النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ ٦ باب ٩٩ / ح ٥٩٦٦ كتاب اللباس قوله: ((فحَمَلَ واحداً بين يَدَيهِ، وَآخَرَ خَلْفَه)) قد فَسَّرَهما في الرِّواية التي بعد هذه، ووَقَعَ عند الطبرانيِّ في رواية ابن أبي مُلَيكة عن ابن عبّاس: أَنَّه ◌َليهِكان حينئذٍ راكِباً على ناقَتِهِ، ووَقَعَ له ذلك في قصَّة أُخرى أخرجها مسلم (٦٧/٢٤٢٨) وأبو داود (٢٥٦٦) والنَّسائيُّ (ك٤٢٣٢) من طريق مُوَرِّق العِجليّ حدَّثني عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله بَ لَ إذا قَدِمَ من سَفَرَ تُلُقّيَ بنا، فتُلُقّيَ بي وبالحسن أو بالحسين، فحَمَلَ أحدَنا بين يَدَيه والآخرَ خلفه، حتَّى دَخَلْنا المدينة. وتقدَّم حديث آخر لعبد الله بن جعفر في المعنى في أواخر الجهاد (٣٠٨٢). ووَقَعَ في قصَّة أُخرى: أنَّ النبيَّ وَّ كان راكِياً على بَغلَته الشَّهباء عند قُدومه المدينة، أخرجه مسلم أيضاً (٢٤٢٣) من حديث سَلَمة بن الأكوع قال: لقد قُدْتُ بنبيِّ الله وَّه والحسن والحسين بغلته الشَّهباء حتَّى أدخلتُهم حُجْرة النبيّ ◌َِّ، هذا قُدّامَه وهذا خلفَه، ووَقَعَ في حديث بُرَيدة الذي سأذكره في الباب بعده: أنَّه رَكِبَ على حمار وأردَفَ واحداً خلفه، وهو يُقوِّي الجمع الذي أشرتُ إليه في الباب. ٩٩ - باب حمل صاحب الدَّابّة غيرَه بين يديه وقال بعضُهم: صاحبُ الدَّابّةِ أحقُّ بصَدْرِ الذَّابّةِ إلّا أن يَأْذَنَ له. ٥٩٦٦- حدَّثْني محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا أيوبُ: ذُكِرَ شَرُّ الثَّلاثةِ عندَ عِكْرمةَ، فقال: قال ابنُ عبَّاسٍ: أَتِى رسولُ الله ◌ِهِ وقد حَمَلَ قُثَمَ بينَ يَدَيِهِ والفَضْلَ خَلْفَه، أو قُثَمَ خَلْفَه والفَضْلَ بينَ يَدَيهِ، فَأَّهم أشَرُّ، أو أيُّهم أخيرُ؟ قوله: ((باب حمل صاحب الدَّابّة غيرَه بين يَدَيه، وقال بعضهم: صاحب الدَّابّة أُحقٌ بصَدْرٍ الدَّابَة إلّا أن يَأْذَنَ له)) ثَبَتَ هذا التَّعليق عند النَّسَفيّ، وهو لأبي ذرِّ عن المُستَمْلي وحده، والبعض المبهم: هو الشَّعْبيّ، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٣٥/٩)/ عنه، وقد جاء ذلك مرفوعاً ٣٩٧/١٠ أخرجه أبو داود (٢٥٧٢) والتِّرمِذيّ (٢٧٧٣) وأحمد (٢٢٩٩٢)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٤٧٣٥) والحاكم (٦٤/٢) من طريق حُسَين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: ((بينما رسول الله وَّل يمشي إذ جاءه رجل ومعه حمار، فقال: يا رسول الله، اركَبْ، وتأخَّرَ ٢٨٢ باب ٩٩ / ح ٥٩٦٦ فتح الباري بشرح البخاري الرجلُ، فقال: ((لا، أنت أحقّ بصَدْرِ دابّتك إلّا أن تجعلَه لي)) قال: قد جَعَلتُه لك، فَرَكِبَ، وهذا الرجل هو معاذ بن جبل، بَّنْه حبيب بن الشَّهيد في روايته عن عبد الله بن بُرَيدة لكنَّه أرسَلَه، أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ٥٦١) من طريقه. قال ابن بَطّال: كأنَّ البخاريّ لم يَرتَضِ إسناده - يعني: حديث بُرَيدة - فأدخَلَ حديث ابن عبَّاس ليدلَّ على معناه. قلت: ليس هو على شرطِه، فلذلك اقتَصَرَ على الإشارة إليه، وقد وجدتُ له شاهداً من حديث النُّعمان بن بشير أخرجه الطبرانيُّ (١٠٢٥/٢٢) وفيه زيادة الاستثناء(١)، وأخرجه أحمد (١٥٤٧٨) من حديث قيس بن سعد بدون هذه الزيادة. وفي الباب عِدّة أحاديث مرفوعة وموقوفة بمعنى ذلك، قال ابن العربيّ: إنَّما كان الرجل أحقَّ بصَدْرِ دابته، لأَنَّه شَرَفِ والشَّرَف حقّ المالك، ولأَنَّه يُصرِّفها في المشي حيثُ شاءَ، وعلى أيّ وجه أراد من إسراع أو بُطْء، ومن طول أو قِصَر، بخِلَاف غير المالك. وقوله في حديث بُرَيدة: ((إلّا أن تجعلَه لي)): يريد الرُّكوبَ على مُقدَّم الدَّابّة، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الرجل قد تأخّرَ وقال له: يا رسول الله اركَبْ، أي: في المقدَّم، فدَلَّ على أنَّه جعله له، ويُمكِن أن يُجاب: بأنَّ المراد أنَّه طلب منه أن يجعلَه له صريحاً، أو الضَّمير للتَّصُرُّفِ في الدَّابّة بعد الرُّكوب كيف أراد كما أشارَ إليه ابنُ العربيّ في حقّ صاحب الدَّابّة، فكأنَّه قال: اجعَلْ حَقَّك لي كلَّه من الرُّكوب على مُقدَّم الدَّابّة وما يَتَرتَّب على ذلك. قوله: ((ذُكِرَ شَرّ الثَّلاثة عند عِكْرمة)) كذا للمُستَمْلِي، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((أَشَرّ)) بزيادة ألف أوَّلَه، وفي رواية الحُمُّوِيّ: ((الأشَرّ))، فأمَّا أشَرّ بزيادة ألف فهي لغة تقدَّم تقريرها في شرح حديث عبد الله بن سَلام(٢)، ففيه: ((قالوا: أخيّرُنا وابن أخيَرِنا))، وجاء في المثَل: صُغراها أشَرُّها، وقالوا أيضاً: نعوذ بالله من نفس حَرَّى، وعَيْن شُرَّى؛ أي: مَلأى من الشرّ، وهو مثل: أصغر وصُغرَى. (١) قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٠٨/٨: فيه الحكم بن عبد الله الأيلي وهو متروك. وله طريق أخرى أوردها الهيثمي بإثرها ولم نقف عليها في مطبوع الطبراني، وقال عنها: وفيه من لم أعرفهم. (٢) سلف بهذا اللفظ برقم (٣٣٢٩) ولم يتكلّم عليه هناك، وأشار إليها في شرحه للحديث (٣٩١١). ٢٨٣ باب ١٠٠ / ح ٥٩٦٧ كتاب اللباس وأمَّا الرّواية بزيادة اللّام، فهو مِثلُ قولهم: الحسنُ الوجهِ، والواهبُ المئةِ، والمراد بلفظ ((الأشَّ)) الشّ، لأنَّ أفعَلَ التَّفضيل لا يُستَعمَل على هذه الصّور إلّ نادِراً. قوله: «أَتِى رسولُ اللهِ وَّ) بفتح الهمزة من أَتى ورسولُ الله بالرَّفع، أي: جاء، وقد حَمَلَ قُثَمَ بين يديه والفضلَ خلفَه، وهما ولدا العبَّاس بن عبد المطَّلِب وأخَوَا عبد الله بن عبّاس راوي الحديث. قوله: ((أو قُثَمَ خَلْفَه)) شكٌّ من الراوي، وقُثَم بقافٍ ومُثَلَّئة