النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
باب ٤٦ / ح ٥٧٥٧
كتاب الطب
والكَهَانة - بفتح الكاف ويجوز كسرها -: ادِّعاء عِلم الغيب كالإخبار بما سيقعُ في
الأرض مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيها استراق السَّمع من كلام الملائكة، فيُلقِیه في
أُذُن الكاهن.
والكاهن لفظ يُطلَق على العَرّاف، والذي يَضرِب بالْحَصَى، والمنَجِّم، ويُطلَق على مَن
يقوم بأمرٍ آخر، ويَسعَى في قضاء حوائجه، وقال في ((المحكَم): الكاهن القاضي بالغيبِ.
وقال في ((الجامع)): العرب تُسمّي كلَّ مَن أَزِنَ بشيءٍ قبل / وقوعه كاهناً. وقال الخطّابيُّ: ٢١٧/١٠
الكَهَنة: قوم لهم أذهان حادّة، ونفوس شِرّيرة، وطِباع ناريَّة، فَألِفَتهم الشَّياطين لمَا بينهم
من التَّاسُب في هذه الأُمور، وساعَدَتهم بكلِّ ما تَصِل قُدرَتُهم إليه.
وكانت الكهانة في الجاهليَّة فاشية، خصوصاً في العرب لانقطاع النَّبّة فيهم، وهي على
أصناف:
منها: ما يَتَلَقَّونَه من الجِنّ، فإنَّ الجِنّ كانوا يَصعَدونَ إلى جهة السماء، فيَركَب بعضهم
بعضاً إلى أن يَدِنُوَ الأعلى بحيثُ يسمع الكلام فيُلقِيه إلى الذي يليه، إلى أن يَتلقَّاه مَن يُلقيه
في أُذُن الكاهن فيزيد فيه، فلمَّا جاء الإسلام ونزلَ القرآن، حُرِسَتِ السماء من الشَّياطين،
وأُرسِلَت عليهم الشُّهُب، فبَقِيَ مِن استراقهم ما يَتَخَطَّفه الأعلى فيُلقيه إلى الأسفَل قبل أن يصيبه
الشِّهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطِفَةَ فَأَنْبَعَهُ, شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾
[الصافات: ١٠]، وكانت إصابة الكُهّان قبل الإسلام كثيرة جدّاً، كما جاء في أخبار شِقٌّ وسَطِيح
ونحوهما، وأمَّا في الإسلام فقد نَدَرَ ذلك جدّاً حتَّى كادَ يَضمَحِلّ ولله الحمد.
ثانيها: ما يُخْبِرِ الجِنّيُّ به مَن يواليه بما غابَ عن غيره ممّا لا يَطَّلِعِ عليه الإنسان غالباً، أو
يَطَّلِعِ عليه مَن قَرُبَ منه لا مَن بَعُدَ.
ثالثها: ما يَستَنِدِ إلى ظنّ وتخمين وحَدْس، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوّة مع
کثْرة الكذب فیه.
رابعها: ما يَستَنِد إلى التَّجرِبة والعادة، فيُستَدَلّ على الحادث بما وَقَعَ قبل ذلك، ومن هذا

٥٨٢
باب ٤٦ / ح ٥٧٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
القسم الأخير ما يُضاهي السِّحر، وقد يَعتَضِد بعضهم في ذلك بالزَّجرِ والطَّرق والنُّجوم،
وكلّ ذلك مذموم شَرعاً. ووَرَدَ في ذَمّ الكَهَانة ما أخرجه أصحاب السُّنَن(١)، وصَحَّحَه
الحاكم (٨/١) من حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((مَن أتى كاهناً أو عَرّافاً فصَدَّقَه بما يقول، فقد
كَفَرَ بما أُنزِلَ على محمَّد)»، وله شاهد من حديث جابر وعِمران بن حُصَينٍ، أخرجهما البزَّار
بسندَينِ جِيِّدَينٍ ولفظهما: ((مَن أتى كاهنا))(٢)، وأخرجه مسلم (٢٢٣٠) من حديث امرأة
من أزواج النبيّ ◌َ ◌ّه ـ ومن الرُّواة مَن سَمّاها حفصة - بلفظ: ((مَن أتى عَرّافاً))، وأخرجه أبو
يَعْلی (٥٤٠٨) من حديث ابن مسعود بسندٍ جيِّد، لكن لم يُصرِّح برفعِه، ومثله لا یقال
بالرَّأي، ولفظه: ((مَن أتى عَرّافاً أو ساحراً أو كاهناً)، واتَّفَقَت ألفاظهم على الوعيد بلفظ
حديث أبي هريرة، إلّا حديث مسلم فقال فيه: ((لم يُقبَل له صلاة أربعينَ يوماً».
ووَقَعَ عند الطبرانيِّ(٣) من حديث أنس بسندٍ لَيِّن مرفوعاً بلفظ: ((مَن أتى كاهناً فصَدَّقَه
بما يقول، فقد بَرِئَ ممّا أُنزِلَ على محمَّد، ومَن أتاه غيرَ مُصَدِّق له، لم تُقبَل صلاته أربعينَ
يوماً)، والأحاديث الأُوَل مع صِخَّتها وكَثَرَتها أولى من هذا، والوعيد جاء تارةً بعَدَمِ قَبُول
الصلاة، وتارةً بالتَّكفير، فيُحمَل على حالَينِ من الآتي، أشارَ إلى ذلك القُرطُبيّ.
والعَرّاف بفتح المهمَلة وتشديد الرَّاء: مَن يَستَخرِج الوقوفَ على المغيَّبات بضربٍ من
فعل أو قول.
ثم ذكر المصنف ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث أبي هريرة.
٥٧٥٨ - حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، حدَّثنا اللَّيْثُ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالدٍ، عن ابنِ
(١) أبو داود (٣٩٠٤)، وابن ماجه (٦٣٩)، والترمذي (١٣٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٩٦٨)، وانظر
الكلام عليه في تعليقنا على ((مسند أحمد)) برقم (٩٢٩٠).
(٢) حديث عمران في ((مسند البزار)) برقم (٣٥٧٨) ورجاله ثقات إلّا أنه منقطع، وحديث جابر انظره في
«کشف الأستار عن زوائد البزار)» (٣٠٤٥).
(٣) في («الأوسط)) (٦٦٧٠).

٥٨٣
باب ٤٦ / ح ٥٧٥٩ - ٥٧٦٠
كتاب الطب
شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله وَِّ قَضَى في امرأتينٍ من هُذَيلِ اقْتَتَلَنا،
فَرَمَت إحداهما الأخرى بحجرٍ، فأصاب بَطْنَها وهي حامِلٌ، فقَتَلَت ولدَها الذي في بَطْنِها،
فاختَصَمُوا إلى النبيِّ نَّهِ فَقَضَى أَنَّ دِيةَ ما في بَطْنِها غُرَّةٌ: عبدٌ أو أَمَةٌ، فقال ولِيُّ المرأةِ التي
غَرِمَت: كيفَ أَغْرَمُ يا رسولَ الله مَن لا شَرِبَ ولا أكَل، ولا نَطَقَ ولا استَهَلّ؟ فمِثلُ ذلك
يُطَلّ، فقال النبيُّ وَِّ: ((إنَّما هذا من إخْوانِ الكُهّان)).
[أطرافه في: ٥٧٥٩، ٥٧٦٠، ٦٧٤٠، ٦٩٠٤، ٦٩١٠،٦٩٠٩]
٥٧٥٩- حدَّثنا قُتَبةُ، عن مالكِ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ: أنَّ امرأتينِ
رَمَت إحداهما الأخرى بحجرٍ، فطَرَ حَت جَنِينَها، فقَضَى فيه النبيُّمَارَ بِغُرَةِ: عبدٍ أو وَلِيدٍ.
٥٧٦٠ - وعن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ: أنَّ رسولَ الله ◌َّ قَضَى في الجَنِينِ يُقتَلُ
في بَطْنِ أمِّه بغُرّةٍ: عبدٍ أو وَلِيدةٍ، فقال الذي قُضِيَ عليه: كيفَ أَغرَمُ مَن لا أكَلَ ولا شَرِبَ ولا
نَطَقَ ولا استَهَلّ؟ ومثلُ ذلك يُطَلّ، فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((إنَّما هذا من إخْوانِ الكُهّان)).
قوله: ((عن ابن شِهاب، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة)) وساقَه بطولِه، كذا قال
عبد الرَّحمن بن خالد بن مُسافِرٍ من رواية اللَّيث عنه عن ابن شِهاب، وفَصَّلَ مالك عن ابن
شِهاب قصَّة وليّ المرأة، فجعله من رواية ابن شِهاب عن سعيد بن المسيّب مُرسَلاً، كما بيَّنَه
المصنِّف في الطَّريق التي تَلي طريقَ ابن مُسافر هذه، وقد روى اللَّيث عن ابن شِهاب أصل
الحديث بدون الزّيادة عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة موصولاً كما سيأتي في الدّيَات
(٦٩٠٩)، وكذا أخرج هناك (٦٩١٠) طريق يونس عن ابن شِهاب عن أبي سَلَمة وسعيد
معاً عن أبي هريرة بأصلِ الحديث دونَ الزّيادة، ويأتي شرح ما يَتَعلَّق بالجَنينِ والغُرّة هناك
إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فقال وليُّ المرأة)) هو حَمَل - بفتح المهمَلة والميم الخفيفة - بن مالك بن النابغة الهُذَلِيّ،
بيَّنْه مسلم (٣٦/١٦٨١) من طريق يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيّب وأبي سَلَمة معاً عن
أبي هريرة، وكُنية حَلِ المذكور: أبو نَضْلة، وهو صحابيّ نزلَ البصرة.

٥٨٤
باب ٤٦ / ح ٥٧٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
وفي رواية مالك: ((فقال الذي قُضِيَ عليه)) أي: قُضِيَ على مَن هي منه بسبيلٍ، وفي رواية
٢١٨/١٠ اللَّيث/ عن ابن شِهاب المذكورة: أنَّ المرأة من بني لِحْيان، وبنو لِحْيانَ حيٍّ من هُذَيل،
وجاء تسمية الضَّرَّتَينِ فيما أخرج أحمد (١) من طريق عَمْرو بن تميم بن عويم عن أبيه عن
جَدّه قال: كانت أُختي مُلَيكة، وامرأة مِنّا يقال لها: أمّ عَفيف بنت مسروح تحت حَمَل بن
مالك ابن النابغة، فضَرَبَت أمُّ عَفيف مُلَيكةَ بِمِسطَح ... الحديث، لكن قال فيه: فقال
العلاء بن مسروح: يا رسول الله، أَنَّغرَمُ مَن لا شَرِبَ ولا أكَل؟ الحديث، وفي آخره:
((أسجعٌ كسَجْع الجاهليَّة)»، ويُجمَع بينهما بأنَّ كلَّ من زوج المرأة وهو حَل، وأخيها وهو
العلاء، قال ذلك، تَوارَدا معاً عليه، لمَا تَقرَّرَ عندهما أنَّ الذي يُودَى هو الذي يَخْرُجِ حَيّاً،
وأمَّا السِّقط فلا يُودَى، فأبطَلَ الشَّرع ذلك، وجعل فيه غُرّة، وسيأتي بيانه في كتاب الدّيات
إن شاء الله تعالى.
ووَقَعَ في رواية للطَّبرانيِّ أيضاً (٥١٤): أنَّ الذي قال ذلك عِمران بن عُوَيم(٢)، فلعلَّها
قصَّة أُخرى. وأُمّ عَفِيف بمُهمَلٍ وفاءَينِ وزن عَظيم، ووَقَعَ في ((المبهَمات))(٣) للخطيب،
وأصله عند أبي داود (٤٥٧٤) والنَّسائيِّ (٤٨٢٨) من طريق سِماك عن عِكْرمة عن ابن
عبَّاس: أنَّهَا أمّ غُطَيف، بغَيْنٍ ثمَّ طاء مُهمَلة مُصفَّر، فالله أعلم.
قوله: ((كيف أَغَمُ يا رسول الله مَن لا شَرِبَ ولا أُكَل)» في رواية مالك: ((مَن لا أكَلَ ولا
شَرِبَ))، والأوَّل أَولى لمناسَبة السَّجع. ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ في رواية مالك: ((ما لا))
بَدَل ((مَن لا)»، وهذا هو الذي في ((الموطَّأ)» (٨٥٥/٢).
وقال أبو عثمان بن جِنِّي: معنى قوله: ((لا أكَلَ)) أي: لم يأكل، أقامَ الفعل الماضي مقامَ
المضارع.
(١) في عزو هذا لأحمد وهمٌ، وقد عزاه هو في ((الإصابة)) في ترجمة عويمر الهذلي - ويقال بغير راء - لابن أبي
خثيمة والهيثم بن كليب والطبراني ١٧/ (٣٥٢)، ولم يعزه الهيثمي في ((المجمع)) ٦/ ٣٠٠ لغير الطبراني
وقال: فیه محمد بن سلیمان بن مسمول وهو ضعيف.
(٢) ويقال أيضاً: ابن عويمر كما في ((الإصابة)»، وهو الذي في رواية الطبراني.
(٣) ((الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة)) ص ٥١٣.

٥٨٥
باب ٤٦ / ح ٥٧٦٠
كتاب الطب
قوله: ((فمِثْل ذلك يُطَلّ)) للأكثرِ بضمِّ المثنّة التَّحتانيَّة وفتح الطاء المهمَلة وتشديد اللّام،
أي: يُهدَر، يقال: دمُ فلان هَذْر: إذا تُرِكَ الطَّلب بثأره، وطُلَّ الدَّمُ بضمِّ الطاء وبفتحِها
أيضاً، وحُكيَ: أطَلَّ، ولم يَعِرِفه الأصمَعَيّ، ووَقَعَ للكُشْمِيهنيّ في رواية ابن مُسافر: ((بَطَل))
بفتح الموخَّدة والتَّخفيف: من البُطْلان، كذا رأيته في نسخة مُعتمَدة من رواية أبي ذرٍّ،
وزَعَمَ عِيَاض أنَّه وَقَعَ هنا للجميع بالموخَّدة، قال: وبالوجهَينٍ في ((الموطًا))، وقد رَجَّحَ
الخطّابِيُّ أنَّه من البُطْلان، وأنكَرَه ابن بَطّال فقال: كذا يقوله أهل الحديث، وإنَّما هو من:
طَلَّ الدَّمُ: إذا هَدَرَ. قلت: وليس لإنكاره معنَى بعد تُبوت الرِّواية، وهو موجّه، راجعٌ إلى
معنى الرواية الأُخرى.
قوله: ((إنَّما هذا من إخوان الكُهّان)) أي: لمشابهة كلامِه كلامَهم، زاد مسلم (٣٦/١٦٨١)
والإسماعيليّ من رواية يونس: من أجل سَجْعه الذي سَجَعَ، قال القُرطُبيّ: هو من تفسير
الراوي، وقد وَرَدَ مُستنَد ذلك فيما أخرجه مسلم (١٦٨٢ / ٣٧) في حديث المغيرة بن شُعْبة:
فقال رجل من عُصبة القاتلة: نَغرَم ... فذكر نحوه، وفيه: فقال رسول الله وَّ: ((أسجعٌ
كسَجْع الأعراب؟!».
والسَّجْع: هو تَناسُب أواخر الكلمات لفظاً، وأصله الاستواء، وفي الاصطلاح: الكلام
المقَفَّى، والجمع: أسجاع وأساجيع، قال ابن بَطّال: فيه ذَمّ الكفَّر وذَمّ مَن تَشَبَّهَ بهم في
ألفاظهم، وإنَّما لم يعاقبه لأنَّه ◌ِ لّهِكان مأموراً بالصَّفح عن الجاهلينَ، وقد تَمسَّكَ به مَن كَرِهَ
السَّجع في الكلام، وليس على إطلاقه، بل المكروه منه ما يقع مع التَّكَلَّف في معرض
مُدافَعة الحقّ، وأمَّا ما يقع عفواً بلا تكلُّف في الأُمور المباحة فجائز، وعلى ذلك يُحمَل ما
وَرَدَ عنهِِّ، وسيأتي مزيدٌ لذلك في كتاب الدَّعَوات (٦٣٣٧).
والحاصل أنَّه إن جَمَعَ الأمرَينِ من التَّكَلُّف وإبطال الحقّ كان مذموماً، وإن اقتَصَرَ على
أحدهما كان أخَفَّ في الذَّمَ، ويَخرُج من ذلك تقسيمُه إلى أربعة أنواع: فالمحمود ما جاء عَفواً في
حَقّ، ودونه ما يقع مُتَكلَّفاً في حَقّ أيضاً، والمذموم عكسهما.

