النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
باب ٦ / ح ٥٩٧٥
كتاب الأدب
قوله: ((وكَثْرة السُّؤال)) تقدَّم في كتاب الزكاة (١٤٧٧) بيانُ الاختلاف في المراد منه،
وهل هو سؤال المال، أو السُّؤال عن المشكلات والمعضِلات، أو أعَمّ من ذلك؟ وأنَّ الأولى
حملُه على العُمُوم. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنَّ المراد به كَثْرة السُّؤال عن أخبار الناس
وأحداث الزّمان، أو كَثْرة سؤال إنسانٍ بعَينِه عن تفاصيل حاله، فإنَّ ذلك ممَّا يَكرَهُه المسؤول
غالباً. وقد ثَبَتَ النَّهي عن الأُغلوطات، أخرجه أبو داود (٣٦٥٦) من حديث معاوية(١)، وثَبَتَ
عن جمع من السَّلَف كراهة تكلّف المسائل التي يَستَحيل وقوعها عادةً أو يَندُر جدّاً، وإنَّما كَرِهوا
ذلك لما فيه من التَّنَطُّع والقول بالظَّنّ، إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ، وأمَّا ما تقدَّم في اللِّعان
(٥٣٠٨): ((فكَرهَ النبيُّ نَّر المسائل وعابها))، وكذا في التَّفسير (٤٦٢١ و٤٦٢٢) في قوله
تعالى: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، فذلك خاصُّ بزمان نزول
الوحي، ويُشيرُ إليه حديث: ((أعظَمُ الناس ◌ُرْماً عند الله مَن سألَ عن شيء لم يُحرَّم، فحُرِّمَ
من أجل مسألَته))(٢). وثَبَتَ أيضاً ذَمّ السُّؤال للمال، ومَدْح مَن لا يُلحِف فيه، كقوله تعالى:
﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وتقدَّم في الزكاة (١٤٧٤) حديث: ((لا
تَزال المسألة بالعبد حتَّى يأتي يوم القيامة وليس في وَجْهه مُزْعة لحم))، وفي ((صحيح مسلم))
(١٠٤٤): ((إنَّ المسألة لا تَحِلّ إلّا لثلاثةٍ: لذي فقر / مُدقِع، أو غُرْم مُفظِعٍ، أو جائحة))، وفي ٤٠٨/١٠
(السُّنَنِ))(٣) قوله {وَلَ لابنِ عبَّاس: ((إذا سألتَ فاسألِ الله))، وفي ((سُنَن أبي داود)) (١٦٤٦): ((إن
كنت لا بدَّ سائلاً فاسأل الصَّالحينَ)) (٤).
وقد اختَلَفَ العلماء في ذلك، والمعروف عند الشافعيّة: أنَّه جائز، لأنَّه طلب مُباح فأشبَهَ
العاريَّة، وحَلوا الأحاديث الواردة على مَن سألَ من الزكاة الواجبة ممَّن ليس من أهلها، لكن
قال النَّوويّ في ((شرح مسلم)): اتَّفَقَ العلماء على النَّهي عن السُّؤال من غير ضَرُورة. قال:
(١) وفي إسناده عبد الله بن سعد بن فَروة البَجَلي وهو ضعيف.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٨٩).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وانظر تتمة تخريجه في ((المسند)) (٢٦٦٩).
(٤) وإسناده ضعيف، فقد أخرجه أبو داود من حديث ابن الفِرَاسي، وهو من طريق مسلم بن مخشي عنه،
وكلاهما مجهول.

٣٠٢
باب ٦ / ح ٥٩٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
واختَلَفَ أصحابنا في سؤال القادر على الكَسْب على وجهَينِ: أصحّهما: التَّحريم لظاهرِ
الأحاديث، والثّاني: يجوز مع الكراهة (١) بشُروطٍ ثلاثة: أن لا يُلِحّ، ولا يُذِلّ نفسه زيادةً على ذُلّ
نفس السُّؤال، ولا يُؤذي المسؤول. فإن فُقِدَ شرط من ذلك حَرُمَ. وقال الفاكهانيّ: يُتَعَجَّب
مَمَّن قال بكراهة السُّؤال مُطلَقاً مع وجود السُّؤال في عَصْر النبيّ ◌َِِّ، ثمَّ السَّلَف الصالح
من غير نَكِير، فالشّارع لا يُقِرّ على مَكْروه. قلت: لعلَّ مَن كَرِهَ مُطلَقاً أراد أنَّه خِلَاف الأولى،
ولا يَلْزَم من وقوعه أن تَتَغيَّر صِفَتُه ولا من تقريره أيضاً، وينبغي حمل حال أولئكَ على السَّداد،
وأنَّ السائل منهم غالباً ما كان يُسأل إلّا عند الحاجة الشَّديدة، وفي قوله: ((من غير نَكير)) نظر،
ففي الأحاديث الكثيرة الواردة في ذَمّ السُّؤال كِفاية في إنكار ذلك.
تنبيه: جميع ما تقدَّم فيما إذا سألَ لنفسِه، وأمَّا إذا سألَ لغيره فالذي يظهر أيضاً أنَّه يختلف
باختلاف الأحوال.
قوله: ((وإضاعة المال)) تقدَّم في الاستقراض (٢٤٠٨) أنَّ الأكثر حَلوه على الإسراف في
الإنفاق، وقَيَّدَه بعضُهم بالإنفاق في الحرام، والأقوى أنَّه ما أُنْفِقَ في غير وجهه المأذون فيه
شرعاً، سواء كانت دينيّة أو دُنيَويَّة، فمَنَعَ منه لأنَّ الله تعالى جَعَلَ المال قياماً لمصالح العباد، وفي
تَبذيرها تَفويت تلك المصالح، إمّا في حقّ مُضَيِّعها وإمّا في حقّ غيره، ويُستَنَى من ذلك كَثْرة
إنفاقه في وجوه البِّ لتحصيلِ ثواب الآخرة، ما لم يُفوِّت حَقّاً أُخرَويّاً أهمّ منه.
والحاصل في کثْرة الإنفاق ثلاثة أو جُه:
الأوَّل: إنفاقُه في الوجوه المذمومة شرعاً، فلا شكّ في مَنعِه.
والثّاني: إنفاقُه في الوجوه المحمودة شرعاً، فلا شكّ في كَونِه مطلوباً بالشَّرطِ المذكور.
والثّالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة كَمَلاذِّ النَّفس، فهذا يَنقَسِم إلى قسمَينِ:
أحدهما: أن يكون على وجه يَلِيق بحال المنفِق وبقَدرِ ماله، فهذا ليس بإسرافٍ.
والثّاني: ما لا يَلِيق به عُرفاً، وهو يَنقَسِم أيضاً إلى قسمَينٍ:
(١) في الأصلين: ((يجوز مع ذلك))، والمثبت من (س) و((شرح النووي)).

