النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس الفَرْج بنفسِه سواء كان من رجل أو امرأة، قال: ويُستَحَبّ إماطة الشَّعر عن القُبُل والدُّبُر، بل هو من الدُّبُر أَولى خوفاً من أن يَعلَقَ شيء من الغائط فلا يُزِيله المستنجي إلّا بالماءِ ولا يتمكَّن من إزالته بالاستجمار، قال: ويقوم التَّنُّر مكان الحلق وكذلك النَّتْف والقَصّ، وقد سُئلَ أحمد عن أخذ العانة بالمِقراض، فقال: أرجو أن يُجزِئ، قيل: فالنَّتَف؟ قال: وهل يقوى على هذا أحدٌ؟ وقال ابن دقيق العيد: قال أهل اللُّغة: العانة: الشَّعر النابت على الفَرْج، وقيل: هو مَنبَت الشَّعر، قال: وهو المراد في الخبر. وقال أبو بكر بن العربيّ: شعر العانة أولى الشُّعور بالإزالة لأَنَّه يَكْثُفُ ويَتَلَبَّد فيه الوسخ، بخِلَاف شعر الإبط، قال: وأمَّا حلقُ ما حول الدُّبُر فلا يُشرَع، وكذا قال الفاكهيّ في ((شرح العُمدة)): أنَّه لا يجوز، كذا قال ولم يَذْكُر للمنع مُستَداً، والذي استَنَدَ إليه أبو شامة قويّ، بل رُبَّما تُصُوِّرَ الوجوب في حقّ مَن تَعيَّنَ ذلك في حَقّه، كمَن لم يَجِدُ من الماء إلّا القليل وأمكَنَه أن لو حَلَقَ الشَّعر أن لا يَعلَقَ به شيء من الغائط يحتاج / معه إلى ٣٤٤/١٠ غَسْله وليس معه ماء زائد على قَدْر الاستنجاء. وقال ابن دقيق العيد: كأنَّ الذي ذهب إلى استحباب حلق ما حولَ الدُّبُر، ذكره بطريق القياس، قال: والأَولى في إزالة الشّعر هنا الحلقُّ اتِّباعاً، ويجوز النَّتْف، بخِلَاف الإبط فإنَّه بالعكس لأنَّه تُجْتَبَسُ تحته الأبخِرةُ بخِلَاف العانة، والشَّعر من الإبط بالنَّتْفِ يَضعُف وبالحلقِ يقوى، فجاء الحكم في كلِّ من الموضعين بالمناسب. وقال النَّوويّ وغيره: السُّنّة في إزالة شعر العانة الحلقُ بالموسى في حقّ الرجل والمرأة معاً، وقد ثَبَتَ الحديثُ الصَّحيح عن جابر في النَّهي عن طُروق النِّساء ليلاً حتَّى تَتَشِط الشَّعِثَةُ وتَستَحِدّ المُغِيبةُ، وقد تقدَّم شرحه في النِّكاح (٥٠٧٩)، لكن يَتأدَّى أصل السُّنّة بالإزالة بكلِّ مُزِیل. وقال النَّوويّ أيضاً: والأَولى في حقِّ الرجل الحلقُ وفي حقّ المرأة النَّف. واستُشكِلَ بأنَّ فيه ضَرَراً على المرأة بالألم وعلى الَّوج باسترخاءِ المحَلّ، فإنَّ النَّف يُرخي المحَلَّ باتِّفاق الأطِّاء، ١٨٢ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري ومن ثَمَّ قال ابن دقيق العيد: إنَّ بعضهم مالَ إلى ترجيح الحلق في حقّ المرأة، ولأنَّ النَّف يُرخي المحَلّ، لكن قال ابن العربيّ: إن كانت شابّةً فالنَّف في حَقّها أَولى، لأنَّه يَربُو مكان النَّف، وإن كانت كَهْلة فالأَولى في حَقّها الحلق، لأنَّ النَّتَف يُرخي المحَلّ، ولو قيل: الأَولى في حَقّها التنوُّر مُطلَقاً، لما كان بعيداً. وحكى النَّوويّ في وجوب الإزالة عليها إذا طلب الزوجُ منها ذلك وجهَينِ: أصحُّهما: الوجوب، ويَفتَرِق الحُكم في نتف الإبط وحلق العانة أيضاً، بأنَّ نتف الإبط وحلقه يجوز أن يَتَعاطاه الأجنبيّ، بخِلَاف حلق العانة فيَحرُم إلّا في حقّ مَن يُباح له المسُّ والنَّظَر كالزَّوجِ والزَّوجة. وأمَّا التَّنَوُّر فسُئلَ عنه أحمد فأجازَه، وذكر أنَّه يفعله، وفيه حديث عن أمّ سَلَمة أخرجه ابن ماجَهْ (٣٧٥٢) والبيهقيُّ (١٥٢/١) ورجاله ثقات، ولكنَّه أُعِلَّ بالإرسال، وأنكَرَ أحمد صِحَّتَه ولفظه: أنَّ النبيَّ وَّلِ كان إذا الطَّلَى وَلِيَ عانتَه بَيَدِه، ومُقابِله حديث أنس: أنَّ النبيَّ ﴿﴿ كان لا يَتَنَوَّر، وكان إذا كَثُرَ شَعرُه حَلَقَه(١)، ولكن سنده ضعيف جدّاً. قوله: ((ونَتْفُ الإِبْطِ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((الآباط)) بصيغة الجمع، والإبط: بكسر الهمزة والموخَّدة وسكونها، وهو المشهور وصَوَّبَه الجَوَاليقيّ، وهو يُذكَّر ويُؤَنَّث، وتأَبَّطَ الشَّيءَ: وَضَعَه تحت إبطه. والمستَحَبّ البِداءة فيه باليُمنَى، ويتأدَّى أصل السُّنّة بالحلقِ ولا سيَّمَا مَن يُؤلمه النَّف. وقد أخرج ابن أبي حاتم في (مناقب الشافعيّ)) عن يونس بن عبد الأعلى قال: دَخَلتُ على الشافعيّ ورجل يَحلِقٍ إبطَه، فقال: إنّ علمتُ أنَّ السُّنّة النَّتَف، ولكن لا أقوی علی الوجع. قال الغَزاليّ: هو في الابتداء مُوجِع ولكن يَسهُل على مَن اعتادَه، قال: والحلق كافٍ لأنَّ المقصود النَّظافة. وتُعقِّبَ بأنَّ الحكمة في نَتِه أنَّه مَحَلّ للرائحة الكريهة، وإنَّما يَنشَأ ذلك من الوَسَخ الذي يجتمع بالعَرَقِ فيه فيَتَلَّد ويَهيج، فشُرِعَ فيه النَّتْف الذي يُضعِفِه فَتَخِفّ الرَّائحة (١) أخرجه البيهقي في ((السنن)) ١/ ١٥٢. ١٨٣ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس به، بخِلَاف الحلق فإنَّه يُقوِّي الشَّعرَ ويُهيِّجه، فتَكثُرِ الرَّائحة لذلك. وقال ابن دقيق العيد: مَن نظرَ إلى اللَّفظ وَقَفَ مع النَّتَف، ومَن نظرَ إلى المعنى أجازه بكلِّ مُزيل، لكن بيّن أنَّ النَّتف مقصود من جهة المعنى، فذكر نحو ما تقدَّمَ، قال: وهو معنى ظاهرٌ لا يُهمَل، فإنَّ مَورِد النَّصّ إذا احتَمَلَ معنَى مُناسباً يحتمل أن يكون مقصوداً في الحكم، لا يُترَك، والذي يقوم مقامَ النَّف في ذلك التنُر، لكنَّه ◌ُرِقّ الجلد فقد يَتَاذَّی صاحبه، به ولا سيَّما إن كان جِلدُه رَقيقاً، وتُستَحَبّ البِداءة في إزالته باليدِ اليُمنَى، ويُزيل ما في اليُمنَى بأصابع اليُسرَى، وكذا اليُسرَى إن أمكنَ وإلّا فباليُمنَی. قوله: ((وتقليمُ الأظْفار)) وهو تفعيل من القَلْم: وهو القطع. ووَقَعَ في حديث ابن عمر: ((قَصُّ الأظفار)» كما في حديث الباب(١)، ووَقَعَ في حديثه في الباب الذي يليه (٥٨٩٠) بلفظ: ((تقليم))، وفي حديث عائشة وأنس (٢): ((قَصّ الأظفار))، والتَّقليم أعَمّ، والأظفار: جمع ظُهر بضمِّ الظّاء والفاء وبسكونها، وحُكيَ عن أبي زيد كسرُ أوَّله، وأنكَرَه ابن سِيدَه، وقد قيل: إنّها قراءة الحسن، وعن