وزن عُمَر، ليس له في البخاريّ رواية، وهو صحابيّ، وذكره الحافظ عبد الغني مع غير الصحابة فوَهِمَ. قوله: ((فأتّهم أشُّ، أو أيّهم أخيرُ؟)) هذا كلام عِكْرمة يَرُدّ به على مَن ذكر له شَرَّ الثلاثة، وقال الدَّاوُودِيُّ: إن ثَبَتَ الخبرُ في ذلك قُدِّمَ على هذا، ويكون ناسخاً له، لأنَّ الفِعل يَدخُله النَّسخُ والخبر لا يَدخُله النَّسخ، كذا قال، ودعوى النَّسخ هنا في غاية البُعد، والجمع الذي أشارَ إليه الطََّرِيُّ أوّلاً أَوْلى. ١٠٠ - باب إرداف الرجل خلفَ الرجل ٥٩٦٧ - حدَّثنا هُدْبةُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا همٌَّ، حذَّثنا قَتَادةُ، حدَّثنا أنسُ بنُ مالكِ، عن معاذِ ابنِ جَبَلٍ ﴾، قال: بَيْنا أنا رَدِيفُ النبيِّ وََّ، ليس بيني وبينَهَ إلّا آخِرةُ الرَّحْلِ، فقال: ((يا معاذُ» قلتُ: لَبِّكَ رسولَ الله وسَعْدَيكَ، ثمَّ سارَ ساعةً، ثمَّ قال: ((يا معاذُ)) قلتُ: لَبِّكَ رسولَ الله وسَعْدَيكَ، ثمّ سارَ ساعةً، ثمَّ قال: ((يا معاذ)) قلتُ: لَبِّيكَ رسولَ الله وسَعْدَيكَ، قال: «هل تَدْري ما حَقُّ الله على عِبادِه؟)) قلتُ: الله ورسوله أعلمُ، قال: ((حَقُّ الله على عِبادِهِ أن يَعْبُدوه ولا يُشْرِ كوا به شيئاً، ثمَّ سارَ ساعةً، ثمّ قال: ((يا معاذُ بنَ جبلٍ)) قلتُ: لَبِّكَ رسولَ الله وسَعْدَيكَ، فقال: ((هل تَذْري ما حَقُّ العبادِ على الله إذا فَعَلُوه؟)) قلتُ: الله ورسولُه أعلمُ، قال: ((حَقّ العبادِ على الله أن لا يُعَذِّبَهم)). قوله: ((باب إرْداف الرجل خَلْفَ الرجل)) ذكر فيه حديث معاذ بن جبل، وقد تقدَّم في ٣٩٨/١٠ الجهاد (٢٨٥٦)، وأُحيلَ بشرحِه على هذا المكان، واللّائق به كتاب الرِّقاق (٦٥٠٠) فقد ذكره فيه بهذا السَّنَد والمتن تامّاً فليُشرَح هناك، والمقصود منه هنا من الإرداف واضح. ٢٨٤ باب ١٠١ / ح ٥٩٦٨ فتح الباري بشرح البخاري ووَقَعَ في ((شرح ابن بَطّال)): ((بابٌ)) بلا ترجمة، وقال: كان ينبغي له أن يُورِدَه مع حديث أُسامة في ((باب الارتداف)» (٥٩٦٤)، وقد عُرِفَ جوابه. وقوله: ((كنتُ رِدِفَ النبيّ ◌َ ﴿) الرِّدْف والرَّديف: الرَّاكِب خلفَ الرَّاكب بإذنِهِ، ورِدفُ كلِّ شيء: هو مُؤَخَّره، وأصله من الرُّكوب على الرِّدْف: وهو العَجُز، ولهذا قيل للرَّاكِب الأصليّ: رَكِبَ صَدرَ الدَّابّة، ورَدِفتَ الرجلَ: إذا رَكِيتَ وراءَه، وأردفتَه: إذا أركَبتَه وراءَك. وقد أفردَ ابن مَنْدَهْ أسماء مَن أردَفَه النبيّ وَِّ خلفَه، فَبَلَغوا ثلاثينَ نفساً. ١٠١ - باب إرداف المرأة خلفَ الرّجل ذا تَحَرَم ٥٩٦٨- حدَّثنا الحسنُ بنُ محمَّدِ بنِ صَبّاحِ، حدَّثنا يحيى بنُ عَبّادٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، أخبرني يحيى بنُ أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ ﴾ قال: أقبَلْنَا معَ رسولِ الله ◌ِ﴿ من خَییرَ، وإنّ لَرَدِيفُ أبي طَلْحَةَ وهو يَسِيرُ، وبعضُ نساءِ رسولِ اللهِ ◌ّهِ رَدِيفُ رسولِ الله ◌ِّهِ، إذْ عَثَرَتِ الناقةُ، فقلتُ: المرأةَ! فنزلْتُ، فقال رسولُ اللهِ: ((إنَّهَا أَمّكُمْ)) فشَدَدْتُ الرَّحْلَ، وَرَكِبَ رسولُ الله ◌ِ﴾ فلمَّا دَنَا - أو رَأْى - المدينةَ، قال: ((آيِبُونَ تائبونَ عابدونَ، لَرَبِّنا حامِدونَ)). قوله: ((باب إرداف المرأة خلفَ الرجل ذا مَحَرَم)) كذا للأكثر، والنَّصب على الحال، ولبعضِهم: (ذي تَحَرَم)) على الصِّفة، واقتَصَرَ النَّسَفيُّ على: ((خَلْف الرجل)) فلم يَذكُر ما بعده. قوله: ((أقبَلْنا مع رسول الله وَلَّ مِن خَيِبَرَ، وإنّ لَرَديفُ أبي طَلْحة وهو يسير، وبعضُ نساء رسول الله ◌َ﴿ رَدِيفُ رسول الله وَّةِ، إذْ عَثَرَتِ الناقةُ، فقلتُ: المرأةَ! فنزلتُ، فقال رسول الله وَله: إِنَّهَا أمّكُم، فَشَدَدْتُ الرَّحْلِ)) كذا في هذه الرّواية، وظاهره أنَّ الذي قال ذلك وفَعَلَه هو أنس، وقد تقدَّم في أواخر الجهاد (٣٠٨٦) من وجه آخر عن يحيى بن أبي إسحاق وفيه: أنَّ الذي فعل ذلك أبو طلحة، وأنَّ الذي قال: ((المرأة)) رسولُ الله ◌ِيهِ، ولفظه: أنَّه أقبَلَ هو وأبو طلحة، ومع النبيّ نَّهِ صَفيَّة يُردِفها على راحلته، فلمَّا كان ببعضِ الطَّريق عَثَرَتِ الدَّابّة، فصُرِعَ النبيّ وَّه والمرأة، وأنَّ أبا طلحة ـ أحسَبه قال: ـ اقتَحَمَ عن بعيره، فقال: يا نبيّ الله، هل أصابك من شيء؟ قال: ((لا، ولكن عليك المرأة)) فألقَى أبو طلحة ثوبه على وجهه، ٢٨٥ باب ١٠٢ / ح ٥٩٦٩ كتاب اللباس فَقَصَدَ قصدها، فألقَى ثوبه عليها، فقامَتِ المرأة، فشَدَّ لهما على راحلتهما فَرَكِبا ... الحديث، وفي أُخرى (٣٠٨٥) عن يحيى بن أبي إسحاق أيضاً: ورسول الله،وَ ل﴿ على راحلَتِه وقد أردَفَ صَفيَّة بنت حُبَيّ، فَعَثَرَت ناقته ... فساقَه نحوه. فُيُستَفاد من هاتَينِ الطَّريقين تسمية المرأة، وأنَّ الذي تَولَّى شَدَّ الرَّحل وغير ذلك ممَّا ذُكِرَ هو أبو طلحة لا أنس، والاختلاف فيه على يحيى بن أبي/ إسحاق راويه عن أنس، فقال شُعْبة عنه ما ٣٩٩/١٠ في هذا الباب، وقال عبد الوارث وبشر بن المفضَّل كلاهما عنه ما أشرتُ إليه في الجهاد، وهو المعتمد؛ فإنَّ القصَّة واحدة ومَخَرَج الحديث واحد، واتِّفاق اثنَيْنِ أَولى من انفراد واحد، ولا سيّما أنَّ أنساً كان إذ ذاكَ يَصغُر عن تعاطي ذلك الأمر، وإن كان لا يَمْتَنِعِ أن يُساعِد عَمَّه أبا طلحة على شيء من ذلك، والله أعلم، فقد يرتفع الإشکال بهذا. وفي الحديث أنَّه لا بأس للرجلِ أن يَتَدَارَك المرأةَ الأجنبيّة إذا سَقَطَت، أو كادَت تَسقُط، فيُعينها على التَّخَلُّص ممّا يُحْشَى عليها. ١٠٢ - باب الاستلقاء، ووَضع الرِّجل على الأخرى ٥٩٦٩ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، عن عَبّادِ بنِ تَمِیمٍ، عن عَمِّه: أنَّه أبصَرَ النبيَّ ◌َّه يَضْطَجِعُ في المسجدِ رافعاً إحدَى رِجْلَيه على الأُخرَى. قوله: ((باب الاستِلْقاء، ووَضْعِ الرِّجْل على الأُخْرَى)) وجه دخول هذه التَّرجمة في كتاب اللَّباس: من جهة أنَّ الذي يفعل ذلك لا يَأمَن من الانكشاف، ولا سيَّما والاستلقاءُ يستدعي النَّومِ، والنائم لا يَتحقَّظ، فكأنَّه أشارَ إلى أنَّ مَن فعل ذلك ينبغي له أن يَتحقَّظ لمَلَّا يَنْكَشِف. وذکر فیه حدیث عبّاد بن تميم عن عمّه، وهو عبد الله بن زيد، وفيه ثُبُوتُ ذلك من فِعْل النبيّ وَّة، وزاد عند الإسماعيليّ في روايته في آخر الحديث: وأنَّ أبا بكر كان يفعل ذلك وعمر وعثمان، وكأنَّه لم يَتْبُت عنده النَّهيُ عن ذلك، وهو فيما أخرجه مسلم (٢٠٩٩/ ٧٤) من حديث جابر رَفَعَه: ((لا يَسْتَلقيَنَّ أحدكم، ثمَّ يَضَعُ إحدَى رِجلَيه على الأُخرَى))، أو ثَبَتَ لكنَّه رآه منسوخاً، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب الاستئذان (٦٢٨٧) إن شاء الله تعالى. ٢٨٦ باب ١٠٢ / ح ٥٩٦٩ فتح الباري بشرح البخاري خاتمة: اشتَمَلَ كتاب اللِّباس من الأحاديث المرفوعة على مئتي حديث واثنينٍ وعشرينَ حديثاً، المعلَّق منها وما أشبهَه: ستّة وأربعونَ حديثاً، والبقيَّة موصولة، المكَرَّر منها فيه وفيما مضى: مئة واثنان وثمانونَ حديثاً، والخالص أربعونَ، وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة: ((ما أسفلَ من الكعبين من الإزار في النار))، وحديث ابن الزُّبَير في لُبس الحرير، وحديث أمّ سَلَمة في شعر النبيّ وَّهِ، وحديث أنس: ((كان لا يَرُدّ الطِّيب))، وحديث أبي هريرة في لَعْن الواصلة، وحديثه: ((لا تَشِمْنَ))، وحديث عائشة في نَقضِ الصّور، وحديث ابن عمر في وعد جِبْریل، وفيه: «لا تَدخُل الملائكة بيتاً فیه صورة»، وقد أخرجه مسلم من حديث عائشة، وحديث: ((صاحب الدَّابّة أحقّ بصَدْرها)) على أنَّه لم يُصرِّح برفعِه، وهو مرفوع على ما بيَّنته. وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدهم تسعة عشر أثراً، والله أعلم. ٢٨٧ باب ١ / ح ٥٩٧٠ كتاب الأدب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الأدب ١ - باب البِرّ والصِّلة، وقولِ الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيِّ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨] ٥٩٧٠- حذَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ قال: الوليدُ بنُ عَيْزارِ أخبرني، قال: سمعتُ أبا عَمرِو الشَّيبانيَّ، يقول: أخبرنا صاحبُ هذه الدَّار - وأَوْماَ بيدِه إلى دار عبدِ الله - قال: سألتُ النبيَّ وَّةِ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلى الله؟ قال: ((الصلاةُ على وَقْتِها)) قال: ثمَّ أيّ؟ قال: ((ثُمَّ بُّ الوالدَينِ)) قال: ثمَّ أيّ؟ قال: ((الجهادُ في سبيلِ الله))، قال: حدَّثْنِي بِهِنَّ، ولو استَزَدْتُه لَزادني. قوله: ((بسمِ الله الرّحمن الرحيم. كتاب الأدب، باب البِرّ والصِّلة، وقولِ الله سبحانه وتعالى: ٤٠٠/١٠ ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا﴾) كذا للأكثر، وحَذَفَ بعضُهم لفظ ((البِرّ والصِّلة)) وبعضُهم البسملةَ، واقتَصَرَ النَّسَفيُّ على قوله: ((كتاب البِرّ والصِّلة .. )) إلى آخره. ووَقعَ في أوَّل (الأدب المفرد)» للبخاري: («باب ما جاءَ في قولِ الله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا﴾، وكتاب ((الأدب المفرد)) يَشتمِلُ على أحاديث زائدة على ما في ((الصّحيح))، وفيه قليلٌ من الآثار الموقوفة، وهو كثيرُ الفائدة. والأَّدَب: استِعمالُ ما يُحمَدُ قولاً وفِعْلاً. وعبَّر بعضُهم عنه: بأنَّه الأخْذُ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوفُ مع المُسْتَحسَنات، وقيل: هو تَعظيمُ مَن فَوقَك والرِّفُ بمن دُونَك، ويقال: إِنَّه مأخوذٌ من المأدبة: وهي الدَّعوةُ إلى الطَّعام، سُمِّي بذلك لأَنَّه يُدْعَى إليه. وهذه الآية وَقَعَت بهذا اللَّفظ في العنكبوت، وفي الأحقاف(١) لكنِ المراد هنا التي في العنكبوت، وقال ابن بَطّل: ذَكَر أهل النَّفسير أنَّ هذه الآية التي في لُقْمانِ نزلت في سعد بن أبي (١) آية رقم (١٤)، لكن ليس فيها لفظ ((حسناً). ٢٨٨ باب ١ / ح ٥٩٧٠ فتح الباري بشرح البخاري وقّاص، كذا قال: إنَّها التي في لُقمان، وليس كذلك، وقد أخرج مسلم (١٧٨٤) من طريق مُصعَب بن سعد عن أبيه قال: حَلَفَت أمّ سعد: لا تُكلِّمه أبداً حتَّى يَكفُر بدينِهِ. قالت: زَعَمتَ أنَّ الله أو صاك بوالديك، فأنا أمّك، وأنا آمُرك بهذا، فنزلت: ﴿ وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيَّهِ حُسْنًا﴾. ﴿وَإِن جَهَدَالَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ كذا وَقَعَ عنده، وفيه انتقال من آية إلى آية، فإنَّ في آية العنكبوت [٨]: ﴿وَإِن جَهَدَالَكَ لِنُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ الآية، والمذكور عنده بعد قوله: ﴿وَإِن جَهَدَاَ عَلَى﴾ إلى آخره، إنَّما هو في لُقمان [١٥]. وقد وَقَعَ عند التِّرمِذيّ (٣١٨٩) إلى قوله: ((﴿حُسْنًا﴾ الآية))، فقط، ومثله عند أحمد (١٦١٤) لكن لم يَقُل: ((الآية))، ووَقَعَ في أُخرى لأحمد (١٥٦٧): ﴿ وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ﴾ - وقرأ حتَّى بَلَغَ - ﴿بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٤، ١٥]، وهذا القَدْر الأخير إنَّما هو في آية العنكبوت(١) وأوَّله من آية لُقمان، ويظهر لي أنَّ الآيتينِ معاً كانتا في الأصل ثابتَينِ، فسَقَطَ بعضهما على بعض الرُّواة، والله أعلم. واسم أمّ سعد بن أبي وقّاص: حَمْنة - بفتح المهمَلة وسكون الميم بعدها نون - بنت ٤٠١/١٠ سفيان بن أُميَّة، وهي ابنة عَمّ أبي سفيان بن حَرْب بن أُميَّة، ولم أرَ في شيء من الأخبار/ أنَّها أسلَمَت. واقتَضَتِ الآية الوصيّة بالوالدَينِ والأمر بطاعَتِهما ولو كانا كافرَين، إلّا إذا أمَرا بالشّركِ فتجب معصيتهما في ذلك، ففيها بیان ما أُجملَ في غيرها، وكذا في حديث الباب، من الأمر بيِّهما. قوله: ((قال: الوليد بن عَيْزار أخبرني)) هو من تقديم اسم الراوي على الصِّيغة، وهو جائز، وكان شُعْبةٍ يَستَعمِله كثيراً، ووَقَعَ لبعضِهم: ((العَيْزار)) بزيادة ألِف ولام في أوَّله، وكذا تقدَّم في أوائل الصلاة (٥٢٧) مع كثير من فوائد الحديث، ولله الحمد. (١) الآيتان من قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ ... ﴾ إِلى: ﴿يِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هما من سورة لقمان: ١٥ -١٤، ولیس کما قال الحافظ رحمه الله. ٢٨٩ باب ٢ / ح ٥٩٧١ كتاب الأدب وقال ابنُ التِّين: تقديم البِرّ على الجهاد يحتمل وجهَينٍ: أحدهما: التَّعدية إلى نَفْع الغير. والثّاني: أنَّ الذي يفعلُه يرى أنَّه مُكافأة على فِعْلهما، فكأنَّه يرى أنَّ غيره أفضل منه، فنَّهَه على إثبات الفضيلة فيه. قلت: والأوَّل ليس بواضح، ويحتمل أنَّه قُدِّمَ لتَوقُّفِ الجهاد علیه، إذ من پِّ الوالدينِ استئذائُهما في الجهاد، لُبوتِ النَّھي عن الجهاد بغير إذنهما، کما یأتي قريباً(١). ٢ - بابٌ مَن أحقّ الناس بحُسْن الصّحبة؟ ٥٩٧١- حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن عمارةَ بنِ القَعْقاع بنِ شُبْرُمَةَ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ وَّةِ، فقال: يا رسولَ الله، مَن أحقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحابتي؟ قال: (أُمُّكَ)) قال: ثمَّ مَن؟ قال: (أُّكَ)) قال: ثمَّ مَن؟ قال: ((ثُمَّ أُمُّكَ)) قال: ثمَّ مَن؟ قال: (ثمَّ أبوكَ)). وقال ابنُ شُبْرُمةَ ويحيى بنُ أيوبَ: حدَّثنا أبو زُرْعةَ، مِثلَه. قوله: ((باب مَن أحقّ الناس بحُسْنِ الصُّخْبة؟» الصُّحبة والصحابة مصدران بمعنى، وهو المصاحبة أيضاً. قوله: ((حدَّثنا جَرِير)) هو ابن عبد الحَمِيد. قوله: ((عُمارَة بن القَعْقاع بن شُبْرُمَةَ)) بضمِّ المعجَمة والرَّاء بينهما موخَّدة، كذا للأكثر، ووَقَعَ عند النَّسَفيِّ وكذا لأبي ذرِّ عن الحَمُّوِيّ والمُستَمْلي: ((عن عُمَارَة بن القعقاع وابن شُبْرُمَ)) بزيادة واو، والصَّواب حذفها، فإنَّ رواية ابن شُبْرُمةَ قد عَلَّقَها المصنَّ عَقِب رواية عُمارَة، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق زُهَير بن حَرْب عن جَرِير عن عُمَارَة حَسْب. قوله: ((جاء رجل)) يحتمل أنَّه معاوية بن حَيْدة بفتح المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة، وهو جَدُّ بَهْز ابن حَكيم، فقد أخرج المصنِّف في ((الأدب المفرد)) (٣) من حديثه قال: قلتُ: يا رسول الله مَن أبِرّ؟ قال: ((أمّك)) ... الحديث. وأخرجه أبو داود (٥١٣٩)، والتِّرمِذيّ (١٨٩٧). (١) في باب (٣): لا يجاهد إلا بإذن الأبوين. ٢٩٠ باب ٢ / ح ٥٩٧١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فقال: يا رسول الله، مَن أحقُّ الناس بحُسْنٍ صحابتي؟)) في رواية محمَّد بن فُضَيلِ عن عُمَارَة عند مسلم (٢/٢٥٤٨): ((بحُسنِ الصُّحبة))، وعنده (٣/٢٥٤٨) في رواية شَرِيك عن عُمارَة وابن شُبْرُمةَ جميعاً عن أبي زُرْعة قال، مِثل رواية جَرِير، وزاد: ((فقال: نعم وأبيك لَتُبَّأنَّ). وقد أخرجه ابن ماجه (٢٧٠٦) من هذا الوجه مُطوَّلاً، وزاد فيه حديث: (أفضلُ الصَّدَقة أن تَصَدَّقَ وأنتَ صحيح شَحِيح))، وأخرجه أحمد (٩٠٨٢) من طريق شَرِيك فقال في أوَّله: فقال: يا رسول الله، نَبِّئني بأحقّ الناس منِّي صُحْبة، ووجَدته في النَّسخة بلفظ: ((فقال: نعم والله)) بَدَل: ((وأبيك))، فلعلَّها تَصَحَّفَت، وقوله: ((وأبيك)) لم يَقصِد به القَسَم، وإنَّما هي كلمة تجري لإرادة تَثبِيت الكلام، ويحتمل أن يكون ذلك وَقَعَ قبل النَّهي عن الحَلِفِ بالآباءِ. قوله: ((قال: أمّك. قال: ثمَّ مَن؟ قال: ثمَّ أُمّك. قال: ثمَّ مَن؟ قال: ثمَّ أمّك. قال: ثمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أبوك)) كذا للجميع بالرَّفع، ووَقَعَ عند مسلم (١) من هذا الوجه، وعند المصنّف في ((الأدب المفرَد)) (٥) من وجه آخر بالنَّصب، وفي آخره: ((ثمَّ أباك))، والأوَّل ظاهر، وتَخَرَج ٤٠٢/١٠ النَّصْب(٢) على إضمار/ فِعل، ووَقَعَ صريحاً عند المصنّف في ((الأدب المفرَد)) (٦) كما سأُنْبِّه عليه، وهكذا وَقَعَ تَكَرَار الأُمّ ثلاثاً وذِكرُ الأب في الرَّابعة، وصرَّحَ بذلك في روایة یحیی بن أيوب(٢)، ولفظه: (ثمّ عادَ الرَّابعة فقال: بَّ أباك))، وكذا وقعَ في روایة بَهْز بن حکِیم وزاد في آخره: «ثمَّ الأقرب فالأقرب»، وله شاهد من حديث خِدَاش أبي سَلَامة رَفَعَه: ((أوصي امرَأَ بأُمُّه، أوصي امرَأَ بأُمِّه، أوصي امرَأَ بأُمِّه، أوصي امرَأَ بأبيه، أوصي امرَأَ بمولاه الذي يليه، وإن كان عليه فيه أذّى يؤذيه)) أخرجه ابن ماجَهْ (٣٦٥٧)، والحاكم (٤/ ١٥٠). قال ابن بَطّال: مُقْتَضاه أن يكون للأُمّ ثلاثة أمثال ما للأبٍ من البِرّ، قال: وكان ذلك لصُعُوبة الحمل ثمَّ الوضع ثمَّ الرَّضاع، فهذه تَنفَرِد بها الأُمّ وتَشقَى بها، ثمَّ تُشارِك الأب في التَّربية. (١) في رواية مسلم (٢٥٤٨) (١) المطبوعة: ((ثم أبوك)) بالرفع. (٢) هكذا في (ع)، وفي (أ) بإسقاط لفظ ((النصب))، وهو خطأ، وفي (س): ويخرج الثاني. (٣) أخرجها البخاري في ((الأدب المفرد)) (٦)، وأحمد (٩٢١٨). ٢٩١ باب ٢ / ح ٥٩٧١ كتاب الأدب وقد وَقَعَت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ. وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فسوَّى