النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
باب ٨٢ / ح ٥٩٣٤
كتاب اللباس
عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ عَُّه، عن النبيِّ وَّه قال: ((لَعَنَ الله الواصلةَ والمستَوَصِلةَ، والواشمةَ
والمستَوشِمةَ)).
قوله: ((وقال ابن أبي شَيْبة)) هو أبو بكر، كذا أخرجه في ((مُسنَده)) و(«مُصنَّه)) (٤٩٠/٨)
بهذا الإسناد، ووَصَلَه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريقه، وأخرجه الإسماعيليّ من طريق
عثمان بن أبي شَيْبة عن يونس بن محمَّد كذلك، فيحتمل أن يكون هو المرادَ، لأنَّ أبا بكر وعثمان
كلاهما من شيوخ البخاريّ، ويونس: هو المؤَدِّب، وفُلَیح: هو ابن سلیمان.
قوله: (لَعَنَ اللهُ الواصلةَ)) / أي: التي تَصِلُ الشَّعر، سواء كان لنفسِها أم لغيرها ((والمستَوْصِلة)) ٣٧٦/١٠
أي: التي تَطلُب فِعَلَ ذلك ويُفعَل بها، وكذا القول في الواشمة والمستَوشِمة، وتقدَّم تفسيره.
وهذا صريح في حكاية ذلك عن الله تعالى إن كان خبراً، فيُستَغنى عن استنباط ابن مسعود،
ويحتمل أن يكون دعاءً من النبيّ ◌َِّ على مَن فَعَلَت ذلك.
الحديث الثالث: حديث عائشة.
٥٩٣٤- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ، قال: سمعتُ الحسنَ بنَ مسلمٍ بنِ
يَّاقِ يُحدِّثُ عن صَفِيَّةَ بنت شَيْبةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ جاريةً منَ الأنصار تزوَّجَت،
وأنَّهَا مَرِضَتِ فَتَمَعَّطَ شَعرُها، فأرادوا أن يَصِلُوها، فسألوا النبيَّ وَّةِ، فقال: ((لَعَنَ اللهُ الواصلةَ
والمستَوصِلةَ)).
تابَعَه ابنُ إسحاقَ، عن أبانَ بنِ صالحٍ، عن الحسنِ، عن صفيَّةَ، عن عائشةَ.
قوله: ((الحسن بن مسلم بن يَنَّاق)) بفتح التَّحتانيَّة وتشديد النُّون وآخره قاف، كأنَّه اسم
عَجَميّ، ويحتمل أن يكون اسم فعَّال من الأنيق: وهو الشَّيء الحَسَن المُعجِب، فسُهِّلَت
همزته یاءً. والحسن المذکور تابعيّ صغیر من أهل مگَّة، ثقة عندهم، و کان کثیر الرِّواية عن
طاووسٍ، وماتَ قبله.
قوله: ((أنَّ جارية من الأنصار تَزوَّ جَتْ)) تقدَّم ما يَتَعلَّق بتسميتها وتسمية الزَّوج في کتاب
النِّكاح (٥٢٠٥).

٢٤٢
باب ٨٢ / ح ٥٩٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فَتَمَعَّطَ)) بالعين والطاء المهمَلتَين، أي: خَرَجَ من أصله، وأصل المَعْط: المدّ، كأنَّه
مُدّ إلى أن تَقْطَّع، ويُطلَق أيضاً على مَن سَقَطَ شعرُه.
قوله: «فأرادوا أن يَصِلُوها» أي: يَصِلوا شعرها.
وقوله: ((فسَأَلوا)) تقدَّم هناك أنَّ السائل أمُّها، وهو في حدیث أسماء بنت أبي بكر الذي
يلي هذا.
قوله: ((تابَعَه ابن إسحاق، عن أبانَ بن صالح، عن الحسن)) هو ابن مسلم، وهذه المتابعة
رُوّيناها موصولة في ((أمالي المحامليّ)) من رواية الأصبهانيّينَ عنه، ثمَّ من طريق إبراهيم بن
سعد عن ابن إسحاق: حدَّثني أبان بن صالح، فذكره، وصَرَّحَ بالتَّحديثِ في جميع السَّنَد،
وأوَّل الحديث عنده: أنَّ امرأة سألت عائشة - وهي عندها - عن وَصْل المرأة رأسها
بالشَّعرِ، فذكر الحديث، وقال فيه: ((فَتَمَرَّق)) بالرَّاءِ والقاف، وقال فيه: أفْضَعُ على رأسها
شيئاً؟ والباقي مِثلُه.
وفائدة هذه المتابعة: أن يُعلَم أنَّ الحديث عند صَفيَّة بنت شَيْبة عن عائشة وعن أسماء بنت
أبي بكر جميعاً، ولأبان بن صالح في هذا المعنى حديث آخر، أخرجه أبو داود (٤١٧٠) من رواية
أُسامة بن زيد عنه عن مجاهد عن ابن عبّاس، فذكر الحديث المرفوع دونَ القصَّة، وزاد فيه:
((النامصة والمتنمِّصة))، وقال في آخره: ((والمستَوشِمة من غير داءٍ)) وسنده حسن، ويُستَفاد منه: أنَّ
مَن صَنَعَتِ الوشمَ عن غير قصد له، بل تَداوَت مثلاً فنَشَأ عنه الوشمُ، أن لا تَدخُل في الزَّجر.
الحديث الرابع: حدیث أسماء بنت أبي بكر.
٥٩٣٥- حدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدام، حدَّثْنَا فُضَيلُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا منصورُ بنُ عبدِ الَّحمنِ،
قال: حدَّثْني أمي، عن أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما: أنَّ امرأةً جاءت إلى رسولِ الله ◌ِّته
فقالت: إنّ أنكَحْتُ ابنَتي، ثمَّ أصابها شَكْوَى، فَتَمزَّقَ رأسُها، وزَوْجُها يَستَحِثُّني بها، أفاصِلُ
رأسَها؟ فسَبَّ رسولُ الله ◌َِّ الواصلةَ والمستَوْصِلةَ.
[طرفاه في: ٥٩٣٦، ٥٩٤١]

٢٤٣
باب ٨٢ / ح ٥٩٣٦
كتاب اللباس
٥٩٣٦ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن امرأتِه فاطمةَ، عن أسماءَ بنت
أبي بكرٍ قالت: لَعَنَ النبيُّ وَّه الواصلةَ والمستَوْصِلةَ.
ذكره من طريقين:
الأول: قوله: ((منصور بن عبد الرّحمن)) هو الحَجَبيّ، وأُمّه: هي صَفيَّة بنت شَيْبة، وفُضَيل بن
سلیمان راویه عن منصور، وإن کان في حفظه شيء، لکن قد تابعه وُهَیب بن خالد عن منصور
عند مسلم (١١٦/٢١٢٢)، وأبو مَعشَر البرَّاء عند الطبرانيِّ (٣٥٧/٢٤).
قوله: ((فَتَمَزَّق)) بالزّاي، أي: تَقَطَّع، كذا للكُشْمِيهنيّ والحَمُّوِيِّ، وهي رواية مسلم
(٢١٢٢)(١)، وبالرَّاءِ للباقينَ، أي: مَرِقَ من أصله، وهو أبلَغ، ويحتمل أن يكون من المَرْق:
وهو نَتَفُ الصّوف، وللطَّبَرانيّ (٣٤٧/٢٤) من طريق محمَّد بن إسحاق عن فاطمة بنت
المنذر: فأصابتها الحَضْبة ۔أو الجُدَريّ- فسَقَطَ شعرها، وقد صَخَّت وزوجُها یَستَحِئْنا، وليس
على رأسها شعر، أفنَجعَل على رأسها شيئاً نُجَمِّلها به؟ الحديث.
وقوله: ((أفأصِلُ رأسها؟)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: شعرها، وهو المراد بالرِّواية الأُخرَى.
قوله: ((فسَبَّ)) بالمهمَلة والموخَّدة، أي: لَعَنَ، كما صَرَّحَ به في الرِّوايةِ الأُخرَى.
الطريق الثانية: قوله: ((عن امرأته فاطمة)) هي بنت المنذر بن الزُّبَير بن العَوّام، وهي بنت
عَمّ هشام بن عُرْوة الراوي عنها، وأسماء بنت أبي بكر هي جَدَّتهما معاً لأنَّها أمّ المنذِر وأُمّ
عُرْوة، وهذه الطَّريق تُؤَكِّد رواية منصور بن عبد الرّحمن عن أمّه، وأنَّ للحديثِ عن أسماء
بنت أبي بكر أصلاً، ولو كان مختصراً.
قوله: ((الواصلة والمستَوصِلة)) هذا القَدْر الذي وجَدتُه من حديث أسماء، فكأنَّها ما سمعَتِ
الزّيادة التي في حديث أبي هريرة وفي حديث ابن عمر في الواشمة والمستَوشِمة، فأخرج
الطَّبَرِيُّ(٢) بسندٍ صحيح عن قيس بن أبي حازم قال: دَخَلتُ مع أَبي على أبي بكر الصِّدّيق،
(١) کذا قال، وجمهور رواة ((صحيح مسلم)) رووه بالراء.
(٢) في ((تهذيب الآثار - مسند عمر)) ص١١٤.

