النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ باب ٣٩ / ح ٦٠٣٨ كتاب الأدب وهذا كلّه مع ضَمِّ الهمزة، ويجوز كسرها وفتحها، فأمَّا بكسرها ففي إحدى عشرة: كسر الفاء وضمّها ومُشَدَّداً مع التَّنوين وعَدمه أربعة، ومُخُفَّفاً بالخَرَكات الثلاث مع التَّنوين وعَدمه ستّة، وإّ بالإمالة والتَّشدید. وأمّا(١) بفتح الهمزة ففي ستّ: بفتح الفاء وكسرها مع التَّنوين وعَدمه أربعة، وبالسُّكونِ، وبألِفٍ مع التَّشديد. والتي زادَها ابن عَطيَّة: أُفاه بضمٍّ أوَّله وزيادة ألِف وهاء ساكنة. وقُرِئَ من هذه اللُّغات ستُّ كلّها بضمِّ الهمزة، فأكثر السَّبعة بكسر الفاء مُشَدَّداً بغير تنوین، ونافع وحفص كذلك لكن بالتّنوین، وابن کثیر وابن عامر بالفتح والنَّشدید بلا تنوين، وقرأ أبو السَّمَّال(٢) كذلك لكن بضمِّ الفاء، وزيد بن عليّ بالنَّصبِ والتَّنوين، وعن ابن عبّاس بسکون الفاء. قلت: وبَقِيَ من الممكِن في ذلك أَفَّي كما مضى، لكن بفتح الفاء وسكون الياء، وأُفَيه كذلك، لكن بزيادة هاء، وإذا ضَمَمت هاتَينِ إلى التي زادَها ابن عَطيَّة وأضَفتها إلى ما بُدِئَ به صارت العِدّة خمساً وعشرينَ كلّها بضمِّ الهمزة، فإذا استعملت القياس في اللّغة كان الذي بفتح الهمزة كذلك وبكسرها كذلك، فتَكمُل خمساً وسبعينَ. قوله: (ولا: لِمَ صَنَعْت كذا ولا: ألّا صَنَعْت)) ألّا بفتح الهمزة والنَّشديد بمعنى: هَلّا، وفي رواية مسلم (٥١/٢٣٠٩) من هذا الوجه: لشيءٍ مَّا يصنعه الخادم، وفي رواية إسحاق ابن أبي طلحة: ما علمته قال لشيءٍ صَنَعتُه: لمَ فعَلت كذا وكذا؟ ولشيءٍ تَرَكته: هَلّا فعَلت كذا وكذا، وفي رواية عبد العزيز بن صُهَيبٍ: ما قال لشيءٍ صَنَعتُه: لمَ صَنَعت هذا كذا؟ ولا لشيءٍ لم أصنَعه: لمَ لم تَصنَع هذا كذا؟ ويُستَفاد من هذا ترك العِتاب على ما فاتَ، لأنَّ هناك مندوحةً عنه باستئناف الأمر به إذا احتيجَ إليه، وفائدة تنزيه اللِّسان عن الزَّجر والذَّمّ، واستئلاف خاطر (١) تحرَّفت في (س) إلى: وأنا. (٢) تحرَّفت في (ع) و(س) إلى: ((السماك))، والمثبت من (أ) على الصواب، وهو بفتح السين وتشديد الميم وباللام، واسمه: قعنب بن أبي قعنب أبو السَّمَّال العدوي البصري، ذكره ابن الجزري في ((غاية النهاية في طبقات القراء) ٢٧/٢ وقال: له اختيار في القراءة شاذ عن العامة. وانظر: ((توضيح المشتبه)) لابن ناصر الدين ١٥٩/٥. ٤٠٢ باب ٤٠ / ح ٦٠٣٩ فتح الباري بشرح البخاري الخادِمِ بتركِ مُعاتَبَتَه، وكلّ ذلك في الأُمور التي تتعلَّق بحَظِّ الإنسان، وأمَّ الأُمور اللّازِمة شرعاً فلا يُتَسامَح فيها، لأنَّها من باب الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر. ٤٠ - بابٌ كيف يكون الرّجل في أهله ٦٠٣٩- حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، قال: سألتُ عائشةَ: ما كان النبيُّ ◌َّه يَصْنَعُ في أهلِهِ؟ قالت: كان في مِهْنِ أهلِه، فإذا حَضَرَتِ الصلاةُ قامَ إلى الصلاةِ. قوله: «باب» بالتّنوین«کیف یکون الرجل في أهله؟» ذکر فیه حدیث عائشة: کان في مهنة أهله، وقد تقدَّم شرحه في أبواب صلاة الجماعة من كتاب الصلاة (٦٧٦). ٤٦١/١٠ قوله: ((في مِهنة أهله)) المِهِنة بكسر الميم ويفتحها، وأنكَرَ الأصمَعَيّ الكسر، وفَسَّرَها هناك بخدمة أهله، وبيَّنْتُ أنَّ التَّفسير من قول الراوي عن شُعْبة، وأنَّ جماعة رَووه عن شُعْبة بدونها، وكذا أخرجه ابن سعد في التَّرجمة النبويَّة (٣٦٥/١) عن وهب بن جَرِير وعَفّانَ وأبي قَطَن، كلّهم عن شُعْبة بدونِها، لكن وَقَعَ عنده (٣٦٦/١) عن أبي النَّر عن شُعْبة في آخره: يعني بالمهنة في خدمة أهله، وقد وَقَعَ في حديث آخر لعائشة أخرجه أحمد (٢٤٩٠٣) وابن سعد (٣٦٦/١) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٥٦٧٧) من رواية هشام بن عُرْوة عن أبيه: قلت لعائشة: ما كان رسول الله وَ له يصنع في بيته؟ قالت: يخيط ثوبه، ويخصِف نَعله، ويعمل ما یعمل الرِّجال في بيوتهم، وفي رواية لابن حبان (٦٤٤٠): ما یعمل أحدكم في بيته، وله (٥٦٧٦)، ولأحمد (٢٥٣٤١) من رواية الزُّهْريّ عن عُرْوة عن عائشة: يَخْصِف نَعله، ويَخيط ثوبه، ويُرقِّع دَلوه، وله (١) (٥٦٧٥) من طريق مُعاويةً بن صالح عن يحيى بن سَعِيد عن عَمْرة عن عائشة بلفظ: ما كان إلّا بَشَراً من البَشَرِ، كان يَفْلي ثوبه، وتَحَلُب شاته، ويَخَدُم نفسه. وأخرجه التِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (٣٣٥) والبزَّار وقال: ورُويَ عن يحيى عن القاسم عن عائشة، ورُويَ عن يحيى عن حُميدٍ المكِّيّ عن مجاهد عن عائشة، وفي رواية حارثة بن أبي الرِّجال عن عَمْرة عن (١) يعني لابن حبان. ٤٠٣ باب ٤١ / ح ٦٠٤٠ كتاب الأدب عائشة عند ابن سعد (١/ ٣٦٥): كان ألين الناس، وأكرم الناس، وكان رجلاً من رجالكم إلّا أنَّه كان بَسّاماً. قال ابن بَطّال: من أخلاق الأنبياء: التَّواضُع، والبُعد عن التَّنُّم، وامتهانُ النَّفْس لِيُستَنّ بهم ولِّ يَخْلُدُوا إلى الرَّفاهية المذمومة، وقد أُشيرَ إلى ذَمّها بقولِه تعالى: ﴿ وَذَرْنِ وَالْمُكَذِبِينَ أُوْلِ الثَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِلًا﴾ [المزمل: ١١]. ٤١ - باب المِقَةِ منَ الله تعالی ٦٠٤٠ - حدَّثنا عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنٍ ◌ُرَيج، قال: أخبرني موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافعٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّ، قال: ((إذا أحَبَّ الله العَبْدَ نادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فلاناً فأَحِبَّه، فيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فيُنادي حِبْرِيلُ في أهلِ السماءِ: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فلاناً فَأَحِبُّوه، فيُحِبُّه أهلُ السماءِ، ثمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في أهلِ الأرضِ». قوله: ((باب المِقَة من الله))، أي: ابتداؤُها من الله. المِقة بكسر الميم وتخفيف القاف: هي المحبّة، وقد وَمِقَ يَمِقُ، والأصل الوَمْق، والهاء فيه عِوض عن الواو، كَعِدّةٍ ووَعْد، وزِنَة ووَزْن. وهذه التَرجمة لفظ زيادة وَقَعَت في نحو حديث الباب في بعض طرقه، لكنَّها على غير شرط البخاريّ، فأشارَ إليها في التَّرجمة كَعادتِهِ، أخرجه أحمد (٢٢٢٧٠) والطبرانيُّ (٧٥٥١) وابن أبي شَيْبة(١) من طريق محمَّد بن سعد الأنصاريّ عن أبي ظَبْية - بمُعجَمةٍ - عن أبي أُمامةَ مرفوعاً قال: ((المِقة من الله، والصِّيت من السماء، فإذا أحَبَّ الله عبداً ... )) الحديث، وللبزَّار (٩٢٠٢) من طريق أبي وكيع الجرّاح بن مَلِيح عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رَفَعَه: ((ما من عبد إلّا وله صِيتٌ في السماء، فإن كان حسناً وُضِعَ في الأرض وإن كان سَيِّئاً وُضِعَ/ في الأرض)) والصِّيت بكسر الصّاد المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة بعدها مُثنّاة: ٤٦٢/١٠ أصله الصَّوت، كالرّيح من الرَّوحِ، والمراد به: الذِّكر الجميل، ورُبَّما قيل لضِدِّه لكن بقَیدٍ. (١) لم نجده في المطبوع من ((مصنف ابن أبي شيبة))، لكن أخرجه من طريقه أحمد (٢٢٢٧١)، والطبراني في ((الكبير)) (٧٥٥١)، و((الأوسط)) (٣٦١٤) و(٦٥٨٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٥٣/٦٦. ٤٠٤ باب ٤١ / ح ٦٠٤٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «أبو عاصم)» هو النبيل، وهو من کبار شيوخ البخاريّ، ورُبَّما روى عنه بواسطةٍ مِثل هذا، فقد عَلَّقَه في بَدْء الخلق (٣٢٠٩) لأبي عاصم، وقد نبّهت علیه ثَمَّ. قوله: ((عن نافع)) هو مولى ابن عمر، قال البزَّار بعد أن أخرجه عن عَمْرو بن عليّ الفَلّاس شيخ البخاريّ فيه: لم يَروِه عن نافع إلّا موسى بن عُقْبةَ، ولا عن موسى إلّا ابن جُرَيج. قلت: وقد رواه عن النبيّ ◌َّ ثوبانُ عند أحمد (٢٢٤٠١) والطبرانيٍّ في ((الأوسط)) (١٢٤٠) وأبو أُمامةَ عند أحمد (٢٢٢٧٠)، ورواه عن أبي هريرة أبو صالح عند المصنّف في التَّوحيد (٧٤٨٥) وأخرجه مسلم (٢٦٣٧) والبزَّار (٨٩٨١). قوله: ((إذا أحَبَّ الله العبد)) وَقَعَ في بعض طرقه بيانُ سبب هذه المحبّة والمراد بها، ففي حديث ثوبانَ: ((إنَّ العَبد لِيَلْتَمِس مَرضاةَ الله تعالى، فلا يزال كذلك حتَّى يقول: يا جِبْريل، إنَّ عبدي فلاناً يَلْتَمِس أن يُرْضِيَتِي، ألا وإنَّ رحمتي غَلَبَت عليه ... )) الحديث، أخرجه أحمد والطبرانيُّ في ((الأوسط))، ويَشهَد له حديث أبي هريرة الآتي في الرِّقاق (٦٥٠٢) ففيه: ((ولا يزال عبدي يَتَقرَّب إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أُحِبّه ... )) الحديث. قوله: ((إنَّ الله يُحِبّ فلاناً فأحِبَّه)) بفتح الموحّدة المشدّدة ويجوز الضَّمّ، ووقعَ في حدیث ثوبانَ: ((فيقول جِبْریل: رحمةُ الله على فلان، وتقوله حَمَلة العَرش». قوله: ((فينادي جِبْريل في أهل السماء ... )) إلى آخره، في حديث ثوبانَ: ((أهل السَّماوات السَّبع)) .. قوله: (ثمَّ يُوضَع له القَبُول في أهل الأرض)) زاد الطبرانيُّ(١) في حديث ثوبانَ: ((ثُمَّ يَبِط إلى الأرض، ثمَّ قرأ رسول الله وَله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّدْلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦])) وثَبَتَت هذه الزيادة في آخر هذا الحديث عند التِّرمِذيّ (٣١٦١) وابن أبي حاتم من طريق سُهَيل عن أبيه، وقد أخرج مسلم (٢٦٣٧) إسنادها ولم يَسُق اللَّفظ، وزاد مسلم فيه: ((وإذا أبغَضَ عبداً دَعَا جِبْريل)) فساقَه على مِنوال الحُبّ، وقال في آخره: ((ثمَّ (١) في ((الأوسط)) كما أشار إليه الحافظ قبل قليل. وقد تحرَّف الطبراني في الأصلين إلى: الطبري، وأثبتناه من (س) ونسخة على هامش (ع). ٤٠٥ باب ٤١ / ح ٦٠٤٠ كتاب الأدب یوضع له البغضاء في الأرض»، ونحوه في حديث أبي أمامةَ عند أحمد، وفي حديث ثوبانَ عند الطبرانيّ: ((وإنَّ العَبد يعمل بسَخَطِ الله فيقول الله: يا جِبْريل، إنَّ فلاناً يَستَسخِطُني)) فذكر الحدیث على مِنوال الحُبّ أيضاً، وفيه: «فيقول چِبريل: سَخْطة الله على فلان)) وفي آخره مِثل ما في الحُبّ: ((حتَّى يقوله أهل السَّماوات السَّبع، ثمَّ يَهَبِط إلى الأرض)). وقوله: (يُوضَع له القَبُول)) هو من قوله تعالى: ﴿فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، أي: رَضيَها، قال المطرِّزيُّ: القَبُول مصدر لم أسمع غيره بالفتح. وقد جاء مُفسَّراً في رواية القَعْنبيّ: ((فيُوضَع له المحبّة))، والقَبُول: الرِّضا بالشَّيءٍ ومَيْل النَّفْس إليه، وقال ابن القَطّاع: قَبِلَ الله منك قَبُولاً، والشَّيءَ والهديَّةَ: أخذتهما، والخبرَ: صدّقته. وفي ((التَّهذيب)): عليه قَبُول: إذا كانت العين تَقبَله، والقَبُول من الرّيح: الصَّبا، لأنَّها تَستَقْبِل الدَّبور، والقَبُول: أن يقبل العفو والعافية وغير ذلك، وهو اسم للمصدَرِ أُميتَ الفِعل منه. وقال أبو عَمْرو بن العلاء: القَبُول بفتح القاف لم أسمَع غيره، يقال: فلان عليه قَبُول: إذا قَبِلَتَه النَّفْس، وتَقَبَّلت الشَّيء قَبُولاً. ونحوه لابنِ الأعرابيّ وزادَ: قَبِلته قَبُولاً بالفتح والضَّمّ، وكذا قَبِلت هَديَّته عن اللِّحيانيّ. قال ابن بَطّال: في هذه الزّيادة رَدٌّ على ما يقوله القَدَريَّة: إنَّ الشّرّ من فِعْل العَبد ولیس من خلق الله، انتھی. والمراد بالقَبُولِ في حديث الباب: قَبُول القلوب له بالمحبّة والميل إليه والرِّضا عنه، ويُؤخَذ منه أنَّ مَحبّة قلوب الناس علامة محبّة الله، ويُؤيِّده ما تقدَّم في الجنائز (١٣٦٧): ((أنتم شُهَداء الله في الأرض». والمراد بمحبّة الله: إرادة الخير للعبد وحصول الثَّواب له، وبمَحبّة الملائكة: استغفارُهم له وإرادَتهم خير الدّارَينِ له، ومَیل قلوبهم إليه لکَونِه مُطيعاً لله مُحِبّاً له، ومحبّة العباد له: اعتقادهم فيه الخير، وإرادتهم دفع الشّ عنه ما أمكنَ، وقد تُطلَق محبّة الله تعالى للشَّيءٍ على إرادة إيجاده وعلى إرادة تكميله، والمحبّة التي في هذا الباب من القَبِيل الثّاني. ٤٠٦ باب ٤٢-٤٣ / ح ٦٠٤١- ٦٠٤٢ فتح الباري بشرح البخاري وحقيقة المحبّة عند/ أهل المعرفة: من المعلومات التي لا تُحَدّ، وإنَّما يَعرِفها مَن قامت به ٤٦٣/١٠ وجداناً لا يُمكِن التعبير عنه، والحُبّ على ثلاثة أقسام: إلهيّ ورُوحانيّ وطبيعيّ، وحديث الباب يَشتَمِل على هذه الأقسام الثلاثة، فحُبّ الله العَبد حُبُّ إلهيّ، وحُبّ جِبْريل والملائكة له حُبُّ رُوحانيّ، وحُبّ العباد له حُبٍّ طَبيعيّ، والله أعلم. ٤٢- باب الحبُّ في الله ٦٠٤١ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، عن قَتَادَةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾ قال: قال النبيُّ ◌َلّىَ: ((لا يَجِدُ أحدٌ حَلاوةَ الإيمان حتَّى يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحُّهُ إلا لله، وحَتَّى أن يُقْلَفَ في النار أحَبُّ إليه من أن يَرجِعَ إلى الكُفْرِ بعدَ إذ أَنْقَذَه الله، وحتّى يكونَ اللهُ ورسولُه أحَبَّ إليه مَّا سواهما». قوله: ((باب الحُبّ في الله)) ذكر فيه حديث أنس: ((لا يَجِد أحدٌ حَلاوة الإيمان حتَّى يُحِبّ المرءَ لا يُحِبّه إلّا لله)) الحديث، وقد تقدَّم شرحهمُستَوفى في أوائل كتاب الإيمان (١٦ و ٢١)، وبيان أنَّ هذه التَرجمة أوَّل حديث أخرجه أبو داود (٤٦٨١) وغيره من حديث أبي أمامةَ ولفظه: (الحُبّ في الله والبغض في الله من الإيمان))، وأنَّ له طرقاً أُخرَى(١). وقوله: ((أن يكون الله ورسوله أحَبَّ إليه ممّ سواهما)) معناه: أنَّ مَن استَكمَّلَ الإيمان علم أنَّ حقّ الله ورسوله آكَدُ عليه من حقّ أبيه وأُمّه وولده وزوجه وجميع الناس، لأنَّ المُدَى من الضَّلال والخلاص من النار إنَّما كان بالله على لسان رسوله. ومن علامات تَحَبَّتَّه: نَصرُ دِينه بالقولِ والفِعل، والذَّبُّ عن شريعته، والتَّخَلُّق بأخلاقه، والله أعلم. ٤٣- باب قول الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾ الآية [الحجرات: ١١] ٦٠٤٢- حَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن هشام، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ زَمْعةَ، قال: نَهَى النبيُّ ◌َّهِ أَن يَضْحَكَ الرجلُ ممَّا يَخْرُجُ منَ الأنفُسِ، وقال: ((بمَ يَضْرِبُ أحدُكُمُ امرأته ضَرْبَ الفَحْلِ، أو العبدِ، ثمَّ لعلَّه يُعانقُها!)). (١) سلف بیانها في شرحه على أول باب من كتاب الإيمان. ٤٠٧ باب ٤٣ / ح ٦٠٤٣ كتاب الأدب وقال الثَّوْرِيُّ ووُهَيبُ بن خالدٍ وأبو مُعاوِيةً، عن هشامٍ: ((جَلْدَ العبدِ)). ٦٠٤٣ - حذَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، أخبرنا عاصمُ بنُ محمَّدِ بنِ زيدٍ، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ ◌َّهِ بِمِنَّى: ((أَتَدْرونَ أيُّ يومٍ هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلمُ، قال: ((فإنَّ هذا يومٌ حَرامٌ، أَفَتَدْرونَ أيُّ بَلَدِ هذا؟)) قالوا: الله ورسولُه أعلمُ، قال: ((بَلَدٌ حَرامٌ، أتدرونَ أيُّ شهرٍ هذا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلمُ، قال: ((شَهْرٌ حَراٌ)) قال: ((فإنَّ اللهَ حَرَّمَ عليكم دِماءَكم وأموالكم وأعراضَكُم، كَحُرْمةِ يومِكم هذا في شَهْرِكم هذا في بلدِ کم هذا». قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرِّ والنَّسَفِيّ، وسَقَطَتِ الآية لغير هما، وزاد: ﴿عَسَوَ أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُوْلَكَ مُ الظَّالِمُونَ ﴾. وذکر فیه حدیثین: أحدهما: حديث / عبد الله بن زَمْعةَ: (نَهَى النبيّ وَّهِ أَن يَضحَك الرجل ممّا يَخْرُج من ٤٦٤/١٠ الأنفُس))، وقد تقدَّم (٤٩٤٢) في تفسير: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنْهَا﴾ [الشمس: ١] من وجه آخر عن هشام بن عُرْوة راويه هنا بلفظ: ثمَّ وعَظَهم في الضَّرْطة، فقال: ((لمَ يَضحَك أحدهم ممَّاً يَخْرُج منه؟». وقوله تعالى: ((لا يَسخَر)) نَهي عن السُّخرية وهي فِعلُ الساخر، وهو الذي يَهزَأ منه، والسُّخرية تَسخيرٌ خاصّ، والسُّخرية: سياقة الشَّيء إلى الغرض المختَصّ به قَهراً، فورَدَ النَّهي عن استهزاء المرء بالآخرِ تنقيصاً له مع احتمال أن يكون في نفس الأمر خيراً منه، وقد أخرج مسلم (٢٥٦٤) عن أبي هريرة رَفَعَه في أثناء حديث: ((بحَسْبِ امرِئٍ من الشّ أن يَحِقِّرَ أخاه المسلم)). قوله: ((وقال الثَّوْريّ ووُهَيب بن خالد وأبو معاوية عن هشام: جَلْدَ العبد)) يريد أنَّ هؤلاءٍ الثلاثة رَوَوه عن هشام بن عُرْوة بهذا الإسناد في قصَّة النَّهي عن ضرب المرأة، وأنَّ هؤلاءِ جَزَموا بقولهم: ((جَلدَ العَبد)) موضع شَكِّ ابن عُبَينَةَ هل قال: جَلدَ الفَحل، أو جَلدَ العَبد، والتَّعاليق ٤٠٨ باب ٤٤ / ح ٦٠٤٤-٦٠٤٥ فتح الباري بشرح البخاري الثلاثة تقدَّم بيان كونها موصولة، أمَّا رواية الثَّوريّ فوَصَلَها المؤلِّف في النِّكاح (٥٢٠٤) وساقَها كذلك، وأمَّا رواية وُهَيب فوصَلَها المؤلِّف في التَّفسير (٤٩٤٢) كذلك، وأمَّا رواية أبي معاوية فوصَلَها أحمد (١٦٢٢٢) وإسحاق كذلك، وتقدَّم التَّنبيه عليها في التَّفسير أيضاً. الحديث الثاني: حديث ابن عمر في خُطْبة النبيّ وََّ بِمِنَّ، والغرض منه: بيان تحريم العِرْض، وهو موضع المدح والذَّمّ من الشَّخص، أعَمُّ من أن يكون في نفسه أو نَسَبه أو حَسَبه. وقال ابن قُتَيبة: عِرض الرجل بَدَنه ونفسه لا غير، ومنه: استبرأ لدينه وعِرضِه. قلت: ولا حُجّة فيه لما ادَّعاه من الحصر، ويدلّ للأوَّل قول حسَّان: فإنَّ أبي ووالِدَه وعِرْضي لعِرض محمَّدٍ منكم وِقَاءُ يُخاطِب بذلك مَن كان يَهجو النبيّ وََّ، وأكثر ما يقع تَهاجِيهم في مَدْح الآباء وذَمّهم، وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوفّى في كتاب الحجّ (١٧٤٢)، وعند مسلم (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة: ((كلَّ المسلم على المسلم حَرَام دمُه وعِرِضُه ومالُه)). ٤٤- باب ما يُنهى من السِّباب واللّعن ٦٠٤٤ - حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن منصورٍ، قال: سمعتُ أبا وائلٍ يُحدِّثُ، عن عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((سِباب المسلم فُسوقٌ وقتالُهُ كُفْرٌ)). تابَعَه محمد بن جعفر، عن شُعْبةَ. ٦٠٤٥- حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن الحسينِ، عن عبدِ الله بنِ بُرَيدةَ، حدَّثني يحيى بنُ يَعْمَرَ: أنَّ أبا الأسوَدِ الدِّيليَّ حدَّثه، عن أبي ذرِّ ◌ُ، أَنَّه سمعَ النبيّ ◌َّ يقول: ((لا يَرْمي رجلٌ رجلاً بالغُسوقِ، ولا يَزْمِیہ بالُفْرِ، إلّا ارتَدَّت علیه إن لم یکن صاحبُه كذلك)). قوله: ((باب ما يُنْهَى من السِّباب واللَّعْن)) في رواية غير أبي ذرِّ والنَّسَفيّ: ((عن)) بَدَل ((من)) ٤٦٥/١٠ وهي أولى، وفي الأوَّل حذف تقديره: ما يُنهى عنه. والسِّباب بكسر المهمَلة وتخفيف الموحّدة، تقدَّم بيانه مع شرح الحديث الأوَّل في كتاب الإيمان (٤٨)، وهو مُتَمِل لأن يكون على ظاهر لفظه من التَّفاعُل، ويحتمل أن يكون بمعنى ٤٠٩ باب ٤٤ / ح ٦٠٤٤-٦٠٤٥ كتاب الأدب السَّبّ، وهو الشَّتم: وهو نسبةُ الإنسان إلى عَيْبٍ ما، وعلى الأوَّل فحُكم مَن بَدَأ منهما أنَّ الوزر علیه حتَّى يعتدي الثّاني، كما ثَبَتَ عند مسلم (٢٥٨٧) من حديث أبي هريرة، وصحَّحه ابن حِبّان (٥٧٢٦) من حديث العِرباض بن سارية قال: ((المستَبّان شيطانان يَتَهاتَران ويَتَكَاذَبان». وقوله في آخر الحديث الأول: ((تابَعَه محمَّد بن جعفر، عن شُعْبةٍ)) وَصَلَه أحمد بن حَنبَل (٤١٧٨) عن محمَّد بن جعفر - وهو غُندَر - بهذا الإسناد، لكن قال فيه: ((عن شُعْبة عن زُبَيَد ومنصور))، زاد فيه: زُبَيداً، وهو بالزّاي والموخَّدة مُصغَّر، ومعنى اللَّعن: الدُّعاء بالإبعادِ من رحمة الله تعالى. الحديث الثاني: قوله: ((عن الحسين)) هو ابن ذَكْوانَ المعلِّم، والإسناد إلى أبي ذرِّ/ بصريّونَ، ٤٦٦/١٠ وقد دَخَلَها هو أيضاً، وفي رواية مسلم (٦١) من طريق عبد الصَّمَد بن عبد الوارث: ((حدَّثنا أبي حدَّثنا الحسين المعلِّم)). قوله: ((عن أبي ذرِّ) في رواية الإسماعيليّ من وجهَينِ عن أبي مَعمَر شيخ البخاريّ فيه بالسَّنَد إلى أبي الأسود: أنَّ أبا ذرٍّ حدَّثه. قوله: «لا یزمي رجل رجلاً بالفُسوقِ، ولا یَرْمیہ بالگُفْرِ إلّا ارتَدَّت علیه إن لم یکن صاحبه كما قال)) وفي رواية أخرى للإسماعيليِّ: ((إلّا حارَ عليه))، وفي أُخرى: ((إلّا ارتَدَّت عليه)) يعني: رَجَعَت عليه، و((حارَ)) بمُهمَلتَين، أي: رَجَعَ، وهذا يقتضي أنَّ مَن قال لآخَر: أنتَ فاسق، أو قال له: أنتَ كافر، فإن كان ليس كما قال كان هو المستَحِقّ للوصفِ المذكور، وأنَّه إذا كان كما قال لم يَرجِع عليه شيء، لكونِهِ صَدَقَ فيما قال، ولكن لا يَلزَم من كونه لا يصير بذلك فاسقاً ولا كافراً أن لا يكون آئِماً في صورة قوله له: أنتَ فاسق، بل في هذه الصّورة تفصيل: إن قَصَدَ نُصحَه، أو نُصحَ غيره ببيان حاله جازَ، وإن قَصَدَ تعبيره وشُهرَته بذلك ومَحَضَ أذاه لم يَجُز، لأَنَّه مأمور بالسَّتِرِ عليه، وتَعليمِه وعِظَته بالْحُسنَى، فمهما أمكنَه ذلك بالرِّفقِ لا يجوز له أن يفعله بالعُنفِ، لأَنَّه قد يكون سبباً لإغرائه وإصراره على ذلك الفِعل، كما في طَبْع كثير من الناس من الأنَفة، ولا سيَّما إن كان الآمِرُ دونَ المأمور في المنزلة. ٤١٠ باب ٤٤ / ح ٦٠٤٤-٦٠٤٥ فتح الباري بشرح البخاري ووَفَعَ في رواية مسلم (٦١) بهذا اللفظ: ((ومَن دَعَا رجلاً بالكفرِ، أو قال: عدوّ الله، وليس كذلك إلّا حارَ عليه)) ذكره في أثناء حديثٍ في ذَمّ مَن اذَّعَى إلى غير أبيه، وقد تقدَّم صَدْره في مناقب قريش (٣٥٠٨) بالإسناد المذكور هنا، فهو حديث واحد فرَّقَه البخاريّ حدیثین، وسيأتي هذا المتن في ((باب مَن أكفَرَ أخاه بغير تأويل)) من حديث أبي هريرة (٦١٠٣)، ومن حديث ابن عمر (٦١٠٤) بلفظ: ((فقد باء بها أحدهما)) وهو بمعنى رَجَعَ أيضاً. قال النَّوويّ: اختُلِفَ في تأويل هذا الرُّجوع، فقيل: رَجَعَ عليه الكفر إن كان مُستَحِلًّا، وهذا بعيد من سياق الخبر، وقيل: محمول على الخوارج، لأنَّهم يُكَفِّرُونَ المؤمنينَ، هكذا نَقَّلَه عِيَاض عن مالك، وهو ضعيف، لأنَّ الصَّحيح عند الأكثرينَ: أنَّ الخوارج لا يُكفَّرونَ ببِدعَتِهِم. قلت: ولما قاله مالك وجه، وهو أنَّ منهم مَن يُكَفِّر كثيراً من الصحابة ممَّن شَهِدَ له رسول الله وَ﴿ بالجنَّة وبالإيمان، فيكون تكفيرُهم من حيثُ تكذيبهم للشَّهادة المذكورة، لا من مُجرَّد صُدُور التكفير منهم بتأويلِ، كما سيأتي إيضاحه في ((باب مَن أكفَرَ أخاه بغير تأويل))، والتَّحقيق أنَّ الحديث سِيقَ لزَجرِ المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وذلك قبل وجود فِرْقة الخوارج وغيرهم. وقيل: معناه رَجَعَت عليه نَقيصَته لأخيه، ومَعصیةٌ تکفیره، وهذا لا بأس به. وقيل: يُحِشَى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر، كما قيل: المعاصي بريدُ الكفر، فيُخافُ على مَن أدامَها وأصَرَّ عليها سوء الخاتمة. وأرجَح من الجميع أنَّ مَن قال ذلك لمن يَعرِف منه الإسلام، ولم يَقُم له شُبهةٌ في زَعمِه أنَّه كافر، فإنَّه يَكفُر بذلك، كما سيأتي تقريره، فمعنى الحديث: فقد رَجَعَ عليه تكفيره، فالرَّاجِع التكفير لا الكفر، فكأنَّه كَفَّرَ نفسه لكَونِه كَفَّرَ مَن هو مِثله ومَن لا يُكَفِّرہ إلّا کافر یَعتَقِّد بُطْلان دين الإسلام، ويُؤْيِّده أنَّ في بعض طرقه: ((وجَبَ الكفر على أحدهما)). وقال القُرطُبيّ: حيثُ جاء الكفر في لسان الشَّرع فهو جَحْد المعلوم من دين الإسلام بالضّرورة الشَّرعيَّة، وقد وَرَدَ الكفر في الشَّرع بمعنى جَحْد النِّعَم، وتَرْك شُكرِ المنعِم والقیام بحقِّه، کما تقدّم تقريره في کتاب الإيمان في «باب کفر دونَ کفر»(١)، وفي حديث أبي (١) باب رقم (٢١). ٤١١ باب ٤٤ / ح ٦٠٤٦ -٦٠٤٨ كتاب الأدب سعيد: ((يَكْفُرنَ الإحسان، ويَكفُرنَ العَشير)) (٣٠٤)، قال: وقوله: «باءَ بها أحدهما))، أي: رَجَعَ بإثمِها ولازَمَ ذلك، وأصل البَوء: اللُّزوم، ومنه: ((أبوء بنِعِمَتِك)) أي: أُلزِمها نفسي وأُقِّ بها، قال: والهاء في قوله: ((بها)) راجع إلى التَّكفيرة الواحدة التي