النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
باب ٢٣ / ح ٥٨٢٥
كتاب اللباس
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن بشَّار، حدَّثنا عبد الوهاب)» هو الثَّقْفيّ، وصَرَّحَ به الإسماعيليّ.
قوله: ((عن عِكْرمة)) في رواية أبي يَعْلى: حدَّثنا سُوَيد بن سعيد حدَّثنا عبد الوهّاب الثَّقفيّ
بسنده، وزاد فيه: عن ابن عبّاس.
قوله: «أنَّ رِفاعةَ طَلَّقَ امرأته، فتزوَّجَها عبدُ الرّحمن بن الزَّبَيرِ القُرَظيّ، قالت عائشة: وعليها
◌ِمارٌ أخضر فشَكَت إليها)) أي: إلى عائشة، وفيه الْتِفات أو تجريد.
وفي قوله: ((قالت عائشة)) ما يُبيِّن وهم روایة سوید، وأنَّ الحدیث من روایة عكرمة عن
عائشة.
قوله: ((والنِّساءِ يَنْصُر بعضُهنَّ بعضاً)» ◌ُلة مُعتَرضة، وهي من كلام عكرمة، وقد صَرَّحَ
وُهَيب بن خالد في روايته عن أيوب بذلك، فقال بعد قوله: ((لَجِلدُها أشدُّ خُضرةً من
خمارها)): قال عِكْرمة: والنِّساءُ يَنصُر بعضهنَّ بعضاً، رُوِّيناه في ((فوائد أبي عَمْرو بن السَّمَاك)) من
طريق عفَّنَ عن وُهَيب، قال الكِرْمايُّ: خُضْرة چِلْدها يحتمل أن تكون لُزالها، أو من ضرب
زوجها لها. قلت: وسياق القصَّة رَجَحَ الثّاني.
قوله: «قال: وسمِعَ أنَّها قد أتتْ» في رواية وُهيب: قال: فسمعَ بذلك زوجُها.
قوله: ((ومعه ابنانِ)) لم أقِفْ على تسميتهما، ووَقَعَ في رواية وُهَيب: بنونَ له.
قوله: ((لم تَحِّي له، أو لم تَضْلُحي له)) كذا بالشكّ، وهو من الراوي، وفي رواية
الكُشْمِيهنيِّ: ((لا ◌َحِينَ له ولا تَصلُحينَ له))، وذكر الکِرْمانُّ: أنَّه وَقَعَ في بعض الرِّوايات:
(لم تَحِلِينَ)) ثمَّ أَخَذَ في توجيهه. وعُرِفَ بهذا الجواب وجهُ الجمع بين قولها: ((ما معه إلّا مِثل
الهُدبة)) وبين قوله ◌َّهِ: ((حَتَّى تَذُوقِي عُسَيلته))، وحاصله: أنَّه رَدَّ عليها دَعواها، أمَّا أوَّلاً:
فعلى طريق صِدْق زوجها فيما زَعَمَ أنَّه يَنفُضها نفضَ الأديم، وأمَّا ثانياً: فللاستدلال على
صِدْقه بولدیه اللَّذَینِ کانا معه.
قوله: ((وأبصَرَ معه ابنَينٍ له، فقال: بَنُوك هؤُلاءِ؟)) فيه جواز إطلاق اللَّفظ الدَّالِّ على الجمع
على الاثنين، لكن وَقَعَ في رواية وُهَيب بصيغة الجمع فقال: ((بنونَ له)).

٦٢
باب ٢٤ / ح ٥٨٢٦ - ٥٨٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((تَزْعُمينَ ما تَزْعُمينَ)) في رواية وُهَيب: «هذا الذي تَزْعُمينَ أنَّه كذا وكذا))، وهو
كِنايةٌ عمَّ ادَّعَت عليه من العُنّة، وقد تقدَّمَت مباحث قصَّة رِفاعة وامرأته في كتاب الطَّلاق
(٥٢٦٠).
وقوله: (لَأَنفُضها نَفضَ الأديم)) كِنايةٌ بليغة في الغاية من ذلك، لأنَّها أوقَعُ في النَّفْس من
التَّصريح، لأنَّ الذي يَنفُض الأديم يحتاج إلى قوّة ساعِدٍ ومُلازَمة طويلة، قال الدَّاوُوديُّ:
يحتمل تشبيهها بالهُذْبة انكِساره وأنَّه لا يَتَحرَّك، وأنَّ شِدَّته لا تَشْتَدّ، ويحتمل أنَّهَا كَنَّت
بذلك عن نَحافَته، أو وَصَفته بذلك بالنّسبة للأوَّل، قال: ولهذا يُستَحَبّ نكاح البِكْر لأنَّهَا
تَظُنّ الرِّجال سواءً، بخِلَاف الشَّيِّب.
٢٤ - باب الثياب البِيض
٥٨٢٦- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، أخبرنا محمَّدُ بنُ بِشْرٍ، حدَّثنا مِسعَرٌ، عن
سَعْدٍ بنِ إبراهيمَ، عن أبيه، عن سعدٍ، قال: رأيتُ بَشِمال النبيِّ وَّهُ وِيَمِينِهِ رَجُلَيْنِ عليهما ثِيابٌ
بِيضٌ يومَ أُحُدٍ، ما رأيتُهما قبلُ ولا بَعْدُ.
٥٨٢٧ - حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن الحسينِ، عن عبدِ الله بنِ بُرَيدةَ، عن
يحيى بنِ يَعْمَرَ حدَّثه، أنَّ أبا الأسوَدِ النُّؤَلِيَّ حَّثه، أنَّ أبا ذرِّ ◌ُه حدَّثه قال: أتيتُ النبيَّ ◌َّ وعليه
ثوبٌ أبيضُ وهو نائمٌ، ثمَّ أتيتُه وقدِ استَقَظَ، فقال: ((ما مِن عبدٍ قال: لا إلهَ إلّا الله، ثمَّ ماتَ
على ذلك، إلّا دَخَلَ الجنَّةَ)) قلتُ: وإن زَنَى وإن سَرَقَ؟ قال: ((وإن زَّنَى وإن سَرَقَ)) قلتُ: وإن زَنَى
وإن سَرَقَ؟ قال: ((وإن زَنَى وإن سَرَقَ)) قلتُ: وإن زَنَى وإن سَرَقَ؟ قال: ((وإن زَنَى وإن سَرَقَ، على
رَغْمِ أنفِ أبي ذرٍّ). وكان أبو ذَرَّ إذا حدَّث بهذا قال: وإنْ رَغِمَ أنفُ أبي ذرٍّ.
قال أبو عبد الله: هذا عندَ الموتِ أو قبلَه، إذا تابَ ونَدِمَ وقال: لا إلهَ إلّا الله، غُفِرَ له.
قوله: ((باب الثّياب البِيض)) كأنَّ لم يَتْبت عنده على شرطه فيها شيء صريح، فاكتَفَى بِما وَقَعَ
في الحديثَينِ اللَّذَينِ ذكرهما، وقد أخرج أحمد (٢٠٢٣٦) وأصحاب ((السُّنَن))(١)، وصَحَّحَه
٢٨٣/١٠
(١) ابن ماجه (٣٥٦٧)، والترمذي (٢٨١٠)، والنسائي (١٨٩٦).