أبي السَّمّال(٣): أنَّه قرأَ/ بكسر أوَّله وثانيه، والمراد: إزالة ما يزيد على ٣٤٥/١٠ ما يُلابِس رأس الإصبَع من الظُّفر، لأنَّ الوسخ يجتمع فيه فيُستَقَذَر، وقد يَنتَهي إلى حَدِّ يَمنَع من وصول الماء إلى ما يجب غَسلُه في الطَّهارة، وقد حكى أصحاب الشافعيّ فيه وجهَينِ: فَقَطَعَ المتولّيّ بأنَّ الوضوء حينئذٍ لا يَصِحّ، وَقَطَعَ الغَزاليّ في ((الإحياء)) بأنَّه يُعفَى عن مِثل ذلك، واحتَجَّ بأنَّ غالب الأعراب لا يتعاهَدونَ ذلك، ومع ذلك لم يَرِدْ في شيء من الآثار أمرُهم بإعادة الصلاة، وهو ظاهر، لكن قد يَعلَق بالظَّفْرِ إذا طالَ النَّجْوُ لمن استَنجَى (١) كذا قال الحافظ، وليس في حديث الباب إلّا قصّ الشارب، وأما اللفظ المذکور فوقع في حديث ابن عمر عند النسائي (١٢). (٢) حديثاهما عند مسلم (٢٦١) و(٢٥٨)، إلّا أنَّ لفظ حديث أنس عنده: ((تقليم الأظفار))، أما بلفظ القص من حديثه فهو عند البغوي في ((الجعدیات)) (٣٤١٣). (٣) تحرَّف في (أ) إلى: أبي السماك، وفي (ع) و(س) إلى: ابن السماك، بالكاف، والصواب ما أثبتنا، وأبو السَّمال هذا: هو قعنب بن أبي قعنب العدوي البصري، له اختيار في القراءة شاذٍّ، قاله ابن الجَزَري في ((غاية النهاية في طبقات القراء)» (٢٦١٤). ١٨٤ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري بالماءِ ولم يُمعِن غسلَه، فيكون إذا صَلَّى حاملاً للنَّجاسة، وقد أخرج البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٢٧٦٦) من طريق قيس بن أبي حازم قال: صَلَّى النبيّ وََّ صلاة فأَوهَمَ فيها، فسُئلَ فقال: ((ما لي لا أَوهَم ورُفْغُ أحدكم بين ظُفْرِه وأَنْمَلَتِه)) رجاله ثقات مع إرساله، وقد وَصَلَه الطبرانيُّ (١٠٤٠١) من وجه آخر(١). والرُّفغ: بضمِّ الرَّاء وبفتحها وسكون الفاء بعدها غين مُعجَمة، يُجمَع على أرفاغ: وهي مَغْابِن الجسد، كالإبطِ وما بين الأُنثَينِ والفَخِذَينِ، وكلّ موضع يجتمع فيه الوسخُ، فهو من تسمية الشَّيء باسم ما جاوَرَه، والتَّقدير: وسخُ رُفْغ أحدِكُم، والمعنى: أنَّكم لا تُقَلِّمونَ أظفاركم ثمَّ تَحُّونَ بها أرفاغَكم، فيَتَعلَّق بها ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتَمِعة، قال أبو عُبيد: أنكَرَ عليهم طولَ الأظفار وترك قَصّها. قلت: وفيه إشارة أيضاً إلى النَّدب إلى تنظيف المغابِن كلّها، ويُستَحَبّ الاستقصاء في إزالتها إلى حَدّ لا يَدخُل منه ضَرَر على الإصبع، واستَحَبَّ أحمد للمسافرِ أن يُبقيَ شيئاً لحاجته إلى الاستعانة لذلك غالباً. ولم يَثْبُت في ترتيب الأصابع عند القَصّ شيء من الأحاديث، لكن جَزَمَ النَّوويّ في ((شرح مسلم)) بأنَّه يُسْتَحَبّ الِداءةُ بمُسبِّحة اليُمنَى ثمَّ بالوُسطَى ثمَّ الِنْصِر ثمّ الخِنِصِرِ ثمَّ الإبهام، وفي اليُسرَى بالبداءة بخِنِصِرها ثمَّ بالبِنِصِر إلى الإبهام، ويَبدَأ في الرِّجلَينِ بخِنِصِر اليُمنَى إلى الإبهام، وفي اليُسرَى بإبهامها إلى الخِنِصِر، ولم يَذْكُر للاستحبابِ مُستَنَداً. وقال في ((شرح المهذَّب)) بعد أن نَقَلَ ذلك عن الغَزاليّ، وأنَّ المازَرِيّ اشتَّ إنكارُه عليه فيه: لا بأس بما قاله الغَزاليّ إلّا في تأخير إبهام اليد اليُمنَى، فالأَولى أن تُقَدَّم اليُمنَى بكمالها على اليُسرَى، قال: وأمَّا الحديث الذي ذكره الغزاليّ فلا أصلَ له، انتهى. وقال ابن دقيق العيد: يحتاج من ادَّعَى استحباب تقديم اليد في القَصِّ على الرِّجل إلى دليل، فإنَّ الإطلاق يأبى ذلك. قلت: يُمكِن أن يُؤْخَذ بالقياس على الوضوء والجامعُ التَّنظيف، وتوجيه البِداءة باليُمنَى لحديثٍ عائشة الذي مرَّ في الطَّهارة (١٦٨): ((كان يُعجِبه التيمُّن في (١) لكنه ضعيف فيه الضحاك بن زيد الأهوازي، قال ابن حبان: يرفع المراسيل ويسند الموقوف، لا يجوز الاحتجاج به. ١٨٥ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس طُهوره وتَرَجُّله وفي شأنه كلّه))، والبِداءة بالمسبِّحة منها لكونها أشرَفَ الأصابع لأنَّها آلة التَّشَهُّد، وأمَّا إتباعُها بالوُسطَى، فلأنَّ غالب مَن يُقلِّم أظفاره يُقُلِّمها من قِبَل ظَهْرِ الكَفّ فتكون الوُسطَى جهةَ يمينه، فَيَستَمِرّ إلى أن يَخْتِم بالخِنِصِرِ ثمَّ يُكمِل اليد بقَصِّ الإبهام، وأمَّا اليُسرَى فإذا بَدَأ بالخِنِصِرِ، لَزِمَ أن يَستَمِرّ على جهة اليمين إلى الإبهام. قال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): وكان ينبغي أن لو أخَّرَ إبهام اليُمنَى لَيَختِم بها ويكون قد استَمرَّ على الانتقال إلى جهة اليُمنَى، ولعلَّ الأوَّل لَحَظَ فضل كلّ يدٍ عن الأُخرَى، وهذا الَّوجيه في اليدين يُعكِّر على ما نَقَلَه في الرِّجَلَينِ إلّا أن يقال: غالب مَن يُقُلِّم أظفار رِجَلَيه يُقلِّمها من جهة باطن القَدَمَينِ، فَيَستَمِّرّ التَّوجيه. وقد قال صاحب ((الإقليد)): قضيَّة الأخذ في ذلك بالتَّامُنِ أن يَبدَأ بخِنِصِر اليُمنَى إلى أن ينتهيَ إلى خِنِصِر اليُسرَى في اليدَينِ والرِّجلَينِ معاً؛ وكأنَّه لَظَ أنَّ القَصّ يقع من باطن الكَفَّيْنِ أيضاً، وذكر الدِّمياطيّ أنَّه تَلَقَّى عن بعض المشايخ: أنَّ مَن قَصَّ أظفاره مخالفاً لم يُصِبه رَمَد، وأَنَّه جَرَّبَ ذلك مُدّة طويلة. وقد نَصَّ أحمد على استحباب قَصّها مخالفاً، وبيَّن ذلك أبو عبد الله بن بَطّة من أصحابهم فقال: يَبدَأ بخِنِصِر اليُمنَى ثمَّ الوُسطَى ثمَّ الإبهام ثمَّ الِنِصِر ثُمَّ السَّابة، ويَبدَأ بإبهام اليُسرَى على العكس من الیُمنَى. وقد أنكَرَ ابن دقيق العيد الهيئة التي ذكرها الغَزاليّ ومَن تَبِعَه، وقال: كلُّ ذلك لا أصل له، وإحداث استحباب لا/ دليل عليه، وهو قبيح عندي بالعالِم، ولو تَخَيَّل مُتَخَيِّل أنَّ البداءة ٣٤٦/١٠ بِمُسبِّحة اليُمنَى من أجل شَرَفها، فبَقِيَّة الهيئة لا يُتخيَّل فيه ذلك، نَعَم البِداءةُ بُيُمنَى اليدَينِ ويُمنَى الرِّجلَینِ له أصل