النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
باب ١٢ / ح ٥٨٠١
كتاب اللباس
قال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: اسم التَّقوی یَعُمّ جمیع المؤمنینَ، لكنَّ الناس فيه على
دَرَجات، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا
أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ الآية [المائدة: ٩٣]، فكلّ مَن دَخَلَ في الإسلام فقد اتَّقَى،
أي: وَقَى نفسَه من الحُلود في النار، وهذا مقام العُموم، وأمَّا مقام الخُصوص فهو مقام
الإحسان كما قال ◌َ له: ((أن تَعْبُدُ اللهَ كأنَّك تَراه)(١) انتهى، وقد رَجَّحَ عِيَاض أنَّ المنع فيه لگونه
حريراً، واستَدَلَّ لذلك بحديثٍ جابر الذي أخرجه مسلم (٢٠٧٠) في الباب مع حديث عُقْبة،
وقد قَدَّمتُ ذِكْره في كتاب الصلاة (٣٧٥)، وبيَّنَتُ هناك أنَّ هذه القصّة كانت مُبتَدَأَ تحريم
لبس الحرير.
وقال القُرطُبيّ في ((المفهِم)): المراد بالمتَّقِينَ: المؤمنونَ، لأنَّهم الذينَ خافوا الله تعالى واتَّقَوه
بإيمانهم وطاعتهم له. وقال غيره: لعلَّ هذا من باب التَّهيج للمُكلَّفِ على الأخذ بذلك، لأنَّ مَن
سمعَ: أنَّ مَن فعل ذلك كان غير مُتَّقٍ، فَهِمَ منه أنَّ لا يفعله إلّا المستَخِف، فیأنف مِن فعل ذلك
لئلا يُوصَف بأنَّه غیر مُتَّقٍ.
واستُدِلَّ به على تحريم الحرير على الرِّجال دونَ النِّساء، لأنَّ اللَّفظ لا يتناولهُنَّ على
الرَّاجح، ودخولهنَّ بطريق التَّغليب مجازٌ يَمنَع منه ورودُ الأدلّة الصَّريحة على إباحته لهنَّ،
وسيأتي في باب مُفرَد(٢) بعد قريبٍ من عشرينَ باباً، وعلى أنَّ الصِّبيان لا يَحَرُم عليهم لُبْسه
لأَّهم لا يُوصَفونَ بالتَّقوى، وقد قال الجمهور بجوازٍ إلباسهم ذلك في نحو العيد، وأمَّا في
غيره فكذلك في الأصحّ عند الشافعيَّة، وعكسُه عند الحنابلة، وفي وجه ثالث: يُمنَع بعد
التَّمییز.
وفي الحديث أن لا كراهة في لُبس الثّياب الضَّيِّقة والمفرَّجة لمن اعتادَها أو احتاجَ إليها،
وقد أشرتُ إلى ذلك قريباً في ((باب لُبس الجُبّةَ الضَّيِّقة)(٣).
(١) سلف عند البخاري برقم (٥٠).
(٢) في باب (٣٠): الحرير للنساء.
(٣) باب رقم (١٠).

٤٢
باب ١٣ / ح ٥٨٠٢ - ٥٨٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((تابَعَه عبد الله بن يوسف عن اللَّيث، وقال غيره عن الليثِ)) يعني: بسندِه («فُرُّوجٌ
حريٌ))، أمَّا رواية عبد الله بن يوسف فوَصَلَها المؤلِّف رحمه الله في أوائل الصلاة (٣٧٥)،
وأمَّا رواية غيره فَوَصَلَها أحمد (١٧٣٤٣) عن حَجّاج بن محمَّد وهاشم: وهو أبو النَّضر، ومسلم
(٢٠٧٥) والنَّسائيُّ (٧٧١) عن قُتَيبة، والحارثُ(١) عن يونس بن محمَّد المؤَدِّب، كلَّهم عن
للَّيث.
وقد اختُلِفَ في المغايرة بين الرِّوايتَينِ على خمسة أوجُه:
أحدها: التَّنوين والإضافة، كما يقال: ثوبُ خَزّ بالإضافة، وثوبٌ خَزّ بتنوینِ ثوب،
قاله ابن النِّین احتمالاً.
ثانيها: ضَمّ أوَّله وفتحه، حكاه ابن التِّين روايةً، قال: والفتح أوجَه، لأنَّ فُعَولاً لم يَرِدْ
إلّا في سُبّوح وقُدّوس، وفُرُوج يعني: الفَرْخِ من الدَّجاج. انتهى، وقد قَدَّمتُ في كتاب
الصلاة حكايةً جواز الضَّمّ عن أبي العلاء المَعَرّي، وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): حُكيَ
الضَّمُّ والفتح، والضَّمّ هو المعروف.
ثالثها: تشديد الرَّاء وتخفيفها، حكاه عِیَاض ومَن تَبِعَه.
رابِعها: هل هو بجيمٍ آخره أو خاء مُعجَمة، حكاه عِيَاض أيضاً.
خامسها: حكاه الكِرْمانيُّ قال: الأوَّل: فرّوجُ مِن حرير، بزيادة من، والثّاني بحذفِها.
قلت: وزيادة ((من)) ليست في ((الصحيحين))، وقد ذكرناها عن رواية لأحمد.
١٣ - باب البرانس
٥٨٠٢- وقال لي مُسلَّدٌ: حذَّثنا مُعتَمِرٌ، سمعتُ أَبي، قال: رأيتُ على أنسٍ بُرْنُساً أصفَرَ من خَزِّ.
٥٨٠٣- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عمرَ: أنَّ رجلاً قال:
يا رسولَ الله، ما يَلْبَسُ المحرِمُ مِنَ الثّاب؟ قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((لا تَلْبَسوا القُمُصَ، ولا العَمَائمَ، ولا
السَّراوِيلاتِ، ولا البَرَانسَ، ولا الخفافَ، إلّ أحدٌ لا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنٍ، ولْيَقْطَعْهما أسفلَ
(١) هو ابن أبي أسامة صاحب ((المسند))، كما في ((تغليق التعليق)) ٦٠/٥.

٤٣
باب ١٤ / ح ٥٨٠٤
كتاب اللباس
منَ الكَعْبينِ، ولا تَلْبَسوا منَ النِّيَابِ شيئاً مَسَّهِ زَعْفَرَانٌ ولا الوَرْسُ)».
قوله: ((باب البَرانس)) جمع بُرْنُس، بضمِّ الموحَّدة والنُّون بينهما راء ساكنة وآخره مُهمَلة، ٢٧٢/١٠
تقدَّم تفسيره في كتاب الحجّ (١٥٤٢)، وكذا شرحُ حديث ابن عمر المذكور فيه.
قوله: ((وقال لي مُسَّد: حدَّثنا مُعتَمِر)) يعني: ابن سليمان التَّيْميَّ.
وقوله: ((من خٌَّ) بفتح المعجمة وتشديد الزاي: هو ما غلُظَ من الدِّیباج، وأصله من وبر
الأرنب، ويقال لذَكَرِ الأرنب: خُزَز، بوزنٍ: عُمَر، وسيأتي شرحه وحكمه في ((باب لُبس
القَسِّيّ)) (١) بعد أربعة عشر باباً.
وهذا الأثر موصول لتصريح المصنِّف بقولِه: ((قال لي)) لكن لم يقع في رواية النَّسَفيِّ
لفظ (لي)) فهو تعليق، وقد رُوِّيناه موصولاً في ((مُسنَد مُسدَّد)) روايةَ معاذ بن المثنَّى عن
مُسدَّد، وكذا وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٣٣٩/٨) عن ابن عُليَّة عن يحيى بن أبي إسحاق قال:
رأيتُ على أنس؛ فذكر مثله.
وقد كَرِهَ بعضُ السَّلَف لُبسَ البُرُنُس لأنَّه كان من لباس الرُّهبان، وقد سُئلَ مالك عنه
فقال: لا بأس به، قيل: فإنَّه من لَبُوس النَّصَارَى، قال: كان يُلبَس هاهنا. وقال عبد الله بن
أبي بكر: ما كان أحدٌ من القُرّاء إلّا له بُرنُس. وأخرج الطبرانيُّ (٢٥٢٠) من حديث أبي
قِرْ صافة قال: كَسَاني رسول الله وَّهِ بُرُنُساً، فقال: ((الْبَسْه)) وفي سنده مَن لا يُعرَف، ولعلَّ مَن
كَرِهَه أَخَذَ بعُمومٍ حديث عليّ رَفَعَه: ((إيّاكم ولَبُوسَ الرُّهبان، فإنَّه مَن تَزِيًّا بهم أو تَشَبَّهَ
فليس منِّي)) أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٣٩٠٩) بسندٍ لا بأس به(٢).
١٤ - باب السّراويل
٥٨٠٤- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرٍو، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عيَّاسٍ، عن
النبيِّ وَّةِ، قال: ((مَن لم يَجِدْ إزاراً فَلْيَلْبَسْ سَراوِيلَ، ومَن لم يَجِدْ نَعْلَينِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنٍ)).
(١) باب رقم (٢٨).
(٢) في بعض رواته مقال، وهو إلى الضَّعف أقرب.

