النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ باب ٦٥ / ح ٥٨٩٨ كتاب اللباس قوله: ((سَلّام)) هو بالتَّشديدِ اتَّفاقاً، وجَزَمَ أبو نصر الكَلَاباذيُّ بأنَّه ابن مِسْکین، وخالَفَه الجمهور فقالوا: هو ابن أبي مُطيع، وبذلك جَزَمَ أبو عليّ بن السَّكَن وأبو عليِّ الجيّاني، ووَقَعَ التَّصريحُ به في هذا الحديث عند ابن ماجَهْ (٣٦٢٣) من رواية يونس بن محمَّد: عن سَلّام بن أبي مُطيع، وقد أخرجه ابن أبي خَيْئمةَ عن موسى شيخ البخاريّ فيه فقال: حدَّثنا سلام بن أبي مطيع. قوله: ((مخضوباً) زاد يونس: بالحِنّاءِ والكَتَم، وكذا لابنٍ أبي خَيْئمةَ، وكذا لأحمد عن عفَّانَ (٢٦٧٣٧) وعبد الرَّحمن بن مَهديّ (٢٦٥٣٩) كلاهما عن سَلّام، وله (٢٦٥٣٥) من طريق أبي معاوية - وهو شَيْبان بن عبد الرَّحمن -: شَعراً أحمر مخضوباً بالحِنّاءِ والكَتَم، وللإسماعيليِّ من طريق أبي إسحاق عن عثمان المذكور: كان مع أمّ سَلَمة من شعر لحية النبيّ وَ﴿ فيه أثرُ الحِنّاء والكَتَم، والحِنّاء معروف، والكَتَم بفتح الكاف والمثنّة سيأتي تفسيره بعد هذا، قال الإسماعيليّ: ليس / فيه بيان أنَّ النبيَّ ◌َ ل﴿ هو الذي خَضَبَ، بل يحتمل ٣٥٤/١٠ أن يكون احمرَّ بعده لما خالَطَه من طِيب فيه صُفْرة، فغَلَبَت به الصُّفرة، قال: فإن كان كذلك وإلّا فحديث أنس: ((أنَّ النبيَّ وَلِّ لم يَخْضِبْ)) أصحّ؛ كذا قال، والذي أبداه احتمالاً قد تقدَّم معناه موصولاً إلى أنس في (باب صِفَة النبيّ ◌َِ)) (٣٥٤٧) وأنَّ جَزَمَ بأنَّه إنَّما احمرَّ من الطِّيب. قلت: وكثير من الشُّعور التي تنفصل عن الجسد إذا طالَ العهدُ يؤُولَ سوادها إلى الحُمرة، وما جَنَحَ إليه من التَّرجيحِ خِلَافُ مَا جَمَعَ به الطَّبَريّ، وحاصله: أَنَّ مَن جَزَمَ أنَّه خَضَبَ - كما في ظاهر حديث أمّ سَلَمة، وكما في حديث ابن عمر الماضي قريباً (٥٨٥١): أنَّه وَِّ خَضَبَ بالصُّفرة - حكى ما شاهَدَه، وكان ذلك في بعض الأحيان، ومَن نَفَی ذلك کأنسٍ، فهو محمول على الأكثرِ الأغلب من حاله، وقد أخرج مسلم (٢٣٤٤) وأحمد (٢٠٨٠٧) والتِّرمِذيّ (٣٦٤٤) والنَّسائيُّ (٥١١٤) من حديث جابر بن سَمُرة قال: ما كان في رأس النبيّ ◌َله ولحيته من الشَّيب إلّا شَعَرات كان إذا دَهَنَ واراهُنَّ الدُّهنُ، فيحتمل أن يكون الذين أثبتوا الخضابَ شاهدوا الشَّعرَ الأبيض، ثمَّ لمَّ واراه الدُّهنُ ظنُّوا أنَّه خَضَبَهِ، والله أعلم. ٢٠٢ باب ٦٦ / ح ٥٨٩٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال أبو نُعَيم)) كذا لأبي ذرٍّ، وصَرَّحَ غيره بوصلِه فقال: قال لنا أبو نُعَيم. قوله: ((نُصَير)) بنونٍ مُصغَّر: ابن أبي الأشعَث، ويقال: الأشعَثُ اسمه، وليس لنُصَيرٍ في البخاريّ سوى هذا الموضع. ٦٦ - باب الخِضَاب ٥٨٩٩- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثْنَا الزُّهْرِيُّ، عن أبي سَلَمَةَ وسليمانَ بنِ يَسَارٍ، عن أبي هريرةَ هُ، قال النبيُّ وَلَ: ((إنَّ اليهود والنَّصارَى لا يَصْبُغونَ، فخالِفُوهم)). قوله: ((باب الخضاب)) أي: تغيير لون شيب الرَّأس واللّحية. قوله: ((عن أبي سَلَمة وسليمان بن يَسار)) كذا جَمَعَ بينهما، وتابَعَه الأوزاعيُّ عن الزُّهْريِّ أخرجه النَّسائيُّ (٥٠٧٢)، ورواه صالح بن كَيْسانَ ويونس ومَعمَر عن الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمة وحده، وقد مضت رواية صالح في أحاديث الأنبياء (٣٤٦٢)، ورواية الآخرَينِ عند النَّسائيِّ (٥٠٦٩و٥٠٧٠) عن أبي هريرة، في رواية إسحاق بن راهويه عن سفيان بسندِه: أنَّهما سمعا أبا هريرة، أخرجه النَّسائيُّ (٥٢٤١). قوله: ((إنَّ اليهود والنَّصارَى لا يَصْبُغونَ، فخالِفوهم)) هكذا أُطلِقَ، ولأحمد (٢٢٢٨٣) بسندٍ حسن عن أبي أمامةَ قال: خَرَجَ رسول اللهِ له على مَشيخة من الأنصار بِيضٌ لحاهم، فقال: ((يا مَعشَر الأنصار، حمِّروا وصَفِّروا وخالفوا أهل الكتاب))، وأخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (١٤٢) نحوه من حديث أنس، وفي ((الكبير)) (٣١٦/١٧) من حديث عُتبةَ بن عبدٍ: كان رسول الله وَل﴿ يأمر بتغيير الشَّعر ◌ُخالَفةً للأعاجِمِ. وقد تَسَّكَ به مَن أجازَ الخِضابَ بالسَّوادِ، وقد تقدَّمَت في ((باب ذِكْر بني إسرائيل)) من أحاديث الأنبياء مسألة استثناء الخَضْب بالسَّوادِ لحديثَي جابر وابن عبّاس(١)، وأنَّ من العلماء مَن رَخَّصَ فيه في الجهاد، ومنهم مَن رَخَّصَ فيه مُطلَقاً وأنَّ الأَولى كراهتُهُ، وَجَنَحَ النَّوويّ إلى أنَّه كراهةُ تحريم، وقد رَخَّصَ فيه طائفة من السَّلَف منهم سعد بن أبي وقّاص وعُقْبة بن عامر (١) ذكر هما الحافظ في شرح حديث أبي هريرة السالف برقم (٣٤٦٢). ٢٠٣ باب ٦٦ / ح ٥٨٩٩ كتاب اللباس والحسن والحسين وجَرِیر وغیر واحد، واختاره ابن أبي عاصم في ((كتاب الخضاب)) له، وأجابَ عن حديث ابن عبّاس رَفَعَه: (يكون قوم يَخْضِبونَ بالسَّوادِ، لا يَجِدونَ ريح الجنَّة))(١) بأنَّه لا دلالةَ فيه على كراهة الخِضاب بالسَّوادِ، بل فيه الإخبار عن قوم هذه صِفَتُهم، وعن حديث جابر: ((جَنِبُوه السَّواد)) بأنَّه في / حقّ مَن صارَ شيبُ رأسه مُستَشَعاً ولا يُطرَد ذلك في ٣٥٥/١٠ حقِّ كلٍّ أحد، انتھی. وما قاله خِلَافُ ما يَتَبَادَر من سياق الحديثَينِ، نعم يشهدُ له ما أخرجه هو عن ابن شهاب قال: كنَّا نَخْضِب بالسَّوادِ إذ كان الوجه جديداً، فلمّا نَغَضَ الوجهُ والأسنان تَرَكناه، وقد أخرج الطبرانيُّ(٢) وابن أبي عاصم من حديث أبي الدَّرداء رَفَعَه: ((مَن خَضَبَ بالسَّوادِ سَوَّدَ الله وجهه يوم القيامة)) وسنده ليِّ، ومنهم مَن فَرَّقَ في ذلك بين الرجل والمرأة فأجازَه لها دونَ الرجل، واختارَه الْحَلِيمَيّ، وأمَّا خَضْب اليدَينِ والرِّجلَينِ فلا يجوز للرّجال إلّا في النَّداوي. وقوله: ((فخالفوهم)) في رواية مسلم: ((فخالِفوا عليهم واصبُغُوا))(٣)، وللنَّسائيِّ (٥٠٧٣) من حديث ابن عمر رَفَعَه: ((غَيِّروا الشَّيب، ولا تَشَبَّهوا باليهودِ)) ورجاله ثقات، لكنِ اختُلِفَ على هشام بن عُرْوة فيه كما بيَّنْه النَّسائيُّ، وقال: إنَّه غير محفوظ، وأخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (١٢٣٠) من حديث عائشة وزاد: ((والنَّصارَى)) (٤)، ولأصحاب ((السُّنَن))(٥) وصَحَّحَه الثِّرمِذيّ من حديث أبي ذرِّ رَفَعَه: ((إنَّ أحسن ما غَيَّتُم به الشَّيبَ الِحِنّاءُ والكَتَم))، وهذا يحتمل أن يكون على التَّعاقُب ويحتمل الجمع، وقد أخرج مسلم (٢٣٤١/ ١٠٣) من حديث أنس قال: اختَضَبَ أبو بكر بالحِنّاءِ والكَتَم، واختَضَبَ عمر بالحِنّاءِ بَحْتاً؛ وقوله: بَحْتاً، (١) وأخرجه أحمد (٢٤٧٠)، وأبو داود (٤٢١٢)، والنسائي (٥٠٧٥)، وسنده صحيح. (٢) ليس موجوداً في المطبوع منه، ورواه أيضاً ابن عدي في ((الكامل)) ٢٢٢/٣. (٣) لفظه في ((صحيح مسلم)) (٢١٠٣) كالبخاري، وهذا اللفظ إنما هو للنسائي (٥٠٧١). (٤) وهو أحد أوجه الاختلافات على هشام بن عروة، والراوي عنه فيه يحيى بن أبي زكريا الغساني، وهو ضعیف کثیر المخالفة. (٥) أبو داود (٤٢٠٥)، وابن ماجه (٣٦٢٢)، والترمذي (١٧٥٣)، والنسائي (٥٠٧٧). ٢٠٤ باب ٦٦ / ح ٥٨٩٩ فتح الباري بشرح البخاري بموحّدة مفتوحة ومُهمَلة ساكنة بعدها مُثنّاة، أي: صِرفاً، وهذا يُشعِر بأنَّ أبا بكر كان يجمع بينهما دائماً، والكَتَم: نباتٌ باليمن يُخْرِج الصِّبغ أسودَ يَمِيل إلى الحُمْرة، وصِبغ الحِنّاء أحمر، فالصِّبغ بهما معاً يَخْرُج بين السَّواد والحُمرة. واستَنْبَطَ ابن أبي عاصم من قوله وَّهِ: ((جَنِّوه السَّواد)» أنَّ الخضاب بالسَّوادِ کان من عادتهم، وذكر ابن الكَلْبيّ: أنَّ أوَّل مَن اختَضَبَ بالسَّوادِ من العرب عبد المطَّلِب، وأمّا مُطلَقاً فِفِرِعَون. وقد اختُلِفَ في الْخَضْب وتركه، فخَضَبَ أبو بكر وعمر وغيرهما كما تقدَّمَ، وتَرَكَ الخِضابَ عليٍّ وأبيّ بن كعب وسَلَمة بن الأكوع وأنس وجماعة، وَمَعَ الطَّبَرِيُّ بأنَّ مَن صَبَغَ منهم كان اللّائقَ به كمَن يُستَشنَعِ شَيْبُه، ومَن تَرَكَ كان اللّائقَ به کمَن لا يُستَشنَعِ شَيبُهُ، وعلى ذلك ◌ُملَ قوله ◌ِوَ ﴿ في حديث جابر الذي أخرجه مسلم (٢١٠٢) في قصَّة أبي قُحَافة حيثُ قال ◌َ﴿ لمَّا رأى رأسه كأنَّه الثَّعامة بياضاً: ((غَيِّروا هذا وجَنِّبوه السَّواد))، ومثله حديث أنس الذي تقدَّمَتِ الإشارة إليه أوَّل ((باب ما يُذكَر في الشَّيب))(١)، وزاد الطََّرِيُّ(٢) وابن أبي عاصم من وجه آخر عن جابر: ((فذهبوا به فحَمَّروه)، والثّغَامة بضمِّ المثلَّة(٣) وتخفيف المعجَمة: نبات شديد البياض زَهْرِه وثَمَره، قال: فمَن كان في مِثل حال أبي قُحَافة استُحِبَّ له الخِضاب، لأنَّه لا يَحَصُل به الغُرور لأحدٍ، ومَن كان بخِلَافه فلا يُستَحَبّ في حَقّه، ولكنَّ الِخِضاب مُطلَقاً أَولى لأنَّ فيه امتثال الأمر في ◌ُخالَفة أهل الكتاب، وفيه صيانة الشَّعر عن تَعلُّق الغُبار وغيره به، إلّا إن كان من عادة أهل البلد تركُ الصَّبغ، وأنَّ الذي يَنْفَرِد دونهم بذلك يصير في مقام الشُّهرة، فالتَّرك في حَقّه أَولى. ونَقَلَ الطََّرِيُّ بعد أن أورَدَ حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه رَفَعَه (٨١٢) بلفظ: (١) باب رقم (٦٥). (٢) في ((تهذيب الآثار - قسم مسند الزبير)) (٩٠٣) و(٩٠٤). (٣) كذا وقع في أصولنا، فإن كان هكذا قاله الحافظ رحمه الله، فهو ذهولٌ منه، والصواب: بفتح المثلَّة، هكذا ضبطه أهل اللغة ولم يذكروا له وجهاً آخر. ٢٠٥ باب ٦٧ / ح ٥٩٠٠ -٥٩٠١ كتاب اللباس ((مَن شابَ شَيْبة فهي له نور إلّا أن يَنْتِفَها أو يَخْضِبها))، وحديث ابن مسعود (٨١٣): إنّ النبيّ وَّ كان يَكرَه خِصالاً، فذكر منها تغيير الشَّيب(١)، أنَّ بعضهم ذهب إلى أنَّ هذه الكراهة نُسِخت(٢) بحديث الباب، ثمَّ ذكر الجمع وقال: دعوى النَّسخ لا دليل عليها. قلت: وجَنَحَ إلى النَّسْخ الطَّحَاوِيُّ وَتَمَسَّكَ بالحديث الآتي قريباً (٥٩١٧): أَنَّه كان ◌َلَ يُحِبّ مُوافَقة أهل الکتاب فیما لم ینزِل علیه، ثمّ صارَ مجالفهم ويحُثّ على مُالَفَتهم، کما سيأتي تقريره في ((باب الفَرْق)) إن شاء الله تعالى. وحديث عَمْرو بن شُعَيب المشار إليه أخرجه التِّرمِذيّ (٢٨٢١) وحَسَّنَه، ولم أرَ في شيء من طرقه الاستثناء المذكور، فالله أعلم. قال ابن العربيّ: وإنَّما نَهَى عن النََّف دونَ الحَضْب؛ لأنَّ فيه تغيير الخِلقة من أصلها، بخِلَاف الخضب فإنَّه لا يُغيِّر الخِلقةَ على الناظر إليه، والله أعلم. وقد نُقِلَ عن أحمد: أنَّه يَجِبُ، وعنه: يجب ولو مرَّةً، وعنه: لا أُحِبّ لأحدٍ / تركَ الخَضْب ويَتَشَبَّه بأهلِ الكتاب، وفي السَّواد ٣٥٦/١٠ عنه - كالشافعيَّة - روايتان: المشهورة: يُكرَه، وقيل: يَحِرُم، ويَتأكَّد المنعُ لمن دَلَّسَ به. ٦٧ - باب الجَعْد ٥٩٠٠- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكُ بنُّ أنسٍ، عن رَبِيعةَ بنِ أبي عبدِ الَّحمنِ، عن أنسِ بنِ مالكِ ، أَنَّه سمعَه يقول: كان رسولُ اللهِ وَلِّ ليس بالطَّوِيلِ البائنِ ولا بالقَصِيرِ، وليس بالأبيضِ الأمهَقِ وليس بالآدَمِ، وليس بالجَعْدِ القَطَطِ ولا بالسَّبِطِ، بَعَثَه الله على رأسِ أربعينَ سَنَةً، فأقامَ بمكَّةَ عَشْرَ سنينَ وبالمدينةِ عَشْرَ سنينَ، وتَوَفّاه اللهُ على رأسٍ سِتِّنَ سَنةً، وليس في رأسِه ولحيته عِشْرونَ شَعَرةً بيضاءَ. ٥٩٠١ - حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، سمعتُ البراءَ يقول: ما رأيتُ أحداً أحسنَ في حُلّةٍ حمراءَ منَ النبيِّ ◌َِّ. قال بعضُ أصحابي، عن مالكٍ: إنَّ جُمَّتَهَ لَتَضْرِبُ قريباً من مُنْكِیه. (١) وأخرجه أيضاً أحمد (٣٦٠٥)، وأبو داود (٤٢٢٢)، والنسائي (٥٠٨٨)، وإسناده ضعيف. (٢) تصحفت في (أ) و(س) إلى: تستحب، والتصويب من (ع). ٢٠٦ باب ٦٧ / ح ٥٩٠٢ فتح الباري بشرح البخاري قال أبو إسحاقَ: سمعتُهُ يُحدِّثُه غيرَ مرَّةٍ، ما حدَّثَ بهِ قَطُّ إِلَّ ضَحِكَ. قال شُعْبةُ: شَعَرُه يَبلُغُ شَخْمَةَ أُذُنِهِ. ٥٩٠٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: «أُراني اللَّيلةَ عندَ الكَعْبةِ، فرأيتُ رجلاً آدمَ كأحسنِ ما أنتَ راءِ من أُدْمِ الرّجال، له لِمَّةٌ كأحسنٍ ما أنتَ راءٍ منَ اللُّمَمِ قد رَجَّلَها، فهي تَقْطُرُ ماءً، مُتَّكِثاً على رَجُلَيْنِ - أو على عَواتِقِ رجلَيْنِ - يَطُوفُ بالبيتِ، فسألتُ: مَن هذا؟ فِقِيلَ: المسيحُ ابنُ مريمَ، وإذا أنا برجلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ، أعوَرِ العينِ الْيُمنَى، كأنَّهَا عِنَبَةٌ طافيةٌ، فسألتُ: مَن هذا؟ فِقِيلَ: المسيحُ الدَّجّالُ». قوله: ((باب الجَعْد)) هو صِفَة الشَّعر، يقال: شَعرٌ جَعْدٌ، بفتح الجيم وسكون المهمَلة وبكسرها. ٣٥٧/١٠ ذکر فیه سبعة أحاديث: الحديث الأول: حديث أنس في صِفَة النبيّ وَل﴿، وقد تقدَّم شرحه في المناقب (٣٥٤٧)، والمقصود منه هنا: قوله: ((وليس بالجَعْدِ القَطَط، ولا بالسَّبطِ)) أي: أنَّ شعرَه كان بين الجُعودة والسُّبوطة، وقد تقدَّم بيانُ ذلك في المناقب، وأنَّ الشَّعر الجَعْد: هو الذي يَتَجَعَّد كشُعورِ السُّودان، وأنَّ السَّبط: هو الذي يَستَرسِل فلا يَتَكَسَّر منه شيء كشُعورِ الهنود، والقَطَط، بفتح الطاء : البالغ في الْجُعودة بحيثُ يَتَفَلفَل. وقوله: ((وليس في لحيته عِشرونَ شَعرةً بيضاء)) تقدَّم في المناقب بيانُ الاختلاف في تعيين العَدَد المذكور، وثمّاً لم يَتقدَّم هناك أنَّ في حديث الهيثم بن دَهْر عند الطبراني: ثلاثونَ شعرة عَدَداً، وسنده ضعيف(١)، والمعتمد ما تقدَّم: أنَّهُنَّ دونَ العشرينَ. الحديث الثاني: حديث البراء. قوله: ((حدَّثنا مالك بن إسماعيل)) هو أبو غسّان النَّهْديّ. (١) وأخرجه أيضاً ابن سعد في ((الطبقات)) ٣٤٣/١. ٢٠٧ باب ٦٧ / ح ٥٩٠٢ كتاب اللباس قوله: ((قال بعض أصحابي، عن مالك» هو ابن إسماعيل المذكور. قوله: ((إنَّ جُمَّته)) بضمِّ الجيم وتشديد الميم، أي: شعر رأسه إذا تدلَّ إلى قُرب المنكِبِينِ. قال الجَوْهريّ في حرف الواو: والوَفْرة: الشعر إلى شحمة الأُذُن، ثمَّ الجُمّة، ثمَّ اللِّمّة: إذا أَلَمَّتَ بالمنكِيَينِ. وقد خالَفَ هذا في حرف الجيم، فقال: إذا بَلَغَتِ المنكِبَينِ فهي جُّ، واللِّمّة: إذا جاوَزَت شَحْم الأُذُن. وتقدَّم نَظيره في ترجمة عيسى من أحاديث الأنبياء في شرح حديث/ ٣٥٨/١٠ ابن عمر (٣٤٣٨)، قال شيخنا في ((شرح التُّرمِذيّ)): كلام الجَوْهريّ الثّاني هو الموافق لكلام أهل اللُّغة. وجَعَ ابن بَطّال بين اللَّفْظَينِ المختَلِفَينِ في الحديث: بأنَّ ذلك إخبار عن وقتَين، فكان إذا غَفَلَ عن تقصيره بَلَغَ قريبَ المنكِبَينِ، وإذا قصَّه لم يُجَاوِزِ الأُذُنِينِ. وَمَعَ غيرُه: بأنَّ الثّاني كان إذا اعتَمَرَ يُقَصِّر، والأوَّل في غير تلك الحالة، وفيه بُعْد. ثمَّ هذا الجمع إنَّما يَصلُح لو اختَلَفَتِ الأحاديث، وأمَّا هنا فاللَّفظان وَرَدَا في حديث واحد مُتَّحِدِ المخرَج، وهما من رواية أبي إسحاق عن البراء، فالأَولى في الجمع بينهما الحملُ على المقارَبة، وقد وَقَعَ في حديث أنس الآتي قريباً (٥٩٠٣) کما وَقَعَ في حديث البراء. قوله: (لَتَضْرِبُ قريباً من مَنكِبَيَه)) في رواية شُعْبة المعلّقة عَقِبَ هذا: شعره يَبلُغ شَخْمة أُذُنِيه، وقد تقدَّم في المناقب (٣٥٥١): أنَّ في رواية يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق ما يجمع بين الرِّوايتَينِ ولفظه: له شعر يَبلُغ شحمة أُذُنيه إلى مَنكِيَيه وحاصله أنَّ الطَّويل منه يَصِل إلى المنكِبَينِ، وغيره إلى شحمة الأذن، والمراد ببعضِ أصحابه الذي أبهَمَه يعقوبُ بن سفيان، فإنَّه كذلك أخرجه عن مالك بن إسماعيل بهذا السَّنَد وفيه الزّيادة. قوله: ((قال شُعْبة: شَعرُه يَبلُغ شَخْمة أُذُنيه)) كذا لأبي ذرٍّ والنَّسَفيّ، ولغيرهما: تابَعَه شُعْبة: شعره ... إلى آخره، وقد وَصَلَه المؤلِّف رحمه الله في (باب صِفَة النبيّ ◌َلَ)) (٣٥٥١) من طريق شُعْبة عن أبي إسحاق عن البراء، وشَرَحَه الكِرْمانيُّ على رواية الأكثر، وأشار إلى أنَّ البخاريّ لم يَذكُر شيخ شُعْبة، قال: فيحتمل أنَّه أبو إسحاق لأنَّه شيخه. ٢٠٨ باب ٦٧ / ح ٥٩٠٣ -٥٩٠٧ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الثالث: حديث ابن عمر في صِفَة عيسى ابن مريم، وفيه: «له لِمّة كأحسن ما أنتَ راءٍ من اللِّمَم))، وفي صِفَة الدَّجّال: ((وأنَّه جَعْد قَطَطُ))، وقد تقدَّم شرحه في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٠). وغَلِطَ مَن استَدَلَّ بهذا الحديث على أنَّ الدَّجّال يَدخُل المدينة أو مَّة، إذ لا يَلزَمُ من كَونِ النبيّ ◌َ ◌ّ رآه في المنام بمكَّة أنَّ دَخَلَها حقيقة، ولو سُلِّمَ أنَّه رآه في زمانه وَِّ بِمَّة، فلا يَلزَمِ أن يَدخُلَها بعد ذلك إذا خَرَجَ في آخر الزمان، وقد استدلَّ ابنُ صَيّاد أنَّه ما هو الدَّجّالَ بكَونِهِ سَكَنَ المدينة(١)، ومع ذلك فكان عمر وجابر تَحِلِفان على أنَّه هو الدَّجّال، كما سيأتي في آخر الفتن(٢). ٥٩٠٣ - حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا حَبّانُ، حدَّثْنَا هَّامٌ، حدَّثْنَا قَتَادةُ، حدَّثنا أنسُ: أنَّ النبيَّ ◌ِله كان يَضرِبُ شَعَرُه مَنْكِبَيْهِ. [طرفه في: ٥٩٠٤] ٥٩٠٤- حدَّثنا موسى بنُّ إسماعيلَ، حدَّثنا همَّمٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ: كان يَضرِبُ شَعَرُ النبيِّ ◌َّ مَنْكِبَيْه. ٥٩٠٥ - حذَّثني عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِير، قال: حدَّثني أَبي، عن قَتَادةَ، قال: سألتُ أنسَ بنَ مالكِ ﴾ عن شَعَرِ رسولِ الله وَ﴿، فقال: كان شَعرُ رسولِ الله ◌ُێ﴿ رَچِلاً، ليس بالسَّبِطِ ولا الجَعْدِ، بِينَ أُذُنیه وعاتِقِه. [طرفه في: ٥٩٠٦] ٥٩٠٦- حدَّثنا مسلمٌ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ قال: كان النبيُّ نَّالِ ضَخْمَ اليَدَينِ، لم أرَ بعدَه مِثْلَه، وكان شَعَرُ النبيِّ ◌ِ ﴿ رَجِلاً، لا جَعْدَ ولا سَبِطَ. ٥٩٠٧ - حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثْنَا جَرِيرُ بنُ حازم، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ﴾ قال: كان النبيُّ ◌َله (١) وقع هذا في حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم برقم (٢٩٢٧). (٢) ثم أحال في الفتن على كتاب الاعتصام، فهناك حديث جابر برقم (٧٣٥٥). ٠٠ ٢٠٩ باب ٦٧ / ح ٥٩٠٨-٥٩١٢ كتاب اللباس ضَخْمَ الرأسِ والقَدَمَينِ (١)، حسنَ الوَجْه، لم أرَ بعدَه ولا قبلَه مِثْلَه، وكان بَسِطَ الكَفَّيْنِ. [أطرافه في: ٥٩٠٨، ٥٩١٠، ٥٩١١] ٥٩٠٨، ٥٩٠٩- حدَّثني عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا معاذُ بنُ هانئ، حدَّثْنَا هَامٌ، حدَّثْنَا قَتَادُ، عن أنسِ بنِ مالكِ، أو عن رجل عن أبي هريرةَ، قال: كان النبيُّ نَّهِ ضَخْمَ القَكَمَينِ، حسنَ الوَجْه، لم أرَ بعدَه مِثلَه. ٥٩١٠ - وقال هشامٌ: عن مَعْمَرٍ، عن فَتَادةَ، عن أنسٍ: كان النبيُّ ◌َلِّشَشْنَ القَدَمَينِ والكَفَّينِ. ٥٩١١، ٥٩١٢ - وقال أبو هلالٍ: حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ أو جابرِ بنِ عبدِ الله: كان النبيُّ وَّل ضَخْمَ الكَفَّيْنِ والقَدَمَينِ، لم أرَ بعدَه شَبَهاً له. الحديث الرابع: حديث أنس، أورَدَه من عِدّة طرق عن قَتَادة عنه، ووَقَعَ في الرِّواية الأولى: يَضرِب شَعرُه مَنكِبَيه، وفي الثّانية: كان شعره بين أُذُنیه وعاتقه، والجواب عنه كالجواب في حديث البراء سواءٌ. وقد أخرج مسلم (٩٦/٢٣٣٨) وأبو داود (٤١٨٦) من رواية إسماعيل ابن عُليَّة عن مُميدٍ عن أنس: كان شَعْر النبيّ ◌َ لَه إلى أنصاف أُذُنیه، ووَقَعَ عند أبي داود (٤١٨٧) وابن ماجَهْ (٣٦٣٥) وصَحَّحَه التِّرمِذيّ (١٧٥٥) من طريق ابن(٣) أبي الزِّناد عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة: كان شَعرُ النبيّ ◌َّ فوق الوَفْرة ودون الجُمّة، لفظ أبي داود، ولفظ ابن ماجَهْ بنحوِه، ولفظ التِّرمِذيّ عكسه: فوق الجُمّة ودون الوَفْرة، وَجَمَعَ بينهما شيخنا في ((شرح الثِّرمِذيّ)): بأنَّ المراد بقوله: ((فوق)) و(دون)) بالنّسبة إلى المحَلّ، وتارةً بالنّسبة إلى الكَثْرة والقِلّة، فقوله: ((فوق الجمّة)) أي: أرفَعُ في المحَلّ، وقوله: ((دونَ الجمّة)) أي: في القَدْر، وكذا بالعكس، وهو جمع جيِّد لولا أنَّ تَخَرَج الحديث مُتَّحِد. وإسحاق في السَّنَد الأوَّل: هو ابن راهويه، وحَبّان بفتح المهمَلة وتشديد الموحّدة: هو ابن هلال. (١) هكذا في رواية أبي ذر الهروي، وهي التي شرح عليها الحافظ ابن حجر، وعند غيره من رواة ((الصحيح)): ضخم اليدين والقدمين. (٢) لفظ: ((ابن)) سقط من (س). ٢١٠ باب ٦٧ / ح ٥٩١٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله في رواية جرير بن حازم: «كان شَعرُ النبيّ ◌َّ رَجِلاً)) بفتح الرَّاء وکسر الجيم، وقد تُضَمّ وتُفتَح، أي: فيه تكشُّر يسير، يقال: رَجَّل شَعرَه: إذا مَشَطَه، فكان بين السُّبوطة والجُعودة، وقد فَسَّرَه الراوي كذلك في بقيّة الحديث. ثُمَّ أورده من طريق أُخرى عن جَرِير - وهو ابن حازم - أيضاً، زاد فيها: كان ضخمَ اليدَينِ، وفي ثالثة: كان ضَخْمَ الرَّأس والقَدَمَينِ، ولم يَذْكُر ما في الرِّوايتَيْنِ الأُولَيَينِ من صِفَة الشَّعر، وزاد: لم أرَ قبله ولا بعده مِثْلَه، قال: وكان سَبِطَ الكَفَّيْنِ، ثمَّ أورَدَه من طريق معاذ ابن هانئ عن همَّام بسندٍ نحوه، لكن قال: ((عن قَتَادة عن أنس، أو عن رجل عن أبي هريرة» ٣٥٩/١٠ وهذه الزّيادة لا تأثير/ لها في صِحّة الحديث، لأنَّ الذينَ جَزَموا بكَونِ الحديث عن قَتَادة عن أنس، أضبَطُ وأتقَنُ من معاذ بن هانئ، وهم حَبّان بن هلال وموسى بن إسماعيل كما هنا، وكذا جَرِير بن حازم كما مضى، ومَعمَر كما سيأتي، حيثُ جَزَما به عن قَتَادة عن أنس، ويحتمل أن یکون عند قَتَادة من الوجهین. والرجل المبهَم يحتمل أن يكون هو سعيد بن المسيّب، فقد أخرج ابن سعد (٤١٤/١-٤١٥) من روايته عن أبي هريرة نحوه، وقَتَادة معروف بالرِّواية عن سعيد بن المسيّب، وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أن يكون الحديث من مُسنَد أبي هريرة، وإِنَّا وَقَعَ التردُّدُ في الراوي: هل هو أنس أو رجل مُبهَم؟ ثمَّ رَجَّحَ كَونَ التردُّد في کَونِه من مُسنَد أنس أو من مُسنَد أبي هريرة بأنَّ أنساً خادِمُ النبيّ ◌َّهِ، وهو أعرَفُ بوصفِه من غيره، فَبَعُدَ أن يروي عن رجل عن صحابيّ آخر هو أقلُّ مُلازَمةً له منه. انتهى، وكلامه الأخير لا يحتمله السّياق أصلاً، وإنَّما الاحتمال البعيد ما ذكر أوَّلاً، والحقّ أنَّ التردُّد فيه من معاذ بن هانئ: هل حدثه به هَمَّام عن قَتَادة عن أنس، أو عن قَتَادة عن رجل عن أبي هريرة؟ وبهذا جَزَمَ أبو مسعود والحُميديّ والمزِيُّ وغيرهم من الحُفّاظ(١). (١) لكن لم ينفرد معاذ بن هانئ عن همام بالتردد، بل تابعه عبدُ الصمد بن عبد الوارث عن همام عند أحمد في (مسنده)) (١٢٢٦٦)، ورواه شعبة عن قتادة عند أحمد أيضاً (١٠٠٥٣) فقال: سمعتُ رجلاً قال: سمعتُ أبا هريرة، من غير تردُّد، وعليه فيكون الترددُ إِمَّا من همّام، وإمَّا من قتادة نفسه، فتنبَّه. ٢١١ باب ٦٧ / ح ٥٩١٢ كتاب اللباس قوله: ((وقال هشام)) هو ابن يوسف (عن مَعْمَر، عن قَتَادة، عن أنس: كان النبيّ ◌َّهِ شَغْنَ الكَفَّينِ والقَدَمَينِ)) هذا التَّعليق وَصَلَه الإسماعيليّ من طريق عليّ بن بَحْر عن هشام بن يوسف به سواء(١)، وكذا أخرجه يعقوب بن سفيان(٢) عن مَهديّ بن أبي مَهديّ عن هشام ابن يوسف. وقوله: ((شَثْن)) بفتح المعجَمة وسكون المثلَّثة ويكسرها بعدها نون، أي: غليظ الأصابع والرَّاحة، قال ابن بَطّال: كانت كَفَّه وَِّ مُمَلِئة لحماً، غير أنَّها مع ضخامتها كانت ليِّنَةً كما تقدَّم في حديث أنس؛ يعني الذي مضى في المناقب (٣٥٦١): ((ما مَسِستُ حريراً أليَنَ من كَفّهِ وَّ))، قال: وأمَّا قول الأصمَعيّ: الشَّئن: غِلَظ الكَفّ مع خُشونَتها، فلم يُوافَق على تفسيره بالخُشونة، والذي فَسَّرَه به الخليل وأبو عبيدة أَوْلِى، ويُؤْيِّده قوله في الرّواية الأُخرى: ضَخم الكَفَّيْنِ والقَدَمَينِ. قال ابن بَطّال: وعلى تقدير تسليم ما فَسَّرَ الأصمَعيُّ به الشَّئن، يحتمل أن يكون أنس وَصَفَ حالتَ كَفِّ النبيّ ◌َِّ، فكان إذا عَمِلَ بكَفِّه في الجهاد أو في مَهْنة أهله صارَ كَفُّه خَشِناً للعارضِ المذكور، وإذا تَرَكَ ذلك رَجَعَ كَفّه إلى أصل جِبِلَّته من النُّعومة، والله أعلم. وقال عِيَاض: فَسَّرَ أبو عُبيد الشَّئْنَ بالغِلَظِ مع القِصَرِ، وتُعقِّبَ بأَنَّه ثَبَتَ في وصفه وَلِ: أنَّه كان سائلَ الأطراف(٣). قلت: ويُؤيِّده قوله في رواية أبي النُّعمان في الباب: ((كان بَسِطَ الكَفَّينِ))، ووَقَعَ هنا في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((سَبِطِ الكَفَّينِ)) بتقديم المهمَلة على الموحّدة، وهو موافق لوصفِها باللِّينِ، قال عِيَاض: وفي رواية المروزيِّ: ((سَبِط أو بَسِط)) بالشكِّ. والتَّحقيق في الشَّئن: أنَّه الغِلَظ من غير قيدِ قِصَر ولا خُشونة، وقد نَقَلَ ابن خالويه: أنَّ الأصمَعَيّ لمَّا فَسَّرَ الشَّئن بما مضى قيل له: إنَّه وَرَدَ في صِفَة النبيّ ◌َّهِ، فَلَى على نفسه أنَّه لا يُفسِّر (١) وصله أيضاً البيهقي في ((الدلائل)) ١/ ٢٤٣ من طریق یحیی بن معین، عن هشام بن یوسف، عن معمر، به. (٢) ومن طريق يعقوب بن سفيان أخرجه البيهقي أيضاً ١/ ٢٤٣. (٣) رُوي هذا في حديث هند بن أبي هالة الطويل في وصف النبي وَّ﴾، أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) (٧) وغيره، وسنده ضعيف. وسائل الأطراف، أي: ممتدُّ الأصابع. ٢١٢ باب ٦٧ / ح ٥٩١٢ فتح الباري بشرح البخاري شيئاً في الحديث. انتهى، ومَجَيء (شَئن الكَفَّينِ)) بَدَل ((سَبِطِ الكَفَّينِ)) أو ((بَسِط الكَفَّينِ)) قال: دالٌ على أنَّ المراد وصف الخِلقة، وأمَّا مَن فَسَّرَه بَسطِ العطاء فإنَّه وإن كان الواقع كذلك، لكن ليس مُراداً هنا. قوله: ((وقال أبو هلال: أنبأَنَا قَتَادة، عن أنس أو جابر: كان النبيّ ◌َّ ضَخْمَ الكَفَّيْنِ والقَدَمَينِ، لم أرَ بعدَه شَبَهاً له)) هذا التَّعليقِ وَصَلَه البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٢٤٤/١)، ووَقَعَ لنا بعُلوٍّ في ((فوائد العِيسويّ))، كلاهما من طريق أبي سَلَمة موسى بن إسماعيل التَّبوذَكيِّ حدَّثنا أبو هلال به، وأبو هلال: اسمه محمَّد بن سُلَيم الرَّاسِبِيّ، بكسر المهمَلة والموخَّدة، بصريّ صَدُوق، وقد ضُعِّفَ من قِبَلِ حفظه فلا تأثیر لشَگه أيضاً، وقد بيّنت إحدى روايات جَرِیر بن حازم صِحّة الحديث بتصريح قَتَادة بسماعِه له من أنس، وكأنَّ المصنّف أراد بسياق هذه الطُّرق بيانَ الاختلاف فيه على قَتَادة، وأنَّه لا تأثير له ولا يَقدَحُ في صِحّة الحديث، وخَفِيَ مُراده على بعض الناس فقال: هذه الرِّوايات الواردة في صِفَة الكَفَّينِ والقدمَينِ لا تَعلَّقَ لها بالتَّرجمة، ٣٦٠/١٠ وجوابه: أنَّها/ كلّها حديث واحد اختَلَفَت رواتُه بالزيادة فيه والنَّقص، والمراد منه بالأصالة: صِفَةُ الشَّعر، وما عَدَا ذلك فهو تَبَعٌّ، والله أعلم. وما دَلَّ عليه الحديثُ من كَوْن شعرِهِ وَ ل﴿ كان إلى قُرْب مَنكِبَيه كان غالبَ أحواله، وكان رُبَّما طالَ حتَّى يصير ذُؤابة ويَتَّخِذ منه عقائصَ وضَفائرَ كما أخرج أبو داود (٤١٩١) والتِّرمِذيّ (١٧٨١) بسندٍ حسن من حديث أمّ هانئ قالت: قَدِمَ رسول الله ◌َّټ مگَّة وله أربعُ غَدائر، وفي لفظ: أربع ضَفائر، وفي رواية ابنٍ ماجَه (٣٦٣١): أربع غَدائر، يعني ضَفائر؛ والغَدائرُ بالغَينِ المعجَمة: جمع غَدِيرة بوزنِ عَظيمة، والضَّفائر بوزنِه. فالغَدائر: هي الذَّوائب، والضَّفائر: هي العقائص، فحاصل الخبر أنَّ شعرَه طالَ حتَّى صارَ ذوائبَ، فضَفَّرَه أربع عقائص، وهذا محمول على الحال التي يَبْعُد عَهْده بتَعَهُّدِه شَعرَه فيها، وهي حالة الشُّغل بالسَّفَر ونحوه، والله أعلم. وقد أخرج أبو داود (٤١٩٠) والنَّسائيُّ (٥٠٥٢) وابن ماجَهْ (٣٦٣٦) وصَخَّحَه(١) من (١) لم يقع هذا التصحيح في نسخنا من ((سنن ابن ماجه))! ٢١٣ باب ٦٨ / ح ٥٩١٣-٥٩١٦ كتاب اللباس رواية عاصم بن كُلَيب عن أبيه عن وائل بن حُجرٍ قال: أتيتُ النبيَّ وَلّ ولي شعر طويل، فقال: (ذُباب ذُباب))، فرجعتُ فجَزَزْتُه، ثمَّ أتيت من الغَد، فقال: ((إنّي لم أعنِكَ، وهذا أحسنُ)). الحديث الخامس والحديث السادس: عن أبي هريرة وعن جابر: ذُكِرا تَبَعاً لحديثٍ أنس كما تقدَّمَ. ٥٩١٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثني ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن مجاهدٍ قال: كثَّا عندَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، فذَكَروا الدَّجّالَ، فقال: إنَّه مكتوبٌ بينَ عَينَيَه: كافرٌ، وقال ابنُ عبّاسٍ: لم أسمَعْه قال ذاكَ، ولكنَّه قال: ((أمَّا إبراهيمُ فانظُرُوا إلى صاحبِكُم، وأمَّا موسى فرجلٌ آدَمُ جَعْدٌ، على جملٍ أحمرَ مخطومٍ بِخُلْبةٍ، كأنِّي أَنظُرُ إليه إِذِ انحَدَرَ في الوادي يُلِّي)). الحديث السابع: حديث ابن عبّاس في ذِكْر إبراهيم وموسى عليهما السَّلام، وقد تقدَّم شرحه في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٥). والغرضُ منه قوله فيه: ((وأمَّا موسى، فرجلٌ آدمُ - بالمدِّ - جَعْد)) الحديث. والمراد بقولِهِ وَ ل﴾: ((صاحبكُم)): نفسُه وَله. ٦٨ - باب التّلبید ٥٩١٤- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالم بنُ عبدِ الله، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ قال: سمعتُ عمرَ ﴾ يقول: مَن ضَفَّرَ فَلْيَحْلِقْ، ولا تَشَبَّهوا بالتَّلْسِدِ. وكان ابنُّ عمرَ يقول: لقد رأيتُ رسولَ الله ◌َِّ مُلِّداً. ٥٩١٥- حدَّثني حِبّانُ بنُ موسى وأحمدُ بنُ محمَّدٍ، قالا: أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَ ﴿ يُهِلُّ مُلِّداً يقول: (لَّكَ اللهِمَّ لَبِّكَ، لَبَّكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبِّكَ، إنَّ الحمدَ والنِّعْمَةَ لكَ والمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لكَ)) لا يزيدُ على هؤلاءِ الكلماتِ. ٥٩١٦- حذَّثني إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ، عن حفصةَ ٢١٤ باب ٦٩ / ح ٥٩١٧ فتح الباري بشرح البخاري رضي الله عنها زوج النبيِّ وَّ قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، ما شأنُ الناسِ حَلُّوا بعُمْرةٍ، ولم تَحِلِلْ أنتَ من عُمْرَتِكَ؟ قال: ((إنّ لَبَّدْتُ رأسي، وقَلَّدْتُ هَدْيِي، فلا أَحِلُّ حتَّى أنخَرَ)). قوله: (باب التَّلْبيد)) هو جمع الشَّعر في الرَّأس بما يُلزِق بعضه ببعضٍ كالخِطْمَيّ والصَّمغ، لئلَّا يَتَشَعَّث ويَقمَل في الإحرام، وقد تقدَّم بَسطُه في الحجّ (١٥٤٠). قوله: ((سمعت عمر يقول: مَن ضَفَّرَ)) بفتح المعجَمة والفاء مُنَّفاً ومُثقَلاً. قوله: ((فلْيَحْلِقْ ولا تَشَبَّهوا بالتَّلْبيدِ)) يعني في الحجّ «وكان ابنُ عمر يقول: لقد رأيتُ رسول الله ◌َ﴿ مُلِّداً)) كذا في هذه الرّواية، وتقدَّم في أوائل الحجّ (١٥٤٠) بلفظ: ((سمعت رسول الله يُهِلّ مُلِّداً))، كما في الرّواية التي تَلي هذه في الباب، وأمَّا قول عمر فحَمَلَه ابن بَطّال على أنَّ المراد: إن أراد الإحرامَ فضَفَّرَ شعرَه لَيَمنَعه من الشَّعَث، لم يَجُزُ له أن يُقَصِّر، ٣٦١/١٠ لأنَّه / فعل ما يُشبِه التَّلبيد الذي أوجَبَ الشّارعُ فيه الحلق، وكان عمر يرى أنَّ مَن لَبَّدَ رأسه في الإحرام تَعيَّنَ عليه الحلقُّ في النُّسُك ولا يُجِزِئه التَّقصير، فشَبَّهَ مَن ضَفَّرَ رأسه بمَن لَبَّدَه، فلذلك أمَرَ مَن ضَفَّرَ أن يَحِلِقِ. ويحتمل أن يكون عمر أراد الأمرَ بالحلقِ عند الإحرام، حتَّى لا يحتاج إلى التَّلبيد ولا إلى الضَّفْرِ، أي: مَن أراد أن يُضَفِّر أو يُلَبِّد فليَحلِقِ، فهو أَولى من أن يُضَفِّر أو يُلَبِّد، ثمَّ إذا أراد بعد ذلك التَّقصير لم يَصِلْ إلى الأخذ من سائر النَّواحي كما هي السُّنّة. وأمَّا قوله: ((لا تَشَبَّهوا)) فحكى ابنِ بَطّال أنَّه بفتح أوَّله، والأصل: لا تَتَشَبَّهوا، فخُذِفَت إحدَى التاءَين، قال: ويجوز ضَمُّ أوَّله وكسر الموحّدة، والأوَّل أظهَر. وأمَّا قول ابن عمر فظاهره أنَّه فَهِمَ عن أبيه: أنَّه كان يرى أنَّ ترك التَّلبيد أولى، فأخبر هو أنَّه رأى النبيَّ ◌َل﴿ يفعله. وتقدَّم شرح التَّلبيد وحكمه في كتاب الحجّ، وكذا حديث ابن عمر في التلبيد، وحديث حفصة: ((إنَّ لَبَّدتُ رأسي وقَلَّدتُ هَذْبِي)) الحديث (١٥٦٦). ٦٩ - باب الفَرْق ٥٩١٧- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله ٢١٥ باب ٦٩ / ح ٥٩١٧ كتاب اللباس ابن عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان النبيُّ ◌َِّ يُحِبُّ مُوافَقَةَ أهلِ الكتاب فيما لم يُؤْمَرْ فيه، وكان أهلُ الكتاب يَسْدِلونَ أشعارَهم، وكان المشركونَ يَفْرُقونَ رؤوسَهم، فسَدَلَ النبيُّ وَِّنَاصِيَتَه، ثمَّ فَرَقَ بَعْدُ. قوله: ((باب الفَرْق)) بفتح الفاء وسكون الرَّاء بعدها قاف، أي: فَرْق شعر الرَّأس، وهو قِسمتُه في المَفرِق وهو وَسَطُ الرّأس، يقال: فَرَقَ شعرَه فرْقاً - بالسُّكون - وأصله من الفَرْق بين الشَّيئين، والمَفرِق: مكان انقسام الشَّعر من الجبين إلى دارَةِ وسط الرَّأس، وهو بفتح الميم وبكسرها، وكذلك الرَّاء تُكسَر وتُفتَح. ذکر فیه حدیثین: الأول: قوله: ((عن ابن عبّاس)) كذا وَصَلَه إبراهيم بن سعد ويونس، وقد تقدَّم في الهجرة (٣٩٤٤) وغيرها، واختُلِفَ على مَعمَر في وصله وإرساله، قال عبد الرَّزّاق في «مُصنَّفَه)) (٢٠٥١٨): ((أخبَرنا مَعمَر عن الزُّهْريِّ عن عُبيد الله: لمَّا قَدِمَ رسول الله عَليه المدينةَ ... فذكره مُرسَلاً، وكذا أرسَلَه مالك، حيثُ أخرجه في ((الموطأ)) (٩٤٨/٢) عن زياد بن سعد عن الزُّهْريِّ، ولم یذكُر مَن فوقه. قوله: ((كان يُحِبّ مُوافَقة أهل الكتاب فيما لم يُؤْمَر فيه)) في رواية مَعمَر: وكان إذا شَكَّ في أمر لم يُؤمَر فيه بشيءٍ، صَنَعَ ما يصنع أهلُ الكتاب. قوله: ((وكان أهلُ الكتاب يَسْدِلونَ أشعارَهم)) بسكون السِّين وكسر الدَّال المهمَلتَين، أي: یُرسِلونَها. قوله: ((وكان المشركونَ يَفْرُقونَ)) هو بسكون الفاء وضمِّ الرَّاء وقد شَدَّدَها بعضهم، حكاه عِيَاض، قال: والتَّخفيف أشهر، وكذا في قوله: ((ثمَّ فَرَقَ)) الأشهر فيه التَّخفيف، وكأنَّ السّ في ذلك أنَّ أهل الأوثان أبعَدُ عن الإيمان من أهل الكتاب، ولأنَّ أهل الكتاب يَتَمسَّكونَ بشَريعةٍ في الجملة، فكان يُحِبّ مُوافَقَتهم ليَتَألَّفهم، ولو أدَّت مُوافَقتهم إلى مُخالَفة أهل الأوثان، فلمَّا أسلَمَ أهل الأوثان الذينَ معه والذينَ حوله، واستمرَّ أهل الكتاب على ٢١٦ باب ٦٩ / ح ٥٩١٧ فتح الباري بشرح البخاري ٣٦٢/١٠ كفرهم،/ تَخَّضَت المخالَفة لأهلِ الكتاب. قوله: ((ثمَّ فَرَقَ بَعْدُ)) في