النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ باب ٣٢ / ح ٥٧٣٥ كتاب الطب فسألتُ الزُّهْريَّ: كيفَ يَنِفِث؟ قال: كان يَنْفِثُ على يَدَیه، ثمَّ يَمْسَحُ بهما وجهَه. قوله: ((باب الرُّقَى)) بضمِّ الرَّاء وبالقاف مقصور: جمع رُقْية بسكونِ القاف، يقال: رَقَی بالفتح في الماضي، يَرقِي بالكسر في المستَقبَل، ورَقِيتُ فلاناً بكسر القاف أَرقِيه، واستَرقَى: طلبَ الرُّقية، والجمع بغير همز، وهو بمعنى التَّعويذ، بالذّال المعجَمة. قوله: ((بالقرآنِ والمعوِّذات)) هو من عطف الخاصّ على العامّ، لأنَّ المراد بالمعوِّذات سورة الفَلَق والناس والإخلاص كما تقدَّم في أواخر التَّفسیر (٥٠١٦)، فیکون من باب التَّغليب، أو المراد الفَلَق والناس وكلّ ما وَرَدَ من التَّعويذ في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، ﴿فَاسْتَعِذْ بِلَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وغير ذلك، والأوَّل أولى، فقد أخرج أحمد (٣٦٠٥) وأبو داود (٤٢٢٢) والنَّسائيُّ (١٤١/٨)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٦٨٢) والحاكم (١٩٥/٤) من رواية عبد الرَّحمن بن حَرمَلة عن ابن مسعود: أنَّ النبيَّ وَّ كان يكره عشر خِصَال؛ فذَكَر فيها الرُّقَى إلّا بالمعوِّذات، وعبد الرَّحمن بن حَرمَلة، قال البخاريّ: لا يَصِحّ حديثه، وقال الطَّبَرِيُّ: لا يُحتَجّ بهذا الخبر لجَهالة راويه، وعلى تقدير صِحَّته فهو منسوخ بالإذنِ في الرُّقية بفاتحة الكتاب، وأشارَ المهلَّب إلى الجواب عن ذلك بأنَّ في الفاتحة معنى الاستعاذة، وهو الاستعانة، فعلى هذا يَخْتَصّ الجوازُ بما يَشتَمِل على هذا المعنى، وقد أخرج التِّرمِذيّ (٢٠٥٨) وحَسَّنَه والنَّسائيُّ (٥٤٩٤) من حديث أبي سعيد: كان رسول الله وَ ليهِ يَتَعَوَّذ من الجانٌّ وعينِ الإنسان حتَّى نزلتِ المعوِّذاتُ، فأخَذَ بها وتَرَكَ ما سواها، وهذا لا يدلّ على المنع من التَّعَوُّذ بغير هاتَينِ السّورتَين، بل يدلّ على الأولَويَّةِ، ولا سيّما مع تُبُوت التَّعَوُّذ بغيرهما، وإنَّما اجْتَزَأ بهما لمَا اشْتَمَلَتا عليه من جَوَامع الاستعاذة من كلّ مكروه جملة وتفصيلاً. وقد أجمَعَ العلماءُ على جواز الرُّقَى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وبالِّسان العربيّ أو بما يُعرَف معناه من غيره، وأن يَعتَقِد أنَّ الرُّقية لا تُؤْثِّر بذاتها بل بتقدير (١) الله تعالى. واختَلَفوا في كَوْنها شرطاً، والرَّاجح أنَّه لا بدَّ من اعتبار (١) في (س): بذات، والمثبت من الأصلين أوجهُ. ٥٤٢ باب ٣٢ / ح ٥٧٣٥ فتح الباري بشرح البخاري الشُّروط المذكورة، ففي ((صحيح مسلم)) (٢٢٠٠) من حديث عَوْف بن مالك قال: كنَّا نَرقي في الجاهليّة، فقلنا: يا رسول الله، كيف تَرَى في ذلك؟ فقال: ((اعِرِضُوا عليَّ رُقاكُم، لا بأس بالرُّقَى ما لم يكن فيه شِرك))، وله (٢١٩٩) من حديث جابر: نَهَى رسول الله وَله عن الرُّقَى، فجاء آلُ عَمْرو بن حَزْم فقالوا: يا رسول الله، إنَّه كانت عندنا رُقْية نَرقي بها من العَقرَب، قال: فَعَرَضُوا عليه، فقال: ((ما أَرَى بأساً، مَن استَطاعَ أن يَنفَع أخاه فليَنفَعه)). وقد تَمَسَّكَ قوم بهذا العُموم فأجازوا كلّ رُقْية جُرِّبَت مَنفَعتُها ولو لم يُعقَل معناها، لكن دَلَّ حديث عوف أنَّه مهما كان من الرُّقَى يُؤَدّي إلى الشِّرك يُمنَع، وما لا يُعقَل معناه لا يُؤمَن أن ١٩٦/١٠ يُؤَدّي إلى الشِّرك فيَمتَنِعِ احتياطاً، والشَّرط الآخِرُ لا/ بدَّ منه. وقال قوم: لا تجوز الرُّقية إلّا من العين واللَّدغة كما تقدَّم في ((باب مَن اكتَوى)) (٥٧٠٥) من حديث عِمران بن حُصَينٍ: ((لا رُقية إلّا من عين أو حُمَة)). وأُجيبَ بأنَّ معنى الخَصْر فيه أنَّهما أصلُ كلّ ما يحتاج إلى الرُّقية، فَلْتَحِق بالعين جوازُ رُقية مَن به خَبَل أو مَسُّ ونحو ذلك، لاشتراكها في كونها تَنشَأ عن أحوال شيطانيَّة من إنسيّ أو جِنِّيّ، ويَلتَحِقِ بِالسَّمِّ كلّ ما عَرَضَ للبَدَنِ من قَرْح ونحوه من الموادّ السُّمّيَّة. وقد وَقَعَ عند أبي داود (٣٨٨٩) في حديث أنس مِثل حديث عِمران، وزاد: ((أو دَم))، وفي مسلم (٢١٩٦) من طريق يوسف ابن عبد الله بن الحارث عن أنس قال: رَخَّصَ رسول الله وَّهِ في الرُّقَى من العين والحُمَة والنَّملة، وفي حديث آخر: والأُذُن، ولأبي داود (٣٨٨٧) من حديث الشِّفاء بنت عبد الله: أنَّ النبيَّ ◌َّه قال لها: ((ألا تُعلِّمينَ هذه - يعني حَفْصة - رُقية النَّملة))، والنَّملة: قُروح تَخرُج في الجنب وغيره من الجسد، وقيل: المراد بالخَصرِ معنى الأفضل، أي: لا رُقية أنفَعُ، كما قيل: لا سيفَ إلّا ذو الفَقَار. وقال قوم: المنهيّ عنه من الرُّقَى ما يكون قبلَ وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابنُ عبد البَرِّ والبيهقيُّ وغيرهما، وفيه نظر، وكأنَّه مأخوذ من الخبر الذي قُرِنَت فيه التَّائم بالرُّقَى، فأخرج أبو داود (٣٨٨٣) وابن ماجَهْ (٣٥٣٠) وصَحَّحَه الحاكم (٢١٦/٤ -٢١٧) من طريق ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عنها عن ابن مسعود رَفَعَه: ((إِنَّ ٥٤٣ باب ٣٢ / ح ٥٧٣٥ كتاب الطب الرُّقَى والتَّائم والتِّوَلَةَ شِرك)) وفي الحديث قصَّة، والتَّائم جمع تَميمة: وهي خَرَز أو قِلادة تُعلَّق في الرَّأس، كانوا في الجاهليَّة يَعتَقِدونَ أنَّ ذلك يَدفَع الآفات، والتِّوَلة بكسر المثنّة وفتح الواو واللّام مُفَّفاً: شيء كانت المرأة تَجلِب به مَحَّة زوجها، وهو ضربٌ من السِّحر، وإنَّما كان ذلك من الشِّرك لأنَّهم أرادوا دفع المضارِّ وجَلْب المنافع من عند غير الله، ولا يَدخُل في ذلك ما كان بأسماءِ الله وكلامه، فقد ثَبَتَ في الأحاديث استعمالُ ذلك قبل وقوعه كما سيأتي قريباً في ((باب المرأة تَرقي الرجل)) من حديث عائشة: أنَّه وَِّ كان إذا أَوَى إلى فِراشه يَنْفِث بالمعوِّذات ويَمسَح بهما وجهه ... الحديث(١)، ومَضَى في أحاديث الأنبياء (٣٣٧١) حديث ابن عبّاس: أنَّه ◌َ لّه كان يُعوِّذ الحسن والحسين بكلمات الله التامّة، من كلّ شيطان وهامّة ... الحديث، وصَحَّحَ التِّرمِذيّ (٣٤٣٧) من حديث خولة بنت حَكِيم مرفوعاً: ((مَن نزلَ مَنزِلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامّات من شَرِّ ما خَلَقَ، لم يَضُرَّه شيء حتَّى يَتَحوَّل))(٢)، وعند أبي داود (٣٨٩٨)، والنَّسائيّ (ك١٠٣٥٤) بسندٍ صحيح عن سُهَيل ابن أبي صالح عن أبيه عن رجل من أسلَمَ: جاء رجل فقال: لُدِغتُ اللَّيلةَ فلم أنَمْ، فقال له النبيّ وَّه: ((لو قلتَ حين أمسَيت: أعوذُ بكلمات الله التامّات من شَرّ ما خَلَقَ، لم تضرَّك))، والأحاديث في هذا المعنى موجودة، لكن يحتمل أن يقال: إنَّ الرُّقَى أخصُّ من التَّعَوُّذ، وإلّا فالخِلاف في الرُّقَى مشهور، ولا خلاف في مشروعيَّة الفَزَع إلى الله تعالى والالتِجاء إليه في كلّ ما وَقَعَ وما يُتوقَّع. وقال ابن التِّين: الرُّقَى بالمعوِّذات وغيرها من أسماء الله هو الطِّبّ الرّوحانيّ، إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حَصَلَ الشِّفاء بإذنِ الله تعالى، فلمَّا عَزَّ هذا النَّوَعُ فَزِعَ الناس إلى (١) هذا اللفظ هو للحديث (٥٧٤٨)، وأورده البخاري في باب (٣٩): (( النفث في الرقية))، وأما الحديث الذي أشار إليه الحافظ في باب (٤١): ((المرأة ترقي الرجل)) فلفظه: كان ينفثُ على نفسه في مرضه الذي قُبض فيه بالمعوذات ... إلى آخره، ورقمه (٥٧٥١)، فبعض العلماء جعل الحديثين واحداً، والصواب أنهما حديثان كما فعل خلف الواسطي والمزي في ((الأطراف))، وانظر لهذا كلام الحافظ على الحديثين (٥٠١٦) و(٥٠١٧). (٢) وهو في «صحيح مسلم» (٢٧٠٨). ٥٤٤ باب ٣٢ / ح ٥٧٣٥ فتح الباري بشرح البخاري الطِّبّ الجسمانيّ. وتلك الُّقَى المنهيّ عنها التي يَستَعمِلها المعَزِّم وغيره ◌َمَّن يَدَّعي تسخيرَ الجِنّ له، فيأتي بأمورٍ مُشتَبِهِة مُركَّبة من حَقِّ وباطل يجمع إلى ذِكْر الله وأسمائه ما يَشُوبه من ذِكْرِ الشَّياطين والاستعانة بهم والتَّعَوُّذ بمَرَدَتِهِم، ويقال: إنَّ الحيّة لعَداوتها للإنسان بالطّبع، تُصادِقِ الشَّياطين لكَونِم أعداءَ بني آدم، فإذا عَزَّمَ على الحيّة بأسماءِ الشَّياطين أجابَت وخَرَجَت من مكانها، وكذا اللَّديغ إذا رُقِيَ بتلك الأسماء سالت سُمومُها من بَدَن الإنسان، فلذلك كُرِهَ من الرُّقَى ما لم يكن بذِكْر الله وأسمائه خاصّة، وباللِّسان العربيّ الذي يُعرَف معناه ليكونَ بَريئاً من شَوْب(١) الشِّرك، وعلى كراهة الرُّقَى بغير كتاب الله علماءُ الأمة. وقال القُرطُبيّ: الرُّقَى ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان يُرقَى به في الجاهليّة ممَّا لا يُعقَل ١٩٧/١٠ معناه، فيجب اجتنابُه لئلّا/ يكون فيه شِركٌ أو يُؤَدّي إلى الشّرك، الثّاني: ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثوراً فيُستَحَبّ، الثّالث: ما كان بأسماءِ غير الله من مَلَك أو صالح أو مُعَظّم من المخلوقات كالعَرْش، قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابُه، ولا من المشروع الذي يَتَضَمَّن الالتِجاءَ إلى الله والتبرُّك بأسمائه، فيكون تَركُه أَولِى (٢)، إلّا أن يَتَضَمَّن تعظيمَ المرقي به فينبغي أن يُحِتَنَب كالخَلِفِ بغير الله تعالى. قلت: ويأتي بَسطُ ذلك في كتاب الأيمان (٦٦٤٦) إن شاء الله تعالى. وقال الرَّبيع: سألت الشافعيّ عن الرُّقية، فقال: لا بأس أن يرقيَ بكتابِ الله وما يُعرَف من ذِكْر الله، قلت: أيُرقي أهلُ الكتاب المسلمينَ؟ قال: نعم أذا رَقُوا بما يُعرَف من كتاب الله وبذِكْر الله. انتهى، وفي («الموطَّأ)) (٢/ ٩٤٣): أنَّ أبا بكر قال لليهوديَّة التي كانت تَرقي عائشة: (١) لفظة: ((شوب» من (ع) وحدها. (٢) بل تركه واجبٌ، وهذا الكلام يُستغرَب صدورُه من مثل أبي العباس القرطبي صاحب ((المفهم))، كما يُستغرَب إقرارُ الحافظ له على ذلك، وأين هما - عفا الله عنهما - من قول رسول الله وَ ظله في وصيّته لابن عباس: ((إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعِنْ بالله)) أخرجه أحمد (٢٦٦٩) والترمذي (٢٥١٦) وصحَّحه، وهل الرُّقَى إلّا سؤال واستعانة واستعاذة، ولا يجوز هذا إلّا لله وبالله عزَّ وجلَّ، وهذا هو التوحيد الخالص الذي نَدِينُ اللهَ به. ٥٤٥ باب ٣٢ / ح ٥٧٣٥ كتاب الطب ارقيها بكتاب الله. وروى ابن وهب عن مالك كراهةَ الرُّقية بالحديدة والمِلح وعَقْد الخيط والذي يَكتُب خاتم سليمان، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم. وقال المازَرِيّ: اختُلِفَ في استرقاء أهل الكتاب، فأجازَها قوم وكَرِهَها مالك لئلا يكون ممَّا بَدَّلوه. وأجابَ مَن أجازَ بأنَّ مِثلَ هذا يَبعُد أن يقولوه، وهو كالطُّبِّ سواء كان غيرَ الحاذِق لا يُحسِن أن يقول، والحاذِقِ يأَنَفُ أن يُبدِّل حرصاً على استمرار وصفه بالحِذْقِ لترويج صِناعَته، والحقّ أنَّه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. وسُئلَ ابن عبد السَّلام عن الحروف المقَطَّعة، فمَنَعَ منها ما لا يُعرَف، لئلا يكون فيها كفر. وسيأتي الكلام على مَن مَنع الرُّقَى أصلاً في ((باب مَن لم يَرقِ))(١) بعد خمسة أبواب إن شاء الله تعالى. قوله: ((هشام)) هو ابن يوسف الصَّنعانيّ. قوله: ((كان يَنفِث على نفسِه في المرض الذي ماتَ فيه بالمعوِّذات)) دلالته على المعطوف في التَّرجمة ظاهرة، وفي دلالته على المعطوف عليه نظرٌ، لأنَّه لا يَلزَم من مشروعيَّة الرُّقَى بالمعوِّذات أن يُشرَع بغيرها من القرآن، لاحتمال أن يكون في المعوِّذات سِرّ ليس في غيرها. وقد ذَكَرْنا من حديث أبي سعيد: أنَّه وَلّه تَرَكَ ما عَدَا المعوِّذات، لكن ثَبَتَتِ الزُّقية بفاتحة الكتاب، فدَلَّ على أن لا اختصاص للمُعَوِّذات، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في تعقيب المصنّف هذه التَّرجمةَ ببابِ الرُّقَى بفاتحة الكتاب، وفي الفاتحة من معنى الاستعاذة بالله الاستعانةُ به، فمهما كان فیه استعاذة أو استعانة بالله وحده أو ما يُعطي