٤٤
باب ١٤ / ح ٥٨٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
٥٨٠٥ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيِرِيَةُ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله، قال: قامَ رجلٌ
فقال: يا رسولَ الله، ما تَأْمُرُنا أن نَلْبَسَ إذا أحرَمْنا؟ قال: ((لا تَلَسُوا القميصَ، والسَّراوِيلَ، والعَمائمَ،
والبَرانِسَ، والِفَافَ، إلّا أن يكونَ رجلٌ ليس له نَعْلانِ فَلْيَلبَسِ الخُفَيْنِ أسفلَ منَ الكَعْبِينِ، ولا
تَلْبَسوا شيئاً منَ الثِّيَاب مَسَّه زَعْفَرَانٌ ولا وَرْسِ)».
قوله: ((باب السَّراويل)) ذكر فيه حديث ابن عبّاس رَفَعَه: ((مَن لم يَجِد إزاراً فليَلبَس
سَراويل))، وحديث ابن عمر فيما لا يَلبَس المحرِم من الثّياب، وقد تقدَّما وشرحهما في
كتاب الحجّ (١٨٤١ و١٨٤٢)، ولم يَرِدْ فيه حديثٌ على شرطه. وقد أخرج حديث الدُّعاء
للمُتَسَروِلات البزَّارُ (٨٩٨) من حديث عليّ بسندٍ ضعيف، وصَحَّ أنَّه وَلِ اشْتَرَى رِجَلَ
سَراويلَ من سويد بن قيس، أخرجه الأربعة(١) وأحمد (١٩٠٩٨) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥١٤٧)
من حديثه، وأخرجه أحمد (١٩٠٩٩) أيضاً من حديث مالك بن عَمِيرةَ الأسَديِّ قال:
قَدِمتُ قبل مُهاجَر رسول الله وَلِّ فاشتَرَى مِنِّي سَراويلَ، فأرجَحَ لي. وما كان ليَشَرِيَه عَبَئاً
وإن كان غالب لُبسه الإزار.
وأخرج أبو يَعْلى (٦١٦٢) والطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٦٥٩٤) من حديث أبي هريرة: دَخَلتُ
يوماً السّوق مع رسول الله وَ ﴿، فجَلَسَ إلى البَزّازين فاشتَرَى سَراويلَ بأربعة دَراهم ...
٢٧٣/١٠ الحديث، وفيه: قلت: يا رسول الله، وإِنَّك/ لَتَلَبَس السَّراويل؟ قال: ((أجَل، في السَّفَر والحَضَر
واللَّيل والنَّهار، فإنّي أُمِرت بالتَّسَتُِّ))، وفيه يوسف(٢) بن زياد البصريّ وهو ضعيف(٣).
قال ابن القَيِّم في ((الهَدْي)): اشتَرَى نَِّ السَّراويلَ، والظاهر أنَّ إِنَّما اشتَرَاه ليَلْبَسَه، ثمَّ
قال: ورُوِيَ في حديث: أنَّه لَبِسَ السَّراويل، وكانوا يَلبَسونَه في زمانه وبإذنه. قلت: وتُؤخَذ
أدلّة ذلك كلّه ممّا ذكرته، ووَقَعَ في «الإحياء)» للغَزاليٌّ: أنَّ الثَّمَن ثلاثة دراهم، والذي تقدَّم أنَّه
أربعة دراهم أولی.
(١) أبو داود (٣٣٣٦)، وابن ماجه (٢٢٢٠)، والترمذي (١٣٠٥)، والنسائي (٤٥٩٢).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: يونس.
(٣) وفيه أيضاً عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وهو ضعيف.

٤٥
باب ١٥- ١٦ / ح ٥٨٠٦
كتاب اللباس
١٥ - بابُ في العمائم
٥٨٠٦- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ، قال: أخبرني
سالمٌ، عن أبيه، عن النبيِّ ◌ََّ، قال: ((لا يَلْبَسُ المحرِمُ القميصَ، ولا العِمامةَ، ولا السَّراوِيلَ،
ولا الْبُرْنُسَ، ولا ثوباً مَسَّهِ زَعْفَرانٌ ولا وَرْسٌ، ولا الخُفَّينِ إلّا لمن لم يَجِدِ النَّعْلَينِ، فإن لم يَجِدْهما
فلْيَقْطَعْهما أسفلَ منَ الگَعْبینِ».
قوله: «بابٌ في العائم)) ذکر فیه حديث ابن عمر المذكور قبله من وجه آخر، وقد سَبَقَ
في الحجّ (١٥٤٢)، وكأنَّه لم يَثْبُت عنده على شرطه في العِمامة شيء، وقد وَرَدَ فيها الحديث
الماضي في آخِرِ ((باب مَن جَرَّ ثوبه من الخُيَلاء)»(١) من حديث عَمْرو بن حُرَيث أنَّه قال:
كأنّي أَنظُرُ إلى رسول الله وَ له وعليه عِمامة سوداء، قد أرخَى طَرَفَها بين كَتِفَيه، أخرجه
مسلم (١٣٥٩)، وعن أبي المَلِيح بن أُسامة عن أبيه رَفَعَه: ((اعتَمُّوا تَزدادُوا حِلمًا)) أخرجه
الطبرانيُّ (٥١٧) والتِّرمِذيّ في «العِلَل المفرَد)) (٥٤٩) وضَعَّفَه عن البخاريّ، وقد صَخَّحَه
الحاكم (٤/ ١٩٣) فلم يُصِبْ، وله شاهد عند البزَّار (٢) عن ابن عبّاس ضعيف أيضاً، وعن
رُكَانة رَفَعَه: ((فَرْقُ ما بيننا وبين المشرِكِينَ العَائم)) أخرجه أبو داود (٤٠٧٨) والتِّرمِذيّ
(١٧٨٤)(٣)، وعن ابن عمر: كان رسول الله وَّ﴿ إذا اعتَمَّ سَدَلَ عِمامتَه بين كَتِفَيه، أخرجه
الثِّ مِذيّ (١٧٣٦)، وفيه: أنَّ ابن عمر كان يفعله والقاسم وسالم، وأمَّا مالك فقال: إنَّه لم
يَرَ أحداً يفعله إلّا عامرَ بن عبد الله بن الزُّبَير، والله أعلم.
١٦ - باب التّقتُّع
وقال ابنُ عبَّاسٍ: خَرَجَ النبيُّ ◌َ﴿ وعليه عِصابةٌ دَسْماءُ.
وقال أنسُ: عَصَبَ النبيُّ ◌َِّ على رأسِه حاشيةً بُرْدٍ.
(١) باب رقم (٥).
(٢) «کشف الأستار عن زوائد البزار)) (٢٩٤٥).
(٣) وإسناده ضعيف لجهالة بعض رواته، وضعَّفه الترمذي وقال: حديث غريب وليس إسناده بالقائم.

