النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٠ كتاب الطب قوله: ((نعم، نَفِرٌ من قَدَر الله إلى قَدَر الله)) في رواية هشام بن سعد: إن تقدَّمْنا فِقَدَرِ الله، وإن تأخّرنا فِقَدَرِ الله. وأطلق عليه فِراراً لشَبَهِه به في الصّورة، وإن كان ليس فِراراً شَرعيّاً. والمراد أنَّ هُجوم المرء على ما يُهلِكه مَنهيّ عنه، ولو فعل لكان من قَدَر الله، وتَجِتُبه ما يُؤذيه مشروع، وقد يُقدِّر الله وقوعه فيما فرَّ منه، فلو فعَلَه أو تَرَكَه لكان من قَدر الله، فهما مقامان: مقام التَّوُّل، ومقام التَّمَسُّك بالأسبابِ كما سيأتي تقريره. ومُحُصَّل قول عمر: نَفِرّ من قَدَر الله إلى قَدَر الله: أنَّه أراد أنَّه لم يَفِرّ من قَدَر الله حقيقةً، وذلك أنَّ الذي فرَّ منه أمرٌ خافَ علی نفسه منه فلم يَهجُم علیه، والذي فَّ إلیه أمرٌ لا تخاف على نفسه منه إلّا الأمر الذي لا بدَّ من وقوعه به (١) سواء كان ظاعِناً أو مُقيماً. قوله: ((له عُدْوتان)) بضمِّ العين المهمَلة، وبكسرها أيضاً، وسكون الدّال المهمَلة: تثنية عُدوة، وهو المكان المرتَفِع من الوادي، وهو شاطِئُه. قوله: ((إحداهما خَصِيبة)) بوزنٍ عَظِيمة(٢)، وحكى ابن التِّين سكون الصّاد بغير ياء، زاد مسلم ١٨٦/١٠ (٩٩/٢٢١٩) في رواية مَعمَر: وقال له أيضاً: أرأيت لو أنَّه رَعَى الجَدْبة وتَرَكَ الْخَصِبة أكنتَ مُعَجِّزه؟ - وهو بتشديد الجيم - قال: نعم. قال: فسِرْ إذاً، فسارَ حتَّى أتى المدينة. قوله: ((فجاء عبدُ الرَّحمن بن عَوْف)) هو موصول عن ابن عبّاس بالسَّنَدِ المذكور. قوله: ((وكان مُتَغيِّاً في بعض حاجَته)) أي: لم يَحِضُر معهم المشاورة المذكورة لغَيَتِه. قوله: ((إنَّ عندي من هذا عِلْماً)) في رواية مسلم: لَعِلمً(٣)، بزيادة لام التَّأكید. قوله: ((إذا سمعتُم به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليه ... )) إلى آخره. هو موافق للمتنِ الذي قبله عن أسامة بن زيد وسعد وغيرهما، فلعلّهم لم يكونوا مع عمر في تلك السَّفْرة. (١) لفظة ((به)) سقطت من (س). (٢) كذا ضبطها الحافظ رحمه الله! مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف: خَصِبَة، بفتح المعجمة وكسر المهملة، بغير ياء، وكلاهما صحيح في لغة العرب. وذكر العيني ضبط الحافظ هذا، وقال: وليس كذلك. قلنا: يعني ليس في الرواية. (٣) كذا وقع للحافظ، وفي النسخ المطبوعة من ((صحيح مسلم)): علماً، بدون اللام. ٥٢٢ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فلا تَخْرُجوا فِراراً مِنْه)) في رواية عبد الله بن عامر التي بعد هذه، وفي حديث أُسامة عند النَّسائيِّ(١): «فلا تَفِرّوا مِنه))، وفي رواية لأحمد (١٥٠٨) من طريق ابن سعد عن أبيه مِثله، ووَقَعَ في ذِكْر بني إسرائيل (٣٤٧٣): ((إلّا فِراراً مِنه)). وتقدَّم الكلام على إعرابه هناك. قوله: ((عن عبد الله بن عامر)) هو ابن ربيعة، وثَبَتَ کذلك في روایة القَعنبيّ، کما سيأتي في تَرك الحيَل (٦٩٧٣). وعبد الله بن عامر هذا مَعدود في الصحابة لأنَّه وُلِدَ في عهد النبيّ وََّه وسمعَ منه ابن شِهاب هذا الحديث عالياً عن عبد الرَّحمن بن عَوْف وعمر، لكنَّه اختَصَرَ القصَّة، واقتَصَرَ على حديث عبد الرَّحمن بن عَوْف. وفي رواية القَعنبيّ عَقِب هذه الطّريق: وعن ابن شِهاب عن سالم بن عبد الله: أنَّ عمر إنَّما انصَرَفَ من حديث عبد الرّحمن. وهو لمسلم (٢٢٠٩/ ١٠٠) عن يحيى بن يحيى عن مالك، وقال: إِنَّمَا رَجَعَ بالناس من سَرْغ عن حديث عبد الرَّحمن بن عَوْف(٢). وكذا هو في ((الموطَّا)) (٢/ ٨٩٧)، وقد رواه جويريةٌ بن أسماء عن مالك خارج ((الموطَّ)) مُطوَّلاً، أخرجه الدّارَ قُطنيّ في ((الغرائب)) فزاد بعد قوله: عن حديث عبد الرَّحمن بن عَوْف: عن رسول اللهِ وَّهِ أَنَّه نَهَى أن يُقْدَم عليه إذا سُمِعَ به، وأن يُخْرَج عنه إذا وَقَعَ بأرضٍ هو بها. وأخرجه أيضاً من رواية بشر بن عمر عن مالك بمعناه. ورواية سالم هذه مُنقَطِعة لأنَّه لم يُدرِك القصَّة ولا جَدَّه عمر ولا عبدَ الرَّحمن بن عَوْف، وقد رواه ابن أبي ذِئْب عن ابن شِهاب عن سالم فقال: عن عبد الله بن عامر بن رَبيعة: أنَّ عبد الرَّحمن أخبر عمر وهو في طريق الشّام لمَّا بَلَغَه أنَّ بها الطاعون؛ فذكر الحديث، أخرجه الطبرانيّ (٢٦٧)، فإن كان محفوظاً فيكون ابن شِهاب سمعَ أصل الحديث من عبد الله بن عامر وبعضه من سالم عنه، واختَصَرَ مالك الواسطة بين سالم وعبد الرَّحمن، والله أعلم. (١) هو بهذا اللفظ عند مسلم (٢٢١٨) (٩٣). وأما لفظه عند النسائي (ك٧٤٨٣) فكلفظ الحديث هنا. (٢) هذا لفظ رواية ((الموطأ)) ولفظ مسلم بنحوه. ٥٢٣ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٠ كتاب الطب وليس مُراد سالم بهذا الخَصر نفيَ سبب رُجوع عمر أنَّه كان عن رأيه الذي وافَقَ عليه مَشيخةَ قُرَيش من رُجوعه بالناس، وإنَّما مُراده أنَّه لمَّا سمعَ الخبرِ رَجَحَ عنده ما كان عَزَمَ عليه من الرُّجوع، وذلك أنَّه قال: إنّي مُصْبح على ظهر. فباتَ على ذلك ولم يَشرَع في الرُّجوع حتَّى جاء عبدُ الرَّحمن بن عَوْف فحدَّث بالحديث المرفوع، فوافَقَ رأيَ عمر الذي رآه، فحَصَرَ سالم سبب رجوعه في الحديث لأنَّه السَّبَب الأقوى، ولم يُرِدِ نفي السَّبَب الأوَّل، وهو اجتهاد عمر، فكأنَّه يقول: لولا وجود النَّصّ لَأَمكَنَ إذا أصبَحَ أن يَتَرَدَّد في ذلك أو يَرجِع عن رأيه، فلمَّا سمعَ الخبر استَمَّ على عَزْمه الأوَّل، ولولا الخبر لمَا استَمرَّ. فالحاصل أنَّ عمر أراد بالرُّجوع تَرك الإلقاء إلى التَّهُلُكة، فهو كمَن أراد الدُّخول إلى دار فرأى بها مثلاً حَريقاً تَعذَّرَ طَفْيُهُ، فعَدَلَ عن دخولها لئلا يُصيبَه. فعَدَلَ عمر لذلك، فلمَّا بَلَغَه الخبر جاء موافقاً لرأيِه فأعجَبَه، فلأجلِ ذلك قال مَن قال: إِنَّا رَجَعَ لأجلٍ الحديث، لا لمَا اقتَضاه نظرُه فقط. وقد أخرج الطَّحَاويّ (٣٠٣/٤) بسندٍ صحيح عن أنس: أنَّ عمر أتى الشّام فاستَقبَلَه أبو طلحة وأبو عُبيدة، فقالا: يا أمير المؤمنينَ، إنَّ مَعَك وجوهَ الصحابة وخِيارَهم، وإنّا تَرَكنا مَن بعدنا مِثل حَريق النار، فارجِع العامَ. فَرَجَعَ. وهذا في الظّاهر يعارض حديث الباب، فإنَّ فيه الجزمَ بأنَّ أبا عبيدة أنكَرَ الرُّجوع، ويُمكِن / ١٨٧/١٠ الجمع بأنَّ أبا عُبيدة أشارَ أوَّلاً بالرُّجوع، ثمَّ غَلَبَ عليه مقام التَّوكُّل لمَّا رأى أكثر المهاجِرِينَ والأنصار جَنحوا إليه، فَرَجَعَ عن رأي الرُّجوع، وناظَرَ عمر في ذلك، فاستظهرَ عليه عمر بالحُجّة فَتَبِعَه، ثمَّ جاء عبد الرَّحمن بن عَوْف بالنَّصِّ فارتَفَعَ الإشكال. وفي هذا الحديث جواز رُجوع مَن أراد دخول بَلدة فعلمَ أنَّ بها الطاعونَ، وأنَّ ذلك ليس من الطِّرة، وإنَّما هي من مَنع الإلقاء إلى الثَّهلُكة، أو سَدّاً للذَّريعة لئلّا يَعْتَقِد مَن يَدخُل إلى الأرض التي وَقَعَ بها الطاعُون أن لو دَخَلَها لطُعِنَ، العَدوى المنهيَّ عنها كما سأذكره. وقد زَعَمَ قوم أنَّ النَّهي عن ذلك إنَّما هو للتَّنزيه، وأنَّ يجوز الإقدام عليه لمن قوي تَوكُّله وصَحَّ یقینُه، وتَسَّکوا بما جاء عن عمر أنَّه نَدِمَ علی رُجوعه من سْغ، کما أخرجه ابن ٥٢٤ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٠ فتح الباري بشرح البخاري أبي شَيْبة (٤١/١٣-٤٢) بسندٍ جيّد (١) من رواية عُرْوة بن رُوَيم عن القاسم بن محمَّد عن ابن عمر قال: جِئت عمر حين قَدِمَ فوجَدتُه قائلاً في خِبائه، فانتَظَرته في ظِلّ الخِباء، فسمعته يقول حين تَضَوَّرَ: اللهمَّ اغفر لي رُجوعي من سرغ. وأخرجه إسحاق بن راهويه في «مُسنَده)) أيضاً. وأجابَ القُرطُبيّ في ((المفهم)) بأنَّه لا يَصِحّ عن عمر، قال: وكيف يَندَم على فِعْل ما أمَرَ به النبيّ وَّهُ ويَرجِع عنه ويَستَغْفِر مِنه؟ وأُجيبَ بأنَّ سنده قويّ (٢)، والأخبار القويَّة لا تُرَدّ بمثلِ هذا مع إمكان الجمع، فيحتمل أن يكون كما حكاه البَغَويُّ في ((شرح السُّنّة)) عن قوم: أنَّهم حَمَلوا النَّهي على التَّنزيه، وأنَّ القُدوم عليه جائز لمن غَلَبَ عليه التَّوكُّل، والانصِراف عنه رُخصة. ويحتمل - وهو أقوى - أن يكون سبب نَدمه أنَّه خَرَجَ لأمرٍ مُهمّ من أُمور المسلمينَ، فلمَّا وصَلَ إلى قُرب البَلَد المقصود رَجَعَ، مع أنَّه كان يُمكِنِه أن يُقیم بالقُربِ من البَلَد المقصود إلى أن يَرتَفِع الطاعون، فيَدخُل إليها ويقضي حاجة المسلمينَ، ويُؤيِّد ذلك أنَّ الطاعون ارتَفَعَ عنها عن قُرب، فلعلَّه كان بَلَغَه ذلك فنَدِمَ على رُجوعه إلى المدينة، لا على مُطلَق رُجوعه، فرأى أنَّه لو انتَظَرَ لكان أولى لِمَا فِي رُجوعه على العسكر الذي كان صُحْبَتَه من المشَقّة، والخبر لم يَرِد بالأمرِ بالرُّجوع وإنَّما ورَدَ بالنَّهي عن القُدوم، والله أعلم. وأخرج الطَّحَاويّ (٣١١/٤) بسندٍ صحيح عن زيد بن أسلَمَ عن أبيه قال: قال عمر: اللهمّ إنَّ الناس قد نَحَلوني ثلاثاً أنا أبرأ إليك مِنْهُنَّ: زَعَموا أنّ فَرَرْتُ من الطاعون وأنا أبرأ إليك من ذلك، وذكر الطِّلاء والمكس. وقد ورَدَ عن غير عمر التَّصريح بالعَمَلِ في ذلك بمَحضِ التَّوكُّل، فأخرج ابن خُزَيمةَ(٣) بسندٍ صحيح عن هشام بن عُرْوة عن أبيه: أنَّ الزُّبَير بن العَوّامِ خَرَجَ غازياً نحو مِصر، فَكَتَبَ (١) راويه عنه هشام بن سعد، وهو ليس بذاك، وانفرد بهذا الخبر. فالإسناد ضعيف. (٢) بل إسناده ضعيف كما قدَّمنا. (٣) هو في كتاب («التوكُّل)) له، ولم نقف عليه مطبوعاً، وقد أخرجه من طريقه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٩٨/١٨. ٥٢٥ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٠ كتاب الطب إليه أُمَراء مِصر أنَّ الطاعون قد وَقَعَ، فقال: إنَّما خَرَجنا للطّعنِ والطاعون، فدَخَلَها فَلَقيَ طَعْناً في جَبهَته، ثمَّ سَلِمَ. وفي الحديث أيضاً مَنع مَن وَقَعَ الطاعون بِبَلَدٍ هو فيها من الخروج منها، وقد اختَلَفَ الصحابة في ذلك كما تقدَّمَ، وكذا أخرج أحمد (١٧٧٥٦) بسندٍ صحيح إلى أبي مُنيب: أنَّ عَمْرو بن العاص قال في الطاعون: إنَّ هذا رِجْزٌ مِثلُ السَّيل، مَن تَنْكَّبَه أخطَأه، ومثلُ النار مَنْ أقامَ أحرَقَته، فقال شُرَحبيل ابن حَسَنة: إنَّ هذا رحمة رَبّكُم، ودَعوة نبيّكُم، وقَبضُ الصالحينَ قبلكُم. وأبو مُنيب، بضمِّ الميم، وكسر النُّون بعدها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ موخَّدة، وهو دِمَشقيّ نزلَ البصرة يُعرَف بالأحدَب، وثَّقْه العِجليُّ وابن حِبّان، وهو غير أبي مُنيب الْجُرَشِيّ فيما تَرَجَّحَ عندي، لأنَّ الأحدَب أقدَم من الجُرَشِيّ، وقد أثبتَ البخاريُّ سماعَ الأحدب من معاذ بن جبل، والُرشيّ يروي عن سعيد ابن المسيّب ونحوه. وللحديثِ طريق أُخرى أخرجها أحمد (١٧٧٥٤ -١٧٧٥٥) أيضاً من رواية شُرَحبيل ابن شُفْعة، بضمِّ المعجَمة وسكون الفاء، عن عَمْرو بن العاص، وشُرَحبيل ابن حَسَنة بمعناه (١٧٧٥٣). وأخرجه ابن خُزَيمةَ والطَّحَاويّ (٣٠٦/٤) وسنده صحيح. وأخرجه أحمد (١٧٧٥٣) وابن خُزيمةَ أيضاً من طريق شهر بن حَوشَبٍ عن عبد الرّحمن بن غَنْم عن عَمْرو بن شُرَحبيل بمعناه. وأخرج أحمد (٢٢١٣٦) من طريق أُخرى أنَّ المراجَعة في ذلك أيضاً وَقَعَت بين عمرو بن العاص ومعاذ بن جبل. وفي/ طريق أُخرى (١٦٩٧) بينه وبين ١٨٨/١٠ أبي(١) واثِلة الهُذَلِيّ. وفي مُعظَم الطُّرق أنَّ عَمْرو بن العاص صَدَّقَ شُرَحبيل وغيره على ذلك. ونَقَلَ عِيَاض وغيره جواز الخروج عن الأرض التي يقع بها الطاعون عن جماعة من الصحابة، منهم أبو موسى الأشعريّ والمغيرة بن شُعْبة، ومن التابِعِينَ منهم الأسود بن هلال ومسروق. (١) لفظة ((أبي)) سقطت من الأصلين و(س)، واستدركناها من الإصابة للحافظ ٧/ ٤٥٥ حیث ذکر حديثه في ترجمته. ٥٢٦ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٠ فتح الباري بشرح البخاري ومنهم مَن قال: النَّهي فيه للتَّنزيه فيُكرَه ولا يَجِرُم، وخالَفَهم جماعة، فقالوا: يَحِرُم الخروج منها لظاهرِ النَّهي الثّابِت في الأحاديث الماضية، وهذا هو الرَّاجح عند الشافعيَّة وغيرهم، ويُؤْيِّده ثُبوت الوعيد على ذلك، فأخرج أحمد (٢٥١١٨) وابن خُزَيمةَ من حديث عائشة مرفوعاً في أثناء حديث بسندٍ حسن: قلت: يا رسول الله، فما الطاعون؟ قال: ((غُدّة كَغُدّة الإبل، المقيم فيها كالشَّهيد، والفارّ منها كالفارِّ من الَّحف)). وله شاهد من حديث جابر رَفَعَه: ((الفارّ من الطاعون كالفارٌّ من الَّحف، والصّابِرِ فيه كالصّابِرِ في الَّحف)». أخرجه أحمد (١٤٤٧٨) أيضاً وابن خُزَيمةَ. وسنده صالح للمُتابَعات. وقال الطَّحَاوِيُّ: استَدَلَّ مَن أجازَ الخروج بالنَّهي الوارد عن الدُّخول إلى الأرض التي يقع بها، قالوا: وإنَّما تَهَى عن ذلك خَشْية أن يُعدَى مَن دَخَلَ عليه، قال: وهو مردود، لأنَّه لو كان النَّهي لهذا لجَازَ لأهلِ الموضع الذي وَقَعَ فيه الخروج، وقد ثَبَتَ النَّهي أيضاً عن ذلك، فعُرِفَ أنَّ المعنى الذي لأجلِه مُنِعوا من القُدوم عليه غير معنى العَدوى، والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ حِكمة النَّهي عن القُدوم عليه لئلا يُصيب مَن قَدِمَ عليه بتقدير الله، فيقول: لولا أنّ قَدِمت هذه الأرض لما أصابني، ولعلَّه لو أقامَ في الموضع الذي كان فيه لَأصابه، فأمَرَ أن لا يَقدَم عليه حَسْماً للمادّة، ونَهَى مَن وَقَعَ وهو بها أن يخرُج من الأرض التي نزلَ بها لئلا يَسلَم فيقول مثلاً: لو أقَمت في تلك الأرض لَأصابني ما أصاب أهلَها، ولعلَّه لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شيء. انتھی. ويُؤيِّده ما أخرجه الهَثَم بن كُلَيب والطَّحَاويّ (٣٠٥/٤) والبيهقيُّ(١) بسند حسن عن أبي موسى أنَّه قال: إنَّ هذا الطاعون قد وَقَعَ، فمَن أراد أن يتنَّه عنه فليفعل، واحذروا اثنتَينِ: أن يقول قائل: خَرَجَ خارجٌ فَسَلِمَ، وجَلَسَ جالسٌ فأُصيبَ، فلو كنت خَرَجت لَسَلِمت كما سَلَمَ فلان، أو لو كنت جلست أُصِبتُ كما أُصيبَ فلان. لكن أبو موسى ◌َلَ النَّهي على مَن قَصَدَ الفِرار محضاً. (١) لم نقف عليه فيما طبع من ((مسند الهيثم بن كليب الشاشي، ولا في شيء من كتب البيهقي المطبوعة. ٥٢٧ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٠ كتاب الطب ولا شكَّ أنَّ الصّور ثلاث: مَن خَرَجَ لقصدِ الفِرار مَحَضاً، فهذا يَتناوله النَّهي لا محالة. ومَن خَرَجَ لحاجةٍ مُتَمَخِّضة لا لقصدِ الفِرار أصلاً، ويُنصوَّر ذلك فيمَن تَهيَّ للرَّحیلِ من بَلَد كان بها إلى بَلَد إقامته مثلاً، ولم يكن الطاعون وَقَعَ، فاتَّفَقَ وقوعه في أثناء تجهيزه فهذا لم يَقصِد الفِرار أصلاً، فلا يَدخُل في النَّهي. والثّالث: مَن عَرَضَت له حاجة فأراد الخروج إليها، وانضَمَّ إلى ذلك أنَّه قَصَدَ الرَّاحة من الإقامة بالبَلَدِ التي وَقَعَ بها الطاعون، فهذا مَحَلّ النِّراع. ومن جملة هذه الصّورة الأخيرة أن تكون الأرض التي وَقَعَ بها وَْمة، والأرض التي يريد التَّوُجُّه إليها صحيحة فيَتَوجَّه بهذا القصد، فهذا جاء النَّقل فيه عن السَّلَف مُخْتَلِفاً: فمَن مَنَعَ نظرَ إلى صورة الفِرار في الجملة، ومَن أجازَ نظرَ إلى أنَّه مُستَئنّى من عُموم الخروج فِراراً لأنَّه لم يَتَمَخَّض للِرار، وإنَّما هو لقصدِ التَّداوي، وعلى ذلك يُحمَل ما وَقَعَ في أثر أبي موسى المذكور (١): أنَّ عمر كَتَبَ إلى أبي عبيدة: إنَّ لي إليك حاجةً فلا تَضَع كتابي من يَدك حتَّى تُقبِل إليَّ، فَكَتَبَ إليه: إنّ قد عَرَفت حاجتك، وإنّ في جُند من المسلمينَ لا أجِد بنفسي رغبة عنهم، فكَتَبَ إليه: أمَّا بعد، فإنَّك نزلت بالمسلمينَ أرضاً غَميقة، فارفَعهم إلى أرضٍ نَزِهَةٍ، فَدَعَا أبو عبيدة أبا موسى، فقال: اخرُج فارتَدْ للمسلمينَ مَنزِلاً حتَّى أنتَقِل بهم، فذكر القصّة في اشتغال أبي موسى بأهلِهِ، ووقوع الطاعون بأبي عبيدة لمَّا وضَعَ رِجله في الرِّكاب مُتَوجِّهاً، وأنَّه نزلَ بالناس في مكان آخر فارتَفَعَ الطاعون. وقوله: ((غَميقة)) بغَينٍ مُعجَمة وقاف بوزنٍ عظيمة، أي: قريبة من المياه والتُّزوز، وذلك ممّا يَفسُد غالباً به الهواء لفسادِ المياه. والنَّرِهة: / الفَسيحة البعيدة عن الوَخَم. فهذا ١٨٩/١٠ يدلُّ على أنَّ عمر رأى أنَّ النَّهي عن الخروج إنَّما هو لمن قَصَدَ الفِرار مُتَمَخِّضاً، ولعلَّه كانت له حاجةٌ بأبي عُبيدة في نفس الأمر فلذلك استدعاه، وظنَّ أبو عُبيدة أنَّه إنَّما طلبَه ليَسلم من وقوع الطاعون به، فاعتَذَرَ عن إجابته لذلك، وقد كان أمر عمر لأبي عبيدة بذلك بعد سماعهما للحديثِ المذكور من عبد الرّحمن بن عَوْف، فتأوَّلَ عمرُ فيه ما تأوَّلَ، واستَمرَّ أبو عُبيدة على الأخذ بظاهره. (١) يعني الذي أخرجه الطحاوي ٣٠٥/٤ وغيره، وقد أشار إليه الحافظ قريباً وحسَّنه. ٥٢٨ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٠ فتح الباري بشرح البخاري وأيَّدَ الطَّحَاويُّ صنيع عمر بقصَّة العُرَنِيِّينَ، فإنَّ خروجهم من المدينة كان للعلاجِ لا للفِرار، وهو واضح من قِصَّتهم لأنَّهم شَكَوا وَخَم المدينة، وأنَّها لم توافق أجسامهم، وكان خروجهم من ضَرُورة الواقع، لأنَّ الإبل التي أُمِروا أن يَتَداوَوا بألبانها وأبوالها واستنشاق روائحها ما كانت تَتَهيَّا إقامَتها بالبَلَد، وإنَّما كانت في مَراعيها فلذلك خَرَجوا، وقد لَحَظَ البخاريّ ذلك فَتَرجَمَ قبل ترجمة الطاعون: ((مَن خَرَجَ من الأرض التي لا تُلايمه))، وساقَ قصَّة العُرَنِّينَ. ويَدخُل فيه ما أخرجه أبو داود (٣٩٢٣) من حديث فَروة بن مُسَيك، بمُهمَلةٍ وكافٍ مُصغَّر، قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ عندنا أرضاً يقال لها: أبيَنُ هي أرضُ ريفِنا ومِيرَتنا، وهي وبئة، فقال: ((دَعها عنك، فإنَّ من القَرَف التَّف))(١). قال ابن قُتَيبة: القَرَف: القُرب من الوباء، وقال الخطّابيّ: ليس في هذا إثبات العَدوى، وإنَّما هو من باب التَّداوي، فإنَّ استصلاح الأهوية من أنفَع الأشياء في تصحيح البَدَن وبالعكس، واحتَجّوا أيضاً بالقياس على الفِرار من المجذوم، وقد ورَدَ الأمر به كما تقدَّمَ، والجواب أنَّ الخروج من البَلَد التي وَقَعَ بها الطاعون قد ثَبَتَ النَّهي عنه، والمجذوم قد ورَدَ الأمر بالفِرار منه، فكيف يَصِحّ القياس؟ وقد تقدَّم في ((باب الجُذام))(٢) من بيان الحكمة في ذلك ما يُغني عن إعادته. وقد ذكر العلماء في النَّهي عن الخروج حِكَماً: منها أنَّ الطاعون في الغالب يكون عاماً في البَلَد الذي يقع به، فإذا وَقَعَ فالظّاهر مُداخلة سببه لمن بها فلا يفيده الفِرار، لأنَّ المفسَدة إذا تَعيَّنَت، حتَّى لا يقعُ الانفكاك عنها، كان الفِرار عَبَثاً فلا يَلِيق بالعاقل، ومنها أنَّ الناس لو تَوارَدوا على الخروج لَصارَ مَن عَجَزَ عنه، بالمرضِ المذكور أو بغيره، ضائعَ المصلحة لِفَقْدِ مَن يَتَعَهَّده حَيّاً وميِّناً، وأيضاً فلو شُرِعَ الخروج فخَرَجَ الأقوياء لكان في ذلك کسر قلوب الضُّعَفاء، وقد قالوا: إنَّ حِكمة الوعيد في الفِرار من الزَّحف لما فيه من كسر قلب مَن لم یفِرّ وإدخال الرُّعب علیه بخذلانه. (١) إسناده ضعيف. (٢) وهو الباب رقم (١٩). ٥٢٩ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٠ كتاب الطب وقد جَمَعَ الغَزاليّ بين الأمرَينِ فقال: الهواء لا يَضُرّ من حيثُ مُلاقاتُه ظاهرَ البَدَن، بل من حيثُ دَوامُ الاستنشاق فيَصِل إلى القلب والرِّئة فيُؤثِّر في الباطن، ولا يظهر على الظّاهر إلّا بعد التَّأثير في الباطن، فالخارج من البَلَد الذي يقع به لا يَخلُص غالباً مَّا استَحكَمَ به. ويَنضاف إلى ذلك أنَّه لو رُخِّصَ للأصِحّاءِ في الخروج لَيَقِيَ المرضَى لا يَجِدونَ مَن يَتَعاهَدهم فتَضيع مصالحهم. ومنها ما ذكره بعض الأطبّاء أنَّ المكان الذي يقع به الوباء تَتَكَيَّف أمزِجة أهله بهَواءِ تلك البُقعة وتألَفها وتصير لهم كالأهوية الصَّحيحة لغيرهم، فلو انتقلوا إلى الأماكن الصَّحيحة لم يوافقهم، بل رُبَّما إذا استَنشَقوا هَواءَها استصحَبَ معه إلى القلب من الأبخِرة الَّدِيّة التي حَصَلَ تَكَيُّفُ بَدَنه بها فأفسَدَته، فمُنِعَ من الخروج لهذه النُكتة. ومنها ما تقدَّم أنَّ الخارج يقول: لو أقَمتُ لَأُصِبتُ، والمقيم يقول: لو خَرَجتُ لَسَلِمتُ، فيقع في اللَّ المنهيّ عنه(١)، والله أعلم. وقال الشَّيخ أبو محمّد بن أبي جَمْرة في قوله: ((فلا تَقْدَموا عليه)»: فيه مَنع مُعارضة مُتَضَمِّنِ الحكمة بالقَدَر، وهو من مادّة قوله تعالى: ﴿ تُلْظُّواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّلْكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفي قوله: ((فلا تَخُرُجوا فِراراً مِنه)) إشارة إلى الوقوف مع المقدور والرِّضا به. قال: وأيضاً فالبلاء إذا نزلَ إِنَّما يُقْصَد به أهلُ البُقعة لا البُقعةُ نفسُها، فمَن أراد اللهُ إنزالَ البلاء به فهو واقع به لا محالة، فأينَمَا تَوجَّهَ يُدرِكه، فأرشَدَه الشّارع إلى عَدَم النَّصَب من / غير أن ١٩٠/١٠ يَدفَع ذلك المحذور. وقال الشَّيخ تَقيّ الدّين بن دَقيق العيد: الذي يَتَرَجَّح عندي في الجمع بينهما أنَّ في الإقدام عليه تعريض النَّفس للبلاء، ولعلَّها لا تَصبِرِ عليه، ورُبَّما كان فيه ضربٌ مِن الدَّعوى المقام الصَّبر أو التَّوكُّل، فمُنِعَ ذلك حَذَراً من اغترار النَّس ودَعواها ما لا تَنْبُت عليه عند (١) يعني في قوله وَّية: ((إن أصابك شيء فلا تقُل: لو أني فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فَعَلَ، فإن لو تفتح عمل الشيطان)»، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (٢٦٦٤). ٥٣٠ باب ٣٠ / ح ٥٧٣١ فتح الباري بشرح البخاري الاختبار، وأمَّا الفِرار فقد يكون داخلاً في التَّوغُّل في الأسباب بصورة مَن يُحاول النَّجاة بما قَدَرَ عليه، فأمَرَنا الشّارع بتَركِ التَّكَلَّف في الحالتَين، ومن هذه المادّة قوله وَّ: ((لا تَتَمِنَّوا لقاء العدوّ، وإذا لَقيتُموهم فاصِروا))(١). فأمَرَ بتَركِ التَّمَنّي لمَا فيه من التَّعَرُّض للبلاء، وخَوف اغترار النَّفْس، إذ لا يُؤْمَن غَدرها عند الوقوع، ثمَّ أمَرَهم بالصَّيرِ عند الوقوع تسليماً لأمرِ الله تعالى. وفي قصَّة عمر من الفوائد مشروعيَّة المناظرة، والاستشارة في النَّوازِل، وفي الأحكام. وأنَّ الاختلاف لا يوجِب حُكماً، وأنَّ الاتِّفاق هو الذي يوجِبه، وأنَّ الرُّجوع عند الاختلاف إلى النَّصّ، وأنَّ النَّصّ يُسَمَّى عِلماً. وأنَّ الأُمور كلّها تجري بقَدَرِ الله وعِلمه. وأنَّ العالم قد يكون عنده ما لا يكون عند غيره ممَّن هو أعلم منه. وفيه وجوب العَمَل بخَيَرِ الواحد، وهو من أقوى الأدلّة على ذلك، لأنَّ ذلك كان باتِّفاق أهل الحَّ والعَقد من الصحابة، فقَبِلوه من عبد الرَّحمن بن عَوْف ولم يَطلُبوا معه مُقَوّياً. وفيه التَّرجيح بالأكثرِ عَدَداً والأكثر تَجِرِبة لرُجوع عمر لقولِ مَشيخة قُرَيش مع من انضَمَّ إليهم مَمَّن وافَقَ رأيهم من المهاجرين والأنصار، فإنَّ مجموع ذلك أكثرُ من عَدَد مَن خالَفَه مِن كلِّ مِن المهاجِرِينَ والأنصار، ووازَنَ ما عند الذينَ خالَفوا ذلك من مزيد الفضل في العلم والدّين ما عند المشيخة من السِّنّ والتَّجارِب، فلمَّا تَعادَلوا من هذه الحيثيّة رَجَّحَ بالكَثْرة، ووافَقَ اجتهادُه النَّصَّ، فلذلك حَمِدَ الله تعالى على توفيقه لذلك. وفيه تَفَقُّد الإمام أحوالَ رَعيَّتَه لما فيه من إزالة ظُلم المظلوم، وكَشف كُربة المكروب، ورَدع أهل الفساد، وإظهار الشَّرائع والشَّعائر، وتنزيل الناسِ مَنازِلَم. ٥٧٣١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نُعَيمِ المُجْمِرِ، عن أبي هريرةَ هُ﴾، قال: قال رسولُ الله ◌َفيِ: (( لا يَدخُلُ المدينةَ المسيحُ ولا الطّاعون)). (١) تقدم برقم (٢٩٦٦). ٥٣١ باب ٣٠ / ح ٥٧٣١ كتاب الطب الحديث الثالث: حديث أبي هريرة: ((لا يَدخُل المدينةَ المسيحُ ولا الطاعون)) كذا أورَدَه مختصراً، وقد أورَدَه في الحجّ (١٨٨٠) عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك أتمَّ من هذا بلفظ: ((على أنقاب المدينة ملائكة، لا يَدخُلها الطاعون ولا الدَّجّال)). وقَدَّمتُ هناك ما يَتَعلَّق بالدَّجّال، وأخرجه في الفتن (٧١٣٣) عن القَعنبيّ عن مالك كذلك، ومن حديث أنس (٧١٣٤) رَفَعَه: «المدينة يأتيها الدَّجّال فيَجِد الملائكة، فلا يَدخُلها الدَّجّال ولا الطاعون إن شاء الله تَعالَى)). وقد استُشكِلَ عَدَم دخول الطاعون المدينة مع كَون الطاعون شهادةً، وكيف قُرِنَ بالدَّجّال ومُدِحَتِ المدينة بعَدَم دخولهما؟ والجواب أنَّ كَون الطاعون شهادةً ليس المراد بوصفِه بذلك ذاتَه، وإنَّما المراد أنَّ ذلك يَتَرَتَب عليه ويَنشَأ عنه لكَونِه سببَه، فإذا استُحِضِرَ ما تقدَّم من أنَّه طَعْن الجِنّ حَسُنَ مَدح المدينة بعَدَمِ دخوله إيّاها، فإنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ كفَّار الجِنّ وشياطينهم ممنوعونَ من دخول المدينة، ومَن اتَّفَقَ دخوله إليها لا يتمكّن من طَعْن أحد منهم. فإن قيل: طَعن الجِنّ لا يَخْتَصّ بكفَّارهم بل قد يقع من مُؤمِنیھم، قلنا: دخول كفَّار الإنس المدينةَ ممنوعٌ، فإذا لم يَسكُن المدينة إلّا مَن يُظهِر الإسلام، جَرَت عليه أحكام المسلمينَ، ولو لم يكن خالص الإسلام، فحَصَلَ الأمن من وصول الجِنّ إلى طَعنهم بذلك، فلذلك لم يَدخُلها الطاعون أصلاً. وقد أجابَ القُرطُبيّ في ((المفهم)) عن ذلك فقال: المعنى لا يَدخُلها مِن الطاعون مِثلُ الذي وَقَعَ في غيرِها كَطاعونِ عَمَواس والجارف(١). وهذا الذي قاله يقتضي تسلیم أنَّه دَخَلَها في الجملة، وليس كذلك فقد جَزَمَ ابن قُتَيبة في ((المعارف)) وتَبِعَه جمعٌ جَمِّ من آخرهم الشَّيخ مُحيي الدّين النَّوويّ في ((الأذكار)): بأنَّ الطاعون لم يَدخُل المدينة أصلاً ولا مَكّة أيضاً، لكن نَقَلَ جماعة: أنَّه دَخَلَ مَكّة في الطاعون العامّ الذي كان في سنة تسع وأربعينَ وسبع مئة، بخِلَاف المدينة، فلم يَذكُر أحد قَطُّ أنَّه وَقَعَ بها الطاعون أصلاً، (١) طاعون الجارف: طاعون نزل بالبصرة في زمن ابن الزبير، وسُميَ جارفاً لأنه كان ذَريعاً جَرَفَ الناسَ. ٥٣٢ باب ٣٠ / ح ٥٧٣١ فتح الباري بشرح البخاري ١٩١/١٠ ولعلَّ / القُرطُبِيّ بَنَى على أنَّ الطاعون أعَمّ من الوباء، أو أنَّه هو، وأنَّه الذي يَنشَأ عن فساد الهواء فيقع به الموتُ الكثيرُ، وقد مَضَى في الجنائز(١) من ((صحيح البخاريّ)) قولُ أبي الأسود: قَدِمت المدينة وهم يموتونَ بها موتاً ذريعاً. فهذا وَقَعَ بالمدينة وهو وباء بلا شكٌّ، ولكنِ الشَّأن في تسميته طاعوناً، والحقّ أنَّ المراد بالطاعونِ في هذا الحديث المنفيِّ دخولُه المدينةَ الذي يَنشَأ عن طَعْن الجِنّ، فيَهيج بذلك الطَّعن الدَّمُ في البَدَن فيَقتُل، فهذا لم يَدخُلِ المدينة قَطُّ، فلم يَتَّضِح جواب القُرطُبيّ، وأجابَ غيره بأنَّ سبب التَّرجمة لم يَنحَصِر في الطاعون، وقد قال رَّي: ((ولكنَّ عافيتك أوسَع لي))(٢) فكان مَنع دخول الطاعونِ المدينةَ من خصائص المدينة ولوازم دعاء النبيّ وَّ لها بالصِّحّة. وقال آخر: هذا من المعجِزات المحمَّديَّة، لأنَّ الأطباء من أوَّلهم إلى آخرهم عَجَزوا أن يَدِفَعوا الطاعون عن بَلَد بل عن قرية، وقد امتَنَعَ الطاعون عن المدينة هذه الدُّهور الطَّويلة. قلت: وهو كلام صحيح، ولكن ليس هو جواباً عن الإشكال. ومن الأجوبة أنَّه وَه عَوَّضَهم عن الطاعون بالحُمَّى، لأنَّ الطاعون يأتي مرَّة بعد مرَّة والحُمَّى تَتَكَرَّر في كلّ حين، فيَتَعادَلان في الأجر ويَتِمّ المراد من عَدَم دخول الطاعون لبعضٍ ما تقدَّم من الأسباب. ويظهر لي جواب آخر بعد استحضار الحديث الذي أخرجه أحمد (٢٠٧٦٧) من رواية أبي عَسيب - بمُهمَلتَينِ آخرِه موخَّدة، وزن عظيم - رَفَعَه: ((أتاني جِبْريل بالحُمَّى والطاعون، فأمسَكت الحُمَّى بالمدينة، وأرسَلت الطاعون إلى الشّام)) وهو أنَّ الحكمة في ذلك أنَّه ◌ِلَيه لمَّا دَخَلَ المدينة كان في قِلّةٍ من أصحابه عَدَداً ومَدَداً، وكانت المدينة وبئة كما سَبَقَ من حديث (١) هذا لفظ الرواية المتقدمة في الشهادات (٢٦٤٣)، وأما لفظ الرواية التي في الجنائز (١٣٦٨) فبنحو رواية الشهادات. (٢) هذا جزء من دعائه ول﴿ الذي دعا به لما ردَّه أهل الطائف، وقد أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٤٧٦٤)، وفي ((الدعاء)) (١٠٣٦)، والخطيب البغدادي في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (١٨٣٩) من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو في ((سيرة ابن هشام)) ١ / ٤٢٠ من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن زياد مولى عبد الله بن عياش عن محمد بن كعب القرظي مرسلاً. ٥٣٣ باب ٣٠ / ح ٥٧٣١ كتاب الطب عائشة (١٨٨٩)، ثمَّ خُيِّرَ النبيّ ◌َ له في أمرَينِ يَحَصُل بكلِّ منهما الأجر الجزيل، فاختارَ الْحُمَّى حينئذٍ لِقِلّة الموت بها غالباً، بخِلَاف الطاعون، ثمَّ لمَّا احتاجَ إلى جهاد الكفَّار وأُذِنَ له في القتال كانت قضيَّةُ استمرار الحُمَّى بالمدينة أن تَضعُف أجساد الذينَ يحتاجونَ إلى التَّقوية لأجلِ الجهاد، فدَعَا بنَقلِ الحُمَّى من المدينة إلى الجُحفة، فعادتِ المدینةُ أصحّ بلاد الله بعد أن كانت بخِلَاف ذلك، ثمَّ كانوا من حينئذٍ مَن فاتَته الشَّهادة بالطاعونِ رُبَّمَا حَصَلَت له بالقتل في سبيل الله، ومَن فاتَه ذلك حَصَلَت له الحُمَّى التي هي حَظّ المؤمن من النار، ثمَّ استَمرَّ ذلك بالمدينة تمييزاً لها عن غيرها لتَحقُّقِ إجابة دَعَوته وظُهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خَبَرَه هذه المدّةَ المتطاولةَ، والله أعلم. تنبيه: سيأتي في ذِكْر الدَّجّال في أواخر كتاب الفتن (٧١٣٤) حديث أنس، وفيه: ((فَيَجِد