٦٣
باب ٢٤ / ح ٥٨٢٦-٥٨٢٧
كتاب اللباس
الحاكم (٤/ ١٨٥) من حديث سَمُرة رَفَعَه: «عليكم بالثّيابِ البياضِ فالبَسُوها، فإنَّهَا أطيَبُ
وأطهَر، وكَفِّنوا فيها موتاكم))، وأخرج أحمد (٢٢١٩) وأصحاب ((السُّنَن))(١) إلّا النَّسائيَّ،
وصَخَّحَه التِّرمِذيّ وابن حِبّان (٥٤٢٣) من حديث ابن عبّاس بمعناه، وفيه: ((فإنَّهَا من
خیر ٹیاپگم».
والحديث الأول من حديثي الباب: حديث سعد - وهو ابن أبي وقّاص - تقدَّم في غزوة أُحُد
(٤٠٥٤) وفيه تسمية الرجلينِ وأنَّها جِبريل وميكائيل، ولم يُصِبْ مَن زَعَمَ أنَّ أحدهما إسرافيل.
والحديث الثاني منه: قوله: ((عن الحسين)) هو ابن ذَكْوان المعلِّم البصري.
قوله: ((عن عبد الله بن بُريدة)) أي: ابن الحُصيب الأسلَمي، وهو تابعي، وشيخه تابعيٌّ أيضاً
إلا أنه أكبرُ منه، وأبو الأسود أيضاً تابعيٍّ كبير، كان في حياة النبي ◌َّ رجلاً.
قوله: ((أتيتُ النبيَّ وٍَّ وعليه ثوب أبيض)) في هذا القَدْر الغرضُ المطلوب من هذا الحديث،
وبقيتُه تتعلَّقُ بكتاب الرِّقاق، وقد أورده فيه (٦٤٤٣) من وجه آخر مطوَّلاً، ويأتي شرحُه
هناك إن شاء الله تعالى. وفائدةُ وصِفِه الثوبَ، وقولِه: «أتيتُه وهو نائمٌ، ثم أتيتُه وقد استيقظ)»،
الإشارةُ إلى استحضارِه القصةَ بما فيها، لَيَدُلَّ ذلك على إتقانه لها.
وقوله: ((وإنْ رَغِمَ أنفُ أبي ذرِّ)) يجوزُ في الغين المعجمة الفتح والكسر، أي: ذَلَّ، كأنه لَصِقَ
بالرَّغَام: وهو التراب.
وقوله: «قال أبو عبد الله» هو البخاري.
قوله: ((هذا عند الموت أو قبلَه، إذا تاب)) أي: من الكفرِ ((ونَدِم)) يريد شرحَ قوله: ((ما من
عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنَّة))، وحاصل ما أشار إليه: أن الحديث
محمولٌ على من وَخَّدَ ربَّه، ومات على ذلك تائباً من الذنوب التي أُشيرَ إليها في الحديث، فإنه
موعودٌ بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداءً، وهذا في حقوق الله باتِّفاق أهل السُّنَّة، وأما حقوقُ
العباد، فيُشتَرط رَدُّها عند الأكثر.
(١) أبو داود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤)، وابن ماجه (١٤٧٢).

٦٤
باب ٢٥ / ح ٥٨٢٨ - ٥٨٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقيل: بل هو كالأول، ويُثِيبُ اللهُ صاحبَ الحقِّ بما شاء، وأما من تَلَبَّسَ بالذُّنوب
المذكورة، ومات من غير توبة، فظاهرُ الحديث أنه أيضاً داخلٌ في ذلك، لكن مذهبُ أهل
السُّنَّة: أنه في مَشِيئة الله تعالى، ويدلُّ عليه حديثُ عُبادة بن الصامت الماضي في كتاب
الإيمان (١٨)، فإن فيه: ((ومَن أتى شيئاً من ذلك، فلم يُعاقَبْ به، فأمرُه إلى الله تعالى: إن
شاء عاقَبَه، وإن شاءَ عَفَا عنه))، وهذا المفَسَر مقدَّمٌ على المبهم، وكلٌّ منهما يَردُّ على المبتدِعة
٢٨٤/١٠ من الخوارج ومن المُعتزِلة الذين / يَدَّعُونَ وجوبَ خُلودِ من مات من مُرتكِبي الكبائر
عن غير توبةٍ في النار، أعاذنا الله من ذلك بمَنِّه وكَرَمِه.
ونقل ابنُ التِّين عن الدَّاوُودي: أن كلامَ البخاري خلافُ ظاهر الحديث، فإنه لو كانت
التوبةُ مُشترَطةً، لم يقل: ((وإن زنى، وإن سرق))، قال: وإنما المراد أنه يدخل الجنة: إما
ابتداءً، وإما بعدَ ذلك، والله أعلم.
٢٥ - باب لُبْسِ الحرير للرّجال، وقَدْرٍ ما يجوز منه
٥٨٢٨- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنَا قَتَادةُ، قال: سمعتُ أبا عثمانَ النَّهْدِيَّ: أتانا
كتابُ عمرَ ونحنُ معَ عُثْبَةَ بنِ فَرَقَدٍ بأذْرَبِيجانَ: أنَّ رسولَ اللهَِِّ نَهَى عن الحريرِ إلّا هكذا؛
وأشارَ بإصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الإبهامَ، قال: فيما عَلِمْنا أنَّه يعني الأعلامَ.
[أطرافه في: ٥٨٢٩، ٥٨٣٠، ٥٨٣٤، ٥٨٣٥]
٥٨٢٩ - حدّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا زُهَيرٌ، حدَّثنا عاصمٌ، عن أبي عثمانَ، قال: گَتَبَ إلینا
عمرُ ونحنُ بأذْرَبِيجانَ: أنَّ النبيَّ ◌َّلْ نَهَى عن لُبُسِ الحريرِ إلّا هكذا؛ وصَفَّ لنا النبيُّ ◌َّهِ إِصْبَعَيْه.
ورَفَعَ زُهَيْرٌ الوُسْطَى والسَّابَةَ.
٥٨٣٠- حدَّثْنا مُسلَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن التَّيْميِّ، عن أبي عثمانَ، قال: كنَّا معَ عُنْبَةَ، فَكَتَبَ إليه
عمرُ لُهُ: أنَّ النبيَّ ◌َّه قال: ((لا يُلبَسُ الحريرُ في الدُّنْيا، إلّا لم يُلَسْ منه شيءٌ فِي الآخِرِةِ)).
حدّثنا الحسنُ بنُ عمرَ، حدَّثْنَا مُعتَمِرٌ، حدَّثنَا أَبي، حدَّثنا أبو عثمانَ، وأشارَ أبو عثمانَ بإصْبَعَيه:
المسبِّحةِ والوُسْطَى.

٦٥
باب ٢٥ / ح ٥٨٣٠
كتاب اللباس
٢٨٥/١٠
وقال عبدُ الله بنُ رَجاءٍ: حدَّثْنَا جَرِيرٌ، عن يحيى، حدَّثْنِي عِمْرانُ ... وقَصَّ الحديثَ.
قوله: ((باب لُبس الحرير للِّجال، وقَدْرِ ما يجوز منه) أي: في بعض الثّياب، ووَقَعَ في ((شرح
ابن بَطّال)) و((مُستَخرَج أبي نُعَيم)) زيادة: ((افتراشُه)) في التَّرجمة، والأَولى ما عند الجمهور،
وقد تَرجَمَ للافتراش مُستَقِلَّا كما سيأتي بعد أبواب. والحرير معروف، وهو عربيّ سُمِّيَ بذلك
لِخُلوصِه، يقال لكلِّ خالص: مُحرَّر، وحَرَّرتُ الشَّيءَ: خَلَّصتُه من الاختلاط بغيره، وقيل: هو
فارسيّ مُعرَّب. والتَّقيد بالرِّجال يُخْرِج النِّساء، وسيأتي في ترجمة مُستَقِّةٍ(١).
قال ابن بَطّال: اختُلِفَ في الحرير، فقال قوم: يَرُم لُبسُه في كلّ الأحوال حتَّى على
النِّساء، نُقِلَ ذلك عن عليّ وابن عمر وحُذَيفة وأبي موسى وابن الزُّبَير، ومن التابِعِينَ: عن
الحسن وابن سيرين، وقال قوم: يجوز لُبسُه مُطلَقاً، وحَلوا الأحاديث الواردة في النَّهي عن
◌ُبسه على مَن لَبِسَه خُيَلاءَ أو على التَّنزيه. قلت: وهذا الثّاني ساقط لتُبُوتِ الوعيد على
لُبسِه، وأمَّا قول عِيَاض: حَلَ بعضهم النَّهيَ العامّ في ذلك على الكراهة لا على التَّحريم،
فقد تَعقَّبَه ابن دقيق العيد فقال: قد قال القاضي عياض: إنَّ الإجماع انعَقَدَ بعد ابن الزُّبَير
ومَن وافَقَه على تحريم الحرير على الرِّجال وإباحتِه للنِّساءِ، ذكر ذلك في الكلام على قول
ابن الزُّبَير في الطَّريق التي أخرجها مسلم (٢٠٦٩): ألا لا تُلبِسوا نساءَكم الحرير، فإنّي
سمعتُ عمر؛ فذكر الحديث الآتي في الباب، قال: فإثباتُ قولٍ بالكراهةِ دونَ التَّحريم إمّا
أن يناقضَ ما نَقَلَه من الإجماع، وإمّا أن يُثبِت أنَّ الْحُكْم العامَّ قبل التَّحريم على الرِّجال كان
هو الكراهة، ثمَّ انعَقَدَ الإجماعُ على التَّحريم على الرِّجال والإباحة للنِّساءِ، ومُقتَضاه نسخُ
الكراهة السابقة، وهو بعيد جدّاً.
وأمَّا ما أخرج عبد الرَّزاق (١٩٩٣٤) عن مَعْمَر عن ثابت عن أنس قال: لَقِيَ عمرُ
عبد الرَّحمن بن عَوْف، فنَهَاه عن لُبْس الحرير، فقال: لو أطَعْتنا لَلَبِسْتَه مَعَنا، وهو يَضْحَك،
فهو محمول على أنَّ عبد الرّحمن فَهِمَ من إذْنِ رسول الله وَّ له في لُبْس الحرير نسخَ التَّحريم،
(١) باب (٣٠): الحرير للنساء.