وهو: كان يُعجِبه التَّامُن، انتهى. ولم یثبُت أيضاً في استحباب قصّ الظُّفر یوم الخمیس حدیث، وقد أخرجه جعفر المستَغفِرِيّ بسندٍ مجهول، ورُوِّيناه في ((مُسَلسَلات التَّيْمِيِّ)) من طريقه، وأقرب ما وَقَفْتُ عليه في ذلك ما أخرجه البيهقيُّ (٢٤٤/٣) من مُرسَل أبي جعفر الباقر قال: كان رسول الله وَله يَستَحِبّ أن يأخُذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة (١)، وله شاهد موصول عن أبي هريرة، لكن (١) لم يسق البيهقي إسناده، ورواه عن ابن عمر من فعله بإسناد حسن. ١٨٦ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري سنده ضعيف، أخرجه البيهقيُّ أيضاً في ((الشُّعَب)) (٢٧٦٣)، وسُئلَ أحمد عنه فقال: يُسَنّ في يوم الجمعة قبل الزَّوال، وعنه: يوم الخميس، وعنه: يَتخيّر، وهذا هو المعتمد أنَّه يُستَحَبّ كيف ما احتاجَ إليه. وأمَّا ما أخرج مسلم (٢٥٨) من حديث أنس: وُقِّتَ لنا في قصّ الشّارب، وتقليم الأظفار، ونَتْف الإبط، وحَلْق العانة، أن لا يُترَك أكثر من أربعينَ يوماً؛ كذا فيه ((وُقِّتَ)) على البناء للمجهول، وأخرجه أصحاب ((السُّنَن))(١) بلفظ: ((وَقَّتَ لنا رسول الله ◌َّ﴿. وأشارَ العُقَيليّ إلى أنَّ جعفر بن سليمان الضُّبَعِيُّ تفرَّد به، وفي حِفْظه شيء، وصَرَّحَ ابن عبد البَرِّ بذلك فقال: لم يَروِه غيرُه، وليس بحُجّةٍ. وتُعقِّبَ بأنَّ أبا داود والتِّرمِذيّ أخرَجاه من رواية صَدَقة بن موسى عن ثابت، وصَدَقة بن موسى وإن كان فيه مقال، لگن تَبيَّن أَنَّ جعفراً لم يَنفَرِد به، وقد أخرج ابن ماجه نحوهمن طريق عليّ بن زيدبن جدعان عن أنس(٢)، وفي عليّ أيضاً ضعف. وأخرجه ابن عَديّ من وجه ثالث من جهة عبد الله بن عمران - شيخ مِصريّ - عن ثابت عن أنس(٣)، لكن أتى فيه بألفاظٍ مُستَغرَبة، قال: أن يَحلِقِ الرجل عانتَه كلّ أربعينَ يوماً، وأن يَنْتِفِ إبطه كلَّما طَلَعَ، ولا يَدَعَ شاربَيْهِ يَطُولان، وأن ◌ُقلِّم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة. وعبد الله والراوي عنه مجهولان. قال القُرطُبيّ في ((المفهم)): ذِكْر الأربعينَ تحديد لأكثر المدّة، ولا يَمنَع تَفقَّد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، والضّابط في ذلك الاحتياجُ. وكذا قال النَّوويّ: المختار أنَّ ذلك كلّه يُضبط (١) أبو داود (٤٢٠٠)، وابن ماجه (٢٩٥)، والترمذي (٢٧٥٨)، والنسائي (١٤)، ورواية ابن ماجه كرواية مسلم. (٢) لم يخرجه ابن ماجه من هذا الطريق، ولا ذكره المزيُّ في ((تحفة الأشراف))، والذي وقع في ((سنن ابن ما جه» رواية علي بن زيد بن جدعان بإثر حديث عمار بن ياسر (٢٩٤) في خصال الفطرة، وهو عنده قبل حديث أنس، وهي من زيادات أبي الحسن بن القطان، ورواية علي بن زيد هذه أخرجها أحمد (١٨٣٢٧) وغيره عن سلمة بن محمد بن عمار عن جدِّه عمار بن ياسر. فيغلب على ظننا أنها وقعت في نسخة الحافظ من ((سنن ابن ماجه)) خطأً بإثر حديث أنس، فتوهّم أنها رواية أخرى لحديث أنس، أو أنه حصل له انتقال نظرٍ، والله تعالى أعلم. (٣) كذا قال الحافظ، وهو وهمٌّ، فالحديث عن ابن عدي في ((الكامل)) ١/ ٢٦١ من جهة عبد الله بن عمران عن أبي عمران الجوني عن أنس. ١٨٧ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس بالحاجة. وقال في ((شرح المهذَّب)): ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، والضّابط الحاجةُ في هذا وفي جميع الخِصال المذكورة. قلت: لكن لا يَمنَعُ من التفقَّد يوم الجمعة، فإنَّ المبالَغة في التَّنْظُّف فيه مشروع، والله أعلم. وفي ((سؤالات مُهَنّ)) عن أحمد: قلت له: يأخُذ من شَعرِهِ وأظفاره، أيدفِنُه أم يُلقيه؟ قال: يَدِفِنه، قلت: بَلَغَك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر يَدِفِنه، ورُويَ أنَّ النبيَّ نَّهِ أَمَرَ بدفنِ الشَّعر والأظفار وقال: ((لا يَتَلَغَّب به سَحَرةُ بني آدم)) قلت: وهذا الحديث أخرجه البيهقيُّ من حديث وائل بن حُجرِ نحوه(١)، وقد استَحَبَّ أصحابنا دفنَها لكونها أجزاءً من الآدميّ، والله أعلم. فَرْع: لو استَحقَّ قصُّ أظفاره فقَصَّ بعضاً وتركَ بعضاً، أبدَى فيه ابن دقيق العيد احتمالاً من مَنْعِ لُبْس إحدَى النَّعلَينِ وترك الأُخرى، كما تقدَّم في بابه قريباً(٢). قوله: ((وقَصُّ الشّارب)) تقدَّم القول في القَصّ أوَّل الباب، وأمَّا الشّارب: فهو الشَّعر النابتُ على الشَّفَة العُليا. واختُلِفَ في جانبَيَه وهما السِّبَالان، فقيل: هما من الشّارب ويُشرَع قصُّهما معه، وقيل: هما من جُملة شعر اللِّحية، وأمَّا القَصّ فهو الذي في أكثر الأحاديث كما هنا، وفي حديث عائشة وحديث أنس کذلك كلاهما عند مسلم (٢٦١ و٢٥٨)، و کذا حدیث حَنظَلة عن ابن عمر في أوَّل الباب (٥٨٩٠)، وورَدَ الخبر بلفظ الحلق، وهي رواية النَّسائيّ (ك٩) عن محمَّد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان بن عُيَينةَ بسندٍ هذا الباب، ورواه جُمهور أصحاب ابن عُيَيْنَةَ بلفظ القَصّ، وكذا سائر الرِّوايات عن شيخه الزُّهْرِيِّ، ووَقَعَ عند النَّسائيِّ (٥٠٤٣) من طريق سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة بلفظ: ((تقصير الشّارب)). نعم وَقَعَ الأمرُ بما يُشعِر بأنَّ رواية الحلق محفوظة كحديثِ العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة عند مسلم (٢٦٠) بلفظ: ((جُزّوا الشَّوارب))،/ وحديث ابن عمر المذكور في ٣٤٧/١٠ (١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٤٨٨)، والطبراني في ((الكبير)) ٢٢/ (٧٣) بلفظ: كان النبي ◌َّ يأمر بدفن الشعر والظفر، وقال البيهقي بإثره: إسناده ضعيف ورُوي من أوجه كلها ضعيفة. (٢) الباب رقم (٣٩). ١٨٨ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري الباب الذي يليه (٥٨٩٢) بلفظ: ((أَحفُوا الشَّوارب))، وفي الباب الذي يليه (٥٨٩٣) بلفظ: ((انهَكُوا الشَّوارب))، فكلّ هذه