النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ باب ١٣ / ح ٥٩٨٨ كتاب الأدب يُدرِكِه، ثمَّ يَكُبّه على وجهه في النار)) أخرجه مسلم (٦٥٧). الحديث الثاني: ٥٩٨٨ - حدَّثنا خالدُ بنُ تَخَلَدٍ، حدَّتنا سُليمانُ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ دِينارٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وََّ، قال: ((إنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ منَ الرَّحمنِ، فقال الله: مَن وصَلَكِ وصَلْتُه، ومَن قَطَعَكِ قَطَعْتُه)). قوله: «حدَّثنا خالد بن مخلَدٍ، حدَّثنا سُلیمانُ بن بلال، حدّثنا عبد الله بن دینار» لسلیمان في هذا المعنى ثلاثة أحاديث: أحدها: هذا، والآخر: الحديث الذي قبله، وقد سَبَقَ من طريقه في تفسير القتال (٤٨٣٠)، ويأتي في التَّوحيد (٧٥٠٢)، والثالث: حديثه عن معاوية بن أبي مُزَرِّد أيضاً عن يزيد بن رُومان، وهو ثالث أحاديث الباب. قوله: ((الرَّحِم شِجْنة)) بكسر المعجَمة وسكون الجيم بعدها نون، وجاء بضمٍّ أوَّله وفتحه رواية ولغة. وأصل الشِّجنة: عُروق الشَّجَر المشتَبِكة، والشَّجَن بالتَّحريكِ: واحد الشُّجون وهي طرق الأودية، ومنه قولهم: ((الحديث ذو شُجون)) أي: يَدخُل بعضُه في بعض. وقوله: ((من الرَّحمن)) أي: أُخِذَ اسمها من هذا الاسم، كما في حديث عبد الرَّحمن بن عَوْف في (السُّنَن)) مرفوعاً: ((أنا الرّحمن، خَلَقت الرَّحِم، وشَقَقت لها اسماً من اسمي))(١)، والمعنى: أنَّها أثر من آثار الرَّحمة مُشتَبِكة بها، فالقاطع لها مُنقَطِع من رحمة الله. وقال الإسماعيليّ: معنى الحديث: أنَّ الرَّحِم اشتُقَّ اسمها من اسم الرَّحمن فلَها به عُلْقة، وليس معناه أنَّها من ذات الله، تعالى الله عن ذلك. قال القُرطُبيّ: الرَّحِم التي تُوصَل عامّة وخاصّة، فالعامّة: رَحِم الدّين، وتجب مواصَلَتها بالتَّوادِّ والتّناصُح والعدل والإنصاف، والقيام بالحقوق الواجبة والمستَحَبّة، وأمَّ الرَّحِم الخاصّة فتزيد (٢) النفقة على القريب، وتَفَقَّد أحوالهم والتَّغافل عن زَلّاتهم. وتتفاوت مراتب استحقاقهم في ذلك كما جاء في الحديث الأوَّل من کتاب (١) أخرجه أبو داود (١٦٩٤)، والترمذي (١٩٠٧)، وصححه ابن حبان (٤٤٣). (٢) أي: تجب لهم الحقوق العامة، وتزيد عليها: النفقة ... إلى آخره. ٣٢٢ باب ١٣ -١٤ / ح ٥٩٨٩ - ٥٩٩٠ فتح الباري بشرح البخاري الأدب: ((الأقرب فالأقرب))(١). وقال ابن أبي جَمْرة: تكون صِلة الرَّحِم بالمال، وبالعَونِ على الحاجة، وبدفع الضَّرَر، وبطلاقة الوجه، وبالدُّعاءِ. والمعنى الجامع إيصال ما أمكنَ من الخير، ودفع ما أمكن من الشّ بحَسَبِ الطاقة، وهذا إنَّما يَستَمِرُّ إذا كان أهل الرَّحِم أهل استقامة، فإن كانوا كفَّاراً أو فُجّاراً فمُقَاطَعَتهم في الله هي صِلَتهم، بشرطِ بَذل الجهد في وعظهم، ثمَّ إعلامهم إذا أصَرّوا أنَّ ذلك بسببٍ تَخلُّهم عن الحقّ، ولا تَسقُط مع ذلك صِلَتَهم بالدُّعاءِ لهم بظَهرِ الغيب أن يعودوا إلى الطَّريق المثلَى. قوله: ((فقال الله)) زاد الإسماعيليّ في روايته: (لهما))، وهذه الفاء عاطفة على شيء محذوف، وأحسن ما يُقدَّر له ما في الحديث الذي قبله: ((فقالت: هذا مقامُ العائذ بكَ من القَطيعَة، فقال الله .. )) إلى آخره. الحديث الثالث: حديث عائشة، وهو بلفظ / حديث أبي هريرة الذي قبله، إلّا أنَّه بلفظ الغَيْية. ٤١٩/١٠ ٥٩٨٩- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا سُليمانُ بنُ بلالٍ، قال: أخبرني معاويةُ بنُ أبي مُزَرِّدٍ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها زَوْجِ النبيِّ ◌َِّ، عن النبيِّ ◌َّ، قال: ((الرَّحِمُ شِجْنةٌ، فمَن وَصَلَها وصَلْتُه، ومَن قَطَعَهَا قَطَعْتُه)). وفي الأحاديث الثلاثة تعظيم أمر الرَّحِم، وأنَّ صِلَتها مندوب مُرَغَّب فيه، وأنَّ قطعها من الكبائر؛ لوُرودِ الوعيد الشَّدید فيه. واستُدِلَّ به على أنَّ الأسماء توقيفيَّة، وعلى رُجْحان القول الصّائر إلى أنَّ المراد بقوله: وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]: أسماء جميع الأشياء، سواء كانت من الذَّوات أو من الصِّفات، والله أعلم. ١٤ - بابٌ تُبَلُّ الرّحِمُ بِيَلالها ٥٩٩٠ - حدَّثْنِي عَمْرو بنُ عبَّاسٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قيسٍ بنِ أبي حازمٍ، أنَّ عَمْرَو بنَ العاص قال: سمعتُ النبيَّ ◌َهَ جِهاراً غيرَ سِرِّ يقول: (١) في شرح الحديث (٥٩٧١). ٣٢٣ باب ١٤ / ح ٥٩٩٠ كتاب الأدب ((إنَّ آلَ أبي - قال عَمْرٌو: في كتاب محمَّدٍ بنِ جعفرٍ بياضٌ - ليسوا بأوْلِيائي، إنَّما ولِّيَ الله وصالحُ المؤمنينَ)). زادَ عَنْبَسةُ بنُ عبدِ الواحدِ، عن بَيانٍ، عن قيسٍ، عن عَمْرِو بنِ العاص، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ: ((وَلكن لهم رَحِمٌ أبُلُّهَا بَلالها)). يعني: أُصِلُها بصِلَتِها. قوله: ((بابٌ)) هو بالتَّنوين ((تُبَلّ الرَّحِم بِبَلالها)» بضمٌّ أوَّله بالمثنّاة، ويجوز بفتح أوَّله بالتَّحتانيَّة، والمراد: المكلَّف. قوله: ((حدَّثني)) لغير أبي ذرٍّ: حدَّثنا، وعَمْرو بن عبَّاس بالموحّدة والمهمَلة: هو أبو عثمان الباهليّ البصريّ، ويقال له: الأهوازيّ، أصله من إحداهما وسَكَنَ الأُخرَى، وهو من الطَّقة الوُسطَى من شيوخ البخاريّ، وانفرد به عن السّة. وحديث الباب قد حدَّث به أحمد ویحیی ابن مَعِين وغيرهما من شيوخ البخاريّ عن ابن مَهديّ، لكن ناسَبَ تخريجَه عنه گَونُ صحابیه سَمِيَّه، وهو عَمْرو بن العاص، ومحمّد بن جعفر شيخه: هو غُندَر، وهو بصريّ، ولم أرَ الحديث المذكور عند أحمد من أصحاب شُعْبة إلّا عنده، إلّا ما أخرجه الإسماعيليّ من رواية وَهْب بن حَفْص عن عبد الملك بن إبراهيم الجُدِّي عن شُعْبة، ووهبُ بن حفص