٤٦
باب ١٦ / ح ٥٨٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
٥٨٠٧- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ،
عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: هاجَرَ ناسٌٌ إلى الحَبَشةِ منَ المسلمينَ، وتَجَهَّزَ أبو بكرٍ مُهاجِراً،
فقال النبيُّ ◌َّ: ((على رِسْلِكَ، فإنّ أرجو أن يُؤْذَنَ لي)) فقال أبو بكرٍ: أوَتَرْجُوه بأَبي أنتَ؟ قال:
(نعم)) فحَبَسَ أبو بكرٍ نفسَه على النبيِّ وَّ﴿ لِصُحْبَتِه، وعَلَفَ راحِلتَينِ كانتا عندَه وَرَقَ السَّمُرِ
أربعةً أشهُرٍ.
قال عُرْوةُ: قالت عائشةُ: فبَيْنا نحنُ يوماً جُلوسٌ في بيتنا في نَحْرِ الظَّهِيرةِ، فقال قائلٌ لأبي
بكرٍ: هذا رسولُ الله ◌ِّهِ مُقِلاً مُتَقَتِّعاً، في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكرٍ: فِداً لك أبي
وأُمّي! والله إنْ جاء به في هذه الساعةِ لَأَمْرٌ، فجاء النبيُّ نَّهِ فاستَأَذَنَ، فأذِنَ له فدَخَلَ، فقال
حينَ دَخَلَ لأبي بكرٍ: ((أَخرِجْ مَن عندَكَ)) قال: إنَّما هم أهلُكَ، بأبي أنتَ يا رسولَ الله، قال:
(فإنّي قد أُذِنَ لي في الخروج)) قال: فالصُّخْبةُ؟ بأبي أنتَ يا رسولَ الله، قال: ((نعم)) قال: فخُذْ
بأبي أنتَ يا رسولَ الله إحدَى راحلَتِيَّ هاتَينٍ، قال النبيُّ وَّهِ: ((بالثَّمَنِ)) قالت: فجَهَّزْناهما أحَثَّ
الَجَهَازِ، وصَنَعْنا لهما سُفْرَةً في جِرَابٍ، فقَطَعَت أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ قِطعةً من نطاقِها، فأْکَت به
الجِرابَ، ولذلك كانت تُسمَّى ذاتَ النِّطاق، ثمَّ لَحِقَ النبيُّ وَِّ وأبو بكرٍ بغارٍ في جبلٍ يقال له:
ثَوْرٌ، فمَكَثَ فيه ثلاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عندَهما عبدُ الله بنُ أبي بكرٍ - وهو غلامٌ شابٌّ لَقِنٌّ ثَقِفُ -
فيَرحَلُ من عندِهِما سَحَراً، فيُصْبِحُ معَ قُرَيشٍ بمكَّةَ كبائتٍ، فلا يَسْمَعُ أمراً يُكادَانٍ به إلّا وَعَاه،
حتَّى يأتيَهما بخيرِ ذلك حينَ يَخْتَلِطُ الظَّلامُ، ويَرْعَى عليهما عامرُ بنُ نُهَيرةَ مولى أبي بكرٍ مِنْحَةً
من غَنَمِ، فيُرِيحُهُ عليهما حينَ تذهبُ ساعةٌ منَ العِشاءِ، فَيَبِيِتانِ في رِسْلِهِما حتَّى يَنْعِقَ بهما عامرُ
ابنُ قُهَيرةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذلك كلَّ ليلةٍ من تلكَ اللَّيالي الثَّلاثِ.
قوله: ((باب التَّنُّع)» بقافٍ ونون ثقيلة: وهو تغطية الرّأس وأكثر الوجه برِداءٍ أو غيره.
٢٧٤/١٠
قوله: ((وقال ابن عبّاس: خَرَجَ النبيّ وَّل وعليه عِصابةٌ دَسْماء)» هذا طرف من حديث مُسنَد
عنده في مواضع، منها: في مناقب الأنصار في ((باب اقبلوا من مُحسِنهم)) (٣٨٠٠) من طريق
عِكْرمة: سمعتُ ابن عبّاس يقول: خَرَجَ النبيّ ◌َلِّ وعليه مِلحَفة مُتَعَطِّقاً بها على مَنكِبِيه، وعليه

٤٧
باب ١٦ / ح ٥٨٠٧
كتاب اللباس
عِصابة دَسْماء ... الحديث، والدَّسماء بمُهمَلتَينِ والمدّ: ضِدّ النَّظيفة، وقد يكون ذلك لونها
في الأصل، ويُؤْيِّده أنَّه وَقَعَ في رواية أُخرى: عِصابةٌ سوداء(١).
قوله: ((وقال أنس: عَصَبَ النبيُّ ◌َّل على رأسه حاشيةَ بُرْد)) هو أيضاً طرفٌ من حديث
أخرجه في الباب المذكور (٣٧٩٩) من طريق هشام بن زيد بن أنس: سمعت أنس بن مالك
يقول ... فذكر الحديث، وفيه: فخَرَجَ النبيّ ◌َّه وقد عَصَبَ على رأسه حاشيةً بُردٍ.
ثم ذكر حديث عائشة في شأن الهجرة بطولِه، وقد تقدَّم في السِّيرة النبويَّة (٣٩٠٥) أتمَّ
منه، وتقدَّم شرحه مُستَوفّى، والغرضُ منه قولُه: قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله وَ لِّ مُقبِلاً
مُتَقَنِّعاً في ساعةٍ لم یکن یأتینا فيها.
وقوله فيه: «فداً لك» في رواية الگُشْمِیھنیِّ: فِداً له.
وقوله: ((إنْ جاء به في هذه الساعة لَأمرٌ)) بفتح اللّام وبالتّنوين مرفوعاً واللّام للتَّأكيدِ،
لأَنَّ((إنْ)) الساكنة مُقَّفةٌ من الثَّقيلة، وللكُشْمِيهنيِّ: إلّا لأمرٍ، و((إِنْ)) على هذا نافية.
وقوله: ((أحَثَّ)) بمُهمَلةٍ ثمَّ مُثَلَّئة ثقيلة، في رواية الكُشْمِيهنيِّ: أحَبَّ، بموخَّدةٍ، وأظنّه
تصحيفاً.
وقوله: ((ويَرعَى عليهما عامرُ بن فُهَيرة مِنحةً من غنم فيُريحُه)) أي: يُريح الذي يَرعَاه،
وللگُشْمِيهنيّ: فيُريحها.
12
وقوله: ((في رِسْلهما)) بالتَّثنية، في رواية الكُشْمِيهنيِّ: في رِسْلها، وكذا القول في قوله:
حتّی یَنعِق بهما، عنده: ((بها)).
قال الإسماعيليّ: ما ذُكِرَ من العِصابة لا يَدخُل في النَّقْنُّح، فالتَّقْنُّع: تغطية الرَّأس، والعِصابة:
شَدُّ الخِرقة على ما أحاطَ بالعِمامة. قلت: الجامع بينهما وضعُ شيء زائد على الرَّأس فوق
العمامة، والله أعلم.
ونازَعَ ابنُ القَيِّم في ((كتاب الهَدْي)) مَن استَدَلَّ بحديثِ التَّقْتُّع على مشروعيَّة لُبس
(١) أشار إلى هذه الرواية القاضي عياض في ((مشارق الأنوار)) ١/ ٢٦٢، ولم يبيِّن من صاحب هذه الرواية!