٣٠٣
باب ٦ / ح ٥٩٧٥
كتاب الأدب
أحدهما: ما يكون لدفع مَفسَدة إمّا ناجِزة أو مُتَوقّعة، فهذا ليس بإسرافٍ.
والثّاني: ما لا يكون في شيء من ذلك، فالجمهور على أنَّه إسراف، وذهب بعض
الشافعيَّة إلى أنَّه ليس بإسرافٍ، قال: لأنَّه تقوم به مَصلَحة البَدَن وهو غَرَض صحيح،
وإذا كان في غير معصية فهو مُباح له. قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن یَمنَع ما قال،
انتھی.
وقد صَرَّحَ بالمنع القاضي حُسَين، فقال في كتاب قَسْم الصَّدَقات: هو حَرَامِ، وتَبِعَه
الغَزالِيّ، وجَزَمَ به الرَّافعيّ في الكلام على المغارم، وصَحَّحَ في باب الحَجْر من ((الشَّرح)) وفي
((المحرَّر)): أنَّه ليس بتَبذيرٍ، وتَبِعَه النَّوويّ، والذي يَترجَّح أنَّه ليس مذموماً لذاته، لكنَّه
يُفضي غالباً إلى ارتكاب المحذور کسؤال الناس، وما أدّى إلى المحذور فهو محذور.
وقد تقدَّم في كتاب الزكاة(١) البحث في جواز التَّصَدُّق بجميع المال، وأنَّ ذلك يجوز
لمن عَرَفَ من نفسه الصَّبر على الضائقة(٢)، وجَزَمَ الباجيّ من المالكيَّة بمَنْع استيعاب جميع
المال بالصَّدَقة، قال: ويُكرَه كَثْرة إنفاقه في مصالح الدُّنيا، ولا بأس به إذا وَقَعَ نادِراً لحادثٍ
يَحدُث كضَيفٍ أو عيد أو وليمة. ومما لا خِلَاف في كَراهَته مجاوزةُ الحدّ في الإنفاق على
البناء زيادةً على قَدْر الحاجة، ولا سيَّما إن أضافَ إلى ذلك المبالَغة في الزَّخرفة. ومنه احتمال
الغَبْن الفاحش في البِيَاعات بغير سبب.
وأمَّا إضاعة المال في المعصية، فلا يَخْتَصّ بارتكاب الفواحش، بل يَدخُل فيها سوء القيام
على الرَّقيق والبَهائم حتَّى يَهلِكوا، ودَفعُ مالٍ مَن لم يُؤنَس منه الرُّشد إليه، وقَسْمُه ما لا يُتَفَع / ٤٠٩/١٠
بجزئه كالجوهرة النَّفيسة. وقال السُّبكيّ الكبير في ((الحَلَبِيّات)): الضّابط في إضاعة المال أن لا
يكون لغَرَضِ دينيّ ولا دُنْيَويّ، فإن انتَفَیَا حَرُمَ قطعاً، وإن وُچِدَ أحدهما وجوداً له بال، وكان
الإنفاق لائقاً بالحال ولا معصيةَ فيه جازَ قطعاً، وبين الرُّتِبَتَيْنِ وسائط كثيرة لا تَدخُل تحت
(١) في باب (١٨): لا صدقه إلا عن ظهر غني.
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: المضايقة.

٣٠٤
باب ٦ / ح ٥٩٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
ضابط، فعلى المفتي أن يرى فيما انتشر(١) منها رأية، وأمَّا ما لا ينتشر (٢) فقد يعرض له، فالإنفاق في
المعصية حَرام كلّه، ولا نظر إلى ما يَحصُل في مَطاوِيهِ(٣) من قضاء شَهوة ولَذّة حسِّيّة (٤).
وأمَّا إنفاقه في الملاذّ المباحة فهو موضع الاختلاف، فظاهر قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَآ
أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]: أنَّ الزائد الذي لا
يَلِيق بحال المنفِقِ إسراف. ثمّ قال: ومَن بَذَلَ مالاً كثيراً في غَرَض يسير تافه عَدَّه العُقَلاءِ
مُضَيِّعاً، بخِلَاف عكسه، والله أعلم.
قال الطِّييُّ: هذا الحديث أصلٌ في مَعرِفة حُسْن الخُلُق، وهو تَتُبُّع جميع الأخلاق الحميدة
والخِلال الجميلة.
الحديث الثاني:
٥٩٧٦ - حدَّثني إسحاقُ، حَّنا خالدٌ الواسِطِيُّ، عن الجُرَيرِيِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ،
عن أبيه قال: قال رسولُ الله وَفِ: ((ألا أُنْتُكم بأكبرِ الكبائرِ؟)) - ثلاثاً - قُلْنا: بلى يا رسولَ الله
قال: ((الإِشْراكُ بالله، وعُقوقُ الوالدَينِ)) وكان مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، فقال: ((ألا وقولُ الزُّورِ وشهادةُ الزُّورِ،
ألا وقولُ الزُّورِ وشهادةُ الزُّورِ)) فما زالَ يقولها حتَّى قلتُ: لا يَسْكُت.
قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن شاهين الواسطيّ، وخالد: هو ابن عبد الله الطَّحّان،
والجُرَيريّ بضمِّ الجيم: هو سعيد بن إياس، وهو ثَمَّن اختَلَطَ، ولم أرَ مَن صَرَّحَ بأنَّ سماع
خالد منه قبل الاختلاط ولا بعده، لكن تقدَّم في الشَّهادات (٢٦٥٤) من طريق بشر بن
المفضَّل ويأتي في استتابة المرتدِّينَ (٦٩١٩) من رواية إسماعيل ابن عُليَّة، كلاهما عن
الجُرَيريّ ، وإسماعيل ◌َمَّن سمعَ من الْجُرَيريّ قبل اختلاطه، وبيَّن في الشَّهادات تصريح
الجُریريّ في رواية إسماعيل عنه بتحديث عبد الرَّحمن بن أبي بكرة له به.
(١) في (س): تیسر.
(٢) في (س): يتيسر.
(٣) تصحفت في (س) إلى: مطلوبه.
(٤) تصحفت في (س) إلى: حسنة.

٣٠٥
باب ٦ / ح ٥٩٧٦
كتاب الأدب
قوله: ((ألا أُنبِّكُمْ)) في رواية بشر بن المفضَّل عن الجُرَيريّ في الاستئذان (٦٢٧٣): ((ألا
أُخِرِكُم».
قوله: ((بأكبر الكبائر - ثلاثاً)) أي: قالها ثلاث مرَّات على عادته في تكرير الشّيء ثلاث
مرَّات تأكيداً، ليُنَبِّه السامع على إحضار قلبه وفَهْمه للخيرِ الذي يَذكُره، وفَهِمَ بعضهم منه
أنَّ المراد بقوله: ((ثلاثاً»: عَدَد الكبائر، وهو بعيد، ويُؤيِّد الأوَّل أنَّ أوَّل رواية إسماعيل ابن
عُليَّة في استتابة المرتدِّينَ: ((أكبر الكبائر: الإشراك، وعُقوق الوالدين، وشَهادةُ الزُّور-
ثلاثاً-)).
وقد اختَلَفَ السَّلَف، فذهب الجمهور إلى أنَّ من الذُّنوب كبائر، ومنها صَغَائر، وشَذَّت
طائفة، منهم الأُستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ فقال: ليس في الذُّنوب صغیرة، بل كلّ ما نَهَى الله
عنه كبيرة، ونُقِلَ ذلك عن ابن عبّاس، وحكاه القاضي عِيَاض عن المحَقِّقينَ، واحتَجّوا بأنَّ
كلّ مُخالَفة لله فهي بالنِّسبة إلى جلاله كبيرة. انتهى، ونَسَبَه ابن بَطّال إلى الأشعَرِيَّة فقال:
انقسام الذُّنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامّة الفقهاء، وخالَفَهم من الأشعَرِيَّة أبو بكر بن
الطيِّب وأصحابه، فقالوا: المعاصي كلّها كبائر، وإنَّما يقال لبعضِها صغيرة بالإضافة إلى ما هو
أكبر منها، كما يقال: القُبلة المحرَّمة صغيرة بإضافَتِها إلى الزِّنى، وكلّها كبائر، قالوا: ولا ذنب
عندنا يُغْفَر واجباً باجتناب ذنب آخر، بل كلّ ذلك كبيرة، ومُرتَكِبه في المشيئة، غيرَ الكفر،
لقولِه تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨]، وأجابوا عن
الآية التي احتَجَّ أهلُ القول الأوَّل بها، وهي قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوُ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾
[النساء: ٣١] أنَّ المراد الشِّرك، وقد قال الفَرّاء: مَن قرأ ﴿كَبَابِرَ ﴾ فالمراد بها كبير، وكبير
الإثم هو الشِّرك، وقد يأتي لفظ الجمع والمراد به الواحد، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحِ
اُلْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ولم يُرسَل إليهم غيرُ نوح، قالوا: وجواز العقاب على الصَّغيرة
کجوازه علی الکبیرة، انتھی.
قال النَّوويّ: قد تَظاهَرَتِ الأدلّة من الكتاب والسُّنّة إلى القول الأوَّل. وقال الغَزاليّ في