٦٦
باب ٢٥ / ح ٥٨٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
ولم يَرَ تقييد الإباحة بالحاجة كما سيأتي.
واختُلِفَ في ◌ِلّة تحريم الحرير على رأيَينِ مشهورَينٍ: أحدهما: الفَخْر والخُيَلاء،
والثّاني: لكَوْنِه ثوبَ رَفاهية وزينة، فيليق بزيِّ النِّساء دونَ شهامة الرِّجال، ويحتمل عِلّة
ثالثة: وهي التشبُّه بالمشركينَ، قال ابن دقيق العيد: وهذا قد يَرجِع إلى الأوَّل، لأنَّه من سِمَة
المشركين، وقد يكون المعْنَيَان مُعتبَرَينٍ إلّا أنَّ المعنَى الثّاني لا يقتضي التَّحريم، لأنَّ الشافعيّ
قال في ((الأُمّ»: ولا أكرَهُ لباس اللُّؤْلُؤْ إلّا للأدب فإِنَّه زيّ النِّساء. واستُشكِلَ بُتُبُوتِ اللَّعْن
للمُتشبِّهِينَ من الرِّجال بالنِّساءِ، فإنَّه يقتضى منع ما كان مخصوصاً بالنِّساءِ في چِنْسه وهيئتِه. وذكر
بعضهم ◌ِلّة أُخرى وهي السَّرَف، والله أعلم.
والمذكورُ في هذا الباب خمسةُ أحاديث:
الحديث الأول: حدیثُ عمر، ذكره من طرق:
الأُولى: قوله: «سمعت أبا عثمان النّھدي، قال: أتانا کتابُ عمر)) کذا قال أكثر أصحاب
٢٨٦/١٠ قَتَادة، وشَذَّ عمرُ بن عامر / فقال: عن قَتَادة عن أبي عثمان عن عثمان، فذكر المرفوع، وأخرجه
البزَّار (٣٨٦) وأشارَ إلى تَفُرُّده به، فلو كان ضابطاً لقلنا: سمعَه أبو عثمان عن كتاب عمر،
ثمَّ سمعَه من عثمان بن عمَّانَ، لكن طرق الحديث تَدُلّ على أنَّه عن عمر لا عن عثمان، وقد
ذكره أصحاب ((الأطراف)) في ترجمة أبي عثمان عن عمر، وفيه نظرٌ لأنَّ المقصود بالكتابة
إلیه هو ◌ُتبة بن فَرقَد، وأبو عثمان سمعَ الکتاب يُقرأ، فإمّا أن تكون روايته له عن عمر بطريق
الوٍجادة، وإمّا أن يكون بواسطة المكتوب إليه وهو ◌ُتبة بن فَرقَد، ولم یذُروه في رواية أبي عثمان
عن عُتّبة، وقد نَبََّ الدَّارَ قُطنيُّ على أنَّ هذا الحديث أصلٌّ في جواز الرُّواية بالمكاتبة عند الشَّيخَين،
قال ذلك بعد أن استَدرَكَه عليهما، وفي ذلك رجوعٌ منه عن الاستدراك، والله أعلم.
قوله: ((ونحنُ مع عُثْبة بن فَرْقَد)) صحابيّ شَهِير، سُمّيَ أبوه باسم النَّجم، واسم جَدّه:
يَربُوع بن حبيب بن مالك السُّلَميّ، ويقال: إنَّ يربوعاً هو فَرَقَد وإنَّه لَقَبٌّ له، وكان عُتبة
أميراً لعمر في فُتوح بلاد الجزيرة.

٦٧
باب ٢٥ / ح ٥٨٣٠
كتاب اللباس
قوله: ((بأذْرَبِيجان)) تقدَّم ضبطها في أوائل كتاب فضائل القرآن (٤٩٨٧)، وذكر المعانى
في ((تاريخ الموصِل)): أنَّ عُتبةَ هو الذي افتَتَحَها سنة ثماني عشرة. وروى شُعْبةٌ عن حُصَينِ
ابن عبد الرَّحمن السُّلَمَيّ عن أمّ عاصم امرأة عُتبةَ: أنَّ عُتَبَةَ غَزَا مع رسول اللهِوَ لَهُ غَزِوتَينِ(١)،
وأمَّا قول المعافى: إنَّه شَهِدَ خَيْبر وقَسَمَ له رسوله الله وَّ منها، فلم يُوافَق على ذلك، وإِنَّما
أوَّل مشاهدِه حُنين.
ورُوّينا في (المعجَم الصَّغير)) للطَّبرانيِّ (٩٨) من طريق أمّ عاصم امرأة عُتبةً عن عُتبةً
قال: أخَذَني الشرَى على عهد رسول الله وَّهِ فَأمَرَنِي فَتَجَّدت، فَوَضَعَ يده على بطني
وظَهْري، فعَبِقَ بي الطِّيب من يومئذٍ، قالت أمّ عاصم: كنَّا عنده أربع نِسْوة فكنًّا نَجتَهِد في
الطِّيب، وما كان هو يَمَسّه، وإِنَّه لَأَطيَبُنا ريحاً.
قوله: ((أنَّ رسول الله (وَلَ)) زاد الإسماعيليّ فيه(٢) من طريق عليّ بن الجَعْد عن شُعْبة بعد
قوله: ((مع عُتْبَةَ بن فَرَقَد)): ((أمَّا بعدُ، فاتَّزِروا وارتَدُوا، وانتَعِلوا وألقُوا الِخِفْافَ والسَّراويلاتِ،
وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل، وإيّاكم والتَّنقُّم وزِيَّ العَجَم، وعليكم بالشمس فإنَّهَا حَّام
العرب، وتَمَعدَدوا، واخشَوشِنوا، واخلَولِقوا، واقطعوا الرُّكُب، وانزوا نَزْواً، وارموا الأغراض،
فإِنَّ رسول الله ◌َلّ ... الحديث.
قوله: ((نَهَى عن الحرير)) أي: عن لُبس الحرير كما في الرِّواية التي تَلي هذه.
قوله: «إلّا هكذا» زاد الإسماعيليّ في روايته من هذا الوجه: وهكذا.
قوله: ((وأشارَ بإصْبَعَيه اللَّتَيْنِ تَلِيَان الإبهام)) المشير بذلك يأتي في رواية عاصم ما يقتضي
أنّه النبيّ {آێے کما سأُبيِّنْه.
قوله: ((اللَّتَيْنِ تَلِيَان الإبهام)) يعني: السَّابة والوُسطَى، وصَرَّحَ بذلك في رواية عاصم.
(١) رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٦/ ٥٢١.
(٢) هذه الزيادة أخرجها أيضاً أبو عوانة في ((صحيحه)) (٨٥١٤) من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم عن
شعبة.