٤٨
باب ١٦ / ح ٥٨٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
الطَّيلَسان: بأنَّ التَّقْنُّع غير التطَيلُس، وجَزَمَ بأنَّه وَلِّ لم يَلْبَس الطَّيْلَسان، ولا أحدٌ من
أصحابه، ثمَّ على تقدير أن يُؤْخَذ من التَّقْنُّع، فإنَّه (١) وَله لم يَتَقَنَّع إلّا لحاجةٍ، ويرد عليه
حديث أنس: كان وَل ◌ِ يُكثِرِ القِناعَ(٢)، وقد ثَبَتَ أنَّه قال: ((مَن تَشَبَّهَ بقوم فهو منهم)) كما
تقدَّم مُعلَّقاً في كتاب الجهاد(٣) من حديث ابن عمر، ووَصَلَه أبو داود (٤٠٣١)، وعند
التِّرمِذيّ من حديث أنس(٤): ((ليس مِنّا مَن تَشَبَّهَ بغيرِنا))، وقد ثَبَتَ عند مسلم من حديث
النَّاس بن سِمْعان في قصَّة الدَّجّال: ((يَتَبَعه اليهودُ وعليهم الطَّيالسة))(٥)، وفي حديث
أنس: أنَّه رأى قوماً عليهم الطَّيالسة، فقال: ((كأنَّهم يهود خَيبَ))(٩)، وعُورِضَ بما أخرجه
٢٧٥/١٠ ابنُّ سعد (٤٦١/١) بسندٍ مُرسَل: وُصِفَ لرسولِ الله وَّةِ/ الطَّيلَسان فقال: ((هذا ثوبٌ لا
يُؤَدَّى شُكْره)) أخرجه ... (٧) وإنَّما يَصلُح الاستدلال بقصَّة اليهود في الوقت الذي تكون
الطَّيالسةُ من شِعارهم، وقد ارتَفَعَ ذلك في هذه الأزمنة، فصارَ داخلاً في عموم المباح، وقد
ذكره ابن عبد السَّلام في أمثلة البِذْعة المباحة، وقد يصير من شعائر قوم، فيصير تركه من
الإخلال بالمروءة، كما نَبَّهَ عليه الفقهاء أنَّ الشَّيء قد يكون جارحاً(٨) لقوم وتركُه بالعكس،
ومَثَّلَ ابن الرّفْعة ذلك بالسُّوقِيِّ والفقيه في الطَّلَسان.
(١) في (أ) و(س): بأنه، بالباء، وهو خطأ والصواب ما أثبتناه من (ع) بالفاء.
(٢) أخرجه ابن سعد ١/ ٤٦٠، والترمذي في ((الشمائل)) (٣٢) من حديث أنس، وإسناده ضعيف.
(٣) لم يعلق البخاري هذه القطعة من الحديث، وعلَّق منه قوله: ((جعل رزقي تحت ظلِّ رمحي، وجعل الذِّلَّة
والصَّغار على من خالف أمري))، وهو تحت باب (٨٨): ما قيل في الرِّماح. وفي سند الحديث مقالٌ، انظر
«مسند أحمد» (٥١١٤).
(٤) كذا قال، والصواب أنه من حديث عبد الله بن عمرو (٢٦٩٥)، وضعَّف الترمذي إسناده، والراجح أنه
موقوف علی عبدالله بن عمرو.
(٥) هو في (صحيح مسلم) برقم (٢٩٤٤) من حديث أنس بن مالك لا من حديث النواس بن سمعان،
وعنده برقم (٢٩٣٧) عن النواس حديث طويل في الدجال، لكن ليس فيه هذا الحرف.
(٦) سلف عند البخاري برقم (٤٢٠٨).
(٧) وقع هنا في الأصول بياض، ولا ندري وجهه، فقد سلف الحديث في ((الفتح)) ٤٤٨/١١ عند شرح الحديث
(٣٩٠٥) ولم يخرجه الحافظ إلّا من ابن سعد.
(٨) لفظ «جارحاً)) أثبتناه من (ع)، ووقع مكانه في (أ) و (س) بياض.

٤٩
باب ١٧ -١٨ / ح ٥٨٠٨ - ٥٨١٠
كتاب اللباس
١٧ - باب المِغِفَر
٥٨٠٨- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهْريِّ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ دَخَلَ عامَ
الفَتْحِ وعلى رأسِه المِغِفَرُ.
قوله: ((باب المِغْفَر)) بكسر الميم وسكون المعجَمة وفتح الفاء بعدها راء.
تقدَّم شرحه والكلام على حديث أنس الذي في الباب في كتاب المغازي (٤٢٨٦) مُستَوفَّى.
وذكر ابن بَطّال هنا: أنَّ بعض المتعَسِّفينَ أنكَرَ على مالك قوله في هذا الحديث: ((وعلى
رأسه المِغِفَر)) وأنَّه تفرَّد به، قال: والمحفوظ: أنَّه دَخَلَ مكَّة وعليه عِمامة سوداء، ثمَّ أجابَ
عن دَعوى التفرُّد أنَّه وَجَدَ في كتاب ((حديث الزُّهْرِيِّ)) تصنيف النَّسائيِّ هذا الحديث من
رواية الأوزاعيِّ عن الزُّهْرِيِّ مِثلَ ما رواه مالك، وعن الحديث الآخر: بأنَّه دَخَلَ وعلى
رأسه المِغِفَر، وكانت العِمامةُ السَّوداء فوق المِغِفَر.
قلت: وقد ذكرتُ في شرح الحديث أنَّ بضعة عشر نفساً رَوَوْه عن الزُّهْريِّ غير مالك،
وبيَّنت مخارجها وعِلَلَها بما أغنى عن إعادته، والحمد لله.
١٨ - باب البُرود والحِبَرَ والشَّمْلة
وقال خَبّابٌ: شَكَوْنا إلى النبيِّ وَ ◌ّه وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدتَه.
٥٨٠٩ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي
طَلْحةَ، عن أنسِ بنِ مالكِ، قال: كنتُ أمشي معَ رسولِ الله ◌َ ◌َّ وعليه بُرْدٌ نَجْرائٌّ غَلِيظُ الحاشيةِ،
فأدْرَكَه أعرابٌّ فجَبَذَه برِدائِهِ جَبْذةً شديدةً، حتَّى نظرتُ إلى صَفْحةِ عاتقٍ رسولِ الله آلآ قد
أثّرَتْ بها حاشيةُ البُرْدِ من شِدّةِ جَبْذَتِهِ، ثمَّ قال: يا محمَّدُ، مُرلي من مالِ الله الذي عندَكَ، فالْتَفَتَ
إليه رسولُ الله ◌ِ﴿ ثمَّ ضَحِكَ، ثمَّ أُمَرَ له بعطاءٍ.
٥٨١٠- حدَّثنا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي حازمٍ، عن سَهْلِ
ابن سعدٍ، قال: جاءتِ امرأةٌ بُيُرْدةٍ - قال سَهْلٌ: هل تَدِرُونَ ما البُرْدَةُ؟ قال: نعم، هي الشَّمْلةُ
منسوجٌّ في حاشيَيِّها - قالت: يا رسولَ الله، إنّ نَسَجْتُ هذه بيَدِي أكْسُوكَها، فأخَذَها

٥٠
باب ١٨ / ح ٥٨١١ -٥٨١٤
فتح الباري بشرح البخاري
رسولُ اللهِ وَِّ محتاجاً إليها، فخَرَجَ إلينا وإِنَّهَا لَإزارُه، فجَسَّها رجلٌ منَ القومِ، فقال: يا
رسولَ الله، اكْسُنِيها؟ قال: ((نَعَم)) فجَلَسَ ما شاءَ الله في المجلِسِ، ثمَّ رَجَعَ فِطَوَاها، ثمَّ أرسَلَ
بها إليه، فقال له القومُ: ما أحسنْتَ، سألتَها إيّاه وقد عَرَفْتَ أَنَّه لا يَرُدُّ سائلاً، فقال الرجلُ: والله ما
سألتُها إلّا لتكونَ كَفَني يومَ أموتُ. قال سَهْلٌ: فكانت كَفَنَه.
٥٨١١- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ
المسيّبٍ، أنَّ أبا هريرةَ ﴾، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّه يقول: ((يَدخُلُ الجنَّةَ من أمَّتي زُمْرةٌ
هي سبعون ألفاً، تُضِيءُ وجوهُهم إضاءةَ القمرِ)) فقامَ عُكّاشةُ بنُ مِحْصَنِ الأسَدِيُّ يرفعُ
نَمِرةً عليه، قال: ادْعُ اللهَ لي يا رسولَ الله أن يجعلني منهم، فقال: ((اللهمَّ اجْعَلْه منهم)) ثمَّ
قامَ رجلٌ منَ الأنصار، فقال: يا رسولَ الله، ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم، فقال رسولُ الله:
((سَبَقَكَ عُكّاشةُ)).
[طرفه في: ٦٥٤٢]
٥٨١٢- حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عاصم، حدَّثنا هنَّامٌ، عن قَتَادَ، عن أنسٍ، قال: قلتُ له: أُّ الِّابِ
كان أحَبَّ إلى النبيِّ وََّ؟ قال: الحِبَرَةُ.
[طرفه في: ٥٨١٣]
٥٨١٣- حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي الأسوَدِ، حدَّثنا معاذٌ، قال: حدَّثني أَبِي، عن قَتَادةَ، عن
أنسٍ بنِ مالكٍ ﴾، قال: كان أحَبُّ الثُّابِ إلى النبيِّ وَ أَنْ يَلْبَسَها الحِبَرَةَ.
٥٨١٤- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بنُ
عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبيِّ وَّهِ أخبَرَتْه: أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ حِينَ
تُوفِّيَ سُجِّيَ بِيُرْدٍ حِبَرَةٍ.
٢٧٦/١٠ قوله: ((باب البُرُود)) جمع بُرْدة بضمِّ الموحّدة وسكون الرَّاء بعدها مُهمَلة، قال الجوهريّ:
كِساء أسود مُربَّع فيه صِغَرُّ (١) تَلَبَسُه الأعراب.
(١) تحرَّف في (س) إلى: صور.