هي أقلّ ما يدلّ عليها لفظ كافر، ويحتمل أن يعود إلى الكلمة. والحاصل: أنَّ المقُولَ له إن كان كافراً كفراً شرعيّاً، فقد صَدَقَ القائلُ وذهب بها المقُول له، وإن لم يكن رَجَعَت للقائلِ / مَعَرّةُ ذلك القول ٤٦٧/١٠ وإثمُه. كذا اقتَصَرَ على هذا التَّأويل في رَجَعَ، وهو من أعدَل الأجوبة، وقد أخرج أبو داود (٤٩٠٥) عن أبي الدَّرداء بسندٍ جيّد رَفَعَه: ((إنَّ العَبد إذا لَعَنَ شيئاً صَعِدَتِ اللَّعنة إلى السماء، فتُغلَق أبواب السماء دونها، ثمَّ تَهِط إلى الأرض، فتأخذ يَمْنَةً ويَسْرةً، فإن لم تَجِد مَساغاً رَجَعَت إلى الذي لَعَنَ، فإن كان أهلاً، وإلّا رَجَعَت إلى قائلها))، وله شاهد عند أحمد (٣٨٧٦) من حديث ابن مسعود بسندٍ حسن، وآخر عند أبي داود (٤٩٠٨)، والِّرمِذيّ (١٩٧٨) عن ابن عبّاس ورواته ثقات، ولكنَّه ◌ُعِلَّ بالإرسال. ٦٠٤٦ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدَّثنا فُلَبِحُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا هلالُ بنُ عليٌّ، عن أنسٍ، قال: لم يكن رسولُ الله ◌َّ فاحشاً ولا لَعّاناً ولا سَبّاباً، كان يقول عندَ المعْتَبَةِ: ((ما له تَرِبَ جَبِنُه)». ٦٠٤٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ عمرَ، حدَّثنا عليّ بنُ المبارَكِ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن أبي قلابةَ: أنَّ ثابتَ بنَ الضَّحّاكِ - وكان من أصحاب الشَّجَرةِ - حدَّثه، أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((مَن حَلَفَ على مِلّةٍ غيرِ الإسلامِ فهو كما قال، وليس على ابنِ آدمَ نَذْرٌ فيما لا يَمْلِكُ، ومَن قَلَ نفسَه بشيءٍ في الدُّنْيَا عُذِّبَ به يومَ القيامةِ، ومَن لَعن مُؤْمِناً فهو كَقَتْلِهِ، ومَن قَذَفَ مُؤْمِناً بكُفْرٍ فهو كَقَتْلِهِ)). ٦٠٤٨- حدَّثْنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني عَدِيُ بنُ ثابتٍ، قال: سمعتُ سليمانَ بنَ صُرَدٍ، رجلاً من أصحاب النبيِّ وَِّ، قال: استَبَّ رجلان عندَ النبيِّ ◌َّ، فَغَضِبَ أحدُهما، فاشتَّ غَضَبُهُ حتَّى انْتَفَخَ وجهُه وَتَغْيَّرَ، فقال النبيُّ ◌َّ: «إنّ لأعلمُ كلمةً لو قالها لَذهَب عنه الذي يَجِد» فانطَلَقَ إليه الرجلُ، فأخبَرَه بقولِ النبيِّ ◌َِّ، وقال: تَعَوَّذ بالله منَ الشَّيطان. فقال: أتُرَى بِي بَأْسُ؟ أَجْنونٌ أنا؟ اذهبْ. ٤١٢ باب ٤٤ / ح ٦٠٤٦- ٦٠٤٨ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الثالث: حديث أنس، تقدَّم شرحه في ((باب حُسن الخُلُق))(١). الحديث الرابع: حديث ثابت بن الضَّحّاك، وقد اشتَمَلَ على خمسة أحكام، وسيأتي (٦١٠٥) في (باب مَن أكفَرَ أخاه بغير تأويل)) بتمامه إلّا خَصْلة واحدة منها، ويأتي كذلك في الأيمان والنُّذور (٦٦٥٢)، ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى، ويُؤْخَذ حُكم ما يَتَعلَّق بتكفير مَن كَفَّرَ المسلم من الذي قبله. وقوله: ((لَعْنُ المسلم كَقتْلِه)) أي: لأنَّه إذا لَعَنَه فكأنَّه دَعَا عليه بالهلاكِ. الحديث الخامس: حديث سليمان بن صُرَد - بضمُّ الصّاد وفتح الرَّاء بعدها دال مُهمَلات - وهو ابن الجَون بن أبي الجَون الخُزَاعِيّ، صحابيٌّ شهير، يقال: كان اسمه يَساراً بتحتانيَّةٍ ومُهمَلة، فَغَيَّرَه النبيّ ◌َِّ، ويُكَنَّى أبا المطَرِّف، وقُتِلَ في سنة خمس وستّينَ وله ثلاث وتسعونَ سنة. قوله: ((استبَّ رجلان» لم أعرف أسماءهما، ووقعَ في صِفَة إبليس (٣٢٨٢) من وجه آخر عن الأعمَش بهذا السَّنَد: كنت جالساً مع النبيّ وَليم ورجلان يَستبان. قوله: ((حتَّى انْتَفَخَ وَجْهه)» في الرِّواية المذكورة: ((فاحمرَّ وجهه وانتَفَخَت أوداجُه)) وفي رواية مسلم (٢٦١٠): ((أَحمَرُّ عيناه وتَنتَفِخ أوداجُه)) وقد تقدَّم تفسير الودَج في صِفَة إبليس، وفي حديث معاذ بن جبل عند أحمد (٢٢٠٨٦) وأصحاب ((السُّنَن))(٢): حتَّى إنّه لَيُخيَّل إليَّ أنَّ أنفه ليَتَمَّزَّع من الغضب. قوله: ((إنّ لَأعْلم كلمة لو قالها لَذهب عنه الذي يَجِد)» في الرِّواية المذكورة: ((لو قال: أعوذ بالله من الشَّيطان))، وفي رواية مسلم: ((الرَّجيم))، ومثله في حديث معاذ ولفظه: «إنّي لَأعلم كلمةً لو يَقولها هذا الغَضبان، لَذهَب عنه الغَضَب: اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الشَّيطان الرَّجیم)). (١) بل في باب (٣٨) (لم يكن النبي ◌َ ل﴿ فاحشاً) برقم (٦٠٣١). (٢) أبو داود (٤٧٨٠)، والترمذي (٣٤٥٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠١٤٩)، وقال الترمذي: حديث مرسل؛ أي: منقطع. ٤١٣ باب ٤٤ / ح ٦٠٤٦-٦٠٤٩ كتاب الأدب قوله: ((فانطَلَقَ إليه الرجل)) في رواية مسلم: فقامَ إلى الرجل رجلٌ مَمَّن سمعَ النبيّ وََّه وفي الرِّواية المتقدِّمة: فقالوا له، فدَلَّت هذه الرِّواية على أنَّ الذي خاطَبَه منهم واحد وهو معاذ بن جبل، كما بيَّنته روايةُ أبي داود، ولفظه: قال: فجَعَلَ معاذ يأمره، فأبَى وضَحِكَ، وجَعَلَ يزداد غَضَباً. قوله: ((وقال: تَعَوَّذ بالله)) في الرِّواية المذكورة: أنَّ النبيَّ نَلِ قال: ((تَعَوَّذ بالله)) وهو بالمعنى، فإِنَّه وَّهِ أرشَدَه إلى ذلك، وليس في الخبر أنَّه أمَرَهم أن يأمروه بذلك، لكنِ استفادوا ذلك من طريق عُمُوم الأمر بالنَّصيحة للمسلمينَ. قوله: ((أَتْرَى بِي بَأس)) بضمِّ التاء، أي: أنظُنّ، ووَقَعَ («بَأس) هنا بالرَّفع للأكثر، وفي بعضها: ((بأساً» بالنَّصبِ، وهو أو جَه. قوله: ((أَجْنون أنا)) في الرِّواية المذكورة: ((وهل بي من جُنُون؟)). قوله: ((اذهبْ)) هو خِطاب من الرجل للرجلِ الذي أمَرَه بالتَّعَوُّذ، أي: امضٍ في شُغلك. وأَخلِقْ بهذا المأمور أن يكون كافراً أو مُنافقاً، أو كان غَلَبَ عليه الغضب حتَّى أخرجه عن الاعتدال، بحيثُ زَجَرَ الناصح الذي دلَّه علی ما یُزیلُ عنه ما کان به من وَهَج الغضب بهذا الجواب السَّيِّئ، وقيل: إنَّه كان من ◌ُفاة الأعراب، وظنَّ أنَّه لا يستعيذ من الشَّيطان إلّا مَن به جنون، ولم يعلم أنَّ الغضب نوع من مَسِّ الشَّيطان(١)، ولهذا