الألفاظ تَدُلّ على أنَّ المطلوب المبالَغة في الإزالة، لأنَّ الجَزَّ - وهو بالجيم والزّاي الثَّقيلة -: قصُّ الشَّعر والصّوف إلى أن يَبلُغ الجلدَ، والإحفاء - بالمهمَلة والفاء -: الاستقصاء، ومنه: حتَّى أحفَوْه بالمسألة (١). قال أبو عُبيد الهَرَويُّ: معناه: ألزِقوا الجَزَّ بالبشرة، وقال الخطَّبيُّ: هو بمعنى الاستقصاء. والنَّهْك، بالنّونِ والكاف: المبالَغة في الإزالة، ومنه ما تقدَّم في الكلام على الخِتان قولُه وَ له للخافضة: ((أشِمّي ولا تُنِهِكي))(٢) أي: لا تُبالغي في ختان المرأة، وجَرَى على ذلك أهل اللُّغة. وقال ابن بَطّال: النَّهْك: التَّأثير في الشَّيء وهو غير الاستئصال، قال النَّوويّ: المختار في قصّ الشّارب أنَّه يَقُصّه حتَّى يَبْدُو طَرَفُ الشَّفة ولا تَحِفُّه من أصله، وأمَّا رواية: ((أَحفُوا)) فمعناها: أزيلوا ما طالَ على الشَّفَتَين، قال ابن دقيق العيد: ما أدري هل نَقَّلَه عن المذهب أو قاله اختياراً منه لمذهبٍ مالك. قلت: صَرَّحَ في ((شرح المهذَّب)) بأنَّ هذا مذهبنا، وقال الطَّحاويُّ: لم أرَ عن الشافعيّ في ذلك شيئاً منصوصاً، وأصحابه الذينَ رأيناهم كالمُزَنيّ والرَّبيع كانوا يَحِفُّونَ، وما أظنّهم أخذوا ذلك إلّا عنه، وكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون: الإحفاء أفضل من التَّقصير. وقال ابن القاسم عن مالك: إحفاء الشّارب عندي مُثْلة، والمراد بالحديث المبالَغة في أخذ الشّارب حتَّى يَبْدُوَ حرفُ الشَّفَتَيْنِ، وقال أشهَب: سألت مالكاً عمَّن يُحِفي شاربه، فقال: اری أن یُوجع ضرباً، وقال لمن تحلق شاربه: هذه بدعة ظَهَرَت في الناس، انتھی. وأغرَبَ ابن العربيّ فنَقَلَ عن الشافعيّ: أنَّه يُستَحَبّ حلقُ الشّارب، وليس ذلك معروفاً عند أصحابه، قال الطَّحاويُّ: الحلق هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد، انتھی. (١) سيأتي برقم (٦٣٦٢). (٢) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٢٥٣) والبيهقي في ((السنن)) ٣٢٤/٨ من حديث أنس، وإسناده ضعيف. ١٨٩ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس وقال الأثرَمُ: كان أحمد يُحِفِي شاربه إحفاءً شديداً، ونَصَّ على أنَّه أَولى من القَصّ. وقال القُرطُبيّ: وقَصُّ الشّارب أن يأخُذ ما طالَ على الشَّفة، بحيثُ لا يُؤذي الأكل ولا يجتمع فيه الوسخ، قال: والجَزّ والإحفاء هو القَصّ المذكور، وليس بالاستئصال عند مالك، قال: وذهب الكوفيّونَ إلى أنَّه الاستئصال، وبعضُ العلماء إلى التَّخيير في ذلك. قلت: هو الطَّبَرِيّ، فإنَّه حكى قول مالك وقول الكوفيّينَ، ونَقَل عن أهل اللُّغة: أنَّ الإحفاء: الاستئصال، ثمَّ قال: دَلَّتِ السُّنّة على الأمرَين، ولا تَعارُضَ، فإنَّ القَصَّ يدلّ على أخذ البعض، والإحفاء يدلّ على أخذ الكلّ، وكلاهما ثابت فيَتخيَّر فيما شاءَ. وقال ابن عبد البَرِّ: الإحفاء مُحْتَمِل لأخذِ الكلّ، والقَصُّ مُفسِّر للمُراد، والمفسِّر مُقدَّم على المجمَل. انتهى، ويُرجِّح قولَ الطَّبَريّ ثبوتُ الأمرَينِ معاً في الأحاديث المرفوعة. فأمَّا الاقتصار على القَصّ، ففي حديث المغيرة بن شُعْبة: ضِفتُ النبيَّ چټ و كان شاربي وَفَى، فقَصَّه على سواك، أخرجه أبو داود (١٨٨). واختُلِفَ في المراد بقولِه: ((على سِواك)) فالرَّاجح أنَّه وَضَعَ سواكاً عند الشَّفة تحت الشَّعر وأخَذَ الشَّعر بالمِقَصّ، وقيل: المعنى: قصَّه على أثر سواك، أي: بعدَما تَسوَّكَ. ويُؤيِّد الأوَّل ما أخرجه البيهقيُّ (١/ ١٥٠-١٥١) في هذا الحديث قال فيه: فوَضَعَ السِّواك تحت الشّارب وقَصَّ عليه، وأخرج البزَّار (١) من حديث عائشة: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَبصَرَ رجلاً وشاربه طويل، فقال: ((ائتوني بمِقَصِّ وسواك)) فجَعَلَ السِّواك على طَرَفه، ثمَّ أَخَذَ ما جاوَزَه، وأخرج التِّرمِذيّ (٢٧٦٠) من حديث ابن عبّاس وحَسَّنَه: كان النبيّ وَّهِ يَقُصّ شاربه، وأخرج البيهقيُّ (١٥١/١) والطبرانيُّ (٣٢١٨) من طريق شُرَحبيل بن مسلم الخَوْلانيّ قال: رأيتُ خمسة من أصحاب رسول الله وَ لَهِ يَقُصّونَ شواربهم: أبو أمامةُ الباهليّ، والمِقِدام بن مَعدِي كَرِبَ الكِنْديّ، وعُتبة بن عبدٍ (٣) السُّلَمَيّ، والحجّاج بن عامر القُّالِيّ، وعبد الله بن بُسر. وأمَّا الإحفاء، ففي رواية ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر قال: ذكر رسول الله وَليه (١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٢٩٦٩)، وسنده ضعيف جداً. (٢) تحرَّف في أصول ((الفتح)) إلى: عيينة بن عوف. ١٩٠ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري المجوس، فقال: ((إنَّهم يُوفُونَ سِبالهَم، ويَحِلِقونَ لحاهم فخالِفوهم)). قال: فكان ابن عمر ٣٤٨/١٠ يَستعرِض(١) سَبَلْتَه فَيَجُزّها كما يَجُزّ الشّاةَ/ أو البعير، أخرجه الطَّبَرِيُّ والبيهقيُّ (١/ ١٥١)، وأخرَجا من طريق عبيد الله بن رافع قال: رأيتُ أبا سعيد الخُذْريَّ وجابر بن عبد الله وابن عمر ورافع بن خَديج وأبا أُسَيد الأنصاريّ وسَلَمة بن الأكوع وأبا رافع يُنِهِكونَ شواربَهم كالحلقِ، لفظُ الطَّبَرِيِّ، وفي رواية البيهقيُّ: يَقُصّونَ شواربهم مع طَرَف الشَّفة(٢)، وأخرج الطَّبَرِيُّ من طرق عن عُرْوة وسالم والقاسم وأبي سَلَمة: أنَّهم كانوا يَحِلِقونَ شواربهم، وقد تقدَّم في أوَّل الباب أثر ابن عمر: أنَّه كان يُحِفِي شاربه حتَّى يَنظُر إلى بياض الجلد، لكن كلُّ ذلك مُتَمل لأن يُراد استئصال جميع الشّعر النابت على الشَّفَة العُليا، ومُحْتَمِل لأن يُراد استئصال ما يلاقي حُمرةَ الشَّفة من أعلاها ولا يَستَوعِب بَقِيَّتها، نظراً إلى المعنى في مشروعيَّة ذلك، وهو مُخالَفة المجوس، والأَمْن من التَّشويش على الأكل وبقاءِ زُهومة المأكول فيه، وكلُّ ذلك يَحِصُل بما ذكرنا، وهو الذي يجمع مُفتَرَق الأخبار الواردة في ذلك، وبذلك