بينهما في الوصاية، وخَصَّ الأُمّ بالأُمورِ الثلاثة. قال القُرطُبيّ: المراد أنَّ الأُمّ تَستَحِقّ على الولد الحظّ الأوفَر من البِرّ، وتُقَدَّمُ في ذلك على حقّ الأب عند المزاحَمة. وقال عِيَاض: ذَهَبَ الجمهور إلى أنَّ الأُمّ تُفضَّل في البِرّ على الأب، وقيل: يكون برُّهما سواء، ونَقَلَه بعضهم عن مالك، والصَّواب الأوَّل. قلت: إلى الثّاني ذهب بعض الشافعيَّة، لكن نَقَلَ الحارث المحاسبيّ الإجماع على تفضيل الأُمّ في البِرّ، وفيه نظر، والمنقول عن مالك ليس صريحاً في ذلك، فقد ذكره ابن بَطّال، قال: سُئلَ مالك: طَلَبَنِي أبي فمَنَعَتني أمّي، قال: أطِع أباك، ولا تَعصِ أمّك. قال ابن بَطّل: هذا يدلُّ على أنَّه يرى برّهما سواء. كذا قال، وليستِ الدّلالة على ذلك بواضحةٍ، قال: وسُئلَ اللَّيث - يعني: عن المسألة بعينِها - فقال: أطِع أمّك، فإنَّ لها ثُلُثَي البِرّ، وهذا يشير إلى الطَّريق التي لم يَتَكَرَّرِ ذِكْرِ الأُمّ فيه إلّا مرَّتَينِ. وقد وقع كذلك في رواية محمَّد بن فُضَيلٍ [عن أبيه] (١) عن عمارة بن القعقاع عند مسلم في حديث(٢) الباب، ووَقَعَ كذلك في حديث المِقِدام بن مَعْدي كَرِب فيما أخرجه المصنّف في ((الأدب المفرد)) (٦٠) وأحمد (١٧١٨٧) وابن ماجَهْ (٣٦٦١) وصَحَّحَه الحاكم (١٥١/٤) ولفظه: ((إنَّ الله يُوصِیکم بُمَّهاتگُم، ثمَّ ◌ُوصِیکم بأُمَّھاتُم، ثمّ يُوصِیکم بأُمَّهاتگُم، ثمَّ يُوصِیکم بآبائكُم، ثمَّ يُوصِيكم بالأقربِ فالأقرب))، وكذا وَقَعَ في حديث بَهْز بن حَكِيم كما تقدَّمَ، وكذا في آخر رواية محمَّد بن فُضَيلِ المذكورة عند مسلم بلفظ: «ثمَّ أدناك فأدناك»، وفي حديث أبي رِمْئة - بكسر الرَّاء وسكون الميم بعدها مُثلَّثة : انتَهَيتُ إلى رسول الله وَّهِ فسمعته يقول: ((أمّك وأباك، ثمَّ أُختك وأخاك، ثمَّ أدناك أدناك)) أخرجه الحاكم (٤/ ١٥٠ -١٥١) هكذا، وأصله عند أصحاب (السُّنَن)) الثلاثة وأحمد (٧١٠٨) وابن حِبّان (٥٩٩٥)، والمراد بالدُّنِّ: القُرْب إلى البارّ. (١) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س)، وهذه الرواية أخرجها مسلم برقم (٢٥٤٨) (٢)، لكن تكرر فيها ذكر الأم ثلاث مرات. (٢) لفظة ((حديث)) سقط من (س). ٢٩٢ باب ٢ / ح ٥٩٧١ فتح الباري بشرح البخاري قال عِيَاض: تَرَدَّدَ بعض العلماء في الجدّ والأخ، والأكثر على تقديم الجدّ. قلت: وبه جَزَمَ الشافعيَّة، قالوا: يُقدَّم الجدّ ثمَّ الأخ، ثمَّ يُقَدَّم مَن أدلى بأبَوينٍ(١) على مَن أدلَى بواحدٍ، ثمَّ تُقَدَّم القَرابة من ذَوي الرَّحِم، ويُقَدَّم منهم المحارم على مَن ليس بمَحرَمٍ، ثمَّ سائر العَصَبات، ثمَّ المصاهرة، ثمَّ الولاء، ثمَّ الجار. وسيأتي الكلام على حُكمه بعد. وأشارَ ابن بَطّال إلى أنَّ التَّرتيب حيثُ لا يُمكِن إيصال البِرّ دفعة واحدة، وهو واضح، وجاء ما يدلّ على تقديم الأُمّ في البِرّ مُطلَقاً، وهو ما أخرجه أحمد(٢)، والنَّسائيُّ (ك٩١٠٣)، وصَحَّحَه الحاكم (٤/ ١٥٠) من حديث عائشة: سألتُ النبيّ وَّ: أيُّ الناس أعظَم حَقّاً على المرأة؟ قال: ((زوجها)) قلت: فعلى الرجل؟ قال: ((أمّه)) ويؤيِّد تقديم الأُمّ حديث عَمْرو ابن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه: أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله، إنَّ ابني هذا كان بَطْنِي له وِعاء، وتَديِي له سِقاء، وحَجْري له حواء، وإِنَّ أباه طَلَّقَني وأراد أن يَنِعَه مِنِّي، فقال: «أنتِ أحقّ به ما لم تَنكِحِي)) كذا أخرجه الحاكم (٢٠٧/٢)، وأبو داود (٢٢٧٦)(٣)، فَتَوصَّلَت لاختِصاصِها به باختصاصِه بها في الأُمور الثلاثة. قوله: ((وقال ابن شُبْرُمَةَ ويحيى بن أيوب: حدَّثنا أبو زُرْعة، مِثْلِه)) أمَّا ابن شُبْرُمةَ فهو عبد الله ٤٠٣/١٠ الفقيه المشهور الكوفيّ،/ وهو ابن عمّ عمارةَ بن القَعْقاع المذكور قبل، وطريقه هذه وصَلَها المؤلّف في «الأدب المفرد)» (٥) قال: حدَّثنا سليمان بن حَرْب حدَّثنا وُهَيب بن خالد عن ابن شُبْرُمةَ سمعت أبا زرعة، فذكره بلفظ: قيل: يا رسول الله مَن ابرُ؟ والباقي مِثل روایة جَرِیر سواء،لکن على سياق مسلم، وأمَّا يحيى بن أيوب فهو حَفيد أبي زُرْعة بن عَمْرو بن جَرِير شيخه في هذا الحديث، ولهذا يقال له: الجريريّ، وطريقه هذه وَصَلَها المؤلِّف أيضاً في ((الأدب المفرَد)) (٦)، (١) في الأصلين: ((بأمرين))، والمثبت من (س). (٢) لم نقع عليه عند أحمد فيما بين أيدينا من نسخ ((المسند))، ولا عزاه الحافظ نفسه لأحمد في ((إتحاف المهرة)) ١٧/ ٦٥٥، ولا في ((أطراف المسند)). (٣) عبارة ((كذا أخرجه الحاكم وأبو داود)) ليست في الأصلين، وبُيِّض مكانها فيهما، وأثبتناها من (س)، ووقع في هامش (ع) ما نصه: ((في بلوغ المرام: أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم)). ٢٩٣ باب ٣-٤ / ح ٥٩٧٢- ٥٩٧٣ كتاب الأدب وأحمد (٩٢١٨) كلاهما من طريق عبد الله - هو ابن المبارَك -: أنبأنا يحيى بن أيوب حدَّثنا أبو زُرْعة، فذكره بلفظ: أتى رجل إلى النبيّ وَّهِ فقال: ما تأمُرني؟ فقال: ((بِرَّ أمّك)) ثمّ عادَ .. الحديث، وكذا هو في كتاب ((البِرّ والصِّلة) لابنِ المبارَك، ونَقَلَ المحاسبيّ الإجماع على أنَّ الأُمّ مُقدَّمة في البِرّ على الأب. ٣- بابٌ لا يُجاهِدُ إلّا بإذن الأبوین ٥٩٧٢- حدَّثنا مُسلَّدٌ، حذَّثنا يحيى، عن سفيانَ وشُعْبةَ، قالا: حدَّثنا حَبِيب (ح) قال: وحدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، عن حَبِيبٍ، عن أبي العبّاسِ، عن عبد الله بنِ عَمٍو، قال: قال رجلٌ للنبيِّ وَلِ: أُجاهِدُ؟ قال: ((لكَ أَبَوانٍ؟)) قال: نعم، قال: ((فِيهما فجاهِدْ)). قوله: ((باب لا يُجاهِد إلّا بإذْنِ الأبوينِ)» ذكر فيه حديث عبد الله بن عَمْرو، وقد تقدَّم شرحه في کتاب الجهاد (٣٠٠٤). و((حبيب)) المذكور في السَّنَد: هو حبيب بن أبي ثابت، و((سفيان)) في الطَّريقَينِ: هو الثَّوريّ. وترجم له هناك: ((الجهاد بإذن الأبوین))، ووقع عند أحمد (١١٧٢١) من حديث أبي سعيد: هاجَرَ رجل، فقال له النبيّ ◌َّ: ((هل باليمن أَبَواك؟)) قال: نعم، قال: ((أذِنا لك؟)) قال: لا، قال: ((ارجع فاستأذِنهما، فإن أذِنا لك، وإلّا فِرَّهما))(١). وقوله: ((ففيهما فجاهد)) أي: إن كان لك أبَوان فابلُغ جُهدك في بِرّهما والإحسان إليهما، فإنَّ ذلك يقوم لك مقام قتال العدوّ. ٤ - بابٌ لا يَسُبُّ الرجلُ والدیهِ ٥٩٧٣- حدثنا أحمدُ بن يونسَ، قال: حدثنا إبراهيمُ بن سَعْد، عن أبيه، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ مِن أكبرَ (١) وهو من رواية ابن لهيعة، عن دراج أبي السَّمح، عن أبي الهيثم سليمان بن عمرو، وهذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة، ولضعف رواية دراج عن أبي الهيثم. انظر تعليقنا على ((المسند). ٢٩٤ باب ٤ / ح ٥٩٧٣ فتح الباري بشرح البخاري الكَبائِرِ أن يَلعَنَ الرجلُ والدَيهِ)) قيل: يا رسولَ الله، وكيف يَلعنُ الرجلُ والدَيهِ؟ قال: ((يسبُّ الرجلُ أبا الرجل، فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمّه، فيسبُّ أَمَّه)). قوله: ((بابٌ لا يَسُبّ الرجل والديه)) أي: ولا أحدَهما، ولا يَتَسَبَّبُ إلى ذلك. قوله: ((إنَّ مِن أكبر الكبائر أن يَلْعَن الرجلُ والدَيه)) سيأتي بعدَ بابٍ عَدُّ العُقوق في أكبر الكبائر، والمذكور هنا فردٌ من أفراد العُقوق، وإن كان التَّسَبُّب إلى لَعْن الوالد من أكبر الكبائر، فالتَّصريح بلَعنِه أشدّ، وتَرجَمَ بلفظ السَّبّ وساقَه بلفظ اللَّعن إشارةً إلى ما وَقَعَ في بَقِيَّة الحديث، وقد وَقَعَ أيضاً في بعض طرقه، وهو في ((الأدب المفرد)) (٢٨) من طريق عُرْوة بن عِيَاض أنه سمعَ عبدَ الله بن عَمْرو يقول: من الكبائر عندَ الله أن يَسُبّ الرجل والده. وقد أخرجه المصنِّف في ((الأدب المفرد)) (٢٧) من طريق سفيان الثَّوريّ، ومسلم (٩٠) من طريق يزيد بن الهادٍ، كلاهما عن سعد بن إبراهيم بلفظ: ((من الكبائر شَتْمُ الرجل))، وفي رواية المصنّف: ((أن يَشتُم الرجل والدَيه)). قوله: ((قيل: يا رسول الله، وكيف يَلْعَن الرجل والديه؟)) هو استبعاد من السائل، لأنَّ ٤٠٤/١٠ الطَّبع المستقيم يأبى ذلك، فبيَّن في الجواب أنَّه وإن لم يَتَعاطَ السَّبّ بنفسِه في الأغلَب الأكثر،/ لكن قد يقع منه التَّسَبُّب فيه، وهو ممّا يُمكِن وقوعه كثيراً. قال ابن بَطّال: هذا الحديث أصل في سَدّ الذَّرائع، ويُؤخَذ منه أنَّ مَن آلَ فِعلُه إلى مُرَّم، يَجِرُم عليه ذلك الفِعل، وإن لم يَقصِد إلى ما يَجِرُم، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية. واستَنْبَطَ منه الماوَرْديّ مَنْع بيع الثَّوب الحرير مَمَّن يَتَحقَّق أنَّه يَلبَسه، والغلام الأمرَدِ مَمَّن يَتَحقَّق أنَّه يَفعَل به الفاحشة، والعَصِير ممّن يَتَحقَّق أنَّه يَتَّخِذه ◌َمراً. وقال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: فيه دليل على عِظَم حقّ الأبَوينِ. وفيه العَمَل بالغالبِ، لأنَّ الذي يَسُبّ أبا الرجل يجوز أن يَسُبّ الآخَرُ أباه، ويجوز أن لا يفعل، لكنَّ الغالب أن يُجِيبَه بنحوِ قوله. وفيه مُراجَعة الطالب لشيخِه فيما يقوله ممّا يُشكِل عليه، وفيه ٢٩٥ باب ٥ / ح ٥٩٧٤ كتاب الأدب إثبات الكبائر، وسيأتي البحث فيه قريباً(١)، وفيه أنَّ الأصل يَفضُل الفرعَ بأصلِ الوضع، ولو فضَلَه الفَرِعُ ببعضِ الصِّفات. ٥- باب إجابة دعاء من بَرَّ والديه ٥٩٧٤- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مریمَ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ عُقْبةَ، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن رسولِ اللهِ وَّه قال: ((بينما ثلاثةُ نَفَرِ يَتَمَاشَونَ، أَخَذَهُمُ المطرُ، فمالوا إلى غارٍ في الجبلِ، فانخَطَّت على فمَ غارهم صَخْرةٌ منَ الجبلِ فأطبَقَت عليهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: انظُرُوا أعمالاً عَمِلْتُموها لله صالحةً، فادعوا اللهَ بها لعلَّه يَفْرُجُها، فقال أحدُهمُ: اللهمَّ إِنَّه كان لي والِدانِ شَيْخان كبيران، ولي صِبْةٌ صِغارٌ كنتُ أرعَى عليهم، فإذا رُحْتُ عليهم فحَلَبتُ، بَدَأْتُ بوالدَيَّ أسقِيهما قبلَ وَلَدي، وإِنَّه نَأى بِيَ الشَّجَرُ، فما أتيتُ حتَّى أمسَيتُ، فوَجَدْتُهُما قد ناما، فحَلَبتُ كما كنتُ أحلُبُ، فجِئْتُ بالحِلَابِ، فقُمْتُ عندَ رؤوسِهما أكره أن أوقِظَهما من نَوْمِهما، وأكرَه أن أبدَأْ بالصِّبْيَةِ قبلَهما، والصِّنْيَةُ يَتَضاغَوْنَ عندَ قَدَميَّ، فلم يَزَل ذلك دَأبي ودَأْبَهم حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فإن كنتَ تعلمُ أنّي فَعَلْتُ ذلك ابتغاءَ وجهِكَ فافرُج لنا فُرْجَةٌ نَرَى منها السماءَ، ففَرَجَ الله لهم فُرْجَةً يَرَوْنَ منها السماءَ، وقال الثّاني: اللهمَّ إِنَّه كانت لي ابنةُ عَمَّ أُحِبُّها كأشَدِّ ما يُحِبُّ الرِّجالُ النِّساءَ، فطَلَبتُ إليها نفسَها، فأبت حتَّى آتِيَها بمئةِ دِینارٍ، فسَعَيتُ حتَّى بَعْتُ مئةَ دِینارٍ فَقِيتُها بها، فلمَّا قَعَدْتُ بينَ رِجْلَيها قالت: يا عبدَ اللهِ، أَتَّقِ الله، ولا تَفْتَح الخاتَمَ، فَقُمْتُ عنها، اللهمَّ فإن كنتَ تعلمُ أنّي قد فعَلْتُ ذلك ابتغاءَ وجهِكَ، فافرج لنا منها، ففَرَجَ لهم فُرْجةً، وقال الآخَرُ: اللهمَّ إنّي كنتُ اسْتَأْجَرْتُ أجِيراً بفَرَقِ أرُزِّ، فلمَّا قَضَى عَمَلَه قال: أعطِنِي