٥٨٦
باب ٤٦ / ح ٥٧٦١- ٥٧٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
وفي الحديث من الفوائد أيضاً: رفعُ الجِناية للحاكم، ووجوب الدّيَة في الجنين ولو خَرَجَ
ميتاً، كما سيأتي تقريره في كتاب الدّيات (٦٩٠٤) مع استيفاء فوائده.
٥٧٦١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكرِ بنِ
عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ، عن أبي مسعودٍ، قال: نَهَى النبيُّ وَ ﴿ِ عن ثَمَنِ الكلبِ، ومَهْرِ البَغِيِّ،
وحُلْوانِ الكاهنِ.
٥٧٦٢- حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا هشامُ بنُ يوسُفَ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن
يحيى بنِ عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: سألَ رسولَ الله ◌ِلَّم
ناسٌ عن الكُهّان، فقال: ((ليسَ بشيءٍ)) فقالوا: يا رسولَ الله، إنَّهم يُحدِّثوننا أحياناً بشيءٍ فيكونُ
حَقّاً! فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: «تلك الكلمةُ منَ الحقِّ يَخْطَفُها الجِنُِّّ، فَيَقُرُّها في أُذُنِ وَلِيُّه،
فَيَخْلِطُونَ معها مئةَ كَذْبةٍ)).
قال عليٌّ: قال عبدُ الرَّزّاق - مُرسَل -: ((الكلمةُ منَ الحقِّ»، ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّه أستَدَه بعدُ.
الحديث الثاني: حديث أبي مسعود - وهو عُقْبة بن عَمْرو - في النَّهي عن ثَمَن الكلب
ومَهْر البَغيّ وحُلْوان الكاهن، وقد تقدَّم شرحه في أواخر كتاب البيع (٢٢٣٧).
٢١٩/١٠
الحديث الثالث: قوله: ((عن يحيى بن عُرْوة بن الزُّبَيرِ، عن عُزْوة)) كأنَّ هذا ممّ / فاتَ
الزّهْريَّ سماعُه من عُرْوة فحَمَلَه عن ولده عنه، مع كَثْرة ما عند الزُّهْريِّ عن عُرْوة، وقد
وَصَفَه الزُّهْرِيُّ بسَعَة العلم، ووَقَعَ في رواية مَعقِل بن عُبيد الله عند مسلم (١٢٣/٢٢٢٨)
عن الزُّهْريِّ: أخبرني يحيى بن عُرْوة: أنَّه سمعَ عُرْوة، وكذا للمصنَّف في التَّوحيد (٧٥٦١)
من طريق يونس، وفي الأدب (٦٢١٣) من طريق ابن جُرَيج، كلاهما عن ابن شِهاب، ولم
أقِفْ ليحيى بن عُرْوة في البخاريّ إلّا على هذا الحديث، وقد روى بعضَ هذا الحديث
محمَّدُ بن عبد الرّحمن أبو الأسود عن عُرْوة، وتقدَّم موصولاً في بَدْء الخلق (٣٢١٠)، وكذا
هشامُ بن عُرْوة عن أبيه به(١).
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٣٤٧)، ومن طريقه ابن منده في ((الإيمان)) (٦٩٩) عن معمر عن هشام بن عروة
عن عروة.

٥٨٧
باب ٤٦ / ح ٥٧٦٢
كتاب الطب
قوله: (سألَ رسولَ اللهَِ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: سألَ ناس رسول الله يَالله، وكذا هو في
رواية يونس، وعند مسلم (١٢٣/٢٢٢٨) من رواية مَعقِل مِثله، ومن رواية مَعقِل مِثل
الذي قبله(١)، وقد سُمَّ ممَّن سألَ عن ذلك معاوية بن الحَكَم السُّلَميّ كما أخرجه مسلم
(١٢١/٢٢٢٧) من حديثه: قال: قلت: يا رسول الله، أُموراً كنَّا نَصنَعها في الجاهليَّة، كنّا
نأتي الكُهّان، فقال: ((لا تأتوا الكُهّان)) الحديث. وقال الخطَّبيُّ: هؤلاءِ الكُهّان فيما عُلِمَ بشهادة
الامتحان قوم لهم أذهان حادّة ونفوس شِرّيرة وطبائع ناريّة، فهم يَفْزَعونَ إلى الجِنّ في أُمورهم،
ويَستَقْتونَهم في الحوادث فيُلقُونَ إليهم الكلمات، ثمَّ تَعَّضَ إلى مُناسبة ذِكْر الشُّعَراء بعد ذِكْرهم
في قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١].
قوله: ((فقال: ليس بشيءٍ)) في رواية مسلم: ((ليسوا بشيءٍ))، وكذا في رواية يونس في
التَّوحيد، وفي نُسخة: ((فقال لهم: ليسوا بشيءٍ)) أي: ليس قولهم بشيءٍ يُعتَمَد عليه، والعرب
تقول لمن عَمِلَ شيئاً ولم يُحكِمِه: ما عَمِلَ شيئاً، قال القُرطُبيّ: كانوا في الجاهليّة يَتَرَافَعونَ إلى
الكُهّان في الوقائع والأحكام، ويَرجِعونَ إلى أقوالهم، وقد انقَطَعَتِ الكَهَانة بالبِعْثة المحمَّديَّة،
لكن بَقِيَ في الوجود مَن يَتَشَبَّه بهم، وثَبَتَ النَّهي عن إتيانهم فلا تَحِلّ إتيانُهم ولا تصديقُهم.
قوله: ((إِنَّهم يُحدِّثونَنا أحياناً بشيءٍ فيكون حَقّاً)) في رواية يونس: ((فإنَّهم يَتَحدَّثونَ))، هذا
أورَدَه السائلُ إشكالاً على عُموم قوله: ((ليسوا بشيءٍ) لأَنَّه فَهِمَ منه أنَّهم لا يَصدُقونَ
أصلاً، فأجابَه ◌َّ عن سبب ذلك الصِّدق، وأنَّه إذا اتَّفَقَ أن يَصدُق لم يَترُكه خالصاً، بل
يَشُوبه بالكذب.
قوله: ((تلك الكلمةُ من الحقّ)) كذا في البخاريّ: بمُهمَلٍ وقاف، أي: الكلمة المسموعة
التي تقع حَقّاً، ووَفَعَ في مسلم: ((تلك الكلمة من الجِنّ))، قال النَّوويّ: كذا في نُسَخ بلادنا:
بالجيم والنّون، أي: الكلمة المسموعة من الجِنّ، أو التي تَصِحّ مَّا نَقَلَته الجِنّ. قلت: التَّقدير
الثّاني يوافق رواية البخاريّ، قال النَّوويّ: وقد حكى عِيَاض أنَّه وَقَعَ - يعني: في مسلم -
بالحاءِ والقاف.
(١) قوله: ((ومن رواية معقل مثل الذي قبله)) لم نفهم مراد الحافظ من هذه العبارة.