جَزَمَ الدَّاوُوديُّ في شرح أثر ابن عمر المذكور، وهو مُقتَضَى تَصَرُّف البخاريّ، لأنَّه أورَدَ أثر ابن عمر وأورَدَ بعده حديثَه وحديث أبي هريرة في قصّ الشّارب، فكأنَّه أشارَ إلى أنَّ ذلك هو المراد من الحديث. وعن الشَّعبيّ: أنَّه كان يَقُصّ شاربَه حتَّى يُظهِر حرفَ الشَّفة العليا وما قارَبَه من أعلاه، ويأخذ ما شذَّ مَّاً فوق ذلك، ويَنزِعِ ما قارَبَ الشَّفةَ من جانبَي الفم ولا يزيد على ذلك، وهذا من أعدَلِ ما وقفتُ علیه من الآثار. وقد أبدَى ابنُ العربيّ لتخفيفِ شعر الشّارب معنّى لطيفاً فقال: إنَّ الماء النازِل من الأنف يَتَلَبَّد به الشَّعرُ لما فيه من اللُّزوجة ويَعسُر تنقيَتُه عند غَسلِه، وهو بإزاءِ حاسّة شريفة وهي الشَّمُّ، (١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: يستقرض، بالقاف. وقوله: ((يستعرض سبلته)) أي: يأتيها من جانبها عَرْضاً، والسَّبَلة هنا: ما طال من الشارب. (٢) لفظ رواية البيهقي كلفظ الطبري، وقوله: ((يقصون شواربهم مع طرف الشفة)) هو تتمة حديث شرحبيل ابن مسلم الخولاني المذكور قبل أسطر. ١٩١ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس فشُرعَ تخفيفه ليَتِمّ الجمال والمنفعة به. قلت: وذلك يَحِصُل بتخفيفِه ولا يَسْتَلِزِمِ إحفافه وإن كان أبلَغَ، وقد رَجَّحَ الطَّحاويُّ الحلقَ على القَصّ بتفضيلِهِ وَّهِ الحلق على النَّقصير في النُّسُك، ووَهَى ابنُ التِّين الحلق بقولِه وَلات: (ليس مِنّا مَن حَلَقَ))(١)، وكلاهما احتجاج بالخبر في غير ما وَرَدَ فيه ولا سيَّما الثّاني، ويُؤخَذ ممَّا أشارَ إليه ابن العربيّ مشروعيَّة تنظيف داخل الأنف وأخذ شَعرِه إذا طالَ، والله أعلم. وقد روى مالك عن زيد بن أسلَمَ: أنَّ عمر كان إذا غَضِبَ فَتَلَ شاريه(٢)، فدَلَّ على أنَّه كان يُوفِّره. وحكى ابن دقيق العيد عن بعض الحنفيَّة أنَّه قال: لا بأس بإبقاءِ الشَّوارب في الحرب إرهاباً للعدوّ، وزَيَّفَه. فصل: في فوائد تتعلَّق بهذا الحديث: الأولى: قال النَّوويّ: يُستَحَبّ أن يَبدَأ في قصّ الشّارب باليمين. الثّانية: يَتخيَّر بين أن يَقُصّ ذلك بنفسِه أو يولِّ ذلك غيره لحصولِ المقصود، من غير هَتْك مُروءة بخِلَاف الإبط، ولا ارتكاب حُرْمة بخِلَاف العانة. قلت: محلُّ ذلك حيثُ لا ضَرُورة، وأمَّا مَن لا يُحسِنُ الحلق، فقد يُباح له إن لم تكن له زوجة تُحسِن الحلقَ أن يستعين بغيره بقَدرِ الحاجة، لكن محلّ هذا إذا لم يَجِدْ ما يَتَنَوَّر به فإنَّه يُغْني عن الحلق ويَحَصُل به المقصود، وكذا مَن لا يقوى على النَّتف ولا يتمكَّن من الحلق، إذا استَعانَ بغيره في الحلق لم تُهتَك المروءة من أجل الضَّرورة كما تقدَّم عن الشافعيّ، وهذا لمن لم يقوَ على التنُّر من أجل أنَّ النُّورة تُؤذي الجلد الرَّقيق كجلدِ الإبط، وقد يقال مِثْلُ ذلك في حَلْق العانة من جهة المغابن التي بين الفَخِذ والأُنثَين، وأمَّا الأخذ من الشّارب فينبغي فيه التَّفصيلُ بين مَن يُحسِن أخذَه بنفسِه بحيثُ لا يَتَشَوَّه، وبین مَن لا يُحسِن فيستعين بغيره، ويَلتَحِق به مَن لا (١) أخرجه أبو داود (٣١٣٠) بهذا اللفظ من حديث أبي موسى الأشعري، وأصله في البخاري (١٢٩٦) تعليقاً، ومسلم (١٠٤). (٢) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ٣٢٦/٣، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٧٨) من طريق معن بن عيسى، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال ... فذكره. ١٩٢ باب ٦٣ / ح ٥٨٩٠-٥٨٩٢ فتح الباري بشرح البخاري يَجِدُ مِرآةٌ يَنظُر وجهه فيها عند أخذه. الثّالثة: قال النَّوويّ: يَتأدَّى أصل السُّنّة بأخذِ الشّارب بالمِقَصِّ وبغيره. وتَوقَّفَ ابن دَقيق العيد في قَرْضه بالسِّنِّ، ثمَّ قال: مَن نظرَ إلى اللَّفظ مَنَعَ، ومَن نظرَ إلى المعنى أجازَ. الرَّابعة: قال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحداً قال بوجوبٍ قصِّ الشّارب من حيثُ هو ٣٤٩/١٠ هو، واحتُرِزَ بذلك من وجوبه بعارضٍ حيثُ يَتَعيَّن كما/ تقدَّمَتِ الإشارة إليه من كلام ابن العربيّ؛ وكأنَّه لم يَقِف على كلام ابن حَزْم في ذلك، فإنَّه قد صَرَّحَ بالوجوب في ذلك وفي إعفاء اللِّحية. ٦٣ - باب تَقْليم الأظفار ٥٨٩٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي رَجَاءٍ، حدَّثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ حَنْظَلَةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله وَ له قال: ((مِنَ الفِطْرةِ: حَلْقُ العانَةِ، وتَقْلِيمُ الأطْفارِ، وقَصُّ الشّاربِ)). ٥٨٩١- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ عُه، سمعتُ النبيَّلَله يقول: ((الفِطْرةُ خمسٌ: الخِتانُ، والاستِحْدادُ، وقَصُّ الشّاربِ، وتَقلِيمُ الأظْفَارِ، ونَتْفُ الآباطِ». ٥٨٩٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، حدَّثنا عمرُ بنُ محمَّدِ بنِ زیدٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((خالِفُوا المشركينَ، ووَفِّرُوا اللِّحَى، وأَخْفُوا الشَّواربَ)). وكان ابنُ عمرَ إذا حَجَّ أو اعتَمَرَ، قَبَضَ على لحِيتِه، فما فَضَلَ أَخَذَه. [طرفه في: ٥٨٩٣] قوله: «باب تقليم الأظفار» تقدّم بیان ذلك في الذي قبله، وقد ذکر فیه ثلاثة أحاديث، الثّالث منها لا تَعلُّقَ له بالظُّهْرِ، وإنَّما هو مُخْتَصّ بالشّاربِ واللِّحية، فيُمكِن أن یکون مرادُه في هذه التَّرجمة والتي قبلها تقليم الأظفار وما ذُكِرَ معها، وقَصّ الشّارب وما ذُكِرَ معه، ويحتمل ١٩٣ باب ٦٣ / ح ٥٨٩٢ كتاب اللباس أن يكون أشارَ إلى أنَّ حديث ابن عمر في الأوَّل وحديثه في الثّالث واحد، منهم مَن طَوَّلَه ومنهم مَن اختَصَرَه. الحديث الأول: قوله: ((حدَّثنا أحمد بن أبي رَجَاء)» هو أحمد بن عبد الله بن أيوب الھَرَويّ، وإسحاق بن سليمان: هو الرَّازيّ، وحَنظَلة: هو ابن أبي سفيان الجُمَحيّ. قوله: ((أنَّ رسول اللهِوَ ◌ّقال)) كذا للجميع، وزَعَمَ أبو مسعود في ((الأطراف)) أنَّ البخاريّ ذكره من هذا الوجه موقوفاً، ثمَّ تَعقَّبَه بأنَّ أبا سعيد الأشَجّ رواه عن إسحاق بن سليمان مرفوعاً، وتَعقَّبَ الْحُميديُّ كلامَ أبي مسعود فأجادَ. قوله: ((من الفِطْرة)) كذا للجميع، وقد تقدَّم نقلُ النَّوويّ أنَّه وَقَعَ فيه بلفظ: ((من السُّنّة)). قوله: ((وقَصُّ الشّارب)) في رواية للإسماعيليّ: ((وأخذ الشّارب)»، وفي أُخرى له: ((وقَصّ الشَّوارب، قال: وقال مرَّةً: الشّارب)). قال اللِّحياني(١): وَقَعَ في كلامهم أنَّه لعُظْم الشَّوارب، وهو من الواحد الذي فُرِّقَ وسُمِّ كلّ جُزء منه باسمِه، فقالوا لكلِّ جانب منه: شارباً، ثمَّ جُمِع شواربَ. وحكى ابن سِيدَه عن بعضهم: مَن قال: الشّاربان أخطَاً، وإنَّما الشّاربان: ما طالَ من ناحية السَّبَلة، قال: وبعضهم يُسَمّي السَّبَلة كلّها شارباً، ويُؤيِّده أثر عمر الذي أخرجه مالك: أنَّه كان إذا غَضِبَ فَتَلَ شاربه(٢)؛ والذي يُمكِن فتلُه من شعر الشّارب السِّبال وقد سَمّاه شارباً. الحديث الثاني: حديث أبي هريرة قد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى (٥٨٨٩). الحديث الثالث: قوله: ((عمر بن محمَّد بن زيد)) أي: ابن عبد الله بن عمر. قوله: ((خالفوا المشركينَ)) في حديث أبي هريرة عند مسلم: ((خالفوا المجوس)) (٢٦٠) وهم المراد في حديث ابن عمر، فإنَّهم كانوا يَقُصّونَ لحاهم، ومنهم مَن كان يَحلِقها. (١) تحرَّف في (س) إلى: الجياني. واللُّحياني: هو علي بن المبارك، وقيل: علي بن حازم، أبو الحسن اللحياني اللُّغوي، أخذ عن الكسائي وغيره، وأخذ عنه أبو عبيد القاسم بن سلام، له كتاب ((النوادر)). (٢) سلف تخريجه في آخر الباب السابق. ١٩٤ باب ٦٣ / ح ٥٨٩٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أَحفُوا الشَّوارب))/ بهمزة قطع من الإحفاء للأكثر، وحكى ابن دُرَيد: حَفَا شاربه حَفْواً: إذا استأصَلَ أخذَ شَعرِه، فعلى هذا فهي همزة وصل. قوله: ((ووَفِّروا اللِّحَى)) أمَّا قوله: ((وفِّروا)) فهو بتشديد الفاء من التَّوفير: وهو الإبقاء، أي: اتركوها وافرة، وفي رواية عُبيد الله بن عمر عن نافع في الباب الذي يليه (٥٨٩٣): ((أَعِفُوا)) وسيأتي تحريره، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم (٢٦٠): ((أرجِئوا)) وضُبِطَت بالجيم والهمزة، أي: أخِّروها، وبالخاءِ المعجمة بلا همز، أي: أطيلوها، وله في رواية أُخرى: ((أَوفُوا)) أي: اترُكوها وافية، قال النَّوويّ: وكلّ هذه الرّوايات بمعنى واحد، واللِّحَى بكسر اللّام - وحُكَيَ ضَمّها - وبالقصرِ والمدّ، جمع لِية بالكسر فقط: وهي اسمٌ لما نَبَتَ على الخدَّينِ والذَّقَن. قوله: ((وكان ابن عمر إذا حَجَّ أو اعتَمَرَ قَبَضَ على لِحْيتِهِ، فما فَضَلَ أخَذَه» هو موصول بالسَّنَد المذكور إلى نافع، وقد أخرجه مالك في («الموطأ)) (٣٩٦/١) عن نافع بلفظ: كان ابن عمر إذا حَلَقَ رأسه في حَجّ أو عُمْرة أخَذَ من لحيته وشاربه، وفي حديث الباب مِقدار المأخوذ، وقوله: ((فَضَلَ)) بفتح الفاء والضّاد المعجَمة، ويجوز كسر الضّاد كعَلِمَ والأشهر الفتح، قاله ابن التِّين، وقال الكِرْمانيُّ: لعلَّ ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتَّقصير في النُّسُك، فحَلَقَ رأسه كلّه وقصَّر من لحيته ليَدخُل في عُموم قوله تعالى: ﴿مُحَلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَهُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وخَصَّ ذلك من عُموم قوله: ((وفِّرُوا اللِّحَى)) فحَمَلَه على حالة غیر حالة النُّشُك. قلت. الذي يظهر أنَّ ابن عمر كان لا يُخُصّ هذا التَّخصيص بالنُّسُكِ، بل كان يَحمِل الأمر بالإعفاءِ على غير الحالة التي تَتَشَوَّه فيها الصّورة بإفراط طول شعر اللُّحية أو عَرْضه، فقد قال الطَّبَرَي: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكَرِهوا تناولَ شيء من اللِّحية من طولها ومن عَرْضها، وقال قوم: إذا زاد على القَبْضة يُؤْخَذ الزائد، ثمَّ ساقَ بسنِدِه إلى ابن عمر: أنَّه فَعَل ذلك، وإلى عمر: أنَّ فَعَل ذلك برجل، ومن طريق أبي هريرة: أنَّه فَعَلَه، وأخرج أبو داود (٤٢٠١) من ٣٥٠/١٠ ١٩٥ باب ٦٣ / ح ٥٨٩٢ كتاب اللباس حديث جابر بسندٍ حسن(١) قال: كنّا نُعقِّي السِّبال إلّا في حَجّ أو عُمْرة، وقوله: ((نُعفِّي)) بضمِّ أوَّله وتشديد الفاء، أي: نَترُكه وافراً، وهذا يُؤيِّد ما نقل عن ابن عمر، فإنَّ السِّبال - بكسر المهمَلة وتخفيف الموحّدة - جمع سَبَلة بفتحَتَينِ: وهي ما طالَ من شعر اللُّحية، فأشارَ جابر إلى أنَّهم يُقَصِّرونَ منها في النُّسُك. ثمَّ حكى الطََّري اختلافاً فيما يُؤخَذ من اللِّحية: هل له حَدٌّ أو لا؟ فأسنَدَ عن جماعةٍ الاقتصارَ على أخذ الذي يزيد منها على قَدْر الكَفّ، وعن الحسن البصريّ: أنَّه يُؤخَذ من طولها وعَرْضها ما لم يَفخُش، وعن عطاء نحوه. قال: وحَمَلَ هؤلاءِ النَّهيَ على منعٍ ما كانت الأعاجِمُ تَفعَله من قصّها وتخفيفها، قال: وكَرِهَ آخرونَ التَّعرُّض لها إلّا فِي حَجّ أو عَمْرة، وأسنَدَه عن جماعة، واختارَ قولَ عطاء، وقال: إنَّ الرجل لو تَرَكَ لحيته لا يَتعرَّض لها حتَّى أفحَشَ طولها وعَرَضُها لَعَرَّضَ نفسه لمن يَسخَر به. واستدلَّ بحديثٍ عَمْرو بن ◌ُعَیب عن أبيه عن جَدّه: أنَّ النبيَّ وَلّ كان يأخذ من لحيته من عَرضِها وطولها، وهذا أخرجه التِّرمِذيّ (٢٧٦٢)، ونَقَلَ عن البخاريّ أنَّه قال في رواية عمر بن هارون: لا أعلم له حديثاً مُنكَراً إلّا هذا. انتهى، وقد ضعَّفَ عمرَ بن هارون مُطلَقاً جماعةٌ. وقال عِيَاض: يُكرَه حَلقُ اللِّحية وقَصّها وتحذيفها، وأمَّا الأخذ من طولها وعَرضِها إذا عَظُمَت فحسن، بل تُكرَه الشُّهرة في تعظيمها كما يُكرَه في تقصيرها، كذا قال، وتَعقَّبَه النَّوويّ بأنَّه