النص المفهرس

صفحات 641-657

٦٤١
باب ٥٥ / ح ٥٧٧٧
كتاب الطب .
قوله: ((أُرَدْنا إن كنتَ كاذباً) في رواية المُستَمْلي والسَّرَخْسِيّ: إن كنتَ كذّاباً.
قوله: ((وإن كنتَ نبيّاً لم يَضُرَّك)) يعني: على الوجه المعهود من السَّمّ المذكور.
وفي حديث أنس المشار إليه(١): فقالت: أردتُ لأقتُلَكَ، فقال: ((ما كان الله ليُسَلِّطَكِ
على ذلك))، وفي رواية سفيان بن حُسَين عن الزّهْريِّ عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة
في نحو هذه القصّة: فقالت: أردتُ أن أعلمَ إن كنت نبيّاً فسَيُطْلِعُك الله عليه، وإن كنت
كاذِباً فأُريحُ الناس مِنك، أخرجه البيهقيُّ(٢)، وأخرج نحوه موصولاً عن جابر، وأخرجه
ابن سعد (٢/ ٢٠٠-٢٠١) بسندٍ صحيح عن ابن عبَّاس، ووَقَعَ عند ابن سعد عن الواقديِّ
بأسانيدِه المتعَدِّدة أنَّها قالت: قتلتَ أبي وزوجي وعمّي وأخي، ونِلتَ من قومي ما نِلتَ،
فقلتُ: إن كان نبيّاً فستخبره الذِّراع، وإن كان مَلِكاً استَرَحنا منه.
وفي الحديث إخبارُه ◌َّر عن الغيب، وتكليم الجَماد له، ومُعانَدة اليهود لاعترافهم
بصِدْقِهِ فيما أخبر به عن اسم أبيهم وبما وَقَعَ منهم من دَسِيسة السَّمّ، / ومع ذلك فعانَدوا ٢٤٧/١٠
واستَمرّوا على تكذيبه. وفيه قتلُ مَن قَتَل بالسَّمِّ قِصاصاً، وعن الحنفيّة: إنَّما تجب فيه الدّيةُ،
ومحلُّ ذلك إذا استَكرَهَه عليه اتِّفاقاً، وأمَّا إذا دَسَّه عليه فأكَلَه، ففيه اختلاف للعلماء، فإن ثَبَتَ
أَنَّه ◌َّه قتل اليهوديَّ بِشْرِ بن البراء، ففيه حُجّة لمن يقول بالقصاص في ذلك، والله أعلم.
وفيه أنَّ الأشياء - كالسُّموم وغيرها - لا تُؤَثِّر بذواتها بل بإذنِ الله، لأنَّ السَّمّ أثَّرَ في
بِشْرِ فقيل: إنَّه ماتَ في الحال، وقيل: بعدَ حول، ووَقَعَ فيهِ مُرسَل الزُّهْريِّ في ((مغازي
موسى بن عُقْبة)): أنَّ لونه صارَ في الحال كالطَّيلَسان (٣)، يعني: أصفَر شديد الصُّفرة.
وأمَّا قول أنس: ((فما زِلتُ أعرِفها في تَوَات رسول اللّه ◌ِ))(٤) فاللَّهَوات: جمع لَهَاةٍ، ويُجمع
(١) سلف حديث أنس عند البخاري برقم (٢٦١٧) مختصراً دون هذه الألفاظ، وهي فيه عند مسلم
برقم (٢١٩٠).
(٢) في ((دلائل النبوة)) ٢٥٩/٤ - ٢٦٠.
(٣) وأخرجه من طريقه البيهقي في ((الدلائل)) ٤/ ٢٦٣- ٢٦٤.
(٤) سلف في حديثه عند البخاري برقم (٢٦١٧).

٦٤٢
باب ٥٦ / ح ٥٧٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
أيضاً على لُهّى بضمٍّ أوَّله والقصر منوَّن، ولِهْيان وزن إنسان، وقد تقدَّم بيائُها فيما مَضَى في الطِّبّ
في الكلام على العُذْرة(١)، وهي اللَّحمة المعلّقة في أصل الحَنَك، وقيل: هي ما بين مُنقَطع اللَّسان
إلى مُنقَطع أصل الفم، وهذا هو الذي يوافق الجمع المذكور. ومُراد أنس أنَّه وَِّكان يَعتَرِيه
المرضُ من تلك الأكلة أحياناً، وهو موافق لقولِه في حديث عائشة: ((ما أزال أجِدُ ألم الطَّعام)).
ووَقَعَ في («مغازي موسى بن عُقْبة)) عن الزّهْرِيِّ مُرسَلاً: ((ما زِلتُ أجِدُ من الأكلة التي
أكلتُ بخَيْبر ◌ِداداً حتَّى كان هذا أوانُ انقطاع أَبهَري)»، ومثله في الرِّواية المذكورة عند ابن
سعد، والعِدَاد بكسر المهمَلة والتَّخفيف: ما يُعتاد، والأبهَر: عِرِقٌ في الظَّهر تقدَّم بيانه في
الوفاة النبويَّة (٤٤٢٨). ويحتمل أن يكون أنس أراد أنَّ يَعرِفُ ذلك في اللَّهَوات بتَغُر لونها،
أو بنُتُوءٍ فيها أو تحفير، قاله القُرطُبيّ.
٥٦ - باب شرب السَّمّ والدّواء به، وما يُخاف منه والخبيثِ
٥٧٧٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا خالدُ بنُ الحارثِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن
سليمانَ، قال: سمعتُ ذَكْوانَ يُحدِّثُ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَّرِ قال: «مَن تَرَدَّى من
جبلٍ فقَتَلَ نفسَه، فهو في نارٍ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه، خالداً مُحُلَّداً فيها أبداً، ومَن تَحَسَّى سَمّاً فقَتَلَ
نفسَه، فسَمُّه في يدِهِ يَتَحَسّاه في نارِ جَهَنَّمَ، خالداً مُلَّداً فيها أبداً، ومَن قَتَلَ نفسَه بحَدِيدٍ،
فحديدتُه في يدِهِ يَأُ بها في بَطْنِهِ في نارٍ جَهَنَّمَ، خالداً مُحلَّداً فيها أبداً».
قوله: ((باب شُرْب السَّمّ والدَّواء به وما يُخاف منه)) هو بضمٍّ أوَّله، وقال الكِرْمانيُّ: يجوز
فتحه، وهو عطف على السَّمّ.
قوله: ((والخبيث)) أي: الدَّواء الخبيث، وكأنَّ يشير بالدَّواءِ بِالسَّمِّ إلى ما وَرَدَ من النَّهي عن
التَّداوي بالحرام، وقد تقدَّم بيانه في كتاب الأشربة في ((باب الباذِق)) في شرح حديث: ((إنَّ الله
لم يجعل شِفاءَكم فيما حُرِّمَ عليكم))(٢). وزَعَمَ بعضهم: أنَّ المراد بقوله ((به)): منه، والمراد ما
(١) انظر شرح الباب السالف برقم ٢٣: باب العُذْرة.
(٢) في باب (١٥) ((شراب الحلواء والعسل))، بين يدي الحديث (٥٦١٤).