يَخْرُج به عن صورته ويُزيِّن إفساد ماله، كتقطيع ثوبه وكسر آنِيَته، أو الإقدام على مَن أغضَبَه ونحو ذلك ممّا يَتَعاطاه مَن يَخْرُج عن الاعتدال، وقد أخرج أبو داود (٤٧٨٤) من حديث عَطيّة السَّعديّ رَفَعَه: ((إنَّ الغضب من الشَّيطان)) الحديث. ٦٠٤٩- حدَّثْنا مُسلَّدٌ، حدَّثنا بِشرُ بنُ المفضَّلِ، عن مُميدٍ، قال: قال أنس: حدَّثْني عُبَادةُ ابنُ الصّامِتِ، قال: خَرَجَ رسولُ اللهِ وَّه لِيُخبِرَ الناسَ بليلةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى رجلان منَ المسلمينَ، قال النبيُّ ◌َائِهِ: ((خَرَجْتُ لأَخْبِرَكم، فَتَلاحَى فلانٌ وفلانٌ، وإِنََّا رُفِعَت، وعَسَى أن يكونَ خيراً لكم، (١) في (س): شر الشيطان، والمثبت من الأصلين. ٤١٤ باب ٤٤ / ح ٦٠٥٠ فتح الباري بشرح البخاري فالتَمِسوها في التاسِعةِ والسابعةِ والخامسةِ». ٦٠٥٠ - حدَّثني عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، عن المَعْرورِ، عن أبي ذرٍّ، قال: رأيتُ عليه بُزْداً وعلى غلامِه بُرْداً، فقلتُ: لو أخَذْتَ هذا فلَبِسْتَه كانت حُلّةً، وأعطَيتَه ثوباً آخَرَ؟ فقال: كان بيني وبينَ رجلٍ كلامٌ، وكانت أمّه أعجَمِيَّةً، فنِلْتُ منها، فذَكَرني إلى النبيِّ وَّةِ، فقال لي: ((أسابَيْتَ فلاناً؟)) قلتُ: نعم، قال: ((أَفَتِلْتَ من أمِّه؟)) قلتُ: نعم، قال: ((إِنَّكَ امِرُؤٌ فِيكَ جاهليّةٌ)) قلتُ: على ساعَتِي هذه من كِرِ السِّنِّ؟ قال: ((نعم، هم إخْوانُكم، جَعَلهُمُ الله تحتَ أيِدِيكُم، فمَن جَعَلَ الله أخاه تحتَ يِدِهِ فَلْيُطْعِمْهِ ممَّ يأكلُ، ولْيُلِْسْهِ مَّ يَلْبَسُ، ولا يُكلِّفْه منَ العَمَلِ ما يَغْلِبُهُ، فإن كَلَّفَه ما يَغْلِيُه فلْيُعِنْه عليه)). الحديث السادس: حديث عُبَادة بن الصّامت في ذِكْر ليلة القَدْر، وقد تقدَّم في أواخر الصيام (٢٠٢٣) مشروحاً، وأورَدَه هنا لقولِه فيه: ((فتَلاحَى)) أي: تَنَازَعَ، والتَّلاحي بالمهمَلة، ٤٦٨/١٠ أي: التَّجادُل والتَّنَازُع، وهو يُفضي في الغالب إلى المُسابَّة، وتقدَّم/ أنَّ الرجلينِ هما كعب ابن مالك وعبد الله بن أبي حَدْرَد. الحدیث السابع: حديث أبي ذرّ: ((سابیت رجلاً))، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الإيمان (٣٠)، وأنَّ الرجل المذكور هو بلال المؤَذِّن، وكان اسم أمّه: حَمامَة، بفتح المهمَلة وتخفيف الميم. وقوله: ((إِنَّك امرُؤٌ فيك جاهليَّة)) التَّنوين فيه للتَّقليل، والجاهليَّة: ما كان قبل الإسلام، ويحتمل أن يُرادَ بها هنا الجهل، أي: إنَّ فيك جهلاً. وقوله: ((قلت: على ساعتي هذه من كِبَرَ السُّنّ؟)) أي: هل فيَّ جاهليَّة أو جهل وأنا شيخ كبير؟ وقوله: ((هم إخوانكُم)) أي: العَبيد أو الحَدَم، حتَّى يَدخُل مَن ليس في الرِّقّ منهم، وقَرِينة قوله: ((تحت أيديكُم)) تُرشِد إليه، ويُؤخَذ منه المبالَغة في ذَمَّ السَّبّ واللَّعن؛ لما فيه من احتقار المسلم، وقد جاء الشَّرع بالتَّسوية بين المسلمينَ في مُعظَم الأحكام، وأنَّ التّفاضُل الحقيقيَّ بينهم إنّما هو بالتَّقوى، فلا يفيد الشَّريف النَّسَبِ (١) نَسَبُّه إذا لم يكن من أهل التَّقْوى، ويَنتَفِعِ الوَضيعُ (١) في الأصلين: ((النسيبَ))، والمثبت من (س) ونسخة على هامش (ع). ٤١٥ باب ٤٥ / ح ٦٠٥١ كتاب الأدب النَّسَبِ بالتَّقوى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. ٤٥- باب ما يجوز من ذِكرِ الناس نحوَ قولهم: الطّويل والقصير وقال النبيُّ وَّ: «ما يقول ذو اليَدَينِ؟))، وما لا يُرادُ به شَينُ الرجلِ ٦٠٥١- حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا محمَّدٌ، عن أبي هريرةَ: صَلَّى بنا النبيُّوَِّالظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثمَّ قامَ إلى خَشَبَةٍ في مُقَدَّمِ المسجدِ ووَضَعَ يدَه عليها، وفي القومِ يومَئذٍ أبو بكرٍ وعمرُ، فهابا أن يُكلِّماه، وخَرَجَ سَرَعانُ الناسِ، فقالوا: قَصُرَتِ الصلاةُ، وفي القومِ رجلٌ كان النبيُّ وَ﴿ يَدْعوه: ذا اليَدَينِ، فقال: يا نبيَّ الله، أَنْسِيتَ أم قَصُرَت؟ فقال: ((لم أنْسَ، ولم تَقْصُرْ))، قالوا: بل نَسِيتَ يا رسولَ الله، قال: ((صَدَقَ ذو اليَدَينِ)) فقامَ فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سَلَّمَ، ثمَّ كَبََّ، فسَجَدَ مِثلَ سُجودِه أو أطْوَلَ، ثمَّ رَفَعَ رأسَه و گَبَّرَ، ثمَّ وضَعَ مِثلَ سُجودِه أو أطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رأْسَه و گَبََّ. قوله: ((باب ما يجوز من ذِكْر الناس)) أي: بأوصافهم ((نحوَ قولهم: الطّويل والقصير. وقال النبيّ وَّ: ما يقول ذو اليَدَينِ؟ وما لا يُرادُ به شَيْن الرجل)) هذه التّرجمة معقودة لبیان ◌ُكْم الألقاب، وما لا يُعجِب الرجلَ أن يوصَف به مَّا هو فيه. وحاصله: أنَّ اللَّقَب إن كان ممَّا يُعجِب المَقَّب ولا إطراء فيه ممّا يَدخُل في تَهي الشَّرع فهو جائز أو مُستَحَبّ، وإن كان ممّا لا يُعجِبه فهو حَرَامٍ أو مَكَرُوه، إلّا إِن تَعيَّنَ طريقاً إلى التَّعريف به حيثُ يَشْتَهِر به، ولا يَتَميَّز عن غيره إلّا بذِكْره، ومن ثَمَّ أكثرَ الرُّواة من ذِكْر الأعمَش والأعرَج ونحوهما وعارم وغُندَر(١) وغيرهم، والأصل فيه: قوله ◌َ ﴿ لمَّا سَلَّمَ في ركعتَينِ من صلاة الظُّهر فقال: ((أكما يقول ذو اليَدَينِ؟)) وقد أورَدَه المصنّف في الباب ولم يَذكُر هذه الزيادة، وقال في سياق الرّواية التي أورَدَها: ((وفي القوم رجل كان النبيّ ◌َّ ◌ِ يَدْعوه: ذا اليَدَينِ)). (١) الأعمش اسمه: سليمان بن مِهْران الأسدي الكاهلي مولاهم الكوفي، واسم الأعرج: عبد الرحمن بن هُرْمُز المدني، واسم عارم: محمد بن الفضل السَّدُوسي البصري، واسم غندر: محمد بن جعفر الهذلي مولاهم البصري. ٤١٦ باب ٤٦ / ح ٦٠٥٢ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا الرِّواية التي عَلَّقَها في الباب فوصَلَها في ((باب تشبيك الأصابع)) (٤٨٢) في أوائل كتاب الصلاة من طريق ابن عَوْن عن ابن سيرين عن أبي هريرة، ولكنَّ لفظه: ((أكما يقول ذو اليَدَينِ؟))