حَقّي، فعَرَضْتُ عليهِ حَقَّه فَتَرَكَهُ ورَغِبَ عنه، فلم أَزَل أزْرَعُه حتَّى ◌َمَعْتُ منه بَقَراً وراعِيَها، فجاءني فقال: اتَّقِ اللهَ، ولا تَظْلِمْني وأعطِنِي حَقّي. فقلتُ: اذهب إلى تلك البقرِ وراعِيها، فقال: أَّقِ اللهَ، ولا تَهْزَأ بي، فقلتُ: إني لا أهزَأُ بكَ، فخُذ تلك البقرَ وراعيَها، فَأَخَذَه فانطَلَقَ بها، فإن كنتَ تعلمُ أنّ فعَلْتُ ذلك ابتغاءَ وجهِكَ، فافْرُج ما بَقِيَ. فَفَرَجَ الله عنهم)). (١) في باب (٦): عقوق الوالدين من الكبائر. ٢٩٦ باب ٦ فتح الباري بشرح البخاري ٤٠٥/١٠ قوله: ((باب إجابة دعاء مَن بَرَّ والدَيه)) ذكر فيه قصَّة الثلاثة الذينَ انطَبَقَ عليهم فَمُ الغار، حتَّى ذَكَروا أعمالهم الصالحة ففُرِجَ عنهم، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الإجارة (٢٢٧٢). وقوله في هذه الرّواية: ((على فم غارهم)) في رواية الكُشْمِيهنيُّ: ((باب)) بَدَل ((فم)). وقوله: «فأطبقت)) تقدَّم توجیهه في أواخر أحاديث الأنبياء (٣٤٦٥)، ووَفَعَ هنا في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((فتَطَابَقَت)). وقوله: ((فَأَى)) أي: بَعُدَ، و((الشَّجَر)) بمُعجَمَةٍ وجيم للأكثر، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: بالمهمَلتَين، والأوَّل أولى، فإنَّ في الخبر أنَّه رَجَعَ بعد أن ناما، فأقام يَتَظِر استيقاظهما إلى الصَّباح، حَتَّى انْتَبَها من قِبَل أنفُسِهما، وإنَّما قال: بَعُدَ بيَ الشَّجَر، أي: لطلبٍ المرغَى. وقوله: ((فُرجة يَرَونَ منها السماء)» في رواية: ((حتَّى رأوا)» ووَقَعَ هنا للحَقُّويّ: ((وقَصَّ الحديث بطولِه))، وساقَه الباقونَ. وقوله: ((يُحِبّ الرّجال النِّساء)»، في رواية الكُشْمِيهنيُّ: ((الرجل) بالإفرادِ. وقوله: ((تلكَ البقر)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ(١): ((ذلك البقر)) في الموضعين، والإشارة فيه إلى الجنس. ٦ - بابٌ عقوقُ الوالدين من الكبائر قاله ابن عُمَر، عن النبيِّ ◌َِّ. قوله: «بابٌ)) بالتَّنوین. قوله: ((عُقوقُ الوالدينِ من الكبائر، قاله ابنُ عُمَر، عن النبيّ ◌ِ﴿) كذا في رواية أبي ذرّ: ((عُمَرَ)) بضمِّ العين، وللأَصِيلِيّ: ((عَمْرو)) بفتحها، وكذا هو في بعض النُّسَخ عن أبي ذرٍّ وهو المحفوظ، وسيأتي في كتاب الأيمان والنُّذور (٦٦٧٥) موصولاً من رواية الشَّعْبيّ عن (١) في الأصلين: المستملي، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في ((القسطلاني)) والطبعة السلطانية. ٢٩٧ باب ٦ / ح ٥٩٧٥ كتاب الأدب عبد الله بن عَمْرو بن العاص عن النبيّ وَّم قال: «الكَبائِر: الإِشْراكُ بالله، وعُقُوق الوالدين، وقتل النَّفْس، واليمَين الغَمُوس))، ولابنِ عُمَر حديث في العاقّ أخرجه النَّسائيُّ (٢٥٦٢) والبَزَّار (١٨٧٥)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٧٣٤٠) والحاكم (١٤٦/٤-١٤٧) بلفظ: ((ثلاثة لا يَنظُرُ الله إليهم يومَ القيامة: العاقُّ لوالدَيه، ومُدمِن الخمر، والمنّان))، وأخرج أحمد والنَّسائيُّ وصحَّحه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص(١) أيضاً نحو حديث ابن عمر هذا، لكن قال: ((الدَّيّوث)) بَدَل ((المنّان)). ٤٠٦/١٠ والدَّيّوث بمُهمَلةٍ ثمَّ تحتانيَّة وآخره مُثَلَّئة بوزنِ فرّوج، وَقَعَ تفسيره في نفس الخبر: أنَّه الذي يُقِرّ الْخُبْث في أهله، والعُقُوق بضمِّ العين المهمَلة، مُشتَقٌّ من العَقّ: وهو القطع، والمراد به: صُدُور ما يَتأَذَّى به الوالد من ولده من قول أو فِعل، إلّا في شِرك أو معصية ما لم يَتَعَنَّت الوالد، وضَبَطَه ابن عَطيَّة بوجوبٍ طاعتهما في المباحات فعلاً وتركاً، واستحبابها في المندوبات، وفُرُوض الكِفاية كذلك، ومنه تقديمهما عند تَعارُض الأمرَينِ، وهو کمَن دَعَته أمّه ليُمَرِّضها مثلاً بحيثُ يَفوت عليه فِعل واجب إن استَمرَّ عندها، ويَفوت ما قَصَدَته من تأنيسه لها وغير ذلك أن لو تَرَكَها وفَعَلَه وكان ممّا يُمكِن تَدارُكه مع فوات الفضيلة، كالصلاة أوَّل الوقت أو في الجماعة. ثمَّ ذكر المصنِّ في الباب ثلاثة أحايث أيضاً، أوَّلها: حديث المغيرة بن شُعْبة. ٥٩٧٥- حدَّثنا سَعْدُ بنُ حفصٍ، حدَّثْنَا شَيْبانُ، عن منصورٍ، عن المسیّبِ، عن ورّادٍ، عن المغيرةِ، عن النبيِّ وَ ◌ّه قال: ((إنَّ اللهَ حَرَّمَ عليكم عُقوقَ الأُمَّهات، ومَنْعاً وهات، ووأد البنات، وحَرِه لكم قيل وقال، وكَثْرةَ السُّؤال، وإضاعةَ المال)). قوله: ((عن منصور)) هو ابن المعتمِر، و((المسيّب)): هو ابن رافع، و((ورّاد)) هو كاتب المغيرة ابن شُعْبة، والسَّنَد كلّه كوفيّونَ. ووَقَعَ التَّصريح بسماع منصور له من المسيّب في الدَّعَوات (١) كذا قال، وإنما هو من حديث ابن عمر أيضاً أخرجه أحمد (٦١٨٠)، والنسائي (٢٥٦٢)، والحاكم ٧٢/١. وانظر تتمة تخريجه في («المسند». ٢٩٨ باب ٦ / ح ٥٩٧٥ فتح الباري بشرح البخاري (٦٣٣٠)، وقد تقدَّم في الاستقراض (٢٤٠٨) من رواية عثمان بن أبي شَيْبة عن جَرِير عن منصور كالذي هُنا (١)، وذكر المِّيّ في ((الأطراف)): أنَّ في رواية منصور عن المسيّب عند البخاريّ ذِكْر عُقُوق الأُمَّهات فقط، وليس كما قال، بل هو بتمامه في الموضعين، لكنَّه في الأصل طَرَف من حديث مُطوَّل سيأتي في القَدَر من طريق عبد الملك بن عُمَير (٢). وفي الرِّقاق (٦٤٧٣) من طريق الشَّعْبيّ كلاهما عن ورّاد: أنَّ معاوية كَتَبَ إلى المغيرة: أن اكتُبْ إليَّ بحديثٍ سمعتَه، فذكر الحديث في التَّهليل عَقِب الصلاة، قال: وكان يَنْهَى، فذكر ما هنا، وسيأتي في الدَّعَوات (٦٣٣٠) أوَّله فقط من رواية قُتَيبة عن جَرِير دونَ ما في آخره. والحاصل أنَّه فَّقَه من حديث جَرِير عن منصور في موضعين، ويحتمل