٦٤٣
باب ٥٦ / ح ٥٧٧٨
كتاب الطب
يَدَفَعِ ضَرَرَ السَّمّ، وأشارَ بذلك إلى ما تقدَّم قبلُ (٥٧٦٨) من حديث: ((مَن تَصَنَّحَ بسبع
تمرات)) الحديث، وفيه: (لم يَضُرَّه سمّ))، فيُستَفاد منه استعمال ما يدفع ضَرَرَ السَّمّ قبل وصوله،
ولا يخفى بُعْد ما قال، لكن يُستَفاد منه مُناسَبة ذِكْر حديث العَجْوة في هذا الباب.
وأمَّا قوله: ((وما يُخاف منه))/ فهو معطوف على الضَّمير المجرور العائد على السَّمّ، وقوله: ٢٤٨/١٠
((مِنه)) أي: من الموت به أو استمرار المرض، فيكون فاعل ذلك قد أعانَ على نفسه، وأمَّا مُرَّد
شُرْب السَّمّ فليس بحرام على الإطلاق، لأنّه يجوز استعمالُ الیسیر منه إذا رُگِّبَ معه ما يدفع
ضَرَرَه إذا كان فيه نفع، أشارَ إلى ذلك ابن بَطّال، وقد أخرج ابن أبي شَيْبة (٥٥٤/١٢) وغيره:
أنَّ خالد بن الوليد لمَّا نزلَ الحِيرةَ قيل له: احذَر السَّمّ لا تَسِقِيكَه الأعاجم، فقال: ائتوني به،
فَأَتَوه به، فَأَخَذَه بَيَدِه ثمَّ قال: باسمِ الله، واقتَحَمَه، فلم يَضُرَّه(١). فكأنَّ المصنّف رَمَزَ إلى أنَّ
السَّلامة من ذلك وَقَعَت كَرَامةً لِخالِدِ بن الوليد، فلا يُتأسَّى به في ذلك لئلّا يُفضِي إلى قتل المرء
نفسه، ويُؤْيِّد ذلك حديثُ أبي هريرة في الباب، ولعلَّه كان عند خالد في ذلك عهد عَمِلَ به.
وأمَّا قوله: ((والخبيثِ)) فيجوز جَرُّه، والتَّقدير: والتَّداوي بالخبيث، ويجوز الرَّفعُ على
أنَّ الخبر محذوف والتَّقدير: ما حكمُه؟ أو هل يجوز التَّداوي به؟ وقد وَرَدَ النَّهي عن تَناوُله
صريحاً، أخرجه أبو داود (٣٨٧٠) والتِّرمِذيّ (٢٠٤٥) وغيرهما، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٢) من
طريق مجاهد عن أبي هريرة مرفوعاً.
قال الخطَّبيُّ: خُبث الدَّواء يقع بوجهَينِ: أحدهما: من جهة نَجاسَتِه كالخمر ولحم الحيوان
الذي لا يُؤْكَل، وقد يكون من جهة استقذاره، فتكون كراهتُه لإدخال المشَقّة على النَّفْس،
وإن كان كثيرٌ من الأدوية تَكرَه النَّسُ تَناوُلَه، لكن بعضها في ذلك أيسَرُ من بعض. قلت:
وحملُ الحديث على ما وَرَدَ في بعض طرقه أولى، وقد وَرَدَ في آخر الحديث مُتَّصِلاً به: يعني
السَّمّ))(٣)، ولعلَّ البخاريَّ أشارَ في التَّرجمة إلى ذلك.
(١) وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣٨٠٩) بسند صحيح متصل.
(٢) لم نقف عليه في ((صحيحه))، والحافظ نفسه لم يَعزُه له في كتابه «إتحاف المهرة)) (١٩٧٥٠).
(٣) رواه بهذه الزيادة أحمد (٩٧٥٦)، وابن ماجه (٣٤٥٩)، والترمذي (٢٠٤٥).

٦٤٤
باب ٥٦ / ح ٥٧٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن سليمان)) هو الأعمَشُ.
قوله: ((سمعتُ ذَكْوانَ)) هو أبو صالح السَّمّان، وقد أخرجه مسلم (١٠٩) من رواية
وكيع عن الأعمَش عن أبي صالح، ثمَّ أردَفَه برواية شُعْبة عن سليمان قال: سمعت ذَكْوانَ،
مِثله، وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٠٤٤) من رواية أبي داود الطَّالسيِّ عن شُعْبة فقال: عن
الأعمَش: سمعتُ أبا صالح، به، وقَدَّمَ في رواية وكيع: ((مَن قتل نفسَه بحديدة))، وثَلَّثَ
بقصَّة: ((مَن تَرَدَّى)) عكسَ رواية شُعْبة هنا، ووَقَعَ في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ المذكورة
كرواية وكيع، وكذا عند التُّرمِذيّ (٢٠٤٣) من طريق عَبِيدة بن حُميدٍ عن الأعمَش، ولم يذكُر
قصَّة من تَردَى(١).
قوله: ((مَن تَرَدَّى من جبل)) أي: أسقَطَ نفسه منه، لمَا يدلّ عليه قوله: ((فقَتَلَ نفسه)) على
أنَّه تَعَمَّدَ ذلك، وإلّا فمُجرَّد قوله: «تَرَدَّی)» لا يدلّ على التَّعمُّد.
قوله: ((ومَن تَحَسَّى)) بِمُهمَلَتَيْنِ بوزنٍ تَنَّدَّى، أي: نَجرَّعَ.
قوله: ((يَجأ)) بفتح أوَّله وتخفيف الجيم وبالهمز، أي: يَطعُن بها، وقد تُسهّل الهمزة،
والأصل في يَجَأ: يَوْجَأ. قال ابن التِّين: في رواية الشَّيخ أبي الحسن: ((يُجَأ) بضمِّ أوَّله، ولا
وجه له، وإنّما يُبنى للمجهولِ بإثبات الواو، ویُوجأ بوزنِ: يُوجَد. انتهى، ووَقَعَ في رواية
مسلم: ((يَتَوجَّأ)) بمُثنّاةٍ وواو مفتوحَتَينِ وتشديد الجيم بوزنِ: يَتَكَبَّر، وهو بمعنى الطَّعن،
ووَقَعَ في رواية أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة في أواخر الجنائز (١٣٦٥) بلفظ:
((الذي يَطعُن نفسَه يَطعنها في النار))، وقد تقدَّم شرحه هناك وبيان تأويل الخُلود والتَّأبيد
المذكورینِ.
وحكى ابن التِّين عن غيره: أنَّ هذا الحديث وَرَدَ في حَقّ رجل بعينِهِ، وأَوَلَى ما حُلَ
عليه هذا الحديث ونحوه من أحاديث الوعيد: أنَّ المعنى المذكور جزاءُ فاعلٍ ذلك، إلّا أن
يتجاوزَ الله تعالی عنه.
(١) قوله: ((من تردّى)) سقط من (س).