٦٨
باب ٢٥ / ح ٥٨٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فيما عَلِمْنا: أنَّه يعني الأعْلام)) بفتح الهمزة: جمع عَلَم بالَّحريك، أي: الذي حَصَلَ في
عِلمنا: أنَّ المراد بالمستَثَنَى الأعلام: وهو ما يكون في الثّياب من تطريف وتَطريز ونحوهما. ووَقَعَ
في رواية مسلم (١٤/٢٠٦٩) والإسماعيليّ: ((ف)) بفتح الفاء بعدها حرف نفي ((عَتَّمْنا) بمُثّةٍ
بَدَل اللّام، أي: ما أبطأْنًا في مَعرِفة ذلك لمَّا سمعناه. قال أبو عُبيد: العاتِمِ: البَطيء، يقال: عَثَّمَ
الرجلُ القِرَى: إذا أخّرَه.
الطريق الثانية: قوله: ((حدّثنا أحمد بن يونس)) هو ابن عبد الله بن يونس، نُسِبَ جدِّه
وهو بذلك أشهرُ، وشيخه زُهَير: هو ابن معاوية أبو خَيْئمةَ الجُعْفيّ، وعاصم: هو ابن
سليمان الأحوَل، وقد أخرجه مسلم (١٢/٢٠٦٩) عن أحمد بن يونس هذا، فبيَّن جميعَ ذلك
في سياقه.
قوله: ((كَتَبَ إلينا عمرُ)) كذا للأكثر وكذا لمسلمٍ، وللكُشْمِيهنيُّ: ((كَتَبَ إليه)) أي: إلى
عُتَبَةَ بن فَرِقَد، وكِلَا الرِّوايتَينِ صواب، فإِنَّه كَتَبَ إلى الأمير لأنَّه هو الذي يُاطِبه، وكَتَبَ إليهم
كلِّهم بالحُكمِ.
قوله: ((أنَّ النبيَّ ◌َّ﴾) زاد فيه مسلم قبل هذا: يا عُتبةُ بنَ فَرقَد، إنَّه ليس من كَدِّك ولا كَدّ
أبيك، فأشبع المسلمينَ في رِحَالهم ممَّ تَشَبَع منه في رَحْلك، وإِيّاكم والتَّقُّمَ، وزِيَّ أهل الشِّرك
٢٨٧/١٠ ولَبُوسَ الحرير، فإنَّ رسول الله وَّلْ نَهَى ... فذكر الحديث،/ وبيَّن أبو عوانة في «صحيحه)) من
وجه آخر سببَ قول عمر ذلك، فعنده في أوَّله: أنَّ عُتَبَةَ بن فَرَقَد بَعَثَ إلى عمر مع غلام له
بسِلالٍ فيها خَبِيص عليها اللُّبود، فلمَّاً رآه عمر قال: أيَشَبَعُ المسلمونَ في رِحالهم من هذا؟ قال:
لا، فقال عمر: لا أُريده، وكَتَبَ إلى عُتبةَ: إنَّه ليس من كَدّك ... الحديث(١).
قوله: ((وَرَفَعَ زهيرٌ المُسْطَى والسَّابة)) زاد مسلم في روايته: وضمَّهما.
الطريق الثالثة: قوله: ((يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان.
قوله: «عن التَّيْميِّ)» هو سلیمان بن طَرْخان.
(١) لم نقف على هذه الرواية المشار إليها عند أبي عوانة، وهي عند البيهقي في ((السنن)) ١٢٨/١٠.

٦٩
باب ٢٥ / ح ٥٨٣٠
كتاب اللباس
قوله: ((عن أبي عثمان قال: كنَّا مع عُْبةَ فَكَتَبَ إليه عمر)) في رواية مسلم (٢٠٦٩/ ١٣)
من طريق جَرِير عن سليمان التَّيْميِّ: فجاءنا كتابُ عمر، وكذا عند الإسماعيليّ من طريق
مُعتَمِر بن سليمان.
قوله: ((لا يُلْبَس الحرير في الدُّنْيا، إلّا لم يُلْبَس منه شيءٌ في الآخرة)) كذا للمُستَمْلي والسَّرَخْسِيّ:
(يُلبَس)) بضمٍّ أوَّله في الموضعين، وكذا للنَّسَفيّ وقال: ((في الآخرة منه))، وللگُشْمِيهنيٍّ: ((لا
يَلْبَس الحرير في الدُّنيا إلّا لم يَلْبَسْ منه شيئاً في الآخرة)) بفتح أوَّله على البناء للفاعل، والمراد
به الرجل المكلّف، وأورَدَه الكِرْمانيُّ بلفظ: ((إلّا مَن لم يَلبَسه)» قال: وفي أُخرى: «إلّا مَن
ليس يَلْبَسُ منه)) انتهى، وفي رواية مسلم المذكورة: ((لا يَلْبَسُ الحريرَ إلّا مَن ليس له منه
شيء في الآخرة».
قوله: ((وأشارَ أبو عثمان بإِصْبَعَيه: المسبِّحةِ والوُسْطَى)) وَقَعَ هذا في رواية المُستَمْلِي
وحده، وهو لا يُخَالِفِ ما في رواية عاصم، فيُجمَعِ: بأنَّ النبيَّ وَ ◌ّ أشارَ أوَّلاً ثمَّ نَقَلَه عنه عمر،
فبيَّن بعد ذلك بعضُ رواته صِفَةَ الإشارة.
قوله: ((حدَّثنا الحسن بن عمر)) أي: ابن شَقِيق الجَرْميّ - بفتح الجيم وسكون الرَّاء - أبو
عليّ البَلْخِيّ، كذا جَزَمَ به الكَلَاباذِيُّ وآخرونَ، وشَذَّ ابنُ عَديّ فقال: هو ابن عمر بن
إبراهيم العَبْديّ. قلت: ولم أقِفْ لهذا العَبديّ على ترجمة، إلّا أنَّ ابن حِبّان قال في الطَّقة
الرَّابعة من الثُّقات: الحسن بن عمر بن إبراهيم روى عن شُعْبة؛ فلعلَّه هذا، وقد جَزَمَ
صاحب ((الزهرة))(١): أنَّه يُكْنى أبا بصير، وأنَّه من شيوخ البخاريّ، وأنَّه أخرج له حديثَينِ،
وأنَّه أخرج للحسنِ بن عمر بن شقيق(٢)، وأكثرَ من ذلك.
(١) في (أ) الزهر، وفي (ع): الزهري، وفي (س): المزهر، وكل ذلك خطأ، والصواب: الزهرة، بالتاء المربوطة، وهو
كتاب لبعض المغاربة ذكر فيه رجال ((الصحيحين)) وأبي داود والترمذي كما قال الحافظ ابن حجر في مقدمة
كتابه ((تعجيل المنفعة)) ٢٤١/١-٢٤٢ وسماه مغلطاي في شرحه على ((سنن ابن ماجه)): زهرة المتعلمين في
أسامي مشاهير المحدِّثين.
(٢) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: شبة، وفي (ع) إلى: شيبة.

٧٠
باب ٢٥ / ح ٥٨٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: ولم أرَ في جميع البخاريّ بهذه الصّورة إلّا أربعة أحاديث: أحدها: في ((باب
الطَّواف بعد العصر)) من كتاب الحجّ (١٦٢٨)، قال فيه: حدَّثنا الحسن بن عمر البصريّ
حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، وهذا، وآخرُ مِثلُ هذا في الاستئذان (٦٢٧١)، والرَّابع: في كتاب
الأحكام(١)، فساقَه كما في سياق الحجّ سواء، فتَعيَّنَ أنَّه هو، وأمَّا هذا والذي في الاستئذان
فعلى الاحتمال، والأقربُ أنَّه كما قال الأكثر.
قوله: ((مُعتَمِر)) هو ابن سليمان النَّيْميّ.
قوله: ((وأشارَ أبو عثمان بإصْبَعَيه: المسبِّحة والوُسْطَى)) يريد أنَّ مُعتَمِر بن سليمان رواه
عن أبيه عن أبي عثمان عن كتاب عمر، وزاد هذه الزّيادة، وهذا ممّا يُؤيِّد أنَّ رواية الأكثر في
الطَّريق التي قبلها التي خَلَتْ عن هذه الزّيادة أولى من رواية المُستَمْلي التي أورَدَها فيها،
فإنَّ هذا القَدْر زاده مُعتَمِر بن سليمان في روايته عن أبيه. ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ الذي زادَه مُعتَمِرٌ
تفسيرُ الإصبعين، فإنَّ الإسماعيليّ أخرجه من روايته ومن رواية يحيى القَطّان جميعاً عن
سليمان التَّيْميِّ، وقال في سياقه: كنّا مع عُتبةَ بن فَرقَد، فگَتَبَ إلیه عمر مُحدِّثه بأشياء عن
رسول الله وَّه قال: وفيما كَتَبَه إليه: أنَّ النبيَّي ◌َّه قال: ((ألا لا يَلْبَسُ الحرير في الدُّنيا من له
في الآخرة منه شيء إلّا)) وأشارَ بإصبَعَيه؛ فعُرِفَ أنَّ زيادة مُعتَمِر: تسميةُ الإصبعينِ. وقد
أخرجه مسلم (١٣/٢٠٦٩) والإسماعيليّ أیضاً من طريق جَرِير عن سليمان، وقال فيه: بإصبَعَيه
اللَّتَيْنِ تَلِيَان الإبهام، فرأَيناها أزرار الطَّيالسة حين رأينا الطَّيالسة.
قال القُرطُبيّ: الأزرار جمع زِرّ بتقديم الزّاي: ما يُزَرَّر به الثَّوب بعضُه على بعض، والمراد به
هنا أطراف الطَّيالسة، والطَّيالسة جمع طَيلَسان: وهو الثَّوب الذي له عَلَمٌ، وقد يكون كِساءً،
وكأن للطَّيالسة التي رآها أعلامُ حرير في أطرافها.
قلت: وقد أغفَلَ صاحب ((المشارق)) و((النِّهاية)) في مادّة (ط ل س) ذِكْرِ الطَّيالسة،
(١) بل في كتاب التمني برقم (٧٢٣٠). قلنا: وفات الحافظ موضعٌ آخر في المغازي (٣٩٤٦) صرح فيه بأنه الحسن
ابن عمر بن شقيق ويرويه هناك عن معتمر بن سليمان كما في هذا الحديث، والحسن بن عمر بصري، فقول
الحافظ: ((والأقرب أنه كما قال الأكثر)) يعني أنه ابن شقيق، هو الصواب.
٢٨٨/١٠