٣٠٦
باب ٦ / ح ٥٩٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
((البسيط)): إنكار الفَرْق بين الصَّغيرة والكبيرة لا يَلِيق بالفقيه. قلت: قد حَقَّقَ إمام الحرمَينِ
المنقولَ عن الأشاعرة، واختارَه، وبيَّن أنَّه لا يُخالف ما قاله الجمهور، فقال في ((الإرشاد)):
المرْضُّ عندنا أنَّ كلّ ذْب يُعصَى الله به كبيرة، فُرُبَّ شيء يُعَدّ صغيرة بالإضافة إلى الأقران(١)،
٤١٠/١٠ ولو كان في حقّ الملِك لكان كبيرة، والرَّبّ أعظَم مَن عُصيَ، فكلّ ذنْب بالإضافة/ إلى مُخالَفَته
عظيم، ولكنَّ الذُّنوب وإن عَظُمَت فهي مُتَفَاوِته في رُتَبها، وظنَّ بعض الناس أنَّ الِلَاف
لفظيّ، فقال: التَّحقيق أنَّ للكبيرة اعتبارَينِ: فبالنّسبة إلى مقايسة بعضها لبعضٍ فهي تختلف
قطعاً، وبالنّسبة إلى الآمِر الناهي فكلّها كبائر. انتهى، والتَّحقيق أنَّ الِخِلَاف مَعنَويّ، وإِنَّا جَرَى
إليه الأخذ بظاهرِ الآية، والحديث الدَّالّ على أنَّ الصَّغائر تُكَفَّر باجتناب الكبائر كما تقدَّمَ، والله
أعلم.
وقال القُرطُبيّ: ما أظنّه يَصِحّ عن ابن عبّاس: أنَّ كلّ ما تَهَى الله عزَّ وجلَّ عنه كبيرة،
لأنَّه مخالف لظاهرِ القرآن في الفَرْق بين الصَّغائر والكبائر في قوله: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَرَ
اَلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ اللََّ﴾ [النجم: ٣٢]، وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ
عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] فجَعَلَ في المنهيّاتِ صَغائرَ وكبائر، وفَرَّقَ بينهما في الحُكم،
إذْ جَعَلَ تكفير السَّيِّئات في الآية مشروطاً باجتناب الكبائر، واستَثْنَى اللَّمَم من الكبائر
والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حَبْر القرآن؟ قلت: ويُؤيِّده ما سيأتي عن ابن عبَّاس في
تفسير اللَّمَم، لكنَّ النَّقل المذكور عنه أخرجه إسماعيل القاضي والطَّبَريّ بسندٍ صحيح على
شرط الشَّيخَيْنِ إلى ابن عبّاس، فالأولى أن يكون المراد بقوله: ((نَهَى الله عنه)» محمولاً على نَّنْي
خاصّ، وهو الذي قُرِنَ به وعيد كما قَيَّدَ في الرِّواية الأُخرى عن ابن عبَّاس، فيُحمَلِ مُطلَقه
على مُقيّده جمعاً بين كلاميه.
وقال الطُّيُّ: الصَّغیرة والكبيرة أمران نسبیّان، فلا بُدَّ من أمرٍ يُضافان إلیه، وهو أحد ثلاثة
أشياء: الطاعة أو المعصية أو الثَّواب، فأمَّا الطاعة فكلّ ما تُكَفِّره الصلاة مثلاً هو من الصَّغائر،
(١) في (ع): الإفراد.

٣٠٧
باب ٦ / ح ٥٩٧٦
كتاب الأدب
وكلّ ما يُكَفِّره الإسلام أو الهجرة فهو من الكبائر، وأمَّا المعصية فكلّ معصية يَستَحِقّ فاعلها
بسببها وعيداً أو عِقاباً أزيَدَ من الوعيد، أو العِقاب المستَحقّ بسببٍ معصية أخرى فهي كبيرة،
وأمَّ الثَّواب ففاعل المعصية إذا كان من المقرّبين فالصَّغيرة بالنّسبة إليه كبيرة، فقد وَقَعَتِ المعاتَبة
في حقّ بعض الأنبياء على أمور لم تُعَدّ من غيرهم معصية. انتهى، وكلامه فيما يَتَعلَّق
بالوعيدِ والعِقاب يُخصِّص عُمُوم مَن أطلقَ أنَّ علامة الكبيرة وُرودُ الوعيد أو العِقاب في
حقّ فاعلها، لكن يَلزَم منه أنَّ مُطلَق قتل النَّفس مثلاً ليس كبيرة، لأنه وإن وَرَدَ الوعيد فيه أو
العِقاب، لكن وَرَدَ الوعيد والعِقاب في حقّ قاتل ولده أشدّ، فالصَّواب ما قاله الجمهور، وأنَّ
المثال المذكور وما أشبهَه يَنقَسِم إلى كبيرة وأكبر، والله أعلم.
قال النَّوويّ: واختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافاً كثيراً مُنتَشِراً، فروي عن ابن عبّاس:
أَنَّهَا كلّ ذتْب خَتَمَه الله بنارٍ أو غَضَب أو لَعْنة أو عذاب، قال: وجاء نحو هذا عن الحسن
البصريّ، وقال آخرونَ: هي ما أوعَدَ الله عليه بنارٍ في الآخرة، أو أو جَبَ فيه حَدّاً في الدُّنيا.
قلت: ومَمَّن نَصَّ على هذا الأخير الإمام أحمد فيما نَقَلَه القاضي أبو يَعْلى، ومن الشافعيَّة
الماوَرْديّ، ولفظه: الكبيرة ما وَجَبَت فيه الحدود، أو تَوجَّهَ إليها الوعيد. والمنقول عن ابن
عبَّاس أخرجه ابنُ أبي حاتم بسندٍ لا بأس به، إلّا أنَّ فيه انقطاعاً. وأخرَجَ من وجه آخر
مُتَّصِل لا بأس برجاله أيضاً عن ابن عبّاس قال: كلّ ما تَوعَّدَ الله عليه بالنار كبيرة. وقد
ضَبَطَ كثير من الشافعيَّة الكبائر بضَوابط أُخرَى، منها: قول إمام الحرمَينِ: كلّ جَرِيمَة
تُؤْذِن بقِلّة اكثراث مُرتَكِبها بالدّينِ ورِقّة الدّيانة. وقول الحَلِيميّ: كلّ مُحرَّم لِعَينه مَنھيّ عنه
لمعنّى في نفسه. وقال الرَّافعيّ: هي ما أوجَبَ الحدّ. وقيل: ما يَلحَق الوعيد بصاحبِه بنَصِّ
كتاب أو سُنّة. هذا أكثر ما يُوجَد للأصحاب، وهم إلى ترجيح الأوَّل أميَل، لكنَّ الثّاني أوفَق لما
ذَكَروه عند تفصيل الكبائر، انتهى كلامه. وقد استُشكلَ بأنَّ كثيراً ممّ ورَدَتِ النُّصوص بكَونِه
كبيرة لا حَدّ فيه كالعُقوق، وأجابَ بعض الأئمّة: بأنَّ مُرادَ قائله ضبطُ ما لم يَرِد فيه نَصّ بگونِه
كبيرة. وقال ابن عبد السَّلام في ((القواعد)»: لم أقِفْ لأحدٍ من العلماء على ضابطٍ للكبيرة لا يَسلَم