٢٤٤
باب ٨٢ / ح ٥٩٣٧-٥٩٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
فرأيتُ يد أسماء مَوشُومة، قال الطَّبَرَيُّ: كأنَّها كانت صَنَعَته قبل النَّهي، فاستَمرَّ في يدها،
٣٧٧/١٠ قال: ولا/ يُظنّ بها أنَّهَا فَعَلَته بعد النَّهي لُبُوتِ النَّهي عن ذلك. قلت: فيحتمل أنَّها لم تَسمعه، أو
كانت بيَدِها جِراحٌ فداوتها، فبَقِيَ الأثر مثلَ الوشم في يدها.
٥٩٣٧- حدَّثني محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا عُبيدُ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: «لَعَنَ اللهُ الواصلةَ والمستَوْصِلةَ، والواشمةَ
والمستَوْشِمةَ».
وقال نافعٌ: الوَشْمُ في اللَّثَةِ.
[أطرافه في: ٥٩٤٠، ٥٩٤٢، ٥٩٤٧]
٥٩٣٨- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، حدَّثْنَا عَمْرو بنُ مُرّةَ، سمعتُ سعيدَ بنَ المسيّبِ، قال:
قَدِمَ معاويةُ المدينةَ آخِرَ قَدْمةٍ قَدِمَها، فخَطَبَنَا، فأخرَجَ كُبًَّ من شَعَرٍ، قال: ما كنتُ أرَى أحداً
يَفْعَلُ هذا غيرَ اليهودِ، إِنَّ النبيَّ ◌َّهِ سَمّاه الزُّورَ، يعني: الواصلةَ في الشَّعَرِ.
الحديث الخامس: قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك، وعُبيد الله بالتَّصغير: هو ابن عمر
العُمريّ.
قوله: ((قال نافع: الوَشْم في اللِّثَة)) بكسر اللّام وتخفيف المثلَّثة: وهي ما على الأسنان من
اللَّحم. وقال الدَّاوُوديُّ: هو أن يعمل على الأسنان صُفرةً أو غيرها، كذا قال، ولم يُرِدْ نافع
الحضر في كون الوشم في اللُّثة، بل مرادُه أنَّه قد يقع فيها.
وفي هذه الأحاديث حُجّة لمن قال: يَجِرُم الوصلُ في الشَّعر والوشمُ والنَّمصُ على الفاعل
والمفعول به، وهي حُجّة على مَن حَمَلَ النَّهيَ فيه على النَّزيه، لأنَّ دلالة اللَّعن على التَّحريم من
أقوى الدّلالات، بل عند بعضهم أنَّه من علامات الكبيرة.
وفي حديث عائشة دلالة على بُطْلان ما رُوِيَ عنها: أنَّهَا رَخَّصَت في وصل الشَّعر بالشَّعرِ،
وقالت: إنَّ المراد بالواصلة المرأة تَفجُر في شبابها ثمَّ تَصِلُ ذلك بالقِيَادة، وقد رَدَّ ذلك الطََّرُّ
وأبطَلَه بما جاء عن عائشة في قصَّة المرأة المذكورة في الباب.

٢٤٥
باب ٨٣ / ح ٥٩٣٩
كتاب اللباس
وفي حديث معاوية طهارةُ شعر الآدَميّ لعَدَمِ الاستفصال، وإيقاعُ المنع على فِعْل
الوصل، لا على كَوْن الشَّعر نَجِساً، وفيه نظرٌ. وفيه جوازُ إبقاء الشَّعر وعَدَم وجوب دفنه.
وفيه قيام الإمام بالنَّهي على المِنِبَر، ولا سيَّما إذا رآه فاشياً فيُفشي إنكارَه تأكيداً ليُحَذَر منه.
وفيه إنذار مَن عَمِلَ المعصية بوقوع الهلاك بمَن فَعَلَها قبله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هِىَ مِنَ
الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]. وفيه جواز تَناوُل الشَّيء في الخُطبة ليراه مَن لم يكن رآه
للمَصلَحة الدِّينَيَّة. وفيه إباحةُ الحديث عن بني إسرائيل، وكذا غيرهم من الأمم، للتَّحذير
ممّا عَصَوْا فیه.
٨٣- باب المتنمِّصات
٥٩٣٩ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ،
قال: لَعَنَ عبدُ الله الواشماتِ، والمتنَمِّصاتِ، والمتفَلِّجاتِ للحُسْنِ، المغَيِّراتِ خلقَ الله، فقالت
أُّ يعقوبَ: ما هذا؟ قال عبدُ الله: وما لي لا ألعنُ مَن لَعَن رسولُ الله؟ وفي كتاب الله، قالت:
والله لقد قرأتُ ما بينَ اللَّوْحَينِ فما وَجَدْتُه، قال: والله لَئِن قرأتيهِ لقد وَجَدْتِيهِ: ﴿ وَمَآ ءَائَنْكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧].
قوله: ((باب المتنمِّصات)) جمع مُتَنمِّصة، وحكى ابن الجَوْزيّ: متمنِّصة بتقديم الميم على
النُّون، وهو مقلوب، والمتنمِّصة: التي تَطلُب النِّاص، والنامصة: التي تفعلُه، والنِّماص:
إزالةُ شعر الوجه بالِنقاش، ويُسَمَّى المِنقاشُ مِنماصاً لذلك، ويقال: إنَّ النِّاص يَخْتَصّ بإزالة
شعر الحاجبينِ لتَرقِينهما(١) أو تسويتهما، قال أبو داود في ((السُّنَن)) (٤١٧٠): النامصة: التي تَنْقُش
الحاجبَ حتَّى تُرِقَّه.
ذكر فيه حديث ابن مسعود الماضي في ((باب المتفَلِّجات)) (٥٩٣١).
قال الطَّرِيُّ: لا يجوز للمرأة تغييرُ شيء من خِلقَتها التي خَلَقَها الله عليها بزيادةٍ أو نقص
الْتماسَ الحُسن، لا للَّوج ولا لغيره، كمَن تكون مقرونةَ الحاجبينِ فتُزيل ما بينهما تُوهِم البَلَجْ
(١) في (س): لترفيعهما، والمثبت من الأصلين، والترقين: التزيين بالحنّاء أو الزعفران.