أنَّه كان عند شيخه هكذا، وتقدّم في الزكاة (١٤٧٧) من طريق أُخرى عن الشَّعْبيّ مُقتَصِراً على الذي هنا أيضاً. قوله: ((إنَّ الله حَرَّمَ عليكم عُقوق الأُمَّهات)) تقدَّم في الاستقراض (٢٤٠٨) الإشارة إلى حِكْمة اختصاص الأُمّ بالذّكر، وهو من تخصيص الشَّيء بالذِّكرِ إظهاراً لعِظَمِ مَوقِعه. و((الأُمَّهات)) جمع أمَّهة وهي لمن يَعقِل، بخِلَاف لفظ الأُمّ فإنَّه أعَمّ. قوله: «ومنعاً وهات» وقع(٣) في رواية غير أبي ذرٍ وفي الاستقراض: (ومَنْعَ)) بغیر تنوين، وهي في الموضعين بسكون النُّون مصدر مَنَعَ يَمنَع، وسيأتي ما يَتَعلَّق به في الكلام على ((قيلَ وقال))(٤). وأمَّا ((هاتِ)) فبكسر المثنّة: فِعلُ أمر من الإيتاء، قال الخليل: أصل هاتِ: آتِ، فقُلِبَتِ الألف هاء. والحاصل من النَّهي مَنْع ما أُمِرَ بإعطائه وطلبُ ما لا يَستَحِقّ أخذه، ويحتمل أن يكون (١) الرواية هناك: منصور عن الشعبي، عن وراد. (٢) طريق عبد الملك بن عمير عن وراد ستأتي برقم (٦٨٤٦) في كتاب المحاربين، وأما التي في القَدَر (٦٦١٥) فهي من طریق عبدة عن وراد. (٣) كذا وقع، والمثبت من (أ) و(س)، وهو الصواب، فقد أشير في هامش الطبعة السلطانية أنَّ رواية أبي ذر «منعاً) بالتنوین. (٤) باب رقم (٢١) من كتاب الرقاق، بين يدي الحديث رقم (٦٤٧٣). ٢٩٩ باب ٦ / ح ٥٩٧٥ كتاب الأدب النَّهي عن السُّؤال مُطلَقاً، كما سيأتي بَسْط القول فيه قريباً، ويكون ذكره هنا مع ضِدّه ثمَّ أُعيدَ تأكيداً للنَّهي عنه، ثمَّ هو مُتَمَل أن يَدخُل في النَّهي ما يكون خِطاباً لاثنَيْنٍ، كأن (١) يُنھَى الطالب عن طلب ما لا يَسْتَحِقّه، ويُنْهَى المطلوب منه عن إعطاء ما لا يَسْتَحِقّه الطالب، لئلّا يُعينُه على الإثم. قوله: ((وَأْدَ البنات)) بسكون الهمزة: هو دفنُ البنات بالحياة، وكان أهل الجاهليَّة يفعلونَ ذلك كراهةً فيهنَّ، ويقال: إنَّ أوَّل مَن فعل ذلك قيس بن عاصم التَّميميّ، وكان بعض أعدائه أغارَ عليه فأسَرَ بنته، فانَّخَذَها لنفسِه، ثمَّ حَصَلَ بينهم صُلْح فخَيَّرَ ابنَتَه فاختارَت زوجها، فآلَى قيسُ على نفسه أن لا تولد له بنت إلّا دَفَنَها حَيَّة، فتَبِعَه العرب على ذلك، وكان من العرب فريق ثانٍ يَقْتُلُونَ أولادهم مُطلَقاً، إمّا نَفاسةً منه على ما يَنقُصه من ماله، وإمّا من عَدَم ما يُنفقُه عليه، وقد ذكر الله أمرهم في القرآن في عِدّة آيات. وكان صَعِصَعة بن ناجية التَّميميّ أيضاً - وهو جَدّ الفَرَزَق همَّامٍ بن غالب بن صَعصَعة - أوَّلَ مَن فَدَى الموءودة، وذلك أنَّه كان يَعمِد إلى مَن يريد أن يفعل ذلك فيَقدِي الولد منه بمالٍ يَتَّفِقان عليه، وإلى ذلك أشارَ الفَرَزدقُ بقوله: وجَدِّي الذي مَنَعَ الوائِدا تِ وأحيا الوَئِيدَ فلم يُوأَدِ(٢). وهذا محمول على الفريق الثّاني، وقد بَقِيَ كلٌّ من قيس وصَعصَعة إلى أن أدرَكا الإسلام، ٤٠٧/١٠ ولهما صُحْبة، وإِنَّمَا خَصَّ البنات بالذِّكرِ لأنَّه كان الغالبَ من فِعلِهم، لأنَّ الذُّكور مَظِنّة القُدْرة على الاكتِساب. وكانوا في صِفَة الواد على طريقَينِ، أحدهما: أن يأمرَ امرأته إذا قَرُبَ وَضْعُها أن تُطلَق بجانبٍ حَفِيرة، فإذا وضَعَت ذَكَراً أبقَته، وإذا وضَعَت أُنْثَى طَرَحَتها في الحفيرة، وهذا أليَق بالفريق الأوَّل. ومنهم مَن كان إذا صارت البنتُ سُداسيَّة قال لأُمِّها: طيِِّيها وزَيِّنيها لأزورَ بها (١) تحرَّفت في (س) إلى: كما. (٢) البيت من المتقارب، وهو في ((ديوانه)) ١٧٣/١. ٣٠٠ باب ٦ / ح ٥٩٧٥ فتح الباري بشرح البخاري أقاربها، ثمَّ يُعِد بها في الصَّحراء حتَّى يأتي البئر، فيقول لها: انظُري فيها، ويَدِفَعُها من خَلفها، ويَطُمّها، وهذا اللّائق بالفريق الثّاني، والله أعلم. قوله: «وگره لكم قيل وقال» في رواية الشعبيّ (٦٤٧٣): وکان ینھی عن قیل وقال، كذا للأكثر في جميع المواضع بغير تنوين، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ هنا: ((قيلاً وقالاً) والأوَّل أشهر، وفيه تَعقُّب على مَن زَعَمَ انَّه جائز ولم تقع به الرُّواية، قال الجوهريّ: ((قيل وقال)) اسمان، يقال: كثير القيل والقال. كذا جَزَمَ بأنَّهما اسمان، وأشارَ إلى الدَّليل على ذلك بدخولِ الألف واللام عليهما. وقال ابن دَقِيق العيد: لو كانا اسمَينِ بمعنّى واحد كالقولِ، لم يكن لعطفٍ أحدهما على الآخر فائدة، فأشار إلى ترجيح الأوّل. وقال المحبّ الطَّريُّ: في «قیل وقال) ثلاثة أوجُه: أحدها: أنَّهما مصدران للقول، تقول: قلت قولاً وقيلاً وقالاً، والمراد في الأحاديث الإشارة إلى كراهة كَثْرة الكلام لأنَّها تُؤَوِّل إلى الخطأ، قال: وإِنَّا كَرَّرَه للمُبالَغة في الّجر عنه. ثانيها: إرادةُ حكاية أقاويل الناس، والبحث عنها ليُخبِرِ عنها، فيقول: قال فلان كذا، وقيل كذا، والنَّهي عنه إمّا للَّجرِ عن الاستكثار منه، وإمّا لشيءٍ مخصوص منه، وهو ما يَكرَهه المحکُّ عنه. ثالثها: أنَّ ذلك في حكاية الاختلاف في أُمور الدين، کقوله: قال فلان كذا وقال فلان كذا، ومحلُّ كراهة ذلك أن يُكثِرِ من ذلك بحيثُ لا يُؤْمَن مع الإكثار من الزَّلَل، أو مخصوص بمَن يَنقُل ذلك من غير تَثُبُّت، ولكن يُقلِّد مَن سمعَه ولا يحتاط له. قلت: ويُؤْيِّد ذلك الحديثُ الصَّحيح: ((كَفَى بالمرءِ إثماً أن يُحدِّث بكلِّ ما سمعَ)) أخرجه مسلم (٥)، وفي (شرح المشكاة): قوله: ((قيل وقال)) من قولهم: قيل كذا وقال كذا، وبناؤُهما على كَونهما فِعلَينِ تَحَكَّينِ مُتَضَمِّنَينِ للضَّمير، والإعراب على إجرائهما مَجَرَى الأسماء خِلْوَينِ من الضَّمیر، ومنه قوله: ((إِنَّا الُّنیا قیل وقال))، وإدخال حرف التَّعریف عليهما في قوله: ((ما يعرف القال من(١) القيل)) لذلك. (١) لفظة ((من)) سقطت من (س).