النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ باب ١ / ح ٥٦٧٨ كتاب الطب في ((باب الرُّقية)) (٥٧٥٢) إن شاء الله تعالی. ويَدخُل في عُمومها أيضاً الدّاء القاتل الذي اعتَرَفَ حُذّاق الأطباء بأن لا دواء له، وأقَرّوا بالعجزِ عن مُداواته، ولعلَّ الإشارة في حديث ابن مسعود بقولِه: ((وجَهِلَه مَن جَهِلَه)) إلى ذلك فتكون باقيةً على عُمومها، ويحتمل أن يكون في الخبر حذفٌ تقديره: لم يُنزل داءً يقبل الدَّواء إلّا أَنزِلَ له شِفاءً، والأوَّل أولى. وما يَدخُل في قوله: ((جَهِلَه مَن جَهِلَه)) ما يقع لبعضِ المرضَى أنَّه يَتَداوى من داءٍ بدَواءٍ فَيَبرأ، ثمَّ يَعتَريه ذلك الدّاء بعينِهِ، فيَتَداوى بذلك الدَّواء بعينِه فلا يَنجَع، والسَّبَب/ في ذلك الجهل بصِفَةٍ من صفات الدَّواء، فرُبَّ مرضَينٍ تَشابها، ويكون أحدهما ١٣٦/١٠ مُركَّباً، لا يَنجَع فيه ما يَنجَع في الذي ليس مُركَّباً فيقع الخطأ من هنا، وقد يكون مُتَّحِداً لكن يريد الله أن لا يَنجَعَ فلا يَنجَعُ، ومن هنا تَّخْضَع رِقاب الأطباء، وقد أخرج ابن ماجَهْ (٣٤٣٧) من طريق أبي خِزامة - وهو بمُعجَمةٍ وزاي خفيفة - عن أبيه(١) قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت رُفَّى نَستَرقيها ودواءً نَتَداوى به، هل يَرُدّ من قَدَر الله شيئاً؟ قال: ((هي من قَدَر الله تَعالَى)). والحاصل أنَّ حصول الشِّفاء بالدَّواءِ إنَّما هو كَدفع الجوع بالأكلِ والعَطَش بالشُّرب، وهو يَنجَع في ذلك في الغالب، وقد يَتَخلَّف لمانعٍ، والله أعلم. ثمَّ الدّاء والدَّواء كلاهما بفتح الدّال وبالمدّ، وحُكيَ كسر دال الدَّواء. واستثناء الموت في حديث أُسامة بن شَرِيك واضح، ولعلَّ التَّقدير: إلّا داءَ الموت، أي: المرض الذي قُدِّرَ على صاحبه الموت. واستثناءُ الهَرَم في الرّواية الأُخرى إمّا لأنَّه جعله شبيهاً بالموت، والجامع بينهما نقص الصِّحّة، أو لقُربِه من الموت وإفضائه إليه. ويحتمل أن يكون الاستثناء مُنقَطِعاً، والتَّقدير: لكن الهَرَم لا دَواء له، والله أعلم. (١) قال الحافظ في ((التقريب)): ابن أبي خِزامة عن أبيه، وقيل: عن أبي خزامة عن أبيه، وهو الصحيح: مجهول. قلنا: والذي في مطبوع ابن ماجه هو الأول. ٤٢٢ باب ٢ - ٣ / ح ٥٦٧٩ - ٥٦٨١ فتح الباري بشرح البخاري ٢ - باب هل يُداوي الرّجلُ المرأةَ، أو المرأةُ الرّجلَ؟ ٥٦٧٩- حذَّثنا قُتَيةٌ، حدَّثنا بِشرُ بنُ المفضَّلِ، عن خالدِ بنِ ذَكْوانَ، عن رُبَيِّعَ بنت مُعَوِّدِ ابنِ عَفْراءَ قالت: كنَّا نَغْزو معَ رسولِ الله ◌ََّ نَسْقِي القومَ ونَخْدُمُهم، ونَرُدُ القتلَى والجَرْحَى إلى المدينةِ. قوله: ((باب هل يُداوي الرجلُ المرأةَ والمرأةُ الرجلَ؟» ذكر فيه حديث الرُّبِّع بالَّشديدِ: كنَّا نَغزو ونَسقي القوم ونَخدُمهم، ونَرُدّ القتلى والجرحَى إلى المدينة)» وليس في هذا السّياق تَعرُّض للمُداواة، إلّا إن كان يَدخُل في عُموم قولها: ((نَخْدُمهم))، نعم ورَدَ الحديث المذكور بلفظ: ونُداوي الجَرحَى، ونَرُدّ القتلَى، وقد تقدَّم كذلك (٢٨٨٢) في «باب مُداواة النِّساء الجَرحَى في الغَزو)) من كتاب الجهاد، فجَرَى البخاريّ على عادته في الإشارة إلى ما ورَدَ في بعض ألفاظ الحديث. ويُؤْخَذ حُكم مُداواة الرجل المرأةَ منه بالقياس. وإنَّما لم يَجِزِم بالحُكمِ لاحتمال أن يكون ذلك قبلَ الحِجاب، أو كانت المرأةُ تَصنَع ذلك بمَن یکون زوجاً لها أو مَحَرَماً. وأمَّا حُكم المسألة فتجوز مُداواة الأجانب عند الضَّرورة، وتُقَدَّر بقَدرها فيما يَتَعلَّق بالنَّظَرِ والجَسّ باليَدِ وغير ذلك، وقد تقدَّم البحث في شيء من ذلك في كتاب الجهاد. ٣- باب الشّفاءُ في ثلاثٍ ٥٦٨٠- حذَّثني الحسينُ، حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنِيع، حدَّثنا مَرْوانُ بنُ شُجاعٍ، حدَّثني سالمٌ الأفطَسُ، عن سعيدِ بنِ جُبَير، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: ((الشِّفاءُ في ثلاثةٍ: شَرْبةٍ عَسَلٍ، وشَرْطَةٍ مِحْجَمٍ، وكَيَّةِ نارٍ، وأنهَى أُمَّتي عن الكَيِّ)) رَفَعَ الحديثَ. ورواه القُمِّيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ وَُّ فِي العَسَلِ والحَجْمِ. [طرفه في: ٥٦٨١] ٥٦٨١- حدَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيمِ، أخبرنا سُرَيجُ بنُ يونُسَ أبو الحارثِ، حدَّثنا مَرْوانُ بنُ شُجاعٍ، عن سالم الأفطَسِ، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن ٤٢٣ باب ٣ / ح ٥٦٨١ كتاب الطب النبيِّ ◌َّه قال: ((الشِّفاءُ في ثلاثةٍ: في شَرْطةٍ مِحْجَمٍ، أو شَرْبةٍ عَسَلٍ، أو كَيَّةٍ بنارٍ، وأنا أنهَى أُمَّتي عن الگيِّ)). ١٣٧/١٠ قوله: ((باب الشِّفاء في ثلاث)) سَقَطَتِ التَرجمة للنَّسَفيّ، ولفظُ ((باب)) للسَّرَخسيِّ(١) .. قوله: ((حدَّثني الحسين)) كذا لهم غير منسوب، وجَزَمَ جماعة بأنَّه ابن محمَّد بن زياد النَّيسابوريّ، المعروف بالقَّانيّ. قال الكَلابَاذيّ: كان يُلازِم البخاريّ لمَّا كان بنَيَسابُور، وکان عنده «مُسنَد أحمد بن مَنیع)) سمعه منه، يعني شيخه في هذا الحدیث، وقد ذكر الحاكم في ((تاريخه)) من طريق الحسين المذكور أنَّه روى حديثاً فقال: كَتَبَ عنِّي محمَّد بن إسماعيل هذا الحديث. ورأيت في كتاب بعض الطَّلَبة قد سمعَه منه عنِّي. انتهى، وقد عاشَ الحسين القَبّانيّ بعد البخاريّ ثلاثاً وثلاثينَ سنة، وكان من أقران مسلم، فرواية البخاريّ عنه من رواية الأكابر عن الأصاغِر. وأحمد بن مَنيع شيخُ الحسين فيه من الطّبقة الوُسطَى من شيوخ البخاريّ، فلو رواه عنه بلا واسطة لم يكن عالياً له. وكانت وفاة أحمد بن مَنيع - وكُنْيته أبو جعفر - سنةَ أربع وأربعينَ ومئتَين، وله أربع وثمانونَ سنة، واسم جَدّه عبد الرَّحمن. وهو جَدّ أبي القاسم البَغَويِّ لأُمّه، ولذلك يقال له: المنيعيّ وابنُ بنتِ مَنیع. وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث. وجَزَمَ الحاكم بأنَّ الحسين المذكور: هو ابن يحيى بن جعفر البِيكَنديّ، وقد أكثرَ البخاريُّ الرّواية عن أبيه يحيى بن جعفر، وهو من صِغار شيوخه، والحسين أصغَر من البخاريّ بکثیر، وليس في البخاريّ عن الحسین سواء كان القبّانيَّ أو البیگنديّ سوى هذا الحديث. وقول البخاريّ بعد ذلك: ((حدَّثنا محمَّد بن عبد الرحيم)) هو المعروف بصاعِقة، يُكنى أبا يحيى، وكان من كبار الحُفّاظ، وهو من أصاغِرِ شيوخ البخاريّ، وماتَ قبل البخاريّ بسنةٍ واحدة، وسُرَيج بن يونس شيخه، بمُهمَلٍ ثمَّ جيم، من طبقة أحمد بن مَنيع، وماتَ قبله (١) أي: هو ثابت للسَّرَخْسي، كما في اليونينية، حيث رُمز فوق لفظة ((باب)): حـ، وهي إشارة للحمُّوِيّ، وهو السرخسي نفسه. ٤٢٤ باب ٣ / ح ٥٦٨١ فتح الباري بشرح البخاري بعشرٍ سنين. وشيخهما مروان بن شُجاع: هو الحرّانيّ، أبو عَمْرو وأبو عبد الله، مولی محمَّد ابن مروان بن الحكم نزلَ بغداد، وقَوّاه أحمد بن حَنبَل وغيره، وقال أبو حاتم الرَّازيّ: يُكتَب حديثه وليس بالقويّ. وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخرَ تقدَّم في الشَّهادات (٢٦٨٤)، ولم يَتَّفِقِ وقوع هذا الحديث للبخاريِّ عالياً، فإنَّه قد سمِعَ من أصحاب مروان بن شُجاع هذا، ولم يقع له هذا الحديث عنه إلّا بواسطتَين. وشيخه سالم الأفطَس: هو ابن عَجْلان، وما له في البخاريّ سوى الحديثَينِ المذكورَينِ من رواية مروان ابن شُجاع عنه. قوله: ((حدَّثني سالمٌ الأفطَس)) وفي الرِّواية الثّانية عن سالم وَقَعَ عند الإسماعيليّ: عن المنيعيّ حدَّثنا جَدّي هو أحمد بن مَنيع حدَّثنا مروان بن شُجاع قال: ما أحفَظه إلّا عن سالم الأفطَس حدَّثني، فذكره، قال الإسماعيليّ: صارَ الحديث عن مروان بن شُجاع بالشكِّ منه فیمَن حذَّثه به. قلت: وكذا أخرجه أحمد بن حَنبَل (٢٢٠٨) عن مروان بن شُجاع سواء، وأخرجه ابن ماجَه (٣٤٩١) عن أحمد بن مَنيع مِثل رواية البخاريّ الأولى بغير شَكِّ، وكذا أخرجه الإسماعيليّ أيضاً عن القاسم بن زكريّا عن أحمد بن مَنيع، وكذا رُوِّیناه في ((فوائد أبي طاهر المخلِّص))(١): حدَّثنا محمَّد بن يحيى بن صاعِد، حدَّثنا أحمد بن مَنيع. قوله: ((عن سعيد بن جُبَير)) وَقَعَ في ((مُسنَدَ دَعلَج)) من طريق محمَّد بن الصَّباح: حدَّثنا مروان بن شُجاع عن سالم الأفطَس أظنّه عن سعيد بن جُبِير. كذا بالشكِّ أيضاً، وكان ينبغي للإسماعيليِّ أن يَعتَرِض بهذا أيضاً. والحقّ أنَّه لا أثر للشَّكِّ المذكور، والحديث مُتَّصِل بلا ريب. قوله: ((عن ابن عبّاس قال: الشِّفاء في ثلاث)) كذا أورَدَه موقوفاً، لكن آخره يُشعِر بأنَّه مرفوع ١٣٨/١٠ لقوله: ((وأنهى أمَّتي عن الكيّ))، ولقوله: رَفَعَ/ الحديث. وقد صرَّح برفعه في رواية سُرَیج (١) ومن طريقه أخرجه ابن عساكر في ((الأربعون الأبدال العوالي)) (١٥). ٤٢٥ باب ٣ / ح ٥٦٨١ كتاب الطب ابن يونس حيثُ قال فيه: عن ابن عبّاس عن النبيّ وَّهِ. ولعلَّ هذا هو السِّ في إيراد هذه الطَّريق أيضاً مع نزولها، وإنَّما لم يَكتَفِ بها عن الأولى للتَّصريحِ في الأولى بقولِ مروان: حدَّثني سالم. ووَقَعَت في الثّانية بالعَنعَنة. قوله: ((رواه القُمِّيّ)) بضمِّ القاف وتشديد الميم: هو يعقوب بن عبد الله بن سعد بن مالك بن هانئ بن عامر بن أبي عامر الأشعريّ، جَدِّه أبي عامر صُحْبة، وكُنية يعقوب أبو الحسن، وهو من أهل قُمّ، ونزلَ الرَّيّ، قَوّاه النَّسائيُّ، وقال الدّارَ قُطنيُّ: ليس بالقويّ، وما له في البخاريّ سوى هذا الموضع. وليثٌ شيخه: هو ابن أبي سُلَيم الكوفيّ سَيِّئ الِحِفظ. وقد وَقَعَ لنا هذا الحديث من رواية القُمّيّ موصولاً في ((مُسنَد البزَّار)) (٤٩١٨) وفي (الغَيْلانيّات)) (٨١٥) وفي ((جُزء ابن بُخَيت(١))) كلّهم من رواية عبد العزيز بن الخطّب عنه بهذا السَّنَد، وقَصَّرَ بعض الشُّرّاح فنَسَبَه إلى تخريج أبي نُعَيم في ((الطِّبّ)) والذي عند أبي نُعَيم بهذا السَّنَد (١٨٧) حديثٌ آخر في الحجامة لفظه: ((احتَجِموا، لا يَتَبيَّغ بكم الدَّم فیقتُلگُم». قوله: ((في العَسَل والحَجْم)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: والحِجامة، ووَقَعَ في رواية عبد العزيز بن الخطّاب المذكورة: ((إن كان في شيء من أدويَتكم شِفاء ففي مَصّةٍ من الحجَّام، أو مَصّة من العَسَل)). وإلى هذا أشارَ البخاريّ بقولِه: في العَسَل والحَجْم. وأشارَ بذلك إلى أنَّ الكَيّ لم يقع في هذه الرِّواية. وأغرَبَ الحُميديّ في ((الجمع)) فقال في أفراد البخاريّ: الحديث الخامس عشر: عن طاووسٍ عن ابن عبّاس من رواية مجاهد عنه، قال: وبعض الرُّواة يقول فيه: عن مجاهد عن ابن عبّاس عن النبيّ وَّ: ((في العَسَل والحَجْمِ الشِّفاءُ)). وهذا الذي عَزاه للبخاريّ لم أرَه فيه أصلاً، بل ولا في غيره، والحديث الذي اختَلَفَ الرُّواة فيه هل هو عن مجاهد عن طاووسٍ عن ابن عبّاس، أو عن مجاهد عن ابن عبّاس بلا واسطة؟ إنّما هو في القبرَينِ اللَّذَينِ كانا يُعذَّبان، وقد تقدَّم التَّنبيه عليه في كتاب الطَّهارة (٢١٦ و٢١٨). وأمَّا (١) هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن خلف بن بُخَيت. له ترجمة في ((السير)) ٣٣٤/١٦. ٤٢٦ باب ٣ / ح ٥٦٨١ فتح الباري بشرح البخاري حديث الباب فلم أرَه من رواية طاووسٍ أصلاً، وأمَّا مجاهد فلم يَذكُرُه البخاريّ عنه إلّا تعليقاً كما بيَّنته، وقد ذكرت مَن وَصَلَه، وسياقَ لفظه. قال الخطَّبيُّ: انتَظَمَ هذا الحديث على جملة ما يَتَداوى به الناسُ، وذلك أنَّ الحَجم يَستَفرِغ الدَّمَ، وهو أعظَم الأخلاط، والحَجم أنجَحها شِفاءً عند هَيَجان الدَّم، وأمّا العَسَلُ فهو مُسهلٌ للأخلاطِ البَلغَميَّةِ، ويَدخُل في المعجونات ليحفظ على تلك الأدوية قواها ويُخْرِجها من البَدَن، وأمَّا الكَيّ فإنَّما يُستَعمَل في الخِلْط الباغي الذي لا تَنحَسِم مادَّته إلّا به، ولهذا وَصَفَه النبيُّ ◌َّةِ، ثُمَّ نَهَى عنه، وإِنَّا كَرِهَه لمَا فيه من الألم الشَّديد والخَطَر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها: ((آخِرِ الدَّواء الكَيّ))، وقد كَوى النبيُّ ◌َيه سعد بن معاذ وغيره(١)، واكتَوى غير واحد من الصحابة. قلت: ولم يُرِدِ النبيُّ وَِّ الخَصرَ في الثلاثة، فإنَّ الشِّفاء قد يكون في غيرها، وإنَّا نَبَّهَ بها على أُصول العِلاج، وذلك أنَّ الأمراض الامتلائيَّة تكون دَمَويَّةً وصفراويَّةً وبَلْغَميَّةً وسوداويَّةً، وشِفاء الدَّمَويَّة بإخراج الدَّم، وإنَّما خُصَّ الحَجْم بالذِّكرِ لكَثْرة استعمال العرب وإِلْفِهِم له، بخِلَاف الفَصْد فإنَّه وإن كان في معنى الحَجْم لكنَّه لم يكن مَعهوداً لها غالباً. على أنَّ في التَّعبير بقولِه: ((شرطة مِحْجَم)) ما قد يَتناول الفَصْد، وأيضاً فالحَجْم في البلاد الحارّة أنجَحُ من الفَصْد، والفَصْد في البلاد التي ليست بحارّةٍ أنجَحُ من الحَجْم. وأمَّا الامتلاءُ الصَّفراويّ وما ذُكِرَ معه فدَواؤُه بالمُسهِل، وقد نَبَّهَ عليه بذِكْر العَسَل، وسيأتي توجیه ذلك في الباب الذي بعده. وأمَّا الكَيّ فإنَّه يقع آخِراً لإخراج ما يَتَعَسَّر إخراجُه من الفَضَلات، وإنَّا نَهَى عنه مع إثباته الشِّفاءَ فيه إمّا لكَونِم كانوا يَرَونَ أنَّه يَجِسِم الداء(٢) بطَبْعِه فكَرهَه لذلك، ولذلك ١٣٩/١٠ كانوا يُبادِرونَ إليه قبل حصول الدّاء لظنِّهم أنَّه يَحسِم / الدّاء فيتعجلُ الذي يَكتَوي التَّعذيبَ بالنار لأمرٍ مَظُنُون، وقد لا يَتَّفِقِ أن يقع له ذلك المرضُ الذي يَقطعه الكيُّ. (١) يأتي تخريجه والكلام عليه في الباب رقم (١٧) ((من اكتوى أو كوى غيره)). (٢) تحرَّف في (س) إلى: المادة. ٤٢٧ باب ٣ / ح ٥٦٨١ كتاب الطب ويُؤخَذ من الجمع بين كراهته بَّهِ للكَيِّ وبين استعماله له أنَّه لا يُترَك مُطلَقاً ولا يُستَعمَلِ مُطلَقاً، بل يُستَعمَل عند تَعيُّنُه طريقاً إلى الشِّفاء مع مُصاحَبة اعتقاد أنَّ الشِّفاء بإذنِ الله تعالى، وعلى هذا التَّفسير يُحمَل حديثُ المغيرة رَفَعَه: ((مَن اكتَوى أو استَرقَى فقد بَرِئَ من التَّوُّل)) أخرجه التِّرمِذيّ (٢٠٥٥)، والنَّسائيُّ (ك ٧٥٦١) (١)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٦٠٨٧)، والحاكم (٤١٥/٤). وقال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: عُلمَ من مجموع كلامه في الكَيّ أنَّ فيه نَفعاً وأنَّ فيه مَضَرّةً، فلمَّا نَهَى عنه عُلمَ أنَّ جانب المضَرّة فيه أغلَبُ، وقريبٌ منه إخبار الله تعالى أنَّ في الخمر منافعَ ثمَّ حَرَّمَها، لأنَّ المضارّ التي فيها أعظَمُ من المنافع. انتهى مُلخَّصاً. وسيأتي الكلام على كلّ من هذه الأُمور الثلاثة في أبواب مُفرَدة لها. وقد قيل: إنَّ المراد بالشِّفاءِ في هذا الحديث الشِّفاءُ من أحد قِسمَي المرض، لأنَّ الأمراض كلّها إمّا ماديّة أو غيرها، والماديَّة كما تقدَّم حارّة وباردة، وكلّ منهما وإن انقَسَمَ إلى رَطْبة ويابِسة ومُركَّبة، فالأصل الحرارة والبرودة، وما عَداهُما يَنفَعِل(٢) من إحداهما، فَنَبَّهَ بالخيرِ على أصل المعالَة بضرْبٍ من المثال، فالحارّة تُعالَج بإخراجِ الدَّم لما فيه من استفراغ المادّة وتَبريد المِزاج، والباردة بتَنَاوُلِ العَسَل لما فيه من التَّسخين والإنضاج والتَّقطيع والتَّلطيف والجَلاءِ والتَّليين، فَيَحصُل بذلك استفراغ المادّة بِرِفقٍ. وأمَّا الكَيّ فخاصّ بالمرضِ المزمِن لأَنَّه يكونُ عن مادّة باردة، قد تُفسِد مِزاج العُضو، فإذا كُويَ خَرَجَت منه. وأمَّا الأمراض التي ليست بماديّة فقد أُشيرَ إلى عِلاجها بحديثِ: ((الحُمَّى من فَيْحِ جَهَنَّم، فأبرِدوها بالماءِ)). وسيأتي الكلام عليه عند شرحه (٥٧٢٣) إن شاء الله تعالى. وأمَّا قوله: ((وما أُحِبّ أن أكتَوي))(٣) فهو من جِنس تَرْكه أكلَ الضَّبّ مع تقريره أكْلَه على مائدته، واعتذارِه بأنَّه يَعافُه. (١) وهو عند ابن ماجه أيضاً (٣٤٨٩). (٢) في (أ): ينفصل. والمعنى واحد. (٣) يعني ما سيأتي في الحديث الآتي برقم (٥٦٨٣). ٤٢٨ باب ٤ / ح ٥٦٨٢ - ٥٦٨٤ فتح الباري بشرح البخاري ٤ - بابُ الدّواء بالعسل وقولِ الله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]. ٥٦٨٢- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: أخبرني هشامٌّ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان النبيُّونَ ﴿ يُعْجِبُهُ الحَلْواءُ والعَسَل. ٥٦٨٣- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ الغَسِيلِ، عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ فَتَادةَ، قال: سمعتُ جابَرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َل﴿ يقول: ((إن كان في شيءٍ من أدْوِيَتِكُم - أو يكونُ في شيءٍ من أدْوِيَتِكم - خيرٌّ، ففي شَرْطٍ مِحْجَمٍ، أو شَرْبٍ عَسَلٍ، أو لَذْعَةٍ بنارِ تُوافقُ الدّاءَ، وما أُحِبُّ أن أُكتَوِيَ)). [أطرافه في: ٥٦٩٧، ٥٧٠٢، ٥٧٠٤] ٥٦٨٤- حدَّثْنِي عَيَّش بنُ الوليدِ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أبي المتوكّلِ، عن أبي سعيدٍ: أَنَّ رجلاً أتى النبيَّ ◌َِّ، فقال: أخي يَشْتَكِي بَطْنَه، فقال: ((اسِقِهِ عَسَلاً))، ثمَّ أتاهُ الثّانيةَ، فقال: ((اسِقِهِ عَسَلاً))، ثم أتاهُ الثالثةَ، فقال: ((اسِقِهِ عَسَلاً)) ثمَّ أتاه فقال: فعَلْتُ، فقال: ((صَدَقَ اللهُ، وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، اسقِهِ عَسَلاً))، فسَقَاهُ فبَرَأْ. [طرفه في: ٥٧١٦] ١٤٠/١٠ قوله: ((بابُ الدَّواء بالعَسَلِ، وقول الله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾)) كأنَّه أشارَ بِذِكْرِهِ الآيةَ إلى أنَّ الضَّمير فيها للعَسَلِ، وهو قول الجمهور، وزَعَمَ بعض أهل التَّفسير أنَّه للقرآنِ. وذكر ابن بَطّال أنَّ بعضهم قال: إنَّ قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أي: لبعضِهم، وحَمَلَه على ذلك أنَّ تَناوُل العَسَل قد يَضُرّ ببعضِ الناس كمَن يكون حارّ المزاج. لكن لا يُحتاج إلى ذلك، لأنَّه ليس في حَمْله على العُموم ما يَمنَعِ أنَّه قد يَضُرّ ببعض الأبدان بطريق العَرَض. والعَسَل يُذكَّر ويُؤَنَّث، وأسماؤُه تَزيد على المئة، وفيه من المنافع ما لَخَّصَه الموفَّق البغداديّ وغيره، فقالوا: تجلو الأوساخ التي في العُروق والأمعاء، ويَدْفَع الفَضَلات، ويَغسِل ◌َمْل المعِدة، ويُسَخِّنها تَسخيناً مُعتَدِلاً، ويَفتَح أفواهَ العُروق، ويَشُدّ المعِدة والكَبِد والكُلَى والمثانة ٤٢٩ باب ٤ / ح ٥٦٨٤ كتاب الطب والمنافذ، وفيه تَحليلٌ للرُّطوبات أكلاً وطِلاءً وتَغذيةً، وفيه حِفظ المعجونات، وإذهاب لكيفيَّة الأدوية المستَكرَهة، وتنقية الكَبِد والصَّدر، وإدرار البول والطَّمْث، ونَفعٌ للسُّعال الكائن من البَلْغَم، ونَفعٌ لأصحابِ البَلْغَم والأمزِجة الباردة، وإذا أُضيفَ إليه الخَلّ نَفَعَ أصحابَ الصَّفراء، ثمَّ هو غذاء من الأغذية، ودَواء من الأدوية، وشراب من الأشربة، وحَلْوى من الحَلَاوات، وطِلاء من الأطلية، ومُفرِح من المفرِحات. ومن منافعه أنَّه إذا شُرِبَ حارّاً بدُهْنِ الورد نَفَعَ من ◌َهش الحيوان، وإذا شُرِبَ وحده بماءٍ نَفَعَ من عَضّة الكَلْب الكَلِب، وإذا جُعِلَ فيه اللَّحم الطَّريّ حَفِظَ طَراوته ثلاثة أشهُر، وكذلك الخيار والقَرْع والباذنجان واللَّيمون ونحو ذلك من الفواكه، وإذا لُطِّخَ به البَدَن للقَملِ قتل القَمل والصِّئبان، وطَوَّلَ الشَّعرَ وحَسَّنَه ونَعَّمَه، وإن اكتُحِلَ به جَلا ظُلمة البَصَر، وإن استُنَّ به صَقَلَ الأسنان وحَفِظَ صِخَّتها. وهو عجيب في حِفظ جُثَث الموتَى فلا يُسرِع إليها البِلَى، وهو مع ذلك مأمون الغائلة قليل المضَرّة، ولم يكن يُعوِّل قُدَماء الأطبّاء في الأدوية المرَكَّبة إلّا عليه، ولا ذِكْر للسُّكَّرِ في أكثر كُتُبهم أصلاً. وقد أخرج أبو نُعَيم في ((الطِّبّ النبويّ)) (٥٦٣) بسندٍ ضعيف من حديث أبي هريرة رَفَعَه، وابن ماجَهْ بسندٍ ضعيف من حديث جابر (١) رَفَعَه: ((مَن لَعِقَ العَسَل ثلاث غَدَوات في كلّ شهر لم يُصِبه عظيمٌ من البَلاء»، والله أعلم. ثم ذكر المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث: الأول: حديث عائشة: ((كان النبيّ ◌َلِّ يُعجِبِه الخَلْواء والعَسَل)) قال الكِرْمانيُّ: الإعجاب أعَمّ من أن يكون على سبيل الدَّواء أو الغِذاء، فتُؤخَذ المناسَبة بهذه الطَّريق. وقد تقدَّم باقي الكلام عليه في کتاب الأطعمة (٥٤٣١). (١) بل هو من حديث أبي هريرة أيضاً، وبالإسناد الذي عند أبي نعيم في ((الطب النبوي)) !! ولم نقف عليه من حديث جابر في شيء من مصادر التخريج الحاضرة. ٤٣٠ باب ٤ / ح ٥٦٨٤ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الثاني: قوله: ((عبد الرَّحمن بن الغَسيل)) اسم الغَسيل: حَنظَلة بن أبي عامر الأوسيّ الأنصاريّ، استُشهِدَ بأُحُدٍ وهو جُنُب فغَسَّلَته الملائكة، فقيل له: الغَسيل، وهو فعيل بمعنى مفعول، وهو جَدُّ جَدِّ عبد الرَّحمن، فهو ابن سليمان بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن حَنظَلة. وعبد الرَّحمن مَعدود في صِغار التابِعِينَ لأنَّه رأى أنساً وسهل بن سعد، وجُلّ روايته عن التابِعِينَ، وهو ثقة عند الأكثر، واختَلَفَ فيه قول النَّسائيّ، وقال ابن حِبّان: كان يُخْطِئ كثيراً. انتهى، وكان قد عُمِّر فجازَ المئة فلعلَّه تَغيَّرَ حِفظه في الآخر، وقد احتَجَّ به الشَّيخان. وشيخه عاصم بن عمر بن قَتَادة، أي: ابن النُّعمان الأنصاريّ الأوسيّ، يُكنى أبا عمر، ما له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخرَ تقدَّم في «باب مَن بَنَى مسجداً)) (٤٥٠) في أوائل الصلاة، وهو تابعيّ ثقة عندهم، وأغرَبَ عبد الحقّ فقال في ((الأحكام)): وثَّقه ابن مَعِين وأبو زُرْعة وضَعَّفَه غيرهما. ورَدَّ ذلك أبو الحسن بن القَطّان على عبدِ الحقّ، فقال: لا أعرِف أحداً ضَعَّفَه ولا ذكره في الضُّعَفاء. انتهى، وهو كما قال. قوله: ((إن كان في شيء من أدْوِيَتكم - أو يكون في شيء من أدْوِيَتكُمْ -) كذا وَقَعَ بالشكّ، وكذا لأحمد (١٤٧٠١) عن أبي أحمد الزُّبَيريّ عن ابن الغَسيل، وسيأتي بعد أبواب (٥٧٠٢) باللَّفظِ الأوَّل بغير شَكِّ، وكذا لمسلم (٢٢٠٥/ ٧١)، وذُكرتْ فيه في ((باب الحجامة من الدّاء» (٥٦٩٧) قصَّةٌ. ١٤١/١٠ وقوله: ((أو/ يكون)) قال ابن التِّين: صوابه ((أو يكن)) لأنَّه معطوف على مَجَزوم فيكون مَجَزوماً. قلت: وقد وَقَعَ في رواية أحمد (١٤٧٠١): ((إن كان أو - إن يكن -)) فلعلَّ الراوي أشَبَعَ الضَّمّة، فظنَّ السامع أنَّ فيها واواً فأثبَتَها، ويحتمل أن يكون التَّقدير: إن كان في شيء، أو إن كان يكون في شيء. فيكون التردُّد لإثبات لفظ يكون وعَدمها، وقرأها بعضهم بتشديد الواو وسكون النون، وليس ذلك بمحفوظٍ. قوله: ((ففي شَرْطة مِحْجَمٍ)) بكسر الميم وسكون المهمَلة وفتح الجيم. ٤٣١ باب ٥ / ح ٥٦٨٥ كتاب الطب قوله: ((أو لَذْعةٍ بنارٍ)) بِذالٍ مُعجَمة ساكنة وعين مُهمَلة، اللَّذْع: هو الخفيف من حَرْق النار. وأمَّا اللَّدغ، بالدّال المهمَلة والغَين المعجَمة: فهو ضرب أو عَضّ ذات السَّمّ. قوله: ((تُوافقُ الدّاءَ)) فيه إشارة إلى أنَّ الكَيّ إنَّما يُشرَع منه ما يَتَعيَّن طريقاً إلى إزالة ذلك الدّاء، وأنَّه لا ينبغي التَّجرِبة لذلك ولا استعماله إلّا بعد التَّحَقُّق، ويحتمل أن يكون المراد بالموافقة موافقة القَدَر. قوله: ((وما أُحِبّ أن أكتَوي)) سيأتي بيانه بعد أبواب (٥٧٠٤). الحديث الثالث: حديث أبي سعيد في الذي اشتَكَى بطنه فأَمِرَ بشُربِ العَسَل، وسيأتي شرحه في ((باب دَواء المبطون)) (٥٧١٦). وشيخه عبَّاس فيه: هو بالموخَّدة ثمَّ مُهمَلة، النَّرْسِيّ بنونٍ ومُهمَلة(١)، وعبد الأعلى شيخه: هو ابن عبد الأعلى، وسعيد: هو ابن أبي عَرُوبة، والإسناد كلّه بصريّونَ. ٥ - بابُ الدّواء بألبانِ الإبل ٥٦٨٥- حدَّثْنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا سَلّامُ بنُ مِسْكينٍ، حدَّثنا ثابتٌ، عن أنسٍ: أنَّ ناساً كان بهم سَقَمٌّ فقالوا: يا رسولَ الله آوِنا وأطْعِمْنا، فلمَّا صَحُوا قالوا: إنَّ المدينةَ وِةٌ، فأنزَلهُمُ الحَرّةَ في ذَوْدٍ له، فقال: ((اشرَبوا ألبانَها))، فلمَّا صَحُوا قَتَلوا راعيَ النبيِّ وَلِّ، واستاقُوا ذَوْدَه، فَبَعَثَ في آثارهم، فقطَعَ أيدِيَهم وأرجُلَهم، وسَمَرَ أعيُنَهم، فرأيتُ الرجلَ منهم يَكْدُمُ الأرضَ بلِسانه حتَّى يموتَ. (١) كذا قال الحافظ هنا، وهو وهم منه رحمه الله، لأنَّ شيخ البخاري في هذا الحديث إنما هو عياش بن الوليد، بالتحتانية ثم المعجمة، كما ضُبط في اليونينية مصححاً عليه، وهو الرَّقّام، وقد ذكره الحافظ على الصواب في فصل المؤتلف والمختلف من الأسماء من مقدمة كتابه حيث فرَّق بین عياش الرقّام وعباس النَّرسي، وذكر أنَّ هذا الثاني ليس له في البخاري إلّا حديثان أحدهما في علامات النبوة وآخر في المغازي، وأنَّ له حديثاً معلقاً في كتاب الفتن، وأنَّ باقي ما في الكتاب من حديث عياش بن الوليد الرقّام. قلنا: ويؤيده أنَّ عياش بن الوليد الرقّام معروف بالرواية عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، روى له البخاري عنه في مواضع، منها (٦٤٣) و(١٣٧٤) و(٢١٤٧). ٤٣٢ باب ٥ / ح ٥٦٨٥ فتح الباري بشرح البخاري قال سَلَامٌ: فَبَلَغَني أنَّ الحَجّاجَ قال لأنسٍ: حَدِّثْنِي بِأَشَدِّ عقوبةٍ عاقَبَه النبيُّ ◌َِّ، فحدَّثه بهذا، فبَلَغَ الحسنَ، فقال: ودِدْتُ أنَّه لم يُحدِّثْه. قوله: ((باب الدَّواء بألبان الإبل)) أي: في المرضِ الملائم له. قوله: ((سَلّام بن مِسْكين)) هو الأزديّ، وهو بالتّشديد، وما له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخرَ سيأتي في كتاب الأدب (٦٠٣٨). ووَقَعَ في اللباس (٥٨٩٧) عن موسى بن إسماعيل: حدّثنا سَلّام عن عثمان بن عبد الله. فَعَمَ الكَلاباذيّ أنَّه سَلّام بن مِسْکین، ولیس كذلك بل هو سَلّام بن أبي مُطيع، وسأذكر الحُجّة لذلك هناك إن شاء الله تعالى. قوله: ((حدَّثْنا ثابت)) هو البُنانيّ، ووَقَعَ للإسماعيليِّ من رواية بَهْز بن أسَد: عن سَلّام بن مِسْكين قال: حدَّث ثابتٌ الحسنَ وأصحابَه وأنا شاهد معهم، فيُؤْخَذ من ذلك أنَّه لا يُشتَرَط في قول الراوي: حدَّثنا فلان أن يكون فلان قد قَصَدَ إليه بالتَّحديث، بل إن سمعَ منه اتِّفاقاً جازَ أن يقول: حدَّثنا فلان، ورجال هذا الإسناد أيضاً كلّهم بصريّونَ. قوله: ((أنَّ ناساً)) زاد بهز في روايته: من أهل الحجاز. وقد تقدَّم في الطَّهارة (٢٣٣): أنَّهم من عُكْل أو عُرَينة بالشكّ، وثَبَتَ أنَّهم كانوا ثمانية، وأنَّ أربعةً منهم كانوا مِن عُكْل، وثلاثةً من عُرَينة، والرّابع كان تَبَعاً لهم. ١٤٢/١٠ قوله: ((كان بهم سَقَم، فقالوا: يا رسول الله آوِنا وأطْعِمْنا، فلمَّا صَحُوا)) في السّياق/ حذْفٍ تقديره: فآواهم وأطعَمَهم، فلمَّ صَحُّوا قالوا: إنَّ المدينة وَخِةٌ، وكان السَّقَم الذي بهم أوَّلاً من الجوع أو من التَّعَب، فلمَّا زالَ ذلك عنهم خَشُوا من وَخَم المدينة إمّا لكَونِهِم أهلَ ريفٍ فلم يَعتادُوا بالحَضَر، وإمّا بسببٍ ما كان بالمدينة من الحُمَّى(١)، وهذا هو المراد بقوله في الرِّواية التي بعدها: اجتَوَوُا المدينة. وتقدَّم تفسير الجوى في كتاب الطَّهارة (٢٣٣). ووَقَعَ في رواية بهز بن أسَد: بهم ضُرّ وجَهْد. وهو يشير إلى ما قلناه. (١) وقع في رواية لأحمد (١٢٦٦٨) من طريق آخر صحيح عن أنس أنهم شَكَوا حُمى المدينة. وعند مسلم من طريق آخر عن أنس: وقد وقع بالمدينة المُومُ وهو البِرسامُ، وسبق بيان ذلك عند شرح الحديث (٢٣٣). ٤٣٣ باب ٥ / ح ٥٦٨٥ كتاب الطب قوله: ((في ذَوْد له)) ذكر ابن سعد أنَّ عَدَد الذَّود كان خمس عشرة، وفي رواية بهز بن أسَد: أنَّ الذَّود كان مع الرَّاعي بجانبِ الحَرّة. قوله: ((فقال: اشربوا ألبانها)) كذا هنا، وتقدّم من رواية أبي قلابةَ (٢٣٣ و٤٦١٠) وغيره عن أنس: ((من ألبانها وأبوالها)). قوله: ((فلمَّا صَحُوا)) في السّياق حذْفٌ تقديره: فخَرَجوا فشَرِبوا، فلما صَحّوا. قوله: ((وسَمَرَ أعْيُهم)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيّ: باللّم بَدَل الرَّاء، وقد تقدَّم شرحها (٢٣٣). قوله: («فرأيتُ الرجل منهم يَكْدُم الأرض بلسانه حتَّى يموت)) زاد بهز في روايته: ممّا يَجِد من الغَمّ والوجَع. وفي ((صحيح أبي عَوَانة)) (٦١١١) هنا: يَعَضّ الأرضَ لَيَجِد بَرْدها ممَّا يَجِدٍ من الحرّ والشِّدّة. قوله: ((قال سَلّام)) هو موصول بالسَّنَدِ المذكور. وقوله: ((فبَلَغَني أنَّ الحجّاج)) هو ابنُ يوسف الأمير المشهور، وفي رواية أنس(١): فذكر ذلك قومٌ للحَجّاجِ، فَبَعَثَ إلى