النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ باب ٢٨ / ح ٥٧٢٦ كتاب الطب ولا القَعنبيّ ولا أبو مَصعَب ولا ابن بُكَير (١). انتهى، وكذا قال ابن عبد البَرِّ في ((التقصّي)). وقد أخرجه شيخنا في ((تقريبه)) من رواية أبي مَصعَب عن مالك، وهو ذهول منه، لأنَّه اعتَمَدَ فيه على ((الملخِّص)) للقاِسيّ، والقابِسيّ إنَّما أخرج ((الملخِّص)) من طريق ابن القاسم عن مالك، وهذا ثاني حديث عَثَرت عليه في ((تقريب الأسانيد)) لشيخنا عفا الله تعالى عنه من هذا الجِنس، وقد نَّبَّهت عليه نصيحةً لله تعالى، والله أعلم. وقد أخرجه الدّارَ قُطنيُّ والإسماعيليّ من رواية حَرْمَلة عن الشافعيّ(٢)، وأخرجه الدّارَ قُطْنيُّ من طريق سعيد بن عُفَير، ومن طريق سعيد بن داود، ولم يُخرجه ابن عبد البَرِّ في ((التَّمهيد)) لأنَّه ليس في رواية يحيى بن يحيى اللَّيثيّ، والله أعلم. قوله: ((فأطْفِئوها)) بهمزة قطع ثمَّ طاء مُهمَلة وفاء مكسورة ثمَّ همزة: أمر بالإطفاء، وتقدَّم في رواية عُبيد الله بن عمر عن نافع في صِفَة النار من بَدْء الخلق (٣٢٦٤) بلفظ: ((فابرُدُوها))، والمشهور في ضبطها بهمزة وصل والرَّاء مضمومة، وحُكي كسرها، يقال: بَرَدْتُ الحُمَّى أَبْرُدُها بَرْداً، بوزنٍ قَتَلتُها أقتُلها قتْلاً، أي: أسكنتُ حَرارتها، قال شاعر الحماسة(٣): إذا وجدتُ لَيبَ الحُبِّ في كَبِدي أقبلتُ نحوَ سِقاءِ القومِ أَبتَرِدُ هَبْني بَرَدْتُ بَبَرْد الماءِ ظاهرَهُ فمَن لِنارٍ على الأحشاء تَّقِدُ (١) جاء هذا الحديث في مطبوع محمد فؤاد عبد الباقي ٢/ ٩٤٥، فأوهم أنه في رواية يحيى بن يحيى الليثي، وليس هو في النسخ العتيقة المعتمدة التي بأيدينا من رواية يحيى الليثي، ولا ذكره ابن عبد البر في (التمهيد» في جملة أحاديث مالك عن نافع عن ابن عمر، ومعلوم أنه اعتمد فيه روایة یحیی الليثي، على أنَّ هذا الحديث قد ذكره ابن العربي في كتابه ((المسالك)) ٧/ ٤٦٢، وكان قد اعتمد رواية يحيى الليثي فيه أيضاً، فلعله وقع في بعض النسخ القديمة التي برواية يحيى الليثي دون بعض، والله تعالى أعلم. (٢) وأخرجه من طريقه أيضاً ابن حبان (٦٠٦٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٩/ ١٥٧، والبيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (١٦٤٥). (٣) هو عُروة بن أُذَينة، انظر ((الأغاني)) ٣٢٩/١٨. ٥٠٢ باب ٢٨ / ح ٥٧٢٦ فتح الباري بشرح البخاري وحكى عِيَاض روايةً بهمزة قطع مفتوحة وكسر الرَّاء، من أبرَدَ الشَّيء: إذا عالَجَه فصَيَّرَه بارداً، مِثل أسخَنَه: إذا صَيَّرَه سُخناً. وقد أشارَ إليها الخطَّبيّ. وقال الجوهريّ: إنّها لُغة رديئة. قوله: ((بالماءِ)) في حديث أبي هريرة عند ابن ماجَهْ (٣٤٧٥): ((بالماءِ البارد. ومثله في حديث سَمُرة عند أحمد(١). ووَقَعَ في حديث ابن عبّاس: ((بماءِ زَمزَم)) كما مَضَى في صِفَة النار (٣٢٦١) من رواية أبي جَمْرة، بالجيم، قال: كنتُ أُجالسُ ابن عبّاس بمَكّة، فأخَذَتْني الحُمَّى، وفي رواية أحمد (٢٦٤٩): كنتُ أدفَعُ الناسَ عن ابن عبّاس فاحتَبست أياماً فقال: ما حَبَسَك؟ قلت: الْحُمَّى، قال: ابْرُدْها بماءٍ زَمَزَم، فإنَّ رسولَ اللهِوَله قال: «الحُمَّى من فَيح جَهَنَّم فابْرُدُوها ١٧٦/١٠ بالماءِ أو بماءٍ زَمَزَم)) شَكَّ همَّام. كذا في راوية البخاريّ (٣٢٦١) من طريق أبي عامر / العَقَديّ عن همَّام. وقد تَعلَّقَ به مَن قال بأنَّ ذِكْر ماء زَمَزَم ليس قَيداً لشَكِّ راويه فيه. وممّن ذهب إلى ذلك ابن القَيِّم. وتُعقِّبَ بأَنَّه وَقَعَ في رواية أحمد (٢٦٤٩) عن عَفّان عن همَّامٍ: «فابرُدُوها بماءٍ زَمَزَم)) ولم يَشُكّ، وكذا أخرجه النَّسائيُّ (ك٧٥٦٨) وابن حِبّان (٦٠٦٨)، والحاكم (٢) من رواية عَفّان، وإن كان الحاكم وهم في استدراكه. وتَرجَمَ له ابن حِبّان بعد إیراده حديث ابن عمر (٦٠٦٦) فقال: ((ذكْرُ الخبر المفسِّر للماءِ المُجمَل في الحديث الذي قبله، وهو أنَّ شِدّة الحُمَّى تُبَرَد بماءٍ زَمزَم دونَ غيره من المياه)»، وساقَ حديث ابن عبّاس، وقد تُعقِّبَ - على تقدير أن لا شَكَّ في ذِكْر ماء زَمَزَم فيه - بأنَّ الخِطاب لأهلِ مَّة خاصّة لتَيَسُّرِ ماء زَمزَم عندهم، كما خُصَّ الخِطاب بأصلِ الأمر بأهلِ البلاد الحارّة. وخَفِيَ ذلك على بعض الناس. (١) هو عند أحمد (٢٢٤٢٥)، لكن من حديث ثوبان مولى رسول الله صل﴾، وأما حديث سمرة فهو عند البزار (٤٥٩٩)، والطبراني في «الكبير)) (٦٩٤٧) وغيرهما، وأسانيد الأحاديث الثلاثة ضعاف. (٢) رواية الحاكم ٤/ ٤٠٣ بإطلاق ذكر الماء، دون تقييده بأنه زمزم، لكن جاء عنده ٤ / ٢٠٠ من طريق عبد الله بن رجاء عن همام، بتقييده، فصار لهذا الحديث طريق أخرى غير طريقي عفان بن مسلم وأبي عامر العقدي. ٥٠٣ باب ٢٨ / ح ٥٧٢٦ كتاب الطب قال الخطَّبيُّ ومَن تَبِعَه: اعتَرَضَ بعضُ سُخَفاء الأطبّاء على هذا الحديث بأن قال: اغتسال المحموم بالماءِ خَطِرِ، يُقرِّبه من الهلاك، لأنَّه يجمع المسامَ ويَحَقُن البُخار ويَعكِس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون ذلك سبباً للتَّلَف. قال الخطَّبيُّ: غَلِطَ بعض مَن يُنسَب إلى العلم فانغَمَسَ في الماء لمَّا أصابته الحُمَّى، فاحتَقَنَتِ الحرارة في باطن بَدَنه فأصابته عِلّة صَعبة كادَت تُهلِكه، فلمَّا خَرَجَ من ◌ِلَّه قال قولاً سَيِّئاً لا يَحسُن ذِكْرُه، وإنَّما أوقَعَه في ذلك جھلُه بمعنی الحدیث. والجواب أنَّ هذا الإشكال صَدَرَ عن صَدْرٍ مُرتابٍ في صِدق الخبر، فيقال له أوَّلاً: مِن أين حَمَلت الأمر على الاغتسال؟ وليس في الحديث الصَّحيح بيان الكيفيّة فضلاً عن اختصاصها بالغُسْل، وإنَّما في الحديث الإرشاد إلى تَبريد الحُمَّى بالماء، فإن أظهَرَ الوجودُ أو اقتَضَت صِناعة الطِّبّ أنَّ انغماس كلّ محموم في الماء أو صَبَّه إيّاه على جميع بَدَنه يَضُرّه فليس هو المراد، وإنَّما قَصَدَ وَّل استعمال الماء على وجه يَنفَع، فليُبحَث عن ذلك الوجه ليَحصُل الانتفاع به، وهو كما وَقَعَ في أمره العائن بالاغتسال وأطلقَ (١)، وقد ظَهَرَ من الحديث الآخر أنَّه لم يُرِد مُطلَق الاغتسال، وإنَّما أراد الاغتسال على كيفيَّة مخصوصة(٢)، وأولَى ما يُحِمَل عليه كيفيَّة تَبريد الحُمَّى ما صَنَعَتْه أسماء بنت الصِّدّيق، فإنَّها كانت تَرُشّ على بَدَن المحموم شيئاً من الماء بين يَدَيه وثوبه، فيكون ذلك من باب النُّشرة(٣) المأذون فيها، والصحابيّ ولا سيّما مِثل أسماء التي هي ثمّن كان يُلازِم بيت النبيّ ◌َِّ أعلم بالمرادِ من غيرها، ولعلَّ هذا هو السِّ في إيراد البخاريّ لحديثِها عَقِب حديث ابن عمر المذكور، وهذا من بَدیع ترتيبه. (١) أخرجه مسلم (٢١٨٨)، والترمذي (٢٦٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٥٧٣) من حديث ابن عباس. (٢) أخرجه أحمد (١٥٩٨٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٩٦٦) من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، وهو أيضاً عند ابن ماجه (٣٥٠٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٥٧١) لكن جعلاه من حديث ابنه أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وأبو أمامة صحابي له رؤية، فلم يدرك القصة، فيحمل على أنه سمعها من أبيه، كما عند أحمد والنسائي (٩٩٦٦). (٣) سيذكر الحافظ تفسيرها عند شرح الباب (٤٩) من كتاب الطب. ٥٠٤ باب ٢٨ / ح ٥٧٢٦ فتح الباري بشرح البخاري وقال المازَرِيّ: لا شَكَّ أنَّ عِلم الطِّبّ من أكثر العلوم احتياجاً إلى التَّفصيل، حتَّى إنَّ المريض يكون الشَّيءٍ دَواءَه في ساعة، ثمَّ يصير داءً له في الساعة التي تليها، لعارضٍ يَعرِض له من غَضَب يُحمي مِزاجه مثلاً فيَتغيَّر عِلاجه، ومثل ذلك كثير، فإذا فُرِضَ وجود الشِّفاء لشخصٍ بشيءٍ في حالة ما، لم يَلزَم منه وجود الشِّفاء به له أو بغيره في سائر الأحوال، والأطبّاء مُجُمِعونَ على أنَّ المرض الواحد يختلف عِلاجه باختلاف السِّنّ والزّمان والعادة والغِذاء المتقدِّم والتَّأثير المألوف وقوّة الطِّباع. ثمَّ ذكر نحو ما تقدَّمَ. قالوا: وعلى تقدير أن يَرِد التَّصريح بالاغتسال في جميع الجسد، فيُجاب بأنَّه يحتمل أن يكون أراد أنَّه يقع بعد إقلاع الحُمَّى، وهو بعيد. ويحتمل أن يكون في وقت مخصوص، بعَدَدٍ مخصوص فيكون من الخواصّ التي اطّلَعَ بَّهِ عليها بالوحي، ويَضمَحِلّ عند ذلك جميع كلام أهل الطِّبّ. وقد أخرج التِّرمِذيّ (٢٠٨٤) من حديث ثوبان مرفوعاً: ((إذا أصاب أحدَكم الحُمَّى - وهي قِطعة من النار - فليُطفِئها عنه بالماء، يَستَقِعِ في نَهَر جارٍ، ويَستَقْبِل چِرِيَتَه، وليقُل: باسمِ الله، اللهمَّ اشفِ عبدك وصَدِّق رسولَك، بعد صلاة الصُّبح قبل طلوع الشمس، وليَنْغَمِسْ فيه ثلاث غَمَسات ثلاثة أيام، فإن لم يَبرأ فخمس، وإلّا فسبع، وإلّا فِتِسع، فإنَّها لا تكاد تُجاوز تِسعاً بإذنِ الله)) قال النِّرمِذيّ: غريب. قلت: وفي سنده سعيد بن زُرعة مُخْتَلَف فیه. ١٧٧/١٠ قال: ويحتمل أن يكون لبعضِ الْحُمَّيَات/ دونَ بعض، في بعض الأماكن دونَ بعض، لبعضِ الأشخاص دونَ بعض. وهذا أوجَه، فإنَّ خِطابه وَِّ قد يكون عامّاً، وهو الأكثر، وقد يكون خاصّاً كما قال: ((لا تَستَقِلوا القِبلة بغائطٍ ولا بَول، ولكن شَرِّقوا أو غَرِّبوا)) فقوله: ((شَرِّقوا أو غَرِّبوا)) ليس عامّاً لجميع أهل الأرض، بل هو خاصّ لمن كان بالمدينة النبويَّة وعلى سَمْتِها، كما تقدَّم تقريره في كتاب الطَّهارة (١٤٤)، فكذلك هذا يحتمل أن يكون مخصوصاً بأهلِ الحِجاز وما والاهم إذ كان أكثر الحُمَّيات التي تَعرِض لهم من العَرَضيَّة الحادثة ٥٠۵ باب ٢٨ / ح ٥٧٢٦ كتاب الطب عن شِدّة الحرارة، وهذه يَنفَعها الماء البارد شُرباً واغتسالاً، لأنَّ الحُمَّى حَرارة غريبة تَشتَعِل في القلب وتَتَشِر منه بتَوسُّطِ الرّوح والدَّم في العُروق إلى جميع البَدَن، وهي قسمان: عَرَضيّة: وهي الحادثة عن ورَم أو حركة، أو إصابة حَرارة الشمس، أو القَيظ الشَّديد ونحو ذلك، ومَرَضيَّة: وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادّة، ثمَّ منها ما يُسخِّن جميع البَدَن، فإن كان مَبدَأْ تَعلُّقها بالرّوحِ فهي حُمَّى يومٍ، لأنَّها تقع غالباً في يوم ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تَعلُّقها بالأعضاءِ الأصليّة فهي حُمَّى دِقٌ، وهي أخطَرها، وإن كان تَعلُّقها بالأخلاطِ سُمّيَت عَفَنَّةٍ، وهي بعَدَدِ الأخلاط الأربعة، وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسببِ الإفراد والتّرکیب. وإذا تَقرَّرَ هذا فيجوز أن يكون المراد النَّوع الأوَّل، فإنّها تَسكُن بالانغماس في الماء البارد، وشُربِ الماء المبرَّد بالثّلجِ وبغيره، ولا يحتاج صاحبها إلى عِلاج آخر، وقد قال جالينوس في كتاب ((حيلة البُرء)»: لو أنَّ شابّاً حسن اللَّحم خِصْب البَدَن ليس في أحشائه وَرَم، استَحَمَّ بماءٍ بارد، أو سَبَحَ فيه وقتَ القَيظ عند مُنتَهَى الحُمَّى لانتَفَع بذلك. وقال أبو بكر الرَّازيّ: إذا كانت القوى قويّة والحُمَّى حادّة والنُّضجِ بَيِّن، ولا وَرَم في الجَوف ولا فتق، فإنَّ الماء البارد يَنفَع شربُه، فإن كان العَليل خِصْب البَدَن، والزّمان حارَّاً وكان معتاداً باستعمال الماء البارد اغتسالاً فليُؤْذَن له فيه. وقد نَّلَ ابن القَيِّم حديث ثوبان على هذه القُيود، فقال: هذه الصِّفة تَنفَع في فصل الصَّيف في البلاد الحارّة في الحُمَّى العَرَضيَّة أو الغِبّ الخالصة التي لا ورَم معها، ولا شيء من الأعراض الرَّديئة، والمواد الفاسدة، فيُطفِئها بإذنِ الله، فإنَّ الماء في ذلك الوقت أبرَدُ ما يكون لبُعدِه عن مُلاقاة الشمس، ووُفُور القُوى في ذلك الوقت لكَونِهِ عَقِب النَّوم والسُّكون وبَردِ الهواء، قال: والأيام التي أشارَ إليها هي التي يقع فيها بُحْرانُ الأمراض الحادّة غالباً، ولا سيّما في البلاد الحارّة، والله أعلم. قالوا: وقد تَكَرَّرَ في