كذَّبوه. قوله: ((أنَّ عَمْرو بن العاص قال)) عند مسلم (٢١٥) عن أحمد، وعند الإسماعيليّ عن يحيى ابن مَعِين، كلاهما عن غُندَر بلفظ: عن عَمْرو بن العاص، ووَقَعَ في رواية بیان بن بشر عن قيس: سمعت عَمْرو بن العاص، وستأتي الإشارة إليها في الكلام على الطَّريق المعلّقة، وليس لقيسٍ ابن أبي حازم في ((الصحيحين)) عن عَمْرو بن العاص غير هذا الحديث. ولِعمرو بن العاص في (الصحيحين)) حديثان آخران؛ حديث: ((أيّ الرِّجال أحَبُّ إليك)) وقد مضى في المناقب (٣٦٦٢)، وحديث: ((إذا اجتَهَدَ الحاكم)) وسيأتي في الاعتصام (٧٣٥٢)، وله آخر مُعلَّق عند البخاريّ مضى في المبعَث النبويّ (٣٨٥٦)، وآخر مضى في التيمُّم (١)، وعند مسلم (١٠٩٦) حديثٌ آخر في السُّحور، وهذا جميع ما له عندهما من الأحاديث المرفوعة. (١) في باب (٧): إذا خاف الجنب على نفسه المرض. ٣٢٤ باب ١٤ / ح ٥٩٩٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((سمعت النبيّ وَّهِ جِهاراً)) يحتمل أن يَتَعلَّق بالمفعول، أي: كان المسْمُوع في حالة الجهر، ويحتمل أن يَتَعلَّق بالفاعل، أي: أقول ذلك جِهاراً. وقوله: ((غير سِرٍّ)) تأكيدٌ لذلك، لدفع تَوهُم أنَّه جَهَرَ به مرَّة وأخفاه أُخرَى، والمراد أنَّه لم يَقُل ذلك خُفْيةً بل جَهَرَ به وأشاعَه. قوله: ((إنَّ آل أبي)) كذا للأكثر بحذفٍ ما يُضاف إلى أداة الكُنية، وأثبَتَه المُستَمْلي في روايته، لكن كَنَّى عنه فقال: ((آل أبي فلان))، وكذا هو في روايتَي مسلم والإسماعيليّ، وذكر القُرطُبيّ: أنَّه وَقَعَ في أصل مسلم موضع: ((فلان)) بياض، ثمَّ كَتَبَ بعض الناس فيه: ((فلان)) على سبيل الإصلاح، و((فلان)) كِناية عن اسم عَلَم، ولهذا وَقَعَ لبعضٍ رواته: ((إنَّ ٤٢٠/١٠ آل أبي - يعني - فلان))، ولبعضهم: ((إنَّ/ آل أبي فلان)) بالجزم. قوله: ((قال عَمْرو)» هو ابن عبّاس شيخ البخاريّ فيه. قوله: ((في كتاب محمَّد بن جعفر)) أي: غُندَر شيخ عَمْرو فيه. قوله: ((بياض)) قال عبد الحقّ في كتاب ((الجمع بين الصحيحين)): إنَّ الصَّواب في ضبط هذه الكلمة بالرَّفع، أي: وَقَعَ في كتاب محمَّد بن جعفر موضعٌ أبيضُ، يعني: بغير كتابة، وفَهِمَ منه بعضهم أنَّه الاسم المكَنَّى عنه في الرِّواية، فقرأه بالجرِّ على أنَّه في كتاب محمَّد بن جعفر: إنَّ آل أبي بَيَاضٍ، وهو فهم سَيِّ مَّن فهمَه، لأنَّه لا يُعرَف في العرب قبيلة يقال لها: آل أبي بَياضٍ، فضلاً عن قريش، وسياق الحديث مُشعِر بأنَهم من قبيلة النبيّ ◌َّر وهي قريش، بل فيه إشعار بأنَهم أخصّ من ذلك لقولِه: ((إنَّ لهم رَحِماً)، وأبعَدَ مَن حَلَه على بني بَيَاضةَ - وهم بطن من الأنصار - لما فيه من التَّغيير، أو التَّرخيم على رأي، ولا يناسب السّياق أيضاً. وقال ابن التِّين: حُذِفَتِ التَّسمية لئلا يَتَأَذَّى بذلك المسلمونَ من أبنائهم. وقال النَّوويّ: : هذه الكناية من بعض الرُّواة، خَشِيَ أن يُصرِّح بالاسم، فيَرتَّب عليه مَفسَدةٌ إمّا في حَقِّ نفسه، أوإمّا في حَقِّ غيره، وإمّا معاً. وقال عِيَاض: إنَّ المكنيّ عندهنا: هو الحكم بن أبي العاص. وقال ابن دقيق العيد: كذا ٣٢٥ باب ١٤ / ح ٥٩٩٠ كتاب الأدب وَقَعَ مُبهَماً في السّياق، وَمَلَه بعضهم على بني أُميَّة، ولا يَستَقيم مع قوله: آل أبي، فلو كان آل بني لَأَمْكَنَ، ولا يَصِحّ تقدير آل أبي العاص؛ لأنَّهم أخصُّ من بني أُميَّة، والعامّ لا يُفَسَّر بالخاصِّ. قلت: لعلَّ مُراد القائل: أنَّه أطلقَ العامّ وأراد الخاصّ، وقد وَقَعَ في رواية وهب ابن حَفْص التي أشرتُ إليها: ((إنَّ آل بني))، لكن وَهْب لا يُعتَمَد عليه، وجَزَمَ الدِّمياطيّ في ((حَواشيه)) بأنَّه آل أبي العاص بن أُميَّة، ثمَّ قال ابن دقيق العيد: إنَّه رأى في كلام ابن العربيّ في هذا شيئاً يُراجَع منه. قلت: قال أبو بكر بن العربيّ في ((سِراج المريدينَ)): كان في أصل حديث عَمْرو بن العاص: ((إنَّ آل أبي طالب))، فغُيِّرَ ((آل أبي فلان)) كذا جَزَمَ به، وتَعقَّبَه بعض الناس وبالَغَ في التَّشنيع عليه، ونَسَبَه إلى التَّحامُل على آل أبي طالب، ولم يُصِب هذا المنكِرِ، فإنَّ هذه الرّواية التي أشارَ إليها ابن العربيّ موجودة في ((مُستَخرَج أبي نُعَيم)) من طريق الفضل بن الموفَّق عن عَنبَسةَ بن عبد الواحد بسندِ البخاريّ عن بيان بن بِشْر عن قيس بن أبي حازم عن عَمْرو بن العاص رَفَعَه: ((إنَّ لِبَني أبي طالب رَحِماً أبُلّها بَلالها))، وقد أخرجه الإسماعيليّ من هذا الوجه أيضاً لكن أبهَمَ لفظ ((طالب))، وكأنَّ الحامل لمن أبهَمَ هذا الموضع ظنُّهم أنَّ ذلك يقتضى نقصاً في آل أبي طالب، وليس كما تَوهَّموه كما سَأوضِّحُه إن شاء الله تعالى. قوله: ((ليسوا بأوليائي)) كذا للأكثر، وفي نُسخَة من رواية أبي ذرٍّ: ((بأولياءٍ)» فنَقَلَ ابنُ التِّين عن الدَّاوُوديِّ: أنَّ المراد بهذا النَّفي مَن لم يُسْلِم منهم، أي: فهو من إطلاق الكلّ وإرادة البعض، والمنفيُّ على هذا: المجموع لا الجميع. وقال الخطَّبيُّ: الولاية المنفيَّة ولاية القُرْب والاختصاص لا ولاية الدّين، ورَجَّحَ ابن التِّين الأوَّل وهو الرَّاجح، فإنَّ من جُملة آل أبي طالب عليّاً وجعفراً، وهما من أخصِّ الناس بالنبيِّ وَّة؛ لما لهما من السابقة والقَدَم في الإسلام ونَصْر الدّین، وقد استشكَلَ بعض الناس صِحّة هذا الحديث، لما نُسِبَ إلى بعض رواته من النَّصب: وهو الانحراف عن عليّ وآل بيته. قلت: أمَّا قيس بن أبي حازم فقال يعقوب ابن شَيْبة: تَكلَّمَ أصحابنا في قيس، فمنهم مَن رَفَعَ قَدْره وعَظَّمَه وجعَلَ الحدیث عنه من أصحّ الأسانيد، حتَّى قال ابن مَعِين: هو أوثَق من الزُّهْريّ، ومنهم مَن ◌َلَ عليه وقال: له أحاديث ٣٢٦ باب ١٤ / ح ٥٩٩٠ فتح الباري بشرح البخاري مَناكِير، وأجابَ مَن أطراه: بأنَّها غرائب وأفرادٌ لا تَقدَح فيه. ومنهم مَن حَمَلَ عليه في مذهبه وقال: كان يَحمِل على عليّ، ولذلك تَجَنَّبَ الرِّواية عنه كثيرٌ من قُدَماء الكوفيّينَ، وأجابَ مَن أطراه بأنَّه كان يُقدِّم عثمان على عليٍّ فقط. قلت: والمعتمد عليه أنَّه ثقة ثَبْت مقبول ٤٢١/١٠ الرِّواية، وهو من كبار التابعين،/ سمعَ من أبي بكر الصِّدّیق فمَن دونه، وقد روى عنه حديث الباب إسماعيلُ بن أبي خالد وبيانُ بن بِشْر وهما كوفيّان، ولم يُنسَبا إلى النَّصب، لكنَّ الراوي عن بيان - وهو عَنَبَسُ بن عبد الواحد - أُمَويّ قد نُسِبَ إلى شيء من النَّصب، وأمَّا عَمْرو بن العاص وإن كان بينه وبين عليّ ما كان، فحاشاه أن يُنَّهَم. وللحديثِ مَحَمَلٌ صحيح لا يَستَلِزِم نقصاً في مُؤمِني آلِ أبي طالب، وهو أنَّ المراد بالنَّفي: المجموع، كما تقدَّمَ، ويحتمل أن يكون المراد بآلٍ أبي طالب: أبا طالب نفسه، وهو إطلاقٌ سائغ، كقوله في أبي موسى: ((إنَّه أوتيَ مِزماراً من مَزامِير آلِ داود)»(١)، وقوله: ((صَلِّ على آل أبي أوفَ))(٢)، وخَصَّه بالذِّكرِ مُبالَغة في الانتفاء مَّن لم يُسلِم، لكَونِهِ عَمّه وشَقِيق أبيه، وكان القَيِّمَ بأمره ونَصْرِه وحمايته، ومع ذلك فلمَّا لم يُتابِعه على دينه، انتَفَى من موالاته. قوله: ((إِنَّا وَلِّيَ الله، وصالحُ المؤمنينَ)) كذا للأكثر بالإفرادِ وإرادة الجملة، وهو اسم جِنس، ووَقَعَ في رواية البَرْقانيّ: ((وصالحو المؤمنينَ)) بصيغة الجمع، وقد أجازَ بعض المفسِّرِينَ أنَّ الآية التي في التَّحريم(٣) كانت في الأصل: «فإنَّ الله هو مولاه وجِبْريل وصالحو المؤمنينَ)) لكن حُذِفَتِ الواو من الخَطّ على وَفْق النُّطْق، وهو مِثل قوله: ﴿سَنَّدْعُ الزََّانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦]، وقوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤]. وقال النَّوويّ: معنى الحديث: إنَّ ولِّيَ مَن كان صالحاً وإِن بَعُدَ مِنِّي نَسَبُهُ، وليس وليِّي مَن كان غيرَ صالح وإن قَرُبَ مِنِّي نَسَبه. وقال القُرطُبيّ: فائدة الحديث: انقطاع الولاية في الدِّين بين المسلم والكافر ولو كان قريباً حَميماً. وقال ابن بَطّال: أو جَبَ في هذا الحديث الولاية بالدّينِ، (١) تقدم برقم (٥٠٤٨). (٢) تقدم برقم (١٤٩٧). (٣) يعني قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم:٤]. ٣٢٧ باب ١٤ / ح ٥٩٩٠ كتاب الأدب ونَفاها عن أهل رَحِمِه إن لم يكونوا من أهل دِينه، فدَلَّ ذلك على أنَّ النَّسَب يحتاج إلى الولاية التي يقعُ بها الموارَثة بين المتناسبينَ، وأنَّ الأقارب إذا لم يكونوا على دِينٍ واحد لم يكن بينهم تَوارُث ولا ولاية، قال: ويُستَفاد من هذا: أنَّ الرَّحِم المأمور بصِلَتِها والمتوعَّد على قطعها هي التي شُرِعَ لها ذلك، فأمَّا مَن أُمِرَ بقطعِه من أجل الدّين فُيُستَئنَى من ذلك، ولا يَلحَق الوَعيدُ مَن قَطَعَه، لأَنَّه قَطَعَ مَن أمَرَ الله بقَطعِه، لكن لو وُصِلوا بما يُباح من أمر الدُّنيا لكان فضْلاً، كما دَعَا وَّ لقریشٍ بعد أن كانوا كذَّبوه، فدَعَا عليهم بالقَحطِ، ثمَّ استشفَعوا به فرَقَّ لهم لمَّا سألوه بَرَحِهم، فَرَحِمَهم ودَعا لهم(١). قلت: ويُتَعَقَّب كلامه في موضعين: أحدهما: يُشارِكُه فيه كلامُ غيره، وهو قَصْرُه النَّفي على مَن ليس على الدّين، وظاهر الحديث أنَّ مَن كان غيرَ صالح في أعمال الدّين دَخَلَ في النَّفي أيضاً، لتقييدِه الولاية بقولِه: ((وصالح المؤمنینَ)). والثّاني: أنَّ صِلَة الرَّحِم الكافر ينبغي تقييدُها بما إذا أيِسَ منه رُجُوعاً عن الكفر، أو رَجَا أن يَخْرُج من صُلْبه مسلم، كما في الصّورة التي استَدَلَّ بها، وهي دعاء النبيّ وَّل لقريشٍ بالخِصِبِ وعُلِّلَ بنحوِ ذلك، فيحتاج مَن يَتَرَخّص في صِلة رَحِمه الكافر أن يَقصِد إلى شيء من ذلك، وأمَّا مَن كان على الدّين ولكنَّه مُقصِّر في الأعمال مثلاً، فلا يُشاركُ الكافر في ذلك. وقد وَقَعَ في ((شرح المِشكاة): المعنى أنّي لا أُوالي أحداً بالقَرابة، وإنَّما أُحِبُّ الله تعالى لما لَهُ من الحقّ الواجب على العباد، وأُحِبُّ صالح المؤمنينَ لوجه الله تعالى، وأُوالِي مَن أُوالي بالإيمان والصَّلاح، سواء كان من ذَوي رَحِم أو لا، ولكن أرعَى لذَوِي الرَّحِم حَقّهم لصِلة الرَّحِم. انتھی، وهو كلام مُنقَّح. وقد اختَلَفَ أهل التَّويل في المراد بقوله تعالى: ﴿وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] على أقوال: (١) سلف هذا الحديث في البخاري (١٠٢٠) من حديث ابن مسعود. ٣٢٨ باب ١٤ / ح ٥٩٩٠ فتح الباري بشرح البخاري أحدها: الأنبياء، أخرجه الطَّرُّ وابنُ أبي حاتم عن قتادة، وأخرجه الطُّريّ وذكره ابن أبي حاتم عن سفيان الثّوريّ، وأخرجه النَّقّاش عن العلاء بن زياد. الثّاني: الصحابة، أخرجه ابن أبي حاتم عن السُّدِّيّ، ونحوه في ((تفسير الكَلْبِيّ)) قال: هم أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وأشباههم ممَّن ليس بمُنافقٍ. الثّالث: خيار المؤمنينَ، أخرجه ابنُ أبي حاتم عن الضَّحّاك. الرَّابع: أبو بكر وعمر وعثمان، أخرجه ابنُ أبي حاتم عن الحسن البَصْريّ. الخامس: أبو بكر وعمر، أخرجه/ الطََّرِيُّ(١) وابن مَرْدويه عن ابن مسعود مرفوعاً، وسنده ٤٢٢/١٠ ضعيف، وأخرجه الطَّبَريُّ (١٦٢/٢٨) وابن أبي حاتم عن الضَّحّاك أيضاً، وكذا هو في ((تفسير عبد الغني بن سعيد الثّقْفيّ)) أحد الضُّعَفاء بسنده عن ابن عبّاس موقوفاً، وأخرجه ابن مردویه من وجه آخر ضعیف عنه كذلك، قال ابنُ أبي حاتم: وروي عن عِكْرمة وسعيد ابن جُبَير وعبد الله بن بُرَيدة ومُقاتل بن حَیّان كذلك. السادس: أبو بكر خاصّة، ذكره القُرطُبيّ عن المسيّب بن شَرِيك. السابع: عمر