٢٤٦
باب ٨٤ / ح ٥٩٤٠- ٥٩٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
أو عكسه، ومَن تكون لها سِنّ زائدة فتَقلَعها، أو طويلة فتَقْطَع منها، أو لحية أو شارب أو عَنْفَقة
فتُزيلها بالنَّف، ومَن يكون شعرها قصيراً أو حقيراً فتُطوِّله، أو تُغْزِره بشَعرِ غيرها، فكلّ ذلك
داخل في النَّهي، وهو من تغيير خلق الله تعالى، قال: ويُستَئِنَى من ذلك ما يَحَصُل به الضَّرَر
والأذَّة، كمَن يكون لها سِنّ زائدة أو طويلة تُعِيقها في الأكل، أو إصبَع زائدة تُؤذيها أو تُؤلمها،
٣٧٨/١٠ فيجوز ذلك، والرجل في هذا الأخير كالمرأة،/ وقال النَّوويّ: يُستَثَنَى من النِّماص: ما إذا نَبَتَ
للمرأة لحية أو شارب أو عَنْفَقة، فلا يَجِرُمُ عليها إزالتها بل يُستَحَبّ.
قلت: وإطلاقه مُقيّد بإذنِ الَّوج وعِلْمِه، وإلّا فمَتَى خَلَا عن ذلك مُنِعَ للَّدليسِ، وقال
بعض الحنابلة: إن كان النَّمصُ أشهرَ شِعاراً للفواجِرِ امْتَنَعَ، وإلّا فُيُكرَه (١) تنزيهاً، وفي رواية:
يجوز بإذنِ الَّوج إلّا إن وَقَعَ به تدليس فيَحرُم، قالوا: ويجوز الحَفُّ والتَّحميرِ والنَّقش
والتطريف إذا كان بإذنِ الزَّوج لأنَّه من الزِّينة.
وقد أخرج الطَّبَريُّ من طريق أبي إسحاق عن امرأته: أنَّهَا دَخَلَت على عائشة وكانت شابّة
يُعجِبها الجمال، فقالت: المرأة تَحُفّ جَبينَها لزوجِها، فقالت: أَميطي عنكِ الأذَى ما استَطَعتِ.
وقال النَّوويّ: يجوز التّزُيُّن بما ذُكِرَ، إلّ الحَفّ، فإنَّه من جُملة النِّماص.
٨٤- باب الموصولة
٥٩٤٠- حذَّثني محمَّدٌ، حدثنا عَبْدُ، عن عُبیدِ الله، عن نافع، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما،
قال: لَعَنَ النبيُّنَّه الواصلةَ والمستَوصِلةَ، والواشمةَ والمستَوشِمةَ.
٥٩٤١- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حذَّثنا سفيانُ، حدَّثنا هشامٌ: أنَّه سمعَ فاطمةَ بنتَ المنذِرِ تقولُ:
سمعتُ أسماءَ قالت: سألَتِ امرأةٌ النبيَّ وَّهِ، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ ابنتي أصابتْها الحَصْبةُ،
فامَّرَقَ شَعَرُها، وإنّ زَوَّجْتُها، أفْصِلُ فيه؟ فقال: ((لَعَنَ اللهُ الواصلةَ والمَوْصولةَ)).
٥٩٤٢- حدَّثني يوسُفُ بنُ موسى، حدَّثنا الفَضْلُ بنُ دُكَينٍ، حدَّثْنا صَخْرُ بنُ جُوَيِرِيَةَ، عن
نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ رضي الله عنهما، سمعتُ النبيَّ نَّهِ- أو قال النبيُّ ◌َ -: ((لَعَنَ الهُ الواشمةَ
(١) تحرَّف في (س) إلى: فیکون.

٢٤٧
باب ٨٤ / ح ٥٩٤٣
كتاب اللباس
والمُوتَشِمَةَ، والواصلةَ والمُستَوصِلةَ)) يعني: لَعَنَّ النبيُّ ◌َِّ.
٥٩٤٣ - حذَّثني محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن
عَلْقمةَ، عن ابن مسعودٍ ﴾ قال: لَعَنَ اللهُ الواشماتِ، والمستَوْشِماتِ، والمتَمِّصاتِ، والمتفَلِّجَاتِ
للْحُسْنِ، المغيِّراتِ خلقَ الله، ما لي لا أَلَعن مَن لَعَنَه رسولُ الله ◌َّةِ، وهو في كتاب الله؟
قوله: ((باب المَوْصولة)) تقدَّمَت مباحثه قبلُ ببابٍ(١).
وذکر فیه ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث ابن عمر.
قوله: ((عَبْدة)) هو ابن سليمان، وعُبيد الله: هو ابن عمر العُمَريّ.
قوله: ((المستَوْصِلة)) هي التي تَطلُب وصلَ شعرها.
الثاني: حدیث أسماء بنت أبي بكر.
قوله: ((أصابتْها)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((أصابها)) بالتَّذكير على إرادة الحَبّ، والحَصْبة
بفتح الحاء المهمَلة وسكون الصّاد المهمَلة ويجوز فتحها وكسرها بعدها موحّدة: بَثَرات
حُمْرٌ تَخْرُج في الجِلد مُتَفَرِّقة، وهي نوع من الجُدَريّ.
قوله: ((اقَّرَقَ)) بتشديد الميم بعدها راء، وأصله: انمَرَقَ، بنونٍ فذهبَت في الإدغام، ووَقَعَ
في رواية الحَمُّوِيّ والكُشْمِيهنيّ بالزّاي بدلَ الرَّاء كما تقدَّمَ.
قوله: «حدّثني یوسف بن موسى، حدّثنا الفَضْل بن دُگین)» کذا للأكثر، وهو كذلك في رواية
النَّسَفيّ، وفي رواية المُستَمْلي: الفضل بن زُهَير، ولبعضٍ رواة الفِرَبْريِّ أيضاً: الفضل بن زُهَیر
أو الفضل بن دُكَين، وجَزَمَ مرَّة أُخرى بالفضل بن زُهَير، قال أبو عليّ الغسَّانيّ: هو الفضل ابن
دُكَين بن حَمَّاد/ بن زُهَير، فنُسِبَ مرَّة إلى جدِّ أبيه، وهو أبو نُعَيم شيخُ البخاريّ، وقد حدَّث عنه ٣٧٩/١٠
بالكثير بغير واسطة، وحدَّث هنا وفي مواضع أُخرى قليلة بواسطةٍ.
(١) في باب (٨٣): الوصل في الشّعر.

٢٤٨
باب ٨٥ / ح ٥٩٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((سمعتُ النبيَّ وََّ، أو قال: قال النبيّ وَ ﴿) شكٌّ من الراوي، وقد أخرجه أبو نُعَيم في
(المستخرَج)) من وجه آخر عن صخر بن جويرية بلفظ: قال النبيّ ◌َّ.
قوله: (لَعَنَ الله) ثمَّ قال في آخره: ((يعني: لَعَنَ النبيُّ وَّ)) لم يَتَّجِه لي هذا التَّفْسيِرُ إلّا إن
كان المراد: لَعَنَ الله على لسان نبيّه، أو لَعَنَ النبيّ وَّ للَعْنِ الله، وقد سَقَطَ الكلام الأخير
من بعض الرِّوايات، وسَقَطَ من بعضها لفظ: (لَعَنَ اللهُ) من أوَّله، وقد أخرجه الإسماعيليّ
من وجه آخر عن صخر بن جويرية بلفظ: لَعَنَ رسول الله ◌ِِّ، وكذا في أوَّل الباب، ويأتي
كذلك بعد بابٍ، وقد تقدَّم في آخر ((باب وصل الشَّعر)) (٥٩٣٧) بلفظ: ((لَعَنَ الله))، وكلُّها
من روایة مُبيد الله بن عمر عن نافع.
قوله: ((والمستَوصِلة)) في رواية النَّسائيِّ (ك٩٣٢٢) من طريق محمَّد بن بِشْر عن عُبيد الله
ابن عمر: ((المُوتَصِلة)) وهي بمعناها، وكذا في حديث أسماء: ((الموصولة))(١).
الحديث الثالث: حديث ابن مسعود.
قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك، وسفيان: هو الثَّوريّ. ولم يقع في هذه الرِّواية للواصلة ولا
للموصولة ذِكْر، وإنَّما أشارَ به إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه، وقد تقدَّم بيانه في ((باب المتفَلِّجات))(٢)،
وأنَّه صَرَّحَ بذِكْر الواصلة فيه في التَّفْسير، وعند أحمد (٣٩٤٥) والنَّسائيِّ (٥٠٩٨) من طريق
الحسن العُرَني (٣) عن يحيى بن الجزَّار عن مسروق: أنَّ امرأةً جاءت إلى ابن مسعود فقالت:
أُنْبِتُ أنَّك تَنهَى عن الواصلة، قال: نعم ... القصَّة بطولها، وفي آخره: سمعتُ رسول الله وَيه
يَنْهَى عن النامصة، والواشرة، والواصلة، والواشمة إلّا من أذّى.
٨٥- باب الواشمة
٥٩٤٤- حدَّثني يحيى، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعْمَرٍ، عن همَّام، عن أبي هريرةً﴾ قال: قال
رسولُ الله ◌َِّ: ((العَيْنُ حَقٌّ)) ونَهَى عن الوَشْمِ.
(١) هو ثاني أحاديث الباب.
(٢) باب رقم (٨١).
(٣) تحرَّف في (س) إلى: العوفي.