معنى ذلك، فالاسترقاء به مشروع. ويُجاب عن حديث أبي سعيد بأنَّ المراد أنَّه تَرَكَ ما كان يَتَعَوَّذ به من الكلام غير القرآن، ويحتمل أن يكون المراد بقوله في التَّرجمة: ((الرُّقَى بالقرآن)) بعضَه، فإنَّه اسم جنسٍ يَصدُق على بعضه، والمراد ما كان فيه الْتِجاء إلى الله سبحانه، ومن ذلك المعوِّذات، وقد ثبتت الاستعاذةُ بكلمات الله في عِدّة أحاديث كما مَضَى، قال ابن بَطّال: في المعوِّذات جوامعُ من الدُّعاء، نعم أكثرُ المكروهات من السِّحر والحَسَد وشَرّ الشَّيطان ووَسْوسَته وغير ذلك، (١) باب رقم (٤٢). ٥٤٦ باب ٣٣ / ح ٥٧٣٦ فتح الباري بشرح البخاري فلهذا كان النبيّ ◌َّ يَكتَفي بها. قلت: وسيأتي في ((باب السِّحر)(١) شيء من هذا. وقوله: ((في المرض الذي ماتَ فيه)) ليس قَيداً في ذلك، وإنَّما أشارَت عائشة إلى أنَّ ذلك وَقَعَ في آخر حياته وأنَّ ذلك لم يُنسَخ. قوله: ((أنِثُ عنه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: عليه، وسيأتي بابٌ مُفرَد في النََّث في الرُّقية(٢). قوله: ((وأمسَحُ بَيَدِه نفسَه)) بالنَّصبِ على المفعوليَّة، أي: أمسَحُ جسده بيدِه، وبالكسر على البَدَل، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((بيَدِ نفسِه)) وهو يُؤْيِّد الاحتمال الثّاني. قال عِيَاض: فائدة النَّث التَّبُّك بتلك الرُّطوبة أو الهواء الذي ماسَّه الذِّكرُ، كما يُتَبَرَّك بغُسالة ما يُكتَب من الذِّكر، وقد يكون على سبيل التَّفاؤل بزوال ذلك الألم عن المريض كانفِصال ذلك عن الرَّاقي. انتهى، وليس بين قوله في هذه الرِّواية: ((كان يَنِفِثُ على نفسِه)) وبين الرِّواية الأُخرى(٣): ((كان يأمرني أن أفعَلَ ذلك)) مُعارضة، لأَنَّه محمول على أنَّه في ابتداء المرض كان يفعله بنفسِه، وفي اشتِداده کان یأمرها به وتَفعَلُه هي مِن قِبَل نفسها. قوله: ((فسألتُ الزُّهْريّ) القائل مَعمَر،/ وهو موصول بالإسناد المذكور، وفي الحديث التبرُّكُ بالرجلِ الصالحِ وسائر أعضائه، وخصوصاً اليد اليُمنَى(٤). ١٩٨/١٠ ٣٣- باب الرُّقی بفاتحة الكتاب ويُذكَرُ عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ ◌ََّ. ٥٧٣٦- حذَّثني محمَّدُ بنُ بشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي بِشْرِ، عن أبي المتوكّلِ، عن أبي سعيدِ الخُذريِّ ﴾: أنَّ ناساً من أصحاب النبيِّ وَّ أَتَوْا على حَيٍّ من أحياءِ العربِ، فلم يَقْرُوهم، فبينما هم كذلك إذ لُدِغَ سَيِّدُ أولئكَ، فقالوا: هل مَعَكم من دَواءٍ أو راقٍ؟ فقالوا: (١) باب رقم (٤٧). (٢) باب رقم (٣٩). (٣) وهي الآتية برقم (٥٧٤٨). (٤) قد سلف غيرَ مَرَّةٍ الإشارة إلى أنَّ هذا التبرُّك خاصٌّ بالنبيِّ وَّ لما جعل الله تعالى فيه من البركة، وغيره لا يقاس عليه في ذلك. ٥٤٧ باب ٣٣ / ح ٥٧٣٦ كتاب الطب إِنَّكم لم تَقْرُونا، ولا نَفْعَلُ حتَّى تجعلوا لنا جُعْلاً، فجَعَلوا لهم قَطِيعاً منَ الشّاءِ، فجَعَلَ يَقْرأُ بِأُمّ القرآنِ، ويَجمَعُ بُزاقَهُ وبَعْفِلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْا بالشّاءِ، فقالوا: لا نأخُذُهُ حتَّى نسألَ النبيَّ ◌َِّ، فسألوه فضَحِكَ، وقال: ((وما أدْراكَ أنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذوها، واضْرِبوا لي بسهمٍ). قوله: ((باب الرُّقَى بفاتحة الكتاب، ويُذكَر عن ابن عبّاس عن النبيّ ◌َِّ)) هكذا ذكره بصيغة التَّمريض، وهو يُعكِّرِ على ما تَقرَّرَ بين أهل الحديث أنَّ الذي يُورِده البخاريّ بصيغة التَّمريض لا يكون على شَرْطه، مع أنَّه أخرج حديث ابن عبّاس في الرُّقية بفاتحة الكتاب عَقِبَ هذا الباب، وأجابَ شيخنا في كلامه على علوم الحديث بأنَّه قد يصنع ذلك إذا ذكر الخبر بالمعنى، ولا شَكَّ أنَّ خبر ابن عبّاس ليس فيه التَّصريح عن النبيّ ◌َّ بِالرُّقية بفاتحة الكتاب، وإنَّما فيه تقريرُه على ذلك، فنسبةُ ذلك إليه صريحاً تكون نسبة مَعنَويَّة، وقد عَلَّقَ البخاريّ بعض هذا الحديث بلفظه، فأتى به مجزوماً كما تقدَّم في الإجارة في ((باب ما يُعطَى في الرُّقية بفاتحة الكتاب))(١): وقال ابن عبّاس: إنَّ أحقَّ ما أخذتُم عليه أجراً كتابُ الله. ثُمَّ قال شيخُنا: لعلَّ لابنِ عبَّاس حديثاً آخر صريحاً في الرُّقية بفاتحة الكتاب ليس على شرطه، فلذلك أتى به بصيغة التَّمريض. قلت: ولم يقع لي ذلك بعد التتُّع. ثم ذكر فيه حديث أبي سعيد في قصَّة الذينَ أَتوا على الحيّ فلم يَقرُوهم، فلُدِغَ سَيِّد الحيّ فرَقَاه أبو سعيد بفاتحة الكتاب، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الإجارة (٢٢٧٦) مُستَوفَّى. وقال ابن القَيِّم: إذا ثَبَتَ أنَّ لبعضِ الكلام خَواصَّ ومنافعَ فما الظَّنُّ بكلام رَبّ العالمينَ، ثمَّ بالفاتحة التي لم يَنزِل في القرآن ولا غيره من الكتب مِثْلُها، لتَضَمُّنِها جميعَ معاني الكتاب، فقد اشتَمَلَت على ذِكْر أُصول أسماء الله ومَجَامِعها، وإثبات المَعَاد، وذِكْر التَّوحيد، والافتقار إلى الرَّبّ في طلب الإعانة به والهداية منه، وذِكْر أفضل الدُّعاء، وهو طلب الهداية إلى الصِّراط المستقيم المتضَمِّن كمالَ مَعرِفَته وتوحيده وعِبادَته، بفعْلِ ما أمَرَ به، واجتناب ما نَهَى عنه، والاستقامة عليه، ولِتَضَمُّنِها ذِكْرَ أصناف الخلائق وقِسمتَهم إلى (١) باب رقم (١٦) من كتاب الإجارة. ٥٤٨ باب ٣٤ / ح ٥٧٣٧ فتح الباري بشرح البخاري مُنعَم عليه لمعرفتِه بالحقِّ والعَمَل به، ومغضوبٍ عليه لعُدولِه عن الحقّ بعد مَعرِفَتَه، وضالٌّ لعَدَمِ مَعرِفَته له، مع ما تَضَمَّتَه من إثبات القَدَر، والشَّرع، والأسماء، والمعاد، والتَّوبة، وتزكية النَّفْس، وإصلاح القلب، والردِّ على جميع أهل البِدَع، وحَقيقٌ بسورةٍ هذا بعض شأنها أن يُسْتَشْفَى بها من كلِّ داء، والله أعلم. ٣٤- باب الشُّروطِ في الرُّقية بفاتحة الكتاب ٥٧٣٧- حدَّثَنِي سِيدَانُ بنُ مُضارِبٍ أبو محمَّدٍ الباهليُّ، حدَّثنا أبو مَعْشَرِ البَصْريُّ - هو صَدُوٌ - يوسُفُ بنُ يزيدَ البَرّاءُ، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بنُ الأختَسِ أبو مالكِ، عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ، عن ابنِ عِبَّاسٍ: أَنَّ نَفَراً من أصحاب النبيِّ وَغَ مَرُّوا بماءٍ فيهم لَدِيٌ - أو سَلِيمٌ - فعَرَضَ لهم رجلٌ من أهلِ الماءِ، فقال: هل فيكم مِن راقٍ؟ إنَّ في الماءِ رجلاً لَدِيغاً، أو سَلِيماً، فانطَلَقَ رجلٌ منهم فقراً بفاتحة الكتاب على شاءٍ، فبَرَأَ، فجاء بالشّاءِ إلى أصحابِهِ، فكّرِهوا ذلك، وقالوا: أخَذْتَ على كتاب الله أجْراً؟! حتَّى قَدِموا المدينةَ، فقالوا: يا رسولَ الله، أخَذَ على كتاب الله أجْراً؟! فقال رسولُ اللهِوَالهِ: ((إنَّ أحقَّ ما أخَذْتُم عليه أجْراً كتابُ الله)). ١٩٩/١٠ قوله: ((باب الشُّروط في الرُّقْية بفاتحة الكتاب)) تقدَّم التَّنبيه على هذه التَّرجمة في كتابٍ الإجارة(١). قوله: ((حدَّثْنا سِيدَانُ)) بكسر المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة ((ابنُ مُضارِب)) بِضادٍ مُعجَمة وموخَّدة آخره ((أبو محمَّد الباهليّ)) هو بصريّ قَوّاه أبو حاتم وغيره، وشيخه البَرّاء بفتح الموحّدة وتشديد الرَّاء: نُسِبَ إلى بَرْي العُود، كان عَطّاراً، وقد ضَعَّفَه ابن مَعِين، ووثَّقه المُقدَّمَيّ، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، واتَّفَقَ الشَّيخان على التَّخريج له، ووَقَعَ في نُسخة الصَّغَانيّ: ((أبو مَعشَر البصريّ وهو صَدُوق))، وشيخه عُبيد الله بالتَّصغير: ابن الأخنَس بخاءٍ مُعجَمة ساكنة ونون مفتوحة، هو نَخَعيّ كوفيّ يُكْنى أبا مالك، ويقال: إنَّه من موالي الأزد، وثَّقه الأئمّة، وشَذَّ ابن حِبّان فقال في ((الثّقات)): يُخْطِئ كثيراً، وما للثلاثة في البخاريّ سوى (١) في الباب (١٦): ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب. ٥٤٩ باب ٣٥ / ح ٥٧٣٨ كتاب الطب هذا الحديث، ولكن لعُبيدِ الله بن الأختَس عنده حديث آخر في كتاب الحجّ (١٥٩٥)، ولأبي مَعشَر آخر في الأشربة (٥٥٨٤). قوله: ((مُرُّوا بماءٍ)) أي: بقومٍ نزولٍ على ماء. قوله: ((فيهم لَدِيغ)) بالغَينِ المعجَمة ((أو سَلِيم)) شَكٌّ من الراوي، والسَّليم: هو اللَّيغ، سُمّيَ بذلك تفاؤلاً من السَّلامة لكَونِ غالب من يُلدَغْ يَعطَب، وقيل: سَليم فَعِيل بمعنى مفعول لأنَّه أُسلِمَ للعَطَب، واستعمال اللَّدغ في ضرب العَقرَب مَجَاز، والأصل أنَّه الذي يَضرِب بفيهِ، والذي يَضرِب بمُؤَخَّره يقال: لَسَعَ، وبأسنانه: نَهَسَ، بالمهملة والمعجَمة، وبأنِفِه: نَكَزَ، بنونٍ وكافٍ وزاي، وبنابِهِ: نَشَطَ، هذا هو الأصل، وقد يُستَعمَل بعضها مكان بعض تجوُّزاً. قوله: ((فعَرَضَ لهم رجلٌ من أهل الماء)» لم أقِفْ على اسمه. قوله: ((فانطَلَقَ رجل منهم)) لم أقِفْ على اسمه، وقد تقدَّم شرح هذا الحديث مُستَوفَّى في كتاب الإجارة(١)، وبيَّنْتُ فيه أنَّ حديث ابن عبّاس وحديث أبي سعيد في قصَّة واحدة، وأَّهَا وَقَعَت لهم مع الذي لُدِغَ، وأَنَّه وَقَعَت للصحابة قصَّة أُخرى مع رجل مصاب بعقلِهِ، فأغنی ذلك عن إعادته هنا. ٣٥- باب رُقية العين ٥٧٣٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، قال: حدَّثني مَعبَدُ بنُ خالدٍ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ شدَّادٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: أمَرَني رسولُ الله ◌ِ، أو أمَرَ أن يُسْتَرْقَى منَ العَينِ. قوله: ((باب رُقْية العَيْن)) أي: رُقية الذي يُصاب بالعين، تقول: عِنتُ الرجلَ: أصبتَه ٢٠٠/١٠ بعينِك، فهو مَعِين ومَعیُون، ورجلٌ عائن ومِعْيان وعَيُون. والعَيْن: نظرٌ باستحسانٍ مَشُوب بحَسَدٍ من خبيث الطَّبع، يَحِصُل للمنظورِ منه ضَرر، وقد وَقَعَ عند أحمد (٩٦٦٨) من وجه (١) في الباب (١٦) ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب. ٥٥٠ باب ٣٥ / ح ٥٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري آخر عن أبي هريرة رَفَعَه: ((العينُ حَقٌّ، ويَحِضُرها الشَّيطان، وحَسَدُ ابن آدم))(١). وقد أشكَلَ ذلك على بعض الناس فقال: كيف تَعمَل العينُ من بُعْد حتَّى يَحَصُل الضَّرَر للمَعُون؟ والجواب: أنَّ طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سَمّ يَصِلُ من عينٍ العائن في الهواء إلى بَدَن المعيون، وقد نُقِلَ عن بعض مَن كان مِعْياناً أنَّه قال: إذا رأيتُ شيئاً يُعجِبُني وجدتُ حرارة تَخرُج من عيني. ويَقُرُب ذلك بالمرأة الحائض تَضَعُ يَدَها في إناء اللَّبَنِ فِيَقُد، ولو وَضَعَتها بعد طُهْرها لم يَفسُد، وكذا تَدخُل البُستان فَتَضُرّ بكثيرٍ من الغُروس من غير أن تَسَّها يدها، ومن ذلك أنَّ الصَّحيح قد يَنظُرُ إلى العين الزَّمداء فيَرَمَد، ويَتَاءَب واحد بحَضرَتِهِ فَتَتَاءَب هو، أشارَ إلى ذلك ابنُ بَطّال. وقال الخطَّبيُّ: في الحديث أنَّ للعينِ تأثيراً في النُّفُوس، وإبطال قول الطَّبائعيّينَ: إِنَّه لا شيء إلّا ما تُدرِك الْحَوَاسّ الخمس، وما عَدَا ذلك لا حقيقة له. وقال المازَرِيّ: زَعَمَ بعض الطَّبائعيّينَ: أنَّ العائن يَنْبَعِث من عينه قُوّة سُمّيَّةٍ تَتَّصِل بالمَعِينِ فيَهلِك أو يَفسُد، وهو كإصابة السَّمّ من نظر الأفعى. وأشارَ إلى مَنْع الْحَصْر في ذلك مع تجويزه، وأنَّ الذي يَتَمَشَی على طريقة أهل السُّنّة: أنَّ العين إنَّما تَضُرّ عند نظر العائن بعادةٍ أَجراها الله تعالى أن يَحَدُث القُرُّ عند مقابلة شخصٍ لآخر. وهل ثَمَّ جواهر خَفيَّة أو لا؟ هو أمر مُحْتَمَل، لا يُقطَع بإثباته ولا نفِهِ، ومَن قال ممَّن يَنتَمي إلى الإسلام من أصحاب الطَّبائع بالقَطْع بأنَّ جواهر لطيفة غير مَرئيَّة تَنَبَعِث من العائن، فتَتَّصِل بالمعيون، وتتخلَّلُ مَسَامَ جسمه، فيَخلُق البارئُ الهلاكَ عندها، كما يَخْلُق الهلاكَ عند شُربِ السُّموم، فقد أخطأ بدعوى القطع، ولكن جائز أن يكون عادةً، ليست ضَرُورة ولا طبيعة. انتهى، وهو كلام سَدِید. وقد بالَغَ ابنُ العربيّ في إنكاره، قال: ذهبَتِ الفلاسفة إلى أنَّ الإصابة بالعين صادِرة عن تأثير النَّفْس بقوَّتِها فيه، فأوَّل ما تُؤَثِّر في نفسها، ثمّ تُؤَثِّر في غيرها. وقيل: إنَّما هو سمُّ (١) إسناده ضعيف لانقطاعه، فهو من رواية مكحول عن أبي هريرة، وهو لم يسمع منه، والصحيح منه قوله: ((العين حق)) فسيأتي قريباً عند البخاري برقم (٥٧٤٠). ٥٥١ باب ٣٥ / ح ٥٧٣٨ كتاب الطب في عين العائن يُصيب بلَفْحِه عند التَّحديق إليه، كما يُصيب لَفْعُ سمِّ الأفعَى مَن يَنَّصِل به، ثُمَّ رَدَّ الأوَّل: بأنَّه لو كان كذلك لمَا تَخَلَّفَتِ الإصابةُ في كلّ حال، والواقع خِلَافه، والثّاني: بأنَّ سمَّ الأفعَى جزء منها وكلُّها قاتل، والعائن ليس يَقتُل منه شيء في قولهم إلّا نظره، وهو معنّى خارج عن ذلك، قال: والحقّ أنَّ الله يَخلُق عند نظر العائن إليه وإعجابِه به إذا شاءَ ما شاءَ من ألم أو هَلَكة، وقد يَصِرِفُه قبل وقوعه إمّا بالاستعاذة أو بغيرها، وقد يَصرِ فه بعد وقوعه بالرُّقية أو بالاغتسال أو بغير ذلك. انتهى كلامه، وفيه بعض ما يُتَعقَّب، فإنَّ الذي مَثَّلَ بالأفعَى لم يُرِدِ أنَّها تُلامس المصاب حتَّى يَتَّصِل به من سُمّها، وإنَّما أراد أنَّ جِنساً من الأفاعي اشتَهرَ أنَّها إذا وَقَعَ بصرُها على الإنسان هَلَكَ، فكذلك العائن، وقد أشارَ وَليه إلى ذلك في حديث أبي لُّبَابة الماضي في بَدْء الخلق(١) عند ذِكْر الأبتَر وذي الطُّفِيَتَين، قال: ((فإنََّمَا يَطْمِسان البَصَرَ، ويُسقِطان الحَبَل))، وليس مُراد الخطَّابيّ بالتَّأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة، بل ما أجرَى الله به العادةَ من حصول الضَّرَر للمَعيُون. وقد أخرج البزَّار(٢) بسندٍ حسن عن جابر رَفَعَه: «أكثرُ مَن يموت بعد قضاء الله وقَدَره بالنَّفْسِ)) قال الراوي: يعني بالعَيْن. وقد أجرَى اللهُ العادةَ بوجودٍ كثير من القُوى والخواصّ في الأجسام والأرواح، كما يَحدُث لمن يَنظُر إليه مَن يَحَتَشِمُه من الحَجَل، فيُرَى في وجهه حُمرة شديدة لم تكن قبل ذلك، وكذا الإصفرار عند رُؤية من يخافه، وكثيرٌ من الناس يَسقَم بِمُجرَّدِ النَّظَر إليه وتَضعُف قواه، وكلُّ ذلك بواسطة ما خَلَقَ الله/ تعالى في الأرواح من ٢٠١/١٠ التَّأثيرات، ولشِدّة ارتباطها بالعين نُسِبَ الفعل إلى العين، وليست هي المؤثِّرة وإنَّما التَّأثير للُّوح، والأرواح مُخْتَلِفة في طبائعها وقُواها وكيفيّاتها وخَواصّها، فمِنها ما يُؤْثِّر في البَدَن (١) هو من حديث ابن عمر، تقدم برقم (٣٢٩٧)، وانظر حديث أبي لبابة عقبه. (٢) برقم (٣٠٥٢ - كشف الأستار عن زوائد البزار)، وفي الإسناد طالب بن حبيب بن عمرو الأنصاري وقد تفرَّد به، وطالب هذا حسَّن القول فيه ابنُ حبان وابن عديّ، وقال البخاري في ((تاريخه الكبير)) ٤/ ٣٦٠ بعد أن ذكر له هذا الخبر: فيه نظر، ومن أجل ذلك خرَّجه العقيلي في كتابه «الضعفاء» ٢٣١/٢. وأخرجه أيضاً الطيالسي في («مسنده)) (١٨٦٨)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٣١١)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٩٠٠)، وابن عدي في ((الكامل)) ١١٩/٤. ٥٥٢ باب ٣٥ / ح ٥٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري بمُجرَّدِ الرُّؤية من غير اتِّصال به لشِدّة خُبْث تلك الرّوح وكيفيَّتها الخبيثة. والحاصل أنَّ التَّثير بإرادة الله تعالى وخَلْقه ليس مقصوراً على الاتّصال الجِسمانيّ، بل يكون تارةً به وتارةً بالمقابلة، وأُخرى بمجرَّد الرُّؤية، وأُخرى بتَوجُّه الرّوح، كالذي يَحدُث من الأدعية والرُّقَى والالتِجاء إلى الله، وتارةً يقع ذلك بالتَّوهُّمِ والتَّخَيُّل، فالذي يَخْرُج من عَيْن العائن سهمٌ مَعنَويّ إن صادَفَ البَدَنَ لا وِقاية له أثَّرَ فيه، وإلّا لم يَنفُذُ السَّهم، بل رُبَّما رُدَّ على صاحبه كالسَّهمِ الحِسِِّيّ سواء. قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوْريّ. قوله: «حدثني معبد بن خالد» هو الجدليّ الکوفيّ تابعيّ، وشیخه عبد الله بن شدَّاد: هو المعروف بابنِ الهاد، له رُؤية وأبوه صحابيّ. قوله: ((عن عائشة)) كذا للأكثرِ، وكذا لمسلم (٢١٩٥/ ٥٥) من طريق مِسعَر عن مَعبَد ابن خالد، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ من طريق عبد الرَّحمن بن مَهديّ مِثْلُه، لكن شَكَّ فيه فقال: أو قال: عن عبد الله بن شدَّاد: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَمَرَ عائشة. قوله: ((قالت: أمَرَني النبيّ ◌َّهِ - أو أمُرَ أن يُسْتَرِقَى من العين)) أي: تطلبَ الرُّقية ممَّن يَعرِف الرُّقَى بسببِ العين، كذا وَقَعَ بالشكِّ هل قالت: ((أمَرَ)) بغير إضافة أو ((أمَرَني)»؟ وقد أخرجه أبو نُعَيم في (مُستَخرَجه)) عن الطبرانيِّ عن معاذ بن المثنَّى عن محمَّد بن كثير شيخ البخاريّ فيه فقال: ((أمَرَني)) جَزماً، وكذا أخرجه النَّسائيُّ (ك٧٤٩٤) والإسماعيليّ من طريق أبي نُعَيم عن سفيان الثَّوْريّ، ولمسلم (٢١٩٥/ ٥٦) من طريق عبد الله بن نُمَير عن سفيان: كان يأمُرني أن أسَتَرقيَ، وعنده من طريق مِسعَر عن مَعبَد بن خالد: كان يأمرها، ولابنٍ ماجَهْ (٣٥١٢) من طريق وكيع عن سفيان: أمَرَها أن تَستَرقي، وهو للإسماعيليِّ في رواية عبد الرَّحمن بن مهديّ. وفي هذا الحديث مشروعيّة الرُّقْية لمن أصابه العين، وقد أخرج الِّرمِذيّ (٢٠٥٩) وصَخَّحَه والنَّسائيُّ (ك٧٤٩٥) من طريق عُبيد بن رِفاعة عن أسماء بنت عُمَيس أنَّها قالت: ٥٥٣ باب ٣٥ / ح ٥٧٣٩ كتاب الطب يا رسول الله، إنَّ ولد جعفر تُسرع إليهم العينُ، أفأستَرقي لهم؟ قال: ((نعم)) الحديث، وله شاهد من حديث جابر أخرجه مسلم (٢١٩٨) قال: رَخَّصَ رسول الله وَ هْ لآلِ حَزْم في الرُّقية، وقال لأسماء: ((ما لي أرَى أجسام بني أخي ضارعةً؟ أتُصِيبُهم الحاجةُ؟)) قالت: لا، ولكنِ العينُ تُسرع إليهم، قال: ((ارقِيهم)) فعَرَضتْ عليه، فقال: ((ارقِيهم))، وقوله: ((ضارعة)) بِمُعجَمةٍ أوَّله، أي: نحيفة، ووَرَدَ في مُداواة المعيونِ أيضاً ما أخرجه أبو داود (٣٨٨٠) من رواية الأسود عن عائشة أيضاً قالت: كان النبيّ وَ ل﴿ يأمرُ العائنَ أن يَتَوضَّأ، ثمَّ يَغْتَسِلَ منه المَعِین، وسأذکر کیفيَّة اغتساله في شرح حديث الباب الذي بعد هذا. ٥٧٣٩- حذَّثني محمَّدُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ وَهْبٍ بِنِ عَطِيَّةَ الدِّمَشقيُّ، حدَّثنا محمَّدٌ ابنُّ حَرْبٍ، حَدَّنا محمَّدُ بنُ الوليدِ الزُّبَيدِيُّ، أخبرنا الزُّهْرِيُّ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن زينبَ ابنةِ أبي سَلَمَةَ، عن أمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ ◌َ رَأَى في بيتِها جاريةً في وجهِها سَفْعةٌ، فقال: ((اسْتَرْقُوا لها، فإنَّ بها النَّظْرةَ)). وقال عُقَيِلٌ، عن الزُّهْريِّ: أخبرني عُرْوةُ، عن النبيِّ وَّ. تابَعَه عبدُ الله بنُ سالمٍ، عن الزُّبَيدِيِّ. قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن خالد)) قال الحاكم والجَوزَقيّ والكلاباذيّ وأبو مسعود ومَن تبعهم: هو الذُّهْلُّ، نُسِبَ إلی جَدّ أبیه، فإنّه محمّد بن یحیی بن عبد الله بن خالد بن فارس، وقد كان أبو داود يروي عن محمَّد بن يحيى، فيَنسُبُ أباه إلى جَدّ أبيه أيضاً، فيقول: حدّثنا محمَّد بن يحيى بن فارس، قالوا: وقد حدَّث أبو محمّد بن الجارود بحديث الباب عن محمّد ابن يحيى الذُّهْلِيّ، وهي قَرِينة في أنَّه المراد، وقد وَقَعَ في رواية الأَصِيليِّ هنا: حدَّثنا محمَّد بن خالد الذُّهْلِيّ، فانتَفَى أن يُظَنّ أنَّه محمّد بن خالد بن جَبَةَ الرَّافعيّ الذي ذكره ابن عَديّ في شيوخ البخاريّ، وقد أخرج الإسماعيليّ وأبو نُعَيم أيضاً حديث الباب من طريق محمّد بن يحيى الذُّهْلِيِّ عن محمَّد بن وَهْب بن عَطيَّة المذكور، وكذا هو في كتاب ((الزُّهريّات)) جمع لُّهْلِيّ. ٥٥٤ باب ٣٥ / ح ٥٧٣٩ فتح الباري بشرح البخاري وهذا الإسناد ممَّا نَزَلَ فيه البخاريُّ في حديث عُرْوة بن الزُّبَيرِ ثلاث دَرَجات، فإنَّه أخرج في ((صحيحه)) (٢٥١٨) حديثاً عن عبد الله بن موسى عن هشام بن عُرْوة عن أبيه وهو في العِتق، فكان بينه وبين عُرْوة رجلان، وهُنا بينه وبينه فيه خمسة أنفُس، ومحمَّد بن ٢٠٢/١٠ وهب بن عَطيَّ سُلَميّ قد أدرَكَه البخاريّ، وما أدري لَقِيَه أم لا، وهو من أقران/ الطَّبقة الوُسطَى من شيوخه، وما له عنده إلّا هذا الحديث، وقد أخرجه مسلم (٢١٩٧) عالياً بالنّسبة لرواية البخاريّ هذه، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع، حدَّثنا محمَّد بن حَرْب، فذكره، ومحمَّد بن حَرْب شيخُه خَوْلانيٌّ ◌ِصٌّ كان كاتباً للزُّبَيديِّ شيخِه في هذا الحديث، وهو ثقة عند الجميع. تنبيه: اجتَمَعَ في هذا السَّنَد من البخاريّ إلى الزُّهْرِيِّ ستّة أنْفُس فِي نَسَقِ، كلٌّ منهم اسمه محمَّد، وإذا رَوَينا ((الصَّحيح)) من طريق الفُرَاويّ عن الحَفْصي عن الكُشْمِيهنيِّ عن الفِرَبْريِّ، كانوا عشرة. قوله: ((رَأى في بيتها جاريةً)) لم أقِفْ على اسمها، ووَقَعَ في مسلم: قال لجاريةٍ في بيت أمّ سَلَمة. قوله: ((في وَجْهها سَفْعٌ)) بفتح المهمَلة ويجوز ضَمّها وسكونِ الفاء بعدها عين مُهمَلة، وحكى عِيَاض ضَمَّ أوَّله، قال إبراهيم الحَرْبيّ: هو سواد في الوجه، ومنه: سَفْعة الفَرَس: سواد ناصِيَته، وعن الأصمَعيّ: حُمرة يَعلُوها سواد، وقيل: صُفْرة، وقيل: سواد مع لون آخر، وقال ابن قُتَية: لون يخالف لون الوجه، وكلّها مُتقارِبة، وحاصلها: أنَّ بوجهها موضعاً على غير لونه الأصليّ، وكأنَّ الاختلاف بحَسَبِ اللَّون الأصليّ، فإن كان أحمر فالسَّفْعة سوادٌّ صِرْف، وإن كان أبيض فالسَّفعة صُفْرة، وإن كان أسمَر فالسَّفعة حُمرة يَعلُوها سواد. وذكر صاحب ((البارع)) في اللّغة: أنَّ السَّفْع سوادُ الخدَّينِ من المرأة الشّاحبة، والشُّحوب بِمُعْجَمةٍ ثمَّ مُهمَلة: تَغيُّر اللَّون بهُزالٍ أو غيره، ومنه: سَفْعاء الخدَّين، وتُطلَق السَّفْعة على العلامة، ومنه: بوجهها سَفْعة غَضَبٍ، وهو راجع إلى تَغُر اللَّون، وأصل السَّفْع: الأخذ بقَهرِ، ٥٥٥ باب ٣٥ / ح ٥٧٣٩ كتاب الطب ومنه قوله تعالى: ﴿لَنَشْفَمَا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥]، ويقال: إنَّ أصل السَّفع: الأخذ بالناصية، ثمَّ استُعمِلَ في غيرها، وقيل في تفسيرها: لَنُعَلِّمَنَّه بعلامة أهل النار من سوادِ الوجه ونحوه، وقيل: معناه: لَنُذِلَّنَّه، ويمكن رَدُّ الجميع إلى معنى واحد، فإنَّه إذا أَخَذَ بناصيَتِه بطريق القَهْر أذَلَّه، وأحدَثَ له تَغيُّر لونه، فظَهَرَت فيه تلك العلامة، ومنه قوله في حديث الشَّفاعة: ((قوم أصابهم سَفْع مِن النار))(١). قوله: ((استَرْقُوا لها)) بسكون الرَّاء. قوله: ((فإنَّ بها النَّظْرة)) بسكون الظّاء المعجَمة، وفي رواية مسلم (٢١٩٧): فقال: ((إِنَّ بها نَظْرة، فاستَرقُوا لها) يعني: بوجهها صُفْرة؛ وهذا التَّفسير ما عَرَفتُ قائله، إلّا أنَّه يَغْلِب على ظنّي أَنَّه الزُّهْريّ، وقد أنكَرَه ◌ِيَاض من حيثُ اللُّغة، وتوجيهه ما قدَّمتُه. واختُلِفَ في المراد بالنَّظرة، فقيل: عَينٌ من نظر الجِنّ، وقيل: من الإنس، وبه جَزَمَ أبو عُبيد اهَرَويّ، والأَوْلى أنَّه أعَمُّ من ذلك، وأنََّا أُصيبَت بالعين، فلذلك أذِنَ بَّه في الاسترقاء لها، وهو داٌّ على مشروعيَّ الرُّقية من العين على وَفْق التَرجمة. قوله: ((تابَعَه عبدُ الله بن سالم)) يعني: الِمصيّ، وكُنْيته: أبو يوسف ((عن الزُّبَيديّ)) أي: على وَصْل الحديث ((وقال عُقَيل، عن الزُّهْريُّ: أخبرني عُرْوة، عن النبيّ ◌َّ) يعني: لم يَذْكُر في إسناده زينب ولا أمّ سَلَمة، فأمَّا رواية عبد الله بن سالم فوَصَلَها الذُّهْلُّ في ((الزُّهريّات)»، والطبرانيُّ في ((مُسنَد الشّاميّينَ)) (١٧٤٥) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحِمصيّ عن عَمْرو بن الحارث الحِمصيّ عن عبد الله بن سالم به سنداً ومتناً(٢)، وأمَّا رواية عُقَيل فرواها ابن وَهْب عن ابن لَهِيعة عن عُقَيل ولفظه: أنَّ جارية دَخَلَت على رسول الله وَ ل وهو في بيت أمّ سَلَمة، فقال: ((كأنَّ بها سَفْعة، أو خَطَرَت بنارٍ))، هكذا وَقَعَ لنا مسموعاً في جُزء من ((فوائد أبي الفضل بن طاهر)) بسندِه إلى ابن وهب، ورواه اللَّيث عن عُقَيل أيضاً، (١) سيأتي من حديث أنس برقم (٦٥٥٩). (٢) وقع في إسناد المطبوع منه: عن أبي سلمة، بدل: عن عروة بن الزبير! ٥٥٦ باب ٣٦ / ح ٥٧٤٠ فتح الباري بشرح البخاري ووجدتُه في «مُستَدرك الحاكم)) (٤/ ٤١٤) من حديثه لکن زاد فيه عائشة بعد عُرْوة، وهو وهمٌّ فيما أحسَبُ، ووجدتُه في ((جامع ابن وهب)) عن يونس عن الزُّهْريِّ قال: قال رسول الله وَ ل﴿ الجارية ... فذكر الحديث، واعتَمَدَ الشَّيخان في هذا الحديث على رواية الزُّبَيديّ لسَلامَتِها من الاضطراب، ولم يَلتَفِتا إلى تقصیر یونس فيه، وقد روى التِّرمِذيّ من طريق الوليد بن مسلم أنَّه سمعَ الأوزاعيَّ يُفَضِّل الزُّبَيدِيَّ على جميع أصحاب الزُّهْريّ، يعني: في الضَّبط، وذلك أنَّه كان يُلازِمه كثيراً حَضَراً وسَفَراً. ٢٠٣/١٠ وقد تَسَّكَ / بهذا مَن زَعَمَ أنَّ العُمْدة لمن وَصَلَ على مَن أرسَلَ، لاتِّفاق الشَّيخَينِ على تصحيح الموصول هنا على المرسَل، والتَّحقيق أنَّهما ليس لهما في تقديم الوصل عمل مُطَّرِد، بل هو دائر مع القَرِينة، فمهما تَرَجَّحَ بها اعتَمَداه، وإلّا فَكَمْ حديث أعرَضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله. وقد جاء حديث عُزْوة هذا من غير رواية الزُّهْريّ، أخرجه البزَّار من رواية أبي معاوية عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عُرْوة عن أمّ سَلَمة، فسَقَطَ من روايته ذِكرُ زينب بنت أمّ سَلَمة، وقال الدّارَ قُطنيُّ: رواه مالك وابن عُبِينَةَ - وسَمَّى جماعة - كلّهم عن يحيى بن سعيد، فلم يُحاوِزوا به عُرْوةَ، وتفرَّد أبو معاوية بذِكْر أمّ سَلَمة فيه، ولا يَصِحّ؛ وإنَّما قال ذلك بالنّسبة لهذه الطَّريق، لانفرادِ الواحد عن العَدَد الجَمّ، وإذا انضَمَّت هذه الطَّريق إلى رواية الزُّبَيديّ قَوِيَت جدّاً، والله أعلم. ٣٦ - بابٌ العینُ حقٌّ ٥٧٤٠- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمَرٍ، عن هنَّام، عن أبي هريرةَ ظَ﴾، عن النبيِّ وَّ قال: ((العينُ حَقٌّ)، ونَهَى عن الوَشْمِ. [طرفه في: ٥٩٤٤] قوله: ((بابٌ العين حَقّ)) أي: الإصابة بالعين شيءٌ ثابت موجود، أو هو من جملة ما تَحقَّقَ كُونُه، قال المازَرِيّ: أخَذَ الجمهور بظاهرِ الحديث، وأنكرَه طوائف من المبتَدِعة لغير معنى، ٥٥٧ باب ٣٦ / ح ٥٧٤٠ كتاب الطب لأنَّ كلّ شيء ليس محالاً في نفسه، ولا يُؤَدّي إلى قلب حقيقة، ولا إفساد دلیل، فهو من مجوَّزات العقول، فإذا أخبر الشّرع بوقوعِه لم يكن لإنكاره معنى، وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يُخْبِرِ به من أُمور الآخِرة؟! قوله: ((العينُ حَقّ، ونَهَى عن الوَشْم)» لم تظهر المناسَبة بين هاتَينِ الجملتَين، فكأنَّهما حديثان مُستَقِلّان، ولهذا حَذَفَ مسلم (٢١٨٧) وأبو داود (٣٨٧٩) الجملة الثّانية من روايتهما، مع أنََّما أخرَجاه من رواية عبد الرَّزّاق الذي أخرجه البخاريّ من جِهَته، ويحتمل أن يقال: المناسَبة بينهما اشتراكُهما في أنَّ كلَّ منهما يُحدِث في العُضو لوناً غير لونه الأصليّ. والوَشْم بفتح الواو وسكون المعجَمة: أن يَغْرِز إبرةً أو نحوَها في موضع من البَدَن حتَّی یسیل الدّم، ثمّ يحشي ذلك الموضع بالگُحلِ أو نحوه فيخضرّ، وسيأتي بیان حُكمه في (باب المستَوشِمة))(١) من أواخر كتاب اللِّباس إن شاء الله تعالى. وقد ظَهَرَت لي مُناسَبة بين هاتَينِ الجملتَينِ لم أرَ مَن سَبَقَ إليها، وهي أنَّ من جملة الباعِث على عَمَل الوَشْم تَغيُّرُ صِفَة الموشوم لئلَّا تُصِيبَه العين، فنَهَى عن الوَشْم مع إثبات العين، وأنَّ التَّحَيُّل بالوشمِ وغيره ممّا لا يَسْتَنِد إلى تعليم الشّارع لا يُفيد شيئاً، وأنَّ الذي قَدَّرَه الله سيقعُ، وأخرج مسلم (٢١٨٨) من حديث ابن عبّاس رفعه: ((العينُ حَقّ، ولو كان شيءٌ سابِقِ القَدَر لَسَبَقَته العين، وإذا استُغسِلتُم فاغسِلوا))، فأمَّا الزّيادة الأولى ففيها تأكيد وتنبيه على سُرعة نُفوذها وتأثيره في الذّات، وفيها إشارة إلى الردّ على مَن زَعَمَ من المتصوِّفة أنَّ قوله: ((العين حَقّ)) يريد به القَدَر، أي: العينُ التي تجري منها الأحكام، فإنَّ عينَ الشَّيء حقيقتُه، والمعنى: أنَّ الذي يصيب من الضَّرَر بالعادة عند نظر الناظر إنَّما هو بقَدَرِ الله السابق، لا بشيءٍ يُحدِثه الناظرُ في المنظور، ووجه الردّ: أنَّ الحديث ظاهرٌ في المغايرة بين القَدَر وبين العين، وإن كنَّا نَعتَقِد أنَّ العين من جملة المقدور، لكن ظاهرُه إثبات العين التي تُصيب، إمّا بما جَعَلَ الله تعالى فيها من ذلك وأودَعَه فيها، وإمّا بإجراءِ العادة بحُدوثِ الضَّرَر (١) باب رقم (٨٧) من كتاب اللباس. ٥٥٨ باب ٣٦ / ح ٥٧٤٠ فتح الباري بشرح البخاري عند تحديد النَّظَرِ، وإِنَّمَا جَرَى الحديثُ تَجَرَى المبالَغة في إثبات العين، لا أنَّه يُمكِّن أن يَرُدّ ٢٠٤/١٠ القَدَرَ شيء، إذ/ القدرُ عِبارة عن سابِقٍ عِلْم الله، وهو لا رادَ لأمره، أشارَ إلى ذلك القُرطُبيّ. وحاصله: لو فُرِضَ أنَّ شيئاً له قوّة بحيثُ يَسِقِ القَدَرَ، لكان العينُ، لكنَّها لا تَسْبِقِ، فكيف غيرها؟ وقد أخرج البزَّار من حديث جابر بسندٍ حسن عن النبيّ وََّ قال: ((أكثرُ مَن يموت من أمَّتي بعد قضاء الله وقَدَره بالأنفُسِ)) قال الراوي: يعني بالعينِ (١). وقال النَّوويّ: في الحديث إثباتُ القَدَر وصِحّة أمر العين، وأنَّها قويَّة الضَّرَر، وأمَّا الزّيادة الثّانية وهي أمر العائن بالاغتسال عند طلب المعيونِ منه ذلك، ففيها إشارة إلى أنَّ الاغتسال لذلك كان معلوماً بينهم، فأمَرَهم أن لا يَمْتَنِعوا منه إذا أُريدَ منهم، وأدنَى ما في ذلك رفعُ الوَهْم الحاصل في ذلك، وظاهر الأمر الوجوب. وحكى المازَرِيّ فيه خِلَافاً، وصَخَّحَ الوجوبَ، وقال: متى خشيَ الهلاك وكان اغتسال العائن ممَّا جَرَتِ العادة بالشِّفاءِ به، فإنَّه يَتَعيَّن، وقد تَقرَّرَ أنَّه يُحِبَر على بَذْل الطَّعام للمُضطَرِّ، وهذا أَولی. ولم يُبيِّ في حديث ابن عبّاس صِفَة الاغتسال، وقد وَقَعَت في حديث سهل بن حُنَيْفٍ عند أحمد (١٥٩٨٠) والنَّسائيِّ، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦١٠٥) من طريق الزُّهْريِّ عن أبي أُمامةَ بن سهل بن حُنَيفٍ أنَّ أباه حدَّثه: أنَّ النبيَّ ◌َلَّهَ خَرَجَ، وساروا معه نحو مكة، حتَّى إذا كانوا بشِعْبِ الْخَرَّار من الْجُحْفة، اغتَسَلَ سهل بن حُنَيَفٍ - وكان أبيضَ حسنَ الْجِسْم والجِلْد - فَنَظَرَ إليه عامر بن ربيعة، فقال: ما رأيتُ كاليومٍ ولا جِلدَ مُبَّة! فَلُبِطَ - أي: صُرِعَ وزناً ومعنّى - سهلٌ، فأتى رسول الله وَّه فقال: ((هل تَتَّهمونَ به من أحد؟)) قالوا: عامر بن ربيعة، فَدَعَا عامراً فَتَغَيَّظَ عليه، فقال: ((علامَ يَقتُل أحدُكم أخاه؟ هَلّا إذا رأيتَ ما يُعجِبُك بَرَّكت)) ثمَّ قال: ((اغتَسِلْ له)) فَغَسَلَ وجهَه ويَدَيه ومِرِفَقَيه ورُكِبَتَه وأطرافَ رِجِلَيه، وداخلةَ إزارِهِ، في قَدَح، ثمَّ يَصُبُّ ذلك الماء عليه رجلٌ من خَلِفِه على رأسه (١) سلف تخريجه والكلام على إسناده عند شرح ترجمة الباب السابق. ٥٥٩ باب ٣٦ / ح ٥٧٤٠ كتاب الطب وظَهْره، ثمَّ يُكفِئِ القَدَحِ، ففُعلَ به ذلك، فراحَ سهل مع الناس ليس به بأس؛ لفظ أحمد من رواية أبي أُويس عن الزُّهْريّ، ولفظ النَّسائيِّ من رواية ابن أبي ذِئْب(١) عن الزُّهْريِّ بهذا السَّنَد: أنَّه يَصُبّ صَبّة على وجهه بيَدِه اليُمنَى، وكذلك سائر أعضائه صَبّة صَبّة في القَدَح، وقال في آخره: ثمَّ يُكفَأ القَدَح وراءَه على الأرض. ووَقَعَ في رواية ابن ماجَهْ (٣٥٠٩) من طريق ابن عُيَينةَ عن الزُّهْريِّ عن أبي أمامةَ: أنَّ عامر بن ربيعة مرَّ بسهلٍ بن حُنَيْفٍ وهو يَغْتَسِل ... فذكر الحديث، وفيه: ((فليَدْعُ بالبَرَكة)). ثمَّ دَعَا بماءٍ فأمَرَ عامراً أن يَتَوضَّأ، فيَغسِلَ وجهه ويَدَيِه إلى الِفَقَين. ورُكِبَتَيَه، وداخلةَ إزاره، وأمَرَه أن يَصُبّ عليه، قال سفيان: قال مَعمَر عن الزُّهْريِّ: وأمَرَ أن يُكفَأ الإناء من خَلِفِه. قال المازَرِيّ: المراد بداخلة الإزار: الطَّرَف المتدَلِّ الذي يلي حَقْوَه الأيمَن، قال: فظنَّ بعضهم أنَّ كِنايةٌ عن الفَرْج. انتهى، وزاد عِيَاض: أنَّ المراد ما يلي جسده من الإزار، وقيل: أراد موضعَ الإزار من الجسد، وقيل: أراد وَرِكَه لأنَّه معقِد الإزار. والحديث في ((الموطَّأ)) (٩٣٨/٢) وفيه عن مالك: حدَّثني محمَّد بن أبي أمامةَ بن سهل أنَّه سمعَ أباه يقول: اغتَسَلَ سهلٌ - فذكر نحوه وفيه: فَنَزَعَ جُبّةً كانت عليه وعامر بن ربيعة يَنظُر، فقال: ما رأيتُ كاليومٍ ولا جِلْدَ عَذراء! فوُعِكَ سهلٌ مكانَه، واشتَدَّ وَعْكُه، وفيه: ((ألا بَرَّكت؟ إنَّ العین حَقّ، تَوضَّأْ له)) فتَوضَّا له عامر، فراحَ سهل ليس به بأس. تنبيهات: الأوَّل: اقْتَصَرَ النَّوويّ في ((الأذكار)) على قوله: الاستغسال أن يقال للعائنِ: اغسِلْ داخلةَ إزارك ممّا يلي الجلد، فإذا فعل صَبَّه على المنظور إليه. وهذا يُوهِم الاقتصار على ذلك، وهو عجيب، ولا سيَّما وقد نَقَلَ في ((شرح مسلم)) كلام عِیَاض بطولِه. (١) رواية ابن أبي ذئب هذه غير موجودة في نسخ ((سنن النسائي)) التي بين أيدينا، وعزاها المزي في ((تحفة الأشراف)) (٤٦٦٠) له في ((عمل اليوم والليلة))، ولم نقف عليها فيه، والحديث عند النسائي في ((الكبرى)) (٧٥٧١) و(٧٥٧٢) و(٩٩٦٥-٩٩٦٧) من طرق أخرى عن الزهري. ٥٦٠ باب ٣٦ / ح ٥٧٤٠ فتح الباري بشرح البخاري الثّاني: قال المازَرِيّ: هذا المعنى ممَّا لا يُمكِن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يُردّ لكَونِه لا يُعقَل معناه. وقال ابن العربيّ: إن تَوقَّفَ فيه مُتَشرِّع قلنا له: قل: اللهُ ورسولُه أعلم، وقد عَضَدَتْه التَّجرِبة وصَدَّقَتْه المعاينة، أو مُتَّفَلسِف فالرُّ عليه أظهَرُ، لأنَّ عنده أنَّ الأدوية تَفعَل ٢٠٥/١٠ بقُوَاها، وقد تَفعَل بمعنّى لا يُدرَك، ويُسَمُّونَ/ ما هذا سبيلُه الخواصَّ. وقال ابن القَيِّم: هذه الكيفيَّة لا يَنتَفِع بها مَن أنكَرَها، ولا مَن سَخِرَ منها، ولا مَن شَكَّ فيها، أو فَعَلَها مُجرِّباً غيرَ مُعتَقِد، وإذا كان في الطَّبيعة خَواصُ لا يَعرِف الأطبّاء عِلَلها، بل هي عندهم خارجةٌ عن القياس، وإنَّما تُفعَل بالخاصّيَّة، فما الذي تُنكِرِ جَهَلَتُهم من الخواصّ الشَّرْعَّة؟ هذا مع أنَّ في المعالجة بالاغتسال مُناسَبة لا تأباها العقول الصّحيحة، فهذا تِرِياقُ سَمّ الحيّة يُؤْخَذ من لحمها، وهذا علاج النَّفس الغضبيَّة تُوضَع اليد على بَدَن الغضبان فيَسكُن، فكأن أثر تلك العين كشُعْلة نار وَقَعَت على جسد، ففي الاغتسال إطفاءٌ لتلك الشُّعلة. ثمَّ لمَّا كانت هذه الكيفيّة الخبيثة تظهر في المواضع الرَّقيقة من الجسد لشِدّة النُّفوذ فيها، ولا شيء أرَقُّ من المغايِن، فكان في غَسْلها إبطالٌ لعَمَلِها، ولا سيَّما أنَّ للأرواح الشَّيطانيَّة في تلك المواضع اختصاصاً. وفيه أيضاً وصولُ أثر الغُسْل إلى القلب من أرَقّ المواضع وأسرَعها نَفاذاً، فتَنطَفِئ تلك النار التي أثارتها العينُ بهذا الماء. الثّالث: هذا الغُسْلِ يَنفَعُ بعد استحكام النَّظرة، فأمَّا عند الإصابة وقبل الاستحكام، فقد أرشَدَ الشّارع إلى ما يَدِفَعُه بقولِه في قصَّة سهل بن حُنَيْفِ المذكورة كما مَضَى: ((ألا بَرَّكتَ عليه))، وفي رواية ابن ماجَهْ (٣٥٠٩): ((فليَدعُ بالبَرَكة))، ومثله عند ابن السُّنِّيّ (٢٠٦) من حديث عامر بن ربيعة، وأخرج البَزَّار (٧٣٣٩) وابن السُّنّيّ (٢٠٧) من حديث أنس رَفَعَه: ((مَن رأى شيئاً فأعجَبَه فقال: ما شاءَ الله لا قوّة إلّا بالله، لم يَضُرَّه))(١). وفي الحديث من الفوائد أيضاً: أنَّ العائن إذا عُرِفَ يُقضَى عليه بالاغتسال، وأنَّ الاغتسال (١) إسناده ضعيف جدّاً.