٣٠٨
باب ٦ / ح ٥٩٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
٤١١/١٠ من الاعتراض،/ والأوْلى ضبطها بما يُشعِرِ بتَهاوُنِ مُرتَكِيها بدينِه إشعاراً دونَ الكبائر المنصوص
عليها. قلت: وهو ضابط جيِّد. وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): الرَّاجح أنَّ كلّ ذَنْب نُصَّ على أنه
كبيرة أو عظيمة، أو تؤُعِّدَ عليه بالعِقاب، أو عُلِّقَ عليه حَدّ، أو شُدِّدَ النَّكير عليه فهو كبيرة.
وكلام ابن الصَّلاح يوافق ما نُقِلَ أوَّلاً عن ابن عبّاس، وزاد إيجاب الحدّ، وعلى هذا يَكثُر عَدَد
الكبائر.
فأمَّا ما وَرَدَ النَّصّ الصَّريح بكَونِه كبيرة فسيأتي القول فيه في الكلام على حديث أبي هريرة:
((اجتَبوا السَّبع الموبِقات)) في كتاب استتابة المرتدِّينَ(١)، ونذكر هناك ما وَرَدَ في الأحاديث زيادة
على السَّبع المذكورات مَّا نُصَّ على كونها كبيرة أو موبِقة. وقد ذهب آخرون إلى أنَّ الذُّنوب
التي لم يُنَصّ على كونها كبيرة مع كونها كبيرة لا ضابط لها، فقال الواحديّ: ما لم يَنُصّ الشّارع
على كونه كبيرة فالحكمة في إخفائه أن يَمتَنِعِ العَبد من الوقوع فيه خَشْية أن يكون كبيرة، کإخفاءِ
ليلة القَدْر وساعة الجمعة والاسم الأعظم، والله أعلم.
فصل: قوله: ((أكبر الكبائر)) ليس على ظاهره من الحَصْر، بل ((مِن)) فيه مُقدَّرة، فقد
ثَبَتَ في أشياء أُخَر أنَّها من أكبر الكبائر، منها: حديث أنس في قتل النَّفْس، وسيأتي بیانُه في
الذي بعده (٥٩٧٧)، وحديث ابن مسعود: أي: الذَّنب أعظَم؟ فذكر فيه الزِّنى بحَلِيلَة الجار،
وسيأتي بعد أبواب (٦٠٠١)، وحديث عبد الله بن أُنيس الجُهَنيّ مرفوعاً قال: ((من أكبر
الكبائر - فذكر منها - اليمين الغَمُوس)) أخرجه التِّرمِذيّ (٣٠٢٠) بسند حسن، وله شاهد
من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص عند أحمد (٢)، وحديث أبي هريرة رَفَعَه: ((إنَّ من
أکبر الكبائر استطالةً المرء في عِرْض رجل مسلم» أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن(٣)، وحديث
بُرَيدة رَفَعَه: ((من أكبر الكبائر - فذكر منها - مَنْع فضل الماء، ومَنْع الفَحل)) أخرجه البزَّار (١٠٧)
بسندٍ ضعيف، وحديث ابن عمر رَفَعَه: «أكبر الكبائر سوء الظَّنّ بالله» أخرجه ابن مَرْدویه بسندٍ
(١) في كتاب المحاربين برقم (٦٨٥٧).
(٢) نعم رواه أحمد (٦٨٨٤)، لكن عزوه للبخاري أولى فهو فيه برقم (٦٨٧٠).
(٣) في ((التفسير)) ٢/ ٩٣٢، وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٨٧٧).

٣٠٩
باب ٦ / ح ٥٩٧٦
كتاب الأدب
ضعيف، ويَقرُب منه حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((ومَن أظلم ممّن ذهب يَخلُق كَخَلْقي)) الحديث،
وقد تقدَّم قريباً في كتاب اللُّباس (٥٩٥٣)، وحديث عائشة: ((أبغَضُ الرِّجال إلى الله الألَدّ
الخَصِم)) أخرجه الشَّيخان(١)، وتقدَّم قريباً (٥٩٧٣) حديث عبد الله بن عَمْرو: ((من أكبر الكبائر
أن يَسُبّ الرجل أباه)»، ولكنَّه من ◌ُلَة العُقوق.
قال ابن دقيق العيد: يُستَفاد من قوله: ((أكبر الكبائر)) انقسام الذَّنوب إلى كبير وأكبر.
ويُستَنَبَطَ منه أنَّ في الذُّنوب صَغَائر، لكن فيه نظر، لأنَّ مَن قال: كلّ ذنْب كبيرة، فالكبائر
والذُّنوب عنده مُتَواردَان على شيء واحد، فكأنَّه قيل: ألا أُنْبِّكم بأكبر الذُّنوب؟ قال: ولا
يَلْزَم من كَون الذي ذُكِرَ أنَّه أكبر الكبائر استواؤُها، فإنَّ الشِّرك بالله أعظَم من جميع ما ذُكِرَ
معه.
قوله: ((الإشراك بالله)) قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يُرادَ به مُطلَق الكفر، ويكون تخصيصُه
بالذِّكرِ لغَلَتِه في الوجود، لا سيّما في بلاد العرب، فذُكِرِ تنبيهاً على غيره من أصناف الكفر.
ويحتمل أن يُراد به خُصوصُه، إلّا أنَّه يَرِد على هذا الاحتمال أنَّه قد يظهر أنَّ بعض الكفر أعظَم
من الشِّرك، وهو التَّعطيل، فيَرجَّح الاحتمال الأوَّل على هذا.
قوله: «وُقوقُ الوالدينِ» تقدَّم الكلام علیه قریباً، وذُکِر قبله في حديث أنس الآتي بعده
قتلُ النَّفس، والمراد قتلها بغير حَقّ.
قوله: ((وكان مُتَّكِئاً، فجَلَسَ)) في رواية بشر بن المفضَّل عن الجُرَيريّ في الشَّهادات (٢٦٥٤):
((وجَلَسَ وكان مُتَّكِئًا))، وأمَّا في الاستئذان فكالأوَّلِ.
قوله: ((فقال: ألا وقول الزُّور وشهادة الزُّور، ألا وقول الزُّور وشهادة الزُّور، فما زالَ يقولها حتّى
قلت: لا يَسْكُت)) هكذا في هذه الطَّريق، ووَقَعَ في رواية بشر بن المفضَّل: ((فقال: ألا وقول الزّور،
فما زالَ يُكَرِّرها حتَّى قلنا: لَیته سَگت)) أي: تَنَّنا أنه يَسُت إشفاقاً علیه لما رأوا من انزعاجه في
ذلك. وقال ابن دقيق العيد: اهتمامه وَ له بشهادة الزُّور يحتمل أن يكون لأنَّها أسهَل وقوعاً على
(١) البخاري (٢٤٥٧)، ومسلم (٢٦٦٨).

٣١٠
باب ٦ / ح ٥٩٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
٤١٢/١٠ الناس، والتَّهاوُن بها / أكثر، ومَفسَدَتها أيسَر وقوعاً، لأنَّ الشِّرك يَنْبو عنه المسلم، والعُقوق
يَنْبو عنه الطَّبع، وأمَّا قول الزُّور فإنَّ الحَوامل عليه كثيرة، فحَسُن الاهتمام بها، وليس ذلك
لِعِظَمِها بالنّسبة إلى ما ذُكِرَ معها. قال: وأمَّا عطف الشَّهادة على القول فينبغي أن يكون تأكيداً
للشَّهادة، لأنّا لو حَمَلناه على الإطلاق لَزِمَ أن تكون الكِذْبة الواحدة مُطلَقاً كبيرة، وليس كذلك،
وإذا كان بعض الكَذِب منصوصاً على عِظَمه، كقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيْعَةً أَوْ إِنْمَا ثُمَّ
يَرْمِ بِ، بَرِيْئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١١٢]، وفي الجملة فمراتب الكذب
مُتَفَاوِتة بحَسَبٍ تَفاوُت مَفاسِده، قال: وقد نَصَّ الحديث الصَّحيح على أنَّ الغِيبة والنَّميمة
كبيرة (١)، والغِيبةُ تختلف بحَسَبِ القول المغتاب به، فالغِيبةُ بالقَذْفِ كبيرة، ولا تُساوِيها
الغِيبة بقُبح الخِلْقة أو الهيئة مثلاً، والله أعلم. وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاصّ على
العامّ، لأنَّ كلّ شهادة زور قولُ زور بغير عكس، ويُحمَل قول الزور على نوع خاصّ منه. قلت:
والأوْلى ما قاله الشَّيخ، ويُؤيِّده وقوع الشكّ في ذلك في حديث أنس الذي بعده، فدلَّ على أنَّ
المراد شيء واحد.
وقال القُرطُبيّ: شهادة الزّور هي الشَّهادة بالكذِبِ ليُتُوصَّل بها إلى الباطل، من إتلاف نفس
أو أخذ مالٍ أو تحليل حَرامٍ أو تحريم حلال، فلا شيء من الكبائر أعظَم ضَرَراً منها ولا أكثر
فساداً بعد الشِّرك بالله. وزَعَمَ بعضهم: أنَّ المراد بشهادة الزور في هذا الحديث الكفر، فإنَّ الكافر
شاهد بالزّورِ، وهو ضعيف. وقيل: المراد مَن يَستَحِلّ شهادة الزُّور، وهو بعيد، والله أعلم.
الحديث الثالث:
٥٩٧٧- حدَّثني محمَّدُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثني
عُبيدُ الله بنُ أبي بكرٍ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ ﴾ قال: ذَكَرَ رسولُ اللهِ وَلِ الكبائرَ - أو
سُئلَ عن الكبائرِ - فقال: ((الشِّرْكُ بالله، وقَتْلُ النَّفْسِ، وعُقوقُ الوالدينِ)) فقال: ((ألا أُنْتُكم
بأكثرِ الكبائرِ؟)) قال: ((قولُ الزُّورِ)) أو قال: ((شهادةُ الزُّورِ)).
(١) سيأتي برقم (٦٠٥٥).