خِلاف ظاهر الخبر في الأمر بتوفيرها، قال: والمختار تركُها على حالها وأن لا يَتعرَّض لها بتقصيرٍ ولا غيره؛ وكأنَّ مُرادِه بذلك في غير النُّسُك، لأنَّ الشافعيّ نَصَّ على استحبابه فيه، وذكر النَّوويّ عن الغَزاليّ - وهو في ذلك تابع لأبي طالب المكِّيّ في ((القُوت)) - قال: يُكرَه في اللِّحية عشر خصال: خَضْبُها بالسَّوادِ لغير الجهاد، وبغير السَّواد إيهاماً للصَّلاح لا لقصدٍ الاتِّباع، وتبييضها استعجالاً للشَّيخوخة لقصدِ التَّعاظُم على الأقران، ونَتَفُها إبقاءً للمُروءة وكذا تَحذيفها، ونَتَفُ الشَّيب ـ/ ورَجَّحَ النَّوويّ تحريمَه لُبُوتِ الزّجر عنه كما سيأتي قريباً - ٣٥١/١٠ (١) في إسناده أبو الزبير، وهو مدلِّس وقد عنعنه. ١٩٦ باب ٦٤ / ح ٥٨٩٣ فتح الباري بشرح البخاري وتصفيفها طاقةً طاقةً تَصَنُّعاً ومَخِيلة، وكذا ترجيلها، والتعرُّض لها طولاً وعَرضاً على ما فيه من اختلاف، وتَرْكُها شَعِثَةً إبهاماً للزُّهد، والنَّظَر إليها إعجاباً، وزاد النَّوويُّ: وعَقْدُها، لحديثٍ رُوَيفِعِ رَفَعَه: ((مَن عَقَّدَ لحِيتَه فإنَّ محمَّداً منه بريء)) الحديث، أخرجه أبو داود (٣٦)، قال الخطَّبيُّ: قيل: المراد عَقدُها في الحرب وهو من زيّ الأعاجم، وقيل: المراد مُعالَجَة الشَّعر لینعَقِد، وذلك من فِعْل أهل التّانیث. تنبيه: أنكَرَ ابنُ التِّين ظاهر ما نُقِلَ عن ابن عمر فقال: ليس المراد أنَّه كان يَقتَصِر على قدر القَبْضة من لحيته، بل كان يُمسِك عليها فيُزيل ما شَذَّ منها، فيُمسِك من أسفل ذَقِه بأصابعِه الأربعة مُلتَصِقة، فيأخُذ ما سَفَلَ عن ذلك لِيَتَساوى طول لحيته. قال أبو شامة: وقد حَدَثَ قوم يَحَلِقونَ لِحَاهم، وهو أشدّ مَمَّا نُقِلَ عن المجوس أنَّهم كانوا يَقُصّوَها. وقال النَّوويّ: يُستَئِنَى من الأمر بإعفاءِ اللِّحَى ما لو نَبَتَت للمرأة لحية فإنَّه يُستَحَبّ لها حَلقُها، وكذا لو نَبَتَ لها شارب أو عَنْفَقة. وسيأتي البحث فيه في ((باب المتنمِّصات))(١). ٦٤ - باب إعفاء اللِّحَى ﴿عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥]: كَثُرُوا وكَثُرَت أمواهُم. ٥٨٩٣- حدَّثني محمَّدٌ، أخبرنا عَبْدةُ، أخبرنا عُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((انْهَكُوا الشَّواربَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى)). قوله: ((باب إعفاءِ اللِّحَى)) كذا استعملَه من الرُّباعيّ، وهو بمعنى التَّرك. ثمّ قال: ((عَفَوْا: كَثُرُوا وكَثُرَت أموالهم» وأراد تفسير قوله تعالى في الأعراف: ﴿حَّ عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَشَ ءَبََّنَا الضَّرَّاءُ وَاَلسَّرَّآءُ﴾ [الأعراف: ٩٥] فقد تقدَّم هناك بيان من فَسَّرَ قوله: ﴿عَفَواْ﴾ بِكَثُرُوا، فإمّا أن يكون أشارَ بذلك إلى أصل المادّة، أو إلى أنَّ لفظ الحديث وهو: ((أَعفُوا اللِّحَى)) جاء بالمعنَينِ، فعلى الأوَّل يكون بهمزة قطع، وعلى الثّاني بهمزة وصل، وقد حكى ذلك جماعة من الشُّرَاح منهم ابن التِّين قال: وبهمزة قطع أكثرُ. وقال ابن دقيق العيد: تفسير الإعفاء بالتَّكثير (١) باب رقم (٨٣). ١٩٧ باب ٦٥ / ح ٥٨٩٤ -٥٨٩٥ كتاب اللباس من إقامة السَّبَب مقام المسبِّب، لأنَّ حقيقة الإعفاء التَّرك، وتركُ التَّعرُّض للِّحية يَستَلِزِم تكثيرها. وأغرَبَ ابن السِّيدِ فقال: حَمَلَ بعضُهم قوله: ((أَعفوا اللِّحَى)) على الأخذ منها بإصلاح ما شَذَّ منها طولاً وعرضاً، واستَشهَدَ بقولِ زُهَیر: على آثارِ مَن ذهبَ العَفَاءُ وذهب الأكثر إلى أنَّه بمعنى: وفِّروا أو كَثِّروا، وهو الصَّواب. قال ابن دقيق العيد: لا أعلمُ أحداً فَهِمَ من الأمر في قوله: ((أعفوا اللِّحَى)) تجويز مُعالَجَتها بما يُغْزِرها كما يفعله بعض الناس، قال: وكأنَّ الصّارف عن ذلك قَرِينة السِّياق في قوله في بَقيَّة الخبر: ((وأَحفُوا الشَّوارب)). انتهى، ويُمكِن أن يُؤخَذ من بقيّة طرق ألفاظ الحديث الدَّالَّة على ◌ُجرَّد التَّرك، والله أعلم. تنبيه: في قوله: أَعفوا وأَحفوا ثلاثة أنواع من البديع: الجِناس، والمطابقة، والموازَنة. ٦٥ - باب ما يُذكَر في الشَّیب ٥٨٩٤- حدَّثْنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن أيوبَ، عن محمَّدِ بنِ سِيرِينَ، قال: سألتُ أنساً: أَخَضَبَ النبيُّ وَلاَ؟ قال: لم يَبلُغِ الشَّيبَ إلّا قليلاً. ٥٨٩٥- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ قال: سُئلَ أنس عن خِضَاب النبيِّ وَّهِ، فقال: إنَّه لم يَبلُغْ ما يَخْضِبُ، لو شئتُ أن أعُدَّ شَمَطاتِهِ في لحيتِه. قوله: ((باب ما يُذكَر في الشَّيب)) أي: هل يُخْضَب أو يُتَرَك؟ ٣٥٢/١٠ قوله: ((عن ابن سِيرِينَ)) هو محمَّد، بيَّنْه مسلم (٢٣٤١/ ١٠٢) في روايته عن حَجّاج بن الشّاعر عن مُعلی شیخ البخاريّ فیه. قوله: ((سألتُ أنساً: أَخَضَبَ النبيّ ◌َ لَ؟)) يُعرَف منه أنَّه المبهم في الرّواية التي بعدها حيثُ قال ثابت: ((سُئلَ أنس) وكذا قوله في هذه الرّواية: ((لم يَبلُغ من الشَّيب إلّا قليلاً» يُفسِّره قوله في الثّانية: ((لم يَبلُغ ما يَخْضِب))، وذلك أنَّ العادة أنَّ القليل من الشّعر الأبيض إذا بَدَأ في اللِّحية لم ١٩٨ باب ٦٥ / ح ٥٨٩٦-٥٨٩٨ فتح الباري بشرح البخاري يُبادِر إلى خَضْبه حتَّى يَكثُر، ومَرجِع القِلّة والكَثْرة في ذلك إلى العُرف، وزاد أحمد (١٢٦٣٥) من طريق هشام بن حسَّان عن محمَّد بن سِيرِين في هذا الحديث: ولكنَّ أبا بكر وعمر بعده خَضَبَا بالحِنّاءِ والكَتَم، قال: وجاء أبو بكر بأبيه أبي قُحَافة يوم فتح مكَّة تَحِمِله حتّى وَضَعَه بين يَدَي رسول الله وَ ليهِ، فأسلَمَ ولحيته ورأسه کالثَّغَامة بياضاً، وستأتي الإشارة إليه في ((باب الخِضاب))(١)، ولمسلم (٢٣٤١/ ١٠٣) من طريق حَمَّاد ابن سَلَمة عن ثابت عن أنس نحو حديث ابن ◌ِيرِین، وزاد: ولم يَخْضِبْ ولكن خَضَبَ أبو بكر وعمر. قوله في الثانية: ((لو