٥١
باب ١٨ / ح ٥٨١٤
كتاب اللباس
قوله: ((والحِبر)» بکسر المهملة وفتح الموحّدة بعدها راء: جمع حِبرة، يأتي شرحُها في خامس
أحاديث الباب.
قوله: ((والشَّمْلة)) بفتح المعجَمة وسكون الميم: ما يُشتَمَل به من الأكسية، أي: يُلتَحَف
به.
وذکر فیه ستّة أحاديث:
الحديث الأول: قوله: ((وقال خَبّاب)) بِخاءٍ مُعجَمة وموخَّدتَينِ الأُولى ثقيلة.
قوله: ((وهو مُتَوسِّد بُرْدَتَه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((بُرْدةً له))، وهذا طرفٌ من حديث
تقدَّم موصولاً في المبعَث النبويّ (٣٨٥٢) في ((باب ما لَقِيَ النبيُّ ◌َل﴿ وأصحابه بمكَّة)) وتقدَّم
شرحه هناك.
الثاني: حديث أنس في قصَّة الأعرابيّ، والغرضُ منه قوله: ((حتَّى نظرتُ إلى صَفْحة عاتق
رسول الله وَل﴿ قد أثَّرَت بها حاشيةُ البُرد))، وسيأتي شرحه في كتاب الأدب (٦٠٨٨).
الثالث: حديث سَهْل بن سعد: ((جاءت امرأة ببُرْدةٍ، قال سهل: هل تَدُرُونَ ما البُرْدة؟
قال: نعم، هي الشَّملة)) الحديث، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الجنائز (١٢٧٧) في
((باب مَن استَعَدَّ الكَفَنَ)).
الرابع: حديث أبي هريرة في السَّبعينَ ألفاً الذينَ يَدخُلونَ الجنَّة بغير حساب، وسيأتي
شرحه في كتاب الرِّقاق (٦٥٤٢).
والغرضُ منه هنا قوله فيه: ((يَرفَع نَمِرةً عليه)) والنَّمِرة بفتح النُّون وكسر الميم: هي الشَّملة
التي فيها خطوط مُلَوَّنة، كأنَّهَا أُخِذَت من جِلد النَّمِر لاشتراكهما في التَّلُّن.
الخامس: حديث أنس: ((كان أحَبُّ / الثّياب إلى النبيّ وَّهِ أن يَلبَسها الحِبرة))، وفي رواية ٢٧٧/١٠
أُخرَى(١): أنَّ أنساً قاله جواب سؤالٍ قَتَادة له عن ذلك، فتَضَمَّنَ السَّلامَةَ من تدليس قَتَادة.
(١) هي الرواية السابقة.

٥٢
باب ١٩ / ح ٥٨١٥-٥٨١٨
فتح الباري بشرح البخاري
قال الجَوْهريّ: الحِبَرَة بوزنِ عِنَبَة: بُرْدٌ يَمانٍ. وقال الهَرَويُّ: مَوشِيّة مُخُطَّطة. وقال
الدَّاوُوديُّ: لونها أخضَر لأنَّها لباس أهل الجنَّة. كذا قال، وقال ابن بَطّال: هي من بُرود
اليمن تُصنَع من قُطْن، وكانت أشَرَفَ الثّياب عندهم. وقال القُرطُبيّ: سُمّيَت حِبَرَةً لأنَّها
تُحَبَّ، أي: تُزيّن، والتَّحبير: التَّزيين والتَّحسين.
الحديث السادس: حديث عائشة: ((أنَّ النبيَّ وَّهِ حين تُوُلِّ سُجِّيَ بُبُردِ حِبَة)).
قوله: ((سُجِّيَ)) بضمٍّ أوَّله وكسر الجيم الثَّقيلة، أي: غُطَّ وزناً ومعنّى، يقال: سَجَّيتُ
المَيِّتَ: إذا مَدَدتَ عليه الثَّوب، وكأنَّ المصنّف رَمَزَ إلى ما جاء عن عمر بن الخطّاب في ذلك،
فأخرج أحمد (٢١٢٨٣) من طريق الحسن البصريّ: أنَّ عمر بن الخطّاب أراد أن يَنْهَى عن حُلَل
الحِبَرَة لأنَّها تُصَبَغْ بالبول، فقال له أُبيّ: ليس ذلك لك، فقد لَبِسَهُنَّ النبيُّ وَّهِ وَلَيَسناهُنَّ في
عَهْده؛ والحسن لم يسمع من عمر.
١٩ - باب الأكسية والخمائص
٥٨١٥، ٥٨١٦- حدَّثني يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ،
قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُثْبةَ، أنَّ عائشةَ وعبدَ الله بنَ عَّاسٍ رضي الله عنهم،
قالا: لمَّا نُزِلَ برسولِ الله ◌َِّيهِ، طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصةً له على وجهِه، فإذا اغتَمَّ كَشَفَها عن
وجهِهِ، فقال وهو كذلك: ((لَعْنَةُ الله على اليهودِ والنَّصارَى، أنَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائهم مساجدَ»
يُحذِّرُ ما صَنَعوا.
٥٨١٧- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، عن
عُرْوةَ، عن عائشةَ، قالت: صَلَّى رسولُ اللهِ وَّهِ فِي خَمِيصةٍ له لها أعلامٌ، فَنَظَرَ إلى أعلامِها
نَظْرَةً، فلمَّا سَلَّمَ قال: ((اذهَبوا بخَمِيصَتي هذه إلى أبي جَهْمٍ، فإنَّا الهَتْني آنِفاً عن صلاتي، وانتُوني
بأنْبِجَانيَّةِ أبي جَهْمٍ)) ابنِ حُذَيفةَ بنِ غانمٍ، من بني عَدِيِّ بنِ کَعْبٍ.
١٨ ٥٨- حدَّثْنا مُسلَّدٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا أيوبُ، عن مُميدِ بنِ هلال، عن أبي بُرْدَ، قال:
أخرَجَت إلينا عائشةُ كِساءً وإزاراً غَلِيظاً، فقالت: قُبِضَ روحُ النبيِّ وَّ فِي هذَينٍ.

٥٣
باب ١٩ / ح ٥٨١٨
كتاب اللباس
قوله: ((باب الأكسية والخَمائص)) جمع خَميصة بالخاءِ المعجَمة والصّاد المهمَلة: وهي كِساء
من صوف أسود، أو خَزّ مُربَّعة لها أعلام، ولا يُسَمَّى الكِساءُ خَميصةً إلّا إن كان لها عَلَم.
ذکر فیه أربعة أحاديث:
الأول والثاني: عن عائشة وابن عبَّاس، قالا: ((لمَّا نُزِلَ)) بضمِّ أوَّله على البناء للمجهولِ،
والمراد: نزول الموت.
وقوله: ((طَفِقَ يَطَرَح خميصةً له على وجهه)) أي: يجعلها على وجهه من الحُمَّى، فإذا اغتَمَّ
كَشَفَها، وذكر الحديث في التَّحذير من اتّخاذ القُبور مساجد، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الجنائز
(١٣٣٠).
تنبيه: ذكر أبو عليّ الجيَّاني: أنَّه وَقَعَ في رواية أبي محمَّد الأَصِيلِيِّ عن أبي أحمد الجُرجانيّ
في هذا الإسناد عن الزُّهْريِّ: ((عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ عن أبيه عن عائشة وابن عبَّاس))
قال: وقوله: ((عن أبيه)) وهمٌّ، وهي زيادة لا حاجة إليها.
الثالث: حديث أبي بُرْدة - وهو ابن أبي موسى الأشعريّ - قال: ((أخرجت إلينا عائشةُ كِساءً
وإزاراً غليظاً، فقالت: قُبِضَ روح رسول الله وَ له في هذَينٍ)) تقدَّم هذا الحديث في أوائل الخمس
(٣١٠٨)، وذكر/ له طريقاً أُخرى تعليقاً، زاد فيها وصفَ الإزار والكِساء: ((إزاراً غليظاً ما يُصنَع ٢٧٨/١٠
باليمن، وكِساءً من هذه التي تدعونَها الملبّدة))، والملّدة: اسم مفعول من التَّلبيد، وقال ثَعلَب:
يقال للرّقعة التي يُرِقَّع بها القميص: لِيْدة. وقال غيره: هي التي ضُرِبَ بعضها في بعض حتَّى
تَتَرَاكَب وَجَتَمِع، وقال الدَّاوُودُّ: هو الثَّوب الصَّفيقِ(١)، ولم يُوافَق.
الرابع: حديث عائشة: ((في خميصة لها أعلام)) وفي آخره: ((وائتوني بأنِجَانيَّة أبي جَهْمٍ)»
ابن حُذَيفة بن غانم من بني عَديّ بن كعب. انتهى آخر الحديث عند قوله: («بأنبجانيَّة أبي
جَهْم))، وبَقَيَّة نَسَبه مُدرَج في الخبر من كلام ابن شهاب، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أوائل
كتاب الصلاة (٣٧٣).
(١) هكذا في (أ) و(ع)، ومعناه: الثخين، وفي (س): الثوب الضيِّق.