الحديث استعماله وَّةِ الماء البارد في عِلَّته، كما قال: ((صُبّوا عليَّ من ٥٠٦ باب ٢٨ / ح ٥٧٢٦ فتح الباري بشرح البخاري سبع قِرَب لم تُحلَل أوكيَتهنَّ))(١) وقد تقدَّم شرحه. وقال سَمُرة: كان رسول الله وَِّ إذا حُمَّ دَعَا بقِربةٍ من ماء، فأفرَغَها على قَرْنه فاغتَسَلَ. أخرجه البزَّار (٤٥٩٩)، وصَخَّحَه الحاكم (٤٠٣/٤-٤٠٤)، ولكن في سنده راوٍ ضعيف. وقال أنس رفعه: ((إذا حُمَّ أحدكم فليَسُنَّ عليه من الماء البارد من السَّحَر ثلاث لَيالٍ)) أخرجه الطَّحَاويُّ(٢) وأبو نُعَيم في ((الطِّبّ)) (٦٠١) والطبرانيُّ في «الأوسط)) (٥١٧٤)، وصَخَّحَه الحاكم (٤/ ٢٠٠). وسنده قويّ، وله شاهد من حديث أمّ خالد بنت سعيد أخرجه الحسن بن سفيان في ((مُسنَده)) وأبو نُعَيم في ((الطِّبّ)) من طريقه، وقال عبد الرَّحمن بن المَرَقَّعِ رَفَعَه: ((الحُمَّى رائد الموت، وهي سجن الله في الأرض، فبَرِّدوا لها الماء في الشِّنان، وصُبّوه عليكم فيما بين الأذانَينِ المغرب والعِشاء)) قال: ففَعَلوا فذهبت عنهم. أخرجه الطبرانيُّ (٣). وهذه الأحاديث كلّها تَرُدّ التَّأويل الذي نَقَلَه الخطَّبيُّ عن ابن الأنباريّ أنَّه قال: المراد بقولِه: «فابرُدُوها)»: الصَّدَقة به. قال ابن القَيِّم: أظنّ الذي حَمَلَ قائل هذا أنَّه أشكَلَ عليه استعمال الماء في الحُمَّى فَعَدَلَ إلى هذا، وله وجه حسن، لأنَّ الجزاء من جِنس العَمَل، فكأنَّه لمَّا أخَدَ لَيب العَطشان بالماءِ أخْمَدَ الله لَيب الحُمَّى عنه، ولكن هذا يُؤخَذ من فقه الحديث وإشارَته، وأمَّا المراد به بالأصلِ فهو استعماله في البَدَن حقيقةً كما تقدَّمَ، والله أعلم. ١٧٨/١٠ قوله: ((قال نافع: وكان عبد الله)) أي: ابن عمر ((يقول: اكْشِف/ عَنّا الرِّجْز)) أي: العذاب، وهذا موصول بالسَّنَدِ الذي قبله، وكأنَّ ابن عمر فَهِمَ من كَون أصل الحمَّى من جَهَنَّم أنَّ مَن أصابته عُذِّبَ بها، وهذا التَّعذيب يختلف باختلاف مَحَلِّهِ: فيكون للمؤمنِ تكفيراً الذُنوبِهِ وزيادةً في أُجوره كما سَبَقَ، وللكافرِ عقوبةً وانتقاماً. وإنَّما طلبَ ابن عمر كَشفَه مع ما فيه من الثَّواب لمشروعيَّة طلب العافية من الله سبحانه(٤)، إذ هو قادر على أن يُكفِّر (١) تقدم قريباً (٥٧١٤). (٢) في ((شرح المشكل)) (١٨٦٠)، وفات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((سنن النسائي الكبرى)) (٧٥٦٦). (٣) لم نقف عليه فيما طبع من ((المعجم الكبير))، وقد أخرجه من طريقه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٥٣٨). (٤) كما في حديث أبي بكر الصديق عند أحمد (٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٦٥٨). ٥٠٧ باب ٢٩ / ح ٥٧٢٧ كتاب الطب سَيِّئَات عبده، ويُعظِم ثوابه، من غير أن يُصيبه شيء يَشُقّ عليه، والله أعلم. الحديث الثاني: قوله: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة بن الزُّبَير، وفاطمة بنت المنذر، أي: ابن الزُّبَير، هي بنت عَمّه وزوجته، وأسماء بنت أبي بكر جَدَّتهما لأبَويهما معاً. قوله: ((بينها وبين جَيبها)) بفتح الجيم وسكون التَّحتانيَّة بعدها موخَّدة: هو ما يكون مُفرَّجاً من الثَّوب كالكُمِّ والطّوق، وفي رواية عَبْدة عن هشام عند مسلم (٢٢١١): فَتَصُبّه في جَيْبها. قوله: ((أن نَبْرُدها)) بفتح أوَّله وضمِّ الَّاء الخفيفة، وفي رواية لأبي ذرٍّ: بضمِّ أوَّله وفتح الموحّدة وتشديد الرَّاء، من التَّبريد، وهو بمعنى رواية أبرَدَ بهمزةٍ مقطوعة، زاد عبدة في روايته: وقال: «إنَّها من فیح جَهَنَّم)». الحديث الثالث: حديث عائشة. قوله: ((يحبی)) هو القَطّان، وهشام: هو ابن عُزْوة أيضاً. وأشارَ بإيرادِ روايته هذه عَقِب الأولى إلى أنَّه ليس اختلافاً على هشام، بل له في هذا المتن إسنادان، بقَرِينة مُغايرَة السِّياقَينِ. الحدیث الرابع: حدیث رافع بن خَدیج. قوله: ((من فَيح جَهَنَّم)) في رواية السَّرَخْسيّ: ((من فَوح)) بالواو، وتقدَّم في صِفَة النار (٣٢٦٢) من بَدْء الخلق من هذا الوجه بلفظ: ((من فَوْر))، وكلّها بمعنَّى، وتقدَّم هناك بلفظ: ((فابْرُدُوها عنكم)) بزيادة ((عنكم))، وكذا زادَها مسلم في روايته عن ھَنّاد بن السَّريّ عن أبي الأحوص(١) بالسَّنَدِ المذكور هنا. ٢٩ - بابُ من خَرَج من الأرض التي لا تُلايِمُه ٥٧٢٧- حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ حَمَّادٍ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، أنَّ أنسَ بنَ مالكِ حدَّثهم: أنَّ ناساً - أو رجالاً - من عُكْلٍ وعُرَينةَ قَدِموا على رسولِ الله ◌ِوَّةِ) وتَكلَّموا بالإسلام، فقالوا: يا نبيَّ الله إنّا كَّ أهلَ ضَرْعٍ، ولم نَكُن أهلَ رِيفٍ، واستَوْخُوا (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو سبق نظر منه، لأنَّ الذي زادها سفيانُ الثوري في روايته عن أبيه (٢٢١٢) (٨٤)، وهي الطريق التالية عند مسلم لطريق هناد بن السري عن أبي الأحوص. ٥٠٨ باب ٣٠ فتح الباري بشرح البخاري المدينةَ، فأمَرَ لهم رسولُ اللهِ وَّهِ بِذَوْدٍ وبِرَاعٍ، وأمَرَهم أن يَخْرُجوا فيه فيَشْرَبوا من ألبانها وأبوالها، فانطَلَقوا، حتَّى كانوا ناحيةَ الحَرّةِ كفروا بعدَ إسلامِهم، وقَتَلوا راعيَ رسولِ الله وَّهِ، واستاقُوا الذَّوْدَ، فبَلَغَ النبيَّ نَّهِ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ في آثارهم، وأمَرَ بهم، فسَمَروا أعيُنَهم وقَطَعوا أيدِيَهم، وتُرِكوا في ناحيةِ الحَرّةِ حتَّى ماتُوا على حالهم. قوله: ((بابُ مَن خَرَجَ من الأرض التي لا تُلایِمُه)) بِتحتانيَّةِ مكسورة، وأصله بالهمز، ثمَّ كَثُرَ استعماله فسُهِّلَ، وهو من الملاءمة بالمدّ، أي: الموافقة، وزناً ومعنّى. وذكر فيه قصَّة العُرَنِّينَ، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إليها قريباً (٥٦٨٥)، وكأنّه أشارَ إلى أنَّ الحديث الذي أورَدَه بعده في النَّهي عن الخروج من الأرض التي وَقَعَ فيها الطاعون