٦٤٥
باب ٥٧ / ح ٥٧٧٩-٥٧٨١م
كتاب الطب
٥٧٧٩- حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا أحمدُ بنُ بَشِيرٍ أبو بكرٍ، أخبرنا هاشمُ بنُ هاشمٍ، قال: أخبرني
عامرُ بنُ سعدٍ، قال: سمعتُ أَبي يقول: سمعتُ رسولَ الله ◌ِّم يقول: ((مَنِ اصْطَبَحَ بِسَبْعٍ تَمَراتِ
عَجْوةٍ، لم يَضُرَّه ذلك اليومَ سَمٌّ ولا سِخْرٌ)).
قوله: ((أحمد بن بَشِير أبو بكر)) هو الكوفيّ المخزوميّ مولاهم، ليس له عند البخاريّ
سوى هذا الموضع، قال ابن مَعِين: لا بأسَ به، هكذا روی عبّاس الدُّوريّ عنه، وقال
عثمان الدَّارِمِيُّ عن ابن مَعِين: متروك، وتَعقَّبَ ذلك الخطيبُ بأنَّه التَبَسَ على عثمان بآخرَ
يقال له: أحمد بن بشير لكن كُنْيته أبو جعفر، وهو بغداديّ من طبقة صاحب التّرجمة، وكأنَّ
هذا هو السِّرُّ في تَكْنية المصنّف له ليَمتازَ عن قَرِينه الضَّعيف. وقد تقدَّم شرح حديث سعد
قريباً (٥٧٦٨).
وقوله في أوَّل السَّنَد: ((حدَّثْنا محمَّد)) كذا للأكثر، ووَقَعَ لأبي ذرِّ عن / المُستَمْلي: محمَّد ٢٤٩/١٠
ابن سَلام.
٥٧- باب ألبان الأُنُّن
٥٧٨٠ - حذَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيّ،
عن أبي ثَعْلبةَ الخُشَنِيِّ ◌ُه، قال: نَهَى النبيُّ ◌َلِّ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ منَ السِّبَاعِ.
قال الزُّهْريُّ: ولم أسمَعْه حتَّى أتيتُ الشَّام.
٥٧٨١- وزادَ اللَّيْثُ، قال: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: وسألتُه: هل نَتَوضَّأُ أو
نَشْرَبُ ألبانَ الأَثْنِ، أو مَرَارةَ السَّبُعِ، أو أبوالَ الإبلِ؟ قال: قد كان المسلمونَ يَتَداوَوْنَ بها فلا
يَرَوْنَ بذلك بأساً، فأمَّا ألبانُ الأَثْنِ فقد بَلَغَنا أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ نَهَى عن لحومِها، ولم يَبْلُغْنا عن
ألبانها أمرٌ ولا نهيٌ.
٥٧٨١/ م- وأمَّا مَرارةُ السَّبُعِ، قال ابنُ شِهابٍ: أخبرني أبو إدريسَ الخَوْلانِيُّ، أنَّ أبا ثَعْلبةَ
الخُشَنيَّ أخبَرَه: أنَّ رسولَ اللهَوَّ نَهَى عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ منَ السِّبَاعِ.
قوله: ((باب ألبان الأَثْن)) بضمِّ الهمزة والمثنّاة الفَوْقانيَّة بعدها نون: جمع أَتَان.

٦٤٦
باب ٥٧ / ح ٥٧٨١م
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثني عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفيّ، وسفيان: هو ابن عُيَينةَ.
قوله: ((من السِّباع)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلي والسَّرَخْسِيّ: ((من السَّبُع)) بلفظ الإفراد،
والمراد الجنسُ.
قوله: ((قال الزُّهْريّ: ولم أسمَعه حتَّى أتيتُ الشّام)) تقدَّم الكلام على ذلك في الطِّبّ(١).
قوله: ((وزادَ اللَّيثُ: حدَّثني يونسُ، عن ابن شِهاب)) هو الزُّهْريّ، وهذه الزيادة وَصَلَها
الذُّهْلِيُّ في ((الزُّهْرِيّات))، وأورَدَها أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) مُطوَّلةً من طريق أبي ضَمْرة
أنس بن عياض عن يونس بن یزید.
قوله: ((عن ابن شهاب قال: وسألتُه: هل نَتَوضَّاُ؟» هذه الجملة حاليّة، ووقع في رواية أبي
ضَمْرة: ((سُئلَ الزُّهْرِيُّ))، وأعرَضَ الزُّهْريُّ في جوابه عن الوضوء فلم ثُجِب عنه، لشُذوذِ
القول به، وقد تقدَّمَت في الطَّهارة الإشارةُ إلى مَن أجازَ الوضوء باللَّبَنِ والخَلّ(٢).
قوله: ((قد كان المسلمونَ)) في رواية أبي ضَمْرة: أمَّا أبوالُ الإبل، فقد كان المسلمونَ.
قوله: ((ولم يَبْلُغنا عن ألبانها أمرٌ ولا نهيٌ)) في رواية أبي ضَمْرة: ولا أرَى ألبانَها إلّا تَخْرُج
من لحومها.
قوله: ((وأمَّا مَرَارُ السَّبُع، قال ابن شِهاب: حدَّثني أبو إدريسَ)) في رواية أبي ضَمْرة:
((وأمَّا مَرارة السَّبُع، فإنَّه أخبرني أبو إدريس)) والباقي مِثْلُه، وزاد أبو ضَمْرة في آخره: ولم
أسمَعه من علمائنا، فإن كان رسول الله وَ ل ◌َهَى عنها فلا خيرَ في مَرارَتها؛ ويُؤخَذ من هذه
الزيادة أنَّ الزُّهْرِيَّ كان يَتَوقَّف في صِحّة هذا الحديث لكَونِه لم يَعرِفْ له أصلاً بالحِجاز، كما
هي طريقة كثير من علماء الحِجاز، وقال ابن بَطّال: اسْتَدَلَّ الزُّهْرِيُّ على مَنْع مَرارة السَّبُع
بالنَّهي عن أكل كلّ ذي نابٍ من السِّباعِ، ويَلزَمُه مِثلُ ذلك في ألبان الأُتن، وغَفَلَ رحمه الله
عن الزّيادة التي أفادَتها رواية أبي ضَمْرة.
(١) بل في الصيد برقم (٥٥٣٠).
(٢) في باب (٧٥): لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر.