٢٤٩
باب ٨٦ / ح ٥٩٤٥-٥٩٤٦
كتاب اللباس
حذَّثني ابنُ بِشَارٍ، حدَّثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، حدَّثنا سفيانُ، قال: ذَكَرْتُ لعبدِ الرّحمنِ بنِ عابسٍ
حديثَ منصورٍ عن إبراهيمَ عن عَلْقمةَ عن عبدِ الله، فقال: سمعتُه من أمِّ يعقوبَ عن عبدِ الله،
مِثلَ حدیثِ منصورٍ.
٥٩٤٥- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَوْنِ بنِ أبي جُحَيفةَ، قال: رأيتُ أَبي، فقال:
إِنَّ النبيَّ ◌ََّهَى عِن ثَمَنِ اللَّهِ، وَثَمَنِ الكلبِ، وآكِلِ الرِّبا، ومُوكِلِهِ، والواشمةِ، والمستَوشِمَةِ.
قوله: ((باب الواشمة)) تقدَّم شرحه قريباً(١).
وذكر فيه أيضاً ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث أبي هريرة: ((العينُ حَقّ، ونَهَى عن الوَشْم))، وقد تقدَّم شرحه في أواخر كتاب
الطِّبّ (٥٧٤٠)، ويأتي في الباب الذي يليه عن أبي هريرة بلفظٍ آخر في الوشم.
الثاني: حديث ابن مسعود، أورَدَه مختصراً من وجهَينٍ، وقد تقدَّم بيانه في ((باب المتفلِّجات))
(٥٩٣١).
الحديث الثالث: حديث أبي جحيفة.
قوله: ((رأيت أَبي، فقال: إنَّ النبيّ ◌ََّ نَهَى)) كذا أورَدَه مختصَراً، وساقَه في البيوع (٢٢٣٨) تامّاً،
ولفظه: رأيتُ أبي اشتَرَى حَجّاماً فَكَسَرَ محاجِمه، فسألته عن ذلك ... فذكر الحديث کالذي هنا،
وزاد: ((وعن كَسْب الأَمة))، وسيأتي بأتمَّ من سياقه في ((باب مَن لَعَنَ المصَوِّر)) (٥٩٦٢).
٨٦ - باب المستوشِمة
٥٩٤٦ - حدَّثنا زُهَيرُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن عُمارةَ، عن أبي زُرْعَةَ، عن أبي هريرةَ
قال: أُتِيَ عمرُ بامرأةٍ تَشِمُ، فقامَ فقال: أنشُدُكم بالله مَن سمعَ منَ النبيِّ وَّهِ فِي الوَشْمِ؟ فقال
أبو هريرةَ: فقُمْتُ فقلتُ: يا أمِيرَ المؤمنينَ، أنا سمعتُ، قال: ما سمعتَ؟ قال: سمعتُ النبيَّ ◌ِكله
يقول: ((لا تَشِمْنَ ولا تَستَوشِمْنَ))
(١) في باب (٨١): المتفلجات للحُسْن.

٢٥٠
باب ٨٦ / ح ٥٩٤٧ - ٥٩٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
٥٩٤٧- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبيدِ الله، أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ
قال: لَعن النبيُّ وَّهِ الواصلةَ والمستَوصِلةَ، والواشمةَ والمستَوَشِمةَ.
٥٩٤٨- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن
عَلْقمةَ، عن عبدِ الله ﴾: لَعَنَ اللهُ الواشماتِ، والمستَوْشِماتِ، والمتَنَمِّصاتِ، والمتفلِّجاتِ للحُسْنِ
المغيِّراتِ خلقَ الله، مالي لا أَلَعِنُ مَن لَعَنَ رسولُ الله ◌َّةِ، وهو في كتاب الله؟
قوله: «باب المستوشِمة» ذکر فیه ثلاثة أحاديث:
٣٨٠/١٠
الأول: حديث أبي هريرة.
قوله: ((عن عُمارة)) هو ابن القعقاع بن شُبْرُمةً، وأبو زُرعة: هو ابن عَمْرو بن جَرِیر.
قوله: ((أنيَ عمرُ بامرأةٍ تَشِمُ)) قلت: لم تُسمَّ هذه المرأة.
قوله: ((أنشُدُكم بالله)) يحتمل أن يكون عمر سمعَ الَّجرَ عن ذلك، فأراد أن يَسْتَئِتَ
فيه، أو كان نَسِيَه فأراد أن يَتَذَكَّرِه، أو بَلَغَه ممّن لم يُصرِّح بسماعِه، فأراد أن يسمعه ممَّن سمعَه
من النبيّ ◌َّد.
قوله: ((فقال أبو هريرة)) هو موصول بالسَّنَد المذكور.
قوله: ((لا تَشِمْنَ)) بفتح أوَّله وكسر المعجَمة وسكون الميم ثمَّ نون: خِطابُ جمع المؤنَّث
بالنَّهي، وكذا: ((ولا تَستَوشِمنَ)) أي: لا تَطلُبُنَ ذلك، وهذا يُفسِّر قوله في الباب الذي قبله
(٥٩٤٤): نَهَى عن الوشم، وفائدة ذِكْر أبي هريرة قصَّةَ عمر إظهارُ ضبطه، وأنَّ عمر كان
يَستَشِته في الأحاديث مع تَشَدُّد عمر، ولو أنكَرَ عليه عمر ذلك لَنُقِلَ.
الحديث الثاني والحديث الثالث: عن ابن عمر وعن ابن مسعود، وقد تقدَّما (٥٩٣٧
و ٥٩٣١).
قال الخطَّبيُّ: إِنَّا وَرَدَ الوعيد الشَّديد في هذه الأشياء لما فيها من الغِشْ والخِداع، ولو رُخّصَ
في شيء منها لكان وسيلةً إلى استجازة غيرها من أنواع الغِشْ، ولما فيها من تغيير الخِلْقة، وإلى
ذلك الإشارة في حديث ابن مسعود بقوله: ((المغيِّرات خلقَ الله))، والله أعلم.