، وقد أخرجه مسلم (٩٧/٥٧٣) من طريق أيوب عن ابن سِيرِين بلفظ: ((ما يقول ذو اليَدَينِ؟)) وهو المطابِق للتَّعليق المذكور. وإلى ما ذهب إليه البخاريُّ من التَّفصيل في ذلك ذهب الجمهور، وشَذَّ قوم فشَدَّدوا، حتَّى نُقِلَ عن الحسن البصريّ أنَّه كان يقول: أخاف أن يكون قولُنا: حُميداً الطَّويل غِيبةً، ٤٦٩/١٠ وكأنَّ البخاريّ/ لَمَّحَ بذلك حيثُ ذكر قصَّة ذي اليَدَينِ (٤٨٢)، وفيها: ((وفي القوم رجل في يَدَيه طول)). قال ابن المنيِّر: أشارَ البخاريّ إلى أنَّ ذِكْر مِثل هذا إن كان للبيان والتَّمييز فهو جائز، وإن كان للتَّنقيصِ لم يَجُز، قال: وجاء في بعض الحديث عن عائشة في المرأة التي دَخَلت عليها، فأشارَت بيدِها: أنَّها قصيرة، فقال النبيّ وَّرَ: ((اغتَبتيها))، وذلك أنَّها لم تَفْعَل هذا بياناً، إِنَّمَا قَصَدَتِ الإخبار عن صِفَتها، فكان كالاغتيابِ. انتهى، والحديث المذكور أخرجه ابن أبي الدُّنيا في ((كتاب الغِيبة)) (٧٠)، وابن مَرْدويه في ((التَّفسير)) من طريق حسان(١) ابن ◌ُخارق عن عائشة، وهو ... (٢). ٤٦ - باب الغِيبة وقولِ الله تعالى: ﴿وَلَ يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضَاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهْتُمُوَةٌ وَأَنَّقُوْ اَللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. ٦٠٥٢ - حدَّثنا يحيى، حدَّثنا وَكِيعٌ، عن الأعمَشِ، قال: سمعتُ مجاهداً مُحدِّثُ، عن طاووسِ، (١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: حبان، والتصويب من مصادر التخريج، فقد أخرجه سوی ابن أبي الدنيا من طريق حسان بن مخارق عن عائشة: إسحاق بن راهويه (١٦١٣)، وهناد في ((الزهد)) ٢/ ٥٦٨، والخرائطي في ((مساوئ الأخلاق)) ١٩٧، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٧٣٠)، وفيه عن عائشة قالت: أقبلت امرأة قصيرة والنبي # جالس، قالت: فأشرت بإبهامي إلى النبي وَلّ، فقال: ((لقد اغتبتها)). قال البيهقي: هذا مرسل بين حسان وعائشة. (٢) بياض في الأصلين وكذا أصل (س). ٤١٧ باب ٤٦ / ح ٦٠٥٢ كتاب الأدب عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: مرَّ رسولُ اللهَوَّل على قَبْرَينِ، فقال: ((إنَّهَا لَيُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ: أَمَّ هذا فكان لا يَستَِرُ من بَوْلِهِ، وأمَّا هذا فكان يَمْشِي بالثَّمِيمِةِ) ثمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فشَقَّه باثنَيْنِ، فَغَرَسَ على هذا واحداً وعلى هذا واحداً، ثمَّ قال: ((لعلَّه يُحُفَّفُ عنهما ما لم يَیبَسا)). قوله: ((باب الغِيبة، وقول الله تعالى: ﴿ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ الآية)) هكذا اكتَفَى بذِكْر الآية المصرِّحة بالنَّهي عن الغِيبة، ولم يَذْكُر حُكمها كما ذكر حُكم النَّميمة بعد بابينِ(١)، حيثُ جَزَمَ بأنَّ النَّميمة من الكبائر. وقد اختُلِفَ في حَدِّ الغيبة وفي حُكمها، فأمَّا حدّها فقال الرَّاغِب: هي أن یذكُر الإنسان عَيبَ غيره من غير مُحوِج إلى ذِكْر ذلك. وقال الغَزاليّ: حَدُّ الغِيبة أن تَذكُر أخاك بما يَكرَهه لو بَلَغَه. وقال ابن الأثير في («النِّهاية)): الغِيبة أن تَذكُر الإنسان في غَيبَته بسوءٍ وإن كان فيه. وقال النَّوويّ في ((الأذكار)) تَبَعاً للغَزاليِّ: ذِكْر المرء بما يَكرَهه، سواء كان ذلك في بَدَن الشّخص، أو دينه أو دُنیاه، أو نفسه، أو خلقه أو خُلُقه، أو ماله أو والده أو ولده، أو زوجه أو خادمه، أو ثوبه أو حَرَكَته، أو طلاقَته أو عُبوسَته، أو غير ذلك مما يَتَعلَّق به، سواء ذكرته باللَّفظِ أو بالإشارة والرَّمز. قال النَّوويّ: وممَّن يَسْتَعمِل التَّعريض في ذلك كثير من الفقهاء في التَّصانيف وغيرها، كقولهم: قال بعض مَن يَدَّعي العلم، أو بعض مَن يُنسَب إلى الصَّلاح، أو نحو ذلك ممّ يفهم السامع المراد به، ومنه قولهم عند ذِكْره: الله يُعافِينا، الله يَتوبُ علينا، نسأل الله السَّلامة، ونحو ذلك، فكلّ ذلك من الغِيبة. وتَسَّكَ مَن قال: إنَّها لا يُشتَرَط فيها غَيْبةُ الشَّخص بالحديث المشهور الذي أخرجه مسلم (٢٥٨٩) وأصحاب ((السُّنَن))(٢) عن أبي هريرة رَفَعَه: «أتدرونَ ما الغِيبة؟» قالوا: الله ورسولُه أعلم، قال: ((ذِكْرُك أخاك بما يَكرَهه)) قال: أفَرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان في أخيكَ ما تقول فقد اغتَبتَه، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتّه))، وله شاهد مُرسَل عن المطَّلِب بن (١) باب رقم (٤٩). (٢) أبو داود (٤٨٧٤)، والترمذي (١٩٣٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٤٥٤). ٤١٨ باب ٤٦ / ح ٦٠٥٢ فتح الباري بشرح البخاري عبد الله عند مالك (٩٨٧)، فلم يُقَيِّد ذلك بغَيبة الشَّخص، فدَلَّ على أن لا فرْقَ بين أن يقول ذلك في غَبَتْه أو في حضُوره، والأرجَح اختصاصها بالغَيبة مُراعاةً لاشتِقاقها، وبذلك جَزَمَ أهل اللُّغة. قال ابن التِّين: الغِيبة ذِكْرُ المرء بما يَكرَهه بظَهرِ الغيب. وكذا قَيِّدَه الَّغَشَريّ، ٤٧٠/١٠ وأبو نَصر بن القُشَيريُّ في ((التَّفسير))،/ وابن خَميس في جُزء له مُفرَد في الغِيبة، والمنذريُّ، وغير واحد من العلماء من آخرهم الكِرْمانيُّ قال: الغيبة أن تَتَكلّم خَلْف الإنسان بما یَكرَهه لو سمعَه، وكان صِدقاً. قال: وحُكم الكناية والإشارة مع النّيَّة كذلك. وكلام مَن أطلقَ منهم محمول على المقَيَّد في ذلك. وقد وَقَعَ في حديث سُلَيمِ بن جابر(١)، والحديث سِيقَ لبيان صِفَتها واكتفى باسمِها على ذِكْر مَحِلّها. نعم المواجَهة بما ذُكِرَ حَرام لأنَّه(٢) داخل في السَّبّ والشَّتم. وأمَّا حُكمُها فقال النَّوويّ في ((الأذكار)): الغِيبة والنَّميمة مُحرَّمَتان بإجماع المسلمينَ، وقد تَظاهَرَتِ الأدلّة على ذلك. انتهى، وذكر في ((الرَّوضة)) تَبَعاً للرَّافعيِّ: أنَّها من الصَّغائر، وتَعقَّبَه جماعة. ونَقَلَ أبو عبد الله القُرطُبيّ في ((تفسيره)) بالإجماع على أنَّها من الكبائر، لأنَّ حَدّ الكبيرة صادِقٌ عليها، لأنَّهَا ممَّا ثَبَتَ الوعيد الشَّديد فيه. وقال الأذرَعيُّ: لم أَرَمَنْ صَرَّحَ بأنَّها من الصَّغائر إلّا صاحب «العُدّة)) والغَزالِيّ، وصَرَّحَ بعضهم بأنَّها من الكبائر. وإذا لم يَثْبُت الإجماع، فلا أقلّ من التَّفصيل، فمَن اغتابَ وليّاًلله أو عالماً، ليس كمَن اغتابَ مجهول الحالة مثلاً. وقد قالوا: ضابِطُها ذِكْر الشّخص بما يَكرَه، وهذا يختلف باختلاف ما يقال فيه، وقد يَشتَدّ تأذّيه بذلك، وأذَى المسلم مُحرَّم. وذكر النَّوويّ من الأحاديث الدّالَّة على تحريم الغِيبة حديث أنس رَفَعَه: «لمَّا عُرِجَ بي، (١) ذكر هنا في هامش (س) أنه وقع هنا بياض في أصلها، وليس كذلك في (أ) و(ع)، وحديث سُلَيم بن جابر، ويقال: جابر بن سُليم، أخرجه أحمد (٢٠٦٣٢)، وأبو داود (٤٠٨٤)، وابن حبان (٥٢١)، وفيه مرفوعاً: ((وإن امرؤ شتمك و عيَّرك بما یعلم فيك، فلا تعیِّزه بما تعلم فیه، فإنما وبال ذلك عليه)). (٢) في الأصلین: «لكنه))، والمثبت من (س). ٤١٩ باب ٤٦ / ح ٦٠٥٢ كتاب الأدب مَرَرت بقومٍ لهم أظفار من نُحاس يَخْمُشونَ بها وُجُوهَهم وصُدُورهم. قلت: مَن هؤلاءِ يا جِبْريل؟ قال: هؤلاءِ الذينَ يأكلونَ لُحُوم الناس، ويقَعونَ في أعراضهم)) أخرجه أبو داود (٤٨٧٨)، وله شاهد عن ابن عبَّاس عند أحمد (٢٣٢٤)، وحديث سعيد بن زيد رَفَعَه: ((إِنَّ مِن أربَى الرِّبا الاستِطالةَ في عِرْض المسلم بغير حَقٌّ)) أخرجه أبو داود (٤٨٧٦)، وله شاهد عند البزَّار (٧٧٨٤ و ٨٤٣٧) وابن أبي الدُّنيا (١) من حديث أبي هريرة، وعند أبي يَعْلى (٤٦٨٩) من حديث عائشة، ومن حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((مَن أَكَلَ لحم أخيه في الدُّنيا قُرِّبَ له يوم القيامة، فيقال له: كُله ميْتاً كما أكَلَته حَيّاً، فيأكله ويَكلَح ويضج)) سنده حسن(٢). وفي ((الأدب المفرَد)» (٧٣٤) عن ابن مسعود قال: «ما التَّقَمَ أحد لُقْمةً شَرّاً من اغتياب مُؤمِن)» الحديث، وفيه (٧٣٧) أيضاً، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٤٣٩٩) من حديث أبي هريرة في قصَّة ماعِزِ ورَجْمه في الزِّنى: وإنَّ رجلاً قال لصاحبِه: انظُر إلى هذا الذي سَتَرَ الله عليه فلم يَدَع نفسه حتَّى رُجِمَ رَجْم الكلب، فقال لهما النبيُّ ◌َله: (كُلَا من حِيفَة هذا الحمار - لحمارٍ مِّت - فما نِلتُما من عِرْض هذا الرجل أشدّ من أكل هذه الجِيفة)»، وأخرج أحمد (١٤٧٨٤)، والبخاريّ في «الأدب المفرَد)) (٧٣٢) بسندٍ حسن عن جابر قال: كنَّا مع النبيّ وَِّ، فهاجَت ريحٌ مُنِنة، فقال النبيّ ◌َّ: ((هذه ريح الذينَ يَغْتابونَ المؤمنين))، وهذا الوعيد في هذه الأحاديث يدلّ على أنَّ الغِيبة من الكبائر، لكن تقييده في بعضها بغير حقّ قد يُرِج الغيبة بحَقٌّ، لما تَقرَّرَ أنَّها ذِكْر المرء بما فيه. ثم ذكر المصنف حديث ابن عبّاس قال: مرَّ النبيُّ وََّ على قبرَينِ يُعذَّبان ... الحديث، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الطَّهارة (٢١٦ و٢١٨)، وليس فيه ذِكْر الغِيبة، بل فيه: ((يَمشي بالنّمیمة)). (١) في كتاب ((ذم الغيبة والنميمة)) (٣٥)، وكتاب ((الصمت)) (١٧٣). (٢) وكذا عزاه البوصيري في («إتحاف الخيرة)) ٦/ ٧٥ لأبي يعلى، ولم نقف عليه في ((مسند أبي يعلى))، ولعله في (مسنده الكبير))، وهو في ((الأوسط)) للطبراني (١٦٥٦)، وفي ((ذم الغيبة)) (٤٠) لابن أبي الدنيا، وفي ((مساوئ الأخلاق)) للخرائطي ٩٧/١، و((التوبيخ والتنبيه)) لأبي الشيخ (٢٠٩)، وإسناده ضعيف فيه محمد بن إسحاق مدلس وقد رواه بالعنعنة. ٤٢٠ باب ٤٧ / ح ٦٠٥٣ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن التِّين: إنَّمَا تَرجَمَ بالغِيبة وذكر النَّميمة، لأنَّ الجامع بينهما ذِكْر ما يَكرَهه المقُول فيه بظَهرِ الغيب. وقال الكِرْمانيُّ: الغِيبة نوع من النَّميمة، لأنَّه لو سمعَ المنقولُ عنه ما نُقْلَ عنه لَغَمَّه. قلت: الغِيبة قد تُوجَد في بعض صور النَّميمة، وهو أن يَذكُره في غَيِبَتَه بما فيه ممّاً يَسوؤُه قاصداً بذلك الإفساد، فيحتمل أن تكون قصَّة الذي كان يُعذّب في قبره كانت كذلك، ويحتمل أن يكون أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه بلفظ الغِيبة صريحاً، وهو ما أخرجه هو في ((الأدب المفرد)» (٧٣٥) من حديث جابر قال: كنَّا مع النبيّ وَِّ، فأتى على قبرَينِ - فذكر فيه نحو حديث الباب وقال فيه -: ((أمَّا أحدهما فكان يَغتاب الناس)) الحديث. وأخرج أحمد (٢٠٣٧٣)، والطبرانيُّ(١) بإسنادٍ صحيح عن أبي بكرة قال: مرَّ النبيّ ٤٧١/١٠ رَّ بقبرَينِ فقال: ((إنَّما يُعذَّبان،/ وما يُعذَّبان في كبير)) وبَكَى - وفيه - ((وما يُعذَّبان إلّ في الغِيبة والبَول))، ولأحمد (١٧٥٥٩)، والطبرانيٌّ (٧٠٥/٢٢) أيضاً من حديث يَعْلى بن سِيابَةٍ(٢): أنَّ النبيَّ نَّهِ مرَّ على قبر يُعذَّب صاحبه فقال: ((إنَّ هذا كان يأكل لحوم الناس))(٣)، ثُمَّ دَعَا بجَريدةٍ رَطبة، الحديث، ورواته موثَّقُونَ(٤). ولأبي داود الطَّيالسيِّ (٢٧٦٨) عن ابن عبَّاس بسندٍ جَيِّد مِثله، وأخرجه الطبرانيُّ(٥)، وله شاهد عن أبي أمامةَ عند أبي جعفر الطََّرِيِّ في ((التَّفسير))(٢). وأكل لُوم الناس يَصدُق على النَّميمة والغِيبة، والظّاهر اتّحاد القصَّة، ويحتمل التعدُّد، وتقدَّم بيان ذلك واضحاً في كتاب الطَّهارة. ٤٧ - باب قول النبيّ وَّهِ: ((خَيْرِ دور الأنصار)) ٦٠٥٣ - حدَّثْنَا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي الزِّنادِ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي أُسَيدِ الساعدِيِّ، قال: قال النبيُّ نَ ◌ّهِ: ((خيرُ دورِ الأنصار بنو النَّجّار)). (١) في ((الأوسط)) (٣٧٤٧). (٢) تحرَّفت في (أ) و(س) إلى: شبابة. (٣) وهو بهذا اللفظ بعينه عند الطبراني في ((الأوسط)) (٢٤١٣). (٤) إسناده ضعيف لجهالة حبيب بن أبي جُبيرة. (٥) لم نقف عليه في المطبوعات من كتب الطبراني المتوفرة لدينا. (٦) لم نقف عليه في ((تفسيره))، وهو في كتابه ((صريح السنة)) (٤٠)، وإسناده ضعيف.