النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ باب ٢٨ كتاب اللباس فكما جازَ له أن يَفتَرِشَها وعليها الحُليّ من الذَّهَب والحرير، كذلك يجوز له أن يجلس وينام معها على فِراشها المباح لها. تنبيه: الذي يُمنع من الجلوس عليه هو ما مُنِعَ من لُبسِه، وهو ما صُنِعَ من حریر صِرْف، أو کان الحرير فيه أزيد من غيره كما سَبَقَ تقريره. ٢٨ - باب لُبس القَسِّيّ وقال عاصمٌ: عن أبي بُرْدةَ، قال: قلتُ لعليٍّ: ما القَسَِّّةُ؟ قال: ثِابٌ أتتْنا منَ الشَّامِ أو من مِصْرَ مُضَلَّعَةٌ فيها حريرٌ، فيها أمثالُ الأَمْرُجّ، والِثَرةُ كانت النِّساءُ تَصْنَعُه لبُعولَتِهِنَّ مِثلَ القَطائفِ يَصُفُّونها. وقال جَرِيرٌ عن يزيدَ في حديثِه: القَسِّيَّةُ: ثِيابٌ مُضَلَّعَةٌ يُجَاءُ بها من مِصرَ فيها الحريرُ، والمِيثَرةُ: جُلودُ السِّباع. قال أبو عبد الله: عاصمٌ أكثرُ وأصحُ في المِثَرةِ. قوله: ((باب لُبْس القَسِّيّ)) بفتح القاف وتشديد المهمَلة بعدها ياء نسبة، وذكر أبو عُبيد في ((غريب الحديث)): أنَّ أهل الحديث يقولونه بكسر القاف وأهل مِصرَ يَفتَحونَها، وهي نسبة إلى بلد يقال لها: القَسّ، رأيتها ولم يَعرِفها الأصمَعيّ. وكذا قال الأكثر: هي نسبة للقَسِّ قرية بمِصرَ، منهم الطَّبَرِيُّ وابن سِيدَهْ، وقال الحازميّ: هي من بلاد الساحل، وقال المهلَّبي: هي على ساحل مِصر، وهي حِصْن بالقُربِ من الفَرَمَا من جهة الشّام، وكذا وَقَعَ في حديث ابن وهب: أنَّها تَلي الفَرَما، والفَرَما: بالفاءِ وراء مفتوحة، وقال النَّوويّ: هي بقُربٍ تِنِيس، وهو مُتقارِب، وحكى أبو عُبيد الهَرَويُّ/ عن شَمِرِ اللُّغَويّ: أنَّها بالزّاي لا بالسِّين، نسبةً ٢٩٣/١٠ إلى القَّ: وهو الحرير، فأُبدِلَتِ الزّاي سيناً. وحكى ابن الأثير في ((النّهاية)): أنَّ القَسّ الذي نُسِبَ إليه هو الصَّقيع سُمّيَ بذلك لبياضه؛ وهو والذي قبله كلام مَن لم يَعرِف القَسَّ القرية. قوله: ((وقال عاصم: عن أبي بُرْدة قال: قُلْنا لعليٍّ: ما القَسّيَّة؟ ... )) إلى آخره، هذا طرفٌ من حديث وَصَلَه مسلم (٢٠٩٥/ ٦٤) من طريق عبد الله بن إدريس: سمعتُ عاصم بن كُلَيب ٨٢ باب ٢٨ فتح الباري بشرح البخاري عن أبي بُرْدة - وهو ابن أبي موسى الأشعَريّ - عن عليّ قال: نَهاني رسول الله وَلَه عن لُبس القَسِّيّ وعن الميائِرِ، قال: فأمَّا القَسِّ فثياب مُضَلَّعة ... الحديث، وأخرج مسلم (٢٠٧٨) من وجهَينٍ آخرَينٍ عن عليٍّ النَّھيَ عن لباس القَسّيّ، لكن ليس فيه تفسیره. قوله: ((ثيابٌ أنْنا من الشّام أو من مِصْر)) في رواية مسلم: من مِصر والشّام. قوله: ((مُضَلَّعة فيها حرير)) أي: فيها خُطوط عريضة كالأضلاع، وحكى المنذريُّ: أنَّ المراد بالمضَلَّعِ: ما نُسِجَ بعضُه وتُرِكَ بعضُه، وقوله: ((فيها حرير)) يُشعِر بأنّها ليست حريراً صِرفاً، وحكى النَّوويّ عن العلماء: أنَّها ثياب مخلوطة بالحرير، وقيل: من الخَزّ، وهو رديء الحرير. قوله: ((وفيها أمثال الأَنْرُجُ)) أي: أنَّ الأضلاع التي فيها غليظة مُعوَجّة، ووَقَعَ في رواية مسلم: ((فيها شِبْهِ كذا)) على الإبهام، وقد فَسَّرَته رواية البخاريّ المعلّقة. ووَقَعَ لنا موصولاً في ((أمالي المحامليّ)) (١٣١) باللَّفظِ الذي عَلَّقَه البخاريّ. قوله: ((والمِثَرة)) هي بكسر الميم وسكون التَّحتائيَّة وفتح المثلَّثة بعدها راء ثمَّ هاء ولا همز فيها، وأصلها من الوِثارة أو الوِثْرة بكسر الواو وسكون المثلَّثة، والوَثير: هو الفِراش الوَطِيء، وامرأة وَثِيرة: كثيرة اللَّحم. قوله: «كانت النِّساء تَصْنَعه لبُعولَتِهِنَّ مِثْلِ القَطائف يَصُفّونَها)» أي: يجعلونَها کالصُّفّة، وحكى عِيَاض في رواية: ((يُصَفِّرَهَا)) بكسر الفاء ثمَّ راء، وأظنّه تصحيفاً، وإنَّما قال: (يَصُفّونَهَا)) بلفظ المذَكَّر للإشارة إلى أنَّ النِّساء يصنعنَ ذلك، والرِّجال هم الذينَ يَستَعمِلونَها في ذلك، وقال الزُّبَيديّ اللُّغَويّ: والمِثَرة: مِرِفَقة كصُفّة السَّرْج. وقال الطَّبَرِيُّ: هو وِطاءٌ يُوضَع على سَرْج الفرس أو رَحْل البعير، كانت النِّساء تصنعه لأزواجهنَّ من الأُرجُوان الأحمر ومن الدّيباج، وكانت مَراكِبَ العَجَم. وقيل: هي أغشية للشُّروحِ من الحرير، وقيل: هي سُروج من الدّيباج، فحَصَلْنا على أربعة أقوال في تفسير الميثَرة: هل هي وِطاء للدَّابّة، أو لراكبها، أو هي السَّرج نفسه، أو غِشاؤه؟ وقال أبو عُبید: المیاثر الحُمْر کانت من مراکِب العجم من حریر أو دیباج. ٨٣ باب ٢٨ كتاب اللباس قوله: ((وقال جَرِير عن يزيد في حديثه: القَسّيَّة ... )) إلى آخره، هو طَرَفٌ أيضاً من حديث وَصَلَه إِبراهيم الحَرْبيّ في ((غريب الحديث)) له عن عثمان بن أبي شَيْبة عن جَرِير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن الحسن بن سُهَيل قال: القَسّيَّة ثيابٌ مُضَلَّعة ... الحديث. ووَهِمَ الدِّمياطِيّ فضَبَطَ ((يزيد)) في حاشية نُسخَته بالموخَّدة والرَّاء مُصغَّر، فكأنَّه لمَّا رأى التَّعليق الأوَّل من رواية أبي بُرْدة بن أبي موسى، ظنَّ أنَّ التَّعليق الثّاني من رواية حفيده بُرَيد بن عبد الله بن أبي بُرْدة. وزَعَمَ الکِرمانيُّ- وتبعه بعض مَن لَقِیناه -: أنَّ یزید هذا: هو ابن رُومان، قال: وجَرِیر: هو ابن حازم، وليس كما قال، والفَيصَلُ في ذلك رواية إبراهيم الحَرْبيّ، وقد أخرج ابن ماجَهْ (٣٦٠١) أصل هذا الحديث من طريق عليّ بن مُسهِر عن يزيد بن أبي زياد عن الحسن بن سُهَيل عن ابن عمر قال: نَهَى رسول الله وَِّ عن المُفدَّم، قال يزيد: قلت للحسنِ بن سُهَيل: ما المُفدَّم؟ قال: المشبَع بالعُصفُرِ، هذا القَدْر الذي ذكر ابن ماجَهْ منه، وبَقِيَّتَه هو هذا الموقوف على الحسن بن سُهَيل(١)، وهو المراد بقولِ البخاريّ: ((قال جَرِير عن يزيد في حديثه)) يريد أنَّه لیس من قول یزید، بل من روايته عن غيره، والله أعلم. قوله: ((والمِثَرة: جلودُ السِّباع)» قال النَّوويّ: هو تفسيرٌ باطل مخالف لما أطبَقَ عليه أهل الحديث. قلت: وليس هو بباطلٍ، بل يُمكِن توجيهه، وهو ما إذا كانت الميثَرة وِطاءً صُنِعَت / من جلد ثمَّ حُشِيَت، والنَّهي حينئذٍ عنها إمّا لأنَّها من زِيّ الكفّار، وإمّا لأنَّها لا تَعمَل ٢٩٤/١٠ فيها الذَّكَاةُ، أو لأنَّها لا تُذكَّى غالباً، فيكون فيه حُجّة لمن مَنَعَ لُبسَ ذلك ولو دُبغ، لكنِ الجمهور على خِلافه، وأنَّ الجلد يَطْهُر بالدِّباغ. وقد اختُلِفَ أيضاً في الشّعر: هل يَطْهُر بالدِّباغ؟ لكنِ الغالب على الميائِر أن لا يكون فيها شعر، وقد ثَبَتَ النَّهي عن الرُّكوب على جُلود النُّمور، أخرجه النَّسائيُّ (٤٢٥٤) من حديث المقدام بن مَعْدي كَرِبَ، وهو ممّا يُؤيِّد التَّفسير المذكور، ولأبي داود (٤١٣٠): ((لا (١) وأخرجه بتمامه من حديث يزيد بن أبي زياد: أحمد في («المسند» (٥٧٥١) من طريق يزيد بن عطاء الیشکري عنه، وسنده ضعيف. وانظر تمام الكلام علیه فیه. ٨٤ باب ٢٨ فتح الباري بشرح البخاري تَصحَبُ الملائكة رُفقةً فيها جِلد نَمِر))(١). قوله: ((قال أبو عبد الله: عاصمٌ أكثرُ وأصحُّ في المِثَرة)) يعني: رواية عاصم في تفسير المِيثَرة أكثر طرقاً وأصحّ من رواية يزيد، وهذا الكلام لم يقع في رواية أبي ذرٍّ ولا النَّسَفيّ، وأطلقَ في حديث عليٍّ الميائِرَ وقَيَّدَها في حديث البراء بالحُمْر، وسيأتي الكلام على ذلك في ((باب الثَّوب الأحمر)) (٢) إن شاء الله تعالى. ٥٨٣٨- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا سفيانُ، عن أشعَكَ بنِ أبي الشَّعْثاءِ، حدَّثنا معاويةُ بنُ سُوَيدِ بنِ مُقْرٍِّ، عن البراءِ بنِ عَازِبٍ، قال: نَهانا النبيُّ ◌َّهِ عن المَياثِرِ الحُمْرِ والقَسِّيِّ. قوله في الحديث الثاني: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابن المبارك، وسفيان: هو الثَّوريّ. وقوله: ((نهانا» في رواية الگُشْمِیھنيٍّ: نَھی. وقوله: ((عن الميائِرِ الحُمْرِ، وعن القَسِّيّ)) هو طَرَف من حديث أوَّله: أمَرَنا بسبعٍ وَهَانا عن سبع، وسيأتي بتمامه في ((باب المیاثر الحُمْر)) (٥٨٤٨) بعد أبوابٍ. واستُدِلَّ بالنَّهي عن لُبْس القَسّ على منع لُبس ما خالَطَه الحريرُ من الثّاب، لتفسير القَسِّيّ بأنَّه ما خالَطَ غيرَ الحرير فيه الحريرُ، ويُؤْيِّده عطفُ الحرير على القَسّيّ في حديث البراء، ووَقَعَ كذلك في حديث عليّ عند أبي داود، والنَّسائيِّ وأحمد(٣) بسندٍ صحيح على شرط الشَّيخَيْنِ من طريق عبيدة بن عَمْرو عن عليّ قال: نَهاني النبيّ وَّهِ عن القَسّيِّ والحرير. ويحتمل أن تكون المغايرة باعتبار النَّوع، فيكون الكلّ من الحرير، كما وَقَعَ عطف الدِّيباج على الحرير في حديث حُذَيفة الماضي قريباً (٥٨٣٧)، ولكنَّ الذي يظهر من سياق طرق الحديث في تفسير (١) لكن إسناده ضعيف لاضطرابه على ما هو مبيَّن في التعليق عليه في ((سنن أبي داود))، وأما حديث المقدام عند النسائي فإسناده ضعيف أیضاً لکن له شاهد بإسناد صحيح عن معاوية عند أحمد (١٦٨٤٠)، وأبي داود (٤١٢٩)، وابن ماجه (٣٦٥٦). (٢) باب رقم (٣٥). (٣) اللفظ المذكور هو للنسائي (٥١٨٣)، ورواية أبي داود (٤٠٥٠) وأحمد (٩٨١) مختصرة. ٨٥ باب ٢٨ كتاب اللباس القَسِّ: أنَّه الذي يخالطه الحرير لا أنَّه الحرير الصِّرْف، فعلى هذا يَحِرُم لُبْس الثَّوب الذي خالَطَه الحرير. وهو قول بعض الصحابة کابن عمر، والتابعين کابنٍ سیرین، وذهب الجمهور إلى جواز ◌ُبْس ما خالَطَه الحرير إذا كان غيرُ الحرير الأغْلَبَ، وعُمدَتهم في ذلك ما تقدَّم في تفسير الحُلّة السِّيراء (٥٣٦٦)(١)، وما انضاف إلى ذلك من الرُّخصة في العلم في الثَّوب إذا کان من حریر، کما تقدَّم تقريره في حديث عمر (٥٨٢٨). قال ابن دقيق العيد: وهو قياس في معنى الأصل، لكن لا يلزم من جواز ذلك جوازٌ كلّ مُختَلِط، وإنَّما يجوز منه ما كان مجموع الحرير فيه قَدرَ أربع أصابع لو كانت مُنفَرِدة بالنّسبة لجميع الثَّوب، فيكون المنع من لُبس الحرير شاملاً للخالصِ والمختَلِط، وبعد الاستثناء يُقْتَصَر على القَدْر المستَثنَى وهو أربع أصابع إذا كانت مُنْفَرِدة، ويَلتَحِق بها في المعنى ما إذا كانت مُخْتَلِطة، قال: وقد تَوسَّعَ الشافعيَّة في ذلك، ولهم طريقان: أحدهما - وهو الرَّاجحَ -: اعتبار الوزن، فإن كان الحرير أقلَّ وزناً، لم يَحِرُم، أو أكثر حَرُمَ، وإن استَويا فوجهان اختَلَفَ التَّرجيحُ فيهما عندهم، والطَّريق الثّاني: أنَّ الاعتبار بالقِلّة والكَثْرة بالظَّهور، وهذا اختيار القَفّال ومَن تَبِعَه. وعند المالكيَّة في المختَلِط أقوال: ثالثها: الكراهةُ، ومنهم مَن فَرَّقَ بين الخَزّ وبين المختَلِطِ بقُطنٍ ونحوه، فأجازَ الخَزّ ومَنَعَ الآخر، وهذا مَبنيّ على تفسير الخَزّ، وقد تقدَّم في بعض تَفاسير القَسِّ أنَّه الخَزَّ، فمَن قال: إنَّه رَديء الحرير، فهو الذي يتنزَّل عليه القول المذكور، ومَن قال: إنَّه ما كان من وَبَر فخُلِطَ بحريرٍ، لم يَتَّجِه التَّفصيل المذكور، واحتَجَّ أيضاً مَن أجازَ لُبسَ المختَلِطِ بحديثِ ابن عيَّاس: إنَّمَا نَهَى رسول اللهوَ له عن الثَّوب المُصمَت من الحرير، فأمَّا العَلَم من الحرير وسَدَى الثَّوب فلا بأس به، أخرجه الطبرانيُّ (١٢٢٣٢) بسندٍ حسن هكذا، وأصله عند أبي داود (٢)، وأخرجه الحاكم (١٩٢/٤) بسندٍ صحيح بلفظ: إنّما نَهَى عن المُصمَت إذا كان حريراً، وللطَّبَرانيّ (١٠٨٨٨) من طريق ثالث: نَهَى عن مُصمَت (١) سلف عند الحديث (٥٣٦٦) شيء من تفسيرها، وأكثر منه سيأتي عند شرح الحديث (٥٨٤٠). (٢) بل هو عنده (٤٠٥٥) بحروفه، وأما رواية الطبراني فليس فيها ذكر العَلَم. ٨٦ باب ٢٨ فتح الباري بشرح البخاري الحرير، فأمَّا ما كان سَدَاه من قُطن أو كتّان فلا بأس به. واستَدَلَّ ابن العربيّ للجوازِ أيضاً: بأنَّ النَّهي عن الحرير حقيقةٌ في الخالص، والإذن في القُطن ونحوه صريح، فإذا خُلِطا بحيثُ لا يُسَمَّى حريراً بحيثُ لا يتناوله الاسم، ولا تَشْمَلُهُ عِلّة التَّحريم، خَرَجَ عن الممنوعِ فجازَ، وقد ثَبَتَ لُبْس الخَّ عن جماعة من الصحابة وغيرهم، قال أبو داود: لَبِسَه عِشرونَ نفساً من الصحابة وأكثر، وأورده ابن أبي شَيْبة (٣٣٩/٨ -٣٤٥) عن جمع منهم، وعن طائفة من التابعينَ بأسانيد چِيَاد، وأعلى ما وَرَدَ في ذلك ما أخرجه أبو داود (٤٠٣٨) والنَّسائيُّ (ك ٩٥٦٠) من طريق عبد الله بن سعد الدَّشتَكيّ عن أبيه قال: رأيتُ رجلاً على بغلة وعليه عِمامة خَزّ سوداء، وهو يقول: كَسَانيها رسول الله وَ لفيه، وأخرج ابن أبي شَيْبة من طريق عمَّار بن أبي عمَّار قال: أتت مروانَ ابن الحَكَم مَطارِفُ خَزّ، فَكَسَاها أصحابَ رسول الله وَله. والأصحُّ في تفسير الخَّ: أنَّه ثيابٌ سَدَاها من حرير ولُحمَتها من غيره، وقيل: تُنْسَج مخلوطة من حرير وصوف أو نحوه، وقيل: أصله اسم دابّة يقال لها: الخُزَز (١)، فسُمِّيَ الثَّوب المَتَّخَذ من وَبَرِه خَزّاً لنُعومَتِهِ، ثمَّ أُطلِقَ على ما يُخْلَط بالحرير لنُعومة الحرير، وعلى هذا فلا يَصِحّ الاستدلال بلُبسِه على جواز لُبس ما يُخالِطِه الحرير، ما لم يُتَحقَّق أنَّ الخَزّ الذي لَبِسَه السَّلَف كان من المخلوط بالحرير، والله أعلم. وأجازَ الحنفيّة والحنابلة لُبسَ الخَزّ ما لم يكن فيه شُهْرة، وعن مالكِ الكراهة، وهذا كلّه في اخزّ. وأمَّا القَزّ - بالقاف بَدَل الخاء المعجَمة ـــ ((فقال الرَّافعيّ: عَدَّ الأئمَّةُ القَّ من الحرير، وحَرَّموه على الرِّجال ولو كان كَمِدَ اللَّون، ونَقَلَ الإمام الاتّفاقَ علیه، لكن حکی المتولّي في ((الَّتِّمّة)) وجهاً: أنَّه لا يَحِرُم، لأنَّه ليس من ثياب الزِّينة. قال ابن دقيق العيد: إن كان مُراده بالقَزِّ ما نُطلِقِه نحنُ الآن عليه، فليس يَخْرُج عن اسم الحرير، فيَحُرُم، ولا اعتبار بكُمودة اللَّون ولا بكَونِه ليس من ثياب الزّينة، فإنَّ كلّ منهما تعليل ضعيف لا أثر له بعد انطلاق الاسم (١) في (س): الخز، وهو خطأ، والخُزَز: قيل: هو ذَكَر الأرانب، وقيل: نوع أكبر من الأرنب وله آذان أصغر. ٢٩٥/١٠ ٨٧ باب ٢٩ / ح ٥٨٣٩ كتاب اللباس عليه. انتهى كلامه، ولم يَتعرَّض لمقابِلِ التَّقسيم، وهو وإن كان المراد به شيئاً آخر، فيَتَّجِه كلامه، والذي يظهر أنَّ مُراده به رديء الحرير، وهو نحو ما تقدَّم في الخَّ، ولأجلِ ذلك وَصَفَه بكُمودة اللَّون، والله أعلم. ٢٩- باب ما یُرخّص للزّجال من الحرير للحِگّة ٥٨٣٩- حدَّثني محمَّدٌ، أخبرنا وَكِيعٌ، أخبرنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ، قال: رَخَّصَ النبيُّ ◌َِّالزُّبَيرِ وعبدِ الرَّحمنِ فِي لُبَسِ الحريرِ لِحِّةٍ بهما. قوله: ((باب ما يُرخَّص للرِّجال من الحرير للحِكّةِ)) بكسر المهمَلة وتشديد الکاف: نوع من الجَرَب، أعاذَنا الله تعالى منه، وذكر الحِكّة مِثالاً لا قَيداً، وقد تَرجَمَ له في الجهاد (٢٩١٩): ((الحرير للجَرَبِ))، وتقدَّم أنَّ الرَّاجح أنَّه بالمهمَلة وسكون الرَّاء. قوله: ((حدَّثني محمَّد)) كذا للأكثر غير منسوب، ووَقَعَ في رواية أبي عليّ بن السَّكَن: حدَّثنا محمَّد بن سَلَام، وبه جَزَمَ الِزِّيّ في ((الأطراف)). قوله: ((عن أنس)) وَقَعَ في رواية يحيى القَطّان عن شُعْبة عن قَتَادة: سمعتُ أنساً، وقد تقدَّمَت في الجهاد (٢٩٢١). قوله: «للزُّبيِ وعبدِ الرَّحمن في لبس الحرير لِّةٍ بهما)» أي: لأجلِ الحِگّة، وفي رواية سعید عن قَتَادة: من حِكّة كانت بهما، وفي رواية هَمَّام عن قَتَادة: أنَّهَا شَكّيًا إلى النبيّ ◌َِِّ القَمْل، وقد تقدَّمَتا في الجهاد (٢٩١٩ و٢٩٢٠)، وكأنَّ الِحِكّة نَشَأْت من أثر القَمل، وتقدَّمَت مباحثه في كتاب الجهاد، قال الطَّبَريُّ: فيه دلالة على أنَّ النَّهي عن لُبس الحرير لا يَدخُل فيه مَن كانت به عِلّة يُحِفِّفها لبسُ الحرير. انتهى، ويَلْتَحِقِ بذلك ما يَقي من الحرّ أو البرد حيثُ لا يُوجَد غيره، وقد تقدَّم في الجهاد: أنَّ بعض الشافعيَّة خَصَّ الجواز بالسَّفَرِ دونَ الحَضَر، واختارَه ابن الصَّلاح، / وخَصَّه النَّوويّ في ((الرَّوضة)) مع ذلك بالحِكّة، ونَقَلَه الرَّافعيّ في ٢٩٦/١٠ القمل أيضاً. تنبيه: وَقَعَ في ((الوسيط)) للغَزاليِّ: أنَّ الذي رُخِّصَ له في لُبْس الحرير حمزة بن عبد المطّلب، ٨٨ باب ٣٠ / ح ٥٨٤٠ فتح الباري بشرح البخاري وغَلَّطوه. وفي وجهٍ للشّافعيّة: أنَّ الرُّخصة خاصّة بالزُّبَير وعبد الرّحمن، وقد تقدَّم في الجهاد عن عمر ما يوافقه. ٣٠- باب الحرير للنساء ٥٨٤٠- حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثْنَا شُعْبة (ح) وحذَّثني محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الملِكِ بنِ مَيسَرَةَ، عن زيدِ بنِ وَهْب، عن عليٍّ ﴾، قال: كَسَاني النبيُّوَلِ حُلّةَ سِيَرَاءَ فخَرَجْتُ فيها، فرأيتُ الغضبَ في وجهِهِ، فشَقَّقْتُها بينَ نِسائي. قوله: ((باب الحرير للنِّساء)) كأنَّه لم يَثبُت عنده الحديثان المشهوران في تخصيص النَّهي بالرِّجال صريحاً، فاكتَفَى بما يدلّ على ذلك، وقد أخرج أحمد (٧٥٠) وأصحاب ((السُّنَن))(١)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٤٣٤) والحاكم من حديث عليّ: أنَّ النبيَّ وَ أَخَذَ حريراً وذهباً فقال: ((هذانِ حَرامانِ على ذُكور أمَّتي، حِلّ لإناثِهم))، وأخرج أبو داود(٢) والنَّسائيُّ (٥١٤٨)، وصَخَّحَه التِّرمِذيّ (١٧٢٠) والحاكم من حديث أبي موسى، وأعَلَّه ابن حِبّان(٣) وغيره بالانقطاع، وأنَّ راويه سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى، وأخرج أحمد (١٧٤٣١) والطَّحاويّ وصَحَّحَه(٤) من حديث مَسلَمَةَ بن ◌َلَد: أنَّه قال لعُقْبةَ بن عامر: قم فحَدِّث بما سمعتَ من رسول الله ◌ِ ﴿، فقال: سمعته يقول: ((الذَّهَب والحرير حرام على ذُكور أمَّتي، حِلٌّ لإنائِهم)). قال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: إن قلنا: إنَّ تخصيص النَّهي للرِّجال لحِكمةٍ، فالذي يظهر أنَّه سبحانه وتعالى عَلِمَ قِلّه صَبرهنَّ عن التَّزَيُّن، فَلَطَفَ بِنَّ في إباحته، ولأنَّ تَزيينهنَّ (١) أبو داود (٤٥٧)، وابن ماجه (٣٥٩٥)، والنسائي (٥١٤٤)، وفي عزوه للحاكم ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فإنه لم يخرجه في ((مستدركه)) ولم يعزه له الحافظ نفسه في كتابه ((إتحاف المهرة)) (١٤٤٩٥). (٢) لم نقف عليه في ((سنن أبي داود)) ولا ((مستدرك الحاكم))، وفي عزوه لهما هنا ذهولٌ من الحافظ، وقد خرّجه في كتابه ((التلخيص الحبير)) ١/ ٥٢ فلم يذكرهما على الصواب. (٣) أعله بإثر حديث علي من («صحيحه)) (٥٤٣٤). (٤) في ((شرح مشكل الآثار)) (٤٨٢١). ٨٩ باب ٣٠ / ح ٥٨٤٠ كتاب اللباس غالباً إنَّما هو للأزواج، وقد وَرَدَ: أنَّ حُسن التَّبَعُل من الإيمان(١)، قال: ويُستَنَبَط من هذا أنَّ الفَخْل لا يصلُح له أن يبالغ في استعمال الملذوذات، لگونِ ذلك من صفات الإناث. وذکر المصنف فیه ثلاثة أحاديث: الحديث الأول: قوله: ((عن عبد المَلِك بن مَيْسَرة)) بفتح الميم وتحتانيَّة ساكنة ثمَّ مُهمَلة: هو الهلاليّ أبو زيد الزَّرّاد، بزايٍ ثمَّ راءٍ ثقيلة، وقد تقدَّم في النَّفَقات (٥٣٦٦) من وجه آخر عن شُعْبة: أخبرني عبد الملِك، ولشُعْبةَ فيه إسناد آخر أخرجه مسلم (٢٠٧١/ ١٧) من رواية معاذ عنه عن أبي عَوْن الثَّقفيّ عن أبي صالح الحنفيّ عن عليّ. قوله: ((عن زيد بن وَهْب)» كذا للأكثر، وتقدَّم كذلك في الهِبة (٢٦١٤) والنَّفَقات، وكذا عند مسلم، ووَقَعَ في رواية أبي عليّ بن السَّكَن هنا وحده: ((عن النَّزّال بن سَبْرة» بَدَل زيد ابن وهب، وهو وهمٌّ، كأنَّه انتَقَلَ من حديث إلى حديث، لأنَّ رواية عبد الملِك عن النّال عن عليّ إنَّما/هي في الشُّرب قائماً كما تقدَّم في الأشربة (٥٦١٥)، وقد وافَقَ الجماعةَ في ٢٩٧/١٠ الموضعين الآخرين، وزيد بن وهب: هو الجُهَنيّ الثِّقة المشهور من كبار التابعين، وما له في البخاريّ عن عليٍّ سوى هذا الحديث، وتقدَّم في الهِبة بلفظ: سمعت زيد بن وهب. قوله: ((أَهدَی) بفتح أوَّله. قوله: ((إليَّ) بتشديد الياء (٢)، ووَقَعَ في رواية أبي صالح المذكورة: أُهْدِيَت لرسولِ الله وَل حُلّة فَبَعَثَ بها إليّ، ولمسلم أيضاً (١٨/٢٠٧١) من وجه آخر عن أبي صالح عن عليّ: ((أنَّ أُكَيدِرَ دُومة أهدَى إلى النبيّ وَ لّ ثوب حرير، فأعطاه عليّاً، وفي رواية للطَّحاويّ(٣): أهدَى أميرُ أذرَبِيجان إلى النبيّ ◌َلِّ حُلّة مُسيَّرة بحریرٍ، وسنده ضعيف. (١) إن عَنَى بالورود أنه مرفوع إلى النبي ◌َّ بهذا اللفظ، فلم نقف عليه كذلك، وقد ورد بلفظ: ((جهاد المرأة حسنُ التبعُّل لزوجها))، أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١١٩٧) من حديث علي مرفوعاً: وضعَّفه بمَرَّة. (٢) الرواية هنا بلفظ: ((كساني النبي ... ))، واللفظ المذكور في الرواية السالفة برقم (٢٦١٤). (٣) في ((شرح معاني الآثار)) ٢٥٣/٤-٢٥٤. ٩٠ باب ٣٠ / ح ٥٨٤٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حُلّةَ سِيَراءَ)) قال أبو عبيد: الحُلَل: بُرود اليمن، والحُلّة: إزار ورِداء، ونَقَلَه ابن الأثير، وزاد: إذا كانا من جنس واحد، وقال ابن سِيدَه في ((المحكم)): الحُلّة بُرْد أو غيره، وحكى عِيَاض: أنَّ أصل تسمية الثَّوبينِ حُلّةً: أنَّهما يكونان جديدَينِ كما حَلَّ طَيُّهما، وقيل: لا يكون الثَّوبان حُلّة حتَّى يُلبَس أحدهما فوق الآخر، فإذا كان فوقه فقد حَلَّ عليه، والأوَّل أشهرُ. والسِّيَراء: بكسر المهمَلة وفتح التَّحتانيَّة والرَّاء مع المدّ، قال الخليل: ليس في الكلام فِعَلاء: بكسر أوَّله مع المدّ سوى سِيَراء، وحِوَلاء: وهو الماء الذي يَخْرُج على رأس الولد، وعِنَبَاء لغةٌ في العِنَب، قال مالك: هو الوَشْي من الحرير، كذا قال، والوَشْي بفتح الواو وسكون المعجَمة بعدها تحتانيَّة، وقال الأصمَعيّ: ثياب فيها خُطوط من حرير أو قَّ، وإنَّما قيل لها: سِيَرَاء، لتَسيير الخُطوط فيها، وقال الخليل: ثوب مُضَلَّع بالحرير، وقيل: مُخْتَلِفِ الألوان فيه خُطوط ◌ُمْتَدّة كأنَّها السُّيور. ووَقَعَ عند أبي داود (٤٠٥٨) في حديث أنس: أنَّه رأى على أمّ كُلثوم حُلّة سِيَرَاء، والسّيَراء: المضَلَّع بالقَزّ؛ وقد جَزَمَ ابن بَطّال كما سيأتي في ثالث أحاديث الباب: أنَّه من تفسير الزّهْريّ، وقال ابن سِيدَه: هو ضربٌ من البُرودِ، وقيل: ثوب مُسَيَّر فيه خطوط يُعمَل من القَزّ، وقيل: ثياب من اليمن، وقال الجَوْهريّ: بُرْد فيه خطوط صُفْر، ونَقَلَ عِيَاض عن سيبويه قال: لم يأتِ فِعَلاءُ صِفَة لكنِ اسماً، وهو الحرير الصّافي. واختُلِفَ في قوله: ((حُلّة ◌ِيَرَاء)» هل هو بالإضافة أو لا؟ فَوَقَعَ عند الأكثر بتنوينِ ((حُلّة)) على أنَّ(سِيَرَاء)) عطف بيانٍ أو نَعْت، وجَزَمَ القُرطُبيّ: بأنَّه الرّواية، وقال الخطّابُّ: قالوا: حُلّةٌ سَيَرَاءُ، كما قالوا: ناقةٌ عُشَرَاءُ، ونَقَلَ عِيَاض عن أبي مروان بن السَّاج: أنَّه بالإضافة، قال عِيَاض: وكذا ضبطناه عن مُقِني شيوخنا، وقال النَّوويّ: إنَّه قول المحَقِّقينَ ومُتِقِني العربيَّة، وإنَّه من إضافة الشَّيء لِصِفَتِه، كما قالوا: ثوبُ خٍَّ. قوله: ((فخَرَجْت فيها)» في رواية أبي صالح عن عليّ: فلَبِستُها. ٩١ باب ٣٠ / ح ٥٨٤٠ كتاب اللباس قوله: ((فرأيتُ الغضب في وجهه)) زاد مسلم (١٨/٢٠٧١) في رواية أبي صالح: فقال: ((إنّي لم أبعَثْ بها إليك لتَلَبَسها، إنَّما بَعَنتُ بها إليك لتُشَقِّقَها حُراً بين النِّساء))، وله في أُخرَى: («شَقِّقها خُراً بين الفَوَاطم)). قوله: ((فشَقَقْتْها بين نسائي)) أي: قَطَعتها ففَرَّقتها عليهنَّ خُراً، والخُمُر بضمِّ المعجَمة والميم: جمع ◌ِمار، بكسر أوَّله والتَّخفيف: ما تُغَطّ به المرأة رأسَها، والمراد بقولِه: ((نسائي)) ما فَسَّرَه في رواية أبي صالح حيثُ قال: ((بين الفواطم))، ووَقَعَ في رواية النَّسائيِّ (ك٩٤٩٥) حيثُ قال: فرجعتُ إلى فاطمة فشَقَقتُها، فقالت: ماذا جئتَ به؟ قلت: نَهاني رسول الله وَ لَ عن لُبسها، فالبَسِيها واكسِي نساءَك، وفي هذه الرّواية أنَّ عليّاً إِنَّمَا شَقَّقَها بإذنِ النبيّ ◌َلّ. قال أبو محمّد بن قُتَيبة: المراد بالفواطمِ: فاطمة بنت النبيّ ◌َّ، وفاطمة بنت أسد بن هاشم والدة عليّ، ولا أعرِف الثّالثة. وذكر أبو منصور الأزهَريّ: أنَّها فاطمة بنت حمزة بن عبد المطَّلِب. وقد أخرج الطَّحاويُّ (٢٥٣/٤-٢٥٤)، وابن أبي الدُّنيا في كتاب ((الهدايا))، وعبد الغني ابن سعيد في ((المبهَمات))، وابن عبد البَرِّ (١٤/ ٢٥٠-٢٥١)، كلّهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن أبي فاختة عن هُبَيرة بن يَريم (١) - / بتحتائيَّةٍ أوَّله ثمَّ راءٍ وزن عَظيم - عن عليّ في ٢٩٨/١٠ نحو هذه القصَّة قال: فشَقَقتُ منها أربعة أخِرة؛ فذكر الثلاث المذكورات، قال: ونَسِيَ يزيد الرَّابِعة. وفي رواية الطَّحاويِّ: خماراً لفاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ عليّ، وخماراً لفاطمة بنت النبيّ وَّهِ، وِماراً لفاطمة بنت حمزة بن عبد المطَّلِّب، وِماراً لفاطمة أُخرى قد نَسِيتها، فقال عِيَاض: لعلَّها فاطمة امرأة عَقِيل بن أبي طالب وهي بنت شَيْبة بن ربيعة، وقيل: بنت عُتْبَةَ بن ربيعة، وقيل: بنت الوليد بن عُتْبَةَ. وامرأة عَقيل هذه هي التي لمَّا تَخَاصَمَت مع عَقيلٍ بَعَثَ عثمانُ معاوية وابن عبّاس حَكمَينِ بينهما، ذكره مالك في ((المدَوَّنة)) وغيره. (١) كذا وقع للحافظ: عن هبيرة بن يريم، وهو وهمٌّ منه، والذي في الإسناد مكانه ـــ كما عند الطحاوي في (شرح معاني الآثار)) وابن عبد البر في ((التمهيد)) -: جعدة بن هبيرة، وعلى كلُّ فإنَّ الإسناد ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد: وهو الكوفي مولى الهاشميين. ٩٢ باب ٣٠ / ح ٥٨٤١ فتح الباري بشرح البخاري واستُدِلَّ بهذا الحديث على جواز تأخير البيان عن وقت الخِطاب، لأنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَرسَلَ الحُلّة إلى عليّ، فَبَنَى عليٌّ على ظاهر الإرسال، فانتَفَعَ بها في أشهَرِ ما صُنِعَت له وهو اللُّس، فبيَّن له النبيّ وَّ أنَّه لم يُبِح له لُبسَها، وإنَّما بَعَثَ بها إليه ليكسوَها غيره ثمّن تُباح له، وهذا كلّه إن كانت القصَّة وَقَعَت بعد النَّهي عن لُبس الرِّجال الحرير، وسيأتي مزيدٌ لهذا في الحديث الذي بعده. الحديث الثاني: ٥٨٤١- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثني جُوَيِرِيَةُ، عن نافع، عن عبدِ الله: أنَّ عمرَ ﴿ رَأَى حُلّةَ سِيَرَاءَ تُباعُ، فقال: يا رسولَ الله، لو ابتَعْتَها فَلَبِستَها للوَقْدِ إذا أَتَوْكَ، وللجُمعةِ؟ قال: ((إنَّما يَلْبَسُ هذه مَن لا خَلَاقَ له))، وأنَّ النبيَّ ◌َلَهَ بَعَثَ بعدَ ذلك إلى عمرَ حُلّةً ◌ِيَرَاءَ كَسَاها إيّاه، فقال عمرُ: كَسَوتَنِيها وقد سمعتُكَ تقولُ فيها ما قلتَ! فقال: ((إِنَّما بَعَنْتُ إليكَ لتَبِيعَها أو تَكْسُوَها). قوله: ((جُوَيرِيَة)) بالجيم والرَّاء مُصغَّر وبعد الرَّاء تحتانيَّة مفتوحة. قوله: «عن عبد الله» هو ابن عمر. قوله: ((أنَّ عمر رَأى حُلّةَ سَيَرَاءَ» هكذا رواه أكثر أصحاب نافع، وأخرجه النَّسائيُّ (٥٢٩٥) من رواية عُبيد الله بن عمر العُمَريّ عن نافع عن ابن عمر عن عمر: أنَّه رأى حُلّة؛ فجعله من مُسنَد عمر، قال الدَّارَ قُطنيُّ: المحفوظ أنَّه من مُسنَد ابن عمر. و((سِيَرَاء)) تقدَّم ضبطها وتفسيرها في الحديث الذي قبله، ووَقَعَ في روایة مالك عن نافع كما تقدَّم في كتاب الجمعة (٨٨٦): أنَّ ذلك كان على باب المسجد، وفي رواية ابن إسحاق عن نافع عند النَّسائيِّ (ك٩٤٩٦): أنَّ عمر كان مع النبيّ وَّهُ في السّوق، فرأى الحُلّة؛ ولا تَّخَالُفَ بين الرِّوايتَين، لأنَّ طَرَف السّوق كان يَصِلُ إلى قُرْب باب المسجد. قوله: ((تُباع)) في رواية جَرِير بن حازم عن نافع عند مسلم (٧/٢٠٦٨): رأى عمرُ عُطارِداً التَّميميّ يُقِيم حُلّة بالسّوق، وكان رجلاً يَغشَى الملوك ويُصيب منهم، وأخرج الطبرانيُّ ٩٣ باب ٣٠ / ح ٥٨٤١ كتاب اللباس (٣٩٥/٢٣) من طريق أبي مِجْلَز عن حفصة بنت عمر: أنَّ عُطارد بن حاجب جاء بثوبٍ من ديباج كَسَاه إيّاه كِسرَى، فقال عمر: ألا أشتَريه لك يا رسول الله؟ ومن طريق عبد الرَّحمن ابن عَمْرو بن معاذ عن عُطارد نفسه (١٨ /٢٢): أنَّه أهدَى إلى النبيّ ◌َّ ثوب ديباج كَسَاه إيّاه كِسَى، والجمع بينهما: أنَّ عُطارداً لمَّا أقامَه في السّوق ليُباعَ لم يَتَّفِقِ له بيعُه، فأهداه للنبيِّ ێ﴾. وعُطارِد هذا: هو ابن حاجب بن زرارةَ بن عُدُس - بمُهمَلاتٍ - الدَّارِمُّ، يُكْنی أبا عِكِرِشة بشينٍ مُعجَمة، كان من ◌ُلة وفد بني تَميم أصحاب الحُجُرات، وقد أسلَمَ وحَسُنَ إسلامه واستعمله النبيّ وَِّ على صَدَقات قومه، وكان أبوه من رُؤَساء بني تميم في الجاهليَّة، وقِصَّته مع كِسرَى في رَهْنه قوسَه عِوَضاً عن جمع كثير من العرب عند کِسرَی مشهورة، حتَّی ضُرِبَ المثَل بقَوسِ حاجبٍ. قوله: ((لو ابتَعَتَها فَلَبِستَها)) في رواية سالم عن ابن عمر كما تقدَّم في العيدَينِ (٩٤٨): ((ابتَعْ هذه فتَجَمَّلْ بها)) وكأن عمر أشارَ بشِرائها وتَمنّاه. قوله: (لِلوَفْدِ إذا أَتَوْك) في رواية جَرِير بن حازم: ((لِوفودِ العرب)» وكأنَّه خَصَّه بالعربِ لأنَّهم كانوا إذ ذاكَ الوفود في الغالب، لأنَّ مكَّة لمَّا فُتِحَت بادَرَ العربُ بإسلامهم، فكانت كلّ قبيلة تُرسِل كُبِراءَها ليُسلِموا ويَتَعلَّموا، ويَرجِعوا إلى قومهم فيَدْعوهم إلى الإسلام