٦٤٧
باب ٥٨ / ح ٥٧٨٢
كتاب الطب
وقد اختُلِفَ في ألبان الأَتْن، فالجمهور على التَّحريم، وعند المالكيَّة قولٌ في حِلّها من القول
بحِلِّ أكل لحمها، وقد تقدَّم بسطُه في الأطعمة(١).
٥٨ - بابٌ إذا وقع الذّبابُ في الإناء
٥٧٨٢- حدَّثَنَا قُتَبةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن عُثْبَةَ بنِ مسلمٍ مولى بني تَيْمٍ، عن
عُبِيدِ بنِ حُنَينٍ مولى بني زُرَيقٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ اللهِوَّه قال: «إذا وَقَعَ الذُّبابُ في
إناءِ أحدِكم، فلْيَغْمِسْه كلَّه ثمَّ لْيَطْرَحْه، فإنَّ في إحدَى جَناحَيهِ شِفاءً وفي الآخَرِ داءً».
قوله: ((بابٌّ إذا وَقَعَ الذُّباب في الإناء)) الذُّبَاب: بضمِّ المعجمة وموخَّدتَينٍ وتخفيف، قال ٢٥٠/١٠
أبو هلال العسكريّ: الذُّباب واحد، والجمع: ذِّان كغِرْبان، والعامّة تقول: ذُباب للجمع،
وللواحدِ: ذُبابة بوزنِ قُرَادة، وهو خطأ، وكذا قال أبو حاتم السِّجِستانيّ: إنَّه خطأ، وقال
الجَوْهريّ: الذُّباب واحده: ذُبابة، ولا تقل: ذِبّانة، ونَقَلَ في ((المحكم)) عن أبي عبيدة عن
خَلَف الأحمر تجويزَ ما زَعَمَ العسكريّ أنَّه خطأ، وحكى سيبويه في الجمع: ذُبٌّ، وقرأته
بخَطِّ النَّجِيرَمي (٢) مضبوطاً بضمٍّ أوَّله والتَّشديد.
قوله: ((عن عُثْبَةَ بن مسلم مولى بني تَّيِّم)) هو مدنيّ، وأبوه يُكْنى أبا عُتبةَ، وما لعُتبةَ في
البخاريّ سوى هذا الموضع.
قوله: ((عن عُبيد بن حُنَينٍ)) مَضَى في بَدْء الخلق (٣٣٢٠) من طريق سليمان بن بلال عن عُتْبَةَ
ابن مسلم: أخبرني عُبيد بن حُنَينٍ؛ وهو بالمهمَلة والنّونَينِ مُصغَّر، وكُنْيته أبو عبد الله.
قوله: ((مَوْلَى بني زُرَبق)» بزائٍ ثمَّ راءٍ ثمَّ قاف مُصفَّر، وحکی الگلاباديُّ: أنَّه مولی زید ابن
الخطَّب، وعن ابن عُيَينَةَ: أَنَّه مولى العبّاس، وهو خطأ كأنَّه ظنَّ أنَّه أخو عبد الله بن حُنَينٍ
وليس كذلك، وما لعُبيدٍ أيضاً في البخاريّ سوى هذا الحديث أورَدَه في موضعين.
(١) في باب (٢٨): لحوم الحمر الإنسية.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: البحتري. والنَّجيرمي هذا: هو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النحوي اللغوي، نزل
مصر وولي الكتابة لكافور الإخشيدي، وكان من أصحاب الزَّجَّاج. انظر ترجمته في ((معجم الأدباء)) لياقوت
١/ ٨٧، و((إنباه الرواة)) للقفطي ٢٠٥/١، و ((الأعلام)) للزركلي ٤٩/١.

٦٤٨
باب ٥٨ / ح ٥٧٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إذا وَقَعَ الذُّبابِ)) قيل: سُمّيَ ذُباباً لكَثْرة حَرَكَته واضطرابه، وقد أخرج أبو يَعْلِى
عن ابن عمر (١) مرفوعاً: ((عُمْر الذُّباب أربعونَ ليلة، والذُّباب كلّه في النار إلّا النَّحل))
وسنده لا بأس به، وأخرجه ابن عَديّ (٢٨٤/١) دونَ أوَّله من وجه آخر ضعيف، قال
الجاحظ: كَونُه في النار ليس تعذيباً له، بل ليُعذَّب أهلُ النار به. قال الجَوْهريّ: يقال: إنَّه
ليس شيء من الطُُّور ◌َلَغُ إلّ الذُّباب.
وقال أفلاطون: الذُّباب أحرَصُ الأشياء، حتَّى إنّه يُلقي نفسه في كلّ شيء ولو كان فيه
هلاكه، ويَتَوَلَّد من العُفونة، ولا جَفْن للذُّبابة لصِغَرِ حَدَقَتها، والجفن يَصقُل الحَدَقة، فالذُّبابة
تَصقُل بَيَدَيها فلا تزال تَمسح عينيها. ومن عجيب أمره أنَّ رَجِيعه يقع على الثَّوب الأسود أبيضَ
وبالعكس، وأكثر ما يظهر في أماكن العُفونة، ومَبدَأ خلقه منها ثمَّ من التَّوالُد، وهو من أكثر
الطُّور ◌ِفاداً، رُبَّمَا بَقِيَ عامّة اليوم على الأُنْتَى.
ويُحكَى أنَّ بعض الخلفاء سألَ الشافعيَّ: لأيِّ ◌ِلّ خُلِقَ الذُّباب؟ فقال: مَذَلّةً للملوكِ.
وكانت ألَّت عليه ذُبابة، فقال الشافعيّ: سألَني، ولم يكن عندي جواب فاستنبطتُّه من الهيئة
الحاصلة. وقال أبو محمَّد المالقيّ: ذُباب الناس يَتَوَلَّد من الزِّبل، وإن أُخِذَ الذُّباب الكبير
فقُطِعَت رأسها وحُكَّ بجسدِها الشَّعرة التي في الجفن حَكّاً شديداً أبرأَته، وكذا داء الثَّعلَب،
وإن مُسِحَ لَسْعة الزُّنبور بالذُّبابِ سَكَّنَ الوجع.
قوله: ((في إناء أحدِكم)) تقدَّم في بدء الخلق (٣٣٢٠) بلفظ: ((شراب))، ووَقَعَ في حديث أبي
سعيد عند النَّسائيِّ (٤٢٦٢) وابن ماجَهْ (٣٥٠٤) وصَحَّحَه ابن حِبّان (١٢٤٧): ((إذا وَقَعَ في
الطَّعام)(٢)، والتَّعبير بالإناءِ أشمَلُ، وكذا وَقَعَ في حديث أنس عند البزَّار (٧٣٢٣).
(١) لم نقف عليه في (((مسند أبي يعلى)) من حديث ابن عمر، وهو بهذا اللفظ فيه من حديث أنس (٤٢٣١) وفي
إسناده لين، وأخرجه دون أوله من حديث ابن عمر البزارُ (٣٤٩٨-كشف الأستار)، والطبراني في «الكبير»
(١٣٤٣٦) و(١٣٤٦٧) و(١٣٤٦٨) و(١٣٥٤٢)، ورواه الطبراني أيضاً من حديث ابن مسعود (١٠٤٨٧)،
ومن حديث ابن عباس (١١٠٥٨) والحديث - دون أوّله- بمجموع هذه الطرق قويٌّ.
(٢) رواية النسائي وابن حبان بلفظ: ((في إناء أحدكم)) كرواية البخاري.