٣١١
باب ٦ / ح ٥٩٧٧
كتاب الأدب
قال شُعْبةُ: وأكثرُ ظنّي أنَّه قال: ((شهادةُ الزُّورِ)).
قوله: ((عُبيد الله بن أبي بكر)) أي: ابن أنس بن مالك، ووَقَعَ كذلك في الشَّهادات (٢٦٥٣)
من رواية وهب بن جَرِیر وعبد الملك بن إبراهيم عن شُعْبة.
قوله: ((ذكر رسول الله وَل﴿ الكبائر - أو سُئلَ عن الكبائر-)) كذا في هذه الرّواية بالشكّ، وجَزَمَ
في الرِّواية التي في الشَّهادات بالثّاني، قال: سُئلَ ... إلى آخره، ووَقَعَ في الدّيات (٦٨٧١) عن
عمرو - وهو ابن مرزوق - عن شُعْبة عن ابن أبي بكر، سمعَ أنساً عن النبيّ وَّ قال: ((أكبر
الكبائر: الإشراك بالله)) الحديث، وكذا رُوِّيناه في كتاب ((الإيمان)) لابنِ مَندَه (٤٧٣)، وفي کتاب
(القُضاة) للنَّقّاش من طريق أبي عامر العَقَديّ عن شُعْبة، وقد عَلَّقَ البخاريّ في الشَّهادات
(٢٦٥٣) طريق أبي عامر ولم يَسُق لفظه، وهذا موافق لحديثِ أبي بَكْرة في أنَّ المذكورات من أكبر
الكبائر، لا من الكبائر المطلّقة.
قوله: ((فقال: ألا أُنْبُّتكم بأكبر الكبائر؟ قال: قول الزّور ... )) إلى آخره، هذا ظاهره أنَّه
خَصَّ أكبر الكبائر بقولِ الزّور، ولكنَّ الرّواية التي أشرتُ إليها قبل تُؤْذِن بأنَّ الأربعة
المذكورات مُشتَرِکات في ذلك.
قوله: ((أو قال: شهادة الزّور، قال شُعْبة: وأكثر ظنّي: أنَّه قال: شهادة الزّور)) قلت: ووَقَعَ
الجزم بذلك في رواية وهب بن جَرِير وعبد الملك بن إبراهيم في الشَّهادات، قال قُتَيبة:
((وشهادة الزّور)) ولم يَشُكّ، ولمسلم (٨٨) من رواية خالد بن الحارث عن شُعْبة: ((وقول
الزّور) ولم يَشُكّ أيضاً.
وفي هذا الحديث والذي قبلَه استِحبابُ إعادة الموعِظة ثلاثاً لتُفهَم، وانزعاجُ الواعِظ
في وعظه ليكونَ أبلَغ في الوعي عنه، والزَّجْرِ عن فِعل ما يَنهَى عنه، وفيه غِلَظ أمر شهادة
الزّور لما يَتَرَتَّب عليها من المفاسد، وإن كانت مراتبها مُتَفاوتة، وقد تقدَّم بيان شيء من أحكامها
في كتاب الشَّهادات (٢٦٥٣).
وضابط الزّور: وصفُ الشَّيء على خِلَاف ما هو به، وقد يُضاف إلى القول فيَشمَل الكذب

٣١٢
باب ٧ / ح ٥٩٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
والباطل، وقد يُضاف إلى الشَّهادة فيَختَصّ بها، وقد يُضاف إلى الفعل، ومنه: «لابِس ثُوبي
زور)) (١)، ومنه تسمية الشَّعر الموصول زوراً كما تقدَّم في اللِّباس (٥٩٣٨)، وتقدَّم بيانُ الاختلاف
في المراد بقوله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]، وأنَّ الرَّاجح أنَّ المراد به
في الآية: الباطل، والمراد: لا يَحَضُرونَه، وفيه التَّحريض على مجانبة كبائر الذُّنوب ليَحصُل تكْفير
الصَّغائر بذلك كما وعَدَ الله عزَّ وجلَّ، وفيه إشفاق التِّلميذ على شيخه إذا رآه مُنزَعِجاً، وتَمَنّي
٤١٣/١٠ عَدَم غَضَبه لما يَتَرتَب / على الغضب من تَغيُّرُ مِزاجِه، والله أعلم.
٧- باب صِلَة الوالِد المشرك
٥٩٧٨- حدَّثنا الحُمَيدِيُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُزْوةَ، أخبرني أبي، أخبرتُني
أسماءُ ابنةُ أبي بكرٍ رضي الله عنهما، قالت: أنْني أمّي راغِيةً في عَهْدِ النبيِّ وَّةِ، فسألتُ النبيَّ ◌ِلّ:
آصِلُها؟ قال: ((نعم)).
قال ابنُ عُيَينَةَ: فأَنزَلَ الله تعالى فيها: ﴿لَا يَنْهَتَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي اَلِينِ ﴾
[الممتحنة: ٨].
قوله: ((باب صِلَة الوالِد المشرك)) ذكر فيه حديث أسماء بنت أبي بكر: ((أتْني أمّ وهي
راغِبة)) وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الهِبة (٢٦٢٠). وتقدَّم بيان الاختلاف في قوله:
((راغِبة)) هَل هو بالميمِ أو الموخَّدة؟ قال الطِّييُّ: الذي تَحرَّرَ أنَّ قولها: ((راغِبة)) إن كان بلا
قَيْد فالمراد راغبة في الإسلام لا غير، وإذا قُرِنَت بقولِه: مُشرِكة أو في عهد قريش، فالمراد
راغِبة في صِلَتي، وإن كانت الرِّواية: ((راغِمة)) بالميمِ فمعناه كارهة للإسلام. قلت: أمَّا التي
بالموحّدة فيَتَعَّن حمل المطلَق فيه على المقَيَّد، فإنَّه حديث واحد في قصَّة واحدة، ويَتَعَّن
المقيّد من جهة أُخرَى، وهي أنَّها لو جاءت راغبة في الإسلام لم تحتج أسماء أن تَستأذِن في
صِلَتها، لشُيوع التَّأَلَّف على الإسلام من فِعل النبيّ ◌َّهِ وأمره، فلا يُحتاج إلى استئذانه في
ذلك.
(١) تقدم برقم (٥٢١٩).

٣١٣
باب ٨-٩ / ح ٥٩٧٩-٥٩٨١
كتاب الأدب
٨- باب صِلَة المرأة أمّها ولها زوجٌ
٥٩٧٩- وقال اللَّيثُ: حدَّثني هشامٌ، عن عُرْوةَ، عن أسماءَ، قالت: قَدِمَت أمّي وهي
مُشْرِكةٌ - في عَهْدِ قُرَيشٍ ومُدَّتِهِم إذ عاهَدوا النبيَّ ◌َّهِ- معَ أبِيها، فاستَفْتَيتُ النبيَّ ◌َِّ، فقلتُ:
إِنَّ أمّي قَدِمَت وهي راغِبةٌ، قال: ((نعم، صِلي أمَّكِ)).
٥٩٨٠- حدَّثنا يحيى، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ
عبدِ الله، أنَّ عبد الله بنَ عبَّاسٍ أخبَرَه، أنَّ أبا سفيانَ أخبَرَه: أنَّ هِرَقْلَ أرسَلَ إليه فقال، يعني:
النبيَّ وَّ يأمرُنا بالصلاةِ والصَّدَقةِ والعفاف والصِّلةِ.
قوله: «باب صلة المرأة أمّها وها زَوْج)» ذکر فیه حدیثینِ: أحدهما: حديث أبي سفيان في
قصَّة هِرَقل، أورَدَ منها طَرَفاً، وهو قول أبي سفيان: ((يأمرنا - يعني: النبيّ ◌َّهــ بالصلاة
والصَّدَقة والعفاف والصِّلة) وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أوَّل الصَّحيح (٧)، وذكرتُ كثيراً
من فوائده أيضاً في تفسير آل عمران (٤٥٥٣)، والمراد منه هنا ذِكْر الصِّلة، فيُؤَخَذ حُكْم التَّرجمة
من عُمُومها.
الثاني: حديث أسماء بنت أبي بكر المشارُ إليه في الباب قبلَه، أورَدَه مُعلَّقاً فقال: ((وقال
اللَّيث: حدَّثني هشام)) وهو ابن عُرْوة، وقد وَقَعَ لنا موصولاً في ((مُستَخرَج أبي نُعَيم)) إلى
اللَّيث، ووَقَعَ لنا بعُلُوِّ في ((جُزء أبي الجَهم العلاء بن موسى)) عن اللَّيث. قال ابن بَطّل: فقه
التَّرجمة من حديث أسماء: أنَّ النبيَّ وَّ أباحَ لأسماء أن تَصِل أمّها، ولم يَشتَرِط في ذلك
مُشاورَة زوجها، قال: وفيه حُجّة لمن أجازَ للمرأة أن تَتَصَرَّف في مالها بدون إذن زوجها،/ ٤١٤/١٠
كذا قال، ولا يخفى أنَّ القول بالاشتراط إن ثَبَتَ فيه دليل خاصّ يُقدَّم على ما دَلَّ عليه عَدَم
التَّقیید في حدیث أسماء.
٩ - باب صِلَة الأخ المشرك
٥٩٨١ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مسلمٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ دِینارٍ،
قال: سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما، يقول: رَأى عمرُ حُلَّ سِيَرَاءَ تُباعُ، فقال: يا رسولَ الله،