ويُعلِّموهم. قوله: ((وللجُمعةِ)) في رواية سالم: ((العيد)) بَدَل: الجمعة، وَمَعَ ابن إسحاق عن نافع ما تَضَمَّنَته الرِّوايتان، أخرجه النَّسائيُّ (ك٩٤٩٦) بلفظ: فتَجمَّلتَ بها لوفودِ العرب إذا أتوك، وإذا خَطَبتَ الناس في يوم عيد وغيره. قوله: ((إنَّما يَلْبَس هذه) في رواية جَرِير بن حازم: ((إِنَّا يَلْبَس الحريرَ)). قوله: ((مَن لا خَلَاقَ له)) زاد مالك في روايته: «في الآخرة». والخَلَاق: النَّصیب، وقيل: الحظّ، وهو المراد هنا، ويُطلَق أيضاً على الحُرْمة وعلى الدِّين، ويحتمل أن يُرادمَن لا نَصِيبَ له في ٩٤ باب ٣٠ / ح ٥٨٤١ فتح الباري بشرح البخاري الآخرة، أي: مِن لُبس الحرير، قاله الطِّيبي، وقد تقدَّم في حديث أبي عثمان عن عمر في أوَّل ٢٩٩/١٠ حديثٍ من ((باب / لُبس الحرير)) (٥٨٣١) ما يُؤيِّده، ولفظه: ((لا يَلْبَسُ الحرير إلّا مَن ليس له في الآخرة منه شيء)». قوله: ((وأنَّ النبيَّ وَّلِ بَعَثَ بعد ذلك إلى عمر خُلّةَ سيراء)) زاد الإسماعيليّ من هذا الوجه: (بحُلّةٍ سِيَراء من حرير))، و((مِن)) بيانيَّة، وهو يقتضي أنَّ السّيَراء قد تكون من غير حرير(١). قوله: ((كَسَاها إيّاه)) كذا أطلقَ، وهي باعتبار ما فَهِمَ عمرُ من ذلك، وإلّا فقد ظَهَرَ من بَقِيَّة الحديث أنَّه لم يَبعَث إليه بها ليَلبَسها، أو المراد بقولِه: كَسَاه: أعطاه ما يَصلُح أن يكون كِسوة، وفي رواية مالك الماضية في الجمعة (٨٨٦): ثمَّ جاءت رسولَ الله وَّلَه منها حُلَل، فأعطَى عمرَ حُلّة، وفي رواية جَرِير بن حازم(٢): فلمَّا كان بعد ذلك أُتِيَ رسول الله وَّهِ بِحُلَلِ سِيَراء، فِبَعَثَ إلى عمر بحُلّةٍ، وبَعَثَ إلى أُسامة بن زيد بحُلّةٍ، وأعطَى عليّ بن أبي طالب حُلّة؛ وعُرِفَ بهذا جهة الحُلّة المذكورة في حديث عليّ المذكور أوَّلاً. قوله: «فقال عمر: گسوْتنیها وقد سمعتُك تقول فيها ما قلت!» في روایة جَرِیر بن حازم: فجاء عمر بحُلَّتِهِ يَحمِلها، فقال: بَعَثتَ إليَّ بهذه، وقد قلتَ بالأمسِ في حُلّة عُطارد ما قلتَ! والمراد بالأمسِ هنا: يحتمل اللَّيلة الماضية أو ما قبلها، بحَسَبٍ ما اتَّفَقَ من وصول الحُلَل إلى النبيّ وَّه بعد قصَّة حُلّة عُطارد، وفي رواية محمَّد بن إسحاق: فخَرَجتُ فَزِعاً فقلت: يا رسول الله، تُرسِل بها إليَّ وقد قلت فيها ما قلت! قوله: ((إنّما بَعَنْتُ بها إليك لتبيعها أو تكْسوها» في روایة جَرِیر: ((لِتُصيبَ بها))، وفي رواية الزُّهْريِّ عن سالم كما مضى في العيدَينِ (٩٤٨): ((تبيعها وتُصيب بها حاجتَك))، وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق عن سالم كما سيأتي في الأدب (٦٠٨١): ((لِتُصيبَ بها مالاً))، وزاد مالك في آخر الحديث: فكَسَاها عمرُ أخاً له بمكَّة مُشرِكاً، زاد في رواية عبيد الله بن عمر العُمَريّ عند (١) يُفهَم من شرح الحافظ هنا أنه لم يقع في نسخته من ((الصحيح)) في هذا الحديث لفظ الحرير، والذي في النسخة اليونينية أنَّ رواية أبي ذر الهروي هنا: ((حلة سيراءَ حريراً)! (٢) أي: عند مسلم (٢٠٦٨) (٧). ٩٥ باب ٣٠ / ح ٥٨٤١ كتاب اللباس النَّسائيِّ (٥٢٩٥): أخاً له من أمّه، وتقدَّم في البيوع (٢٦١٩) من طريق عبد الله بن دینار عن ابن عمر: فأرسَلَ بها عمر إلى أخ له من أهل مكَّة قبل أن يُسلِم؛ قال النَّوويّ: هذا يُشعِر بأنَّه أسلم بعد ذلك. قلت: ولم أقِفْ على تسمية هذا الأخ إلّا فيما ذكره ابن بَشكُوَال في ((المبهَمات)) نَقلاً عن ابن الحَذّاء في رجال ((الموطَّأ)) فقال: اسمه عثمان بن حَكيم، قال الدِّمياطيّ: هو السُّلَمَيّ أخو خولة بنت حكيم بن أُميَّة بن حارثة بن الأوقَص، قال: وهو أخو زيد بن الخطّب لأُمُّه، فمَن أطلقَ عليه أنَّه أخو عمر لأُمِّه، لم يُصِب. قلت: بل له وجه بطريق المجاز، ويحتمل أن يكون عمر ارتَضَعَ من أمّ أخيه زيد، فيكون عثمان أخا عمر لأُمِّه من الرَّضاع وأخازيد لأُمِّه من النَّسَب. وأفادَ ابن سعد أنَّ والدة سعيد بن المسيّب: هي أمّ سعيد بنت عثمان بن حكيم (١)، ولم أقِفْ على ذِكْرِه في الصحابة، فإن كان أسلَمَ فقد فاتَهم، فليُستَدرَك، وإن كان ماتَ كافراً وكان قوله: ((قبل أن يُسلِم)) لا مفهوم له، بل المراد أنَّ البعث إليه كان في حال كفره مع قطع النَّظَر عمَّ وراء ذلك، فلتُعَدَّ بنتُه في الصحابة. وفي حديث جابر الذي أوَّله: أنَّ النبيَّ وَلَيه صَلَّى فِي قَبَاء حرير ثمَّ نَزَعَه، فقال: ((تَهاني عنه جِبْريل)) كما تقدَّم التَّنبيه عليه في أوائل كتاب الصلاة(٢) زيادة عند النَّسائيِّ (٥٣٠٣) وهي: فأعطاه لعمر، فقال: (لم أُعطِكَه لتَلْبَسَه بل التَبِيعَه)) فباعَه عمر، وسنده قويّ، وأصله في مسلم (٢٠٧٠)، فإن كان محفوظاً أمكَنَ أن يكون عمر باعَه بإذنِ أخيه بعد أن أهداه له، والله أعلم. تنبيه: وجه إدخال هذا الحديث في ((باب الحرير للنِّساءِ))، يُؤخَذ من قوله لعمر: ((لِتَبِيعَها أو تَكسُوَها)) لأنَّ الحرير إِذا كان لُبسه مُرَّماً على الرِّجال، فلا فرقَ بين عمر وغيره من الرِّجال في ذلك، فيَنْحَصِر الإذن في النِّساء، وأمَّا کونُ عمر گَسَاها أخاه فلا يُشكِلُ علی ذلك عند مَن يرى أنَّ الكافر ◌ُخاطَب بالفُروع، ويكون أهدَى عمرُ الْحُلّةَ لأخيه ليبيعَها أو يكسَوها امرأةً، (١) تحرَّف في (س) إلى: الحكم. (٢) عند شرح الحديث (٣٧٥). ٩٦ باب ٣٠ / ح ٥٨٤١ فتح الباري بشرح البخاري ويُمكِن مَن يرى أنَّ الكافر غير مُخاطَب أن يَنفَصِل عن هذا الإشكال بالتَّمَسُّكِ بدخولِ النِّساء في عُموم قوله: ((أو تكسوها))، أي: إمّا للمرأة أو للكافرِ، بقَرِينة قوله: ((إنَّما يَلْبَسُ هذا مَن لا خَلَاقَ له)) أي: من الرِّجال. ٣٠٠/١٠ ثمَّ ظَهَرَ لي وجه آخر: وهو أنَّه أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث المذكورة، فقد/ أخرج الحديث المذكور الطَّحاويُّ (٢٥٣/٤) من رواية أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر قال: أبصَرَ رسول الله وَ له على عُطاردٍ حُلّة فَكَرِهَها له، ثمَّ إِنَّ كَسَا عمر مِثلَه ... الحديث، وفيه: «إنّي لم أكسُكها لتَلبَسها، إنَّما أعطَيْتُكها لتُلِسَها النِّساءِ». واستُدِلَّ به على جواز لُبسِ المرأة الحريرَ الصَّرْف، بناء على أنَّ الحُلّة السِّيَراء هي التي تكون من حرير صِرْف، قال ابن عبد البَرِّ: هذا قول أهل العلم، وأمَّا أهل اللَّغة فيقولون: هي التي يُخالطها الحرير، قال: والأوَّل هو المعتمَد. ثمَّ ساقَ (١٤ /٢٤١) من طريق محمَّد ابن سِيرِين عن ابن عمر نحوَ حديث الباب، وفيه: ((حُلّة من حرير))، وقال ابن بَطّال: دَلَّت طرق الحديث على أنَّ الحُلّة المذكورة كانت من حرير مَحْض، ثمَّ ذكرَ من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر: أنَّ عمر قال: يا رسول الله، إنّ مَرَرت بعُطاردٍ يَعِرِض حُلّة حرير للبيع ... الحديث، أخرجه أبو عَوَانة (٨٤٩٣) والطَّبَريّ بهذا اللَّفظ. قلت: وتقدَّم في البيوع (٢١٠٤) من طريق أبي بكر بن حفص عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: حُلّة حرير أو سِيَرَاء، وفي العيدَينِ (٩٤٨) من طريق الزُّهْريِّ عن سالم: جُبَّةً من إستَبِرَق، وقد فُسِّرَ الإستَبرَق في طريق أُخرى بأنَّه ما غَلُظَ من الدِّيباج، أخرجه المصنِّف في الأدب (٦٠٨١) من طريق يحيى بن أبي إسحاق قال: سألَني سالم عن الإستَبرَق، فقلت: ما غَلُظَ من الدّيباج، فقال: سمعت عبد الله بن عمر، فذكر الحديث، ووَقَعَ عند مسلم (٢٤٦٩) من حديث أنس في نحو هذه القصّة: حُلّة من سُندُس. قال النَّوويّ: هذه الألفاظ تُبيِّن أنَّ الحُلّة كانت حريراً محضاً. قلت: الذي يَتَبِيَّن أنَّ السِّيَراء قد تكون حريراً صِرْفاً وقد تكون غير مَحَض، فالتي في قصَّة عمر جاء التَّصريح بأنَّها كانت من ٩٧ باب ٣٠ / ح ٥٨٤٢ كتاب اللباس حرير مَحض، ولهذا وَقَعَ في حديثه: ((إنَّما يَلْبَسُ هذه مَن لا خَلَاقَ له))، والتي في قصَّة عليٍّ لم تكن حريراً صِرفاً، لما روى ابن أبي شَيْبة (٣٤٧/٨) من طريق أبي فاختة عن هُبَيرة بن يَرِيم عن عليّ قال: أُهديَ لرسولِ اللهِ وَّهِ حُلّة مُسَيَّرة بحريرٍ، إمّا سَدَاها أو ◌ُمَتها، فَأَرسَلَ بها إليَّ فقلت: ما أصنَعُ بها، ألبَسُها؟ قال: ((لا أرضَى لك إلّا ما أرضَى لنفسي، ولكنِ اجعَلها ◌ُراً بين الفواطم))، وقد أخرجه أحمد (١١٥٤) وابن ماجه(١) من طريق أبي إسحاق عن هُبَيرة، فقال فيه: ((حُلّة من حریر))، وهو محمول على رواية أبي فاختة، وهو بفاءٍ ومُعجَمة ثمَّ مُثنّة، اسمه سعيد بن عِلَاقة، بكسر المهمَلة وتخفيف اللّام ثمَّ قاف، ثقة، ولم يقع في قصَّة عليّ وعيدٌ على لُبسها كما وَقَعَ في قصَّة عمر، بل فيه: «لا أرضَى لك إلّا ما أرضَى لنفسي))، ولا رَيبَ أنَّ ترك لُبس ما خالَطَه الحرير أولى من لُبسه عند مَن يقول بجوازه، والله أعلم. ٥٨٤٢- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني أنسُ بنُ مالكِ: أنَّه رَأى على أمِّ كُلْثُومٍ عليها السَّلام بنتِ رسولِ الله ◌ِّ بُرْدَ حريرٍ سِيَراءَ. الحديث الثالث: حديث أنس: ((أنَّه رأى على أمّ كلثوم بنت رسول الله ◌َّ بُردَ حریرٍ ◌ِيَراء» هكذا وَقَعَ في رواية شُعَيب عن الزُّهْرِيِّ، ووافَقَه الزُّبَيديّ كما تقدَّمَتِ الإشارة إليه في ((باب مَسّ الحرير من غير لُبس))(٢)، وأخرجه النَّسائيُّ (ك٩٥٠٦) من رواية ابن جُرَیج عن الزُّهْريِّ كالأوَّل، ومن طريق مَعمَر عن الزُّهْريِّ نحوه (ك٩٥٠٣)، لكن قال: ((زينب)) بَدَل أمّ كُلثوم، والمحفوظ ما قال الأكثر. وقد غَفَلَ الطَّحاويُّ فقال: إن کان أنس رأى ذلك في زمن النبيّ پټ فیعارض حديث عُقْبة - يعني الذي أخرجه النَّسائيُّ (٥١٣٦)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٤٨٦): أنَّ النبيَّ ◌َيه كان يَمنَع أهلَه الحريرَ والحِلْية - وإن كان بعد النبيّ ◌َيرِ كان دليلاً على نَسْخ حديث عُقْبة، كذا قال، وخَفِيَ عليه أنَّ أمّ كُلثوم ماتت في حياة النبيّ وَّه وكذلك زينب، فبَطَلَ التردُّدُ، وأمَّا (١) رواية ابن ماجه (٣٥٩٦) من طريق أبي فاختة عن هبيرة، ولم يخرجه من طريق أبي إسحاق عن هبيرة. (٢) باب رقم (٢٦). ٩٨ باب ٣٠ / ح ٥٨٤٢ فتح الباري بشرح البخاري دَعَوَى المعارضة فمردودة، وكذا النَّسخ، والجمع بينهما واضح بحملِ النَّهي في حديث عُقْبة على التَّنزيه، وإقرار أمّ كُلثوم على ذلك إمّا لبيان الجواز، وإمّا لكونها كانت إذ ذاكَ صغيرة، وعلى هذا التَّقدير فلا إشكال في رواية أنس لها، وعلى تقدير أن تكون كانت كبيرة فيُحمّل على أنَّ ذلك كان قبل الحجاب أو بعده، لكن لا يَلزَمُ من رُؤية الثَّوب على اللّبِس رُؤيةٌ ٣٠١/١٠ اللّابِس، فلعلَّه رأى ذيلَ القميص مثلاً، ويحتمل أيضاً أنَّ السّيَراء/ التي كانت على أمّ كُلثوم كانت من غير الحرير الصِّرف كما تقدَّم في حُلّة عليّ، والله أعلم. واستُدِلَّ بأحاديث الباب على جواز لُبس الحرير للنِّساءِ سواء كان الثَّوب حريراً كّه أو بعضه، وفي الأوَّل عرضُ المفضول على الفاضل والتابع على المتبوع ما يحتاج إليه من مصالحه مما يُظَنّ أنَّه لم يَطَّلِعْ عليه، وفيه إباحةُ الطَّعن لمن يَستَحِقّه، وفيه جواز البيع والشِّراء على باب المسجد، وفيه مُباشَرة الصالحينَ والفُضَلاء البيع والشِّراء. وقال ابن بَطّال: فيه تركُ النبيّ وَ﴿ لباسَ الحرير زهداً في الدُّنيا، وإرادة تأخير الطيِّبات إلى الآخرة التي لا انقضاء لها، إذ تعجيل الطيِّيات في الدُّنيا ليس من الحزم، فَزَهِدَ في الدُّنيا للآخرة وأمَرَ بذلك، ونَهَى عن كلّ سَرَف وحَرَّمَه. وتَعقَّبَه ابن المنيِّر: بأنَّ تركه ◌َلِّ لُبسَ الحرير إنَّما هو لاجتنابِ المعصية، وأمَّا الزُّهد فإنَّما هو في خالص الحلال وما لا عُقوبةَ فيه، فالتَّقُلُّل منه وتركه مع الإمكان هو الذي تَتَفَاضَل فيه درجات الزُّهّاد. قلت: ولعلَّ مُرادَ ابن بَطّال بيان سبب التَّحريم فيستقيم ما قاله. وفيه جواز بيع الرِّجال الثّيابَ الحرير وتَصَرُّفهم فيها بالهِبَة والهديّة لا اللُّبس. وفيه جواز صِلَة القريب الكافر والإحسان إليه بالهديّة. وقال ابن عبد البَرِّ: فيه جواز الهديَّة للكافرِ ولو كان حَربيّاً. وتُعقِّبَ: بأنَّ عُطارداً إِنَّا وَفَدَ سنة تسع ولم يَبْقَ بمكَّة بعد الفتح مُشْرِك، وأُجيبَ: بأنَّه لا يَلزَم من كَون وِفادة عطارد سنة تسع أن تكون قصَّة الحُلّة كانت حينئذٍ، بل جازَ أن تكون قبل ذلك، وما زالَ المشركونَ يَقدَمونَ المدينة ويعاملونَ المسلمين بالبيع وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك سنةَ الوفود، فيحتمل أن يكون في المدّة التي كانت بين الفتح وحَجّ أبي بكر، فإنَّ منع المشرِكينَ من مكَّة إنَّما كان من حَجّة أبي بكر سنة تسع، ففيها وَقَعَ ٩٩ باب ٣١ / ح ٥٨٤٣ كتاب اللباس النَّهي أن لا يَحُجّ بعد العام مُشِرِك ولا يَطُوف بالبيت عُريان (١). واستُدِلَّ به على أنَّ الكافر ليس مُخاطَباً بالفُروع، لأنَّ عمر لمَّا مُنعَ من لُبس الحُلّة أهداها لأخيه المشرِك ولم يُنكَر عليه، وتُعقّبَ: بأنَّه لم يأمر أخاه بلُبِسِها، فيحتمل أن يكون وَقَعَ الْحُكم في حَقّه كما وَقَعَ في حقّ عمر، فيَنْتَفِعِ بها بالبيع أو كِسوة النِّساء ولا يَلْبَسُ هو. وأُجيبَ: بأنَّ المسلم عنده من الوازع الشَّرعيّ ما يَحمِله بعد العِلْمَ بالنَّهي عن الكَفّ، بخِلَاف الكافر فإنَّ كفره يَحمِله على عَدَم الكَفّ عن تعاطي المحرَّم، فلولا أنَّه مُباحٌ له لُبسه لمَا أهدَى له، لما في تمكينه منه من الإعانة على المعصية، ومن ثَمَّ يَجِرُم بيع العَصير ثمّن جَرَت عادتُه أن يَتَّخِذه خمراً وإن احتَمَلَ أنَّه قد يشربه عَصيراً، وكذا بيع الغلام الجميل ممَّن يَشتَهِر بالمعصية، لكن يحتمل أن يكون ذلك كان على أصل الإباحة، وتكون مشروعيَّة خطاب الكافر بالفُروع تَراخَت عن هذه الواقعة، والله أعلم. ٣١- باب ما كان النبيُّ نَّه يتجوّز من اللِّباس والبُسْط ٥٨٤٣- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَادُ بنُ زيدٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عُبيدِ بنِ حُنَينٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لَبِثْتُ سَنةً وأنا أُرِيدُ أن أسألَ عمرَ عن المرأتينِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا على النبيِّ وَّةِ، فَجَعَلْتُ أهابُه فنزلَ يوماً مَنْزِلاً فدَخَلَ الأَرَاكَ، فلمَّا خَرَجَ سألتُه، فقال: عائشةُ وحفصةُ، ثمّ قال: كنَّا في الجاهليَّةِ لا نَعُدُّ النِّساءَ شيئاً، فلمَّا جاء الإسلامُ وذَكَرَ هُنَّ الله رأينا لهنَّ بذلك علينا حَقّاً، من غيرِ أن نُدْخِلَهُنَّ في شيءٍ من أُمُورِنا، وكان بيني وبينَ امرأتي كلامٌ فأغلَظَت لي، فقلتُ لها: وإِنَّكِ لَهُناكِ! قالت: تقولُ هذا لي وابنتُكَ تُؤْذي النبيَّ ◌ََّ؟ فأتيتُ حفصةَ، فقلتُ لها: إنّي أَحَذِّرُكِ أن تَعْصِي الله ورسوله، وتقدَّمْتُ إليها في أذَاهُ، فأتيتُ أمَّ سَلَمَةَ، فقلتُ لها، فقالت: أعجَبُ منكَ يا عمر، قد دَخَلْتَ في أُمُورِنا، فلم يَبْقَ إلّا أن تَدْخُلَ بينَ رسولِ الله وَّهِ وَأَزْوَاجِه، فَرَدَّدَتْ. وكان رجلٌ منَ الأنصار إذا غابَ عن رسولِ الله ◌ِّه وشَهِدْتُه، أتيتُه بما يكونُ، وإذا غِبتُ (١) سلف هذا من حديث أبي هريرة برقم (٣٦٩). ١٠٠ باب ٣١ / ح ٥٨٤٤ فتح الباري بشرح البخاري عن رسولِ الله وَ﴿ وَشَهِدَ، أتاني بما يكونُ من رسولِ الله وَّهِ، وكان مَن حَوْلَ رسولِ الله وَليه قد استَقَامَ له، فلم يَيْقَ إلّا مَلِكُ غسَّانَ بالشَّام، كنَّا نَخافُ أن يأْتِيَنا، فما شَعَرَتُ بالأنصاريِّ وهو يقول: إنَّه قد حَدَثَ أمرٌّ، قلتُ له: وما هو؟ أجاء الغسَّانيُّ؟ قال: أعظَمُ من ذاكَ! طَلَّق رسولُ الله ◌َّهِ نساءَه، فجِئْتُ فإذا البُكاءُ من حُجَرِهِا كلُّها، وإذا النبيُّ وَلِ قد صَعِدَ في مَشْرُبةٍ له وعلى باب المَشْرُبِ وَصِيفٌ، فأتيتُهُ فقلتُ: استأذِنْ لي، فدَخَلْتُ، فإذا النبيُّنَّه على حَصِيرٍ قد أَثْرَ في جَنْبِهِ، وتحتَ رأسِه مِرْفَقَةٌ من أَدَمَ حَشْوُها لِيفٌ، وإذا أُهُبُ مُعلَّقَةٌ وَقَرَظُ، فَذَكَرتُ الذي قلتُ لحفصةَ وُمَّ سَلَمَةَ، وَالَّذِي رَدَّتْ عليَّ أُ سَلَمَةَ، فضَحِكَ رسولُ اللهِّ، فَلَبِثَ تسعاً وعشِرِينَ ليلةً، ثمَّ نزلَ. ٥٨٤٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبَرَتْني مِنْدٌ بنتُ الحارثِ، عن أمّ سَلَمَةَ قالت: استَقَظَ النبيُّ ◌َ﴿ مِنَ اللَّيلِ وهو يقول: ((لا إلهَ إلّا اللهُ، ماذا أُنْزِلَ اللَّيلةَ منَ الفِتْنِةِ؟ ماذا أُنزِلَ منَ الخزائنِ؟ مَن يُوقِظُ صَوَاحبَ الحُجُرات؟ كم من كاسِيَةٍ في الدُّنْيا عاريةِ يومَ القيامةِ)). قال الزُّهْريُّ: وكانت هِنْدٌ لها أزْرارٌ في كُمَّيها بينَ أصابعِها. ٣٠٢/١٠ قوله: ((باب ما كان النبيّ وَ ل﴿ يَتجوَّز من اللِّباس والبُسْط)) معنى قوله: ((يَتجوَّز)): يَتَوسَّع فلا يُضَيِّق بالاقتصار على صِنْف بعَينِهِ، أو لا يُضَيِّقَ بطلبِ النَّفيس والغالي، بل يَستَعمِل ما تيسَّر، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((يَتَجَزَّى)) بجيمٍ وزاي أيضاً لكنَّها ثقيلة مفتوحة بعدها ألف، وهي أوضَحُ، والبسْط بفتح الموحّدة(١): ما يُبسَط ويُجلس عليه. وذکر فیه حدیثین: أحدهما: حديث ابن عبّاس في قصَّة المرأتينِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا، وقد تقدَّم شرحه في الطَّلاق (٥١٩١) مُستَوفَّى، والغرض منه: نَومُهمَ لَه على حَصِير وتحت رأسه مِرفَقة حَشوُها ليف. (١) كذا قال الشارح رحمه الله، وقال الكرماني: البُسط جمع البساط، قال العيني في ((عمدة القاري)) ١٩/٢٢: فحينئذٍ لا تكون الباء إلّا مضمومة، وما أظنُّ الصحيح إلّا هذا.