٧١
باب ٢٥ / ح ٥٨٣١ - ٥٨٣٢
كتاب اللباس
وكأنَّهما/ تَرَكا ذلك لشُهرَتِه، لكنِ المعهود الآن ليس على الصِّفة المذكورة هنا، وقد قال
عِيَاض في ((شرح مسلم)): المراد بأزرار الطَّيالسة أطرافها. ووقعَ في حدیث أسماء بنت أبي
بكر عند مسلم (٢٠٦٩/ ١٠): أنَّها أخرجت ◌ُبّةً طَيالسةٍ كِسروانيَّة، فقالت: هذه جُبّة
رسول الله وَل﴾؛ وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بالطَّيالسة في هذا الحديث ما يُلبَس فيَشمَل الجسد،
لا المعهود الآن.
ولم يقع في رواية أبي عثمان في ((الصحيحين)) في استثناء ما يجوز من لُبْس الحرير إلّا ذِكْر
الإصبعين، لكن وَقَعَ عند أبي داود (٤٠٤٢) من طريق حمَّد بن سَلَمة عن عاصم الأحوَل
في هذا الحديث: أنَّ النبيَّ نَلِ نَهَى عن الحرير إلّا ما كان هكذا وهكذا، إصبعَينٍ وثلاثة
وأربعة، ولمسلم (١٥/٢٠٦٩) من طريق سُوَيد بن غَفَلة - بفتح المعجَمة والفاء واللّام
الخفيفَتَيْنِ : أنَّ عمر خَطَبَ فقال: نَهَى رسول الله وَ﴿ عن لُبْس الحرير، إلّا موضع إصبعَيْنِ
أو ثلاث أو أربع، و((أو)) هنا للتَّنويع والتَّخيير، وقد أخرجه ابن أبي شَيْبة (٣٥٧/٨) من
هذا الوجه بلفظ: إنَّ الحرير لا يَصلُح منه إلّا هكذا وهكذا وهكذا، يعني: إصبَعِينٍ وثلاثاً
وأربعاً. وجَنَحَ الحَلِيمَيّ إلى أنَّ المراد بها وَقَعَ في رواية مسلم: أن يكون في كلّ كُمِّ قَدِرُ
إصبعين، وهو تأويلٌ بعيد من سياق الحديث، وقد وَقَعَ عند النَّسائيِّ (٥٣١٣) في رواية
سُوَيد(١): لم يُرَخَّص في الدّيباج إلّا في موضع أربعة أصابع.
٥٨٣١- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، عن ابنِ أبي ليلى، قال: كان
خُذَّيفةُ بالمَدائنِ، فاستَسْقَى، فأتاه دِهْقَانٌ بماءٍ في إناءٍ من فِضّةٍ، فَرَمَاه به وقال: إنّ لم أرمِه إلّا
أَّيْ نَتُه فلم يَنْتَهِ، قال رسولُ اللهِ وَّةَ: ((الذَّهَبُ والفِضّةُ والحريرُ والدِّيباجُ، هي لهم في الدُّنْيا
ولكم في الآخرةِ».
٥٨٣٢- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبَةٌ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيبٍ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ
مالكٍ - قال شُعْبةُ: فقلتُ: أعَنِ النبيِّوَّهِ؟ فقال: شديداً عن النبيِّ وَّهِ- فقال: ((مَن ◌َبِسَ الحريرَ في
(١) سقط منه هنا: عمرُ، ففي ((سنن النسائي)): عن سويد بن غفلة عن عمر أنه لم يرخّص .. إلى آخره.

٧٢
باب ٢٥ / ح ٥٨٣٣-٥٨٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
الدُّنْيا، فلَن يَلْبَسَه في الآخرةِ)).
٥٨٣٣- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبِ، حدَّثنا حَادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، قال: سمعتُ ابنَ الزُّبَيرِ
يَخْطُبُ يقول: قال محمَّدٌ وَّهِ: ((مَن لَبِسَ الحريرَ في الدُّنْيا، لم يَلْبَسْه في الآخرةِ».
٥٨٣٤- حدَّثنا عليٌّ بنُ الجَعْدِ، أخبرنا شُعْبةُ، عن أبي ذِبْيانَ خَلِيفةَ بنِ كَعْبٍ، قال:
سمعتُ ابنَ الزُّبَيرِ، يقول: سمعتُ عمرَ يقول: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((مَن لَبِسَ الحريرَ في الدُّنْيا، لم
يَلبَسْه في الآخرةِ».
وقال لنا أبو مَعْمَرٍ: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن يزيدَ، قالت مُعَاذةُ: أخبَرَتْني أُّ عَمٍو بنتُ
عبدِ الله، سمعتُ عبدَ الله بنَ الزُّبَيرِ، سمعَ عمرَ، سمعَ النبيَّ ◌َ﴾ ... نحوَه.
٥٨٣٥- حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، حدَّثنا عليُّ بنُ المبارَكِ، عن يحيى بنِ
أبي كثيرٍ، عن عِمْرانَ بنِ حِطّانَ، قال: سألتُ عائشةَ عن الحريرِ، فقالت: انْتِ ابنَ عبَّاسٍ فَسَلْه،
قال: فسألتُه فقال: سَلِ ابنَ عمرَ، قال: فسألتُ ابنَ عمرَ، فقال: أخبرني أبو حفصٍ - يعني عمرَ
ابنَ الخطّاب - أنَّ رسولَ اللهِوَّه قال: ((إنَّا يَلْبَسُ الحريرَ في الدُّنْيا، مَن لا خَلاقَ له في الآخرةِ».
فقلتُ: صَدَقَ وما كَذَبَ أبو حفصٍ على رسولِ الله ◌َِّهِ.
الحديث الثاني: قوله: ((الحَكَم)) هو ابن عُتَيبة، بمُثنّاةٍ ثمَّ موخَّدة مُصغَّر، وابن أبي ليلى:
هو عبد الرَّحمن، ووَقَعَ في رواية القابِسِيّ: عن أبي ليلى، وهو غَلَطِ، لكن كَتَب في الهامش:
الصَّواب: ابن أبي ليلى.
قوله: ((كان حُذَيفة)) هو ابن اليَمَان، وقد مضى شرح حديثه هذا في كتاب الأشربة
(٥٦٣٢).
قوله: ((الذَّهَب والفِضّة والحرير والدِّيباج هي لهم في الدُّنْيا، ولكم في الآخرة)) تَمَسَّكَ به
مَن مَنَعَ استعمال النِّساء للحرير والدّيباج، لأنَّ حُذَيفة استَدَلَّ به على تحريم الشُّرب في إناء
الفِضّة، وهو حرامٌ على النِّساء والرِّجال جميعاً، فيكون الحرير كذلك. والجواب: أنَّ الخِطاب
بلفظ ((لكم)) للمُذكَّر، ودخول المؤنَّث فيه قد اختُلِفَ فيه، والرَّاجح عند الأُصولِيِّينَ عَدَمُ