٣١٤
باب ١٠ / ح ٥٩٨٢ - ٥٩٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
ابتَع هذه والبَسْها يومَ الجُمُعةِ وإذا جاءكَ الوفودُ، قال: ((إِنَّما يَلْبَسُ هذه مَن لا خَلَاقَ له))، فأَتِيَ
النبيُّ ◌َّه منها بِحُلَلٍ، فأرسَلَ إلى عمرَ بِحُلّةٍ، فقال: كيفَ ألبَسُها وقد قلتَ فيها ما قلتَ؟ قال:
«إنّ لم أُعْطِكَها لَتَلْبَسَها، ولكن تَبِيعُها، أو تَكْسوها)). فأرسَلَ بها عمرُ إلى أخ له من أهلِ مكَّةً
قبلَ أن يُسلمَ.
قوله: ((باب صِلة الأخ المشرك)) ذكر فيه حديث ابن عمر: ((رأى عمر حُلّةَ سَيَرَاءَ تُباع))
الحديث، وقد تقدَّم شرحه في كتاب اللِّباس (٥٨٤١).
وقوله فيه: ((ولكن تَبيعُها)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ: (لِتَبيعَها)).
١٠ - باب فضل صِلَة الرّحم
٥٩٨٢- حذَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني ابنُ عُثْمَانَ، قال: سمعتُ موسى بنَ
طَلْحةَ، عن أبي أيوبَ، قال: قيل: يا رسولَ الله، أخبِرْني بعَمَلٍ يُدخِلُني الجنَّة؟
٥٩٨٣- حدَّثْني عبدُ الرَّحمنِ، حدَّثنا بَهِزُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا ابنُ عُثْمانَ بنِ عبدِ الله بنِ
مَوْهَبٍ وأبوه عُثْمَانُ بنُ عبدِ الله، أنَّهما سَمِعا موسى بنَ طَلْحة، عن أبي أيوب الأنصاريِّ ﴾: أنَّ
رجلاً قال: يا رسولَ الله، أخبِرْني بعَمَلٍ يُدخِلُني الجنَّة؟ فقال القومُ: ما لَهُ مَا لَهُ؟ فقال
رسولُ اللهِ وَّةِ: (أُرَبِّ ما له)) فقال النبيُّ ◌َّ: «تَعَبُّدُ اللهَ لا تُشِكُ به شيئاً، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتي
الزكاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، ذَرْها)». قال: كأنَّه كان على راحلَتِه.
قوله: ((باب فضل صِلة الرَّحِم)) بفتح الرَّاء وكسر الحاء المهمَلة، يُطلَق على الأقارب
وهم مَن بينه وبين الآخر نَسَب، سواء كان يَرِثه أم لا، سواء كان ذا مَحَرَم أم لا. وقيل: هم
المحارم فقط، والأوَّل هو المرجّح؛ لأنَّ الثّاني يَستَلِم خروج أولاد الأعمام وأولادِ الأخوال
من ذوي الأرحام وليس كذلك.
وذكر فيه حديث أبي أيوب الأنصاريّ قال: ((قيل: يا رسول الله، أخبرني بعَمَلٍ يُدخِلني
الجنَّة) أورَدَه من وجهَين، وفيه قوله وَّهِ: ((أَرَبٌّ ما له))، وفيه: «تُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة،
وتَصِل الرَّحِم)) وقد تقدَّم شرحه مُستَوّ في كتاب الزكاة (١٣٩٦).

٣١٥
باب ١١ / ح ٥٩٨٤
كتاب الأدب
١١ - باب إثم القاطع
٥٩٨٤- حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، أنَّ محمَّدَ بنَ
جُبَيرِ بنِ مُطْعِم، قال: إنَّ جُبَيَرَ بنَ مُطْعِمٍ أخبَرَه، أَنَّه سمعَ النبيَّ وَه يقول: ((لا يَدخُلُ الجنَّةَ
قاطع)).
٤١٥/١٠
قوله: ((باب إِثْم القاطع)) أي: قاطع الرَّحِم.
قوله: ((لا يَدخُل الجنَّة قاطع)) كذا أورَدَه من طريق عُقَيل، وكذا عند مسلم (١٩/٢٥٥٥)
من رواية مالك ومَعمَر، كلّهم عن الزُّهْريّ، وقد أخرجه المصنّف في ((الأدب المفرَد)) (٦٤)
عن عبد الله بن صالح عن اللَّيث، وقال فيه: ((قاطع رَحِم)) وأخرجه مسلم (١٨/٢٥٥٥)
والتِّرمِذيّ (١٩٠٩) من رواية سفيان بن عُيَينةَ عن الزّهْريِّ كرواية مالك، قال سفيان:
يعني: قاطع رحم. وذكر ابن بطّال أنَّ بعض أصحاب سفیان رواه عنه کروایة عبد الله بن
صالح فأدرَجَ التَّفْسیر.
وقد وَرَدَ بهذا اللَّفظ من طريق الأعمش عن عَطيّة عن أبي سعيد، أخرجه إسماعيل
القاضي في ((الأحكام)) (١)، ومن طريق أبي حريز - بحاء مهملة وراء ثمَّ زاي بوزنٍ عظيم،
واسمه عبد الله بن الحسين قاضي سِجِستان - عن أبي بُرْدة عن أبي موسى رَفَعَه: ((لا يَدخُل
الجنَّة مُدمِن خَمر، ولا مُصَدِّقٌ بسِحْرِ، ولا قاطع رَحِم)) أخرجه ابن حِبّان (٦١٣٧) والحاكم
(٤/ ١٤٦)، ولأبي داود (٤٩٠٢) من حديث أبي بكرة رَفَعَه: «ما من ذتْب أجدَرُ أن يُعَجِّل الله
لصاحبِهِ العقوبةَ في الدُّنيا، مع ما يَدَّخِر له في الآخرة من البَغي وقَطِيعَة الرَّحِم))، وللمصنِّف في
((الأدب المفرَد)) (٦١) من حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((إنَّ أعمال بني آدم تُعرَض كلَّ عَشِيَّة
خَميس ليلةَ الجمعة، فلا يُقبَل عَمَل قاطع رَحِم))، وللطَّبَرانيّ (٨٧٩٣) من حديث ابن مسعود:
إِنَّ أبواب السماء مُغلَقة دونَ قاطع الرَّحِم. وللمصنّف في ((الأدب المفرد)) (٦٣) من حديث ابن
أبي أوفَى رَفَعَه: ((إنَّ الرَّحمة لا تَنزِل على قوم فيهم قاطع رِحِم))، وذكر الطَّييُّ أنَّه يحتمل أن يُراد
(١) عزوه لأحمد أولى، فهو في ((مسنده) برقم (١١١٠٧).