٥٨٨
باب ٤٦ / ح ٥٧٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (يَخْطَقُها الجِنِّّ)) كذا للأكثر، وفي رواية السَّرَخْسيّ: ((يَخْطَفها من الجِنّيِّ)) أي: الكاهن
يَخْطَفها من الجِنّيّ، أو الجِنْيُّ الذي يَلقَى الكاهنَ يَخْطَفها من جِنّيِّ آخر فوقه.
و((يَخْطَفها)) بخاءٍ مُعجَمة وطاء مفتوحة - وقد تُكسَر - بعدها فاءٌ، ومعناه: الأخذ بسُرعةٍ،
وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((يحفظها)) بتقديم الفاء بعدها ظاء مُعجَمة، والأوَّل هو المعروف،
والله أعلم.
قوله: ((فِيَقُرّها)) بفتح أوَّله وثانيه(١) وتشديد الرَّاء، أي: يَصُبُّها، تقول: قَرَرتُ على رأسه
دَلواً: إذا صَبَيْتَه، فكأنَّه صُبَّ في أُذُنه ذلك الكلام، قال القُرطُبيّ: ويَصِحّ أن يقال: المعنى:
ألقاها في أُذُنه بصوتٍ، يقال: قَرَّ الطائرُ: إذا صَوَّتَ، انتهى.
ووَقَعَ في رواية يونس المذكورة: ((فيُقَرقِرُها)) أي: يُردِّدها، يقال: قَرَقَرَتِ الدَّجاجة
تُقَرقِر قَرقَرةً: إذا رَدَّدَت صوتها، قال الخطَّبيُّ: ويقال أيضاً: قَرَّتِ الدَّجاجة تَقِرُّ قَرّاً
وقَرِيراً، وإذا رَجَّعَت في صوتها قيل: قَرقَرَت قَرقَرةً وقَرقَريرة، قال: والمعنى أنَّ الجِنّيَّ إذا
ألقَى الكلمة لوليِّه تَسامَعَ بها الشَّياطينُ، فَتَنَاقَلوها كما إذا صَوَّتَتِ الدَّجاجة فسمعَها
الدَّجاج فجاوَبتها.
وتَعقَّبَه القُرطُبيّ بأنَّ الأشبه بمَسَاق الحديث أنَّ الجِنَّّ يُلقي الكلمة إلى وليّه بصوتٍ
خَفيّ مُتَراجِع له زَمزَمة ويُرجِّعه له، فلذلك يقع كلام الكُهّان غالباً على هذا النَّمَط، وقد
٢٢٠/١٠ تقدَّم شيء من ذلك في أواخر الجنائز (١٣٥٥) في / قصَّة ابن صَيّاد، وبيان اختلاف الزُّواة
في قوله: ((في قَطيفة له فيها زَمزَمة».
وأُطلِقَ على الكاهن وليَّ الجِنّيِّ لكَونِه يواليه، أو عَدَلَ عن قوله: ((الكاهن)) إلى قوله:
((وليّه)) للتَّعميمِ في الكاهن وغيره ممَّن يوالي الجِنّ.
(١) كذا قال، والصواب أنه بضمِّ ثانيه، كذا هو مضبوط في اليُونينية بلا خلاف، وكذا ضبطه الأصيلي فيما
ذكر القاضي عياض في ((المشارق)) ٢/ ١٧٧ قال: وعند غيره: ((يُقِرُّها)) بكسر القاف وضمّ الياء، وصوَّب
بعضهم الأول، وكلاهما صواب على اختلاف التفسير في معناه ... ثم أخذ بتفسيره، فراجعه.

٥٨٩
باب ٤٦ / ح ٥٧٦٢
كتاب الطب
قال الخطّابُّ: بَيَّنْ وَيهِ أنَّ إصابة الكاهن أحياناً إنَّما هي لأنَّ الجِنّيَّ يُلقي إليه الكلمة
التي يسمعها استراقاً من الملائكة، فيزيد عليها أكاذيبَ يَقِيسها على ما سمعَ، فُرُبّما أصاب
نادِراً وخطؤُه الغالب.
وقوله في رواية يونس: ((كقَرقَرة الدَّجاجة)) يعني: الطائر المعروف، ودالها مُثَّثة والأشهَر
فيها الفتح، ووَقَعَ في رواية المُستَمْلي: ((الزّجاجة)) بالزّاي المضمومة، وأنكَرَها الدّارَ قُطْنيُّ
وعَدَّها في التَّصحيف، لكن وَقَعَ في حديث الباب من وجه آخر تقدَّم (٣٢٨٨) في ((باب
ذِكْر الملائكة))(١) في كتاب بَدْء الخلق: ((فتَقُرّها في أُذُنُه كما تُقَرّ القارورة)»، وشَرَحوه على أنَّ
معناه: كما يُسمَع صوت الزُّجاجة إذا حَلَّت على شيء أو أُلقي فيها شيءٍ.
وقال القابِسيّ: المعنى: أنَّه يكون لمَا يُلقِيه الجِنّيُّ إلى الكاهن حِسِّ كحِسِ القارورة إذا
حُرِّكَت باليَدِ أو على الصَّفَا، وقال الخطَّبيُّ: المعنى أنَّه يُطبِق به كما يُطبِقِ رأسُ القارورة
برأس الوعاء الذي يُفرَغ فيه منها ما فيها.
وأغرَبَ شارح ((المصابيح)) التُّورِبِشتيُّ فقال: الرِّواية بالزّاي أحوط، لمَا ثَبَتَ في
الرِّواية الأُخرى: ((كما تُقَرّ القارورة)»، واستعمال قَرَّ في ذلك شائع، بخلاف ما فسَّروا عليه
الحديث فإنَّه غير مشهور، ولم نَجِدْ له شاهداً في كلامهم، فدَلَّ على أنَّ الرِّواية بالدّال
تصحيف أو غَلَطٌ من السامع.
وتَعقَّبَه الطِّييُّ فقال: لا رَيبَ أنَّ قوله: ((فَرَّ الدَّجاجة)) مفعولٌ مُطلَق، وفيه معنى
التَّشبيه، فكما يَصِحّ أن يُشَبّه إيراد ما اختَطَفَه من الكلام في أُذُن الكاهن بصَبِّ الماء في
القارورة، يَصِحّ أن يُشَبّه ترديد الكلام في أُذُنه بترديدِ الدّجاجة صوتها في أُذُن صواحباتها،
وهذا مُشاهَد، تَرَى الدّيكَ إذا رأى شيئاً يُنكِرِه يُقَرقِرِ فتَسمَعه الدَّجاج، فتَجتَمِع وتُقَرقِر
معه، وباب التَّشبيه واسع لا يَفتَقِر إلى العَلاقة، غير أنَّ الاختطاف مُستَعار للكلام من فِعل
الطَّيرِ، كما قال الله تعالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١]، فيكون ذِكْرِ الدَّجاجة هنا أنسَبَ من
(١) بل في باب (١١): صفة إبليس وجنوده.

٥٩٠
باب ٤٦ / ح ٥٧٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
ذِكْر الزُّجاجة، لحصولِ التَّرشيح في الاستعارة. قلت: ويُؤْيِّده دعوى الدّارَقُطنيّ - وهو إمام
الفَنّ - أنَّ الذي بالزّاي تصحيف، وإن كنَّا ما قَبِلْنا ذلك فلا أقلّ من أن يكون أرجَحَ.
قوله: ((فِيَخْلِطونَ معها مئة كَذْبة)» في رواية ابن جُرَيج: ((أكثرَ من مئة كذبة))، وهو دالٌّ على
أنَّ ذِكْر المئة للمُبالَغة لا لتعيينِ العَدَد.
وقوله: ((كَذْبة)) هنا بالفتح وحُكيَ الكسر، وأنكَرَه بعضهم لأنَّه بمعنى الهيئة والحالة
وليس هذا موضعه، وقد أخرج مسلم (٢٢٢٩) في حديث آخر أصلَ تَوصُّل الجِنِّيّ إلى
الاختطاف، فأخرج من حديث ابن عبّاس: حدَّثني رجال من الأنصار: أنَّهم بينا هم
جلوس ليلاً مع رسول الله وَّه إذ رُمَيَ بنَجمِ فاستَنَارَ، فقال: «ما كنتُم تقولون إذا رُميَ مِثْلُ
هذا في الجاهليّة؟» قالوا: كنَّا نقول: وُلِدَ اللَّيلةَ رجل عظيم أو ماتَ رجل عظيم، فقال:
((إنَّها لا يُرمَى بها لموتِ أحد ولا لحياته، ولكن رَبّنا إذا قَضَى أمراً سَبَّحَ حَمَلُةُ العَرش، ثمَّ
سَبَّحَ الذينَ يَلُونَهم، حتَّى يَبلُغَ التَّسبيح إلى أهل هذه السماء الدُّنيا، فيقولون: ماذا قال
رَبُّكُمْ؟ فيُخبِرونَهم، حتَّى يَصِلَ إلى السماء الذُّنيا، فيَستَرِق منه الجِنِيُّ، فما جاؤوا به على
وجهه فهو حَقٌّ، ولكنَّهم يزيدونَ فيه ويَنقُصون)). وقد تقدَّم في تفسير سَبَأ (٤٨٠٠)
وغیرها بیانُ کیفیّتهم عند استراقهم.
وأمَّا ما تقدَّم في بَدْء الخلق (٣٢١٠) من وجه آخر عن عُرْوة عن عائشة: ((أنَّ الملائكة
تَنزِل في العَنَان - وهو السَّحاب - فَتَذْكُر الأمرَ قُضيَ في السماء، فَتَستَرِقِ الشَّياطين السَّمعَ))
فيحتمل أن يريد بالسَّحابِ السماءَ، كما أطلقَ السماءَ على السَّحاب، ويحتمل أن يكون على
حقيقته، وأنَّ بعض الملائكة إذا نزلَ بالوحي إلى الأرض تَسمَّعَت منهم الشَّياطين، أو المراد
الملائكة المو گَّلة بإنزال المطر.
قوله: ((قال عليّ: قال عبد الرَّزّاق - مُرسَل ـ: الكلمة من الحقّ؛ ثمَّ بَلَغَني أنَّه أسنَدَه بَعْدُ»
علي هذا: هو ابن المَدِينيّ شيخُ البخاريّ فيه، ومُراده أنَّ عبد الرَّزّاق كان يُرسِل هذا القَدْر
٢٢١/١٠ من الحديث، ثمَّ إنَّه بعد ذلك وَصَلَه بذِكْر/ عائشة فيه، وقد أخرجه مسلم (١٢٢/٢٢٢٨)