٦٤٩
باب ٥٨ / ح ٥٧٨٢
كتاب الطب
قوله: ((فلْيَغْمِسْه كلَّه)) أمرُ إرشاد لمقابلة الدّاء بالدَّواءِ. وفي قوله: ((كلّه)) رفعُ تَوهُم
المجاز في الاكتفاء بغَمْس بعضه.
قوله: ((ثُمَّ لْيَطْرَحْه)) في رواية سليمان بن بلال: ((ثُمَّ لِيَنِزِعْه))، وقد وَقَعَ في رواية عبد الله
ابن المثنَّى عن عَمّه تُمامة أنَّه حدَّثه قال: كنَّ عند أنس، فوَقَعَ ذُباب في إناء، فقال أنس بإصبَعِه
فَغَمَسَه في ذلك الإناء ثلاثاً. ثمَّ قال: باسم الله، وقال: إنَّ رسول الله وَّمَ أَمَرَهم أن يفعلوا
ذلك، أخرجه البزَّار(١) ورجاله ثقات، ورواه حمّاد بن سَلَمة عن ثُمامة فقال: عن أبي هريرة،
٢٥١/١ وَرَجَّحَها أبو حاتم، وأمَّ الدّارَ قُطْنيُّ / فقال: الطَّريقان مُحْتَمَلان.
قوله: ((فإنَّ في إحدَى جناحَيهِ» في رواية أبي داود (٣٨٤٤): «فإنَّ في أَحَد»، والجناح
يُذكَّر ويُؤْنَّث، وقيل: أَنَّثَ باعتبار اليد، وجَزَمَ الصَّغَانيّ بأنَّه لا يُؤْنَّث، وصَوَّبَ رواية
((أحد))، وحقيقتُه للطّائر، ويقال لغيره على سبيل المجاز كما في قوله: ﴿ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ
الذُّلِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، ووَقَعَ في رواية أبي داود (٣٨٤٤) وصَحَّحَه ابن حِبّان (١٢٤٦) من
طريق سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة: ((وإنَّه يَتَّقي بجناحه الذي فيه الدّاءُ)، ولم يقع لي في
شيء من الطّرق تعيين الجناح الذي فيه الشِّفاء من غيره، لكن ذكر بعض العلماء: أنَّه تأمَّلَه،
فَوَجَدَه يَتَّقَي بجناحه الأيسر، فعُرِفَ أنَّ الأيمَن هو الذي فيه الشِّفاء، والمناسَبة في ذلك ظاهرة.
وفي حديث أبي سعيد المذكور: ((أنَّه يُقدِّم السَّمّ ويُؤَخِّر الشِّفاء)).
ويُستَفاد من هذه الرّواية تفسيرُ الدّاء الواقع في حديث الباب، وأنَّ المراد به السَّمّ،
فُيُستَغنى عن التَّخريج الذي تَكلَّفَه بعضُ الُّاح فقال: إنَّ في اللَّفظ مجازاً، وهو كَونُ الدّاء في
أحد الجناحين، فهو إمّا من مَجاز الحذف، والتَّقدير: فإنَّ في أحد جناحيه سببَ داء، وإمّا مُبالَغة
بأن يُعَل كلُّ الدّاء في أحد جناحيه لمَّا كان سبباً له. وقال آخر: يحتمل أن يكون الدّاء ما يَعرِضُ
في نفس المرء من التكبُّر عن أكله، حتَّى رُبَّما كان سباً لتَركِ ذلك الطَّعام وإتلافه، والذَّواء ما
تَحَصُل من قَمْع النَّفْس وحَملِها على التَّواضُع.
(١) لفظه عند البزار (٧٣٢٣) من هذا الطريق: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإنَّ في أحد جناحيه داء،
وفي الآخر شفاء)»، وليس فيه قصة أنس المذكورة، وهي بمثل إسناد البزار عند الضياء في ((المختارة)) (١٨٣٥).