خاصّة، أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ صحيح عن سعيد بن جُبَير، وأخرجه الطَّبَرُّ بسنٍ ضعيف عن مُجَاهِد(٢)، وأخرجه ابن مَرْدويه بسندٍ واهٍ جدّاً عن ابن عبّاس. الثّامن: عليّ، أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ مُنْقَطِع عن عليّ نفسه مرفوعاً، وأخرجه الطَّبَرُّ بسندٍ ضعیف عن مجاهد قال: هو عليّ، وأخرجه ابن مَرْدویه بسندَینِ ضعیفینِ من حديث أسماء بنت عُمَيسٍ مرفوعاً قالت: سمعتُ رسول الله و﴿ يقول: ((صالحُ المؤمنينَ عليٌّ بن أبي طالب))، ومن طريق أبي مالك عن ابن عبّاس مِثله موقوفاً، وفي سنده راوٍ ضعيف، وذكره النَّقّاش عن ابن عبّاس ومحمَّد بن عليّ الباقر وابنه جعفر بن محمَّد الصّادِقِ. قلت: فإن ثَبَتَ هذا (١) لم نقف عليه في ((تفسير الطبري))، وهو عند الطبراني (١٠٤٧٧). (٢) الذي في طبعة دار الفكر من ((تفسير الطبري)) ٢٨/ ١٦٢ من طريق مجاهد قال: أبو بكر وعمر، وجاءت على الصواب في طبعة دار هجر ٢٣/ ٩٧. ٣٢٩ باب ١٤ / ح ٥٩٩٠ كتاب الأدب ففيه دفع تَوهُّم مَن تَوهَّم أنَّ في الحديث المرفوع نقصاً من قَدْر عليّ رضي الله عنه، ويكون المنفيّ أبا طالب ومَن ماتَ من آلِهِ كافراً، والمثبَت مَن كان منهم مُؤمِناً، وخُصَّ عليّ بالذِّكرِ الكَونِه رأسَهم، وأُشيرَ بلفظ الحديث إلى لفظ الآية المذكورة، ونُصَّ فيها على عليّ تنويهاً بقَدْره، ودفعاً لظنِّ مَن يُتُوهَّم عليه في الحديث المذكور غَضَاضة، ولو تَفَطَّنَ مَن كَنَّى عن أبي طالب لذلك لاستَغِنَى عَّ صَنَعَ، والله أعلم. قوله: ((وزادَ عَنبَسةُ بن عبد الواحد)) أي: ابن أُميَّة بن عبد الله بن سَعِيد بن العاص بن أبي أُحَيْحَةَ - بمُهمَلتَينِ مُصغَّراً - وهو سعيد بن العاص بن أُميَّة، وهو مُوثَّق عندهم، وما له في البخاريّ سوى هذا الموضع المعلَّق، وقد وَصَلَه البخاريّ في كتاب البِرّ والصِّلة فقال: حدَّثنا محمَّد بنُ عبد الواحد بن عَنبَسةَ، حدَّثنا جَدّي .. فذكره، وأخرجه الإسماعيليّ من رواية فهد (١) بن سُلَیمان عن محمَّد بن عبد الواحد المذكور، وساقَه بلفظ: سمعتُ عَمْرو بن العاص يقول: سمعتُ رسول الله وَ له ينادي جَهْراً غير سِرٍّ: ((إنَّ بني أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنَّما وليِّيَ الله والذينَ آمنوا، ولكن لهم رَحِم)) الحديث، وقد قَدَّمت لفظ رواية الفضل بن الموفَّق عن عَنْبَسةَ من عند أبي نُعَيم، وأنَّهَا أخصَرُ من هذا. قوله: ((ولكن لها (٢) رَحِمٌ أَبُلّها ببَلالها، يعني: أَصِلُها بصِلَتِها)) كذا لهم، لكن سَقَطَ التَّفسير من رواية النَّسَفيّ، ووَقَعَ عند أبي ذرٍّ وحدهِ: ((أبُلّها بيَلَاها))، وبعده في الأصل: كذا وَقَعَ، وبَلَالها أجودُ وأصحّ، وبيَلَاها لا أعرِفُ له وجهاً. انتهى، وأظنّه من قوله: ((كذا وَقَعَ ... )) إلى آخره، من كلام أبي ذرٍّ، وقد وَجَّهَ الدَّاوُودِيُّ - فيما نَقَلَه ابن التِّين - هذه الرِّواية على تقدير ثُبوتها بأنَّ المراد ما أوصَلَه إليها من الأذَى على تركهم الإسلام، وتَعقَّبَه ابن التِّين: بأنَّه لا يقال في الأذَى: أَبُّه، ووَجَّهَها بعضُهم بأنَّ البَلاء - بالمدِّ - يَجيء بمعنى المعروف والإنعام، ولمَّا كانت الرَّحِم ممَّا يَستَحِقّ المعروف أُضيفَ إليها ذلك، فكأنَّه قال: أصِلُها بالمعروف اللّائق بها، والتَّحقيق أنَّ الرِّواية إنَّما هي: ((بَلَالها)» مُشْتَقّ من أبُلّها. (١) تحرَّفت في (س) إلى: نهد. (٢) كذا في الأصلين و(س) ((لها))، وفي نسخ اليونينية ونسخة القسطلاني: ((لهم)) دون خلاف بين النسخ. ٣٣٠ باب ١٤ / ح ٥٩٩٠ فتح الباري بشرح البخاري قال النَّوويّ: ضَبطنا قوله: ((بَلالها)) بفتح الموحّدة وبكسرها وهما وجهان مَشْهوران. وقال عِيَاض: رُوِّيناه بالكسر، ورأيته للخَطّابيِّ بالفتح. وقال ابن النِّين: هو بالفتح للأكثر ولبعضِهم بالكسر. قلت: بالكسر أوجَه، فإنَّه من البِلال جمع بَلَل، مِثل ◌َل وچمال، ومَن قاله بالفتح بناه على الكسر، مثل: قَطام وحَذام. والبَلَال: بمعنى البَلَل وهو النَّداوة، وأُطلِقَ ذلك على الصِّلة كما أُطلِقَ الَيْس على القَطِيعة، لأَنَّ النَّداوة من شأنها تَجميعُ ما يَحَصُل فيها وتأليفه، بخِلَاف اليَيْس فمن شأنه التَّفريق. وقال الخطَّبيُّ وغيره: بَلَلت الرَّحِم بَلَّ وبَلَلاً وبلالاً، أي: نَدَّيتها بالصِّلة، وقد أطلقوا على ٤٢٣/١٠ الإعطاء: النَّدَى، وقالوا في البخيل: ما تَنْدى كَفّه بخيرٍ،/ فشُبِّهَت قَطيعةُ الرَّحِيم بالحرارة، ووصْلُها بالماءِ الذي يُطفِئ ببَردِه الحرارة، ومنه الحديث: ((بُلّوا أرحامكم ولو بالسَّلام))(١). وقال الطِّييُّ وغيره: شَبَّهَ الرَّحِم بالأرضِ التي إذا وَقَعَ عليها الماء وسَقاها حقَّ سقيِها، أَزْهَتْ(٢) ورُفِيَت فيها النَّضارة، فأثمَرَتِ المحبّة والصَّفاء، وإذا تُرِكَت بغير سَقْي يَبِسَت وبَطَلَت مَنْفَعَتها، فلا تُثُمِر إلّا الْبَغضاء والجفاء، ومنه قولهم: سَنَةٌ جَماد، أي: لا مَطَر فيها، وناقة جَمَاد، أي: لا لَبَن فیھا. وجَوَّزَ الخطَّبيُّ أن يكون معنى قوله: ((أَبُّها بيلالها)) في الآخرة، أي: أشفَع لها يوم القيامة، وتَعقَّبَه الدَّاوُودِيُّ بأنَّ سياق الحديث يُؤذِن بأنَّ المراد: ما يَصِلُهم به في الدُّنيا، ويُؤيِّده ما أخرجه مسلم (٢٠٤) من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: لمَّا نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَهِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، دَعَا رسول الله وَ له قريشاً فاجتَمَعوا، فَعَمَّ وخَصَّ .. إلى أن قال: ((يا فاطمةُ، أنقِذي نفسك من النار، فإنّي لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أنَّ لكم رَحِماً سَابُلُها ببَلالها)) وأصله عند البخاريّ (٢٧٥٣) بدون هذه