الملائكةَ يَجِرُسونَها، فلا يَقرَبُها الدَّجّال ولا الطاعون إن شاء الله تَعالَى)) وأنَّه اختُلِفَ في هذا الاستثناء، فقيل: هو للتبرُّكِ فَيَشمَلهما، وقيل: هو للتَّعليق، وأنَّه يَخْتَصّ بالطاعونِ وأنَّ مُقتَضاه جواز دخول الطاعون المدينةَ. ووَقَعَ في بعض طرق حديث أبي هريرة: ((المدينة ومَكّة محفوفَتان بالملائكة، على كلّ نَقْب منهما مَلَك، لا يَدخُلهما الدَّجّال ولا الطاعون)) أخرجه عمر بن شَبّة في ((كتاب مَكّة)) عن سُريج عن فُلَيح عن العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيّ وَّر بهذا، ورجاله رجال الصَّحيح(١). وعلى هذا فالذي نُقِل أنَّه وُجِدَ في سنة تسع وأربعينَ وسبع مئة منه ليس كما ظنَّ مَن نَقَلَ ذلك، أو يُجاب إن تَحَقَّقَ ذلك بجوابِ القُرطُبيّ المتقدِّم. (١) كذا أورد الحافظ إسناده، وهو وهم إما من عمر بن شبة أو من الحافظ، فالحديث لعُمر بن العلاء الثقفي عن أبيه، عن أبي هريرة، فقد أخرجه أحمد (١٠٢٦٥)، وابن أبي خيثمة في ((التاريخ الكبير)) في السّفر الثالث منه (٣٠٢) عن سريج بن النعمان عن فليح عن عمر بن العلاء الثقفي عن أبيه عن أبي هريرة، وكذلك أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٣٠٨/١٤ من طريق سعيد بن منصور عن فلیح. وقال ابن كثير في «النهاية في الفتن والملاحم)) ١٦١/١: هذا غريب جداً، وذكر مكة في هذا ليس محفوظاً. ٥٣٤ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٢ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الرابع: ٥٧٣٢ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حذَّثنا عاصمٌ، حدَّثْني حفصةٌ بنتُ سِيرِينَ، قالت: قال لي أنسُ بنُ مالكِ عُ: يحيى بِمَ ماتَ؟ قلتُ: مِنَ الطّاعونِ، قال: قال رسولُ اللهَوَّ: ((الطّاعونُ شهادةٌ لكلِّ مسلمٍ». قوله: ((عبد الواحد)) هو ابن زياد، وعاصم: هو ابن سليمان الأحول، والإسناد كلّه بصريّونَ. قوله: ((قالت: قال لي أنس)) ليس لحفصة بنت سِيرِين عن أنس في البخاريّ إلّا هذا الحديث. قوله: ((يحيى بمَ ماتَ؟)) أي: بأيِّ شيءٍ ماتَ؟ ووَقَعَ في رواية: ((بما ماتَ؟)) بإشباع الميم وهو للأَصِيلِيّ، وهي ما الاستفهاميَّة، لكن اشتَهَرَ حذف الألف منها إذا دَخَلَ عليها حرف جَرّ. ويحيى المذكور: هو ابن سِيرِين أخو حفصة، ووَقَعَ في رواية مسلم (١٩١٦) يحيى بن أبي عَمْرة، وهو ابن سِيرِين لأنَّها كُنية سِيرِين، وكانت وفاة يحيى في حُدود التِّسعينَ من ١٩٢/١٠ الهجرة على ما يُورَد من / هذا الحديث، لكن أخرج البخاريّ في ((التاريخ الأوسط)) (٨٠٦) من طريق حمّاد عن يحيى بن عَتيق: سمعت يحيى بن سِيرِين ومحمَّد بن سِيرِين يَتَذاكَران الساعة التي في الجمعة)) نَقَلَه بعد موت أنس بن مالك، أراد أنَّ يحيى بن سِيرِين ماتَ بعد أنس بن مالك، فيكون حديث حفصة خطأ. انتهى، وتخريجه لحديثِ حفصة في ((الصَّحيح)) يقتضي أنَّه ظَهَرَ له أنَّ حديث يحيى بن عَتيق خطأ، وقد قال في ((التاريخ الصَّغير)): حديث يحيى بن عتيق عن حفصة خطأ، فإذا جُوِّزَ عليه الخطأُ في حديثه عن حفصة، جازَ تجويزه عليه في قوله: يحيى بن سِيرِين، فلعلَّه كان أنسَ بن سِيرِين، والله أعلم. قوله: ((الطّاعونُ شهادةٌ لكلِّ مسلم)) أي: يقع به، هكذا جاء مُطلَقاً في حديث أنس، وسيأتي مُقيَّداً بثلاثة قُيود في حديث عائشة الذي في الباب بعده، وكأنَّ هذا هو السِّ في إيراده عَقِبه. ٥٣٥ باب ٣٠-٣١ / ح ٥٧٣٣ -٥٧٣٤ كتاب الطب ٥٧٣٣- حذَّثنا أبو عاصم، عن مالكِ، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((المَبْطُونُ شَهِيدٌ، والمَطْعونُ شَهِيدٌ)). الحديث الخامس: حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((المبطون شهيدٌ، والمطعون شهيدٌ)) هكذا أورَدَه مختصراً مُقتَصِراً على هاتَينِ الخَصلَتَين، وقد أورَدَه في الجهاد (٢٨٢٩) من رواية عبد الله بن يوسف عن مالك مُطوَّلاً بلفظ: ((الشُّهَداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهَدْم، والمقتول في سبيل الله)(١)، وأشرت هناك إلى الأخبار الواردة في الزّيادة على الخمسة، والمراد بالمطعونِ: مَن طَعَنَه الجِنّ، كما تقدَّم تقريره في أوَّل الباب. ٣١- باب أجرِ الصّابِرِ على الطّاعون ٥٧٣٤- حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا حَبّانُ، حدَّثنا داودُ بنُ أبي الفُرَات، حدَّثنا عبدُ الله بنُ بُرَيدةَ، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ، عن عائشةَ زَوْجِ النبيِّ وَّهِ، أَنَّهَا أخبَرَتْنا: أنَّهَا سألَت رسولَ الله ◌َهل عن الطّاعونِ، فأخبَرَها نبيُّ الله ◌َّ: ((أَنَّه كان عذاباً يَبْعَثُه الله على مَن يَشاءُ، فَجَعَلَه الله رحمةً للمؤمنينَ، فليس من عبدٍ يَقَعُ الطاعونُ، فَيَمْكُثُ في بَدِه صابراً يَعْلَمُ أنَّه لن يُصِيبَه إلّا ما كَتَبَ الله له، إلّا كان له مِثلُ أجْرِ الشَّهیدِ». تابَعَه النَّضْرُ، عن داودَ. قوله: ((باب أجْر الصّابِرِ على الطّاعون)) أي: سواء وَقَعَ به أو وَقَعَ في بَلَدِ هو مُقیمٌ بها. قوله: (حدَّثنا إسحاق)) هو ابن راهويه، وحَبّان بفتح المهمَلة وتشديد الموحَّدة: هو ابن هلال، ويحيى بن يَعمَر بفتح التَّحتانيَّة والميم بينهما عين مُهمَلة ساكنة وآخره راء. قوله: ((أنَّهَا سألَت رسول الله وَّةِ عن الطّاعون)) في رواية أحمد (٢٦١٣٩) من هذا الوجه عن عائشة: قالت: سألتُ. قوله: ((أنَّه كان عذاباً يَبْعَثِه الله على مَن يَشاء)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((على مَن شاءَ)) أي: من كافر أو عاصٍ كما تقدَّم(٢) في قصَّة آل فِرِ عَون، وفي قصَّة أصحاب موسی مع بَلْعام. (١) لفظه: ((والشهيد في سبيل الله)). (٢) في أواخر شرح الحديث السالف برقم (٥٧٢٨). ٥٣٦ باب ٣١ / ح ٥٧٣٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فجعله الله رحمة للمؤمنينَ)) أي: من هذه الأُمّة، وفي حديث أبي عَسِيب عند أحمد (٢٠٧٦٧): ((فالطاعون شهادة للمؤمنينَ ورحمة لهم، ورِجسٌ على الكافر)) وهو صريح في أنَّ كون الطاعون رحمةً إنَّما هو خاصٌّ بالمسلمينَ، وإذا وَقَعَ بالكفَّار فإنَّما هو عذاب عليهم يُعَجَّل لهم في الدُّنيا قبل الآخرة، وأمَّا العاصي من هذه الأُمّة فهل يكون الطاعون له شهادة أو يَخْتَصّ بالمؤمنِ الكامل؟ فيه نظر، والمراد بالعاصي مَن يكون مُرتَكِب الكبيرة ويَهجُم عليه ذلك وهو مُصِرّ، فإنَّه يحتمل أن يقال: لا يُكرَّم بدرجة الشَّهادة لشُؤم ما كان مُتَلِبِّساً به، لقولِه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَن ◌َجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [الجاثية: ٢١]، وأيضاً فقد وَقَعَ في حديث ابن عمر ما يدلّ على أنَّ الطاعون ١٩٣/١٠ يَنشَأ عن ظُهور الفاحشة، أخرجه ابن ماجَهْ/ (٤٠١٩)، والبيهقيُّ(١) بلفظ: «لم تظهر الفاحشةُ في قوم قَطُّ حتَّى يُعلِنوا بها، إلّا فشا فيهم الطاعونُ والأوجاع التي لم تكن مَضَت في أسلافهم)) الحديث، وفي إسناده خالد بن يزيد بن أبي مالك وكان من فقهاء الشّام، لكنَّه ضعيف عند أحمد وابن مَعِين وغيرهما، ووثَّقه أحمد بن صالح المِصريّ وأبو زُرْعة الدِّمَشقيّ، وقال ابن حِبّان: كان يُطِئ كثيراً. وله شاهد عن ابن عبّاس في ((الموطَّأ)) (٢/ ٤٦٠) بلفظ: ولا فشا الزِّنى في قوم قطُّ إلّا كَثُرَ فيهم الموت ... الحديث(٢)، وفيه انقطاع، وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٧) من وجه آخر موصولاً بلفظ: ((إذا ظَهَرَ الزُّنى والرِّبا في قرية فقد أحَلُّوا بأنفُسِهِم عذابَ الله))، وللطَّبَرانيّ (١٠٩٩٢) موصولاً من وجه آخر عن ابن عبّاس نحو سياق مالك، وفي سنده مقال، وله من حديث عَمْرو بن العاص بلفظ: ((ما من قوم يظهر فيهم الزّنى إلّا أُخِذوا بالفَناءِ)) الحديث، وسنده ضعيف، وفي حديث بُرَيدة عند الحاكم (١٢٦/٢) بسندٍ جيِّد بلفظ: ((ولا ظَهَرَتِ الفاحشةُ (١) في ((شعب الإيمان)) (٣٣١٥) و(١٠٥٥٠) بإسنادين ليس فيهما خالد بن يزيد بن أبي مالك، وإنما هو في إسناد ابن ماجه فقط، والحديث بمجموع طرقه وشواهده حسنٌ. (٢) أخرجه مالكٌ عن يحيى بن سعيد بلاغاً عن ابن عباس موقوفاً، وأخرجه البيهقي في ((السنن)) (٣٤٦/٣) عن ابن عباس موقوفاً بسندٍ رجاله ثقات. ٥٣٧ باب ٣١ / ح ٥٧٣٤ كتاب الطب في قوم إلّا سَلَّطَ الله عليهم الموت))، ولأحمد من حديث عائشة (١) مرفوعاً: ((لا تَزال أمَّتي بخيرٍ ما لم يَفشُ فيهم ولد الزِّنى، فإذا فشا فيهم ولدُ الزّنى أوشَكَ أن يَعُمّهم الله بعِقَابٍ)) وسنده حسن. ففي هذه الأحاديث أنَّ الطاعون قد يقع عقوبةً بسببِ المعصية، فكيف يكون شهادة؟ ويحتمل أن يقال: بل تَحصُل له درجة الشَّهادة لعُموم الأخبار الواردة، ولا سيَّما في الحديث الذي قبله عن أنس (٥٧٣٢): «الطاعون شهادة لكلِّ مسلم))، ولا يَلزَمُ من حصول درجة الشَّهادة لمن اجتَرَحَ السَّيِّئَات مُساواةُ المؤمن الكامل في المنزلة، لأنَّ دَرَجات الشُّهَداء مُتَفاوتة، كنَظِيره من العُصاة إذا قُتِلَ مجاهداً في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العُليا، مُقبِلاً غير مُدير، ومن رحمة الله بهذه الأُمّة المحمَّديَّة أن يُعَجِّل لهم العقوبة في الدُّنيا، ولا يُنافي ذلك أن يَحَصُّل لمن وَقَعَ به الطاعون أجرُ الشَّهادة، ولا سيّما وأكثرهم لم يُباشِر تلك الفاحشة، وإِنَّمَا عَمَّهم - والله أعلم - لتَقاعُدِهم عن إنكار المنكر. وقد أخرج أحمد (١٧٦٥٧) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٦٦٣) من حديث عُتبة بن عَبْدٍ(٢) رَفَعَه: ((القتل ثلاثة: رجلٌ جاهَدَ بنفسِه وماله في سبيل الله، حتَّى إذا لَقِيَ العدوَّ قاتَلهم حتَّى يُقتَل، فذاكَ الشَّهيد المفتَخِر في خَيْمة الله تحت عَرْشه، لا يَفضُله النبيّونَ إلّا بدرجة النُّبوّة. ورجلٌ مُؤمِن قَرَفَ على نفسه من الذُّنوب والخطايا، جاهَدَ بنفسِه وماله في سبيل الله، حتَّى إذا لَقِيَ العدوَّ قاتَلهم حتَّى يُقتَل فانمَحَت خطاياه، إنَّ السَّيف ◌َحّاءٌ للخَطَايا. ورجلٌ منافق جاهَدَ بنفسِه وماله حتَّى يُقتَل فهو في النار، إنَّ السَّيف لا يَمحُو النِّفاق))(٣). (١) كذا قال، وهو سبق قلم صوابه: من حديث ميمونة، وقد أخرجه أحمد (٢٦٨٣٠)، وأبو يعلى (٧٠٩١)، والطبراني في ((الكبير)) ٢٤/ (٥٥)، وإسناده ضعيف، وليس حسناً كما قال الحافظ بعدُ، فهو تساهلٌ منه رحمه الله. (٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: عبيد، بزيادة ياءٍ. (٣) في إسناده لِينٌ. ٥٣٨ باب ٣١ / ح ٥٧٣٤ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا الحديث الآخر الصَّحيح: ((إنَّ الشَّهيدَ يُغْفَر له كلّ شيء إلّا الدَّين))(١)، فإنَّه يُستَفاد منه أنَّ الشَّهادة لا تُكفِّرِ التَّبِعات، وحصول التَّبِعات لا يَمنَع حصولَ درجة الشَّهادة، ولیس للشَّهادة معنَى إلّا أنَّ الله يُثيب مَن حَصَلَت له ثواباً مخصوصاً ويُكرِمه كرامةً زائدة، وقد بيَّن الحديث أنَّ الله يَتَجاوز عنه ما عَدَا التَّبِعات، فلو فُرِضَ أنَّ للشَّهيدِ أعمالاً صالحة وقد كَفَّرَتِ الشَّهادة أعمالَه السَّيِّئَة غيرَ التَّبعات، فإنَّ أعماله الصالحة تَنفَعُه في مُوازَنة ما عليه من التَّبِعات وتَبقَى له درجة الشَّهادة خالصة، فإن لم يكن له أعمال صالحة فهو في المَشِيئة، والله أعلم. قوله: ((فليس من عبدٍ)) أي: مسلم ((يَقَع الطّاعون)) أي: في مكان هو فيه «فيَمْكُث في بلدِه)) في رواية أحمد (٢٦١٣٩): ((في بيته))، ويأتي في القَدَر (٦٦١٩) بلفظ: ((يكون فيه ويَمكُث فيه، ولا يَخْرُجِ من البَلَد)) أي: التي وَقَعَ فيها الطاعون. قوله: ((صابِراً)) أي: غير مُنزَعِج ولا قَلِقٍ، بل مُسَلِّماً لأمرِ الله راضياً بقضائه، وهذا قَيْد في حصول أجر الشَّهادة لمن يموت بالطاعون، وهو أن یمگُث بالمكان الذي يقع به، فلا يَخْرُج فِراراً منه كما تقدَّم النَّهيُ عنه في الباب الذي قبله صريحاً. وقوله: ((يعلم أنَّه لن يُصيبَه إلّا ما كَتَبَ الله له)) قَيْدٌ آخر، وهي جملة حاليَّة تتعلَّق بالإقامة، فلو مَكَثَ وهو قَلِقٌّ، أو مُتَنَدِّم على عَدَم الخروج، ظاناً أنَّه لو خَرَجَ لمَا وَقَعَ به أصلاً ورأساً، وأنَّه بإقامَتِه يقع به، فهذا لا يَحَصُل له أجر الشَّهيد ولو ماتَ بالطاعون، هذا الذي ١٩٤/١٠ يقتضيه مفهومٌ/ هذا الحديث، كما اقتَضَى مَنطوقُه أنَّ مَن اتَّصَفَ بالصِّفات المذكورة يَحَصُل له أجر الشَّهيد وإن لم يَمُت بالطاعون، ويَدخُل تحته ثلاث صور: مَن اتَّصَفَ بذلك فوَقَعَ به الطاعون فماتَ به، أو وَقَعَ به ولم يَمُت به، أو لم يقع به أصلاً وماتَ بغيره عاجلاً أو آجلاً. قوله: ((مِثلُ أجر الشَّهيد)) لعلَّ السِّرَّ في التَّعبير بالمِثليَّة مع تُبُوت التَّصريح بأنَّ مَن ماتَ بالطاعونِ كان شهيداً، أنَّ مَن لم يَمُت من هؤلاءِ بالطاعونِ، كان له مِثْلُ أجر الشَّهيد وإن لم تَحصُل له درجة الشَّهادة بعينها، وذلك أنَّ مَن أَنَّصَفَ بكَونِه شهيداً، أعلى درجةً مَمَّن وُعِدَ (١) أخرجه مسلم (١٨٨٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. ٥٣٩ باب ٣١ / ح ٥٧٣٤ كتاب الطب بأنَّه يُعطَى مِثلَ أجر الشَّهيد، ويكون كمَن خَرَجَ على نيَّة الجهاد في سبيل الله لتكونَ كلمةُ الله هي العُليا، فماتَ بسببٍ غير القتل. وأمَّا ما اقتَضَاه مفهومُ حديث الباب أنَّ مَن أَنَّصَفَ بالصِّفات المذكورة ووَقَعَ به الطاعون، ثمَّ لم يَمُت منه، أنَّه يَحصُل له ثواب الشّهيد، فيشهد له حديث ابن مسعود الذي أخرجه أحمد (٣٧٧٢) من طريق إبراهيم بن عُبيد بن رِفاعة، أنَّ أبا محمَّد أخبَرَه، وكان من أصحاب ابن مسعود، أنَّه حدَّثه عن رسول الله وَّه قال: ((إنَّ أكثر شُهَداء أمَّتي لَأصحاب الفُرُش، ورُبَّ قتيلٍ بين الصَّفَّين اللهُ أعلمُ بنَيَّتِه)، والضَّمير في قوله: أنَّه، لابنِ مسعود، فإنَّ أحمد أخرجه في مُسنَد ابن مسعود، ورجال سنده موثّقونَ(١). واستنِطَ من الحديث أنَّ مَن اتَّصَفَ بالصِّفات المذكورة، ثمَّ وَقَعَ به الطاعون فماتَ به أن يكون له أجر شهيدين، ولا مانع من تعدُّد الثَّواب بتعدُّدِ الأسباب، كمَن يموت غريباً بالطاعون، أو نُفَساءَ مع الصَّبر والاحتساب، والتَّحقيق فيما اقتَضاه حديث الباب أنَّه يكون شهيداً بوقوع الطاعون به، ويُضاف له مِثْلُ أجر الشَّهيد لصَبْره وثباته، فإنَّ درجة الشَّهادة شيء وأجر الشَّهادة شيء، وقد أشار إلى ذلك الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة وقال: هذا هو السِّ في قوله: ((والمطعون شهيد))، وفي قوله في هذا: ((فله مثلُ أجر شهيد))، ويُمكِن أن يقال: بل دَرَجات الشُّهَداء مُتَفاوتة، فأرفعُها مَن اتَّصَفَ بالصِّفات المذكورة وماتَ بالطاعون، ودونه في المرتَبَة مَن اتَّصَفَ بها وطُعِنَ ولم يَمُت به، ودونه مَن اتَّصَفَ ولم يُطعَن ولم يَمُت به. ويُستَفاد من الحديث أيضاً: أنَّ مَن لم يَتَّصِف بالصِّفات المذكورة لا يكون شهيداً ولو وَقَعَ الطاعون وماتَ به، فضلاً عن أن يموت بغيره، وذلك يَنشَأ عن شُؤْم الاعتراض الذي يَنْشَأ عنه التَّضَجُّر والتَّسَخُّط لقَدَرِ الله وكراهة لقاء الله، وما أشبه ذلك من الأُمور التي تَفُوت معها الخِصال المشروطة، والله أعلم. وقد جاء في بعض الأحاديث استواءُ شهيد الطاعون وشهيد المعركة، فأخرج أحمد (١) في الإسناد عبد الله بن لهيعة، وهو سيِّيء الحفظ كان قد اختلط، وأبو محمد لم يُسمَّ ولم يرو عنه غير إبراهيم بن عبيد فهو مجهول وإن ذكره ابن حبان في ((الثقات)»، فالإسناد ضعيف. ٥٤٠ باب ٣٢ / ح ٥٧٣٥ فتح الباري بشرح البخاري (١٧٦٥١) بسندٍ حسن عن عُتبة بن عبدِ السُّلَمَيّ رَفَعَه: ((يأتي الشُّهَداء والمتوقَّونَ بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحنُ شُهَداء، فيقال: انظُرُوا، فإن كان جِرَاحُهم كجِرَاح الشُّهَداء تسِیل دماً، وریھھا کریح المسك، فهم شُهَداء، فیچدونهم کذلك»، وله شاهد من حديث العِرباض بن سارية أخرجه أحمد (١٧١٥٩) أيضاً، والنَّسائيُّ (٣١٦٤) بسندٍ حسن أيضاً (١) بلفظ: ((يَخْتَصِم الشُّهَداءُ والمتوقَّونَ على فُرُشهم إلى رَبّنا عزَّ وجلَّ في الذينَ ماتوا بالطاعون، فيقول الشُّهَداء: إخواننا قُتِلوا كما قُتِلنا، ويقول الذينَ ماتوا على فُرُشهم: إخواننا ماتوا على فُرُشهم كما مُتنا، فيقول الله عزَّ وجلّ: انظُرُوا إلى جِراحهم، فإن أشبَهَت چِراحَ المقتولینَ فإنَّهم منهم، فإذا چِراحهم أشبهت چِراحهم))، زاد الكلاباذيّ في «معاني الأخبار» من هذا الوجه في آخره: ((فیلحقونَ بهم». قوله: ((تابَعَه النَّصْر عن داودَ)) النَّضر: هو ابن شُمَيلٍ، وداود: هو ابن أبي الفُرات، وقد أَخرج طريق النَّضر في كتاب القَدَر (٦٦١٩) عن إسحاق بن إبراهيم عنه، وتقدَّم موصولاً أيضاً في ذِكْر بني إسرائيل (٣٤٧٤) عن موسى بن إسماعيل، وأخرجه أحمد عن عَفّان وعبد الصَّمَد بن عبد الوارث وأبي عبد الرَّحمن المقرئ(٢)، والنَّسائيُّ (ك٧٤٨٥) من طريق يونس بن محمَّد المؤَدِّب، كلّهم عن داود بن أبي الفُرات، وإنَّما ذكرت ذلك لئلا يُتوهّم أنَّ البخاريّ أراد بقولِه: ١٩٥/١٠ (تابَعَه النَّضر)) إزالةَ تَوهُم مَن / يَتَوهَّم تَفُرُّد حَبّان بن هلال به، فَيَظُنّ أنَّه لم يَزْوه غيرهما، ولم يُرِد البخاريّ ذلك، وإنَّما أراد إزالة تَوهُّم التفرّد به فقط، ولم يُرِد الحَصْر فيهما، والله أعلم. ٣٢- باب الرُّقَى بالقرآنِ والمعوِّذات ٥٧٣٥ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يَنْفِثُ على نفسِه في المرضِ الذي ماتَ فيه بالمعوِّذاتِ، فلمَّا تَقُلَ كنتُ أَنِفِثُ عليهِ بِنَّ، وأمسَحُ بيدِه نفسَه لِبَرَكَتِها. (١) كما هو مبيَّن في التعليق على ((مسند أحمد»، لكنه يتحسَّن بما قبله. (٢) لم يروه أحمد في ((المسند)) عن عفان، وإنما عن يونس بن محمد (٢٤٣٥٨)، وعن عبد الصمد بن عبد الوارث (٢٦١٣٩)، وعن أبي عبد الرحمن المقرئ (٢٥٢١٢١).