٥٤
باب ٢٠ / ح ٥٨١٩ - ٥٨٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
٢٠ - باب اشتمال الصَّاء
٥٨١٩- حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا عبدُ الوهّاب، حدَّثنا عُبيدُ الله، عن خُبَیب، عن
حفصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرةَ ظُ، قال: نَهَى النبيُّنَّه عن الملامسةِ والمنابذةِ، وعن صلاَينِ: بعدَ
الفجرِ حتَّى تَرتَفِعَ الشمسُ، وبعدَ العصرِ حتَّى تَغِيبَ، وأن يَتَبِيَ بالثَّوْبِ الواحدِ ليس على فَرْجِه
منه شيءٌ بينَه وبينَ السماءِ، وأن يَشْتَمِلَ الصَّاءَ.
٥٨٢٠- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني
عامرُ بنُ سعدٍ، أنَّ أبا سعيدِ الخُذْريَّ قال: نَهَى رسولُ الله ◌ِّهِ عِن لِيْسَتَيْنِ وعن بَيْعَتَيْنِ، نَهَى
عن الملامسةِ والمنابَذةِ في البيعِ.
والملامَسةُ: لَمْسُ الرجلِ ثوبَ الآخَرِ بَيَلِه باللَّيلِ أو بالنَّهار، ولا يُقلِّبُه إلّا بذلك. والمنابذةُ: أن
يَنْبِذَ الرجلُ إلى الرجلِ بثوبِهِ، ويَنْبِذَ الآخَرُ ثوبَه، ويكونَ ذلك بيعَهما، عن غيرِ نظرٍ ولا تَراضٍ.
واللِّبْسَتَيْنِ: اشتِمالُ الصَّاءِ، والصَّاءُ: أن يجعلَ ثوبَه على أحدٍ عاتقَهِ فَبْدِوَ أحدُ شِقَّهِ لیس
عليه ثوبٌ، واللَّبْسةُ الأُخرَى: احتباؤُه بثوبِهِ وهو جالسٌ، ليس على فَرْجِه منه شيءٌ.
قوله: ((باب اشتِمال الصَّاء)» تقدَّم ضبطُه وتفسيره، وشرح حديث أبي سعيد في هذا
الباب فيما يَتَعلَّق بالاشتِمال والاحتباء في ((باب ما يَستُر من العَوْرة)» من كتاب الصلاة
(٣٦٧)، وقيل في اشتِمال الصَّاء: أن يرميَ بطَرَفَ الثَّوب على شِقّه الأيسَر، فيصير جانبُه
الأيسَر مكشوفاً ليس عليه من المِعطَف شيء، فتَنكَشِف عورتُه إذا لم يكن عليه ثوب آخر،
فإذا خالَفَ بين طَرَّفَي الثَّوب الذي اشتَمَلَ به لم يكن صَمّاءَ. وتقدَّم الكلام أيضاً على اختلاف
الرُّواة عن الزُّهْريِّ في شيخه فيه وعلى اللَّيث أيضاً، وأمَّا شرح البيعَتَينِ فتقدَّم أيضاً في
البيوع (٢١٤٥ و٢١٤٦)، وأمَّا الَّهي عن الصلاة بعد الصُّبح والعصر، فتقدَّم في أواخر أبواب
المواقيت من كتاب الصلاة (٥٨٤).
قوله: ((عبد الوهّاب)) هو ابن عبد المجيد الثَّقفيّ، جَزَمَ به المِّيّ في ((الأطراف))، وقال
في ((التَّهذيب)): وَقَعَ في بعض النُّسَخِ: ((عبد الوهّاب بن عطاء)) وفيه نظرٌ، لأنَّ ابن عطاء لا

٥٥
باب ٢١ / ح ٥٨٢١-٥٨٢٢
كتاب اللباس
تُعرَف له رواية عن عُبيد الله - وهو ابن عمر العُمَريّ - ولم يذكر أحد في رجال البخاريّ
عبد الوهاب بن عطاء، وقد أخرج أبو نُعَيم في (المستخرَج)) هذا الحديث من رواية ابن
خُزيمةَ: حدَّثنا بُندار - وهو محمَّد بن بشَّار شيخ البخاريّ فيه - حدَّثنا عبد الوهّاب به، ولم
يَنسُبه أيضاً، وأخرجه مسلمٌ(١) (١/١٥١١) عن محمَّد بن المثنَّى عن عبد الوهّاب به ولم
يَنسُبه أيضاً، وهو الثَّقفيّ بلا ريبٍ، وسيأتي بعد قليل نَظِير هذا، وجَزَمَ الإسماعيليّ: بأنَّه
الثَّقْفيّ.
وقوله فيه: ((أن يجعل ثوبَه على أحد عاتقَيهِ/ فيَبَدوَ أحدُ شِقَّيه)) أي: يظهر.
٢٧٩/١٠
٢١- باب الاحتباء في ثوبٍ واحدٍ
٥٨٢١- حذَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي
هريرةَ ﴾، قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَّهِ عِن لِبْسَتَينِ: أن تَحَتَبِيَ الرجلُ في الثَّوْبِ الواحدِ لیس
على فَرْجِه منه شيءٌ، وأن يَشْتَمِلَ بالثَّوْبِ الواحدِ ليس على أحدٍ شِقَّيهِ، وعن الملامسةِ
والمنابَذةِ.
٥٨٢٢- حذَّثني محمَّدٌ، قال: أخبرني تَخَلَدٌ، أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني ابنُ شِهابٍ،
عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ : أنَّ النبيَّ لَهَ نَهَى عن اشتِمال الصَّاءِ، وأن
يَتَبِيَ الرجلُ في ثوبٍ واحدٍ ليس على فَرْجِه منه شيءٌ.
قوله: ((باب الاحتباء في ثوب واحد)) ذكر فيه حديثَينٍ تقدَّم شرحهما أيضاً في الباب المشار
إليه(٢) من كتاب الصلاة.
وقوله في أوَّل الإسناد الثاني: ((حدَّثنا محمَّد)) غير منسوب: هو ابن سَلَام، وشيخه ◌َلَد
بسکون المعجمة: هو ابن یزید.
(١) لفظة ((مسلم)) سقطت من (س)، فصار كأن الذي أخرج طريق محمد بن المثنى هو أبو نعيم في ((المستخرج))،
ولیس کذلك.
(٢) أشار الحافظ إليه في الباب السابق.

٥٦
باب ٢٢ / ح ٥٨٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
٢٢ - باب الخَمِيصة السَّوداء
٥٨٢٣- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا إسحاقُ بنُ سعيدٍ، عن أبيه سعيدِ بن فلانِ بنِ سعیدِ بنِ
العاصِ، عن أمِّ خالدٍ بنت خالدٍ: أتِيَ النبيُّ ◌َّهِ بثيابٍ فيها خَمِيصٌ سوداءٌ صغيرةٌ، فقال:
((مَنْ تَرَوْنَ أن نَكْسوَ هذه؟)) فسَكَتَ القومُ، قال: ((اثْتُونِي بأُمّ خالٍ)) فأَتِيَ بها تُحمَلُ، فأخَذَ
الخَمِيصَةَ بَيَدِهِ فألبَسَها، وقال: ((أَبْلِي وأَخْلِقي)) وكان فيها عَلَمُ أخضَرُ أو أصفَرُ، فقال: ((يا أمَّ
خالدٍ، هذا سَنَاْ».
وسَنَاهْ بالحَبَشِيَّةِ.
قوله: («باب الخَميصة السَّوْداء)» تقدَّم تفسير الخَميصة في أوائل كتاب الصلاة (٣٧٣)،
قال الأصمَعيّ: الخَمائص: ثياب خَزٍّ أو صوف مُعلَّمة، وهي سُودٌ كانت من لباس الناس.
وقال أبو عُبید: هو كِساء مُربَّع له عَلَمان، وقيل: هي کِساء رقيق من أيّ لون كان، وقيل: لا
تُسمَّى خميصةً حتَّى تكون سوداء مُعلَمة.
وذکر فیه حدیثین:
الأول:
قوله: ((عن أبيه سعيد بن فلان بن سعيد بن العاص)) كذا قال البخاريّ عن أبي نُعَيم: عن
إسحاق بن سعيد عن أبيه، فأَبهمَ والد سعيد، وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق
أبي خَيْئمةَ زُهَير بن حَرْب عن الفضل بن دُكَين - وهو أبو نُعَيم - حدَّثنا إسحاق بن سعيد
ابن عَمْرو بن سعيد عن العاص عن أبيه، وسيأتي بعد أبواب في ((باب ما يُدعَى لمن لَبِسَ
٢٨٠/١٠ ثوباً جديداً)/ (٥٨٤٥) عن أبي الوليد عن إسحاق، وفيه سياق نَسَب إسحاق إلى العاص
مثل هذا، وفيه التَّصريح بالتَّحديثِ من أبيه وبتحديثِ أمّ خالد أيضاً، وكذا أخرجه ابن سعد
(٨/ ٢٣٤) عن أبي نُعَيم وأبي الوليد جميعاً عن إسحاق.
قوله: ((عن أُمّ خالد بنت خالد)) هي أَمَة بفتح الهمزة والميم مُفَّفاً، كُنْيَت بولدِها خالد
ابن الزُّبَير بن العَوَّامِ، وكان الزّبَير تزوَّجَها فكان لها منه خالد وعَمْرو ابنا الُّبَير، وذكر ابن

٥٧
باب ٢٢ / ح ٥٨٢٣
كتاب اللباس
سعد: أَّهَا وُلِدَت بأرضِ الحَبَشة وقَدِمَت مع أبيها بعد خَيْبر وهي تَعقِل، وأخرج (٢٣٤/٨) من
طريق أبي الأسود المدنيّ عنها قالت: كنتُ ممَّن أقرأ النبيَّ وََّ من النَّجاشيّ السَّلام، وأبوها
خالد بن سعيد بن العاص بن أُميَّة أسلَمَ قديماً ثالثَ ثلاثة أو رابِعَ أربعة، واستُشهِدَ بالشّام
في خلافة أبي بكر أو عمر.
قوله: ((أَيَ النبيُّ ◌َ له بثيابٍ)) لم أقِفْ على تعيين اسم الجهة التي حَضَرَت منها الثّياب
المذكورة.
قوله: ((فقال: مَن تَرَوْنَ أن نَكْسوَ هذه؟ فسَكَتَ القوم)) لم أقِفْ على تعيين أسمائهم.
قوله: ((فأُتيِّ بها تُحمَل)) كذا فيه، وفيه الْتِفات أو تجريد، ووَقَعَ في رواية أبي الوليد: ((فأُتيَ
بِيَ النبيّ وَ﴿) وفيه إشارة إلى صِغَر ◌ِسِنّها إذ ذاكَ، ولكن لا يَمنَع ذلك أن تكون حينئذٍ تُميِّزة.
ووَقَعَ في أوَّل رواية سفيان بن عُيَينةَ الماضية في هِجرة الحبشة (٣٨٧٤): قَدِمتُ من أرض
الحَبَشة وأنا جُوَيرِيَة، ووَقَعَ في رواية خالد بن سعيد (٣٠٧١): أَتَيت رسول الله وَله مع أبي وعليّ
قميص أصفر، ولا مُعارضةَ بينهما لأنَّه يجوز أن يكون حين طلبَها أنته مع أبيها.
قوله: ((فألبَسَها)) في رواية أبي الوليد: ((فألبَسَنيها)» على مِنوال ما تقدَّمَ.
قوله: «قال: آبلي وأخلقي» في رواية أبي الوليد (٥٨٤٥): ((وقال)) بزيادة واو قبل (قال))،
وقوله: ((أَبلي)) بفتح الهمزة وسكون الموخَّدة وكسر اللّام: أمرٌ بالإبلاء، وكذا قوله: ((أخلِقي))
بالمعجَمة والقاف: أمرٌ بالإخلاق، وهما بمعنّى، والعرب تُطلِق ذلك وتريد الدُّعاء بطولِ البَقَاء
للمُخاطَبِ بذلك، أي: أنَّها تطول حياتُها حتَّى يَبلَى الشَّوبُ ويَخْلَق.
قال الخليل: أبْلِ وأخلِقْ معناه: عِشْ وخَرِّقْ ثيابك وارقَعْها، وأخلَقتُ الثَّوب: أخرَجتُ
بالِيَهُ ولَفَّقته. ووَقَعَ في رواية أبي زيد المروزيِّ عن الفِرَبْريّ: ((وأخلِفي)) بالفاءِ، وهي أوجَهُ
من التي بالقاف، لأنَّ الأولى تستلزم التَّأكيد، إذ الإبلاءُ والإخلاق بمعنّى، لكن جازَ العطف
الْتَغْايُرِ اللَّفْظَين، والثّانية تُفيد معنَى زائداً، وهو أنَّها إذا أبلَته أخلَفَت غيرَه، وعلى ما قال الخليل لا
تكون التي بالقاف للتّأكيد، لكنِ التي بالفاءِ أيضاً أَولى، ويُؤيِّدها ما أخرجه أبو داود (٤٠٢٠)

٥٨
باب ٢٢ / ح ٥٨٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
بسندٍ صحيح عن أبي نَضْرة قال: كان أصحاب رسول الله وَ لَه إذا لَبِسَ أحدهم ثوباً جديداً
قيل له: تُبلي ويُخْلِفُ اللهُ. ووَقَعَ في رواية أبي الوليد: ((أبلي وأخلِقي)) مرَّتَينِ.
قوله: ((وكان فيها علمٌ أخضَرُ أو أصفَرَ)) وَقَعَ في رواية أبي النَّضر عن إسحاق بن سعيد عند
أبي داود (٤٠٢٤): ((أحمر)) بدل ((أخضر))، وكذا عند ابن سعد (٢٣٤/٨).
قوله: ((فقال: يا أمَّ خالد هذا سَنَاهْ. وسَناه بالحَبَشِيَّةِ)) كذا هنا، أي: وسَنَاه لفظة
بالحبشيَّة، ولم يَذكُر معناها بالعربيَّة، وفي رواية أبي الوليد: ((فجَعَلَ يَنظُر إلى عَلَم الخَميصة،
ويشير بيَدِه إليَّ ويقول: يا أمّ خالد هذا سَنَا، ويا أمّ خالد هذا سَنَا، والسَّنا بلسان الحَبَشة:
الحَسَن))، ووَقَعَ في رواية خالد بن سعيد الماضية في الجهاد (٣٠٧١): ((فقال: سَنَهْ سَنَهْ،
وهي بالْحَبَشَّة: حَسَنٌ))، وقد تقدَّم ضبطها وشرحها هناك، ووَقَعَ في رواية ابن عُيَينةً
المذكورة (٣٨٧٤): ويقول: ((سَنَاهْ سَنَاه)) قال الْحُميديُّ: يعني: حسن حسن. وتقدَّم في
الجهاد أنَّ ابن المبارك فَسَّرَه بذلك. ووَقَعَ في رواية ابن سعد التَّصريحُ بأنَّه من تفسير أمّ
خالد، ووَقَعَ في رواية خالد بن سعيد في الجهاد من الزّيادة: وذهبتُ ألعَبُ بخاتم النُّة،
فَزَبَرَني أبي. وسيأتي بيان ذلك وبَقيَّة شرح ما اشتَمَلَ عليه في كتاب الأدب (٥٩٩٣) إن
شاء الله تعالى.
الحديث الثاني: حديث أنس.
٥٨٢٤- حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثني ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن محمَّدٍ، عن
أنسٍ ﴾، قال: لمَّا وَلَدَت أمُّ سُلَيم قالت لي: يا أنسُ، انظُرُ هذا الغلامَ فلا يُصِيبَنَّ شيئاً، حتَّى
تَغْدَوَ به إلى النبيِّ وَّر ◌ُجُنَّكُه، فَغَدَوْتُ به، فإذا هو في حائطٍ وعلیه خَمِيصٌ حُرَيِيَّةٌ، وهو يَسِمُ
الظَّهْرَ الذي قَدِمَ عليه في الفَتْحِ.
قوله: ((عن ابن عَوْن)) هو عبد الله، ومحمَّد: هو ابن سِيرِين، والإسناد كلّه بصريّونَ، وقد
سَبَقَتِ الإشارة إلى هذا الإسناد في آخر ((باب تسمية المولود)) من كتاب العَقيقة (٥٤٧٠م)،
٢٨١/١٠ وتقدَّم حديث أنس/ في تسمية الصبيّ المذكور وتَحنيكه في كتاب الزكاة (١٥٠٢) من طريق