٥٩١
باب ٤٧
كتاب الطب
عن عبد بن حُميدٍ، والإسماعيليّ من طريق فيّاض بن زُهَير، وأبو نُعَيم من طريق عبَّاس العَنبَريّ،
ثلاثتهم عن عبد الرَّزاق موصولاً، كرواية هشام بن يوسف عن مَعمَر.
وفي الحديث بقاءُ استراق الشَّياطين السَّمعَ، لكنَّ قَلَّ ونَدَرَ حتَّى كادَ يَضمَحِلّ بالنّسبة
لمَا كانوا فيه من الجاهليّة، وفيه النَّهي عن إتيان الكُهّان، قال القُرطُبيّ: يجب على مَن قَدَرَ
على ذلك من مُخْتَسِب وغيره أن يقيم مَن يَتَعاطَى شيئاً من ذلك من الأسواق، ويُنكِرَ عليهم
أشدَّ النَّكير وعلى مَن يجيء إليهم، ولا يغتَرّ بصِدْقِهم في بعض الأُمور، ولا بكَثْرة مَن
تجيء إلیھم ممَّن ◌ُنسَب إلى العلم، فإنّهم غیر راسخين في العلم، بل من الجُهّال بما في إتیانهم
من المحذور.
تنبيه: إيرادُ باب الكَهَانة في كتاب الطِّبّ لمناسَتِه لبابِ السِّحر، لمَا يَجِمَعُ بينهما من
مَرجِع كلٍّ منهما للشَّياطين، وإيرادُ باب السِّحر في كتاب الطِّبّ لمناسَتِهِ ذِكْرَ الرُّقَى وغيرها
من الأدوية المعنَويَّة، فناسَبَ ذِكرُ الأدواء التي تحتاج إلى ذلك، واشتَمَلَ كتاب الطِّبّ على
الإشارة للأدوية الِحِسّيَّة، كالحَبّة السَّوداء والعَسَل، ثمَّ على الأدوية المعنَويَّة كالرُّقَى بالدُّعاءِ
والقرآن، ثمَّ ذُكِرت الأدواء التي تنفع الأدوية المعنَويَّة في دفعها كالسِّحر، كما ذُكرت
الأدواء التي تنفع الأدوية الحِسّيَّة في دفعها كالُذام، والله أعلم.
٤٧- باب السِّحر
وقولِ الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّخْرَ ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾ [طه: ٦٩].
وقولِه: ﴿أَفَأْتُونَ السِّخْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣].
وقولِه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦].
وقولِه: ﴿ وَمِن شَرِّالنَّفَّئَتِ فِى الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤]، والنَّفَاثاتُ: السَّواحرُ.
﴿تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩]: تُعَمَّوْنَ.
قوله: ((باب السِّحْر)) قال الرَّاغِب وغيره: السِّحر يُطلَق على مَعانٍ:
٢٢٢/١٠
١

٥٩٢
باب ٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
أحدها: ما لَطُفَ ودَقَّ، ومنه: سَحَرتُ الصبيَّ: خدعتُه واستَمَلته، وكلّ مَن اسْتَمالَ شيئاً
فقد سَحَرَه، ومنه إطلاق الشُّعَراء سِحرَ العُيون لاستمالَتِها النُّفُوس، ومنه قول الأطبّاء: الطَّبيعة
ساحرة، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥] أي: مصروفونَ عن المعرفة، ومنه
حديث: ((إنَّ من البيان ◌َسِحراً)، وسيأتي قريباً في باب مُفرَد (٥٧٦٧).
الثّاني: ما يقع بخِداعٍ وتخبيلات لا حقيقةً لها، نحو ما يفعله المشَعوذُ من صرف الأبصار
عمَّا يَتَعاطاه بخِفّة يده، وإلى ذلك الإشارة بقولِه تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾
[طه: ٦٦]، وقوله تعالى: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، ومن هناك سَمَّوْا
موسى ساحراً، وقد يستعين في ذلك بما يكون فيه خاصّيَّة، كالحجر الذي يجذِبُ الحدید
المسمَّى المَغْنِيطِس.
الثّالث: ما يَحَصُلِ بِمُعاوَنة الشَّياطين بضربٍ من التقرُّب إليهم، وإلى ذلك الإشارة
بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحَرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
الَّابع: ما يَحِصُل بمُخاطَبة الكواكب واستنزال رُوحانيّاتها بزَعمِهم.
قال ابن حَزْم: ومنه ما يُوجَد من الطَّلسَمات، كالطابع المنقوش فيه صورة عَقرَب في
وقت كَوْن القمر في العقرب، فيَنفَع إمساكه من لَذْغة العقرب، وکالمشاهَدِ ببعضٍ بلاد
المغرِب ـ وهي سَرَ قُسطة - فإنّها لا يَدخُلها ثُعبان قَطُّ إلّا إن كان بغير إرادته، وقد يجمع
بعضهم بين الأمرَينِ الأخيرين، كالاستعانة بالشَّياطينِ ومُخاطَبة الكواكب فيكون ذلك
أقوى بزَعمِهم، قال أبو بكر الرَّازيُّ في ((الأحكام)) له: كان أهل بابِلَ قوماً صابِئِينَ يَعْبُدُونَ
الكواكب السَّبعة ويُسَمّوَها آلهة، ويَعتَقِدونَ أنَّها الفَعّالة لكلِّ ما في العالَمَ، وعَمِلوا أوثاناً
على أسمائها، ولِكلِّ واحد هَيكَل فيه صَنَمه، يُتَقَرَّب إليه بما يوافقه بزَعمِهم من أدعية
وبَخُور، وهم الذينَ بُعِثَ إليهم إبراهيم عليه السلام، وكانت علومهم أحكام النُّجوم،
ومع ذلك فكان السَّحَرة منهم يستعملونَ سائر وجوه السِّحر ويَنسُبونَها إلى فِعل الكواكب،
لئلا يُبحَث عنها وینگَشِف تمویہهم، انتھی.

٥٩٣
باب ٤٧
كتاب الطب
ثمَّ السِّحر يُطلَق ويُراد به الآلة التي يُسحَر بها، ويُطلَق ويُراد به فِعلُ الساحر، والآلة تارةً
تكون معنى من المعاني فقط، كالرُّقَى والنَّفْث في العُقَد، وتارةً تكون بالمحسوسات، کتصویر
الصّورة على صورة المسحور، وتارةً بجمع الأمرَينِ الحِسّ والمعنَويّ وهو أبلَغ.
واختُلِفَ في السِّحر، فقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقةً له، وهذا اختيار أبي جعفر
الإستِرَاباذيّ من الشافعيَّة وأبي بكر الرَّازيِّ من الحنفيَّة وابن خَزْم الظاهريّ وطائفة، قال
النَّوويّ: والصَّحيح أنَّ له حقيقة، وبه قَطَعَ الجمهورُ وعليه عامّة العلماء، ويدلّ عليه الكتاب
والسُّنّة الصَّحيحة المشهورة، انتهى.
لكن مَحَلّ النِّراعِ هل يقع بالسِّحرِ انقلابُ عَينٍ أو لا؟ فمَن قال: إنَّه تخييل فقط، مَنَعَ
ذلك، ومَن قال: إنَّ له حقيقة، اختَلَفوا: هل له تأثير فقط بحيثُ يُغيِّر المزاج فيكون نوعاً
من الأمراض؟ أو يَنتَهي إلى الإحالة بحيثُ يصير الجمادُ حيواناً مثلاً وعكسه؟ فالذي عليه
الجمهور هو الأوَّل، وذهبت طائفة قليلة إلى الثّاني، فإن كان بالنَّظَرِ إلى القُدرة الإلهيّة فمُسَلَّم،
وإن كان بالنَّظَرِ إلى الواقع فهو مَحَلّ الخِلاف، فإنَّ كثيراً مَّن يَدَّعي ذلك لا يستطيع إقامة
البرهان عليه.
ونَقَلَ الخطَّبيُّ: أنَّ قوماً أنكَروا السِّحر مُطلَقاً، وكأنَّه عَنَى القائلينَ بأنَّه تخييل فقط وإلّا
فهي مُكابَرة، وقال المازَرِيّ: مُمهور العلماء على إثبات السِّحر وأنَّ له حقيقة، ونَفَى بعضهم
حقيقتَه، وأضافَ ما يقع منه إلى خَيالات باطلة، وهو مردود لوُرودِ النََّل بإثبات السِّحر،
ولأنَّ العقل لا يُنكِرِ أنَّ الله قد يَخِرِقُ العادة عند نُطْق الساحر بكلام مُلَفَّق،/ أو ترکیب أجسام، ٢٢٣/١٠
أو مَزج بين قُوَى على ترتيب مخصوص، ونَظِير ذلك ما يقع من حُذّاق الأطباء من مَزْج بعض
العَقاقير ببعضٍ حتَّى يَنقَلِبِ الضّارُّ منها بمُفرَدِه فیصیر بالتَّرکیبِ نافعاً، وقيل: لا يزيد تأثیرُ
السِّحر على ما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] لكون
المقام مقامَ تهويل، فلو جازَ أن يقع به أكثرُ من ذلك لَذكره.
قال المازَرِيّ: والصَّحيح من جهة العقل أنَّه يجوز أن يقع به أكثرُ من ذلك، قال: والآية