الزّيادة. (١) أخرجه البزار (١٨٧٧ - كشف الأستار) من حديث ابن عباس، وهناد في ((الزهد)) (١٠١١)، وابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٢٠٧)، والقضاعي في ((مسند الشهاب))، (٦٥٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٩٧٢) من حديث سويد بن عامر، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٩٧٣) من حديث أنس، وطرقه ضعيفة. (٢) في (أ) و(س): أزهرت، والمثبت من (ع). ٣٣١ باب ١٥ / ح ٥٩٩١ كتاب الأدب وقال الطِّييُّ: في قوله: ((بَلالها)) مُبالَغة بَدِيعة، وهي مِثل قوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾ [الزلزلة: ١] أي: زلزالها الشَّديد الذي لا شيء فوقه، فالمعنى: أَبُلّها بما اشتَهرَ وشاعَ بحيثُ لا أترك منه شيئاً. ١٥ - بابٌ لیس الواصل بالمکافئ ٥٩٩١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سُفيانُ، عن الأعمَشِ والحسنِ بنِ عَمرِو وفِطْرٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الله بنِ عَمِرٍو - قال سفيانُ: لم يرفعْه الأعمَشُ إلى النبيِّ ◌َّهِ، وَرَفَعَه حسنٌ وَفِطْرٌ - عن النبيِّ ◌َّةِ، قال: ((ليس الواصلُ بالمكافئِ، ولكنَّ الواصِلَ الذي إذا قَطَعَت رَحُهُ وصَلَها)). قوله: ((باب ليس الواصلُ بالمكافِئ)) التَّعريف فيه للجنسِ. قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوريّ، والحسن بن عَمْرو: هو الفُقَيميّ، بفاءٍ وقاف مُصفَّر، وفِطر: بكسر الفاء وسكون المهمَلة ثمَّ راء: هو ابن خلیفة. قوله: ((عن مجاهد)) أي: الثلاثة عن مجاهد، وعبد الله بن عَمْرو: هو ابن العاص. وقوله: (قال سُفیان» هو الراوي، وهو موصول بهذا الإسناد. وقوله: ((لم يَرفَعه الأعمَش، ورَفَعَه حسنٌ وفِطْر)) هذا هو المحفوظ عن الثَّوريّ، وأخرجه الإسماعيليّ من رواية محمَّد بن يوسف الفِرْيابيّ عن سفيان الثَّوريّ عن الحسن بن عَمْرو وحده مرفوعاً، ومن رواية مُؤمَّل بن إسماعيل عن الثَّوريّ عن الحسن بن عَمْرو موقوفاً، وعن الأعمَش مرفوعاً، وتابَعَه أبو قُرّة موسى بن طارق عن الثَّوريّ على رفع رواية الأعمَش، وخالَفَه (١) عبد الرَّزّاق عن الثَّوريّ، فَرَفَعَ رواية الحسن بن عَمْرو، وهو المعتمَد، ولم يختلفوا في أنَّ رواية فِطْر بن خليفة مرفوعة. وقد أخرجه التِّرمِذيّ (١٩٠٨) من طريق سفيان بن عُيَينةَ عن فِطْر وبَشِير أبي(٢) إسماعيل كلاهما عن مجاهد مرفوعاً، وأخرجه أحمد (٦٥٢٤ و٦٨١٧) عن جماعة من شيوخه عن فِطْر مرفوعاً، وزاد في أوَّل الحديث: ((إنَّ (١) أي: خالف مؤمّلاً، ورواية عبد الرزاق هذه عند أحمد (٦٧٨٥). (٢) تحرَّفت في (س) إلى: ((بن)). : ٣٣٢ باب ١٦ / ح ٥٩٩٢ فتح الباري بشرح البخاري الرَّحِم مُعلَّقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافِئ)) الحديث. قوله: ((ليس الواصل بالمكافِئ)) أي: الذي يُعطي لغيره نَظيرَ ما أعطاه ذلك الغير، وقد أخرج عبد الرَّزاق (١٩٦٢٩) عن عمر موقوفاً: ليس الوصل أن تَصِل مَن وصَلَك، ذلك القِصَاص، ولكنَّ الوصل أن تَصِل مَن قَطَعَك. قوله: ((ولكنَّ) قال الطِّيبيّ: الرّواية فيه بالتَّشديدِ، ويجوز التَّخفيف. قوله: ((الواصل الذي إذا قَطَعَت رَحِه وصَلَها) أي: الذي إذا مُنِعَ أعطَى، و((قطعَتْ)) ضُبِطَت في بعض الرِّوايات: بضمٍّ أوَّله وكسر ثانيه على البناء للمجهول، وفي أكثرها: بفتحتین، قال الطِّييُّ: المعنى ليست حقيقة الواصل ومَن يُعتَدّ بصِلَتِهِ مَن يُكافئ صاحبه بمثلِ فِعله، ولكنَّه مَن ٤٢٤/١٠ يَتَفَضَّل على صاحبه. وقال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): المراد بالواصلِ/ في هذا الحديث: الكامل، فإنَّ في المكافأة نوع صِلة، بخِلَاف مَن إذا وَصَلَه قريبه لم يُكافئه، فإنَّ فيه قَطْعاً بإعراضه عن ذلك، وهو من قبيل: ((ليس الشَّديد بالصُّرَعة))(١)، و((ليس الغِنَى عن كَثْرَة العَرَض))(٢) انتهى. وأقول: لا يَلْزَم من نفي الوَصْلِ ثُبُوتَ القطع، فهم ثلاث دَرَجات: مُواصِل ومُكافئ وقاطع، فالواصل مَن يَتَفَضَّل ولا يُتَفَضَّل عليه، والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخُذ، والقاطع الذي يُتَفَضَّل عليه ولا يَتَفَضَّل. وكما تقع المكافأة بالصِّلة من الجانبين، كذلك تقع بالمقاطعة من الجانبين، فمَن بَدَأ حينئذٍ فهو الواصل، فإن جُوزيَ سُمّيَ مَن جازاه مُكافِئاً، والله أعلم. ١٦ - باب مَن وَصَل رَحِمِه في الشّرك، ثمّ أسلم ٥٩٩٢- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيِ، أنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامِ أخبَرَه أَنَّه قال: يا رسولَ الله، أرأيتَ أُموراً كنتُ أَحَنَّثُ بها في الجاهليَّةِ؛ من صِلةٍ وعَتاقةٍ وَصَدَقَةٍ، هل كان لي فيها من أجْرٍ؟ قال حَكِيمٌ: قال رسولُ الله ◌َلِ: ((أسلَمْتَ على ما سَلَفَ من خیر)). (١) سيأتي برقم (٦١١٤). (٢) سيأتي برقم (٦٤٤٦). ٣٣٣ باب ١٦ / ح ٥٩٩٢ كتاب الأدب ويقالُ أيضاً عن أبي اليَمَان: أتحَنَّتُ. وقال مَعْمَرٌ وصالحُ وابنُ المسافِرِ: أتحَنَّثُ، وقال ابنُ إسحاقَ: التَّحَنُّثُ: التبرُّر. وتابَعَه هِشامٌ بن ◌ُزوة، عن أبيه. قوله: («بابُ مَن وصَلَ رَحِمَه في الشِّرْك، ثمَّ أسلَمَ)) أي: هل يكون له في ذلك ثواب؟ وإنَّما لم تَجِزِم بالحُكمِ لوجودِ الاختلاف في ذلك. وقد تقدَّمَتِ الإشارة إلى ذلك في أوائل كتاب الزكاة (١٤٣٦)، وتقدّم البحث في ذلك في کتاب الإیمان (٤١) في الكلام على حديث أبي سعيد الخُدْريِّ: ((إذا أسلَمَ العَبد فحَسُنَ إسلامه). قوله: ((هل كان لي فيها من أجْر؟)) وهو تفسير رواية يونس بن يزيد عند مسلم (١٩٤/١٢٣): ((هل لي فيها من شيء؟)) ووَقَعَ في رواية صالح بن كَيْسانَ: ((أفيها أجر؟))، وفي رواية ابن مُسافر: ((هل لي فيها من أجر؟))