٧٣
باب ٢٥ / ح ٥٨٣٥
كتاب اللباس
دخولهنَّ. وأيضاً فقد ثَبَتَ إباحةُ الحرير والذَّهَب للنِّساءِ كما سيأتي التَّنبيه عليه في ((باب
الحرير للنِّساءِ)) قريباً(١)، وأيضاً فإنَّ هذا اللَّفظ مختصر، وقد تقدَّم (٥٤٢٦) بلفظ: ((لا تَلبَسوا
الحريرَ ولا الدّيباج، ولا تشربوا في آنية الذَّهَب والفِضّة))، والخِطاب في ذلك للذُّكور، وحُكْم
النِّساء في الافتراش سيأتي في ((باب افتراش الحرير)) قريباً(٢).
وقوله: ((هي لهم في الدُّنيا)) تَسَّكَ به مَن قال: إنَّ الكافر ليس مُخاطَباً بالفُروع. وأُجيبَ: بأنَّ
المراد هي شِعارُهم وزِيُّهم في الدُّنيا، ولا يدلّ ذلك على الإذن لهم في ذلك شرعاً.
الحديث الثالث: قوله: ((قال شُعْبة: فقلت: أَعَنِ النبيّ وَّرَ؟ فقال: شديداً عن النبيّ وَّ)
وَقَعَ في رواية عليّ بن الجَعْد عن شُعْبة: سألتُ عبد العزيز بن صُهَيب عن الحرير، فقال:
سمعتُ أنساً، فقلت: عن النبيّ وَّ ر؟ فقال: شديداً. وهذا الجواب يحتمل أن يكون تقريراً
الكَونِه مرفوعاً إِنَّمَا حَفِظَه حِفظاً شديداً، ويحتمل أن يكون إنكاراً، أي: جَزْمي برفعِه عن
النبيّ ◌ِّ يقع شديداً عليَّ، وأبعَدَ مَن قال: المراد أنَّه رَفَعَ صوته رفعاً شديداً.
وقال الكِرْمانيُّ: لفظة ((شديداً) صِفَة لِفِعلٍ محذوف وهو الغضب، أي: غَضِبَ
عبد العزيز من سؤال شُعْبة غَضَباً شديداً، كذا قال، ووجهُه غير وَجِيه، والاحتمال الأوَّل
عندي أوجَه، ولكنَّه يُؤيِّد الثّاني أنَّ أحمد أخرجه (١٣٩٩٢) عن محمّد بن جعفر عن شُعْبة
فقال فيه: سمعتُ أنساً يُحدِّث عن النبيّ وَلِّ، وأخرجه أيضاً (١١٩٨٥) عن إسماعيل ابن
عُليَّة عن عبد العزيز عن أنس قال: قال رسول الله وَّه، وأخرجه مسلم أيضاً (٢٠٧٣) من
طریق إسماعيل هذا.
الحديث الرابع: قوله: ((عن ثابت)) هو البُنَانيّ.
قوله: ((سمعتُ ابن الزُّبَيرِ يَخْطُب)) زاد النَّسائيُّ (٥٣٠٤): وهو على المِنْبَر، أخرجه عن قُتَيبة
عن حماد بن زيد به، وأخرجه أحمد (١٦١١٨) عن عفَّانَ عن حمّاد بلفظ: يَخْطُبنا.
(١) باب رقم (٣٠).
(٢) باب رقم (٢٧).

٧٤
باب ٢٥ / ح ٥٨٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
٢٨٩/١٠
قوله: ((قال محمَّد نَّه)) هذا/ من مُرسَل ابن الزُّبَير، ومَراسيل الصحابة مُحْتَجّ بها عند
مُهور مَن لا يُحْتَجّ بالمراسيل، لأنَّهم إمّا أن يكون عند الواحد منهم عن النبيّ ◌َِّ أو عن
صحابيّ آخر، واحتمال كَوْنها عن تابِعِيّ لوجودِ رواية بعض الصحابة عن بعض التابعينَ
نادر، لكن تَبيَّن من الرّوايتَينِ اللَّتَيْنِ بعد هذه أنَّ ابن الزُّبَير إنَّما حَمَلَه عن النبيّ وَّه بواسطة
عمر، ومع ذلك فلم أقِفْ في شيء من الطُّرق المتقَنة عن عمر أنَّه رواه بلفظ ((لن))، بل
الحديث عنه في جميع الطّرق بلفظ ((لم)، والله أعلم، وابن الزُّبَير قد حَفِظَ من النبيّ وَِّعِدّة
أحاديث، منها: حديثه: رأيتُ رسول الله وَ ﴿افتَتَحَ الصلاة فَرَفَعَ يَدَيه، أخرجه أحمد (١٦٠٩٩)،
ومنها: حديثه: رأيتُ رسول الله وَله يَدعُو هكذا، وعَقَدَ ابن الزُّبَير، أخرجه أحمد (١٦١٠٠)
وأبو داود (٩٨٩) والنَّسائيُّ (١٢٧٠)، ومنها: حديثه: أنَّه سمعَ النبيَّ وَِّ يَنْهَى عن نَبِيذُ الجرّ،
أخرجه أحمد أيضاً (١٦٠٩٨).
قوله: ((لن يَلْبَسَه في الآخرة)) كذا في جميع الطّرق عن ثابت، وهو أوضَحُ في النَّفي.
الحديث الخامس: قوله: ((عن أبي ذِبْيان) بكسر المعجَمة ويجوز ضَمُّها بعدها موحّدة
ساكنة ثمَّ تحتانيَّة: هو التَّميميّ البصريّ، ما له في البخاريّ سوى هذا الموضع، وقد وثَّقه
النَّسائيّ. ووَقَعَ في رواية أبي عليّ بن السَّكَن عن الفِرَبْريّ: عن أبي ظَبْيانَ، بظاءٍ مُشالة بَدَل
الذّال، وهو خطأ، وأشدّ خطأً منه ما وقع في رواية أبي زيد المروزيِّ عن الفِرَبْريّ: عن أبي
دينار، بمُهمَلةٍ مكسورة بعدها تحتانيَّة ساكنة ونون ثمَّ راء، نَبَّهَ على ذلك أبو محمَّد
الأَصِیليّ.
قوله: («سمعت ابن الزُّبَير يقول: سمعت عمرَ بقول)) وَقَعَ في رواية النَّضر بن شُمَيلٍ عن
شُعْبة: حدَّثنا خليفة بن كعب، سمعت عبد الله بن الزُّبَير يقول: لا تُلِسوا نساءَكم الحريرَ،
فإنّي سمعت عمر، أخرجه النَّسائيُّ (ك٩٥١٢)، وقد أخرجه النَّسائيُّ (ك٩٥١١) أيضاً من
طريق جعفر بن ميمون عن خليفة بن كعب، فلم يَذكُر عمرَ في إسناده، وشُعْبة أحفظُ من
جعفر بن میمون.

٧٥
باب ٢٥ / ح ٥٨٣٥
كتاب اللباس
قوله: ((مَن لَبِسَ الحرير في الدُّنْيا لم يَلْبَسْه في الآخرة)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((لن يَلْبَسَه)»
والمحفوظ من هذا الوجه: (لم))، وكذا أخرجه مسلم (٢٠٦٩/ ١١) والنَّسائيُّ (ك٩٥١٢)،
وزاد النَّسائيُّ في رواية جعفر بن ميمون في آخره: ((ومَن لم يَلبَسْه في الآخرة لم يَدخُل الجنَّة،
قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣])) وهذه الزّيادة مُدرَجة في الخبر، وهي
موقوفة على ابن الزُّبَير، بيَّن ذلك النَّسائيُّ أيضاً من طريق شُعْبة، فذکر مِثلَ سند حديث
الباب، وفي آخره: قال ابن الزُّبَير ... فذكر الزّيادة، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق عليّ
ابن الجَعْد عن شُعْبة، ولفظه: فقال ابن الزُّبَير مِن رأيه: ومَن لم يَلْبَس الحريرَ في الآخرة لم
يَدخُل الجنَّة، وذلك لقولِه تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾، وقد جاء مِثلُ ذلك عن ابن
عمر أيضاً، أخرجه النَّسائيُّ (ك٩٥١٣) من طريق حفصة بنت سِيرِين عن خليفة بن كعب
قال: خَطَبَنا ابن الزُّبَير ... فذكر الحديث المرفوع، وزاد: فقال: قال ابن عمر: إذاً والله لا
يَدخُلِ الجنَّة، قال الله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾، وأخرج أحمد (١١١٧٩) والنَّسائيُّ
(ك٩٥٣٥) وصَخَّحَه الحاكم (١٩١/٤) من طريق داود السَّاج عن أبي سعيد، فذكر
الحديث المرفوع مِثل حديث عمر هذا في الباب، وزاد: ((وإن دَخَلَ الجنَّة لَبِسَه أهلُ الجنَّة،
ولم يَلبَسه هو))(١)، وهذا يحتمل أن يكون أيضاً مُدرَجاً، وعلى تقدير أن يكون الرَّفعُ محفوظاً
فهو من العامّ المخصوص بالمكلَّفينَ من الرِّجال، للأدلّة الأُخرى بجوازه للنِّساء، وستأتي
الإشارةُ إلى معنى الوعيد فيه قريباً.
طريق أُخرى لرواية ابن الزُّبَير عن عمر:
قوله: ((وقال أبو مَعْمَر)) هو عبد الله (٢) بن عَمْرو بن أبي الحجّاج، وقد أكثرَ عنه البخاريُّ، ولم
يُصرِّح في هذا الموضع عنه بالتَّحديث، وقد أخرجه الإسماعيليّ وأبو نُعَيم في ((مُستَخرَجَيهما)»
من طريق يعقوب بن سفيان، زاد الإسماعيليّ ويحيى بن مُعلَّى الرَّازيُّ: قالا: حدَّثنَا
أبو معمر.
(١) حديث أبي سعيد إسناده ضعيف لجهالة داود السرّاج.
(٢) زاد هنا في (س): ((بن معمر))، وهي زيادة مقحمة.