٥٩٤
باب ٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
ليست نَصّاً في مَنع الزّيادة ولو قلنا: إنَّها ظاهرة في ذلك. ثمَّ قال: والفرقُ بين السِّحر
والمعجزة والكرامة: أنَّ السِّحر يكون بمُعاناة أقوال وأفعال حتَّى يَتِمَّ للساحرِ ما يريد،
والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، بل إنَّما تقع غالباً اتِّفاقاً، وأمَّا المعجزة فتمتاز عن الكرامة
بالتحدِّي. ونَقَلَ إمام الحرمين الإجماعَ على أنَّ السِّحر لا يظهر إلّا من فاسق، وأنَّ الكرامة
لا تظهر على فاسق، ونَقَلَ النَّوويّ في زيادات ((الرَّوضة)) عن المتولِّ نحوَ ذلك. وينبغي أن
يُعتبَرَ بحال مَن يقع الخارقُ منه، فإن كان مُتَمسِّكاً بالشَريعة مُتَجِنِّاً للمُوبِقات، فالذي
يظهر على يده من الخوارق كرامةٌ، وإلّا فهو سحر، لأنَّه يَنشَأ عن أحد أنواعه كإعانةٍ
الشَّياطين.
وقال القُرطُبيّ: السِّحر حِيَلٌ صِناعيَّة يُتوصَّل إليها بالاكتِساب، غير أنَّهَا لِدِقَّتِها لا
يَتوصَّل إليها إلّا آحادُ الناس، وماذَته الوقوفُ على خَواصّ الأشياء والعلم بوجوه تركيبها
وأوقاته، وأكثرها تخييلاتٌ بغير حقيقة، وإبهامات بغير ثُبُوت، فيَعظُم عند مَن لا يَعرِف ذلك،
كما قال الله تعالى عن سَحَرة فِرْ عَون: ﴿وَجَُو بِسِخْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، مع أنَّ حِبالهم
وعِصيَّهم لم تَخْرُج عن كَونها حِبالاً وعِصيّاً. ثمَّ قال: والحقّ أنَّ لبعضِ أصناف السِّحر تأثيراً
في القلوب، كالحُبِّ والبُغض وإلقاء الخير والشّ، وفي الأبدان بالألم والسَّقَم، وإنَّما المنكَر
أنَّ الجَمَاد يَنقَلِب حيواناً أو عكسُه بسحرِ الساحر أو نحو ذلك.
قوله: ((وقولِ الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ﴾ الآيَةَ))
كذا للأكثر، وساقَ في رواية كَرِيمة إلى قوله: ﴿مِنْ خَلَقٍ﴾. وفي هذه الآية بيانُ أصل السِّحر
الذي يعمل به اليهود، ثمَّ هو ممَّا وَضَعَته الشَّياطين على سليمان بن داود عليه السلام، وممّا
أُنزِلَ على هاروتَ وماروتَ بأرضٍ بابِلَ، والثّاني مُتَقَدِّم العهد على الأوَّل، لأنَّ قصَّة هاروت
وماروت كانت من قبل زمن نوح عليه السلام على ما ذكر ابنُ إسحاق وغيره، وكان السِّحر
موجوداً في زمن نوح إذا أخبر الله عن قوم نوح أنَّهم زَعَموا أنَّه ساحر، وكان السِّحرُ أيضاً
فاشياً في قوم فرعون، وكلّ ذلك قبل سلیمان.

٥٩٥
باب ٤٧
كتاب الطب
واختُلِفَ في المراد بالآية، فقيل: إنَّ سليمان كان جَمَعَ كتبَ السِّحر والكَهَانة فدَفَنَها
تحت كُرسيّه، فلم يكن أحد من الشَّياطين يستطيع أن يَدنُوَ من الكُرسيّ، فلمَّا ماتَ سليمان
وذهبَتِ العلماء الذينَ يَعرِفونَ الأمر، جاءهم شيطان في صورة إنسان، فقال لليهودِ: هل
أدُلّكم على كَتْز لا نظيرَ له؟ قالوا: نعم، قال: فاحفِروا تحت الكُرسِيّ، فحَفَروا - وهو مُتَنَحٌّ
عنهم - فوَجَدوا تلك الكتب، فقال لهم: إنَّ سليمان كان يَضِبِط الإنسَ والجِنَّ بهذا، ففَشَا
فيهم أنَّ سليمان كان ساحراً، فلمَّا نزلَ القرآن بذِكْر سليمان في الأنبياء أنكَرَتِ اليهود ذلك،
وقالوا: إنَّما كان ساحراً، فنزلت هذه الآية، أخرجه الطَّبَرِيُّ وغيره عن السُّدِّيّ، ومن طريق
سعيد بن جُبَير بسندٍ صحيح نحوه، ومن طريق عمران بن الحارث عن ابن عبّاس
موصولاً بمعناه، وأخرج من طريق الرَّبيع بن أنس نحوه ولكن قال: إنَّ الشَّياطين هي
التي كتبت كتبَ السِّحر ودَفَتَتها تحت كُرسيّه، ثمَّ لمَّا ماتَ سليمان استَخرَجَته، وقالوا: هذا
العلم الذي كان سليمان يَكتُمه الناسَ، وأخرجه من طريق محمَّد بن إسحاق، وزاد: أنَّهم
نَقَشوا خاتماً على نَفْش خاتم سليمان وخَتَموا به الكتاب وكَتَبوا به الكتاب، وكَتَبوا عُنوانَه:
((هذا ما كَتَبَ آصَفُ بن برخياء الصِّدّيق للمَلِكِ سليمان بن داود من ذخائر كُنوز العلم)»
ثُمَّ دَفَنوه، فذكر نحو ما تقدَّمَ.
وأخرج من طريق العَوْفيّ عن ابن عبّاس نحو ما تقدَّم عن السُّدِّيّ، ولكن/ قال: إنَّهم ٢٢٤/١٠
لمَّا وَجَدوا الكتب قالوا: هذا ممَّا أَنزَلَ الله على سليمان فأخفاه مِنّا، وأخرج بسندٍ صحيح
عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: انطَلَقَتِ الشَّياطين في الأيام التي ابتُليَ فيها
سليمان، فكتبت كُُباً فيها سحرٌ وكفر، ثمَّ دَفَتَها تحت كُرسيّه، ثمَّ أخرجوها بعده فقرؤوها
على الناس.
ومُلخَّص ما ذُكِرَ في تفسير هذه الآية: أنَّ المحكيّ عنهم أنَّهم اتَّبَعوا ما تَتْلُو الشَّياطين هم
أهل الكتاب، إذ تقدَّم قبل ذلك في الآيات إيضاحُ ذلك، والجملة معطوفة على مجموع الجُمل
السابقة من قوله تعالى: ﴿ وَلَمَا جَآءَ هُمْ رَسُولٌ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ١٠١].