٣١٦
باب ١٢ / ح ٥٩٨٥ - ٥٩٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
بالقومِ: الذينَ يُساعِدونَه على قَطيعَة الرَّحِم ولا يُنكِرِونَ عليه، ويحتمل أن يُراد بالرَّحمة: المطر
وأنَّه يُحبَس عن الناس عُمُوماً بشُؤمِ التَّقاطُع.
١٢ - باب من بُسِط له في الرِّزق لصِلَةِ الرّحِم
٥٩٨٥- حدَّثني إبراهيمُ بنُّ المنذِرِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ مَعْنٍ، قال: حدَّثني أبي، عن سَعيدِ بنِ
أبي سعيدٍ، عن أبي هريرةَ ظُه قال: سمعتُ رسولَ الله وَلِّ يقول: «مَن سَرَّه أن يُبْسَطَ له في رِزْقِه،
وأن يُنْسَأ له في أثّرِه، فلْيَصِل رحمه)).
٥٩٨٦- حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، حذَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أنسُ بنُ
مالكٍ، أَنَّ رسولَ اللهَوِ له قال: ((مَن أحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، ويُنْسَأْ له في أثَرِه، فلْبَصِل رحمه)».
قوله: ((بابٌ مَن بُسِطَ له في الرُّزْق لصِلةِ الرَّحِم)، أي: لأجلِ صِلة رَحِه.
قوله: ((محمَّد بن مَعْن)) أي: ابن محمَّد بن مَعْن بن نَضْلة - بنونٍ مفتوحة ومُعجَمة ساكنة -
ابن عَمْرو، ولِنَضلة جَدّه الأعلى صُخبة، وهو قليل الحديث موثّق ليس له في البخاريّ
سوى هذا الحديث، وكذا أبوه، لكن له موضع آخر أو موضعان(١)، وهو مُوثَّق.
قوله: ((سعید بن أبي سعيد» هو المقبريّ.
قوله: ((مَن سَرَّه أن يُبْسَط له في رِزْقه)) في حديث أنس: ((مَن أَحَبَّ))، وللِّرمِذيِّ (١٩٧٩)
وحَسَّنَه (٣) من وجه آخر عن أبي هريرة: «إنَّ صِلة الرَّحِم مَحَبّة في الأهل، مَثْراة في المال،
مَنسَأة في الأثر))، وعند أحمد (٢٥٢٥٩) بسند رجاله ثقات عن عائشة مرفوعاً: ((صِلَة
٤١٦/١٠ الرَّحِم وحُسْن الجوار وحُسْن الْخُلُق يُعَمِّران الدّيار، ويزيدان في الأعمار))، وأخرج عبد الله/ ابن
أحمد في ((زوائد المسند)) (١٢١٣) والبزَّار (٦٩٣) وصَخَّحَه الحاكم (٤/ ١٦٠) من حديث عليّ
نحو حديثَي الباب قال: ((ويُدفَع عنه مِيتة السُوء)». ولأبي يَعْلى (٤١٠٤) من حديث أنس رَفَعَه:
((إِنَّ الصَّدَقة وصِلة الرَّحِم يزيد الله بهما في العُمُر، ويَدِفَع بهما مِيتَةَ السُّوء)) فجَمَعَ الأمرَين،
(١) أحدهما سلف برقم (٣٩)، والآخر يأتي برقم (٦٤١٩).
(٢) في المطبوع: غريب.

٣١٧
باب ١٢ / ٥٩٨٦
كتاب الأدب
لكن سنده ضعيف، وأخرج المؤلِّف في ((الأدب المفرد)) (٥٨) من حديث ابن عمر بلفظ:
مَن اتَّقَى رَبّه ووصَلَ رَحِمِهِ نُسِئَ له في عُمُره، وثَرَى ماله، وأحَبَّه أهلُه.
قوله: ((ويُنْسَأ)) بضمِّ أوَّله وسكون النُّون بعدها مُهمَلة ثمَّ همزة، أي: يُؤَخَّر.
قوله: ((في أثَره) أي: في أجَله، وسُمَّ الأجَل أثراً لأنَّه يَتَبَع العُمُر، قال زُهَير (١):
والمَرْءُ ما عاشَ ممدودٌ له أملُ لا ينقضي العُمْرُ حتَّى يَنْتَهِي الأَثَرُ
وأصله من أثَّر مَشْيُه في الأرض، فإنَّ مَن ماتَ لا يَبقَى له حركة فلا يَبقَى لقَدَمِه في الأرض
أثر، قال ابن التِّين: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُونَ سَاعَةٌ وَلَا
يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، والجمع بينهما من وجهَينِ:
أحدهما: أنَّ هذه الزّيادة كِناية عن البَرَكة في العُمُر بسببِ التَّوفيق إلى الطاعة، وعِمارَة وقْتِه بما
يَنْفَعه في الآخرة، وصيانَتِه عن تضييعه في غير ذلك، ومثل هذا ما جاء أنَّ النبيَّ وَلَّ تَّقَاصَرَ أعمارَ
أمَّته بالنّسبة لأعمار مَن مضى من الأُمَم، فأعطاه الله ليلة القَدْر. وحاصله أنَّ صِلة الرَّحِم تكون
سبباً للتَّوفيق للطّاعة والصّيانة عن المعصية، فيَقَى بعده الذِّكر الجميل، فكأنَّه لم يَمُت. ومن ◌ُملة
ما يَحَصُل له من التَّوفيق: العلمُ الذي يَتَفِع به مَن بعده، والصَّدَقةُ الجارية عليه، والخَلَف
الصالح. وسيأتي مزيدٌ لذلك في كتاب القَدَر إن شاء الله تعالى.
ثانيهما: أنَّ الزّيادة على حقيقتها، وذلك بالنّسبة إلى عِلْم الملَك الموَّل بالعُمُر، وأمَّا
الأوَّل الذي دَلَّت عليه الآية فبالنّسبة إلى عِلْم الله تعالى، كأن يقال للمَلَكِ مثلاً: إنَّ عُمُر
فلان مِئَةٌ مثلاً إن وَصَلَ رَحِمَه، وستّونَ إِن قَطَعَها. وقد سَبَقَ في عِلم الله أنَّه يَصِل أو يَقْطَع،
فالذي في عِلم الله لا يَتقدَّم ولا يَتأخّر، والذي في عِلم الملَك هو الذي يُمكِن فيه الزّيادة
والنَّقص، وإليه الإشارة بقولِه تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾
[الرعد: ٣٩]، فالمحو والإثبات بالنِّسبة لما في عِلْم الملَك، وما في أمّ الكتاب هو الذي في عِلْم
الله تعالى، فلا تَحَوَ فيه البَتّة، ويقال له: القضاء المبرَم، ويقال للأوَّل: القضاء المعلَّق.
(١) بل هو لابنه كعب، انظر ((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة ١٥٢/١، و((الخزانة)) للبغدادي ١٥٣/٩-١٥٤.

٣١٨
باب ١٣ / ح ٥٩٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
والوجه الأوَّل أليق بلفظ حديث الباب، فإنَّ الأثر: ما يَتَبَع الشَّيء، فإذا أُخِّرَ حَسُنَ أن
يُحمَل على الذِّكر الحسن بعد فَقْد المذكور. وقال الطِّبيُّ: الوجه الأوَّل أظهَر، وإليه يُشيرُ
كلام صاحب ((الفائق)) قال: ويجوز أن يكون المعنى: أنَّ الله يُبقِي أثر واصل الرَّحِم في الدُّنيا
طويلاً، فلا يَضمَحِلُّ سريعاً كما يَضمَحِلّ أثر قاطع الرَّحِم. ولما أنشَدَ أبو تمام قوله في بعض
المراثي:
تُوُفِيتِ الآمالُ بعدَ محمَّدٍ وأصبَحَ في شُغْلِ عن السَّفَرِ السَّفْرُ
قال له أبو دُلَف: لم يَمُت مَن قيل فيه هذا الشِّعر. ومن هذه المادّة قول الخليل عليه السلام:
﴿وَأَجْعَل ◌ِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْأَخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].
وقد وَرَدَ في تفسيره وجه ثالث: فأخرج الطبرانيُّ في ((الصَّغير))(١) بسندٍ ضعيف عن أبي
الدَّرداء قال: (ذُكِرَ عند رسول الله ێے مَن وَصَلَ رحمه أُسِى له في أجله، فقال: إنَّه ليس زيادة في
عُمُره، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَّةَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤] الآية، ولكنَّ الرجل تكون له الذُّرِّيَّة
الصالحة يَدعونَ له من بعده)). وله في ((الكبير)) من حديث أبي مُشَجِّعة الْجُّهَنِيّ رَفَعَه: «إنَّ الله لا
يُؤَخِّر نفساً إذا جاء أجَلها، وإنَّما زيادة العُمُر ذُرِّيَّة صالحة)) الحديث(٢). وجَزَمَ ابن فورَك بأنَّ
المراد بزيادة العُمُر: نفيُ الآفات عن صاحب البِرّ في فَهمِه وعقلِه. وقال غيره: في أعَمّ من ذلك،
وفي وجود البر کة في رزقه وعلمه، ونحو ذلك.
١٣ - بابٌ مَن وصَلَ وصَلَه الله
٥٩٨٧- حذَّثني بشرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا معاويةُ بنُ أبي مُزَرِّدٍ، قال: سمعتُ
عَمّي سعيدَ بنَ يَسارٍ، يُحدِّثُ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((إنَّ اللهَ خَلَقَ الخلقَ، حتَّى إذا
فَرَغَ من خَلْقِهِ، قالت الرَّحِمُ: هذا مقامُ العائذِ بكَ منَ القَطِيعةِ، قال: نعم، أمَا تَرْضَينَ أنْ أَصِلَ
(١) لم نقف عليه في ((الصغير))، وهو في ((الأوسط) (٣٤) و(٣٣٤٩)، وإسناده ضعيف بمرَّة.
(٢) ليس هو في الكبير، بل هو نفس الحديث المشار إليه قبل قليل في ((الأوسط))، فهو من حديث أبي مشجعة
الجهني، عن أبي الدرداء.