٦٥٠
باب ٥٨ / ح ٥٧٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وفي الآخَر شِفاء)) (١) في رواية أبي ذرٍّ: ((وفي الأُخرى))، وفي نُسخة: ((والآخَر))
بحذفٍ حرف الجرّ، و کذا وقع في روایة سلیمان بن بلال (٣٣٢٠): «في إحدی جناحیه داء
والأخرى شِفاء)»، واستُدِلَّ به لمن يُجيز العطفَ على معمولي عاملَينِ كالأخفَش، وعلى هذا
فيُقرأ بخَفْض ((الآخَر)) وبنصب ((شِفاء))، فعُطِفَ ((الآخَر)) على ((الإحدى)) وعُطِفَ ((شِفاء))
على ((داء))، والعامل في ((إحدَى)) حرف في، والعامل في ((داء)) إنَّ، وهما عاملان في ((الآخَر))
و(شِفاء))، وسيبويه لا يُجيز ذلك ويقول: إنَّ حرف الجرّ حُذِفَ ويَقِيَ العمل، وقد وَقَعَ صريحاً
في الرّواية الأُخرى: ((وفي الأُخرى شِفاء»، ويجوز رفع ((شفاء)) على الاستئناف.
واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ الماء القليل لا يَنجُس بوقوع ما لا نفسَ له سائلة فيه،
ووجه الاستدلال - كما رواه البيهقيُّ عن الشافعيّ -: أنَّه ◌َوَ لا يأمر بغَمْس ما يُنَجِّس الماءَ
إذا ماتَ فيه، لأنَّ ذلك إفساد. وقال بعض مَن خالَفَ في ذلك: لا يَلزَم من غَمسِ الذُّباب
موتُه، فقد يَغِمِسُهُ بِرِفِقٍ فلا يموت، والحيّ لا يُنَجِّس ما يقع فيه كما صَرَّحَ البَغَويُّ باستنباطه
من هذا الحديث، وقال أبو الطيِّب الطَّبَريُّ: لم يَقصِد النبيُّ وَِّ بهذا الحديث بيانَ النَّجاسة
والطَّهارة، وإِنَّا قَصَدَ بيان التَّداوي من ضَرَر الذُّباب، وكذا لم يَقصِد بالنَّهي عن الصلاة في
مَعاطِن الإبل والإذن في مَرَاح الغنم طهارةً ولا نَجاسةً، وإنَّما أشارَ إلى أنَّ الخشوع لا يُوجَد
مع الإبل دونَ الغنم.
قلت: وهو كلام صحيح، إلّا أنَّه لا يَمنَعِ أن يُستَنبَط منه حكمُ آخر، فإنَّ الأمر بغَمسِه
يتناول صوراً، منها: أن يَغمِسَه مُتَرِزاً عن موته كما هو المدَّعَى هنا، وأن لا يَحَتَرِز بل يَغْمِسُه
سواء ماتَ أو لم يَمُت، ويتناول ما لو كان الطَّعام حارّاً، فإنَّ الغالب أنَّه في هذه الصّورة
يموت بخِلَاف الطَّعام البارد، فلمَّا لم يقع النَّقييد مُلَ على العُموم، لكن فيه نظرٌ، لأنَّه
مُطلَق يُصدَّق بصورةٍ، فإذا قامَ الدَّليل على صورة مُعيَنة حُمِلَ عليها.
واستَشكَلَ ابنُ دَقيق العيد إلحاقَ غير الذُّباب به في الحكم المذكور بطريقٍ أخرى فقال: وَرَدَ
(١) الذي في النسخة اليونينية هنا بلا خلاف بين رواة ((الصحيح)) بتقدم الشفاء على الداء كما هو مثبت في
متن الحديث.

٦٥١
باب ٥٨ / ح ٥٧٨٢
كتاب الطب
النصُّ في الذُّباب فعدَّوْه إلى كلّ ما لا نفس له سائلة، وفيه نظرٌّ، لجوازٍ أن تكون العِلّة في
الذُّباب قاصرة وهي عُموم البَلْوى به، وهذه مُستَنْبَطة، أو التَّعليل بأنَّ في أحد جناحيه داءً
وفي الآخر شِفاء، وهذه منصوصة، وهذان المعنَيَانِ لا يُوجَدان في غيره، فيَبعُد كونُ العِلّة
◌ُجرَّد كَونِه لا دمَ له سائل، بل الذي يظهر أنَّه جُزء عِلّة لا عِلّة كاملة. انتهى، وقد رَجَّحَ جماعة
من المتأخِرينَ: أنَّ ما يَعُمّ وقوعُه في الماء كالذُّبابِ والبَعُوض لا يُنَجِّس الماء، وما لا يَعُمّ
کالعقاربِ يُنجِّس، وهو قويّ.
وقال الخطَّبيُّ: تَكلَّمَ على هذا الحديث/ مَن لا خَلَاقَ له، فقال: كيف يجتمع الشِّفاء ٢٥٢/١٠
والدّاء في جناحَي الذُّباب، وكيف يَعلَم ذلك من نفسه حتَّى يُقدِّم جناح الداء ويؤّر(١)
جناحَ الشفاء، وما ألجأه إلى ذلك؟ قال: وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، فإنَّ كثيراً من الحيوان
قد جَمَعَ الصِّفات المتضادّة، وقد ألَّفَ الله بينها وقَهَرَها على الاجتماع، وجَعَلَ منها قُوى
الحيوان، وإِنَّ الذي ألهَمَ النَّحلة اتّخاذَ البيت العجيب الصَّنعة للتَّعسيلِ فيه، وأنهَمَ النَّملة أن
تَدَّخِر قوتها أوان حاجتها، وأن تَكسِر الحبّة نصفَينِ لئلا تَستَنِبِت، لَقادِرٌ على إلهام الذُّبابة
أن تُقَدِّم جناحاً وتُؤَخِّر آخر.
وقال ابن الجَوْزيّ: ما نُقِلَ عن هذا القائل ليس بعجيبٍ، فإنَّ النَّحلة تُعَسِّل من أعلاها
وتُلقي السَّمّ من أسفَلِها، والحيَّة القاتل سمُّها تَدخُل لحومُها في التِّرِياق الذي يُعالَج به
السَّمّ، والذُّبابة تُسحَق مع الإثمِد لجَلاءِ البَصَر. وذكر بعضُ حُذّاق الأطبّاءِ: أنَّ في الذُّباب
قوّة سُمِّيَّة يدلّ عليها الوَرَم والحَّة العارضة عن لَسْعه، وهي بمَنزِلة السِّلاح له، فإذا سَقَطَ
الذُّباب فيما يُؤذيه تلقَّاه بسلاحه، فأمَرَ الشّارعُ أن يُقابِل تلك السُّمّيَّة بما أودَعَه الله تعالى في
الجناح الآخر من الشِّفاء، فتتقابل المادَّتان فيزول الضَّرَرُ بإذنِ الله تعالى.
واستُدِلَّ بقولِه: ((ثمَّ ليَنْزَعْه)) على أنَّهَا تَنجُس بالموتِ كما هو أصحّ القولَينِ للشَّافعيّ،
والقول الآخر كقولٍ أبي حنيفة: أنَّها لا تَنجُس، والله أعلم.
(١) قوله: ((جناح الداء ويؤخر)) سقط من (س).

