشار إليه فأخرجه مسلم (٣٠٠٢) من ٤٧٨/١٠ حديث المقداد، وللعلماءِ فيه خمسة أقوال: أحدها: هذا، وهو حمله على ظاهره، واستعملَه المقداد راوي الحديث، والثّاني: الخيبة والحِرمان، كقولهم لمن رَجَعَ خائباً: رَجَعَ وكَفّه مملوءة تراباً. والثّالث: قولوا له: يفِيك التُراب، والعرب تَستَعمِل ذلك لمن تَكرَه قوله. والرَّابع: أنَّ ذلك يَتَعلَّق بالممدوح، كأن يأخُذ تراباً فيَبَذُرَه بين يَدَيهِ يَتَذَكَّر بذلك مَصِيره إليه، فلا يَطغَى بالمدحِ الذي سمعَه. والخامس: المراد بحَثِ التُراب في وجه المادح: إعطاؤه ما طَلَبَ، لأنَّ كلّ الذي فوق التُراب تراب، وبهذا جَزَمَ البَيْضاويّ وقال: شَبَّهَ الإعطاء بالحتي على سبيل التَّرشيح والمبالَغة في التَّقليل والاستهانة. قال الطِّييُّ: ويحتمل أن يُراد: دفعُه عنه وقطع لسانه عن عِرضِه بما يُرضيه من الرَّضخ، والدّافع قد يَدِفَع خَصْمه بحَثْي التُّراب على وجهه استهانةً به. وأمَّا الأثر عن عمر فورَدَ مرفوعاً، أخرجه ابن ماجَهْ (٣٧٤٣)، وأحمد (١٦٨٣٧) من حديث معاوية: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول .. فذكره بلفظ: ((إِيّاكم والتَّادُح فإنَّه الذَّبح))، وإلى لفظ هذه الرِّواية رَمَزَ البخاريّ في التَّرجمة، وأخرجه البيهقيُّ في «الشَّعَب)» (٤٨٧٠ و١٣٠٧) مُطوَّلاً، وفيه: ((وإِيّاكم والمدح فإِنَّه من الذَّبح)). ٤٣٤ باب ٥٥ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا ما مُدِحَ به النبيّ وَّ فقد أرشَدَ مادِحِيه إلى ما يجوز من ذلك بقوله ◌َّ: ((لا تُطْروني كما أطرَتِ النَّصارَى عيسى ابن مريم)) الحديث، وقد تقدَّم بيانه في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٥). وقد ضَبَطَ العلماء المبالَغة الجائزة من المبالَغة الممنوعة بأنَّ الجائزة يَصحَبها شرط أو تقريب، والممنوعة بخِلَافها، ويُستَئنَى من ذلك ما جاء عن المعصوم فإنَّه لا يحتاج إلى قَيد، كالألفاظِ التي وَصَفَ النبيُّ وَّهَ بها بعض الصحابة، مِثل قوله لابنِ عُمَر: ((نِعمَ العَبد عبدُ الله))(١) وغير ذلك. وقال الغَزاليّ في ((الإحياء)): آفة المدح في المادح؛ أنَّه قد يَكذِب وقد يُرائي الممدوح بمَدحِه، ولا سيَّما إن كان فاسقاً أو ظالماً، فقد جاء في حديث أنس رَفَعَه: ((إذا مُدِحَ الفاسق غَضِبَ الرَّبّ)) أخرجه أبو يَعْلى(٢)، وابن أبي الدُّنيا في «الصَّمت)) (٢٢٩)، وفي سنده ضعف، وقد يقول ما لا يَتَحقَّقه ممَّا لا سبيل له إلى الاطِّلاع عليه، ولهذا قال ◌َّ: «فليَقُل: أحسِب))، وذلك كقوله: إنَّه ورِع ومُتَّقٍ وزاهد، بخِلَاف ما لو قال: رأيته يُصَلّ أو يَحُجّ أو يُزكّي، فإِنَّه يُمكِنِه الاطّلاع على ذلك، ولكن تَبقَى الآفة على الممدوح، فإنَّه لا يُؤْمَن أن يُحدِث فيه المدحِ كِبْراً أو إعجاباً، أو يَكِلَه على ما شَهَرَه به المادح فيَقتُّر عن العَمَل، لأنَّ الذي يَسْتَمِّرّ في العَمَل