(١). قوله: ((ويقال أيضاً عن أبي اليَمَان: أتحَنَّت)) كذا لأبي ذرٍّ، ووَقَعَ في رواية غيره: ((وقال أيضاً))، وعلى هذا فهو من كلام البخاريّ، وفاعل ((قال)): هو البخاريّ. قوله: ((عن أبي اليَمَان: أتحَنَّتُ)) يعني: بالمثنّاة بدلَ المثلَّثة، يشير إلى ما أورده هو في ((باب شِراء المملوك من الحَرْبيّ)) في كتاب البيوع (٢٢٢٠) عن أبي اليَمَان بلفظ: «كنت أتحَنَّتُ أو أتحَنَّث)» بالشكّ، وكأنّه سمِعَه منه بالوجهين، وتقدّم في كتاب الزكاة (١٤٣٦) ما صَوَّبَه عِیَاض من ذلك، وقال ابن التِّين: ((أَتَحَنَّت)) بالمثنّة لا أعلم له وجهاً. انتهى، ووَفَعَ عند الإسماعيليّ: ((أنتَنَّب)) بجيمٍ وآخره موحّدة، فقال: قال البخاريّ: ((يقال: أتجَنَّب)) قال الإسماعيليّ: والتَّجَنَّب تصحيف، وإنَّما هو النَّحَنُّث، مأخوذ من الحِنْث وهو الإثم، فكأنَّه قال: أتوقَّى ما يُؤْثِم. قلت: وبهذا النَّويل تَقْوى رواية: ((أتَجَنَّب)) بالجيم والموحّدة، ويكون التردُّد في اللَّفْظَتَيْنِ، وهما: (أتحنَّث)) بِمُهمَلٍ ومُثَّثة، و((أَتَنَّب)) بجيمٍ وموخَّدة والمعنى واحد، وهو: تَوِّي ما يوقِع في الإثم، لكن ليس المراد تَوقّي الإثم فقط، بل أعلى منه وهو تحصيل البِرّ. (١) يأتي تخريجهما قريباً. ٣٣٤ باب ١٧ / ح ٥٩٩٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال مَعْمَر وصالح وابن المسافر: أتحَنَّث)) يعني: بالمثلَّثة، أمَّا رواية مَعمَر فوصَلَها المؤلِّف في الزكاة (١٤٣٦)، وهي في ((باب من تَصَدَّقَ في الشِّرك ثمَّ أسلَمَ))، وعزاها الِّيُّ في ((الأطراف)) للصلاة، ولم أرَها فيها، وأمَّا رواية صالح - وهو ابن كَيْسانَ - فأخرجها مسلم (١٢٣/ ١٩٥)، وأمَّا رواية ابن المسافر فكذا وَقَعَ هنا بالألفِ واللّام، والمشهور فيه بحَذْفِهما، وهو ٤٢٥/١٠ عبد الرَّحمن بن خالد بن مُسافِرِ الفَهميّ / المِصريّ أمير مِصْر، فوصَلَها الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (١) من طريق اللَّيث بن سعد عنه. قوله: ((وقال ابن إسحاق: التَّحَنُّث: التبرُّر)) هذا ذكره ابن إسحاق في «السِّيرة النبويَّة)) فقال: حدَّثني وَهْب بن كَيْسانَ قال: سمعت عبد الله بن الزُّبَير يقول لعُبيدٍ بن عُمَير: حَدِّثنا کیف کان بدء النُّبّة؟ قال: فقال عُبید وأنا حاضر: كان رسول الله پڼ مجاِر في حِراء من كلِّ سنة شهراً، وكان ذلك ممَّا تَتَحَنَّث به قريش في الجاهليَّة، والتَّحَنُّث: التبرُّر. وقد تقدَّم التَّنبيه على ذلك في بَدْء الوحي في حديث عائشة (٣) في هذا المعنى: فكان يَتَحَنَّث، وهو التعبُّد. ومَضَى التَّنبيه على ذلك في أوَّل الكتاب. قوله: ((وتابَعَه هشام بن عُزْوة، عن أبيه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((وتابَعَهم)) بصيغة الجمع، والأوَّل أرجَح؛ فإنَّ المراد بهذه المتابعة خُصُوص تفسير التَّحَنُّث بالتبرُّر، ورواية هشام وَصَلَها المؤلّف في العِتق (٢٥٣٨) من طريق أبي أسامة عنه، ولفظه: أنَّ حَكيم بن حِزَام قال، فذكر الحديث، وفيه: ((كنت أتحَنَّث بها، يعني: أتبَرَّر)). ١٧ - باب مَن تَرَك صَبيَّة غیره حتّی تلعَبَ به، أو قبَّلَها أو مازَحَها ٥٩٩٣- حدَّثنا حِبّانُ، أخبرنا عبدُ الله، عن خالدِ بنِ سعيدٍ، عن أبيه، عن أمِّ خالدٍ بنت خالدِ بنِ سعيدٍ، قالت: أتيتُ رسولَ اللهِ وَلَّ مِعَ أبي وعليَّ قَمِيصٌ أصفَرُ، قال رسولُ الله ◌ِّ: (سَنَهَ سَنَه)) - قال عبدُ الله: وهي بالحَبَشِيَّةِ: حسنةٌ . قالت: فذهبتُ ألعَبُ بخاتَمِ النُّبوّةِ، فَزَبَرَني (١) لم نقف عليه في ((الأوسط)) وهو في ((الكبير)) (٣٠٨٨). ٣٣٥ باب ١٧ / ح ٥٩٩٣ كتاب الأدب أبي، قال رسولُ الله وَّةِ: (دَعْها))، ثمَّ قال رسولُ الله ◌َّةَ: ((أَبَلي وأخلِقي، ثمَّ أَبَلي وأخلِقي، ثمَّ أَبْلِي وأخلِقِي)). قال عبدُ الله: فبَقِيَ حتَّى ذَكَر، يعني من بقائها. قوله: ((باب مَن تَرَكَ صَبيَّة غيره حتَّى تَلْعَب به)) أي: ببعضٍ جسده. قوله: ((أو قَبَّلَها أو مازَحَها)) قال ابن التِّين: ليس في الخبر المذكور في الباب للتَّقبيلِ ذِكْر، فيحتمل أن يكون لمَّا لم يَنهَها عن مَسّ جسده صارَ كالتَّقْبيل، وإلى ذلك أشارَ ابن بَطّال، والذي يظهر لي أنَّ ذِكْر المزح بعد التَّقبيل من العامّ بعد الخاصّ، وأنَّ المازَحة بالقولِ والفِعل مع الصَّغيرة إِنَّمَا يُقْصَد به التَّأنيس، والتَّقبيلُ من جُملَة ذلك. وحديث الباب عن أمّ خالد بنت خالد بن سعيد تقدَّم شرحه في ((باب الخَمِيصة السَّوداء)) (٥٨٢٣) من كتاب اللِّباس، و((عبد الله)) في هذا السَّنَد: هو ابن المبارك، و((خالد ابن سعيد)) المذكور في السَّنَد تقدَّم بيان نَسَبه في كتاب الجهاد (٣٠٧١). قوله: ((فذهبْتُ ألعَبُ بخاتَمِ النُّبوّة، فَزَبَرَني أبي)) أي: نَهَرَني، والزَّبْر - بزايٍ وموخَّدة ساكنةـ: هو الزَّجر والمنع وزنه ومعناه. قوله: ((أبلي وأخلِقي)) تقدَّم ضبطه والاختلاف فيه. قوله: (ثُمَّ أبلي وأخلِقي)) قال الدَّاوُوديُّ: يُستَفاد منه مَجَيء ((ثمَّ)) للمُقارَنة، وأُبَی ذلك بعضُ الُّحاة فقالوا: لا تأتي إلّا للتَّراخي. كذا قال، وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّ قال: ما علمت أنَّ أحداً قال: إنَّ (ثمَ)) للمُقارَنة، وإنَّما هي للتَّرتيبِ بالمهلة، وقال: وليس في الحديث ما ادَّعاه من المقارنة، لأنَّ الإبلاء يقع بعد الخَلَق أو الخَلْف. قلت: لعلَّ الدَّاوُوديَّ أراد بالمقارنة: المعاقَبة، فيَنَّجِه كلامه بعض اتجاه. قوله: ((قال عبد الله)) هو ابن المبارك، وهو مُتَّصِل بالإسناد المذكور. قوله: ((فبَقِيَ)) أي: الثَّوب المذكور، كذا للأكثر، وفي رواية أبي ذرٍّ: ((فبَقِيَت))، والمراد أمّ خالد. قوله: ((حتَّى ذَكَر)) كذا للأکثر بذالٍ مُعجَمة ثمَّ کافٍ خفيفة مفتوحَتَینِ ثمَّ راء، وفیه اکتِفاء، ٣٣٦ باب ١٨ / ح ٥٩٩٤ فتح الباري بشرح البخاري والتَّقدير ذَكَر الراوي زَمَناً طويلاً. وقال الكِرْمانيُّ: المعنى: حتى صارَ شيئاً مذكوراً عند الناس ٤٢٦/١٠ بخروج بقائه عن العادة. قلت: وكأنَّه قرأه: ((ذُكِرَ)) بضمٍّ أوَّله، لكن/ لم يقع عندنا في الرّواية إلّا بالفتح، ووَقَعَ في رواية أبي عليّ بن السَّكَن: ((حتَّى ذَگر دهراً) وهو يُؤيِّد ما قَدَّمته، وفي رواية أبي ذرّ عن الكُشْمِيهنيّ: ((حَتَّى دَكِنَ)) بدالٍ مُهمَلة وكافٍ مكسورة ثمَّ نون، أي: صارَ أدكن، أي: أسود، قال أهل اللُّغة: الذَّكَن: لون يَضرِب إلى السَّواد، وقد دکِنَ الثّوب بالكسر یدکن بفتح الکاف، ويضمِّها مع الفتح(١)، وقد جَزَمَ جماعة بأنَّ روایة الگُشْمِیھنیّ تصحيف. قوله: ((يعني من بقائها)) كذا للأَصِيليِّ، والضَّمير للخَمِيصة، أو لأَمِّ خالد، بحَسَبٍ التَّوجيهَينِ المتقدِّمَينِ. ١٨ - باب رحمة الوَلَد وقُبْلتِهِ ومعانقتِهِ وقال ثابتٌ، عن أنسٍ: أَخَذَ النبيُّ ◌َِّ إبراهيمَ فقَبَّلَه وشَمَّه. ٥٩٩٤- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا مَهْدِيٌّ، حدَّثنا ابنُ أبي يعقوبَ، عن ابنِ أبي نُعْم، قال: كنتُ شاهداً لابنِ عمرَ، وسألَه رجلٌ عن دَمِ البَعُوضِ، فقال: ثَمَّنْ أنتَ؟ فقال: من أهلِ العراق، قال: انظُرُوا إلى هذا يَسْألُني عن دَمِ البَعوضِ، وقد قَتَلوا ابنَ النبيِّ ◌َّ! وسمعتُ النبيَّ ◌َ ﴿ يقول: ((هما رَيْحانَتَايَ منَ الذُّنْيا)). ٤٢٧/١٠ قوله: ((باب رحمة الولَدِ وَقُبْلَتِهِ ومُعانَقَتِهِ)) قال ابن بَطّال: يجوز تقبيل الولد الصَّغير في كلّ عُضْو منه، وكذا الكبير عند أكثر العلماء، ما لم يكن عَوْرة، وتقدَّم في مناقب فاطمة عليها السَّلام: أَنَّه ◌َ﴿ كان يُقبِّلها(٢)، وكذا كان أبو بكر يُقبِّل ابنته عائشة. قوله: ((وقال ثابت، عن أنس: أخَذَ النبيُّ وَّهِ إبراهيمَ، فقَبَّلَه وشَمَّه)) سَقَطَ هذا التَّعليق لأبي ذرِّ عن غير الكُشْمِيهنيّ، وقد وَصَلَه المؤلِّف في الجنائز (١٣٠٣) من طريق قريش بن (١) أي دَكَنَ يَذْكُن، من باب نَصَر، ولم تذكر كتب اللغة هذا التصريف بمعنى اللون، وإنما بمعنى التنضيد، يقال: دَكَنَ المتاعَ يَدْكُنُه: نَضَّدَ بعضَه على بعض. وانظر ((القاموس المحيط)) مادة (دكن). (٢) بل في المغازي في شرح الحديث (٤٤٣٣). ٣٣٧ باب ١٨ / ح ٥٩٩٤ كتاب الأدب حَيَّان عن ثابت في حديث طويل. وإبراهيم: هو ابن النبيّ وَّ من ماريةَ القِبطيَّة. ثم ذكر المصنِّف في الباب ستّة أحاديث: الحديث الأول: حديث ابن عمر. قوله: «مهديّ» هو ابن ميمون، وثَبَتَ ذلك في رواية أبي ذرٍّ. قوله: ((ابن أبي يعقوب)) هو محمَّد بن عبد الله الضَّبّيُّ البصريّ، و((ابن أبي نُعْم)) بضمٌّ النُّون وسكون المهملة: هو عبد الرَّحمن، واسم أبيه لا يُعرَف، والسَّنَد كلّه إلى عبد الرَّحمن هذا بضْرِيُّونَ، وهو كوفيّ عابد اتَّفَقوا على توثيقه، وشَذَّ ابنُ أبي خَيْئمةَ فحكى عن ابن مَعِين أنَّهِ ضَعَّفه. قوله: ((كنت شاهداً لابنٍ عمر)) أي: حاضراً عنده. قوله: ((وسألَه رجل)) الجملة حاليَّة، واسم الرجل السائل ما عَرَفته. قوله: ((عن دَم البَعوض)) تقدَّم في المناقب (٣٧٥٣) بلفظ: ((الذَّباب)) بضمِّ المعجَمة وموخَّدتَين، قال الكِرْمانيُّ: لعلَّه سألَ عنهما معاً. قلت: أو أطلقَ الراوي الذُّباب على البَعوض لقُربٍ شَبَهه منه، وإن كان في البَعوض معنّى زائد، قال الجاحظ: العرب تُطلِقٍ على النَّحْل والدَّبْرِ وما أشبه ذلك ذُباباً. قوله: ((وقد قَتَلوا ابن النبيّ ◌َّ)) يعني: الحسين بن عليّ. قوله: ((وسمعتُ النبيّ ◌َّ﴿ يقول)) هي جُملة حاليَّة. قوله: ((رَيحانَتاي) كذا للأكثر، ولأبي ذرِّ عن المُستَمْلي والحُمُِّيّ: ((ريحانِي)) بكسر النُّون والتَّخفيف على الإفراد، وكذا عند النَّسَفيّ، ولأبي ذرِّ عن الكُشْمِيهنيّ: (رَيحانَتي)) بزيادة تاء التَّأنيث، قال ابن التِّين: وهو وهم، والصَّواب: ((ريحانَتاي)). قلت: كأنَّه قرأه: بفتح المثنّاة وتشديد الياء الأخيرة على الَّتنية فجعله وهماً، ويجوز أن يكون: بكسر المثنّة والتَّخفيف فلا يكون وهماً، والمراد بالريحان هنا: الرِّزق، قاله ابن التِّين، وقال صاحب ((الفائق)): أي: هما من رِزْق الله الذي رَزَقَنيه، يقال: سبحان الله وريحانَه، أي: أُسَبِّح الله وأستَرزِقه، ويجوز أن يُراد بالرَّيحان: المشمومَ، ٣٣٨ باب ١٨ / ح ٥٩٩٥ فتح الباري بشرح البخاري يقال: حَباني بطاقة ريجان، والمعنى: أنَّهما ممَّا أكرَمَني الله وحَباني به، لأنَّ الأولاد يُشمّونَ ويُقَبَّلونَ، فكأنَّهم من ◌ُملة الرَّياحين. وقوله: ((من الدُّنيا)) أي: نَصِيبي من الرّيحان الدُّنيَويّ. وقال ابن بَطّال: يُؤخَذ من الحديث أنَّه يجب تقديم ما هو أوكَد على المرء من أمر دِينِهِ، لإنكار ابن عمر على مَن سألَه عن دَم البَعوض مع تَرْكِه الاستغفارَ من الكبيرة التي ارتَكَبَها بالإعانة على قتل الحسين، فوبَّخَه بذلك، وإنَّما خَصَّه بالذِّكرِ لعِظَمٍ قَدْر الحسين ومكانه من النبيّ وَّه. انتهى، والذي يظهر أنَّ ابن عمر لم یقصِد ذلك الرجل بعینِه، بل أراد التّنبيه على جَفاء أهل العراق، وغَلَبة الجهل عليهم بالنّسبة لأهلِ الحِجاز، ولا مانع أن يكون بعد ذلك أفتَى السائل عن خُصُوص ما سألَ عنه؛ لأنَّه لا يَحِلّ له كِتمان العِلم، إلّا إن ◌ُلَ على أنَّ السائل كان مُتَعَنَّ، ويُؤيِّد ما قلتُه أنَّه ليس في القصَّة ما يدلّ على أنَّ السائل المذكور كان مَّن أعانَ على قتل الحسين، فإن ثَبَتَ ذلك فالقول ما قال ابن بَطّال، والله أعلم. الحديث الثاني: ٥٩٩٥- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي بكرٍ، أنَّ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيِ أخبَرَه، أنَّ عائشةَ زَوْجَ النبيِّ يَّرِ حدَّثتْه، قالت: جاءتْني امرأةٌ ومعها ابنَتَان تسألُني، فلم تَجِدْ عندي غيرَ تَمْرةٍ واحدةٍ فأعطَيْتُها، فقَسَمَتْها بينَ ابتَيها، ثمَّ قامَت فَخَرَجَتِ، فَدَخَلَ النبيُّ وَهِ فِحَدَّثْتُه، فقال: ((مَن يَلي من هذه البَناتِ شيئاً، فأحسَنَ إليهنَّ، كُنَّ له سِتْراً منَ النار)). قوله: ((عبد الله بن أبي بكر)) أي: ابن محمّد بن عَمْرو بن حَزْم، ومَضَى في الزكاة (١٤١٨) من رواية ابن المبارك عن مَعمَر: ((عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم)) فَنَسَبَ أباه لجَدِّ أبيه، وإدخال الزُّهْريّ بينه وبين عُزْوة رجلاً ممّا يُؤذِن بأنَّه قليل التَّدليس، وقد أخرجه التِّرمِذيّ (١٩١٣) مختصراً من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد عن مَعمَر بإسقاط ((عبد الله بن أبي بكر)) من السَّنَد، ٣٣٩ باب ١٨ / ح ٥٩٩٥ كتاب الأدب فإن كان محفوظاً احتَمَلَ أن يكون الزُّهْريّ سمعَه من عُرْوة مختصراً، وسمعَه/ عنه مُطوَّلاً، وإلّا ٤٢٨/١٠ فالقول ما قال ابن المبارك. قوله: ((جاءتْني امرأة ومعها ابتان)) لم أقِفْ على أسمائِهِنَّ، وسَقَطَت الواو لغير أبي ذرٍّ من قوله: «ومعها»، و کذا هو في رواية ابن المبارك. قوله: ((فلم تَجِدْ عندي غير تَمْرة واحدة، فأعْطَيتُها، فقَسَمَتْها بين ابتَتَيَها)) زاد مَعمَر: ((ولم تأكُل منها شيئاً)). قوله: (ثُمَّ قَامَت فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النبيّ ◌َِّ فِحَدَّثْتُه)) هكذا في رواية عُرْوة. ووَقَعَ في رواية عِراك بن مالك عن عائشة: جاءتني مِسْكينة تَحمِل ابتَينٍ لها، فأطعَمتُها ثلاث تَمَرات، فأعطَت كلّ واحدة منهُنَّ تمرةً، ورَفَعَت تمرةً إلى فيها لتأكُلُها، فاستَطعَمَتها ابنَتَاها، فشَقَّت الثَّمرةَ التي كانت تريد أن تأكُلها، فأعجبني شأنها .. الحديث، أخرجه مسلم (٢٦٣٠). وللطَّبَرانيِّ (٢٧١٥) من حديث الحسن بن عليٍّ نحوه، ويُمكِن الجمع: بأنَّ مُرادَها بقولها في حديث عُرْوة: ((فلم تَجِد عندي غير تمرة واحدة)) أي: أخصّها بها، ويحتمل أنَّها لم يكن عندها في أوَّل الحال سوى واحدة فأعطَتها، ثمَّ وجَدَت ثِنْتَين، ويحتمل تعدُّد القصّة. قوله: (مَن يَلي من هذه البنات شيئاً) كذا للأكثر بتحتانيَّةٍ مفتوحة أوَّله، من الولاية، وللكُشمِيهنيّ: بموخَّدةٍ مضمومة، من البلاء، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ أيضا: ((بشيءٍ)، وقَوّاه عِيَاض، وأَيَّدَه برواية شُعَيب(١) بلفظ: ((مَن ابتُليَ))، وكذا وَقَعَ في رواية مَعمَر عند التِّرمِذيّ (١٩١٣)، واختُلِفَ في المراد بالابتلاءِ: هل هو نفس وجودهنَّ، أو ابتُليَ بما يَصدُر منهُنَّ؟ وكذلك هل هو على العُمُوم في البنات، أو المراد مَن أَنَّصَفَ منهُنَّ بالحاجة إلى ما يُفعَل به؟ قوله: ((فأحسَنَ إليهنَّ) هذا يُشعِرِ بأنَّ المراد بقوله في أوَّل الحديث: ((مِن هذه)) أكثر من واحدة، وقد وَقَعَ في حديث أنس عند مسلم (٢٦٣١): ((مَن عالَ جاريَتَينِ))، ولأحمد (٢٦٥١٦) (١) رواية شعيب التي بهذا اللفظ أخرجها أحمد (٢٤٥٧٢)، وهي عند مسلم لكن لم يسق لفظها، ولفظ التي هنا بيَّن الحافظ الاختلاف فيها. ٣٤٠ باب ١٨ / ح ٥٩٩٥ فتح الباري بشرح البخاري من حديث أمّ سَلَمة: ((مَن أَنفَقَ على ابنَتَيْنِ، أو أُختَينٍ، أو ذواتي قَرابَة يَحِتَسِب عليهما)»، والذي يقع في أكثر الرِّوايات بلفظ: الإحسان، وفي رواية عبد المجيد: ((فصَبَرَ عليهنَّ)، ومثله في حديث عُقْبةَ بن عامر في ((الأدب المفرَد)) (٧٦)، وكذا وَقَعَ في ابن ماجَهْ (٣٦٦٩)، وزاد: ((وأطعَمَهُنَّ وسَقاهُنَّ وكَساهُنَّ)، وفي حديث ابن عبّاس عند الطبرانيِّ (١١٥٤٢): ((فأنفَقَ عليهنَّ وزَوَّجَهُنَّ وأحسنَ أدَبهنَّ))(١)، وفي حديث جابر عند أحمد (١٤٢٤٧)، وفي ((الأدب المفرَد)» (٧٨): ((يُؤْوِنَّ ويرحمهُنَّ ويَكْفُلُهُنَّ»، زاد الطبرانيّ(٢) فيه: ((ويُزوِّجُهُنَّ)، وله نحوه من حديث أبي هريرة في ((الأوسط)) (٦١٩٩)(٣)، وللتِّرمِذيِّ (١٩١)، وفي ((الأدب المفرد)) (٧٩) من حديث أبي سعيد: ((فأحسنَ صُحبَتَهنَّ، واتَّقَى الله فيهنَّ)، وهذه الأوصاف يجمعها لفظ: ((الإحسان)) الذي اقتَصَرَ عليه في حديث الباب. وقد اختُلِفَ في المراد بالإحسان: هل يُقْتَصر به على قَدْر الواجب، أو بما زاد عليه؟ والظاهر الثّاني، فإنَّ عائشة أعطَتِ المرأة الثَّمرة فَأَثَرَت بها ابنَتَيَها، فَوَصَفَها النبيّ ◌َِّ بالإحسان بما أشارَ إليه من الحكم المذكور، فدلَّ على أنَّ مَن فعل معروفاً لم يكن واجباً عليه، أو زاد على قَدْر الواجب عليه عُدَّ مُحسِناً، والذي يَقْتَصِر على الواجب وإن كان يوصَف بكَونِهِ مُحسِناً، لكنِ المراد من الوصف المذكور قَدْرٌ زائد، وشرط الإحسان أن يوافق الشَّرع، لا ما خالَفَه. والظّاهر أنَّ الثَّواب المذكور إِنَّا يَحصُل لفاعِلِه إذا استَمرَّ إلى أن يَحصُل استغناؤُهُنَّ عنه بزوجٍ أو غيره، كما أُشيرَ إليه في بعض ألفاظ الحديث، والإحسانُ إلى كلّ أحد بحَسَبِ حاله، وقد جاء أنَّ الثَّواب المذكور يَحَصُل لمن أحسن لواحدةٍ فقط، ففي حديث ابن عبّاس المتقدِّم: فقال رجل من الأعراب: أو اثنتَيْنٍ؟ فقال: ((أو اثنتَينٍ))، وفي حديث عوف بن مالك عند الطبرانيّ (١٠٢/١٨): فقالت امرأة، وفي حديث جابر: وقيل، وفي حديث أبي هريرة: قلنا، وهذا يدلُّ على تعدُّد السائلينَ، وزاد في حديث جابر: فرأى بعضُ القَوم أن لو قال: وواحدة، لَقالَ: وواحدة، وفي (١) لفظة ((وزوَّجهنّ)) لم ترد فيه، والحديث إسناده ضعيف بمرة. (٢) في ((الأوسط)) (٤٧٦٠)، وتحرَّفت ((الطبراني)) في (س) إلى: ((الطبري)). (٣) كذا عزاه الحافظ للطبراني في ((الأوسط))، وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) (٨٤٢٥)، وانظر تخريجه فيه.