٦٥٢
باب ٥٨ / ح ٥٧٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الطِّبّ من الأحاديث المرفوعة على مئة حديث وثمانية عشر حديثاً،
المعلَّق منها ثمانية عشر طريقاً، والبقيَّة موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مَضَى خمسة وثمانونَ
طريقاً، والخالص ثلاثة وثلاثون، وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة: في
نزول الدّاء والشِّفاء، وحديث ابن عبّاس: ((الشِّفاء في ثلاث)»، وحديث عائشة في الحبّة
السَّوداء، وحديث أبي هريرة: ((فِرَّ من المجذوم))، وحديث أنس: ((رَخَّصَ لأهلِ بيت في الرُّقية))،
وحديثه: أنَّ أبا طلحة كَوَاه، وحديث عائشة في الصَّبر على الطاعون، وحديث أنس: ((اشفٍ
أنتَ الشّافي)).
وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدهم ستّة عشر أثراً. والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصّوابِ.
تم بحمد الله وتوفيقه الجزء السابع عشر من ((فتح الباري)
ویلیه الجزء الثامن عشر وأوله:
کتاب اللباس
.
٠٠

٦٥٣
فهرس الموضوعات
فهرس الموضوعات
کتاب الذبائح والصيد
١ - باب التسمية على الصيد
٥
٢- باب صید المعراض
١٥
٣- باب ما أصاب المعراض بعرضه
.١٦
١٧
٤ - باب صید القوس.
٥- باب الخذف والبندقة
٢١
٦ - باب من اقتنی کلباً ليس بكلب صيد أو
٢٤
ماشيةٍ .
٧- باب إذا أكل الكلب.
٢٥
٨- باب الصید إذا غاب عنه يومين أو
٢٨
ثلاثة.
٣٠
٩ - باب إذا وجد مع الصيد كلباً آخر ..
١٠ - باب ما جاء في التّصید.
٣١
١١ - باب التّصید على الجبال
٣٣
١٢ - باب قول الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ
اٌلْبَحْرِ﴾.
٣٤
١٣ - باب أكل الجراد.
٤٦
٥٠
١٤ - باب آنية المجوس والميتة
١٥ - باب التّسمية على الذّبيحة، ومن ترك
متعمداً
١٦ - باب ما ذبح على النّصب والأصنام .. ٦٥
١٧ - باب قول النبيّ ◌َ ◌ّ: ((فليذبح على اسم
الله)) .
٦٦
١٨ - باب ما أنهر الدّم من القصب
والمروة والحديد
٦٦
١٩ - باب ذبيحة المرأة والأمة
٦٩
٢٠ - باب لا يذكّى بالسّنّ والعظم
والُّفر.
٧٢
٢١ - باب ذبيحة الأعراب ونحوهم .... ٧٣
٢٢ - باب ذبائح أهل الکتاب وشحومها من
أهل الحرب وغيرهم ..
٧٨
٢٣ - باب ما ندّ من البهائم فهو بمنزلة
الوحش.
٨٠
٢٤ - باب النحر والذبح.
٨٤
٢٥ - باب ما يكره من المثلة والمصبورة
والمجثّمة.
٨٩
٢٦ - باب الدّجاج ..
٩٤
٢٧- باب لحوم الخیل
١٠١
٢٨ - باب لحوم الحمر الإنسيّة ..
١١٠٫٫٠
٥٢ ٢٩ - باب أکل کلّ ذي ناب من السِّباع ... ١١٨

٦٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
١٢٠
٣٠- باب جلود الميتة
.... ١٦٥
أقرنین ویذکر: سمینین
٣١- باب المسك
١٢٥
٣٢ - باب الأرنب
١٢٧
١٣٠
٣٣- باب الضّبّ
٣٤- باب إذا وقعت الفأرة في السّمن
الجامد أو الذائب ..
١٤٠
٣٥- باب الوسم والعلم في الصّورة ... ١٤٥
٣٦- باب إذا أصاب قوم غنيمةً، فذبح
بعضهم غنماً أو إيلاً، بغير أمر
١٤٨
أصحابهم لم تؤکل
٣٧- باب إذا ندَّ بعير لقوم، فرماه بعضهم
بسهم فقتله، فأراد إصلاحهم، فهو
١٤٩
...
جائز ..
٣٨- باب أكل المضطرّ
کتاب الأضاحيّ
١٥٠
١ - باب سنّة الأضحية
١٥٣
٢- باب قسمة الإمام الأضاحيّ بين
١٥٦
الناس .
٣- باب الأضحيّة للمسافر والنساء ..
... ١٥٧
٤ - باب ما یشتھی من اللحم يوم النحر .١٥٨
٥ - باب من قال: الأضحى يوم النّحر ... ١٦١
٦ - باب الأضحى والمنحر بالمصلّى ...... ١٦٤
٧ - باب في ضحية النبيّ مَلق بكبشين
٨- باب قول النبي ◌ُّل لأبي بردة: ((ضحّ
بالجذع من المعز، ولن تجزي عن أحدٍ
بعدك)» .
١٧٠
٩- باب من ذبح الأضاحيّ بیده
١٨٢
١٠ - باب من ذبح ضحية غيره
١٨٣
١١ - باب الذّبح بعد الصلاة.
١٨٥
١٢ - باب من ذبح قبل الصلاة أعاد
١٨٥
١٣ - باب وضع القدم على صفح
الذّبیحة
١٩٠
١٤ - باب التكبير عند الذّبح
١٩١
١٥ - باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم
.١٩١
عليه شيء.
١٦ - باب ما يؤكل من لحوم الأضاحيّ، وما
يتزوّد منها.
١٩٢
كتاب الأشربة
١ - وقول الله تعالى: ﴿إِنََّا الْخَرُ وَالْمَيْسِرُ
وَاْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ
فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
٢٠٥
٢ - باب الخمر من العنب
٢١٥
٣- باب نزل تحريم الخمر وهي من البسر
٢١٩
والتمر
٢٢٩
٤ - باب الخمر من العسل، وهو البتع

٦٥٥
فهرس الموضوعات
٥ - باب ما جاء في أنّ الخمر ما خامر
٢٣٩
العقل من الشراب.
٦ - باب ما جاء فيمن يستحلّ الخمر
٢٥٠
ویسمیه بغیر اسمه
٧- باب الانتباذ في الأوعية والتّور ....
.٢٦١
٨- باب ترخيص النبيّ وَسير في الأوعية
٢٦٣
والظروف بعد النهي
٩ - باب نقيع التمر ما لم يسكر.
٢٧٣
١٠ - باب الباذق ومن نهی عن کل مسکر
٢٧٤
من الأشربة.
١١- باب من رأى أنّ لا يخلط البسر والتمر
إذا كان مسكراً وأن لا يجعل إدامين في
٢٨٣
إدام.
١٢ - باب شرب اللبن، وقول الله: ﴿مِنْ
٢٨٩
بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾
١٣ - باب استعذاب الماء.
٢٩٨
١٤ - باب شرب اللبن بالماء
٣٠٠
١٥ - باب شراب الحلوى والعسل
.٣٠٦
١٦ - باب الشرب قائماً
٣١٢
١٧ - باب من شرب وهو واقف على
٣٢١
بعيره .
١٨ - باب الأيمن فالأيمن في الشرب ... ٣٢٢
١٩ - باب هل يستأذن الرجل من عن
يمينه في الشّرب ليعطي الأكبر؟ ... ٣٢٣
٣٢٦
٢٠ - باب الکرع في الحوض
٣٢٦
٢١- باب خدمة الصغار الكبار
٢٢ - باب تغطية الإناء
٣٢٧
٣٢٧
٢٣ - باب اختناث الأسقية.
٢٤ - باب الشرب من فم السقاء
٣٢٩
٣٣٤
٢٥ - باب النهي عن التنفس في الإناء
٢٦ - باب الشّرب بنفسين أو ثلاثة
٣٣٤
٢٧ - باب الشّرب في آنية الذّهب.
٣٣٨
٢٨ - باب آنية الفضّة
٣٤١
٢٩ - باب الشرب في الأقداح
٣٤٦
٣٠ - باب الشرب من قدح النبيّ :
٣٤٦
وآنیته
٣١- باب شرب البركة والماء المبارك .... ٣٥٢
كتاب المرضى
١ - باب ما جاء في كفارة المرض
٣٥٧
٢ - باب شدّة المرض.
٣٧٢
٣- باب أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثم
الأمثل فالأمثل.
٣٧٣
٤ - باب وجوب عيادة المریض.
٣٧٥
٥- باب عیادة المغمی علیہ
٣٧٨
٦ - باب فضل من يصرع من الريح ...... ٣٧٩
٣٨٢
٧ - باب فضل من ذهب بصره