٢٥١
باب ٨٧ / ح ٥٩٤٩
كتاب اللباس
٨٧- باب التّصاوير
٥٩٤٩- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ،
عن ابنِ عبَّاسٍ، عن أبي طَلْحةَ رضي الله عنهم، قال: قال النبيُّ وَّ: ((لا تَدخُلُ الملائكةُ بيتاً فيه
گلبٌ ولا تصاویرُ)).
وقال اللَّيثُ: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني عُبيدُ الله، سمعَ ابنَ عَّاسٍ، سمعتُ
أبا طَلْحةَ، سمعتُ النبيَّ ◌ِلّ.
قوله: ((باب التَّصاوير)) جمع تصوير بمعنى: الصّورة، والمراد بيان حُكمِها من جهة مُباشَرة
صَنْعتها، ثمَّ من جهة استعمالها/ واتخاذها.
٣٨١/١٠
قوله: ((عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُنْبةَ)) أي: ابن مسعود.
قوله: ((عن أبي طَلْحة)) هو زيد بن سَهْل الأنصاريّ زوج أمّ سُلَيم والدة أنس.
قوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني يونس ... )) إلى آخره، وَصَلَه أبو نُعَيم في (المستخرَج)) من
طريق أبي صالح كاتب اللَّيث حدَّثنا اللَّيث، وفائدة هذا التَّعليق تصريح الزُّهْريِّ ابنِ
شهاب وتصريح شيخه عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ وكذا مَن فوقَهما بالتَّحديثِ في جمیع
الإسناد، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق عبد الله بن وهب عن يونس، وفيه التَّصريح
أيضاً، ووَقَعَ في رواية الأوزاعيِّ: عن الزُّهْريِّ عن عُبيد الله عن أبي طلحة، لم يَذْكُر ابنَ
عَبَّاس بينهما، ورَجَّحَ الدَّارَ قُطنيُّ روايةَ مَن أثبتَه، وقد أخرجه مالك في ((الموطَّأ)) (٢/ ٩٦٦)
عن أبي النَّضر عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ: أنَّه دَخَلَ على أبي طلحة يعوده، فذكر قصّة،
وفيها المتنُ المذكور، وزاد فيه استثناءَ الرَّقْم في الثَّوب، كما سيأتي البحث فيه، فلعلَّ
عُبيد الله سمعَه من ابن عبّاس عن أبي طلحة، ثمَّ لَقِيَ أبا طلحة لمَّا دَخَلَ يعوده فسمعه منه،
ويُؤيِّد ذلك زيادةُ القصّة في رواية أبي النَّضر.
لكن قال ابن عبد البَرِّ: الحديث لعُبيدِ الله عن ابن عبّاس عن أبي طلحة، فإنَّ عُبيد الله
لم يُدرِكْ أبا طلحة ولا سهلَ بن حُنَيَفٍ، كذا قال، وكأنَّ مُستَنَده في ذلك أنَّ سهل بن حُنَيَفٍ

٢٥٢
باب ٨٧ / ح ٥٩٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
ماتَ في خِلَافة عليٍّ وعبيدُ الله لم يُدرِك عليّاً، بل قال عليّ بن المَدِينيّ: إنَّه لم يُدرِك زيد بن
ثابت ولا رآه، وزيد ماتَ بعد سَهل بن حُنَيفٍ بمُدّةٍ، ولكن روى الحديثَ المذكور محمّد
ابن إسحاق عن أبي النَّضر فذكر القصَّة لعثمان بن حُنَيَفٍ، لا لسَهلِ، أخرجه الطبرانيُّ
(٤٧٣٢)، وعثمان تأخَّرَ بعد سهل بمُدّةٍ وكذلك أبو طلحة، فلا يَبعُد أن يكون عبيد الله
أدرَكَهما.
قوله: ((لا تَدخُلُ الملائكةُ)) ظاهره العُموم، وقيل: يُستَثنَى من ذلك الحَفَظة، فإنَّهم لا
يُفارِقونَ الشَّخص في كلّ حالة، وبذلك جَزَمَ ابن وَضّاح والخطَّابِيّ وآخرونَ، لكن قال
القُرطُبيّ: كذا قال بعض عُلَمائنا، والظّاهر العُموم، والمخَصِّص - يعني: الدَّالّ على كون
الحَفَظة لا يَمْتَنِعونَ من الدُّخول - ليس نَصّاً. قلت: ويُؤيِّده أنَّه من الجائز أن يُطلِعَهم الله
تعالى على عَمَل العبد، ويُسمِعَهم قوله وهم بباب الدَّار التي هو فيها مثلاً، ويُقابل القولَ
بالتَّعميمِ القولُ بتخصيصِ الملائكة بملائكة الوحي، وهو قول مَن اذَّعَی أنَّ ذلك كان من
خصائص النبيّ ◌َ ل﴿ كما سأذكره، وهو شاذٌ.
قوله: ((بيتاً فيه كلب)) المراد بالبيت: المكان الذي يَستَقِرّ فيه الشَّخص سواء كان بناءً أم
خيمةً أم غير ذلك. والظّاهر العمومُ في كلّ كلب لأنَّ نَكِرة في سياق النَّفي، وذهب
الخطَّبيُّ وطائفة إلى استثناء الكلاب التي أُذِنَ في اتّخاذها وهي كِلاب الصَّيد والماشية
والَّرع، وجَنَحَ القُرطُبيّ إلى ترجيح العُموم، وكذا قال النَّوويّ، واستُكِلَّ لذلك بقصَّة الجَرْو
التي تأتي الإشارة إليها في حديث ابن عمر بعد ستّة أبواب (٥٩٦٠)، قال: فامتَنَعَ جِبْرِيلُ
من دخول البيت الذي كان فيه مع ظُهور العُذْر فيه، قال: فلو كان العذر لا يَمنَعهم من
الدُّخول، لم يمتنع چِبْریل من الدُّخول، انتهى.
ويحتمل أن يقال: لا يَلزَم من التَّسوية بين ما عَلِم به أو لم يَعلَم فيما لم يُؤمَر بامُّحَاذِهِ، أن
يكون الحكمُ كذلك فيما أُذِنَ في اتّخاذه، قال القُرطُبيّ: واختُلِفَ في المعنى الذي في الكلب
حتَّى مَنَعَ الملائكةَ من دخول البيت الذي هو فيه، فقيل: لكونها نَجِسةَ العَين، ويَتأيّد ذلك

٢٥٣
باب ٨٧ / ح ٥٩٤٩
كتاب اللباس
بما وَرَدَ في بعض طرق الحديث عن عائشة عند مسلم: فأمَرَ بنَضح موضع الكلب(١)، وقيل:
لكونها من الشَّياطين، وقيل: لأجلِ النَّجاسة التي تتعلَّق بها، فإنّها تُكثِر أكل النَّجاسة وتَتَلَطَّخ
بها فيَنْجُس ما تَعلَّقَت به، وعلى هذا يَحمِلِ مَن لا يقول: إنَّ الكَلب نَجِسُ العین، نَضْحَ موضعه
احتياطاً؛ لأنَّ النَّضح مشروع لتطهير المشكوك فيه.
واختُلِفَ في المراد بالملائكة، فقيل: هو على العُموم، وأيَّدَه النَّوويّ بقصّة چِبْریل الآتي
ذِكْرها، وقيل: يُسَنَى الْحَفَظة، وأجابَ الأوَّل بجوازٍ أن لا يَدخُلوا مع استمرار الكتابة بأن
يكونوا على باب البيت، وقيل: المراد مَن نزلَ/ منهم بالرَّحمة، وقيل: مَن نزل بالوحي خاصّة ٣٨٢/١٠
كجِبْيل، وهذا نُقِلَ عن ابن وضّاح والدَّاوُوديّ وغيرهما، ويَلَزَم منه اختصاصُ النَّهي بعَهْد
النبيّ وَّه لأنَّ الوحي انقَطَعَ بعده وبانقطاعِه انقَطَعَ نزولهم، وقيل: التَّخصيص في الصِّفة، أي:
لا يَدخُله الملائكة دخوهم بیتَ مَن لا کلبَ فيه.
قوله: ((ولا تصاويرُ)) في رواية مَعمَر الماضية في بَدْء الخلق (٣٢٢٥) عن الزُّهْريِّ: ((ولا
صورة)). بالإفراد، وكذا في مُعظَم الرِّوايات، وفائدة إعادة حرف النَّفي: الاحترازُ من
تَوهُّم القصر في عَدَم الدُّخول على اجتماع الصِّنفَين، فلا يَمتَنِعِ الدُّخولُ مع وجود أحدهما،
فلمَّا أُعيدَ حرف النَّفي صارَ التَّقدير: ولا تَدخُل بيتاً فيه صورة. قال الخطَّبيُّ: والصُّورة
التي لا تَدخُل الملائكة البيتَ الذي هي فيه: ما يَحِرُم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصّور التي
فيها الرُّوحِ ممَّا لم يُقطَع رأسه أو لم يُمتَهَن، على ما سيأتي تقريره في ((باب ما وُطِئَ من
التَّصاوير)» بعد بابين، وتأتي الإشارة إلى تقوية ما ذهب إليه الخطّابيُّ في ((باب لا تَدخُل
الملائكة بيتاً فيه صورة))(٢).
وأغرَبَ ابنُ حِبّان، فادَّعَى أنَّ هذا الحُكم خاصّ بالنبيِّ وَِّ، قال: وهو نَظِير الحديث
الآخر: ((لا تَصحَبُ الملائكة رُفْقةً فيها جَرَس))(٣) قال: فإنَّه محمول على رُفقة فيها رسول الله وَّهِ،
(١) حديث عائشة في ((صحيح مسلم)) (٢١٠٤) ليس فيه قصة النضح، بل هي في حديث ميمونة عنده (٢١٠٥).
(٢) باب رقم (٩٣).
(٣) أخرجه مسلم (٢١١٣)، وابن حبان (٤٧٠٣) وغيرهما من حديث أبي هريرة.