٥٩
باب ٢٢ / ح ٥٨٢٤
كتاب اللباس
إسحاق بن أبي طلحة عنه، وتقدَّمَت له طريق أُخرى عن إسحاق أتمَّ منها في كتاب الجنائز
(١٣٠١).
قوله: ((وعليه خَميصة حُرَيثيّة)) بمُهمَلةٍ وراء ومُثلَّئة مُصغَّرٌ وآخره هاء تأنيث، قال
عِيَاض: كذا الرواة البخاريّ، وهي منسوبة إلى حُرَيث رجل من قُضاعة، ووَقَعَ في رواية أبي
السَّكَن: ((خَيْبِرِيَّة)) بالخاءِ المعجَمة والموخَّدة: نسبة إلى خَيْبرِ البَلَد المعروف، قال: واختَلَفَ
رواه مسلم (٢١١٩) فقيل كالأوَّل، ولبعضِهم مِثلُه لكن بواوٍ بَدَل الرَّاء، ولا معنى لها،
ولبعضِهم: ((جَوْنَيَّة)) بفتح الجيم وسكون الواو بعدها نون: نسبة إلى بني الجَوْن، أو إلى
لونها من السَّواد أو الحُمْرة أو البياض، فإنَّ العرب تُسمّ كلَّ لون من هذه جَوْناً، ولبعضِهم
بالتَّصغير، ولبعضِهم بضمِّ الحاء المهمَلة والباقي مِثله، ولا معنى له، ولبعضِهم كذلك لكن
بمُثنّةٍ نِسبة إلى الحُوَيت فقيل: هي قبيلة، وقيل: شُبِّهَت بحَسَبِ الخطوط الممتَدّة التي في
الحوت.
قلت: والذي يُطابِقِ التَّرجمة من جميع هذه الرِّوايات: ((الجَونيَّة)) بالجيم والنُّون، فإنَّ
الأشهر فيه أنَّه الأسود، ولا يَمنَعُ ذلك وُرودُه في حديث الباب بلفظ: ((الحُريثِيَّة)) لأنَّ
طرق الحديث يُفسِّر بعضُها بعضاً، فيكون لونها أسود وهي منسوبة إلى صانعها، وقد أخرج أبو
داود (٤٠٧٤) والنَّسائيُّ (ك٩٤٨٨) والحاكم (١٨٨/٤-١٨٩) من حديث عائشة: أنَّهَا صَنَعَت
لرسولِ الله ◌َ لي جُبّة من صوف سوداء، فلَبِسَها.
قال في ((النِّهاية)): المحفوظ المشهور: ((جَونِيَّة)) بالجيم والنُّون، أي: سوداء، وأمَّا:
((حُوَيَتَيَّة)) فلا أعرِفُها وطالما بَحَثتُ عنها فلم أقِفْ لها على معنًى، وفي روايةٍ: ((حَوتَكيَّة))
ولعلَّها منسوبة إلى القِصَر، فإنَّ الحَوتَكي: الرجل القصير الخطْو، أو هي منسوبة إلى رجل
يُسَمَّى حَوتَكاً. وقال النَّوويّ: وَقَعَ لجميع رواه البخاريّ: ((حَوْنَبِّة)) بفتح المهمَلة وسكون
الواو وفتح النُّون بعدها موخَّدة ثمَّ تحتانيَّة ثقيلة، وفي بعضها بضمِّ المعجَمة وفتح الواو
وسكون التَّحتانيَّة بعدها مُثُلَّثة؛ وساقَ بعضَ ما تقدَّمَ، ونَقلَ عن صاحب ((التَّحرير)) شارح

٦٠
باب ٢٣ / ح ٥٨٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
مسلم: ((حُوَيَّة)) نِسبة إلى الحُوَيت: وهي قبيلة أو موضع، ثمَّ قال: قال القاضي عِيَاض في
((المشارق)): هذه الرِّوايات كلّها تصحيف إلّ الجَونيّة بالجيم والنُّون، فهي منسوبة إلى بني
الجَوْن قبيلة من الأزد، أو إلى لونها من السَّواد، وإلّا الْحُرِيثِيَّة بالرَّاءِ والمثلَّثة. ووَقَعَ في نسخة
الصَّغَانيّ في الحاشية مُقابِل ((حُرَيثيّة)): هذا تصحيف، والصَّواب: حَوْتَكِيَّة، وكذا وَقَعَ في
رواية الإسماعيليّ(١)، أي: قصيرة، وهي في معنى الشَّملة، ومنه حديث العِرْباض بن سارية:
كان يَخْرُج علينا في الصُّفّة وعليه حَوتَكِيَّة(٢).
٢٣ - باب الثِّياب الخُضْر
٥٨٢٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشّارٍ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، أخبرنا أيوبُ، عن عِكْرمةَ: أنَّ رِفاعةً
طَلَّقَ امرأتَه، فتزوَّجَها عبدُ الرَّحمنِ بنُ الزَّبِيرِ القُرَظيُّ، قالت عائشةُ: وعليها ◌ِارٌ أخضَرُ،
فشَكَتْ إليها وأرَتْها خُضْرَةً بِلْدِها، فلمَّا جاء رسولُ اللهِ وَّهِ- والنِّساءُ يَنْصُرُ بعضُهُنَّ بعضاً -
قالت عائشةُ: ما رأيتُ مِثلَ ما يَلْقَى المؤمناتُ! لَجِلْدُها أشَدُّ خُضْرةً من ثوبها! قال: وسَمِعَ أنََّا
قد أتت رسولَ الله وَ ل﴾، فجاء ومعه ابنان له من غيرِها، قالت: والله ما لي إليه من ذَنْبٍ، إلّا أنَّ
ما معه ليس بأَغنى عنِّي من هذه؛ وأخَذَت مُدْبةً من ثوبها، فقال: گَذَبت والله يا رسولَ الله، إنّي
لَأَنْفُضُها نَفْضَ الأدِيمِ، ولكنَّها ناشزٌ تريدُ رِفاعةَ، فقال رسولُ الله ◌َليِ: ((فإن كان ذلك لم تَحِلِی
له - أو لم تَصْلُحي له - حتَّى يَذُوقَ من عُسَيلَتِكِ)) قال: وأبصَرَ معه ابنَينٍ، فقال: ((بَنوكَ هؤلاءِ؟»
قال: نعم، قال: ((هذا الذي تَزْعُمِينَ ما تَزْعُمِينَ؟ فوالله لهم أشبهُ به منَ الغُرابِ بالغُرابِ)).
قوله: ((باب الثّابِ الخُضْر)) كذا للكُشْمِيهنيّ، وللمُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ: ((ثياب الخُضِرِ)»
كقولهم: مسجدُ الجامع. قال ابن بَطّال: الثّاب الخُضر من لباس الجنَّة، وكَفَى بذلك شَرَفاً لها.
قلت: وأخرج أبو داود (٤٠٦٥) من حديث أبي رِمْثة - بكسر الرَّاء وسكون الميم بعدها مُثَلَّة -:
أَنَّه رأى على النبيّ ◌َِّ بُردَينِ أخضَرَينِ.
٢٨٢/١٠
(١) ومن طريق الإسماعيلي أخرجه البيهقي في ((السنن)) ٣٥/٧.
(٢) أخرجه أحمد برقم (١٧١٦١).