شئتُ أن أَعُدّ شَمَطائِه في لحيته)) المراد بالشَّمَطات: الشَّعَرات اللّاتي ظَهَرَ فيهنَّ البياض، فكأنَّ الشَّعرة البيضاء مع ما يُحاوِرها من شعرة سوداء ثوبٌ أشمَطُ، والأشمَط: الذي يُخالِطِه بياض وسواد، وجواب ((لو)) في قوله: ((لو شِئتُ)) محذوف، والتَّقدير: لَعَدَدْتُها، وذلك مما يدلّ على قِلَّتها، وقد تقدَّم في ((باب صِفَة النبيّ ◌َ) من المناقب (٣٥٥٠) بيانُ الجمع بين مُتَلَف الأحاديث في ذلك. ٥٨٩٦ - حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن عثمانَ بنِ عبدِ الله بنِ مَوْهَبٍ قال: أرسَلَني أهلي إلى أمِّ سَلَمَةَ بقَدَحِ من ماءٍ - وقَبَضَ إسرائيلُ ثلاثَ أصابعَ - من قُصّةٍ فيها شَعَرٌ من شَعَرِ النبيِّ وَِّ، وكان إذا أصابَ الإنسانَ عَينٌ أو شيءٌ بَعَثَ إليها مِخْضَبَه، فاطَّلَعْتُ في الجُلْجُلِ فرأيتُ شَعَراتٍ حُمْراً. [طرفاه في: ٥٨٩٧، ٥٨٩٨] ٥٨٩٧ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا سَلّامٌ، عن عثمانَ بنِ عبدِ الله بنِ مَوْهَبٍ، قال: دَخَلْتُ على أمِّ سَلَمَةَ فأخرَ جَت إلينا شَعَراً من شَعَرِ النبيِّوَّه ◌َخَضُوباً. ٥٨٩٨- وقال أبو نُعَيم: حدَّثْنا نُصَيرُ بنُ الأشعَثِ، عن ابنِ مَوْهَبٍ: أَنَّ أمّ سَلَمَةَ أَرَتْه شَعَرَ النبيِّ ◌َطِّ أحمَرَ. قوله: «حدّثنا مالك بن إسماعيل» هو أبو غسّان النّهديّ، وإسرائيل: هو ابن يونس بن أبي (١) باب رقم (٦٦). ١٩٩ باب ٦٥ / ح ٥٨٩٨ كتاب اللباس إسحاق، وعثمان بن عبد الله بن مَوهَب: هو التّميُّ مولى آل طلحة، وليس له في البخاريّ سوی هذا الحديث، وآخرَ سَبَقَ في الحجّ (١٨٢٤) وغيرِه(١). قوله: ((أرسَلَني أهلي إلى أمّ سَلَمة)) يعني: زوج النبيّ وَّهِ، ولم أَقِفْ على تسمية أهله، ولكنَّهم من آل طلحة لأنَّهم مَواليه، ويحتمل أن یرید بأهلِه امرأته. قوله: (بقَدَحِ من ماء. وقَبَضَ إسرائيلُ ثلاث أصابع - من قُصّة فيها)) وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((فيه شَعرٌ من شعر النبيّ وَّ))، اختُلِفَ في ضبط ((قُصّة)) هل هو بقافٍ مضمومة ثمَّ صاد مُهمَلة، أو بفاءِ مكسورة ثمَّ ضاد مُعجَمة؟ فأمَّا قوله: ((وقَبَضَ إسرائيلُ ثلاث أصابع)) فإنَّ فيه إشارة إلى صِغَرِ القَدَحِ، وَزَعَمَ الكِرْمانيُّ أنَّه عِبارة/ عن عَدَد إرسال عثمان إلى أمّ سَلَمة، وهو بعيد، وأمَّا قوله: ((فيها)) فضميرٌ لمعنى ٣٥٣/١٠ القَدَح، لأنَّ القَدَح إذا كان فيه مائع يُسَمَّى كأساً، والكأس مؤنَّئة، أو الضَّمير للقُصَّة كما سيأتي توجيهه. وأمَّا رواية الكُشْمِيهنيِّ بالتَّذکیر فواضحة. وقوله: ((من فِضّة)) إن كان بالفاءِ والمعجَمة، فهو بيان لِجِنس القَدَح، قال الكِرْمانيُّ: ويُحمَل على أنَّه كان مُموَّهاً بفِضّةٍ لا أنَّه كان كلّه فِضّة. قلت: وهذا ينبني على أنَّ أمّ سَلَمة كانت لا تُجيز استعمال آنية الفِضّة في غير الأكل والشُّرب، ومن أين له ذلك وقد أجازَ جماعة من العلماء استعمال الإناء الصَّغير من الفِضّة في غير الأكل والشُّرب؟ وإن كان بالقاف والمهمَلة، فهو من صِفَة الشَّعر على ما في التَّركيب من قَلَقٍ، ولهذا قال الكِرْمانيُّ: عليك بتوجيهِه. ويظهر أنَّ((مِن)) سبيَّة، أي: أرسَلُوني بقَدَح من ماء بسببٍ قُصّة فيها شعرٌ، وهذا كلّه بناء على أنَّ هذه اللَّفظة محفوظة بالقاف والصّاد المهمَلة، وقد ذكره الحميديُّ في ((الجمع بين الصحيحين)) بلفظٍ دالٌ على أنَّه بالفاءِ والمعجَمة، ولفظه: أرسَلَني أهلي إلى أمّ سَلَمة (١) بل له حديثان آخران: الأول جاء في فرض الخمس (٣١٣٠) وفضائل الصحابة (٣٦٩٨) والمغازي (٤٠٦٦)، والثاني جاء في الأدب برقم (٥٩٨٣). ": ٢٠٠ باب ٦٥ / ح ٥٨٩٨ فتح الباري بشرح البخاري بقَدَحِ من ماء فجاءت بجُلجُلٍ من فِضّة فيه شَعر ... إلى آخره، ولم يَذكُر قولَ إسرائيل، فكأنَّه سَقَطَ على رواه البخاريّ قوله: ((فجاءت بجُلجُلٍ)) وبه يَنْتَظِم الكلام، ويُعرَف منه أنَّ قوله: ((من فِضّة)) بالفاءِ والمعجَمة أنَّه صِفَة الْجُلجُل، لا صِفَة القَدَح الذي أحضَرَه عثمان ابن مَوهَب. قال ابن دِخْية: وَقَعَ لأكثر الرُّواة بالقاف والمهمَلة، والصَّحيح عند المتقنين بالفاءِ والمعجَمة، وقد بيَّنْه وكيع في ((مُصنَّفَه)) بعدَما رواه عن إسرائيل فقال: كان جُلجُلاً من فِضّة، صِيغَ صِوَاناً(١) لشَعَراتٍ كانت عند أمّ سَلَمة من شعر النبيّ ◌َِّ. قوله: ((وكان)) أي: الناس ((إذا أصاب الإنسانَ)) أي: منهم («عَینٌ)) أي: أُصيب بعينٍ ((أو شيءٌ» أي: من أيّ مرض کان، وهو موصول من قول عثمان المذكور. قوله: ((بَعَثَ إليها مِخْضَبه)) بكسر الميم وسكون المعجَمة وفتح الضّاد المعجَمة بعدها موخَّدة: هو من جُملة الآنية، وقد تقدَّم بيانه في كتاب الطَّهارة (١٩٥)، والمراد أنَّه كان مَن اشتَكَى أرسَلَ إناء إلى أمّ سَلَمة، فتجعل فيه تلك الشَّعَرات وتَغسِلها فيه وتُعيده، فيشربه صاحبُ الإناء أو يَغتَسِل به استشفاءً بها، فتَحصُل له بَرَكَتها. قوله: ((فاطَّلَعتُ في الجُلْجُل)) كذا للأكثر بجيمَينِ مضمومَتَينِ بينهما لام وآخره أُخرَى: هو شِبه الجَرَس، وقد تُنَزَع منه الحصاة التي تَتَحرَّك فيُوضَع فيه ما يُحتاج إلى صيانته، والقائل: ((فاطَّلَعتُ)) هو عثمان، وقيل: إنَّ في بعض الرِّوايات: ((الجَحْل)) بفتح الجيم وسكون المهمَلة وفُشِّرَ بالسِّقاءِ الضَّخم، وما أظنّه إلّا تصحيفاً لأنَّه إذا كان صِوَاناً للشَّعَرات - كما جَزَمَ به وكيع أحدُ رواة الخبر - كان المناسبُ لهنَّ الظَّرفَ الصَّغير لا الإناء الضَّخم، ولم يُفسِّر صاحب ((المشارق)) ولا ((النِّهاية)) الجُلجُل، كأنّها تَرَکاہ لشُھرَتِه، لکن حکی عِیَاض أنَّ في رواية ابن السَّكَن ((الِخضَب)» بَدَل الجُلجُل، فالله أعلم. قوله: ((فرأيتُ شَعَرات حُمْراً)) في الرواية التي تليها: ((مخضوباً)) ويأتي البحث فيه. (١) الصّوَان، بضم الصاد وكسرها: الوعاء الذي فيه الشيء.