٢٥٤
باب ٨٨ / ح ٥٩٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
إذ مُحالٌ أن يَخْرُج الحامُجُ والمعتمِر لقصدٍ بيت الله عزَّ وجلَّ على رواحل لا تصحَبُها الملائكة، وهم
وفدُ الله انتهى، وهو تأويل بعيد جدّاً لم أرَه لغيره، ويُزيل شُبهتَه أنَّ كونهم وفدَ الله لا يَمنَع أن
يُؤَاخَذوا بما يَرتَكِبونَه من خطيئة، فيجوز أن يُحرَموا بَرَكة الملائكة بعدم ◌ُالَطَتهم لهم إذا ارتَكَبوا
النَّهي واستَصحَبوا الجرس، وكذا القول فيمَن يَقْتَني الصّورة والكلب، والله أعلم.
وقد استُشكِلَ كَونُ الملائكة لا تَدخُل المكان الذي فيه التَّصاوير مع قوله سبحانه
وتعالى عند ذِكْر سليمان عليه السلام: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ,مَا يَشَآءُ مِن ◌َّحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣]
وقد قال مجاهد: كانت صوراً من نُحاسٍ، أخرجه الطّريّ، وقال قتادة: كانت من خشب
ومن زُجاج، أخرجه عبد الرَّزّاق. والجواب أنَّ ذلك كان جائزاً في تلك الشَّريعة وكانوا
يعملونَ أشكال الأنبياء والصالحينَ منهم على هيئتهم في العبادة ليَتَعبَّدوا کعِبادَتِهِم، وقد
قال أبو العالية: لم يكن ذلك في شريعتهم حَراماً، ثمَّ جاء شرعُنا بالنَّهي عنه، ويحتمل أن
يقال: إنَّ التَماثيل كانت على صورة النُّقوش لغير ذواتِ الأرواح، وإذا كان اللَّفْظُ مُحْتَمَلاً،
لم يَتَعيَّن الحملُ على المعنى المشكِل، وقد ثَبَتَ في ((الصحيحين))(١) حديثُ عائشة في قصّة
الكنيسة التي كانت بأرضِ الخَبَشة وما فيها من التَّصاوير، وأنَّه وَ لّه قال: ((كانوا إذا ماتَ
فيهم الرجل الصالح بَنَّوْا على قبره مسجداً، وصَوَّروا فيه تلك الصّورة، أولئكَ شِرارُ
الخلق عند الله))، فإنَّ ذلك يُشعِر بأنَّه لو كان ذلك جائزاً في ذلك الشَّرع، ما أَطلقَ عليه وَله
أنَّ الذي فَعَلَه شَرُّ الخلق، فدَلَّ على أنَّ فِعلَ صور الحيوان فِعِلٌ مُحدَث أحدَثَه عُبّاد الصّوَر، والله
أعلم.
٨٨ - باب عذاب المصوِّرين يوم القيامة
٥٩٥٠ - حَّنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن مسلم قال: كنّا معَ مسروقٍ في
دار يَسارِ بنِ نُمَير، فرَأى في صُفَّتِهِ تَمَاثِيلَ، فقال: سمعتُ عبدَ الله، قال: سمعتُ النبيَّ وَّ
يقول: ((إنَّ أَشَدَّ الناسِ عذاباً عندَ الله المصَوِّرونَ)).
(١) البخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨).

٢٥٥
باب ٨٨ / ح ٥٩٥٠
كتاب اللباس
٣٨٣/١٠
قوله: ((باب عذاب المصَوِّرينَ يوم القيامة)) أي: الذينَ يصنعونَ الصّورَ.
ذکر فیه حدیثین:
الأول: قوله: ((عن مُسلم)) هو ابن صُبَيح أبو الضُّحَى، وهو بكُنْتِه أشهرُ، وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ
أن يكون مسلم بن عِمران البَطِين، ثمَّ قال: إنَّه الظّاهر، وهو مردود فقد وَقَعَ في رواية
مسلم (٢١٠٩) في هذا الحديث من طريق وكيع عن الأعمَش: عن أبي الضُّحَى.
قوله: ((كنَّا مع مسروق)» هو ابن الأجدع.
قوله: ((في دار يَسَار بن نُمَير)) هو بتحتائيَّةٍ ومُهمَلة خفيفة، وأبوه بنونٍ مُصفَّر، ويَسارٌ
مَدَنّ سَكَنَ الكوفة وكان مولی عمر وخازِنَه، وله رواية عن عمر وعن غيره، وروى عنه
أبو وائل - وهو من أقرانه - وأبو بُرْدة بن أبي موسى(١) وأبو إسحاق السَّبيعيّ، وهو موثّق،
ولم أرَله في البخاريّ إلّ هذا الموضع.
قوله: ((فَرَأَى في صُفَّته)) بضمِّ المهمَلة وتشديد الفاء، في رواية منصور عن أبي الضُّحَى
عند مسلم (٢١٠٩): كنتُ مع مسروق في بيت فيه تماثيل، فقال لي مسروق: هذه تماثيل
كِسرَى، فقلت: لا هذه تماثيل مريم؛ كأنَّ مسروقاً ظنَّ أنَّ التَّصوير كان من مجوسيّ، وكانوا
يُصَوِّرونَ صورة ملوكهم حتَّى في الأواني، فظَهَرَ أنَّ التَّصوير كان من نَصرانيّ، لأنَّهم يُصَوِّرونَ
صورة مريم والمسيح وغيرهما ويَعبُدُونَها.
قوله: ((سمعتُ عبد الله)) هو ابن مسعود، وفي رواية منصور: فقال: أما إنّي سمعت
عبد الله ابن مسعود.
قوله: ((إنَّ أشَدَّ الناس عذاباً عند الله المصَوِّرونَ»(٢) وَقَعَ في رواية الحميديّ في ((مُسنَد)) (١١٧)
عن سفيان: ((يومَ القيامة)) بدلَ قوله: ((عند الله))، وكذا هو في ((مُسنَد ابن أبي عمر)) عن سفيان،
(١) كذا قال الحافظ هنا، والذي في ترجمة يسار بن نمير من ((تهذيب الكمال)) وغيره من كتب الرجال: أنّ
الذي روى عنه: هو سعید بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري.
(٢) كذا وقع في نسخة الحافظ من ((الصحيح)) التي شرح عليها، وفي عدة أصول معتمدة من ((الصحيح)):
((عند الله يوم القيامة المصوِّرون))، انظر ((إرشاد الساري)) للقسطلّاني ٤٨١/٨.
٥٠