٣١٩
باب ١٣ / ح ٥٩٨٧
كتاب الأدب
مَن وَصَلَكِ، وأَقْطَعَ مَن قَطَعَكِ؟ قالت: بلى يا رَبِّ، قال: فهو لكِ)) قال رسولُ الله ◌َّهِ: «فاقرَؤُوا
إن شئتُم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْهُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ اَلْأَرْضِ وَتُقَطِعُوَ أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد :٢٢])).
قوله: ((بابٌ مَن وَصَلَ وَصَلَه الله)) أي: مَن وَصَلَ رَحِمِه.
٤١٧/١٠
قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك، ومعاوية بن أبي مُزَرِّد: بضمِّ الميم وفتح الزّاي وتشديد
الرَّاء بعدها مُهمَلة، تقدَّم ضبطه وتسميته في أوَّل الزكاة (١٤٤٢)، ولمعاوية بن أبي مُزَرِّد في
هذا الباب حديث آخر، وهو ثالث أحاديث الباب من طريق عائشة.
قوله: ((إنَّ الله خَلَقَ الخلْقِ، حتَّى إذا فَرَغَ» تقدَّم تأويل ((فَرَغَ)) في تفسير القتال(١)
(٤٨٣٠) أي: قضاه وأتمَّه(٢)، قال ابن أبي جَمْرة: يحتمل أن يكون المراد بالخلق: جميع
المخلوقات، ويحتمل أن يكون المراد به: المكلَّفين. وهذا القول يحتمل أن يكون بعد خَلْق
السَّماوات والأرض وإبرازِها في الوجود، ويحتمل أن يكون بعد خَلْقَها كَتْباً في اللَّوح
المحفوظ، ولم يَبرُز بعد إلّا اللَّوحِ والقَلَم، ويحتمل أن يكون بعد انتهاء خَلْق أرواح بني
آدم عند قوله: ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] لمَّا أخرجهم من صُلْب آدم عليه السلام
1
مِثل الذَّرّ.
قوله: ((قامَتِ الرَّحِم فقالت))(٣) قال ابن أبي جَمْرة: يحتمل أن يكون بلسان الحال، ويحتمل
أن يكون بلسان المقال، قولان مشهوران، والثّاني أرجح. وعلى الثّاني فهل تَتَكلّم كما هي أو
بخَلْقِ الله لها عند كلامها حياةً وعقلاً؟ قولان أيضاً مشهوران، والأوَّل أرجَح لصلاحيَّة القُدْرة
العامّة لذلك، ولما في الأوَّلَينِ من تخصيص عُمُوم لفظ القرآن والحديث بغير دليل، ولما يَلزَم منه
من حَصِر قُدْرة القادِر التي لا تَحِصُرها شيءٍ.
(١) يعني: سورة القتال، وهي سورة محمد صلاح ه.
(٢) قوله: ((أي: قضاه وأتمه)) سقط من (أ) و(س).
(٣) هذا اللفظ الذي ذكره الحافظ ليس في هذه الرواية، بل هو: ((قالت الرحم: هذا مقام ... )) إلى آخره، هكذا
هو في نسخ اليونينية و(شرح القسطلاني)) دون الإشارة إلى اختلاف في الروايات. أما ما ذكره الحافظ
وهو قوله: ((قامت الرحم)) فقد ورد عند البخاري (٤٨٣٠) و(٧٥٠٢)، ومسلم (٢٥٥٤).

٣٢٠
باب ١٣ / ح ٥٩٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: وقد تقدَّم في تفسير القتال حمل عِيَاض له على المجاز، وأنَّه من باب ضرب المثل،
وقوله أيضاً: يجوز أن يكون الذي نُسِبَ إليه القول مَلَكٌ يتكلّم على لسان الرَّحِم، وتقدّم
أيضاً ما يَتَعلَّق بزيادةٍ في هذا الحديث من وجهٍ آخر عن معاوية بن أبي مُزَرِّد، وهي قوله:
(«فأخَذَتْ بحَقوِ الرَّحمن)»، ووَقَعَ في حديث ابن عبّاس عند الطبرانيِّ (١٠٨٠٧): «إنَّ الرَّحِم
٤١٨/١٠ آخِذةٌ بحُجْزَة الرَّحمن))، وحكى شيخنا / في ((شرح التِّرمِذيّ): أنَّ المراد بالحُجْزة هنا: قائمة
العَرش، وأيَّدَ ذلك بما أخرجه مسلم (١) من حديث عائشة: ((إنَّ الرَّحِم آخِذةٌ بقائمةٍ من قوائم
العَرش))، وتقدَّم أيضاً ما يَتَعلَّق بقولِه: «هذا مقامُ العائذ بك من القَطيعة)) في تفسير القتال، ووَقَعَ
في رواية حِبّان بن موسى عن ابن المبارك بلفظ: «هذا مكان)» بدلَ ((مقام)) وهو تفسير المراد،
أخرجه النَّسائيُّ (ك١١٤٣٣).
قوله: ((أُصِل مَن وصَلَك، وأُقطَع مَن قَطَعَك» في ثاني أحاديث الباب من وجه آخر عن أبي
هريرة: ((مَن وصَلَك وصَلْتُه، ومَن قَطَعَك قَطَعَتُه)). قال ابن أبي جَمْرة: الوصْل من الله كِناية عن
عظيم إحسانه، وإنَّما خاطَبَ الناس بما يفهمونَ، ولمَّا كان أعظم ما يُعطِيه المحبوب لمُحِبِّه
الوصال وهو القُربُ منه، وإسعافُه بما يريد، ومُساعَدَته على ما يُرضِیه، وكانت حقيقة ذلك
مُستَحيلة في حَقِّ الله تعالى، عُرِفَ أنَّ ذلك كِناية عن عظيم إحسانه لعبده. قال: وكذا القول في
القطع، هو کِناية عن چِزمان الإحسان.
وقال القُرطُبيّ: وسواء قلنا: إنَّه - يعني القولَ المنسوبَ إلى الرَّحِم - على سَبيلِ المجاز أو
الحقيقة، أو إنَّه على جهة التَّقْدير والتَّمثيل كأن يكون المعنى: لو كانت الرَّحِم ممَّن يَعْقِل ويتكلَّم
لقالت كذا، ومثله: ﴿لَوْ أَنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لََّأَيْتَهُ خَشِعًا﴾ الآية، وفي آخرها: ﴿ وَتِلْكَ
اْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ [الحشر: ٢١] فمقصود هذا الكلام الإخبار بتأكَّدِ أمر صِلَة الرَّحِم، وأنَّه
تعالى أنَزَلَا مَنِزِلة مَن استَجارَ به فأجارَه، فأدخَلَه في حِمايتِه، وإذا كان كذلك فجارُ الله عزَّ وجلّ
غير مخذول، وقد قال ◌َله: ((مَن صَلَّى الصُّبح فهو في ذِمّة الله، وإنَّ مَن يَطلُبه الله بشيءٍ من ذِمَّته
(١) لم نقف عليه في ((صحيحه)) بهذا اللفظ، والذي فيه (٢٥٥٥) من حديثها بلفظ: ((الرحم معلقة بالعرش
تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)).