٧٦
باب ٢٥ / ح ٥٨٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا عبد الوارث)) هو ابن سعيد، ويزيد: هو الضُّبَعِيُّ المعروف بالرِّشْك بكسر الرَّاء
وسكون المعجَمة، ومُعَاذة: هي العَدَويَّة، والإسناد من مُبتَدَئِه إلى معاذة بصريّونَ.
قوله: ((أخبَرَتْني أمّ عَمْرو بنت / عبد الله)) جَزَمَ أبو نَصْرِ الكَلَاباذِيُّ ومَن تَّبِعَه: بأنّها بنت
عبد الله بن الزُّبَير، ولم أرَها منسوبة فيما وَقَفتُ عليه من طرق هذا الحديث.
٢٩٠/١٠
قوله: ((سمعتُ عبد الله بن الزُّبَيرِ، سمعَ عمرَ)) في رواية الإسماعيليّ: سمعتُ من عبد الله ابن
الزُّبَير يقول في خُطبَتَه: إنَّه سمعَ من عمر بن الخطّاب.
قوله: ((نحوَه)) ساقَه الإسماعيليّ بلفظ: ((فإنَّه لا يُكْساه في الآخرة))، وله من طريق شَيْبانَ
ابن فُّوخَ عن عبد الوارث: «فلا کَسَاه الله في الآخرة».
طریق أُخری حدیثٍ عمر:
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن بشَّار)) هو بُندار، وعثمان: هو ابن عمر بن فارس، والسَّنَد كلُّه إلى
عِمران بن حِطّانَ بصريّونَ، وعِمران: هو السَّدُوسيّ، كان أحد الخوارج من القَعَدية بل هو
رئيسهم وشاعرهم، وهو الذي مَدَحَ ابن مُلجِم قاتلَ عليٌّ بالأبيات المشهورة، وأبوه
حِطّان: بكسر المهمَلة بعدها طاء مُهمَلة ثقيلة، وإنَّما أخرج ه البخاريّ على قاعِدَته في
تخريج أحاديث المبتَدِع إذا كان صادق اللهجة مُتَدَيِّناً، وقد قيل: إنَّ عِمران تابَ من بِدْعته،
وهو بعيد، وقيل: إنَّ يحيى بن أبي كثير حَمَلَه عنه قبل أن يَبْتَدِعِ، فإنَّه كان تزوَّجَ امرأة من أقاربه
تَعتَقِد رأيَ الخوارج ليَنقُلها عن مُعتَقَدها، فَتَقَلَته هي إلى مُعتَقَدها، وليس له في البخاريّ سوى
هذا الموضع، وهو مُتَابَعة، وآخر في ((باب نَقضِ الصُّوَر)) (٥٩٥٢).
قوله: («سألتُ عائشةَ عن الحرير، فقالت: اثْتِ ابنَ عبَّاس فسَلْه، قال: فسألتُه، فقال: سَلِ
ابنَ عمر)) كذا في هذه الطَّريق، وفي رواية حرب بن شدَّاد التي تُذكَر عَقِبَ هذه بالعكس: أنَّه
سألَ ابنَ عبَّاس، فقال: سَلْ عائشة، فسألَهَا، فقالت: سَلِ ابنَ عمر.
قوله: ((أخبرني أبو حفص - يعني عمرَ بن الخطّاب -)) كذا في الأصل.
قوله: ((فقلت: صَدَقَ، وما كَذَبَ أبو حفص)) هو قول عِمران بن حِطّان.

٧٧
باب ٢٥ / ح ٥٨٣٥
كتاب اللباس
قوله: ((وقال عبد الله بن رَجَاء)) هو الغُدَانيّ بضمِّ المعجَمة وتخفيف المهملة، وهو من
شيوخ البخاريّ أيضاً لكن لم يُصرِّح في هذا بتحديثه.
قوله: ((حدَّثْنَا حَرْب)) هو ابن شدَّاد، وزَعَمَ الكِرْمانيُّ: أنَّه ابن ميمون، ونَسَبَه لصاحبٍ
((الكاشف)» وهو عجيب، فإنَّ صاحب ((الكاشف)) لم يَرقُم لحربٍ بن ميمون علامة البخاريّ،
وإنّما قال في ترجمة عبد الله بن رجاء: روی عن حرب بن ميمون، ولا يلزمُ من گَوْن عبد الله بن
رجاء روی عنه أن لا يروي عن حرب بن شدّاد، بل روايته عن حرب بن شدَّاد موجودة في
غير هذا، ويحيى: هو ابن أبي كثير، وأراد البخاريّ بهذه الرِّواية تصريحَ يحیی بتحديثٍ عِمران
له بهذا الحديث.
قوله: ((وقَصَّ الحديثَ)) ساقَه النَّسائيُّ (ك٩٥٤٩) موصولاً عن عَمْرو بن منصور عن
عبد الله بن رَجَاء عن حرب بن شدَّاد بلفظ: ((مَن لَبِسَ الحرير في الدُّنيا فلا خَلَاق له في
الآخرة)، وقد ذكر الدَّارَ قُطنيُّ: أنَّ هذا اللَّفظ في حديث عمر خطأ، ولعلَّ البخاريَّ لم يَسُق
اللَّفظ لهذا المعنى.
وفي هذه الأحاديث بيانٌ واضح لمن قال: يَجِرُم على الرِّجال لُبْس الحرير للوعيدِ المذكور،
وقد تقدَّم شرح معناه في كتاب الأشربة (٥٥٧٥) في شرح أوَّل حديث منه، فإنَّ الحُكم فيها
واحد، وهو نفي اللَّبْس ونفي الشُّرب في الآخرة وفي الجنَّة. وحاصلُ أعدَلِ الأقوال: أنَّ
الفِعْل المذكور مُقْتَضٍ للعُقوبة المذكورة، وقد يَتَخلَّف ذلك لمانع، كالتَّوبة والحسنات التي
تُوازِن، والمصائب التي تُكَفِّر، وكدعاءِ الولد بشرائط، وكذا شَفاعة مَن يُؤْذَن له في
الشَّفاعة، وأعَمُّ من ذلك كلّه عفوُ أرحَم الرَّاحِمينَ.
وفيه حُجّة لمن أجازَ لُبُسَ العَلَم من الحرير إذا كان في الثَّوب، وخَصَّه بالقَدْرِ المذكور
وهو أربع أصابع، وهذا هو الأصحّ عند الشافعيَّة، وفيه حُجّة على مَن أجازَ العَلَم في
الثَّوب مُطلَقاً ولو زاد على أربعة أصابع، وهو منقول عن بعض المالكيَّة، وفيه حُجّة على
مَن مَنَعَ العَلَم في الثَّوب مُطلَقاً، وهو ثابت عن الحسن وابن سِيرِين وغيرهما، لكن يحتمل أن