٢٥٦
باب ٨٨ / ح ٥٩٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرجه الإسماعيليّ من طريقه، فلعلَّ الْحُميديَّ حدَّث به على الوجهَينِ بدليلٍ ما وَقَعَ في
التَّرجمة، أو لمَّا حدَّث به البخاريَّ حدَّث به بلفظ: ((عند الله))، والتَّرجمة مُطابقة للَّفْظِ الذي في
حديث ابن عمر ثاني حديثَي الباب، والمراد بقولِه: ((عند الله)): حكمُ الله.
ووَقَعَ عند مسلم (٢١٠٩) من طريق أبي معاوية عن الأعمش: ((إنَّ من أشدّ الناس))،
واختلفت نُسَخه، ففي بعضها: ((المصَوِّرينَ)) وهي للأكثر، وفي بعضها: ((المصَوِّرونَ)) وهي لأحمد
(٤٠٥٠) عن أبي معاوية أيضاً، ووُجِّهَت بأنَّ((مِن)) زائدة، واسم ((إنَّ) أشدّ، ووجَّهَها ابن مالك
على حذف ضمير الشَّأن، والنَّقدير: إنَّه من أشدّ الناس، إلى آخره.
وقد استُشكلَ كَونُ المصَوِّر أشدَّ الناس عذاباً مع قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُواْءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
اَلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، فإنَّه يقتضي أن يكون المصَوِّر أشدّ عذاباً من آل فِرِ عَون، وأجابَ الطََّرِيُّ:
بأنَّ المراد هنا: مَن يُصَوِّر ما يُعبَد من دون الله وهو عارفٌ بذلك قاصداً له، فإِنَّه يَكفُر بذلك، فلا
يَبَعُد أن يُدخَلِ مَدخَلَ آل فِرعَون، وأمَّا مَن لا يَقصِدُ ذلك فإنَّه يكون عاصياً بتصويره فقط.
وأجابَ غيره: بأنَّ الرّواية بإثبات ((مِن)) ثابتة وبحذفِها محمولة عليها، وإذا كان مَن
يفعل التَّصوير من أشدّ الناس عذاباً، كان مُشتَرِكاً مع غيره، وليس في الآية ما يقتضي اختصاصَ
آل فرعون بأشدّ العذاب، بل هم في العذاب الأشدّ، فکذلك غیرهم يجوز أن یکون في
العذاب الأشدّ، وقوَّى الطَّحَاويُّ ذلك بما أخرجه(١) من وجه آخر عن ابن مسعود رَفَعَه: ((إنَّ
أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبيّاً، أو قتله نبيّ، وإِمامُ ضلالة، وتُمثِّل من الممَثِّلِينَ))،
وكذا أخرجه أحمد (٣٨٦٨)، وقد وَقَعَ بعضُ هذه الزّيادة في رواية ابن أبي عمر التي أشرتُ
إليها، فاقتَصَرَ على المصوِّر وعلى مَن قتله نبيّ.
وأخرج الطَّحاويُّ أيضاً (٩) من حديث عائشة مرفوعاً: ((أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة
٣٨٤/١٠ رجل هَجَا رجلاً، فهَجَا القبيلة بأسرها))(٢)، قال الطَّحاويُّ: فكلُّ واحد/ من هؤلاءِ يَشتَرِك مع
(١) في ((شرح مشكل الآثار)) (٦)، وسنده حسن.
(٢) وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٣٧٦١) وابن حبان (٥٧٨٥) وغيرهما لكن بلفظ: ((إنَّ أعظم الناس فِرْية
رجلٌ ... )) وهذا هو المحفوظ، ولفظه عند الطحاوي شاذٍّ، والله تعالى أعلم.

٢٥٧
باب ٨٨ / ح ٥٩٥٠
كتاب اللباس
الآخر في شِدّة العذاب. وقال أبو الوليد بن رُشْد في ((مختصر مُشكِل الطَّحاويِّ)) ما حاصله: إنَّ
الوعيد بهذه الصّيغة إن وَرَدَ في حقّ كافر فلا إشكال فيه؛ لأنَّه يكون مُشتَرِكاً في ذلك مع آل
فِرِعَون، ويكون فيه دلالة على عِظَم كُفر المذكور، وإِن وَرَدَ في حقّ عاصٍ فيكون أشدَّ عذاباً من
غيره من العُصاة، ويكون ذلك دالًّا على عِظَم المعصية المذكورة.
وأجابَ القُرطُبيّ في ((المفهِم): بأنَّالناس الذينَ أُضيفَ إليهم (أشدّ)) لا يُراد بهم كلُّ الناس،
بل بعضهم وهم مَن يُشارك في المعنى المتوعَّد عليه بالعذاب، فِرعَون أشدُّ الناس الذينَ ادَّعَوُا
الإلهيّة عذاباً، ومَن يُقتَدَى به في ضلالة كفره، أشدُّ عذاباً ممَّن يُقتدى به في ضلالة فسقه، ومَن
صَوَّرَ صورة ذات روح للعبادة، أشدّ عذاباً مَّن يُصَوِّرها لا للعبادة.
واستُشكلَ ظاهر الحديث أيضاً بإبليسَ وبابنِ آدم الذي سَنَّ القتل، وأُجيبَ: بأنَّه في
إبليس واضح، ويُجاب: بأنَّ المراد بالناس مَن يُنسَب إلى آدم، وأمَّا في ابن آدم فأُجيبَ: بأنَّ
الثّابت في حَقّه أنَّ عليه مِثلَ أوزار مَن يَقتُل ظُلماً، ولا يَمتَنِع أن يشاركه في مِثل تعذيبه مَن
ابْتَدَأ الزّنى مثلاً، فإنَّ عليه مِثْلَ أوزار مَن يزني بعده لأنَّه أوَّل مَن سَنَّ ذلك، ولعلَّ عَدَدَ
الزُّناة أكثر من القاتلينَ.
قال النَّوويّ قال العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التَّحريم، وهو من الكبائر لأنَّه
مُتَوَعَّد عليه بهذا الوعيد الشَّديد، وسواءٌ صَنَعَه لما يُمْتَهَن أم لغيره، فصُنْعه حرام بكلِّ حال،
وسواء كان في ثوب أو بساط، أو دِرْهم أو دينار أو فَلْس، أو إناء أو حائط أو غيرها، فأمَّا تصويرُ
ما ليس فيه صورة حیوان، فليس بحرامٍ.
قلت: ويُؤْيِّد الثَّعميمَ فيما له ظِلّ وفيما لا ظِلّ له ما أخرجه أحمد (٦٥٧) من حديث
عليّ: أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((أَيْكُمْ يَنطَلِقِ إلى المدينة، فلا يَدَعُ بها وَثَناً إلّا كَسَرَه ولا صورة إلّا
لَطَّخَها)) أي: طَمَسَها ... الحديث(١)، وفيه: ((مَن عادَ إلى صَنْعة شيء من هذا، فقد كفرَ بما أُنزِلَ
على محمَّد)».
(١) إسناده ضعيف لجهالة راويه عن علي.