٥٩٦
باب ٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
و((ما)) في قوله: ﴿مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] موصولة على الصَّواب، وغَلِطَ مَن
قال: إنَّها نافية، لأنَّ نَظْم الكلام يأباه، و(تَتَلُو)) لفظه مُضارع، لكن هو واقعٌ مَوقِعَ الماضي
وهو استعمالٌ شائع، ومعنى ((تَتْلُو)): تَتَقَوَّل، ولذلك عَدّاه بعَلَى، وقيل: معناه: تَتَبَع، أو
تقرأ، ويحتاج إلى تقدیر، قيل: هو: تقرأ على زمان مُلْك سلیمان.
وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾ ((ما)) نافيةٌ جَزماً.
وقوله: ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ﴾ هذه الواو عاطفة لجملة الاستدراك على ما
قبلها.
وقوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ اَلسّحْرَ﴾ ((الناس)) مفعولٌ أوَّل و((السِّحر)) مفعول ثانٍ،
والجملة حال من فاعل (كفروا)) أي: كفروا مُعلِّمينَ، وقيل: هي بدلٌ من ((كفروا))، وقيل:
استئنافيَّة، وهذا على إعادة ضمير ((يعلِّمونَ)) على الشَّياطين، ويحتمل عَوْده على الذينَ
أَتَّبَعوا، فيكون حالاً من فاعل ((اتَّبَعوا)) أو استئنافاً.
وقوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ﴾ ((ما)) موصولة ومحلُّها النَّصب عطفاً على ((السِّحر))، والنَّقدير: يُعلِّمونَ
الناسَ السِّحرَ والمُنزَلَ على الملَكَين، وقيل: الجرّ عطفاً على ((مُلْك سليمان))، أي: تَقَوُّلاً على
مُلك سليمان، وعلى ما أُنزِلَ، وقيل: بل هي نافية عطفاً على ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾، والمعنى:
ولم يَنزِل على الملَكَينِ إباحةُ السِّحر. وهذان الإعرابان يَنْبَنِيانِ على ما جاء في تفسير الآية عن
البعض، والجمهورُ على خِلَافه وأنَّها موصولة، ورَدَّ الزَّجاج على الأخفَش دَعْواه أنَّها نافية،
وقال: الذي جاء في الحديث والتَّفسير أولى.
وقوله: ﴿يَبَابِلَ﴾ مُتعلِّق بـ((ما أُنزِلَ)) أي: في بابِل، والجمهور على فتح لام ((الملَکَین)»،
وقُرِئَ بكسرها(١)، و((هاروتَ وماروتَ)) بَدَلٌ من ((الملَكَينِ)) وجُرَّا بالفتحة، أو عطفُ بيانٍ،
وقيل: بل هما بَدَل من ((الناسَ)) وهو بعيد، وقيل: من ((الشَّياطين)) على أنَّ هاروت وماروت
اسمان لقبیلتینِ من الجِنّ، وهو ضعيف.
(١) وهي قراءة شاذَّة، وقد ردَّها الطبريُّ رحمه الله وخطَّأها في «تفسيره)) ١/ ٤٥٩.

٥٩٧
باب ٤٧
كتاب الطب
وقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ بالتَّشديدِ من التَّعليمِ، وقُرِئَ في الشّاذِّ بسكونِ العين من
الإعلام بناءً على أنَّ التَّضعيف يَتَعاقَب مع الهمزة، وذلك أنَّ المَكَينِ لا يُعلِّمان الناس
السِّحر، بل يُعْلِمانهم به ويَنهَيانهم عنه، والأوَّل أشهرُ، وقد قال عليٌّ: الملَكان يُعلِمان تعلیمَ
إنذار لا تعليمَ طلب.
وقد استُدِلَّ بهذه الآية على أنَّ السِّحر كفرٌ ومُتعلِّمه كافر، وهو واضح في بعض أنواعه
التي قَدَّمتُها: وهو التَّعْبُّد للشَّياطينِ أو للكَواكِب، وأمَّا النَّوع الآخر الذي هو من باب
الشَّعْوذة، فلا يَكفُر به مَن تَعلَّمَه أصلاً.
قال النَّوويّ: عَمَلُ السِّحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عَدَّه النبيُّ ◌َلّ من
السَّبع المُوبِقات، ومنه ما يكون كفراً، ومنه ما لا يكون كفراً بل معصيةً كبيرة، فإن كان
فيه قول أو فعل يقتضي الكفرَ فهو كفر وإلّا فلا، وأمَّا تَعلُّمُه وتعلیمُه فحرام، فإن كان فيه
ما يقتضي الكفرَ كفرَ واستُتيبَ منه ولا يُقتَل، فإن تابَ قُبِلَت توبتُه، وإن لم يكن فيه ما
يقتضي الكفرَ عُزِّرَ، وعن مالك: الساحر كافر يُقتَل بالسِّحر، ولا يُستَتَاب بل يَتَحَتَّم قتلُه
كالزِّندِيقِ، قال عِيَاض: وبقولِ مالك قال أحمدُ وجماعةٌ من الصحابة والتابعينَ، انتهى.
وفي المسألة اختلافٌ كثير وتفاصيل ليس هذا موضعَ بَسطِها.
وقد أجازَ بعض العلماء تَعلَّمَ السِّحر لأحدٍ أمرَينٍ: إمّا لتمييزِ ما فيه كفرٌ من غيره، وإمّا
لإزالتِهِ عَمَّن وَقَعَ فيه، فأمَّا الأوَّل فلا محذورَ فيه إلّا من جهة الاعتقادُ، فإذا سَلِمَ الاعتقاد
فمعرفة الشَّيء بمُجرَّدِه لا تَستَلِزِم مَنعاً، كمَن يَعرِفُ كيفيَّة عبادة أهل الأوثان للأوثان،
لأنَّ كيفيَّة ما يعمله الساحر إنَّما هي حكايةُ/ قولٍ أو فعل، بخلاف تعاطيه والعمل به، وأمَّا ٢٢٥/١٠
الثّاني فإن كان لا يَتِمُّ - كما زَعَمَ بعضهم - إلّا بنوعٍ من أنواع الكفر أو الفِسْق، فلا يَحِلُّ
أصلاً، وإلّا جازَ للمعنى المذكور، وسيأتي مزيدٌ لذلك في ((باب هل يُستَخرَج السِّحر)) قريباً(١)،
والله أعلم. وهذا فصلُ الخِطاب في هذه المسألة.
(١) باب رقم (٤٩).

٥٩٨
باب ٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
وفي إيراد المصنِّف هذه الآيةَ إشارةٌ إلى اختيار الحُكم بكفرِ الساحر، لقولِه فيها: ﴿وَمَا
كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ﴾ فإنَّ ظاهرها أنَهم
كفروا بذلك، ولا يُكفَر بتعليمِ الشَّيء إلّ وذلك الشَّيء كفرٌ، وكذا قوله في الآية على لسان
الملَكَينِ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، فإنَّ فيه إشارة إلى أنَّ تَعلُّم السِّحر كفرٌ فيكون
العملُ به كفراً، وهذا كلُّه واضحٌ على ما قَرَّرتُه من العَمَل ببعضِ أنواعه. وقد زَعَمَ
بعضهم أنَّ السِّحر لا يَصِحّ إلّا بذلك، وعلى هذا فتسمية ما عَدَا ذلك سِحراً مجاز، كإطلاق
السِّحر على القول البليغ، وقصَّة هاروت وماروت جاءت بسندٍ حسن من حديث ابن
عمر في ((مُسنَد أحمد)) (٦١٧٨)، وأطنَبَ الطَّبَرِيُّ (٤٥٦/١) في إيراد طرقها بحيثُ يُقضَى
بمجموعِها على أنَّ للقصَّة أصلاً، خِلَافاً لمن زَعَمَ بُطْلانها كعِيَاضٍ ومَن تَبِعَهُ (١)، ومُحُصَّلها:
أنَّ الله رَّبَ الشَّهوة في مَلَكَينٍ من الملائكة اختباراً لهما وأمَرَهما أن يَحُما في الأرض، فنزلا
على صورة البشر وحَكَمًا بالعَدلِ مُدّة، ثمَّ افتُتِنا بامرأةٍ جميلة فعُوقِبا بسببٍ ذلك بأن حُبِسا
في بئر ببابلَ مُنَكَّسَين، وابتُلِيا بالنُّطْقِ بعِلم السِّحر، فصارَ يَقصِدُهما مَن يَطلُب ذلك ليتعلَّم
منهما ذلك، وهما قد عَرَفا ذلك، فلا يَنطِقان بحضرة أحد حتَّى يُحذِّراه ويَنِهَيَاهِ، فإذا أصَرَّ
تَكلَّما بذلك فيتعلَّم منهما ما قَصَّ الله عنهما، والله أعلم.
قوله: ((وقولِه تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَ﴾)) في الآية نفيُ الفَلَاحِ عن الساحر،
وليست فيه دلالةٌ على كُفْر الساحر مُطلَقاً، وإن كَثُرَ في القرآن إثباتُ الفلاح للمؤمن ونفيُه
عن الكافر، لكن ليس فيه ما يَنفي نفيَ الفلاح عن الفاسق وكذا العاصي.
قوله: ((وقوله: ﴿أَفَأْتُونَ السّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾)) هذا يُخَاطِب به كَفَّارُ قُرَیش
يَستَبَعِدونَ كونَ محمَّد ◌َّ رسولاً من الله لكَونِهِ بَشَراً من البشر، فقال قائلهم مُنكِراً على مَن
أَتَّبَعَه: أفتأتونَ السِّحرَ؟ أي: أفَشَِّعونَه حتَّى تصيروا كمَن اتَّبَعَ السِّحر وهو يعلم أنَّه سحرٌ؟
(١) وهو الصواب، فإنه لم يصحَّ فيها إسناد إلى النبي ◌َّله فتقومَ به الحجّة، بل هي أخبارٌ مقاطيع ونقلٌ عن
أهل الكتاب، وقد تساهل الحافظ رحمه الله بتحسين سند حديث ابن عمر، بل الراجح تضعيفه وتعليله
على ما هو مبيَّن في التعليق عليه في ((مسند أحمد)) (٦١٧٨).