٦٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
٣٨٥
٨- باب عيادة النساء الرجال
٤٢٢
٩- باب عيادة الصّبیان
٣٨٧
١٠ - باب عيادة الأعراب.
٣٨٧
١١ - باب عيادة المشرك.
٣٨٩
١٢ - باب إذا عاد مريضاً، فحضرت
الصلاة فصلّى بهم جماعةً
٣٩٠
١٣ - باب وضع اليد على المريض ...
٣٩٠
١٤ - باب ما يقال للمريض، وما يجيب .. ٣٩٢
٤٤١
١٥ - باب عيادة المريض راكباً وماشياً
٣٩٣
وردفاً على الحمار .
١٦ - باب قول المریض: إني وجع، أو:
وارأساه، أو اشتدّ بي الوجع، وقول
أيوب عليه السلام ﴿ أَنّ مَسَِّىَ الضُّرُّ
٣٩٥
وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ ﴾
١٧ - باب قول المريض: قوموا عني ..... ٤٠١
١٨ - باب من ذهب بالصبيّ المريض
٤٠٢
لیدعی له
١٩ - باب تمنّي المريض الموت
٤٠٣
٢٠- باب دعاء العائد للمريض.
٤١٢
٢١ - باب وضوء العائد للمريض.
٢٢ - باب من دعا برفع الوباء والحمّى ... ٤١٤
کتاب الطُّب
١ - باب ما أنزل الله داء إلى أنزل له شفاء .٤١٨
٢- باب هل يداوي الرجل المرأة أو المرأة
الرجل؟ .
٣- باب الشفاء في ثلاث
٤٢٢
٤٢٨
٤ - باب الدواء بالعسل
٥- باب الدواء بالبان الإبل
٤٣١
٦ - باب الدواء بأبوال الإبل.
٤٣٤
٧ - باب الحبة السوداء
٤٣٥
٨- باب التلبينة للمريض
٩ - باب السّعوط
٤٤٤
١٠ - باب السّعوط بالقسط الهندي
البحري.
٤٤٥
١١ - باب: أية ساعة يحتجم؟
٤٤٨
١٢ - باب الحجم في السفر والإحرام ....
٤٥٠
١٣ - باب الحجامة من الداء
٤٥٠
١٤ - باب الحجامة على الرأس .
٤٥٣
١٥ - باب الحجم من الشّقيقة والصداع. ٤٥٥
١٦ - باب الحلق من الأذى
٤٥٨٠
١٧ - باب من اکتوی أو کوی غيره،
٤٥٨٠
وفضل من لم یکتو
١٨ - باب الإثمد والكحل من الرّمد.
٤٦٣٠
١٩ - باب الجذام.
٤٦٦
٢٠ - باب المنّ شفاء العين.
٤٧٦
٢١ - باب اللّدود.
٤٨٢
٤١٤

٦٥٧
فهرس الموضوعات
٥٧٠
٢٢ - باب.
٤٨٣
٢٣ - باب العذرة
٤٨٤
٢٤ - باب دواء المبطون
٤٨٦
٢۵- باب لا صفر
٤٩٢
٢٦ - باب ذات الجنب
٤٩٣
٢٧ - باب حرف الحصير ليسدّ به الدّم ... ٤٩٨
٢٨- باب الحمّى من فيح جهنّم ..
٤٩٩
٢٩ - باب من خرج من أرضٍ لا تلائمه. ٥٠٧
.٥٠٨
٣٠- باب ما يذكر في الطاعون
٣١ - باب أجر الصابر على الطاعون ..... ٥٣٥
٣٢ - باب الرّقى بالقرآن والمعوّذات ..... ٥٤٠
٣٣- باب الرقی بفاتحة الكتاب
.. ٥٤٦
٣٤ - باب الشرط في الرّقية بفاتحة
٥٤٨
الكتاب ..
٣٥- باب رقیة العین
٥٤٩
٣٦- باب العین حقّ.
٥٥٦
٣٧- باب رقية الحية والعقرب
٥٦١
٥٦٢
٣٨- باب رقية النبيّ وَله
٣٩- باب النّفث في الرّقية
٥٦٧
٤٠ - باب مسح الراقي الوجع بيده
اليمنى .
٤١ - باب في المرأة ترقي الرّجُل
٥٧١
٤٢- باب من لم یرق
٥٧١
٤٣- باب الطّيرة
٥٧٤
٤ ٤ - باب الفال
٥٧٧
٤٥- باب لا هامة
٥٨٠
٤٦ - باب الكهانة
٥٨٠
٤٧ - باب السّحر.
٥٩١
٤٨ - باب الشرك والسحر من الموبقات .. ٦١٣
٤٩ - باب هل يستخرج السّحر؟
٦١٤
٥٠- باب السحر ..
٦٢٠
٥١- باب من البیان سحر
٦٢٢
٥٢- باب الدواء بالعجوة للسحر .
٦٢٥
٥٣- باب لا هامّة
٦٣٠
٤ ٥- باب لا عدوی
٦٣٥
٥٥- باب ما يذكر في سمّ النبي ◌َطار ..... ٦٣٧
٥٦- باب شرب السّم والدواء به ومما
٦٤٢
يخاف منه
٥٧- باب ألبان الأتن.
٦٤٥
٥٨- باب إذا وقع الذّباب في الإناء ..
٦٤٧٠