رواية مَعمَر: ثمَّ أُمِر بالفَرْقِ، فَفَرَقَ، وكان الفرقُ آخر الأمرَين. ومَّا يُشْبِهِ الفَرقَ والسَّدلَ: صَبْغُ الشَّعر وتركه كما تقدَّمَ، ومنها صوم عاشوراء، ثمَّ أمر بنوع مُخالَفة لهم فيه بصوم يوم قبله أو بعده، ومنها استقبال القِبْلة، ومُخالَفتهم في مُخَالَطة الحائض حتَّى قال: ((اصنَعوا كلَّ شيء إلّا الجماع))، فقالوا: ما يَدَعُ من أمرنا شيئاً إلّا خالَفَنا فيه (١)، وقد تقدَّم بيانه في كتاب الحيض(٢)، وهذا الذي استَقَرَّ عليه الأمر. ومنها فيما يَظْهِرُ لي النَّهيُ عن صوم يوم السَّبت، وقد جاء ذلك من طرق متعدِّدة في النَّسائيِّ (ك٢٧٧٢ -٢٧٨٤) وغيره، وصَرَّحَ أبو داود (٢٤٢١) بأنَّه منسوخ، وناسخُه حديث أمّ سَلَمة: أنَّه وَلِ كان يصوم يوم السَّبت والأحد يَتَحرَّى ذلك، ويقول: ((إنَّما يوما عيدِ الكفَّار، وأنا أُحِبّ أن أُخالفهم))، وفي لفظ: ما ماتَ رسول الله وَّهِ حَتَّى كان أكثر صيامه السَّبت والأحد، أخرجه أحمد (٢٦٧٥٠) والنَّسائيُّ (ك٢٧٨٩)، وأشارَ بقولِه: ((يوما عيد)) إلى أنَّ يوم السَّبت عيدٌ عند اليهود، والأحد عيدٌ عند النَّصارَى، وأيام العيد لا تُصام فخالَفَهم بصيامها، ويُستفاد من هذا: أنَّ الذي قاله بعض الشافعيَّة من كراهة إفراد السَّبت وكذا الأحد ليس جيّداً، بل الأَوْلى في المحافظة على ذلك يوم الجمعة كما وَرَدَ الحديث الصَّحيح فيه(٣)، وأمَّا السَّبت والأحد فالأَوْلى أن يُصاما معاً وفُرادَى امتثالاً لعُموم الأمر بمُخالَفة أهل الکتاب. قال عِيَاض: سَدْل الشَّعر: إرسالُه، يقال: سَدَلَ شعرَه وأسدَلَه: إذا أرسَلَه ولم يَضُمَّ جوانبَه، وكذا الثَّوب، والفَرْق: تفريق الشَّعر بعضه من بعض وكشفُه عن الجبين، قال: والفَرْق سُنّة لأنَّه الذي استَقَرَّ عليه الحال، والذي يظهر أنَّ ذلك وَقَعَ بوحي، لقولِ الراوي في أوَّل الحديث: إنَّه كان يُحِبّ مُوافَقَةَ أهل الكتاب فيما لم يُؤْمَر فيه بشيءٍ، فالظّاهر أنَّه فَرَقَ بأمرٍ من الله حتَّى اذَّعَى (١) أخرجه مسلم (٣٠٢) من حديث أنس. (٢) في باب (٥): مباشرة الحائض. (٣) انظر الأحاديث (١٩٨٤ - ١٩٨٦) من كتاب الصوم. ٢١٧ باب ٦٩ / ح ٥٩١٧ كتاب اللباس بعضهم فيه النَّسخ، ومَنَعَ السَّدلَ واتخاذ الناصية، وحكى ذلك عن عمر بن عبد العزيز. وتَعقَّبَه القُرطُبيّ: بأنَّ الظاهر أنَّ الذي كان ◌َله يفعله إنَّما هو لأجلِ استئلافهم، فلمَّا لم يَنجَعْ فيهم أحَبَّ مُحَالَفتَهم، فكانت مُستَحَبّة لا واجبة عليه، وقول الراوي: ((فيما لم يُؤْمَر فيه بشيءٍ)) أي: لم يُطلَب منه، والطَّلَب يَشمَل الوجوب والنَّدْب، وأمَّا تَوهُّم النَّسخ في هذا فليس بشيءٍ لإمكان الجمع، بل يحتمل أن لا تكون الموافقةُ والمخالَفة حُكماً شَرعيّاً إلّا من جهة المصلحة، قال: ولو كان السَّدل منسوخاً لَصارَ إليه الصحابة أو أكثرهم، والمنقول عنهم: أنَّ منهم مَن كان يَفرُق، ومنهم مَن كان يَسدِل، ولم يَعِبْ بعضهم على بعض، وقد صَحَّ: أنَّه كانت له وَهْ لِمّة(١)، فإن انفَرَقَت فَرَقَها وإلّا تَرَكَها، فالصَّحيح أنَّ الفَرْق مُستَحَبّ لا واجبٌ، وهو قول مالك والجمهور. قلت: وقد جَزَمَ الحازميّ: بأنَّ السَّدْلِ نُسِخَ بالفَرْق، واستَدَلَّ برواية مَعمَر التي أشرت إليها قبلُ، وهو ظاهر. وقال النَّوويّ: الصَّحيح جواز السَّدل والفرْق، قال: واختلفوا في معنى قوله: ((يُحِبّ مُوافَقَ أهل الكتاب)) فقيل: للاستئلاف كما تقدَّمَ، وقيل: المراد أنَّه كان مأموراً باتِّباع شرائعهم فيما لم يُوحَ إليه فيه بشيءٍ، وما عَلِمَ أنَّهم لم يُدِّلوه. واستَدَلَّ به بعضهم على أنَّ شرعَ مَن قبلنا شرعٌ لنا حتَّى يَرِدَ في شرعنا ما يخالفه، وعَكَسَ بعضهم فاستَدلَّ به على أنَّه ليس بشرع لنا، لأنَّه لو كان كذلك لم يَقُل: ((مُحِبّ))، بل كان يَتَحَّم الاتِّباع. والحقّ أن لا دليل في هذا على المسألة، لأنَّ القائل به يَقصُره على ما وَرَدَ في شرعنا أَنَّه شُرِعَ لهم، لا ما يُؤخَذ عنهم هم، إذ لا وُثوقَ بنَقْلِهِم، والذي جَزَمَ به القُرطُبيّ: أنَّه كان يوافقهم لمصلحة التَّأليف، مُحْتَمَل، ويحتمل أيضاً - وهو أقربُ - أنَّ الحالة التي تدور بين الأمرَينِ لا ثالث لهما، إذا لم يُنَزَّل على النبيّ وَِّ شيء كان يعمل فيه بمُوافَقة أهل الكتاب، لأنَّهم أصحاب شرع، بخِلَاف عَبَدة الأوثان فإنَّهم ليسوا على شريعة، فلمَّا أسلَمَ المشركونَ انحَصَرَتِ المخالَفةُ في أهل الكتاب فأمر بمُخالَفَتِهِم، وقد جمعتُ المسائل التي وَرَدَتِ الأحاديث (١) تقدم برقم (٥٩٠١)، واللفظ المذكور لمسلم (٢٣٣٧) (٩٢). ٢١٨ باب ٧٠ / ح ٥٩١٨-٥٩١٩ فتح الباري بشرح البخاري ٣٦٣/١٠ فيها بمُخالَفة أهل / الكتاب فزادت على الثلاثينَ حُكماً، وقد أودَعتُها كتابي الذي سَمَّيته: ((القول الثَّبت في صوم يوم السَّبت))، ويُؤخَذ من قول ابن عبّاس في الحديث: ((كان يُحِبّ مُوافَقة أهل الكتاب))، وقوله: ((ثمَّ فَرَقَ بعدُ)) نَسُ حكم تلك الموافَقَة كما قَرَّرتُه ولله الحمد، ويُؤخَذ منه أنَّ شرعَ مَن قبلنا شرع لنا ما لم یرِد ناسخ. ٥٩١٨- حدَّثنا أبو الوليدِ وعبدُ الله بنُ رَجاءٍ، قالا: حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كأنّ أنظُرُ إلى وَبِيصِ الطِّيبِ في مَفَارِقِ النبيِّ ◌َّ وهو مُحِمٌ. قال عبدُ الله: في مَفْرِقِ النبيِّ وَّلـ الحديث الثاني: حديث عائشة قالت: ((كأنِّي أنظُر إلى وَبِيص الطِّيب في مَفارق رسول الله وَس﴿ وهو مُحْرِم)) وقد تقدَّم شرحه في الحجّ (١٥٣٧). وقوله: «عبد الله)) هو ابن رجاء الذي أخرج الحدیثَ عنه مقروناً بأبي الوليد - وهو الطَّيالسيّ - وأراد أنَّ أبا الوليد رواه بلفظ الجمع فقال: ((مَفارق))، وعبد الله بن رجاء رواه بلفظ الإفراد فقال: ((مَفِرِق))، وقد وافَقَ عبدَ الله بن رجاء آدمُ عند المصنّف في الطَّهارة (٢٧١)، ومحمَّدُ بن كثير عند الإسماعيليّ، وكذا عند مسلم (٤٥/١١٩٠) من رواية الحسن ابن عُبيد الله، وعند أحمد من رواية منصور (٢٦٠٨٠) وحمّاد (٢٤٩٣٤) وعطاء بن السائب (٢٦٢٧٢) كلّهم عن إبراهيم عنه، ووافَقَ أبا الوليد محمَّدُ بن جعفر غُندَرٌ عند مسلم (٤٢/١١٩٠)، والأعمَشُ عند أحمد (٢٥٤٠٢) والنَّسائيِّ (٢٦٩٨)، وعبدُ الرَّحمن بن الأسود عن أبيه عند مسلم (١١٩٠/ ٤٤)، وكأنَّ الجمع وَقَعَ باعتبار تعدُّد انقسام الشَّعر، والله أعلم. ٧٠ - باب الذّوائب ٥٩١٩- حدَّثْنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حَّنا الفَضْلُ بنُ عَنْبُسَةَ، أخبرنا هُشَيمٌّ، أخبرنا أبو بِشْرِ (ح) وحذَّثنا قُتَبةُ، حدَّثنا هُشَمٌ، عن أبي بِشْرٍ، عن سعیدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما، قال: بِتُّ ليلةً عندَ ميمونةَ بنتِ الحارثِ خالَتي، وكان رسولُ اللهَ وَِّ عندَها في ليلتِها، قال: فقامَ ٢١٩ باب ٧١ / ح ٥٩٢٠-٥٩٢١ كتاب اللباس رسولُ الله ◌َّهِ يُصَلّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ عن يسارِهِ، قال: فَأَخَذَ بِذُّؤَابَتِي، فَجَعَلَني عن يمينِهِ. حدَّثنا عَمْرُو بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا هُشَيِمٌّ، أخبرنا أبو بِشْرٍ ... بهذا، وقال: بذُّؤَابَتي، أو برأسي. قوله: ((باب الذَّوائب)) جمع ذُؤَابة، والأصل: ذائِب، فأُبدِلَتِ الهمزة واواً، والذُّؤابة: ما يَتَكَلَّى من شعر الرَّأس. ذكر فيه حديثَ ابن عبّاس في صلاته خلفَ النبيّ ◌َّ بِاللَّيل، وقد مضى شرحه في الصلاة (٦٩٧-٦٩٩)، والغرض منه هنا قوله: ((فأخَذَ بِذُوابَتي)) فإنَّ فيه تقريره وَ لِّ على امِّجاذ الذُّؤابة، وفيه دفعٌ لرواية مَن فَسَّرَ القَزَع بالذُّؤابة كما سأذكره في الباب الذي يليه. وأورَدَ الحديث من رواية الفضل بن عَنبَسةً عن هُشَيم، ثمَّ أردَفَها بروايتِه عالياً عن قُتَيبة عن هُشَيم، وإنَّما أورَدَه نازِلاً من أجل تصريح هُشَيم فيها بالإخبار، ثمَّ أردَفَه بروايتِه عالياً أيضاً عن عَمْرو بن محمَّد الناقد عن هُشَيم مُصرّحاً أيضاً، وكأنَّه استظهرَ بذلك، لأنَّ في الفضل بن عَنبَسةَ مقالاً لكنَّه غير قادح، وليس له في البخاريّ إلّا هذا الموضع. ٧١ - باب القَزَع ٥٩٢٠- حذَّثني محمَّدٌ، قال: أخبرني تَخَلَدٌ، قال: أخبرني ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني عُبيدُ الله ابنُ حفصٍ، أَنَّ عمرَ بنَ نافعٍ أخبَرَه، عن نافع مولى عبدِ الله، أنَّه سمعَ ابنَ عمر رضي الله عنهما يقول: سمعتُ رسولَ اللهِوَلِّ يَنْهَى عن القَزَعِ. قال عُبيدُ الله: قلتُ: وما القَزَعُ؟ فأشارَ لنا عُبيدُ الله، قال: إذا حَلَقَ الصبيُّ، وتَرَكَ هاهُنا شَعَرةً، وهاهنا وهاهُنا؛ فأشارَ لنا عُبيدُ الله إلى ناصيتِه، وجانبَي رأسِه، قيلَ لعُبيدِ الله: فالجاريةُ والغلامُ؟ قال: لا أدْري، هكذا قال: الصَّبِي. قال عُبيدُ الله: وعاوَدْتُه، فقال: أمَّا القُصّةُ والقَفَا للغلام، فلا بأسَ بهما، ولكنَّ القَزَعَ أن يُتْرَكَ بناصِيَتِهِ شَعَرٌ وليس في رأسِه غيرُه، وكذلك شِقُّ رأسِه هذا وهذا. [طرفه في: ٥٩٢١] ٥٩٢١- حذَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ المثنَّى بنِ عبدِ الله بنِ أنس بن مالك، حدّثنا ٢٢٠ باب ٧١ / ح ٥٩٢١ فتح الباري بشرح البخاري عبدُ الله بنُ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ: أَنَّ رسولَ الله وَِّ نَهَى عن القَزَعِ. ٣٦٤/١٠ قوله: ((باب القَزَع)) بفتح القاف والزّاي ثمَّ المهمَلة: جمع قَزَعة: وهي القِطْعة من السَّحاب، وسُمّيَ شعرُ الرّأس إذا حُلِقَ بعضُه وتُّرِكَ بعضه قَزَعاً تشبيهاً بالسَّحاب المتفرِّق. قوله: ((حدَّثنا محمَّد)) هو ابن سَلَام، ومَخْلَد بسكون المعجمة: هو ابن یزید. قوله: «أخبرني عبيد الله بن حفص)) هو عُبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر ابن الخطّاب، وهو العُمَريّ المشهور، نَسَبَه ابن جُرَيج في هذه الرِّواية إلى جَدّه، وقد أخرجه أبو قُرَّة في ((السُّنَن)) عن ابن جُرَيج، وأبو عَوَانة من طريقه فقال: عن عُبيد الله بن عمر بن حفص، وعُبيد الله بن عمر وشيخُه هنا عمر بن نافع والراوي عنه وهو ابن جُرَيج، أقرانٌ مُتَقَارِبونَ في السِّنّ واللِّقاء والوفاة، واشتَرَكَ الثلاثة في الرِّواية عن نافع، فقد نزلَ ابن جُرَيج في هذا الإسناد دَرَجتَين، وفيه دلالة على قِلّة تدليسه. وقد وافَقَ تَخَلَدَ بن يزيد على هذه الرّواية أبو قُرّة موسى بن طارق في ((السُّنَن)) عن ابن جُریج، وأخرجه أبو عوانة وابن حِبّان (٦ ٥٥٠) في ((صحیحیهما)) من طريقه، وأخرجه أبو عَوَانة أيضاً من طريق هشام بن سليمان عن ابن جُرَيج، وكذلك قال حَجّاج بن محمَّد عن ابن جُرَيج، وأخرجه النَّسائيُّ (٥٢٢٩) والإسماعيليّ وأبو عَوَانة وأبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريقه، لكن سَقَطَ ذِكرُ عمر بن نافع من رواية النَّسائيِّ ومن روايةٍ لأبي عَوَانة أيضاً، وقد صرَّحَ الدَّارَقُطنُّ في ((العِلَل)) بأنَّ حَجّاج بن محمَّد وافَقَ مَلَدَ بن یزید علی ذِكْر عمر بن نافع(١)، وأخرجه النَّسائيُّ من رواية سفيان الثَّوريّ على الاختلاف عليه في إسقاط عمر بن نافع وإثباته(٢)، وقال: إثباته أولى بالصّواب. (١) كذا قال الحافظ، والذي في ((علل الدار قطني)) (٢٩٦٧) أنَّ حجاجاً رواه بإسقاط عمر بن نافع، وهو الموافق لما عند النسائي وأبي عوانة. (٢) في ((المجتبى)) (٥٠٥١)، وفي ((الكبرى)) (٩٢٥٦) من طريق أبي داود الحفَري عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر، وأسقط منه عمر بن نافع، ولم يقع على سفيان الثوري خلاف في ذلك، وإنما الاختلاف في إسقاط عمر بن نافع وقع على عبيد الله بن عمر.