ليس على عُمومه. وإنَّما هو مخصوص بمَن خَرَجَ فِراراً منه، كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى. ٣٠ - بابُ ما يُذكر في الطَّاعون /١٨٠ قوله: «بابُ ما يُذكر في الطّاعون» أي: ممّا يَصِحّ على شرطه. والطاعون بوزنٍ فاعول من الطَّعْنِ، عَدَلوا به عن أصله ووضَعوه دالاً على الموت العامّ كالوباء، ويقال: طُعِنَ فهو مَطعون وطَعِين: إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطَّعن بالرُّمح فهو مَطعون. هذا كلام الجَوْهريّ، وقال الخليل: الطاعون: الوباء. وقال صاحب ((النِّهاية)): الطاعون: المرض العامّ الذي يَفسُد له الهواء، وتَفسُد به الأمزجة والأبدان. وقال أبو بكر بن العربيّ: الطاعون: الوجع الغالب الذي يُطفِئِ الرّوح كالذَّبحة، سُمّيَ بذلك لعُمومٍ مُصابه وسُرعة قتله. وقال أبو الوليد الباجيّ: هو مرض يَعُمّ الكثير من الناس في جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس، ويكون مرضهم واحداً بخِلَاف بقيّة الأوقات فتكون الأمراض مُختَلِفة. وقال الدَّاوُوديّ: الطاعون: حَبّة تَّخْرُج في الأرفاغ (١) وفي كلّ طَيِّ من الجسد، والصَّحيح أنَّه الوباء. (١) تصحف في (س) إلى: الأرقاع. والأرفاغ جمعُ رفْغ، بضم الراء وفتحها: وهي أصول المغابن كالآباط والحوالب، وغيرها من مطاوي الأعضاء. ٥٠٩ باب ٣٠ كتاب الطب وقال عِيَاض: أصل الطاعون القُروح الخارجة في الجسد، والوباء عُموم الأمراض، فسُمّيَت طاعوناً لشَبَهِها بها في الهلاك، وإلّا فكلّ طاعون وباءٌ، وليس كلّ وباء طاعوناً. قال: ويدلّ على ذلك أنَّ وباء الشّام الذي وَقَعَ في عَمَواس إنَّما كان طاعوناً، وما ورَدَ في الحديث: أنَّ الطاعون وخز الجِنّ(١). وقال ابن عبد البَرِّ: الطاعون: غُدّة تَخرُج في المَراقّ والآباط، وقد تَخْرُج في الأيدي والأصابع وحيثُ شاءَ الله. وقال النَّوويّ في ((الرَّوضة)): قيل: الطاعون انصِباب الدَّم إلى عُضو، وقال آخرونَ: هو هَيَجان الدَّم وانتفاخه. قال المتولّي: وهو قريب من الجُذام، مَن أصابه تآكلت أعضاؤه وتَساقَطَ لحمه. وقال الغَزاليّ: هو انتفاخ جميع البَدَن من الدَّم مع الحُمَّى، أو انصِباب الدَّم إلى بعض الأطراف، فينتفخ ويَحَمَرّ، وقد يذهب ذلك العُضو. وقال النَّوويّ أيضاً في ((تهذيبه): هو بَثْر وورَم مُؤلم جدّاً، يَخْرُج مع لهب، ويَسودّ ما حَوالَيه، أو يَحْضَرّ، أو تَحِمَرٌ حُمرة شديدة بَنفسَجِيَّة كدُرّةٍ، ويَحَصُل معه خَفَقَانٌ وقَيءٌ، ويَخرُج غالباً في المَراقٌ والآباط، وقد يَخْرُج في الأيدي والأصابع وسائر الجسد. وقال جماعة من الأطبّاء منهم أبو عليّ بن سينا: الطاعون: مادّة سُمِّيَّة تُحدِث ورَماً قتّالاً يَحَدُث في المواضع الرِّخوة والمغابِن من البَدَن، وأغلَب ما تكون تحت الإبط أو خَلف الأُذُن أو عند الأُزْبِيّة(٢). قال: وسببه دَمٌ رَديءٌ مائلٌ إلى العُفونة والفساد، يَستَحيل إلى جوهر سُمّيّ يُفسِد العُضو ويُغيِّر ما يليه، ويُؤَدّي إلى القلب كيفيَّةً رديئةً فيُحدِث القَيء والغَثَيَان والغَشْيِ والخَفَقان، وهو لرَداءَتِهِ لا يَقتُل (٣) من الأعضاء إلّا ما كان أضعَفَ بالطَّع، وأردَؤُه ما يقع في الأعضاء الرئيسة، والأسود منه قَلَّ مَن يَسلم منه، وأسلَمه الأحمر ثمَّ الأصفَر. والطَّواعين تَكثُر عند الوباء في البلاد الويِئة، ومن ثَمَّ أُطلِقَ على الطاعون وباءٌ وبالعكس، وأمَّا الوباء فهو فسادُ جوهرِ الهواء الذي هو مادّة الرّوحِ ومَدَدُه. (١) أخرجه أحمد (١٩٥٢٨) من حديث أبي موسى الأشعري، وسيأتي كلام الحافظ عليه قريباً. (٢) تصحف في (س) إلى: الأرنبة. والأُزْبيّة: أصل الفخذ. (٣) تصحف في (س) إلى: يقبل. ٥١٠ باب ٣٠ فتح الباري بشرح البخاري قلت: فهذا ما بَلَغَنا من كلام أهل اللّغة وأهل الفقه والأطبّاء في تعريفه. والحاصل أنَّ ١٨١/١٠ حقيقته ورَمٌ يَنشَأ عن / هَيَجان الدَّم أو انصِباب الدَّم إلى عُضو فيُفسِده، وأنَّ غير ذلك من الأمراض العامّة الناشئة عن فساد الهواء يُسَمَّى طاعوناً بطريق المجاز، لاشتراكهما في عُموم المرض به أو كَثْرة الموت، والدَّليل على أنَّ الطاعون يُغاير الوباء ما سيأتي في رابع أحاديث الباب: ((أنَّ الطاعون لا يَدخُل المدينة)»، وقد سَبَقَ (١٨٨٩) في حديث عائشة: قَدِمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله. وفيه قول بلال: أخرَجُونا إلى أرض الوباء. وما سَبَقَ في الجنائز(١) من حديث أبي الأسود: قَدِمت المدينة في خِلَافة عمر وهم يموتونَ موتاً ذَريعاً. وما سَبَقَ في حديث العُرَنِيّينَ في الطَّهارة (٢) أنَّهم استَوخَموا المدينة، وفي لفظ أنَّهم قالوا: إنَّها أرض وبئة. فكلّ ذلك يدلّ على أنَّ الوباء كان موجوداً بالمدينة. وقد صَرَّحَ الحديث الأوَّل بأنَّ الطاعون لا يَدخُلها فدَلَّ على أنَّ الوباء غير الطاعون. وأنَّ مَن أطلقَ على كلّ وباء طاعوناً فبطريق المجاز. قال أهل اللَّغة: الوباء هو المرض العامّ، يقال: أوبَأتِ الأرضُ فهي مُوبِئة، ووَبِئَت بالفتح فهي وَبِئة، وبالضَّمِّ فهي مَوبوءة(٣). والذي يَفتَرِق به الطاعون من الوباء أصل الطاعون الذي لم يَتعرَّض له الأطبّاء ولا أكثرُ مَن تَكلَّمَ في تعريف الطاعون، وهو كَونه من طَعْن الجِنّ، ولا يُخالف ذلك ما قال الأطبّاء من كَون الطاعون يَنشَأ عن هَيَجان الدَّم أو انصِبابه، لأنَّه يجوز أن يكون ذلك يَجِدُث عن الطَّعنة الباطنة، فتَحدُث منها المادّة السُّمّيَّة ويَهيج الدَّمُ بسببها أو يَنصَبّ، وإنَّما لم يَتعرَّض الأطبّاء لكونِه من طَعن الجِنّ لأنَّه أمرٌ لا يُدرَك بالعقل، وإنَّما عُرِف من الشّارع، فتَكلَّموا في ذلك على ما اقتَضَتْه قواعدُهم. وقال الكلاباذيّ في ((معاني الأخبار)): يحتمل أن يكون الطاعون على قسمَينِ: قسم يحصل من غَلَبة بعض الأخلاط من دَم، أو صفراء مُتَرِقة، أو غير ذلك من غير سبب یکون من الجِنّ، وقسم یکون من وخز الجِنّ، کما تقع الجِراحات من (١) اللفظ الذي ساقه الحافظ تقدم في الشهادات (٢٦٤٣)، وهو في الجنائز (١٣٦٨) بنحو هذا اللفظ. (٢) جاء بهذا اللفظ المذكور في المغازي (٤١٩٤)، وهو في الطهارة (٢٣٣) لكن بلفظ: ((اجتَووا المدينة)). (٣) تحرَّف في الأصلين إلى: مؤوبة. ٥١١ باب ٣٠ كتاب الطب القُروحِ التي تَخْرُج في البَدَن من غَلَبة بعض الأخلاط، وإن لم يكن هناك طَعْن، وتَقَع الجِراحات أيضاً من طَعْن الإنس. انتهى. ومَّا يُؤيِّد أنَّ الطاعون إنَّما يكون من طَعْن الجِنّ وقوعه غالباً في أعدَل الفُصول، وفي أصحّ البلاد هَواءً وأطيَبها ماءً، ولأنَّه لو كان بسببٍ فساد الهواء لَدامَ في الأرض، لأنَّ الهواء يَفسُد تارة ويَصِحّ أُخرى، وهذا يذهب أحياناً وتجيء أحياناً على غير قياس ولا تَجِرِبة، فُرُبَّما جاء سنةً على سنةٍ، ورُبَّما أبطَأْ سِنين، وبأنَّه لو كان كذلك لَعَمَّ الناسَ والحيوانَ، والموجود بالمشاهَدة أنَّه يُصيب الكثير ولا يُصيب مَن هم بجانبهم ممَّن هو في مِثل مِزاجهم، ولو كان كذلك لَعَمَّ جميع البَدَن، وهذا يَخْتَصّ بموضعٍ من الجسد ولا يَتَجاوزه، ولأنَّ فساد الهواء يقتضي تَغُر الأخلاط وكَثْرة الأسقام، وهذا في الغالب يَقتُل بلا مرض، فدَلَّ على أنَّه من طَعْن الجِنّ كما ثَبَتَ في الأحاديث الواردة في ذلك: منها حديث أبي موسى رَفَعَه: ((فناءُ أمَّتي بالطَّعْنِ والطاعون)). قيل: يا رسولَ الله هذا الطَّعن قد عَرَفناه، فما الطاعون؟ قال: ((وَخْزِ أعدائكم من الجِنّ، وفي كلِّ شهادةٌ)). أخرجه أحمد (١٩٥٢٨) من رواية زياد بن علاقة عن رجل عن أبي موسى، وفي رواية له (١٩٧٤٣) عن زياد: حدَّثني رجل من قومي، قال: كنّا على باب عثمان نَنتَظِرِ الإذن، فسمعت أبا موسى ... قال زياد: فلم أرض بقولِه، فسألت سَيِّد الحيّ، فقال: صَدَقَ. وأخرجه البَزَّار (٢٩٨٩) والطبرانيُّ(١) من وجهَينِ آخرَينِ عن زياد فسَمَّيا المبهَم يزيدَ بن الحارث، وسماه أحمد (١٩٧٤٤) في رواية أُخرى أُسامة بن شَرِيك، فأخرجه من طريق أبي بكر النَّهشَليّ عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شَرِيك قال: خَرَجنا في بضعَ عشرةَ نفساً من بني تَعْلبة، فإذا نحنُ بأبي موسى. ولا مُعارَضة بينه وبين مَن سَمّه يزيدَ بن الحارث، لأنَّه يُحمَل على أنَّ أسامة هو سيِّد الحيّ الذي أشارَ إلیه في الرُّوایة الأُخرى، واستئبتَه فیما حدَّثه به الأوَّل، وهو يزيد بن الحارث، ورجاله رجال ((الصحيحين)) إلّا المبهم، وأُسامة بن شَرِيك صحابيّ مشهور، والذي سَّاه وهو أبو بكر النَّهشَليّ من رجال مسلم، فالحديث صحيح بهذا (١) ليس هو فيما طبع من ((المعجم الكبير)، وهو في الأوسط)) (٣٤٢٢)، وفي ((الصغير)) (٣٥١). ٥١٢ باب ٣٠ فتح الباري بشرح البخاري ١٨٢/١٠ الاعتبار،/ وقد صَحَّحَه ابن خُزَيمةَ والحاكم (١/ ٥٠)، وأخرَ جاه، وأحمد (١٩٧٠٨) والطبرانيُّ من وجه آخر عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعَريّ قال: سألت عنه رسول الله وَلاله فقال: (هو وَخْزِ أعدائكم من الجِنّ، وهو لكم شهادة)). ورجاله رجال الصَّحيح، إلّا أبا بَلْج، بفتح الموخَّدة وسكون اللّام بعدها جيم، واسمه يحيى، وثَّقْه ابن مَعِين والنَّسائيُّ وجماعة، وضَعَّفَه جماعة بسببِ التَّشَمُّع، وذلك لا يَقدَح في قَبُول روايته عند الجمهور. وللحديثِ طريق ثالثة أخرجها الطبرانيُّ من رواية عبد الله بن المختار عن كُرَيب بن الحارث بن أبي موسى عن أبيه عن جَدّه، ورجاله رجال الصَّحيح إلّا كُرَيباً وأباه، وكُرَيب وثَّقه ابن حِبّان(١). وله حديث آخر في الطاعون، أخرجه أحمد (١٥٦٠٨)، وصَخَّحَه الحاكم (٢/ ٩٣) من رواية عاصم الأحول عن كُرَيب بن الحارث عن أبي بُرْدة بن قيس أخي أبي موسى الأشعَرِيّ رَفَعَه: ((اللهمَّ اجعَل فَناء أمَّتي قَتْلاً في سبيلك بالطَّعنِ والطاعون)) قال العلماء: أراد ◌َ له أن يحصل لأُمَّتِه أرفع أنواع الشَّهادة، وهو القتل في سبيل الله بأيدي أعدائهم، إمّا من الإنس، وإمّا من الجِنّ. ولحِديثِ أبي موسى شاهد من حديث عائشة أخرجه أبو يَعْلى (٤٦٦٤) من رواية ليث ابن أبي سُلَیم عن رجلٍ عن عطاء عنها، وهذا سند ضعيف، وآخر من حديث ابن عمر (٢)، سنده أضعَف منه، والعُمدة في هذا الباب على حديث أبي موسى، فإنَّه يُحكَم له بالصِّحّة لتعدُّدِ طرقه إليه. وقوله: ((وخز) بفتح أوَّله وسكون المعجَمة بعدها زاي، قال أهل اللُّغة: هو الطَّعن إذا كان غير نافذ، ووصف طَعن الجِنّ بأنَّه وخزٌ لأنَّه يقع من الباطن إلى الظّاهر، فيُؤْثِّر بالباطنِ أوَّلاً، ثمَّ يُؤثِّر في الظّاهر، وقد لا يَنفُذ، وهذا بخِلَاف طَعن الإنس، فإنَّه يقع من الظّاهر إلى الباطن، فيُؤثِّر في الظّاهر أوّلاً، ثمَّ يُؤْثِّر في الباطن، وقد لا يَنفُذ. (١) ووثق أباه أيضاً. (٢) أخرجه الطبراني في ((الصغير)) (١٢٨)، وفي ((الأوسط)) (٢٢٧٣). ٥١٣ باب ٣٠ / ح ٥٧٢٨ كتاب الطب تنبيه: يقع في الألسِنة وهو في ((النِّهاية)) لابنِ الأثير تَبَعاً لغريبَي الهَرَويِّ بلفظ: ((وخز إخوانكُم)»، ولم أرَه بلفظ: ((إخوانكُم)) بعد التُّع الطّويل البالغ في شيء من طرق الحديث المسندة، لا في الكتب المشهورة ولا الأجزاء المنثورة، وقد عَزاه بعضهم لـ((مُسنَدِ أحمد)» أو الطبرانيّ أو كتاب ((الطَّواعين)) لابنِ أبي الدُّنيا، ولا وجود لذلك في واحد منها(١)، والله أعلم. ثم ذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث: الأول: حدیث أسامة بن زيد. ٥٧٢٨ - حذَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثْنا شُعْبةُ، قال: أخبرني حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، قال: سمعتُ إبراهيمَ بنَ سعدٍ، قال: سمعتُ أُسامةَ بنَ زِيدٍ يُحدِّثُ سَعْداً، عن النبيِّ وَِّ، أَنَّه قال: ((إذا سمعتُم بالطّاعونِ بأرضٍ فلا تَدْخُلوها، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتم بها فلا تَخْرُجوا مِنْها»، فَقلتُ: أنتَ سمعتَه ◌ُحدِّثُ سَعْداً ولا يُتْكِرُه؟ قال: نعم. قوله: ((حبيب بن أبي ثابت، سمعت إبراهيم بن سَعْد)) أي: ابن أبي وقّاص، وَقَعَ في سياق أحمد (١٥٣٦) فيه قصَّة عن حبيب قال: كنت بالمدينة، فبَلَغَني أنَّ الطاعون بالكوفة، فلَقيتُ إبراهيم بن سعد، فسألته. وأخرجه مسلم (٢٢١٨/ ٩٧) أيضاً من هذا الوجه، وزادَ: فقال لي عطاء بن يسار وغيره - فذكر الحديث المرفوع - فقلت: عمَّن؟ قالوا: عن عامر بن سعد، فأتيته فقالوا: غائب، فلَقيت أخاه إبراهيم بن سعد، فسألته. قوله: ((سمعت أُسامة بن زيد يُحدِّث سَعْداً) أي: والد إبراهيم المذكور. ووَقَعَ في رواية الأَعمَش: عن حبيب عن إبراهيم بن سعد عن أسامة بن زيد وسعد. أخرجه مسلم (٩٧/٢٢١٨)، ومثله في رواية الثَّوريّ عن حبيب، وزاد: وخُزيمة بن ثابت. أخرجه أحمد (١٥٧٧) ومسلم (٩٧/٢٢١٨) أيضاً، وهذا الاختلاف لا يَضُرّ لاحتمال أن يكون سعد تَذَكَّرَ (١) جاء في ((مستدرك الحاكم)) ١/ ٥٠ بلفظ: ((إخوانكم أو أعدائكم)) على الشك، وهو من رواية أبي بكر بن أبي موسی عن أبيه. ٥١٤ باب ٣٠ / ح ٥٧٢٨ فتح الباري بشرح البخاري لما حدَّثه به أُسامة، أو نُسِبَتِ الرِّواية إلى سعد لتصديقه أُسامةَ. وأمَّا خُزيمةُ فيحتمل أن يكون إبراهيم بن سعد سمعه منه بعد ذلك، فضَمَّه إليها تارة، وسكت عنه أُخرى. قوله: ((إذا سمعتُم بالطّاعونِ)) وَقَعَ في رواية عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أُسامة في هذا الحديث زيادة على رواية أخيه إبراهيم، أخرجها المصنِّف في تَرك الحيل (٦٩٧٤) من طريق شُعَيب عن الزُّهْريّ، أخبرني عامر بن سعد، أنَّه سمعَ أسامة بن زيد يُحدِّث سعداً: أنَّ رسول الله وَّلِ ذكر الوجع، فقال: ((رِجْزٌ - أو عذابٌ - عُذِّبَ به بعضُ الأُمَم، ثمَّ بَقِيَ منه بقيّة، فيذهب المرّةَ ويأتي الأُخرى)) الحديث. وأخرجه مسلم (٩٦/٢٢٠٨) من رواية يونس بن يزيد عن الزُّهْريّ، وقال فيه: ((إنَّ هذا الوجَع - أو السَّقَم -)). وأخرجه البخاريّ (٣٤٧٣) في ذِكْر بني إسرائيل، ومسلم (٢٢١٨/ ٩٢) أيضاً، والنَّسائيُّ (ك٧٤٨٣) من طريق مالك، ومسلم (٢٢١٨ / ٩٣ و٩٤) ١٨٣/١٠ أيضاً من طريق الثَّوْريّ ومُغيرة بن عبد الرَّحمن،/ كلّهم عن محمَّد بن المنكَدِر، زاد مالك: وسالم أبي النَّضر، كلاهما(١) عن عامر بن سعد: أنَّه سمعَ أباه يسأل أسامة بن زيد: ماذا سمعتَ من رسول الله وَ له في الطاعون؟ فقال أسامة: قال رسول الله وَله: ((الطاعون رِجِسٌ(٢) أُرسِلَ على طائفة من بني إسرائيل، أو على مَن كان قبلكُم)) الحديث، كذا وَقَعَ بالشكّ، ووَقَعَ بالجزمِ عند ابن خُزَيمةَ(٣) من طريق عَمْرو بن دينار عن عامر بن سعد بلفظ: ((فإنَّه رِجز سُلِّطَ على طائفة من بني إسرائيل))، وأصله عند مسلم (٩٥/٢٢١٨)، ووَقَعَ عند ابن ◌ُزَيمةَ بالجزمِ أيضاً من رواية عِكْرمة بن خالد عن ابن سعد، عن سعد لكن قال: ((رِجْز أُصيبَ به من كان قبلكم))(٤). (١) يعني محمد بن المنكدر وسالم أبي النضر. (٢) هذا لفظ رواية مالك عند البخاري، وهو عند الباقين بلفظ: ((رجزٌ)). (٣) فات الحافظ رحمه الله أن يخرّجه من ((جامع الترمذي)) (١٠٦٥)، ومن ((سنن النسائي الكبرى)) (٧٤٨٢)، إذ هو عندهما من طريق عمرو بن دينار، بالجزم بذكر بني إسرائيل. (٤) وكذا وقع بالجزم في رواية مغيرة بن عبد الرحمن عند مسلم، بلفظ: ((ابتلى الله عز وجل به ناساً من عباده)). ٥١٥ باب ٣٠ / ح ٥٧٢٨ كتاب الطب تنبيه: وَقَعَ الرِّجس بالسّين المهمَلة، موضع الرِّجز بالزّاي، والذي بالزّاي هو المعروف، وهو العذاب، والمشهور في الذي بالسِّين أنَّه الخبيث أو النَّجَس أو القَذَر. وجَزَمَ الفارابي(١) والجَوْهريّ بأنَّه يُطلَق على العذاب أيضاً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرَّحْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠] وحكاه الرَّاغِب أيضاً. والتنصيص على بني إسرائيل أخصّ، فإن كان ذلك المراد فكأنَّه أشارَ بذلك إلى ما جاء في قصَّة بَلْعام، فأخرج الطَّبَرَيُّ من طريق سليمان التَّيْميِّ أحد صِغار التابِعِينَ عن سَيّار: أنَّ رجلاً كان يقال له: بَلعام، كان مُجَابَ الدَّعوة، وأنَّ موسى أقبَلَ في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بَلْعام، فأتاه قومه فقالوا: ادعُ الله عليهم، فقال: حتَّى أُؤامر رَبّ، فمُنِعَ، فأتوه بهَدَّةٍ فَقَبِلَها، وسألوه ثانياً، فقال: حتَّى أُؤامر رَبِّي، فلم يَرجِع إليه بشيءٍ، فقالوا: لو كَرِهَ لَنَهاك، فدَعَا عليهم فصارَ يَجري على لسانه ما يَدعُو به على بني إسرائيل فيَنقَلِب على قومه، فلامُوه على ذلك، فقال: سَأدُلُّكم على ما فيه هلاكهم، أَرسِلوا النِّساء في عسكرهم ومُروهُنَّ لا يَمْتَنِعِنَ من أحدٍ، فعَسَى أَن يَزنُوا فيَهلِكوا، فكان فيمَن خَرَجَ بنتُ الملِك فأرادَها رأس بعض الأسباط، وأخبَرَها بمكانه فمَكَّنَتَه من نفسِها، فوَقَعَ في بني إسرائيل الطاعون، فماتَ منهم سبعونَ ألفاً في يوم، وجاء رجلٌ من بني هارون ومعه الرُّمح فطَعَنَهما وأَيَّدَه الله، فانتَظَمهما جميعاً. وهذا مُرسَل جيِّد، وسَيّار شاميّ موثَّق. وقد ذكر الطََّرَيُّ هذه القصَّة من طريق محمَّد بن إسحاق عن سالم أبي النَّضر فذكر نحوه، وسَمَّى المرأة كَشْتا، بفتح الكاف وسكون المعجَمة بعدها مُثنّة، والرجل زِمْرِي، بكسر الزّاي وسكون الميم وكسر الرَّاء، رأس سِبط شَمْعُون، وسمى الذي طَعَنَهما فِنْحاص - بكسر الفاء وسكون النُّون بعدها مُهمَلة ثمَّ مُهمَلة - بن هارون، وقال في آخره: فحُسِبَ مَن هَلَكَ من الطاعون سبعون ألفاً، والمقَلِّل يقول: عِشرونَ ألفاً. وهذه الطَّريق تَعْضُد الأولى، وقد أشارَ إليها عِيَاض فقال: قوله: أُرسِلَ على بني إسرائيل، قيل: ماتَ منهم في ساعة واحدة عِشرونَ ألفاً، وقيل: سبعون ألفاً. (١) تحرَّف في (ع) إلى: الفارسي. ٥١٦ باب ٣٠ / ح ٥٧٢٩ فتح الباري بشرح البخاري وذكر ابن إسحاق في ((المبتَدَأ)): أنَّ الله أوحَی إلی داود أنَّ بني إسرائيل گثر عِصیانهم، فخَيِّرهم بين ثلاث: إمّا أن أبتليهم بالقَحط، أو العدوّ شهرين، أو الطاعون ثلاثة أيام، فأخبَرَهم، فقالوا: اختَر لنا، فاختارَ الطاعون، فماتَ منهم إلى أن زالَتِ الشمس سبعونَ ألفاً، وقيل: مئة ألف، فتَضَرَّعَ داود إلى الله تعالى، فَرَفَعَه. وورَدَ وقوع الطاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أن يكون هو المراد بقوله: ((مَن كان قبلَكُم، فمن ذلك ما أخرجه الطَّبَريُّ وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جُبَير قال: أمَرَ موسى بني إسرائيل أن يَذبَح كلّ رجل منهم كَبشاً، ثمَّ ليخْضِبْ كَفّه في دمه، ثمَّ ليَضرِب به على بابه، ففَعَلوا، فسألهم القِبط عن ذلك، فقالوا: إنَّ الله سَيَبَعَثُ عليكم عذاباً، وإِنَّمَا نَنجو منه بهذه العلامة، فأصبحوا وقد ماتَ من قوم فِرِعَون سبعون ألفاً، فقال فِرِعَون عند ذلك لموسى: ﴿أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكٌ لَبِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الْرِجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] الآية، فدَعَا فكَشَفَه عنهم. وهذا مُرسَل جيِّد الإسناد. وأخرج عبد الرَّزّاق في ((تفسيره)) والطَّبَريّ من طريق الحسن في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَرَ ١٨٤/١٠ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] قال: / فَرّوا من الطاعون ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَخْيَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] ليُكمِلوا بقيَّة آجالهم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّيّ عن أبي مالك قِصَّتهم مُطوَّلة. فأقدَم مَن وقَفنا عليه في المنقول ثمّن وَقَعَ الطاعون به من بني إسرائيل في قصَّة بَلعام، ومن غيرهم في قصَّة فِرِعَون، وتَكَرَّرَ بعد ذلك لغيرهم، والله أعلم. وسيأتي شرح قوله: ((إذا سمعتُم بالطاعونِ بأرضٍ فلا تَدخُلوها ... )) إلى آخره، في شرح الحديث الذي بعده. الحديث الثاني: حديث عبد الرَّحمن بن عَوْف، وفيه قصَّة عمر وأبي عُبيدة، ذكره من وجهَينِ مُطوَّلاً ومختصراً. ٥٧٢٩- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخطّاب، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ نَوْفَلٍ، عن عبدِ الله بنِ ٥١٧ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٠ كتاب الطب عِبَّاسٍ: أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ ﴾ه خَرَجَ إلى الشَّامِ، حتَّى إذا كان بسَرْغَ لَفِيَّهِ أُمَراءُ الأجْنادِ: أبو عُبيدةَ بنُ الجَرَّاحِ وأصحابُه، فأخبَروه أنَّ الوَباءَ قد وقَعَ بأرضِ الشَّامِ، قال ابنُ عَّاسٍ: فقال عمرُ: ادْعُ لي المهاجِرِينَ الأَوَّلينَ، فَدَعَاهم، فاستَشارَهم، وأخبرهم أنَّ الوَباءَ قد وقَعَ بالشَّامِ، فاختَلَفوا، فقال بعضُهم: قد خَرَجْتَ لأمٍ، ولا نَرَى أن تَرْجِعَ عنه، وقال بعضُهم: مَعَكَ بقيَّةُ الناسِ وأصحابُ رسولِ الله ◌َّةٍ، ولا نَرَى أن تُقْدِمَهم على هذا الوَباءِ، فقال: ارتَفِعوا عنِّي، ثمَّ قال: ادْعوا لي الأنصارَ، فَدَعَوْتُهم، فاستشارَهم، فسَلَكوا سبيلَ المهاجِرِينَ، واختَلَفوا كاختِلافهم، فقال: ارتَفِعوا عنِّي، ثمَّ قال: ادْعُ لي مَن كان هاهنا من مَشْيَخةِ قُرَيشٍ من مُهاجِرةٍ الفَتْحِ، فَدَعَوْتُهم فلم يَخْتَلِفِ منهم عليه رجلان، فقالوا: نَرَى أن تَرْجِعَ بالناسِ، ولا تُقْدِمَهم على هذا الوَباءِ، فنادَى عمرُ في الناسِ: إنّي مُصْبِحٌ على ظَهْرٍ، فأصبِحُوا عليه، فقال أبو عُبيدةَ بنُ الجرّاحِ: أفراراً من قَدَرِ الله؟ فقال عمرُ: لو غيرُكَ قالها يا أبا عُبيدةً! نعم نَفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيتَ لو كان لكَ إبلٌ هَبَطْتَ وادياً له عُدْوَتان، إحداهما خَصِبٌ والأُخرى جَدْبٌ، أليس إن رَعَيتَ الخَصِبَةَ رَعَيتَها بِقَدَرِ الله، وإن رَعَيتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَها بِقَدَرِ الله؟ قال: فجاء عبدُ الرَّحمنِ ابنُ عَوْفٍ - وكان مُتَغِيّاً في بعضٍ حاجَتِه - فقال: إنَّ عندي من هذا عِلْماً، سمعتُ رسولَ الله ◌َّة يقول: ((إذا سمعتُم به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتم بها فلا تَخْرُجوا فِراراً منه)) قال: فحَمِدَ اللهَ عمرُ، ثمَّ انصَرَفَ. [طرفاه في: ٥٧٣٠، ٦٩٧٣] ٥٧٣٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبدِ الله بنٍ عامٍ: أنَّ عمرَ خَرَجَ إلى الشَّامِ، فلمَّا كان بسَرْغَ بَلَغَه أنَّ الوَباءَ قد وقَعَ بالشَّامِ، فأخبَرَه عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((إذا سمعتُم به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتم بها فلا تَخرُجوا فِراراً منه)). قوله: ((عن عبد الحميد)) هو بتقديم الحاءِ المهملة على المیم، وروايته عن شيخه فيه من رواية الأقران، وفي السَّنَد ثلاثة من التابِعِينَ في نَسَق، وصحابيّان في نَسَق، وكلّهم مدنيّونَ. ٥١٨ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث)) أي: ابن نَوفَل بن الحارث بن عبد المطَّلِب، لجَدِّ أبيه نَوفَل ابن عمّ النبيّ وَّهِ صُحْبة، وكذا لولدِه الحارث، وولد عبد الله بن الحارث في عهد النبيّ وَّةِ، فَعُدَّ لذلك في الصحابة، فهم ثلاثة من الصحابة في نَسَق، وكان عبد الله بن الحارث يُلقَّب بَيّة - بموخَّدتَينِ مفتوحَتَينِ الثّانية مُثقَّلة - ومعناه: الممتَلِئِ البَدَن من النِّعمة، ويُكْنَى أبا محمَّد، وماتَ سنة أربع وثمانينَ. وأمَّا ولده راوي هذا الحديث فهو مَمَّن وافَقَ اسمه اسمَ أبيه، وكان يُكْنى أبا يحيى، وماتَ سنة تسع وتسعينَ، وما له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وقد وافَقَ مالكاً على روايته عن ابن شِهاب هكذا مَعمَرٌ وغيره، وخالَفَهم يونس فقال: عن ابن شهاب عن عبد الله بن الحارث. أخرجه مسلم (٩٩/٢٢١٩)، ولم يَسُق لفظه، وساقَه ابن خُزيمةَ، وقال: قول مالك ومَن تابعَه أصحّ. وقال الدّارَ قُطنيُّ: تابَعَ يونس صالحُ بن نَصر عن مالك. وقد رواه ابن وهب عن مالك ويونس جميعاً عن ابن شِهاب عن عبد الله بن الحارث، والصَّواب الأوَّل، وأظنّ ابن وهب حَمَلَ رواية مالك على رواية يونس. قال: وقد رواه إبراهيم بن عمر بن أبي الوزير عن مالك كالجماعة، لكن قال: عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن ابن عبّاس. زاد في السَّنَد: عن أبيه، وهو خطأ. قلت: وقد خالَفَ هشامُ بن سعد جميعَ أصحاب ابن شِهاب، فقال: عن ابن شِهاب عن حُميد بن عبد الرَّحمن عن أبيه وعمر. أخرجه ابن خُزيمةَ، وهشام صَدوق سَيِّئ الحِفظ، وقد اضطَرَبَ فيه، فرواه تارة هكذا، ومرَّة أُخرى: عن ابن شِهاب عن أبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن بن عَوْف عن أبيه وعمر. أخرجه ابن خُزيمةَ أيضاً. ولا بنِ شِهاب فيه شيخ آخر قد ذكره البخاريّ إثرَ هذا السَّنَد. قوله: ((أنَّ عمر بن الخطّاب خَرَجَ إلى الشّام) ذكر سيف بن عمر في ((الفُتوح)) أنَّ ذلك كان في رَبيع الآخِرِ سنة ثماني عشرة، وأنَّ الطاعون كان وَقَعَ أوَّلاً في المحرَّم وفي صَفَرَ، ثمَّ ارتَفَعَ، فَكَتَبوا إلى عمر، فخَرَجَ حتَّى إذا كان قريباً من الشّام بَلَغَه أنَّه أشدّ ما كان، فذكر القصّة. وذكر خليفة بن خَيّاط: أنَّ خروج عمر إلى سَرْغ كان في سنة سبعَ عشرة، فالله أعلم. ٥١٩ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٠ كتاب الطب وهذا الطاعون الذي وَقَعَ بالشّام حينئذٍ هو الذي يُسَمَّى طاعون عَمَواس، بفتح المهمَلة والميم، وحُكيَ تسكينها، وآخره مُهمَلة، قيل: سُمّيَ بذلك لأنَّه عَمَّ وواسَى. قوله: ((حتَّى إذا كان بسَرْغ)» بفتح المهمَلة وسكون الرَّاء بعدها مُعجَمة، وحُكيَ عن ابن وضّاح تحريك الرَّاء، وخَطَّأه بعضهم: مدينة افَتَحَها أبو عبيدة، وهي واليرموك والجابِية مُتَّصِلات، وبينها وبين المدينة ثلاث عشرة مَرحَلة. وقال ابن عبد البَرِّ: قيل: إنَّه وادٍ بتَبوك، وقيل: بقُربٍ تَبُوك، وقال الحازِميّ: هي أوَّل الحِجاز، وهي من منازِل حاجّ الشّام، وقيل: بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مَرحَلة. قوله: «لَقیہ أُمراء الأجناد أبو عُبیدة بن الجراح وأصحابه)» هم خالد بن الوليد ویزید بن أبي سفيان وشُرَحبيل ابن حَسَنة وعَمْرو بن العاص، وكان أبو بكر قد فَسَّمَ البلاد بينهم وجَعَلَ أمر القتال إلى خالد، ثمَّ رَدَّ عمر إلى أبي عُبيدة، وكان عمر رضي الله / تعالى عنه قَسَّمَ ١٨٥/١٠ الشّام أجناداً: الأُردُنّ جُند، وحِمص جُند، ودِمَشق جُند، وفِلَسطين جُند، وقِنَّسْرِينَ جُند، وجَعَلَ على كلّ جُند أميراً، ومنهم مَن قال: إنَّ قِنَّسرينَ كانت مع حِمِص فكانت أربعة، ثمَّ أُفِدَت قِنَّسرینَ في أيام يزيد بن معاوية. قوله: ((فأخبَرَوه أنَّ الوباء قد وَقَعَ بأرضِ الشّام)» في رواية يونس: الوجَع. بَدَل الوباء. وفي رواية هشام بن سعد: أنَّ عمر لمَّا خَرَجَ إلى الشّام سمعَ بالطاعونِ. ولا مُخُالَفة بينها، فإنَّ كلّ طاعون وباءٌ ووجَعٌ من غير عَكْسٍ. قوله: ((فقال عمر: ادْعُ لي المهاجِرِينَ الأوَّلينَ)) في رواية يونس: اجمع لي. قوله: ((ارتَفِعوا عنِّي)) في رواية يونس: فأمَرَهم فخَرَ جوا عنه. قوله: ((من مَشْيَخة قُرَيش)) ضُبِطَ مَشيخة بفتح الميم والتَّحتانيَّة بينهما مُعجَمة ساكنة، وبفتح الميم وكسر المعجَمة وسكون التَّحتانيَّة: جمع شَيْخ، ويُجمَع أيضاً على شيوخ، بالضَّمّ وبالكسر، وأشياخ، وشِيَخة، بكسرٍ ثمَّ فتح، وشِیخان، بکسرٍ ثمَّ سكون، ومشايخ، ومَشْیُخاء، بفتحٍ ثمَّ سكون ثمَّ ضَمّ ومَدّ، وقد تُشبَع الضَّمّة حتَّى تصير واواً فَتِمّ عشراً. ٥٢٠ باب ٣٠ / ح ٥٧٣٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((من مُهاجِرة الفَتْح)) أي: الذينَ هاجَروا إلى المدينة عامَ الفتح، أو المرادُ مُسلِمة الفتح، أو أَطلَقَ على مَن تَحوَّلَ إلى المدينة بعد فتح مَكّة مُهاجِراً صورةً، وإن كانتِ الهجرة بعد الفتح حُكماً قد ارتَفَعَت، وأطلقَ عليهم ذلك احترازاً من مَشيخة قُرَيش مَمَّن أقامَ بمَكّة ولم يُهاجِر أصلاً، وهذا يُشعِر بأنَّ لمن هاجَرَ فضلاً في الجملة على مَن لم يُهاجِر، وإن كانت الهجرة الفاضلة في الأصل إنَّما هي لمن هاجَرَ قبل الفتح، لقولِهِ وَّ: ((لا هِجرة بعد الفتح»(١)، وإنّما کان کذلك لأنَّ مَگّة بعد الفتح صارت دار إسلام، فالذي يُهاجِر منها للمدينة إنَّما يُهاجِر لطلبِ العلم أو الجهاد لا للفِرار بدينِه، بخلاف ما قبل الفتح، وقد تقدَّم بیان ذلك. قوله: ((بقيّة الناس)) أي: الصحابة، أطلق عليهم ذلك تعظيماً لهم، أي: ليس الناس إلّ هم، وعلى هذا عَطْفُهم على الصحابة عَطفُ تفسيريٌّ، ويحتمل أن يكون المراد ببقيّة الناس، أي: الذينَ أدرَكوا النبيّ وَّه ◌ُعُموماً، والمراد بالصحابة الذينَ لازَموه وقاتَلوا معه. قوله: «فنادی عمر في الناس: إنّ مُضْبح على ظَهْر، فأصبحوا علیه» زاد يونس في روايته: فإنّي ماضٍ لمَا أَرَى، فانظُرُوا ما آمُركم به فامضُوا له، قال: فأصبَحَ على ظَهر. قوله: ((فقال أبو عُبيدة) وهو إذ ذاكَ أمير الشّام ((أفِراراً من قَدَر الله؟)) أي: أترجِعُ فِراراً من قَدَر الله؟ وفي رواية هشام بن سعد: وقالت طائفة منهم أبو عُبيدة: أمِنَ الموت نَفِرّ؟ إنَّما نحنُ بقَدٍ، لن يُصيبنا إلّا ما كَتَبَ الله لَنا. قوله: ((فقال عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة!)) أي: لَعاقَبْتُه، أو لكان أَولى منك بذلك، أو لم أتعجَّب منه، ولكنّي أتعجَّب منك مع عِلمك وفضلك كيف تقول هذا؟ ويحتمل أن يكون المحذوف: لَأَدَّبته، أو هي للتَّمَنّي فلا تحتاج إلى جواب، والمعنى أنَّ غيرك ثمّن لا فهم له إذا قال ذلك يُعذَر، وقد بيَّن سبب ذلك بقوله: وكان عمر يكره خِلَافه(٢)، أي: مُخَالَفَته. (١) تقدم برقم (١٨٣٤). (٢) جاء هذا في رواية مالك عند مسلم (٢٢١٩) (٩٨).