٧٨
باب ٢٦ / ح ٥٨٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
يكونوا مَنَعوه وَرَعاً، وإلّا فالحديث حُجّة عليهم فلعلَّهم لم يَبلُغهم، قال النَّوويّ: وقد نُقِلَ
مِثل ذلك عن مالك، وهو مذهبٌ مردود، وكذا قولُ مَن أجازَ بغير تقدير، والله أعلم.
واستُدِلَّ به على جواز لُبْس الثَّوب المطرَّز بالحرير، وهو ما جُعِلَ عليه طِرازُ حریر مُرگَّب،
٢٩١/١٠ وكذلك/ المِطْرَف: وهو ما سُجِّفَت أطرافه بسُجُفٍ من حرير بالتَّقدير المذكور، وقد يكون
التطريز في نفس الثَّوب بعد النَّسج، وفيه احتمال ستأتي الإشارة إليه. واستُدِلَّ به أيضاً على جواز
لُبْس الثَّوب الذي يخالطه من الحرير مِقدارُ العَلَم، سواء كان ذلك القَدرُ مجموعاً أو مُفرَّقاً، وهو
قويّ، وسيأتي البحث في ذلك في ((باب القَسِّيّ)) بعد بابینِ.
٢٦ - باب مَن مسَّ الحرير من غير لُبسٍ
ويُروَى فيه عن الزُّبَيدِيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌َّ.
٥٨٣٦ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ ﴾، قال:
أَهْدِيَ للنبيِّ وَّهِ ثوبُ حريرٍ، فَجَعَلْنا نَلْمُسُه ونَتَعَجَّبُ منه، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((أتعجَبونَ من
هذا؟)) قُلْنا: نعم، قال: ((مَنادِيلُ سَعْدِ بنِ معاذٍ في الجنَّةِ خيرٌ من هذا)).
قوله: ((باب مَن مَسَّ الحرير من غير لُبَّس، ويُرْوى فيه عن الزُّبَيديّ، عن الزُّهْريِّ، عن
أنس، عن النبيّ وَ﴿)) ذكر المِّيّ في ((الأطراف)): أنَّه أراد بهذا التَّعليق ما أخرجه أبو داود
(٤٠٥٨) والنَّسائيُّ (٥٢٩٧) من رواية بَقيَّة عن الزُّبَيديّ بهذا الإسناد إلى أنس: ((أنَّه رأى
على أمّ كُلثوم بنت النبيّ وَِّ بُرداً سِيَراءَ)»، كذا قال، وليس هذا مُرادَ البخاريّ، والرُّؤية لا
يقال لها: مَسّ، وأيضاً فلو كان هذا الحديث مُراده لجَزَمَ به لأنَّه صحيح عنده على شرطه،
وقد أخرجه في (باب الحرير للنِّساءِ) من رواية شُعَيب عن الزُّهْريِّ كما سيأتي قريباً
(٥٨٤٢)، وإنَّما أراد البخاريّ ما رُوّيناه في ((المعجم الكبير)) للطّبرانيِّ (٥٣٤٧) وفي ((فوائد
تمام)» (٥٤٠) من طريق عبد الله بن سالم الحِمصيّ عن الزُّبَيديّ عن الزّهْريِّ عن أنس قال:
أُهديَ للنبيِّ وَِّ حُلّة من إستَبَرَق، فجَعَلَ ناس يَلمُسونَها بأيديهم ويَتَعَجَّونَ منها، فقال
النبيّ وَِّ: ((تُعجِبكم هذه؟ فوالله لمناديلُ سعدٍ في الجنَّة أحسنُ منها)»، قال الدَّارَ قُطنيُّ في

٧٩
باب ٢٧ / ح ٥٨٣٧
كتاب اللباس
((الأفراد)): لم يَروِه عن الزُّبَيديّ إلّا عبد الله بن سالم.
وعمّا يُؤَكِّد ما قلتُه أنَّ البخاريّ لمَّا أخرج في المناقب (٣٨٠٢) حديث البراء بن عازب
في قصَّة سعد بن معاذ في هذا المعنى موصولاً، قال بعده: ((رواه الزُّهْرِيُّ عن أنس)»، ولمَّا
صَدَّرَ بحديثِ الزُّهْريِّ عن أنس - المعلَّق هنا - عَقَّبَه بحديثِ البراء الموصول بعينِهِ، والله
أعلم.
قوله في حديث البراء: ((فَجَعَلْنا نَلمُسُه)) جَزَمَ في ((المحكم)) بأنَّه بضمِّ الميم في المضارع (١).
وقوله: (مَناديلُ سعد)) قيل: خَصَّ المناديل بالذِّكرِ لكَونِها تُمْتَهَن فيكون ما فوقَها أعلى
منها بطريق الأَولى، قال ابن بَطّال: النَّهي عن لُبس الحرير ليس من أجل نجاسة عَينِه، بل من
أجل أنَّه ليس من لباس المتَّقينَ، وعينُه مع ذلك طاهرة فيجوز مَسُّه وبيعه والانتفاع بثَمَنِهِ،
وقد تقدَّم شيء ممّا يَتَعلَّق بالحديث المذكور في كتاب الهِبة(٢).
٢٧ - باب افتراش الحرير
وقال عَبِیدةُ: هو كلُبْسِه.
٥٨٣٧- حدَّثنا عليٌّ، حدَّنا وَهْبُ بنُ جَرِیر، حدَّثنا أَبي، قال: سمعتُ ابنَ أبي نَچِیح، عن
مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن حُذَيفَ ه، قال: ◌َهانا النبيُّ وَّ أَن نَشْرَبَ في آنَبةِ الذَّهبِ والفِضّةِ، وأن
نأكُلَ فيها، وعن لُبْسِ الحريرِ والدِّيباجِ، وأن نَجلِسَ عليه.
قوله: ((باب افتراش الحرير)) أي: حُكمه في الحِلّ والحُرمة.
قوله: ((وقال عَبيدة)) هو ابن عَمْرو السَّلْمانيّ، بسكون اللّام،/ وهو بفتح العين المهمَلة. ٢٩٢/١٠
قوله: ((هو كلُبْسِه)) وَصَلَه الحارث بن أبي أُسامة من طريق محمَّد بن سِيرِين قال: قلت
لعَبیدة: افتراش الحرير كلُبسِه؟ قال: نعم.
(١) ويجوز عند غيره من أهل اللغة كسر الميم فيه، فهو إذاً من بابَيْ قَتَلَ وضَرَبَ.
(٢) يشير إلى حديث أنس المعلق في هذا الباب، وقد سلف في كتاب الهبة برقم (٢٦١٥) لكن لم يشرحه الحافظ
هناك، واکتفی بعزوه هذا الموضع من كتاب اللباس.

٨٠
باب ٢٧ / ح ٥٨٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا عليّ)) هو ابن المَدِينيّ.
قوله: ((حدَّثْنا وَهْب بن جَرِير)) أي: ابن حازم.
قوله: ((أن نَشَرَبَ في آنية الذَّهَب والفِضّة، وأن نأكلَ فيها)) تقدَّم البحث فيه في الأطعمة
(٥٤٢٦).
قوله: ((وعن لُبْس الحرير والدّيباج، وأن نَجلِسَ عليه)) وقد أخرج البخاريّ(١) ومسلم
(٢٠٦٧) حديث حُذَيفة من عِدّة أوجُه ليس فيها هذه الزّيادة، وهي قوله: ((وأن نَجلِسَ
عليه))، وهي حُجّة قويّة لمن قال بمَنْع الجلوس على الحرير، وهو قول الجمهور، خِلافاً
لابنِ الماحِشُون والكوفيّينَ وبعض الشافعيَّة، وأجابَ بعضُ الحنفيَّة بأنَّ لفظ ((نَهَى)) ليس
صريحاً في التَّحريم، وبعضُهم باحتمال أن يكون النَّهي وَرَدَ عن مجموع اللَّبس والجلوس، لا
عن الجلوس بمُفرَدِهِ، وهذا يَرُدّ على ابن بَطّال دَعْواه: أنَّ الحديث نَصِّ في تحريم الجلوس
على الحرير، فإنَّه ليس بنَصِّ بل هو ظاهر.
وقد أخرج ابنُ وهب في ((جامعه)) من حديث سعد بن أبي وقّاص قال: لَأن أقعُدَ على
جَمْر الغَضَا، أحَبُّ إليَّ من أن أقعُدَ على مَجَلِس من حرير. وأدارَ بعض الحنفيَّة الجوازَ والمنع على
الُّبس لِصِحّة الأخبار فيه، قالوا: والجلوس ليس بلُبسٍ، واحتَجَّ الجمهور بحديثِ أنس: فقُمت
إلى حَصِير لنا قد اسودَ من طول ما لُبِسَ (٢). ولأنَّ لُبسَ كلّ شيء بحَسَبِهِ.
واستُدِلَّ به على منع النِّساء من افتراش الحرير، وهو ضعيف، لأنَّ خِطاب الذُّكور لا
يتناول المؤنَّث على الرَّاجح، ولعلَّ الذي قال بالمنع تَسَّكَ فيه بالقياس على منع استعمالهنَّ
آنيةَ الذَّهَب مع جواز لُبسِهنَّ الْخُلِيَّ منه، فكذلك يجوز لُبسهنَّ الحريرَ ويُمنَعنَ من استعماله،
وهذا الوجه صَخَّحَه الرَّافعيّ، وصَحَّحَ النَّوويّ الجواز، واستَدَلَّ به على منع افتراش
الرجل الحريرَ مع امرأته في فِراشها، ووجَّهه المجيزُ لذلك من المالكيَّة بأنَّ المرأة فِراش الرجل،
(١) بالأرقام (٥٦٣٢) و(٥٦٣٣) و(٥٨٣١).
(٢) سلف عند البخاري برقم (٣٨٠).