غالباً هو الذي يَرَى نفسه مُقَصِّراً، فإن سَلِمَ المدح من هذه الأمور لم يكن به بأس، ورُبَّما كان مُستَحَبّاً. قال ابن عُبَينَةَ: مَن عَرَفَ نفسه لم يَضُرّه المدح. وقال بعض السَّلَف: إذا مُدِحَ الرجل في وجهه فليقُل: اللهمَّ اغْفِر لي ما لا يعلمونَ، ولا تُؤَاخِذْنِي بما يقولون، واجعَلني خيراً ممَّا يَظُنّونَ، أخرجه البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٤٨٧٦). ٥٥ - باب من أثنی علی أخیه بما یَعلم وقال سَعْدٌ: ما سمعتُ النبيَّ ◌ََّ يقول لأحدٍ يَمْشي على الأرضِ: ((إنَّه من أهلِ الجنَّةِ)) إلّا لعبدِ الله بنِ سَلَامٍ. (١) تقدم برقم (١١٢٢). (٢) في ((مسنده الكبير)) كما في «إتحاف الخيرة)) (٧٢٦٠) و(٧٢٦١) للبوصيري. ٤٣٥ باب ٥٥ - ٥٦ / ح ٦٠٦٢ - ٦٠٦٣ كتاب الأدب ٦٠٦٢ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن سالم، عن أبيه: أنَّ رسولَ اللهِوَلِّحِينَ ذَكَر في الإزار ما ذَكَر، قال أبو بكر: يا رسولَ الله، إنَّ إزاري يَسْقُطُ من أحدٍ شِقَّيه؟ قال: ((إِنَّكَ لستَ منهم)). قوله: ((باب مَن أثْنَى على أخيه بما يَعْلَم)) أي: فهو جائز ومُستَثَنَّى من الذي قبله، والضّابِط أن لا يكون في المدح مُجازَفة، / ويُؤمَن على الممدوح الإعجاب والفتنة، كما تقدَّمَ. ٤٧٩/١٠ قوله: ((وقال سَعْد)) هو ابن أبي وقّاص، وتقدَّم الحديث المذكور موصولاً (٣٨١٢) في مناقب عبد الله بن سلام من كتاب المناقب. ثم ذكر حديث ابن عمر موصولاً في قصَّة جَرّ الإزار: فقال أبو بكر: إنَّ إزاري يَسقُط من أحد شِقَّيه، قال: ((إِنَّك لست منهم))، وقد تقدَّم أبسط من هذا في كتاب اللِباس (٥٧٨٤)، وفي لفظ: ((إنَّك لست مَمَّن يفعل ذلك خُيَلاء)) وهذا من ◌ُملة المدح، لكنَّه لمَّا كان صِدقاً محضاً، وكان الممدوح يُؤمَن معه الإعجاب والكِبْرِ، مُدِحَ به، ولا يَدخُل ذلك في المنع، ومن جُملة ذلك الأحاديث المتقدِّمة في مناقب الصحابة، ووُصِفَ كلّ واحد منهم بما وُصِفَ به من الأوصاف الجميلة، كقوله ﴿ ﴿ لعمر: ((ما لَقيَك الشَّيطان سالكاً فَجّاً إلّا سَلَكَ فَجّاً غيرِ فَجّك))(١)، وقوله للأنصاريِّ: ((عجِبَ الله من صُنعگم)) (٢)وغير ذلك من الأخبار. ٥٦- باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ الآية [النحل: ٩٠] وقولِه: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]، وقوله: ﴿ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اَللّهُ﴾ [الحج: ٦٠]، وتركِ إثارةِ الشِّ على مسلم، أو كافٍ. ٦٠٦٣- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةً رضي الله عنها، قالت: مَكَثَ النبيُّ ◌ََّ كذا وكذا يُخيّلُ إليه أنَّه يأتي أهلَه ولا يأتي، قالت عائشةُ: فقال لي ذاتَ يومٍ: ((يا عائشةُ، إنَّ اللهَ أفتاني في أمرِ اسْتَفْتَيْتُه فيه، أتاني رجلان فجَلَسَ أحدُهما عندَ (١) تقدم برقم (٣٢٩٤). (٢) تقدم برقم (٣٧٩٨). ٤٣٦ باب ٥٦ / ح ٦٠٦٣ فتح الباري بشرح البخاري رِجْلَيَّ، والآخرُ عندَ رأسي، فقال الذي عندَ رِجْلَيَّ للَّذي عندَ رأسي: ما بالُ الرجلِ؟ قال: مَطْبوبٌ - يعني: مَسْحوراً - قال: ومَن طَبَّه؟ قال: لَبِيدُ بنُ أعصَمَ، قال: وفِيمَ؟ قال: في جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ في مُشْطٍ ومُشاقةٍ، تحتَ رَعوفةٍ، في بِثْرِ ذَرْوانَ» فجاء النبيُّنَ ◌ّفقال: «هَذِهِ البِتْرُ التي أُرِيتُها، كأنَّ رؤوسَ نَخْلِها رؤوسُ الشَّياطينِ، وكأنَّ ماءَها نُقاعةُ الِحِنّاءِ» فأمَرَ به النبيُّ ◌َّهِ فَأُخْرِجَ، قالت عائشةُ: فقلتُ: يا رسولَ الله، فَهَلًا -تَعْنِي تَنَفَّرْتَ_؟ فقال النبيُّ ◌َّ: ((أمَّا الله فقد شَفَاني، وأمَّا أنا فأكرَه أن أُثِيرَ على الناسِ شَرّاً)». قالت: ولَبِيدُ بنُ أعصَمَ رجلٌ من بني زُرَبِقِ، حَلِيفٌ ليهودَ. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرِّ والنَّسَفيّ، وساقَ الباقونَ إلى ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٤٨٩) من طريق أبي الضُّحَى قال: ((قال شُتَير بن شَكَل لمسروقٍ: حَدِّث يا أبا عائشة وأُصَدِّقك. قال: هل سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ما في القرآن آية أجمَع لحلالٍ وحَرام وأمر ونَهي من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَ إِيَتَّآٍ ذِى الْقُرْبَ﴾؟ قال: نعم)) وسنده صحيح. قوله: ((وقوله: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾)) أي: إنَّ إثم البغي وعقوبة البغي على الباغي، إمّا عاجلاً وإمّا آجِلاً. قوله: ((وقوله: ﴿ثُمَّ بُفِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اَللّهُ﴾)) كذا في رواية كَرِيمة والأَصِيليّ على وَفْق التِّلاوة، وكذا في رواية النَّسَفيّ وأبي ذرٍّ، وللباقينَ: ((ومَن بُغيَ عليه)) وهو سَبْق قلم إمّا من المصنّف وإمّا مَمَّن بعده، كما أنَّ المطابِق للتِّلاوة إمّا من المصنِّف وإمّا من إصلاح مَن بعده، وإذا لم تَتَّفِقِ الرِّوايات على شيء، فمَن جَزَمَ بأنَّ الوهم من المصنِّف فقد تَحَامَلَ عليه. ٤٨٠/١٠ قال الرَّاغِب: / البَغي: مُجاوزَة القصد في الشَّيء، فمنه ما يُحمَد ومنه ما يُذَمّ، فالمحمود مُجاوزة العَدل الذي هو الإتيان بالمأمورِ بغير زيادة فيه ولا نُقصان منه إلى الإحسان وهو الزّيادة عليه، ومنه الزّيادة على الفَرْض بالتطوُّع المأذون فيه، والمذموم: مُجاوزة العَدل إلى الجور، والحقّ ٤٣٧ باب ٥٦ / ح ٦٠٦٣ كتاب الأدب إلى الباطل، والمباح إلى الشَّبهة، ومع ذلك فأكثر ما يُطلَق البغي على المذموم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السِّيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِ﴾ [الشورى: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وإذا أُطلِقَ البَغي وأُريدَ به المحمود يُزاد فيه غالباً التاء، كما قال تعالى: ﴿فَأَبْثَغُواْ عِندَ اللَّهِ الْرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ [الإسراء: ٢٨]. وقال غيره: البَغي الاستعلاء بغير حَقٌّ، ومنه بَغَى الْجُرحُ: إذا فسَدَ. قوله: ((وتَرْكِ إثارةِ الشّ على مسلمٍ، أو كافر)» ثمَّ ذكر فيه حديث عائشة في قصَّة الذي سَحَرَ النبيّ ◌َلِ﴾. قال ابن بَطّال: وجه الجمع بين الآيات المذكورة وترجمة الباب مع الحديث: أنَّ الله لمّا نَهَى عن البَغي، وأعلمَ أنَّ ضَرَر البَغي إنَّما هو راجِح إلى الباغي، وضَمِنَ النَّصر لمن بُغيّ عليه، كان حقّ مَن بُغيَ عليه أن يَشكُر الله على إحسانه إليه بأن يَعفُو عمَّن بَغَى عليه، وقد امتَثَلَ النبيّ وَِّ فلم يُعاقِب الذي كادَه بالسِّحرِ مع قُدرَته على ذلك. انتهى مُلخَّصاً، ويحتمل أن يكون مُطابقة التَّرجمة للآيات والحديث: أنَّه وَلّه تَرَكَ استخراج السِّحر خَشْية أن يَثورَ على الناس منه شَرّ، فسَلَكَ مَسلَك العَدل في أن لا يَحِصُل لمن لم يَتَعاطَ السِّحر من أثر الضَّرَر الناشئ عن السِّحر شَرّ، وسَلَكَ مَسلَك الإحسان في تَرْك عُقُوبة الجاني، كما سَبَقَ. وقال ابن التِّين: يُستَفاد من الآية الأولى أنَّ دلالة الاقتران ضعيفة، لجمعه تعالی بین العدل والإحسان في أمر واحد، والعَدلُ واجبٌ والإحسانُ مندوب. قلت: وهو مَبنيّ على تفسير العَدل والإحسان، وقد اختَلَفَ السَّلَف في المراد بهما في الآية، فقيل: العَدل لا إله إلّا الله، والإحسان الفرائض، وقيل: العَدل لا إله إلّا الله، والإحسان الإخلاص، وقيل: العَدل خَلْعُ الأنداد، والإحسان أن تَعبد الله كأنَّك تَراه، وهو بمعنى الذي قبله، وقيل: العَدل الفرائض، والإحسان النافلة، وقيل: العَدل العبادة، والإحسان الخُشوع فيها، وقيل: العَدل الإنصاف، ٤٣٨ باب ٥٦ / ح ٦٠٦٣ فتح الباري بشرح البخاري والإحسان التَّفَضُّل، وقيل: العَدل امتثال المأمورات، والإحسان اجتناب المنهيّات، وقيل: العَدل بَذْل الحقّ، والإحسان تَرْك الظُّلم، وقيل: العَدل استواء السِّرّ والعَلانية، والإحسان فضل العَلانية، وقيل: العَدل البَذل، والإحسان العفو، وقيل: العَدل في الأفعال، والإحسان في الأقوال، وقيل غير ذلك. وأقربها لكلامه الخامس والسادس. وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: العَدل بين العبد وبين رَبّه: بامتثال أوامره واجتناب مَناهِيه، وبين العَبد وبين نفسه: بمزيدِ الطاعات وتَوقّي الشُّبُهات والشَّهَوات، وبين العَبد وبين غيره: بالإنصاف. انتهى مُلخَّصاً. وقال الرَّاغِب: العَدل ضربان: مُطلَق يقتضى العقل حُسْنه، ولا يكون في شيء من الأزمِنة منسوخاً، ولا يوصَف بالاعتداءِ بوجهٍ، نحو أن تُحسِن لمن أحسنَ إليك، وتَكُفّ الأَذَى عمَّن كَفَّ أذاه عنك. وعَدلٌ يُعرَف بالشَّرع ويُمكِن أن يَدخُله النَّسخ، ويوصَف بالاعتداءِ مُقابَلةً، كالقِصاص وأرش الجِنايات وأخذِ مال المرتَدّ، ولِذا قال تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، وهذا النَّحو هو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ﴾ فإنَّ العَدل هو المساواة في المكافأة في خير أو شَرٌّ، والإحسان: مُقابلة الخير بأكثر منه، والشرِّ بالتَّركِ، أو بأقلّ منه. قوله: ((سُفْيان)) هو ابن عُيَينَ. قوله: ((مَطْبوب - يعني: مَسْحوراً -)» هذا التَّفسير مُدرَج في الخبر، وقد بيَّنت ذلك عند شرح الحديث في كتاب الطِّبّ(١)، وكذا قوله: ((فهَلّا - تعني: تَنَشَّرْت -))، ومَن قال: هو مأخوذ ٤٨١/١٠ من النُّشْرة أو من نَشْرِ الشَّيء بمعنى إظهاره، وكيف يُجمَع بين قولها: ((فأُخرِجَ)) وبين قولها/ في الرِّواية الأُخرى: ((هَلَّ استَخْرَجَتَه؟)) (٢)، وأنَّ حاصله: أنَّ الإخراج الواقع كان لأصلِ السِّحر، والاستخراج المنفيّ كان لأجزاءِ السِّحر. (١) لم يذكر ذلك عند شرحه للحديث (٥٧٦٣) في الطب. (٢) تأتي برقم (٦٣٩١). ٤٣٩ باب ٥٧ / ح ٦٠٦٤ - ٦٠٦٥ كتاب الأدب وقوله في آخره: ((حَليفٌ ليهودَ)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ هنا: ((لليهودِ)) بزيادة لام. ٥٧- باب ما يُنھی عن التّحاسد والتّدابر وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]. ٦٠٦٤ - حذَّثنا بِشْرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن همَّامِ بنِ مُنيِّهِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((إِيّاكم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحديثِ، ولا تَجِسَّسوا، ولا تَحَسَّسوا، ولا تَحَاسَدوا، ولا تَدابَروا، ولا تَباغَضوا، وكونوا عبادَ الله إخْواناً)). ٦٠٦٥ - حدّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: حدَّثْني أنسُ بنُ مالكِ ـته، أنَّ رسولَ اللهِوَلَه قال: «لا تَبَاغَضوا، ولا تَحَاسَدوا، ولا تَدابَروا، وكونوا عبادَ الله إِخْواناً، ولا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يَهْجُرَ أخاه فوقَ ثلاثةِ أيامٍ)). [طرفه في: ٦٠٧٦] قوله: (باب ما يُنْهَى عن التَّحاسُد والتَّدابُر)) كذا للأكثر، وعند الكُشْمِيهنيّ وحده: ((من)) بدلَ ((عن)». ((وقولِه تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾)» أشارَ بذِكْر هذه الآية إلى أنَّ النَّهي عن التَّحاسُد ليس مقصوراً على وقوعه بين اثنَيْنِ فصاعِداً، بل الحَسَد مذموم ومَنهيّ عنه ولو وَقَعَ من جانب واحد، لأَنَّه إذا ذُمَّ مع وقوعه مع المكافأة، فهو مذموم مع الإفراد بطريق الأولى. وذکر في الباب حدیثین: أحدهما: قوله: ((بِشْر بن محمَّد)) هو المروزيّ، وعبد الله: هو ابن المبارك. قوله: ((إيّاكم والظَّنّ)) قال الخطَّبيُّ وغيره: ليس المراد تركُ العَمَل بالظَّنِّ الذي تُناط به الأحكام غالباً، بل المراد تركُ تحقيق الظَّنّ الذي يَضُرّ بالمظنونِ به، وكذا ما يقع في القلب بغیر دلیل، وذلك أنَّ أوائل الظُّنون إنّما هي خواطر لا يُمكِن