أنس فقال: هذا خاتَي فليكن بيَدِك - أي: يصير خازِناً له - فقال أنس: إنّ أعجزُ عن ذلك. قال: فحَدِّثني بأشدّ عقوبة، الحديث. قوله: ((بأشَدّ عقوبة عاقَبَه النبيّ ◌َلِ﴾)) كذا بالتَّذكير على إرادة العقاب، وفي رواية بهز: عاقَبَها. على ظاهر اللَّفظ. قوله: ((فبَلَغَ الحسن)) هو ابن أبي الحسن البصريّ ((فقال: ودِدْت أَنَّه لم يُحدِّثه)) زاد الكُشْمِيهنيّ: بهذا. وفي رواية بهز: فوالله ما انتهى الحجّاج حتَّى قامَ بها على المِنِبَرَ، فقال: حدَّثنا أنس، فذكره، وقال: قَطَعَ النبيّ وَّالأيديَ والأرجُلَ وسَمَرَ الأعيُن في معصية الله، أفَلا نفعل نحنُ ذلك في معصية الله؟! وساقَ الإسماعيليّ من وجه آخر عن ثابت: حدَّثني أنس قال: ما (١) كذا قال الحافظ، ولا ندري ما وجه ذلك، إلّا أن يكون أراد أنَّ هذه القصة قد رويت مسندة من رواية أنس بن مالك نفسه، فقد أخرج هذا الخبرَ أبو عوانة في ((صحيحه)) (٦١١١) كذلك، والله أعلم. ٤٣٤ باب ٦ / ح ٥٦٨٦ فتح الباري بشرح البخاري نَدِمتُ على شيء ما نَدِمتُ على حديثٍ حَدَّثتُ به الحجّاج، فذكره، وإنَّما نَدِمَ أنس على ذلك لأنَّ الحجّاج كان مُسرِفاً في العقوبة، وكان يَتَعلَّق بأدنَى شُبهة. ولا حُجّة له في قصَّة العُرَنِيِّينَ لأنَّه وَقَعَ التَّصريح في بعض طرقه أنَّهم ارتَدّوا(١)، وكان ذلك أيضاً قبل أن تَنزِل الحدود كما في الذي بعده، وقبل النَّهي عن المُثْلة كما تقدَّم في المغازي (٤١٩٢)، وقد حَضَرَ أبو هريرة الأمرَ بالتَّعذيبِ بالنار، ثمَّ حَضَرَ نَسخَه والنَّهيَ عن التَّعذيب بالنار كما مرَّ في كتاب الجهاد (٣٠١٦)، وكان إسلامُ أبي هريرة مُتأخّراً عن قصَّة العُرَنِيِّينَ، وقد تقدَّم بسط القول في ذلك (٢٣٣) في ((باب الإبل والدَّوابّ)) من كتاب الطَّهارة، وإنَّما أشرتُ إلى اليسير منه لبُعدِ العهد به. ٦ - بابُ الدّواءِ بأبوالِ الإبل ٥٦٨٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا همَّامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ عُه: أنَّ ناساً اجْتَوَوْا في المدينةِ، فأمَرَهُمُ النبيُّ ◌َّهِ أن يَلْحَقُوا بِرَاعِيه، يعني الإبلَ، فَيَشْرَبوا من ألبانها وأبوالها. فَلَحِقوا بِراعيه، فشَرِبوا من ألبانها وأبوالها، حتَّى صَلَحَت أبدانُهم، فقتلوا الرَّاعيَ وساقوا الإبلَ، فبَلَغَ النبيَّ ◌ِّهِ، فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ فِيءَ بهم، فقطَعَ أيدِيَهم وأرجُلَهم، وسَمَرَ أعيُنَهم. قال قَتَادةُ: فحدَّثني محمَّدُ بنُ سِيرِينَ: أنَّ ذلك كان قبلَ أن تَنْزِلَ الحدود. ١٤٣/١٠ قوله: ((باب الدَّواء بأبوال الإبل)» ذكر فيه حديث العُرَنِينَ. ووَقَعَ في خُصوص التَّداوي بأبوال الإبل حديثٌ أخرجه ابن المنذر عن ابن عبَّاس رَفَعَه: ((عليكم بأبوال الإبل، فإنَّهَا نافعة للذَّرِبة بُطونُهم))(٢)، والذَّرِبة، بفتح المعجَمة وكسر الرّاء: جمع (٣) ذَرِب، والذَّرَبُ بفتحَتَيْنِ: فسادُ المعِدة. (١) وعند أبي عوانة (٦١١١) من قول الحسن البصري بعد أن سمع الخبر من ثابت البناني: ولا يذكُر عدوٌّ الله أنهم حاربوا الله ورسوله، وكفروا بعد إسلامهم وقتلوا النفس التي حَرَّم اللهُ وسرقوا. (٢) وهو أيضاً في ((مسند أحمد» (٢٦٧٧). (٣) لم نقف على هذا الجمع في شيء من كتب اللغة الحاضرة، وإنما الذي فيها أنَّ الذَّرِبَة مفردٌ مؤنث، ومذكره: ذَرِب. وقال ابن سِيدَهْ في ((المخصص)): الذَّرَب: داء يكون في المعدة وفسادٌ، وقد ذَرِبَتْ ذَرَباً، فهي ذَرِبَةٌ. ٤٣٥ باب ٧ / ح ٥٦٨٧ - ٥٦٨٨ كتاب الطب قوله: ((أنَّ ناساً اجْتَووْا في المدينة)) كذا هنا بإثبات ((في)) وهي ظَرفيَّةٌ، أي: حَصَلَ لهم الجوى، وهم في المدينة، ووَقَعَ في رواية أبي قلابةَ (٢٣٣) عن أنس: اجتَوَوْا المدينة. قوله: ((أن يَلْحَقوا براعيه، يعني الإبل)» كذا في الأصل، وفي رواية مسلم(١) من هذا الوجه: أن يَلحَقوا براعي الإبل. قوله: ((حتَّى صَلَحَتْ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: صَخَّتْ. قوله: ((قال قَتَادة)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور. وقوله: ((فحذَّثني محمَّد بن سِيرِين ... )) إلى آخره. يُعكّر عليه ما أخرجه مسلم (١٦٧١/ ١٤) من طريق سليمان التَّيْميِّ عن أنس قال: إنَّما سَمَلَهم النبيُّ وَّهِ لأَّهم سَمَلوا أعيُن الرِّعاء. وسيأتي بيان ذلك واضحاً في كتاب الدّيات (٦٨٩٩) إن شاء الله تعالى. ٧- باب الحبَّةِ السّوداء ٥٦٨٧ - حذَّثني عبدُ الله بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا عُبيدُ الله، حدَّثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن خالدِ بنِ سعدٍ، قال: خَرَجْنا ومَعَنا غالبُ بنُ أبجَرَ، فمَرِضَ في الطَّرِيقِ، فقَدِمْنا المدينةَ وهو مَرِيضٌ، فعادَه ابنُ أبي عَتِيقٍ، فقال لنا: عليكم بَهَذِهِ الحُبَيبةِ السُّوَيداء، فخُذوا منها خمساً أو سبعاً فاسحَقُوها، ثمَّ اقطُروها في أَنْفِه بقَطَراتِ زَيتٍ في هذا الجانبِ وفي هذا الجانبِ، فإنَّ عائشةَ حدَّثْني أنَّها سمعَتِ النبيَّ نَ له يقول: ((إنَّ هذه الحَبّةَ السَّوْداءَ شِفاءٌ من كلِّ داءٍ إلّا منَ السامِ)) قلتُ: وما السامُ؟ قال: الموتُ. ٥٦٨٨- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أبو سَلَمَةَ وسعيدُ بنُ المسيّبِ، أنَّ أبا هريرةَ أخبَرهما، أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ وَ لَّ يقول: ((في الحَبّةِ السَّوْداءِ شِفاءٌ من كلِّ داءٍ إِلّ السامَ)». قال ابنُ شِهابٍ: والسامُ: الموتُ، والحَبَّةُ السَّوْداءُ: الشُّونِيزُ. (١) أخرج مسلمٌ الحديث من طريق همام عن قتادة، لكنه طوى ذكر لفظه، واستخرجه أبو عوانة برقم (٦٠٩٦) من هذا الطريق، وفيه اللفظ الذي أشار إليه الحافظ. ٤٣٦ باب ٧ / ح ٥٦٨٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب الحَبّة السَّوْداء)) سيأتي بيان المراد بها في آخر الباب. قوله: ((حدَّثني عبد الله بن أبي شَيْبة)) كذا سَمّه، ونَسَبَه جدِّه، وهو أبو بكر، مشهور بگُنْيْتِه أكثر من اسمه، وأبو شَيْبة جَدّه، وهو ابن محمَّد بن إبراهيم، وكان إبراهيم أبو شَيْبة قاضي واسط. قوله: ((حدَّثْنا عُبيد الله)) بالتَّصغير، كذا للجميع غير منسوب، وكذا أخرجه ابن ماجَهْ (٣٤٤٩) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عن عُبيد الله، غير منسوب، وجَزَمَ أبو نُعَيم في (المستخرَج)) بأنَّه عُبيد الله بن موسى، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق أبي بكر الأعين، والخطيب في كتاب ((رواية الآباء عن الأبناء)) من طريق أبي مسعود الرَّازيّ، وهو عندنا بعُلوِّ من طريقه، وأخرجه أيضاً أحمد بن حازم بن(١) أبي غَرَزة - بفتح المعجَمة والرَّاء والزّاي - في ((مُسنَده))، ومن طريقه الخطيب أيضاً كلّهم عن عبيد الله بن موسى، وهو الکوفيّ المشهور، ورجال الإسناد کلّھم کوفیّونَ، وعُبيد الله بن موسی من کبار شيوخ البخاريّ، ورُبَّما حدَّث عنه بواسطةٍ كالذي هنا. قوله: ((عن منصور)) هو ابن المعتمِر. قوله: ((عن خالد بن سَعْد)) هو مولى أبي مسعود البدريّ الأنصاريّ، وما له في البخاريّ ١٤٤/١٠ سوى هذا الحديث، وقد أخرجه المَنْجَنيقيّ(٢) في كتاب ((رواية الأكابر عن الأصاغر))(٢) عن/ عُبيد الله بن موسى بهذا الإسناد، فأدخَلَ بين منصور وخالد بن سعد مجاهداً، وتَعقَّبَه الخطيب بعد أن أخرجه من طريق المَنْجَنيقيّ بأنَّ ذِكْر مجاهد فيه وهم. ووَقَعَ في رواية المنْجَنيقيّ أيضاً: خالد بن سعيد. بزيادة ياء في اسم أبيه، وهو وهم نَبَّهَ عليه الخطيب أيضاً. قوله: ((ومَعَنا غالبُ بنُ أبجَرَ)) بموخَّدةٍ وجيم وزن أحمد، يقال: إنَّه الصحابيّ الذي سألَ النبيّ وٌَّ عن الحُمُر الأهليَّة. وحديثه عند أبي داود (٣٨٠٩). (١) تحرَّف في (س) إلى: عن. (٢) هو إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغدادي الورّاق، وهو من رجال النسائي. (٣) وهو أيضاً عند الطبراني في «الأوسط)) (١٠٥). ٤٣٧ باب ٧ / ح ٥٦٨٨ كتاب الطب قوله: ((فعادَه ابن أبي عَتيق)) في رواية أبي بكر الأعيَن: فعادَه أبو بكر بن أبي عَتيق. وكذا قال سائر أصحاب عُبيد الله بن موسى(١) إلّ المَنْجَنيقيّ، فقال في روايته: عن خالد بن سعيد(٢)، عن غالب بن أبجَر، عن أبي بكر الصِّدّيق، عن عائشة. واختَصَرَ القصَّة، وبسياقها يَتَبَيَّن الصَّواب. قال الخطيب: وقوله في السَّنَد: عن غالب بن أبجَر، وهمٌّ، فليس لغالبٍ فيه رواية، وإنَّما سمعَه خالدٌ مع غالبٍ من أبي بكر بن أبي عَتيق، قال: وأبو بكر بن أبي عَتيق هذا: هو عبد الله بن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّدّيق، وأبو عَتيق كُنية أبيه محمَّد ابن عبد الرَّحمن، وهو مَعدود في الصحابة لكَونِهِ وُلِدَ في عهد النبيّ ◌َّهِ، وأبوه وجَدُّه وجَدُ أبيه صحابة مشهورونَ. قوله: ((عليكم بهذه الحُبَيبة السّويداء)) كذا هنا بالتَّصغير فيهما، إلّا الكُشْمِيهنيّ فقال: ((السَّوداء))، وهي رواية الأكثر ممَّن قَدَّمتُ ذِكْره أنَّه أخرج الحديث. قوله: «فإنَّ عائشة حدَّثْني [أنها سمعت النبي ◌َّه](٣): إنَّ هذه الحَبّة السَّوْداء شِفاء)» كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيّ: ((إنَّ في هذه الحَبّة شِفاء))، وفي رواية الأعين: ((هذه الحَبّة السَّوداء التي تكون في الملح)). وكان هذا قد أشكَلَ عليّ، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه يريد الكَمّون، وكانت عادتُهُم جَرَت أن يُلَّط بالملحِ. قوله: ((إلّا من السام)) بالمهمَلة بغير همز، ولابنٍ ماجَهْ (٣٤٤٩): ((إلّا أن يكون الموت))(٤)، وفي هذا أنَّ الموت داء من جملة الأدواء، قال الشّاعر: وداءُ الموتِ ليسَ لَهُ دواءُ (١) تحرَّف في (س) إلى: عبد الله بن أبي موسى. (٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: بن سعد، وهو الصحيح في اسمه، لكن الذي وقع عند المَنْجَنيقي: بن سعيد، بزيادة الياء، كما نبَّه عليه الحافظ قريباً، وذكر أنه وهم نقلاً عن الخطيب. (٣) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، وهو ثابت في الرواية بلا خلاف، فالوجه إثباته. (٤) الرواية عند ابن ماجه: ((إلّا أن يكون السَّام))، فلعلَّ الحافظ أراد أن يذكره فسبق قلمُه فذكر الموت، اللهم إلّا أن يكون سقط من نسخته من ابن ماجه ذكر السؤال عن السام. ٤٣٨ باب ٧ / ح ٥٦٨٨ فتح الباري بشرح البخاري وقد تقدَّم توجيه إطلاق الدّاء على الموت في الباب الأوَّل. قوله: ((قلت: وما السَّامُ؟ قال: الموت)) لم أعرِف اسمَ السائل ولا القائل، وأظنّ السائل خالدَ بن سعْد والمجيبَ ابنَ أبي عَتيق. وهذا الذي أشارَ إليه ابن أبي عَتيق ذكره الأطبّاء في عِلاج الزُّكام العارض معه عُطاسٌ كثير، وقالوا: تُقْلَى الْحَبّ السَّوداء ثمَّ تُدَقّ ناعِماً ثمَّ تُنقَع في زَيت، ثمَّ يُقْطَر منه في الأنف ثلاثَ قَطَرات، فلعلَّ غالب بن أبجَر كان مَزْكوماً، فلذلك وَصَفَ له ابنُ أبي عَتيق الصِّفة المذكورة، وظاهر سياقه أنَّها موقوفة عليه، ويحتمل أن تكون عنده مرفوعة أيضاً، فقد وَقَعَ في رواية الأعيَن عند الإسماعيليّ بعد قوله: ((من كلّ داء)): ((واقطُروا عليها شيئاً من الزَّيت))، وفي رواية له أُخرى: ورُبَّما قال: واقطُروا ... إلى آخره. واذَّعَى الإسماعيليّ أنَّ هذه الزّيادة مُدرجة في الخبر، وقد أوضحت ذلك روایةُ ابن أبي شَيْبة، ثمَّ وجَدتُها مرفوعةً من حديث بُرَيدة، فأخرج المستَغفِريّ في كتاب ((الطِّبّ)) من طريق حُسام بن مِصٌَّ (١)، عن عبد الله (٢) بن بُرَيدة عن أبيه (٣) عن النبيّ ◌َّ: ((إنَّ هذه الحَبّة السَّوداء فيها شِفاء» الحديث، قال: وفي لفظ: قيل: وما الحَبّة السَّوداء؟ قال: الشُّونيز، قال: وكيف أصنَع بها؟ قال: تأخُذ إحدى وعشرينَ حَبّة، فتَصُرُّها في خِرقة، ثمَّ تَضَعُها في ماءٍ ليلةً، فإذا أصبحتَ قَطَرت في المَنخِرِ الأيمَن واحدة، وفي الأيسَر اثنتَين، فإذا كان من الغَد قَطَرتَ في المَنخِرِ الأيمَن اثنتَين، وفي الأيسَر واحدة، فإذا كان اليوم الثّالث قَطَرت في الأيمَن واحدة وفي الأيسَر اثنتَينِ)). ويُؤخَذ من ذلك أنَّ معنى كَون الحَبّة شِفاء من كلّ داء أنَّها لا تُستَعمَل في كلّ داء صِرْفاً، بل رُبَّما استُعمِلَت مُفرَدة، وربَّما استُعمِلَت مُركَّبة، وربَّما استُعمِلَت مسحوقةً وغيرَ مسحوقة، وربَّما استُعمِلَت أكلاً وشُرباً وسَعُوطاً وضِماداً وغير ذلك. (١) هو ضعيف لا يحتج به. (٢) تحرَّف في (س) إلى: عبيد الله. (٣) قوله: عن أبيه، سقط من (س). ٤٣٩ باب ٧ / ح ٥٦٨٨ كتاب الطب وقيل: إنَّ قوله: ((كلّ داء)) تقديره: يَقبلُ العِلاجَ بها، فإنَّها إنما تَنفَع من الأمراض الباردة، وأمَّا الحارّة فلا. نعم قد تَدخُل في بعض الأمراض الحارّة اليابسة بالعَرَض، فتُوصِل قويّ الأدوية الرَّطبة الباردة إليها بسُرعةٍ تنفيذها، واستعمالُ الحارّ / في بعض الأمراض الحارّة ١٤٥/١٠ الخاصّيَّةٍ فيه لا تُستَنَكَر كالعَنْزَرُوت(١)، فإنَّه حارٌ ويُستَعمَل في أدوية الرَّمَد المَرَكَّبة، مع أنَّ الرَّمَد ورَمٌ حارّ باتِّفاق الأطبّاءِ. وقد قال أهل العلم بالطِّبِّ: إنَّ طَبع الحَبّة السَّوداء حارّ يابِس، وهي مُذهِبة للنَّفْخ، نافعة من حُمَّى الرِّبْعِ(٢) والبَلْغَم، مُفَتِّحة للسُّدَدِ والرّيح، مُجُفِّفة لِلّة المعدة، وإذا دُقَّت وعُجِنَت بالعَسَلِ وشُرِبَت بالماءِ الحارّ أذابَتِ الحَصاة وأدَرَّتِ البَول والطَّمْث، وفيها جَلاء وتَقطيع، وإذا دُقَّت ورُبِطَت بخِرقةٍ من كَتّان وأُدِيم شَمُّها نَفَعَ من الزُّكام البارد، وإذا نُقِعَ منها سبعُ حَبّات في لَبَن امرأةٍ وسُعِطَ به صاحبُ الْيَرَقان أفادَه، وإذا شُرِبَ منها وزنُ مِثْقال بماءٍ أفادَ من ضِيق النَّفس، والضِّماد بها يَنفَع من الصُّداع البارد، وإذا طُبِخَت بِخلُّ وتُمُضمِضَ بها نَفَعَت من وَجَع الأسنان الكائن عن بَرْد. وقد ذكر ابن البيطار وغيره ممَّن صَنَّفَ في المفردات في منافعها هذا الذي ذكرته وأكثر منه . . وقال الخطَّبيُّ: قوله: ((من كلّ داء)) هو من العامّ الذي يُراد به الخاصّ، لأنَّه ليس في طَبع شيء من النَّبات ما يجمع جميع الأُمور التي تُقابِل الطَّبائع في مُعالجة الأدواء بمُقابِلِها، وإنَّما المراد أنَّهَا شِفاء من كلّ داء تَحدُث من الرُّطوبة. وقال أبو بكر بن العربيّ: العَسَل عند الأطبّاء أقرَبُ إلى أن يكون دواءً من كلّ داء من الحَبّة السَّوداء، ومع ذلك فإنَّ من الأمراض ما لو شَرِبَ صاحبُهُ العَسَل لَتأذَّى به، فإن كان المراد بقوله (١) قال الحميري في ((شمس العلوم)) ١/ ٣٤٠ هو صمغ يؤتى به من فارس، منه أحمر ومنه أبيض، وهو يابس في الدرجة الأولى، خاصته أنه يلزق القروح والجراح ويسهّل البلغم ويقطع الرطوبة السائلة إلى العين، وينفع من الرمد .... (٢) قال في («شمس العلوم)) ٢٣٧٣/٤: هي التي تأتي الإنسان يوماً وتدعُه يومين، ثم تأتيه في اليوم الرابع من إتيانها، وهي تحدث من السوداء العَفِنة. ٤٤٠ باب ٧ / ح ٥٦٨٨ فتح الباري بشرح البخاري في العَسَل: ((فيه شِفاء للنّاس)) الأكثرَ الأغلَبَ، فحَمْلُ الحَبّة السَّوداء على ذلك أولَى. وقال غيره: كان النبيّ ◌َّهِ يَصِف الدَّواء بحَسَبِ ما يُشاهده من حال المريض، فلعلَّ قوله: ((في الحَبّة السَّوداء)) وافَقَ مرضَ مَنْ مِزاجه بارد، فيكون مَعنى قوله: ((شِفاء من كلّ داء)) أي: من هذا الجِنس الذي وَقَعَ القولُ فيه، والتَّخصيص بالحيثيَّة كثير شائع، والله أعلم. وقال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: تَكلَّمَ الناس في هذا الحديث وخَصّوا عُمومه، ورَدّوه إلى قول أهل الطِّبّ والتَّجرِبة، ولا خَفاء بغَلَطِ قائل ذلك، لأنّا إذا صَدَّقنا أهل الطِّبّ ـــ ومَدار عِلمهم غالباً إِنَّما هو على التَّجرِبة التي بناؤُها على ظنّ غالب - فتصديقُ مَن لا ينطق عن الهوى أولی بالقبُولِ من کلامهم. انتهى. وقد تقدَّم توجيه ◌َمله على عُمومه بأن يكون المراد بذلك ما هو أعَمّ من الإفراد والتَّرکیب، ولا محذور في ذلك ولا خروج عن ظاهر الحديث، والله أعلم. قوله: ((أخبَرَني أبو سَلَمة)) هو ابنُ عبد الرَّحمن بن عَوْف. قولُه: ((وسعيد بن المسيّب)) كذا في رواية عُقَيل، وأخرجه مسلم (٨٨/٢٢١٥) من وجهَينِ اقتَصَرَ في كلّ منهما على واحد منهما، وأخرجه مسلم (٨٩/٢٢١٥) أيضاً من رواية العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: ((ما من داءٍ إلّ وفي الحَبّة السَّوداء منه شِفاء، إلّا السام)). قوله: ((والحَبّ السَّوْداء: الشُّونيز)) كذا عَطَفَه على تفسير ابن شِهاب للسّام، فاقتَضَى ذلك أنَّ تفسير الحَبّة السَّوداء أيضاً له. والشُّونيز، بضمِّ المعجَمة وسكون الواو وكسر التُّون وسكون الثَّحتانيَّة بعدها زاي. وقال القُرطُبيّ: قَيَّدَ بعض مشايخنا الشّين بالفتح، وحكى عِيَاض عن ابن الأعرابيّ أنَّ كَسَرَها فأبدَلَ الواو ياء، فقال: الشِّينيز، وتفسير الحَبّة السَّوداء بالشُّونِيزِ لشُهرة الشّونيز عندهم إذ ذاكَ، وأمَّا الآن فالأمر بالعكس، والحبّة السَّوداء أشھَر عند أهل هذا العصر من الشُّونيز بكثيرٍ، وتفسيرها بالشُّونيزِ. هو الأكثر الأشهر، وهي الكَمُّون