٥٩٩
باب ٤٧
كتاب الطب
قوله: «وقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾﴾» هذه الآية عُمْدة مَن زَعَمَ أنَّ السِّحر
إنَّما هو تخييل، ولا حُجّة له بها، لأنَّ هذه ورَدَت في قصّة سحرة فرعون، وكان سِحرُهم
كذلك، ولا يَلزَم منه أنَّ جميع أنواع السِّحر تخبيل، قال أبو بكر الرَّازيُّ في ((الأحكام)»:
أخبر الله تعالى أنَّ الذي ظنّه موسى من أنَّها تَسعَى لم يكن سَعْياً، وإنَّما كان تخييلاً، وذلك
أنَّ عِصیّهم کانت مجُوَّفة قد مُلِئَت زِئبقاً، وكذلك الحِبال كانت من أدم محشوّة زِئبقاً، وقد
حَفَروا قبل ذلك أسراباً وجَعَلوا لها آزاجاً(١) ومَلَؤوها ناراً، فلمَّا طُرِحَت على ذلك
الموضع وخَِيَ الزِّئبَق حَرَّكَها، لأنَّ من شأن الزِّئبَق إذا أصابته النار أن يطير، فلمَّا أثقَلَته
كثافةُ الحبال والعِصِيّ صارت تَتَحرَّك بحَرَكتِهِ، فظنَّ مَن رآها أنَّها تَسعَى، ولم تكن تَسعَى
حقيقةً.
قوله: (﴿ وَمِن شَرِّ النَّفَّئَتِ فِى الْعُقَدِ﴾، والنَّفّاثات: السَّواحر)) هو تفسير الحسن
البصريّ أخرجه الطَّبَريُّ بسندٍ صحيح، وذكره أبو عُبيدة أيضاً في ((المجاز))، قال: النَّفّاثات:
السَّواحر يَنفُثنَ. وأخرج الطَّبَرُّ أيضاً عن جماعة من الصحابة وغيرهم: أنَّه النَّث في
الرُّقْية، وقد تقدَّم البحث في ذلك في ((باب الرُّقية))(٢).
وقد وَقَعَ في حديث ابن عبّاس فيما أخرجه البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٢٤٨/٦) بسندٍ
ضعيف في آخر قصَّة السِّحر الذي سُحِرَ به النبيّ ◌َّهِ: أنَّهم وَجَدوا وَتَراً فيه إحدى عشرة
عُقدة، وأُنزِلَت سورة الفَلَق والناس، وجَعَلَ كلَّما قرأ آية انحَلَّت عُقدة، وأخرجه ابن سعد
(١٩٨/٢- ١٩٩) بسندٍ آخر مُنقَطِع عن ابن عبّاس: أنَّ عليّاً وعَّاراً لمَّا بَعَثَهما النبيُّ وَهُ
لاستخراجِ السِّحر، وَجَدَا طَلْعة فيها إحدى عشرة عُقدة، فذكر نحوه.
قوله: (﴿ُسْحَرُونَ﴾: تُعَمَّوْنَ)) بضمٍّ أوَّله وفتح المهمَلة وتشديد الميم المفتوحة، وضُبِطَ
أيضاً بسكونِ العين، قال / أبو عبيدة في كتاب ((المجاز)) في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ ٢٢٦/١٠
فَأَى تُسْحَرُونَ﴾: أي: كيف تُعَمَّونَ عن هذا وتَصُدّونَ عنه؟ قال: ونُراه من قوله: سُحِرَت
(١) الأسراب: جمع سَرَبٍ، وهو النفق في الأرض، والآزاج: جمع أَزَجِ، وهو البناءُ فوق ذلك النفق.
(٢) باب رقم (٣٩).

٦٠٠
باب ٤٧ / ح ٥٧٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
أعينُنا عنه فلم نُبصِره، وأخرج ... (١) في قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: تُحُدَعونَ أو تُصرَفونَ
عن التَّوحيد والطاعة. قلت: وفي هذه الآية إشارة إلى الصِّنف الأوَّل من السِّحر الذي
قَدَّمتُه، وقال ابن عَطيَّة: السِّحر هنا مُستَعار لمَا وَقَعَ منهم من التَّخليط ووَضْعِ الشَّيء في
غير موضعه كما يقع من المسحور، والله أعلم.
٥٧٦٣- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا عيسى بنُ يونُسَ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن
عائشةَ رضي الله عنها، قالت: سَحَرَ رسولَ الله وَلِّ رجلٌ من بني زُرَيِقِ، يقال له: لَبِيدُ بنُ
الأعصَمِ، حتَّى كان رسولُ اللهَوَّه ◌ُيَّلُ إليه أنَّه يَفْعَلُ الشَّيءَ وما فَعَلَه، حتَّى إذا كان ذاتَ يومٍ
- أو ذاتَ ليلةٍ - وهو عندي لكنَّ دَعَا ودَعَا، ثمّ قال: ((يا عائشةُ، أشَعَرْتِ أنَّ اللهَ أَفتاني فيما
اسْتَفْتَيْتُهُ فيه؟ أتاني رجلانٍ، فقَعَدَ أحدُهما عندَ رأسي والآخَرُ عندَ رِجْلِيَّ، فقال أحدُهما
لصاحبِهِ: ما وَجَعُ الرجلِ؟ فقال: مَطْبوبٌ، قال: مَن طَبَّه؟ قال: لَبِيدُ بنُ الأعصَمِ، قال: في أيِّ
شيءٍ؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطٍ، وجُفِّ طَلْعِ نَخْلةٍ ذَكَرٍ، قال: وأينَ هو؟ قال: في بثْرِ ذَرْوانَ))
فأتاها رسولُ اللهِ وَله في ناسٍ من أصحابه، فجاء فقال: ((يا عائشةُ، كأنَّ ماءَها نُقَاعةُ الحِنّاءِ،
وكأنَّ رؤوسَ نَخْلِها رؤوسُ الشَّياطينِ)) قلتُ: يا رسولَ الله، أفَلا أستَخْرِ جُه؟ قال: ((قد عافاني اللهُ،
وكَرِهتُ أن أُثِيرَ على الناسِ فيه شَرّا))، فأُمَرَ بها فِدُفِنَتْ.
تَابَعَه أبو أُسامةَ وأبو ضَمْرةَ وابنُ أبي الزنادِ، عن هشامٍ.
وقال اللَّثُ وابنُ عُبَينَةَ، عن هشامٍ: ((في مُشْطٍ ومُشَاقةٍ)).
ويقال: المُشَاطةُ: ما يَخْرُجُ منَ الشَّعَرِ إذا مُشِطَ، والمُشَاقةُ: من مُشاقةِ الكَتَانِ.
قوله: ((حدَّثنا إبراهيم بن موسى)) هو الرَّازيّ، وفي رواية أبي ذرٍّ: ((حدَّثني)) بالإفراد،
وهشام: هو ابن عُرْوة بن الزُّبَيرِ.
قوله: ((عن أبيه)) وَقَعَ في رواية يحيى القَطّان عن هشام: حدَّثني أَبي، وقد تقدَّمَت في الجِزية
(٣١٧٥)، وسيأتي في رواية ابن عُيَينةَ (٥٧٦٥) عن ابن جُرَيج: حدَّثني آل عُرْوة، ووَقَعَ في
(١) بياض بالأصل.