دفعها، وما لا يُقدَر علیه لا يُكلَّف به، ويُؤيِّده حديث: ((َجاوزَ الله للأُمّة عمّا حدَّثت به أنفُسَها)) وقد تقدَّم شرحه (٢٥٢٨)(١). (١) وسيأتي تتمة شرحه برقم (٦٦٦٤). ٤٤٠ باب ٥٧ / ح ٦٠٦٥ فتح الباري بشرح البخاري وقال القُرطُبيّ: المراد بالظَّنِّ هنا التُّهمة التي لا سبب لها، كمَن يَتَّهم رجلاً بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عَطَفَ عليه قوله: ﴿ وَلَا تَجَسُواْ﴾، وذلك أنَّ الشَّخص يقع له خاطِرِ التُّهمة فيريد أن يَتَحقَّق فِيَتَجَسَّس ويَبحَث ويَتَسمَّع، فنُهي عن ذلك، وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِنَّ وَلَا تَتَسُواْ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، فدَلَّ سياق الآية على الأمر بصَونِ عِرْض المسلم غايةَ الصّيانة لتَقَدَّمِ الَّهي عن الخوض فيه بالظَّنّ، فإن قال الظّانّ: أبحَثُ لأتحقَّق، قيل له: ﴿وَلَا تَّسُواْ﴾، فإن قال: تَحَقَّقت من غير تَجِسُّس، قيل له: ﴿وَلَ يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. وقال عِيَاض: استَدَلَّ بالحديث قومٌ على مَنْعِ العَمَل في الأحكام بالاجتهادِ والرَّأي، وَلَه المحَقِّقونَ على ظنِّ مُجرَّدٍ عن الدَّليل ليس مَبنيّاً على أصل ولا تحقيق نظرٍ. وقال النَّوويّ: ليس المراد في الحديث بالظَّنِّ ما يَتَعلَّق بالاجتهادِ الذي يَتَعلَّق بالأحكام أصلاً، بل الاستدلالُ به لذلك ضعيفٌ أو باطل. وتُعقّبَ بأنَّ ضعفه ظاهر، وأمَّا بُطْلانه فلا، فإنَّ اللَّفظ صالح لذلك، ولا سيَّما إن مُلَ على ما ذكره القاضي عِيَاض، وقد قَرَّبَه القرطبي في ((المفهم)) وقال: الظَّنّ الشَّرعيّ الذي هو تغليب أحد الجائِزَين(١)، أو هو بمعنى اليقين، ليس مُراداً من الحديث ولا من الآية، فلا يُلتَفَت لمن استَدَلَّ بذلك على إنكار الظَّنّ الشَّرعيّ. وقال ابن عبد البَرِّ: احتَجَّ به بعض الشافعيَّة على مَن قال بسَدِّ الذَّريعة في البيع، فأبطَلَ بيع ٤٨٢/١٠ العِينة، ووجه الاستدلال:/ النَّهي عن الظَّنّ بالمسلم شَرّاً، فإذا باعَ شيئاً مُلَ على ظاهره الذي وَقَعَ العَقد به، ولم يَبطُل بمُجرَّدٍ تَوهُّم أَنَّه سَلَكَ به مَسلَك الحِيلة. ولا يخفى ما فيه. وأمَّا وصف الظَّنّ بكَونِه أكذَب الحديث، مع أنَّ تَعَمُّد الكذِب الذي لا يَستَنِد إلى ظنِّ أصلاً أشدُّ من الأمر الذي يَسْتَنِدِ إلى الظَّنّ، فللإشارة إلى أنَّ الظَّنّ المنهيّ عنه هو الذي لا يَستَنِد إلى شيء يجوز الاعتماد عليه، فيُعتَمَد عليه ويُجُعَل أصلاً ومُجزم به، فيكون الجازِم به کاذِباً، وإنَّما صارَ أشدَّ من الكاذِب، لأنَّ الكذِب في أصله مُستَقْبَح مُستَغنّى عن ذَمّه، بخلاف هذا، فإنَّ صاحبه بزَعمِه مُستَئِدٍ إلى شيء، فوُصِفَ بكَونِه أشدَّ الكذِب مُبالَغةً في ذَمّه والتَّنفيرِ عنه، وإشارةً (١) في (س): الجانبين، والمثبت من الأصلين، وكذا هو في ((المفهم)).