٢٥٨
باب ٨٨ / ح ٥٩٥١
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الخطّابُّ: إِنَّا عَظُمَت عقوبةُ المصَوِّر لأنَّ الصّورَ كانت تُعبَد من دون الله، ولأنَّ النَّظَر
إليها يَفْتِن، وبعض النُّفُوس إليها تميل، قال: والمراد بالصّورِ هنا: التَّماثيل التي لها روح. وقيل:
يُفْرَّق بين العذاب والعِقاب، فالعذاب يُطلَق على ما يُؤْلم من قول أو فعل كالعَتب والإنكار،
والعِقاب يَخْتَصّ بالفِعلِ، فلا يَلزَم من كَونِ المصوِّر أشدَّ الناس عذاباً أن يكون أشدَّ الناس
عُقوبة، هكذا ذكره الشّريف المرتَضَى في (الغُرَر))، وتُعقِّبَ بالآية المشار إليها وعليها انبَنَى
الإشكال، ولم يكن هو عَرَّجَ عليها، فلهذا ارتَضَى الَّعْرِقة، والله أعلم.
واستَدَلَّ به أبو عليٌّ الفارسيّ في ((التَّذكِرة)) على تكفير المشبِّهة، فحَمَلَ الحديثَ عليهم
وأنَّهم المراد بقوله: ((المصوِّرونَ))، أي: الذينَ يَعتَقِدونَ أنَّ لله صورة. وتُعقِّبَ بالحديث
الذي بعده في الباب بلفظ: ((إنَّ الذينَ يصنعونَ هذه الصّورة يُعذّبونَ))، وبحديثٍ عائشة
الآتي بعد بابينٍ (٥٩٥٧) بلفظ: ((إنَّ أصحاب هذه الصّور يُعذَّبونَ))، وغير ذلك، ولو سَلِمَ
له استدلالُه لم يَرِد عليه الإشكال المقدَّم ذِكْره.
وخَصَّ بعضهم الوعيدَ الشَّديد بمَن صَوَّرَ قاصداً أن يُضاهيَ، فإنَّه يصير بذلك
القصد كافراً، وسيأتي في ((باب ما وُطِئَ من التَّصاوير)) (٥٩٥٤) بلفظ: ((أشدّ الناس عذاباً
الذينَ يُضاهُونَ بخلقِ الله تعالى))، وأمَّا مَن عَدَاه فيَحرُم عليه ويأثَم، لكن إثمه دونَ إِثم
المضاهي. قلت: وأشدّ منه مَن يُصَوِّر ما يُعبَد من دون الله كما تقدَّمَ، وذكر القُرطُبيّ: أنَّ
أهل الجاهليَّة كانوا يعملونَ الأصنام من كلّ شيء، حتَّى إنَّ بعضهم عَمِلَ صنمه من عَجْوة،
ثمَّ جاعَ فأكَلَه.
الحديث الثاني:
٥٩٥١- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أنسُ بنُ عِيَاضٍ، عن عُبيدِ الله، عن نافع، أنَّ
عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما أخبَرَه، أنَّ رسولَ الله وَلِ قال: ((إِنَّ الَّذِينَ يَصْتَعونَ هذه الصُّوَرَ
يُعذّبونَ يومَ القيامةِ، يقال لهم: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ)).
[طرفه في: ٧٥٥٨]

٢٥٩
باب ٨٩ / ح ٥٩٥٢
كتاب اللباس
قوله: ((عن عُبيد الله)) هو ابن عمر العُمَريّ.
قوله: ((إنَّ الذينَ يَصْنَعونَ هذه الصّور يُعذَّبونَ يوم القيامة، يقال لهم: أَحيُّوا ما خَلَقْتُمْ) هو
أمرُ تعجيز، ويُستَفاد منه صِفَة تعذيب المصوِّر، وهو أن يُكلَّف نفخَ الرُّوح في الصّورة التي
صَوَّرَها، وهو لا يَقدِر على ذلك، فيَستَمِرْ تعذيبه، كما سيأتي تقريره في ((باب مَن صَوَّرَ صورة))
بعد أبواب(١).
٨٩ - باب نقض الصُّوَر
٥٩٥٢ - حدَّثنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن عِمْرانَ بنِ حِطّانَ، أنَّ عائشةَ
رضي الله عنها حدَّثتْه: أنَّ النبيَّ نَّه لم يكن يَترُكُ في بيتِهِ شيئاً فيه تَصاليبُ إلَّا نَقَضَه.
قوله: (باب نَقْضِ الصُّورَ)) بفتح النُّون وسكون القاف بعدها مُعجَمة، والصُّوَر بضمٌّ ٣٨٥/١٠
المهمَلة وفتح الواو: جمع صورة، وحُكَيَ سكون الواو في الجمع أيضاً.
ذکر فیه حدیثین:
الأول: قوله: ((هشام)) هو ابن أبي عبد الله الدَّستُوائيّ.
قوله: ((عن يحيى) هو ابن أبي كثير، وعِمران بن حِطّان تقدَّم ذِكْره في أوائل كتاب اللِّباس
(٥٨٣٥).
وفي قوله: ((أنَّ عائشة حدَّثته)) رَدُّ على ابن عبد البَرِّ في قوله: إنَّ عِمران لم يسمع من
عائشة، وقد أخرج أبو داود الطَّالسُّ في ((مُسنَده)) (١٦٥٠) من رواية صالح بن سَرْج عن
عِمران: سمعت عائشة، فذكر حديثاً آخر، وفي ((الطبراني الصَّغير)) (١٣٥) بسندٍ قويّ (٢)
من وجه آخر عن عمران: قالت لي عائشة، وتقدَّم في أوائل اللباس (٥٨٣٥) له حديث آخر فيه
التَّصریحُ بسؤاله عائشة.
قوله: ((لم يكن يَتُك في بيته شيئاً فيه تَصاليبُ)) جمع صَليب؛ كأنَّهم سَمَّوا ما كانت فيه صورة
(١) باب رقم (٩٦).
(٢) قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢٥٥/٥: فيه شيخه أحمد بن موسى السامي ولم أعرفه.

٢٦٠
باب ٨٩ / ح ٥٩٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
الصَّليب تَصليباً تسمية بالمصدر، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ: شيئاً فيه تصليب، وفي رواية
الكُشْمِيهنيِّ: ((تصاوير)) بَدَل: تصاليب، ورواية الجماعة أثبَتُ، فقد أخرجه النَّسائيُّ (ك٩٧٠٦)
من وجه آخر عن هشام فقال: تصاليب، وكذا أخرجه أبو داود (٤١٥١) من رواية أبان العَطّار
عن يحيى بن أبي كثير، وعلى هذا فيُحتاج إلى مطابقة الحديث للتَّرجمة، والذي يظهر أنَّه
اسْتَنْبَطَ من نَقضِ الصَّليب نَقضَ الصّورة التي تَشتَرِك مع الصَّليب في المعنى، وهو عِبادُهما
من دون الله، فیکون المراد بالصّورِ في الترجمة خُصوص ما یکون من ذوات الأرواح، بل
أخصّ من ذلك.
قوله: ((إلّا نَقَضَه)) كذا للأكثر، ووَقَعَ في رواية أبان: إلّا قَضَبَه، بتقديم القاف ثمَّ المعجَمة
ثمَّ الموحّدة، وكذا وَقَعَ في رواية عند ابن أبي شَيْبة عن يزيد بن هارون عن هشام، ورَجَّحَها
بعض شُرّاح ((المصابيح))، وعَكَسَه الطِّييُّ فقال: رواهُ البخاريّ أضبَطُ والاعتماد عليهم
أَولى. قلت: ويَترجَّح من حيثُ المعنى: أنَّ النَّقْض يُزيل الصّورة مع بقاء الثَّوب على حاله،
والقَضْب - وهو القطع - يُزيل صورة الثَّوب، قال ابن بَطّال: في هذا الحديث دلالة على أنَّه
وَل﴿ كان يَنقُض الصّورةَ سواء كانت ممَّا له ظِلّ أم لا، وسواء كانت ممَّا تُوطَأ أم لا، سواء في
الثّياب وفي الحيطان وفي الفُرُش والأوراق وغيرها.
قلت: وهذا مَبنيّ على ثُبُوت الرِّواية بلفظ ((تصاوير))، وأمَّا بلفظ ((تصاليب)) فلا، لأنَّ
في التَّصاليب معنَى زائداً على مُطلَق الصّور، لأنَّ الصَّليب ممَّا عُبِدَ من دون الله بخِلَاف
الصّوَر، فليس جميعها ممَّا عُبِدَ، فلا يكون فيه حُجّة على مَن فَرَّقَ في الصّور بين ما له روح
فمَنَعَه، وما لا روح فيه فلم يَمنَعْه كما سيأتي تفصيله. فإذا كان المراد بالنَّقْضِ الإزالة، دَخَلَ
٣٨٦/١٠ طَمسُها فيما لو كانت نَقشاً في الحائط،/ أو حَكُّها، أو لَطْخُها بما يُغيِّب هيئتها.
الحديث الثاني:
٥٩٥٣ - حدَّثنا موسى، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا عُمارةُ، حدَّثنا أبو زُرْعَةَ، قال: دَخَلْتُ معَ
أبي هريرةَ داراً بالمدينةِ، فَرَأَى أعلاها مُصوِّراً يُصَوِّرُ، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َ يقول: ((ومَنْ أظلَمُ