النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ باب ١٧ / ح ٥٦٦٩ كتاب المرضى الحديث الثالث: حديث ابن مسعود، وقد تقدَّم شرحه قريباً (٥٦٤٧). وقوله في هذه الرّواية: ((فمَسِسْتُه)) وَقَعَ في رواية المُستَمْلي(١): فسمعتُه. وهو تحريف، ووُجِّهَت بأنَّ هنا حذفاً، والتَّقدير: فسمعتُ أنينَه. الحديث الرابع: حديث عامر بن سعد، عن أبيه، وهو سعد بن أبي وقّاص. قوله: ((من وجَعِ اشتَدَّ بي)) تقدَّم شرحه مُستَوقّ في كتاب الوصايا (٢٧٤٢ و٢٧٤٤). وقوله: ((زَمَن حَجّة الوداع» موافق لرواية مالك عن الزُّهْريّ(٢)، وتقدَّم أنَّ ابن عُيَينَ قال في روايته(٣): أنَّ ذلك في زمن الفتح. والأوَّل أرجَح، والله أعلم. ١٧ - بابُ قولِ المريضِ: قومُوا عنّي ٥٦٦٩- حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن مَعمَرٍ (ح) حدثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حَدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لمَّا حُضِرَ رسولُ اللهِوَّهِ وفي البيتِ رجالٌ فيهم عمرُ بنُ الخطّاب، قال النبيُّ ◌َّةَ: ((هَلُمَّ أكتُبْ لكم كتاباً لا تَضِلُّوا بعدَه))، فقال عمرُ: إنَّ النبيَّ ◌ََّ قدِ غَلَبَ عليه الوَجَعُ، وعندَكُمُ القرآنُ، حَسْبُنا كتابُ الله، فاختَلَفَ أهلُ البيتِ فاختَصَموا، منهم مَن يقول: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لكمُ النبيُّ ◌َهِ كتاباً لن تَضِلُّوا بعدَه، ومنهم مَن يقول ما قال عمرُ، فلمَّا أكثروا اللَّغْوَ والاختِلافَ عندَ النبيِّ ◌َّه قال رسولُ الله ◌َِّ: ((قُومُوا)). قال تعُبيدُ الله: فكان ابنُ عبَّاسٍ يقول: إنَّ الرَّزِيَّةَ كلَّ الرَّزِيَّةِ ما حالَ بينَ رسولِ اللهِلَّه وبينَ أن يَكْتُبَ لهم ذلك الكتابَ، مِنِ اختلافهم ولَغَطِهم. قوله: ((بابُ قولِ المريضِ: قوموا عنِّي) أي: إذا وَقَعَ من الحاضرينَ عنده ما يقتضي ذلك. قوله: ((هشام)) هو ابن يوسف الصَّنْعانيّ. (١) وهي رواية الحَمُّوِيّ أيضاً، كما في اليونينية و((إرشاد الساري)). (٢) تقدمت روايته برقم (١٢٩٥)، وهو في ((الموطأ)) ٧٦٣/٢. (٣) عند ابن ماجه (٢٧٠٨)، والترمذي (٢١١٦). ٤٠٢ باب ١٨ / ح ٥٦٧٠ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمّد)) هو المُسنَدِي، وساقَه المصنِّف هنا على لفظ هشام، وسَبَقَ لفظ عبد الرَّزّاق(١) في أواخر المغازي (٤٤٣٢)، وتقدَّم شرحه هناك، ووَقَعَ هُنا: قال رسول الله وَ له: ((قوموا))، وقد تقدَّم الحديث في كتاب العلم (١١٤) من رواية يونس ابن يزيد عن الزّهْريّ بلفظ: فقال رسول الله ◌ِّ: ((قوموا عنّي))(٢)، وهو المطابِق للتَّرجمة، ولم أستَحضِره عند الكلام عليه في المغازي فنَسَبت هذه الزّيادة لابنِ سعد (٢٤٤/٢)، وعَزْوها للبخاريِّ أولى. ويُؤخَذ من هذا الحديث أنَّ الأدب في العيادة أن لا يُطيل العائدُ المقام(٣) عند المريض حتَّى يُضجِره، وأن لا يتكلّم عنده بما يُزِجه. وجملة آداب العِيادة عشرة أشياء، ومنها ما لا يَخْتَصّ بالعيادة: أن لا يُقابِل الباب عند الاستئذان، وأن يَدُقّ الباب بِرِفِقٍ، وأن لا يُبهِم نفسه، كأن يقول: أنا، وأن لا يَحَضُر في وقتٍ يكون غير لائق بالعيادة کوقتٍ شُرب المریض الدَّواء، وأن يُحُفِّف الجلوس، وأن يَغُضّ البَصَر، ويُقَلِّل السُّؤال، وأن يُظهِر الرِّقّة، وأن يُخْلِص الدُّعاء، وأن يوسِّع للمريضِ في الأمَل، ويُشير عليه بالصَّيرِ لمَا فيه من جَزيل الأجر، ويُحذِّره من الجَزَع لما فيه من الوزر. قوله: ((فكان ابن عبّاس يقول: إنَّ الرَّزيَّة)) سَبَقَ الكلام عليه في الوفاة النبويَّة (٤٤٣١ و ٤٤٣٢). ١٨ - بابُ مَنْ ذهبَ بالصبيِّ المريضِ ليُدْعی له ٥٦٧٠- حذَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثنا حاتمٌ - هو ابنُ إسماعيلَ - عن الجُعَيدِ، قال: سمعتُ السائبَ يقول: ذهبَتْ بي خالَتي إلى رسولِ الله وَ لَه، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ ابنَ أُخْتِي وَجِعٌّ، فَمَسَحَ رأسي، ودَعا لي بالبَرَكَةٍ، ثمَّ تَوضَّأ فشَرِبتُ من وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَ (١) بل اللفظ المذكور هنا هو لفظ عبد الرزاق، وهو في ((مصنفه)) (٩٧٥٧)، وأما لفظ رواية هشام بن يوسف فسيأتي عند البخاري برقم (٧٣٦٦). (٢) وهذا لفظ رواية هشام بن يوسف الآتي عند البخاري برقم (٧٣٦٦)، ولكن ذهل عنه الحافظ رحمه الله. (٣) لفظة: ((المقام)) أثبتناها من (ع) وحدها. ٤٠٣ باب ١٩ / ح ٥٦٧١ - ٥٦٧٣ كتاب المرضى ظَهْرِه، فنَظَرْتُ إلى خاتَمِ بينَ كَتِفَيِهِ مِثلَ زِرِّ الحَجَلِةِ. قوله: ((باب مَن ذهب بالصّبيِّ المريضِ ليُدْعَى له)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ليَدعُو له. ذكر ١٢٧/١٠ فيه حديث الجُعَيد: وهو ابن عبد الرّحمن، والسائب: هو ابن يزيد، وقد تقدَّم الحديث مشروحاً في التَّرجمة النبويَّة (٣٥٤١) عند ذِكْر خاتَم النُّبوّة، وأنَّ خالة السائب لا يُعرَف اسمها، وستأتي الإشارة إلى خُصوص المسح على رأسِ المريضِ والدُّعاء بالبَرَكة في كتاب الدَّعَوات (٦٣٥٢) إن شاء الله تعالى. ١٩ - بابُ تمنّي المريضِ الموتَ ٥٦٧١- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا ثابتٌ البُنائيُّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، قال النبيُّ ◌َله ((لا يَتَمنََّنَّ أحدُكُمُ الموتَ من ضُرِّ أصابه، فإن كان لا بُدَّ فاعلاً فلْيَقُلِ: اللهمَّ أخْيِنِي ما كانتِ الحياةُ خيراً لي، وتَوَفَّني إذا كانت الوفاةُ خيراً لي)). [طرفاه في: ٦٣٥١، ٧٢٣٣] ٥٦٧٢- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثَنَا شُعْبةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازِمِ، قال: دَخَلْنا على خَبّابِ نَعودُه وقَدِ اكْتَوَى سبعَ كَيّاتٍ، فقال: إنَّ أصحابنا الذينَ سَلَفوا مَضَوْا ولم تَنْقُصْهمُ الدُّنْيا، وإنّا أصَبنا ما لا نَجِدُ له موضعاً إلّا التُرابَ، ولولا أنَّ النبيَّ ◌َِّ نَهانا أن نَدْعوَ بالموتِ لَدَعَوْتُ به، ثمَّ أتيناه مرَّةً أُخرى وهو يبني حائطاً له، فقال: إنَّ المسلمَ لَيُؤْ جَرُ في كلِّ شيءٍ يُنفِقُه، إلّا في شيءٍ يجعلُه في هذا التُّراب. [أطرافه في: ٦٣٤٩، ٦٣٥٠، ٦٤٣٠، ٦٤٣١، ٧٢٣٤] ٥٦٧٣- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو عُبيدٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، أنَّ أبا هريرةَ، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َلِّ يقول: ((لن يُدخِلَ أحداً عَمَلُه الجنَّةَ)) قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: ((لا، ولا أنا، إلّا أن يَتَغَمَّدَني الله بفَضْلِ ورحمةٍ، فسَدِّدوا وقارِبُوا. ولا يَتَمنَّى أحدُكُمُ الموتَ، إمّا يُحْسِناً فلعلَّهِ أن يَزْدادَ خيراً، وإمّا مُسِيئاً فلعلَّهِ أن يَسْتَعْتِبَ)). ٤٠٤ باب ١٩ / ح ٥٦٧١ - ٥٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري ٥٦٧٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن عبَّادِ بنِ عبدِ الله ابنِ الزُّبَيرِ، قال: سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها، قالت: سمعتُ النبيَّ وٌَّ وهو مُسْتَنِدٌ إليَّ يقول: ((اللهمَّ اغفر لي وارَمْني، وألحِقْني بالرَّفِيقِ». قوله: ((بابُ تَّي المريضِ الموتَ)) أي: هل يُمنَعِ مُطلَقاً أو يجوزُ في حالة؟ ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: نَهي تَمَّي المريضِ الموت. وكأنَّ المراد مَنْعُ تَمنّي المريض. ١٢٨/١٠ وذکر في الباب خمسةً أحاديث: الحديث الأول: عن أنس. قوله: ((لا يَتَمنََّنَّ أحدُكُم الموتَ من ضُرّ أصابه)) الخِطاب للصحابة، والمراد هم ومَن بعدهم من المسلمينَ عُموماً. وقوله: ((من ضُرّ أصابه)) حَمَلَه جماعة من السَّلَف على الضُّ الدُّنْيَويّ، فإن وجَدَ الفُرَّ الأُخرَويّ بأن خَشْيَ فتنةً في دينه لم يَدخُل في النَّهي، ویُمكِن أن يُؤخذ ذلك من رواية ابن حِبّان(١) (٢٩٦٦): ((لا يَتَمِنَّيَّنَّ أحدُكم الموتَ لضُرِّ نزلَ به في الدُّنيا)» على أنَّ ((في)) في هذا الحديث سبيّة، أي: بسببٍ أمرٍ من الدُّنيا. وقد فعل ذلك جماعةٌ من الصحابة: ففي ((الموطَّأ) (٨٢٤/٢) عن عمر أنَّه قال: اللهمَّ كَبِرَت ◌ِسِنّي، وضَعُفَت قوَّتي، وانتَشَرَت رَعِيَّي، فاقبضني إليكَ غير مُضَيِّع ولا مُفرِّط. وأخرجه عبد الرَّزاق (٢٠٦٣٨) من وجه آخر عن عمر، وأخرج أحمد (١٦٠٤٠) وغيره من طريق عَبْس - ويقال: عابِس الغِفَاريُّ - أنَّه قال: يا طاعونُ خُذني، فقال له عُلَيم الكنديّ: لمَ تقولُ هذا؟ ألم يَقُل رسولُ اللهِوَِّ: ((لا يَتَمِنََّنَّ أحدُكم الموت))؟ فقال: إنّ سمعته يقول: ((بادِروا بالموتِ ستّاً، إمرَة السُّفَهاء، وكَثْرة الشُّرَط، وبيع الحُكم))(٢) الحديث. وأخرج أحمد أيضاً (٢٣٩٧٠) من حديث عَوف بن مالك نحوه: وأنَّه قيلَ له: ألم يَقُل رسولُ اللهِوَّهِ: ((ما عُمِّر المسلمُ كان خيراً له)) الحديث، وفيه الجواب نحوه. (١) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه بهذا اللفظ أيضاً من ((سنن النسائي)) (١٨٢٠). (٢) جاء تفسير ذلك في رواية أخرى عند الطبراني (٦٢/١٨) بلفظ: ((والرشوة في الحكم)). ٤٠٥ باب ١٩ / ح ٥٦٧١ - ٥٦٧٤ كتاب المرضى وأصرَح منه في ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود(١)، وصحَّحه الحاكم (٥٢١/١) في القول في دُبُر كلّ صلاة، وفيه: ((وإذا أردت بقومٍ فتنةً فَتَوقّني إليك غيرَ مفتون)). قوله: ((فإن كان لا بدَّ فاعلاً)) في رواية عبد العزيز بن صُهَيب عن أنس كما سيأتي في الدَّعَوات (٦٣٥١): «فإن كان لا بُدّ (٢) مُتَمنّياً للموتِ». قوله: ((فلْيَقُل .. )) إلى آخره. هذا يدلُّ على أنَّ النَّهي عن تَنّي الموت مُقَيَّد بما إذا لم يكن على هذه الصّيغة، لأنَّ في التَّمَنّي المطلَق نوعُ اعتراضٍ ومُراغَمة للقَدرِ المحتوم، وفي هذه الصّورة المأمور بها نوعُ تَفويضٍ وتسليم للقضاء. وقوله: ((فإن كان ... )) إلى آخره، فيه ما يَصرِف الأمر عن حقيقته من الوجوب أو الاستحباب، ويدلّ على أنَّه لِمُطْلَقِ الإذن لأنَّ الأمر بعد الحَظْر لا يَبقَى على حقيقته. وقريب من هذا السّياق ما أخرجه أصحاب ((السُّنَن))(٣) من حديث المقدام بن مَعْدِيْ كَرِبَ: ((حَسبُ ابنِ آدم لُقَيماتٍ يُقِمْنَ صُلبَه، فإن كان ولا بُدّ فُثُلُث للطَّعام)) الحديث، أي: إذا كان لا بدَّ من الزيادة على اللُّقَيمات فليَقتَصِرْ على الثُّلث، فهو إذنٌّ بالاقتصار على الثُّلث، لا أمرٌ يقتضي الوجوبَ ولا الاستحباب. قوله: ((ما كانت الحياةُ خيراً لي، وتَوقَّني إذا كانت)) عَبَّرَ في الحياة بقولِه: ((ما كانت)) لأنَّها حاصلة، فحسُنَ أن يأتي بالصّيغة المقتَضية للأنِّصاف بالحياة، ولمَّا كانت الوفاة لم تقع بعدُ حَسُنَ أن يأتي بصيغة الشَّرط. والظّاهر أنَّ هذا التَّفصيل ما إذا كان الضُّ دينيّاً أو دُنيَويّاً، وسيأتي في الثَّمَنّي (٧٢٣٣) من رواية النَّضر بن أنس عن أبيه: لولا أنَّ رسولَ الله وَ الإِ قال: ((لا (١) كذا نسب الحافظُ هذه الرواية لأبي داود، وهو ذهول منه رحمه الله، فقد أخرج أبو داود (١٥٢٢) منه ذکر الدعاء دبر كل صلاة، لكن لم يذكر الزيادة التي أشار إليها الحافظ والتي هي موضع الشاهد، لكن أخرجها الترمذي (٣٢٣٥) ضمن حديث ((رأيت ربي في أحسن صورة)»، ولما خرَّج الحافظ الحديث في (نتائج الأفكار)) ٢/ ٣١٧ خرَّجه من الترمذي، ولم یذکر أبا داود، فأصاب. (٢) في (س): ولا بدّ. بإقحام الواو، وليست في الأصلين، ولا في الرواية. (٣) ابن ماجه (٣٣٤٩)، والترمذي (٢٣٨٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٧٣٨). ٤٠٦ باب ١٩ / ح ٥٦٧١-٥٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري تَمَنَّوُا الموتَ) لَتَمِنَّيْتُه(١). فلعلَّه رأى أنَّ التَّفصيل المذكور ليس من الثَّمَنّي المنهيّ عنه. الحديث الثاني: حديث خَبّاب. قوله: ((عن إسماعيل بن أبي خالد)) لشُعْبة فيه إسناد آخر أخرجه التِّرمِذيّ (٩٧٠) من رواية غُندَر عنه عن أبي إسحاق عن حارثة بن مُضرِّب قال: دَخَلتُ على خَبّاب، فذكر الحدیث نحوه. قوله: (وقد اكْتَوی سبعَ کَیّات» في رواية حارثة: وقد اكتوى في بطنه، فقال: ما أعلمُ أحداً من أصحاب النبيّ ◌َل﴿ لَقِيَ من البلاء ما لَقيتُ. أي: من الوجع الذي أصابه. وحكى شيخُنا في ((شرح التِّرمِذيّ)) احتمال أن يكون أراد بالبلاءِ ما فُتِحَ عليه من المال بعد أن كان لا يَجِدِ دِرْهِماً، كما وَقَعَ صريحاً في رواية حارثة المذكورة عنه، قال: لقد كنتُ وما أجِدُ دِرْهماً على عهدٍ رسولِ اللهِ وَّة، وفي ناحية بيتي أربعونَ ألفاً. يعني الآن. وتَعقَّبَه بأنَّ غيرَه من الصحابة كان أكثرَ مالاً منه كعبد الرَّحمن بن عَوْف. واحتمالٌ أن يكون أراد ما لَقِيَ من ١٢٩/١٠ التَّعذيب في أوَّل الإسلام من المشركينَ،/ وكأنَّه رأى أنَّ اتِّساع الدُّنيا عليه يكونُ ثوابَ ذلك التَّعذيب، وكان يُحِبّ أن لو بَقِيَ له أجرُه مُوفَّراً في الآخرة. قال: ويحتمل أن يكون أرادَ ما فَعل من الكَيّ مع وُرُود النَّهي عنه، كما قال عِمران بن حُصَينٍ: نُهينا عن الكّيّ، فاكتَوينا، فما أفلَحْنا. أخرجه الخمسة إلّ النسائي وصحَّحه الترمذي(٢). قال: وهذا بعيدٌ. قلت: وكذلك الذي قبله، وسيأتي الكلام على حُكم الكَيّ قريباً في كتاب الطِّبّ (٣) إن شاء الله تعالى. (١) كذا في الأصلين، بزيادة هاء الضمير! مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف: لتمنيتُ، وكذلك في النسخة التي بأيدينا برواية أبي ذرِّ الهرويّ. (٢) أخرجه أبو داود (٣٨٦٥)، والترمذي (٢٠٤٩)، وابن ماجه (٣٤٩٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٥٥٨). وقوله: ((أخرجه الخمسة إلّا النسائي وصحَّحه الترمذي)) أثبتناه من (ع)، ولم يَرِد في (أ) و(س). ثم هو عند النسائي كما ترى! (٣) في الباب رقم (١٧): من اكتوى أو كوى غيره. ٤٠٧ باب ١٩ / ح ٥٦٧١ - ٥٦٧٤ كتاب المرضى قوله: "إنَّ أصحابنا الذينَ سَلَفوا مَضَوْا ولم تَنْقُصْهم الدُّنْيا)) زاد في الرِّقاق (٦٤٣١) من طريق يحيى القَطّان عن إسماعيل بن أبي خالد: شيئاً، أي: لم تَنقُص أُجورَهم، بمعنى أنَّهم لم يَتَعَجَّلُوها في الدُّنيا، بل بَقِيَت موفَّرة لهم في الآخرة، وكأنَّه عَنَى بأصحابِه بعضَ الصحابة مَّن ماتَ في حياة النبيِّ وَّةِ، فأمَّا مَن عاشَ بعدَه فإنَهم اتَّسَعَت لهم الفُتوحُ. ويُؤيِّده حديثه الآخر: هاجَرنا معَ رسولِ الله وَّهِ، فَوَقَعَ أجرُنا على الله، فمِنّا مَن مَضَى لم يأكل من أجرِه شيئاً منهم مُصعَبُ بن عُمَير. وقد مَضَى في الجنائز (١٢٧٦)، وفي المغازي (٤٠٤٧) أيضاً، ويحتمل أن يكون عَنَى جميعَ مَن ماتَ قبله، وأنَّ مَن اَّسَعَت له الدُّنيا لم تُؤَثِّر فيه، إمّا لكَثْرة إخراجهم المالَ في وجوه البِرّ، وكان مَن يحتاجُ إليه إذ ذاكَ كثيراً، فكانت تقع لهم المَوقِعَ، ثمَّ لمَّ اتَّسَعَ الحال جدّاً وشَمِلَ العَدلُ في زمن الخلفاء الرَّاشدينَ استَغنى الناسُ بحيثُ صارَ الغنيُّ لا يَجِدٍ محتاجاً يَضَعِ بِّه فيه، ولهذا قال خَبّاب: وإنّا أصَبْنا ما لا نَجِدُ له موضِعاً إلّا التُراب. أي: الإنفاق في البُنيان. وأغرَبَ الدَّاوُوديّ فقال: أراد خَبّابٌ بهذا القول الموتَ، أي: لا يَجِد للمال الذي أصابه إلّا وضْعَه في القبر. حكاه ابن التِّين ورَدَّه، فأصاب، وقال: بل هو عبارة عمَّا أصابوا من المال. قلت: وقد وَقَعَ لأحمد (٢١٠٦٩) عن يزيد بن هارون عن إسماعيل بن أبي خالد في هذا الحديث بعد قوله: ((إلّا التُراب)): وكان يبني حائطاً له. ويأتي في الرِّقاق (٦٤٣١) نحوه باختصارٍ، وأخرجه أحمد (٢١٠٥٩) أيضاً عن وكيع عن إسماعيل، وأوَّله: دَخَلْنا على خَبّاب نَعودُه، وهو يبني حائطاً له، وقد اكتَوى سبعاً، الحديث. قوله: (ولولا أنَّ النبيَّ ◌َِّ نَهَانا أن نَدْعو بالموتِ لَدَعَوْت به)) الدُّعاء بالموتِ أخصُّ من تَمنّي الموت، فكلّ دعاء تَمَنٌّ من غير عكس، فلذلك أدخَلَه في هذه التَّرجمة. قوله: ((ثُمَّ أتيناه مرَّةً أُخرى وهو يَبْني حائطاً له)) هكذا وَقَعَ في رواية شُعْبة تَكرار المجيء، وهو أحفظُ الجميع فزيادته مقبولة. والذي يظهر أنَّ قصَّة بناءِ الحائط كانت سببَ قوله أيضاً: ٤٠٨ باب ١٩ / ح ٥٦٧١ - ٥٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وإنّا أصَبنا من الدُّنيا ما لا نَجِدُ له موضعاً إلّ التُّرابَ. قوله: ((إنَّ المسلم ليُؤْجَر في كلّ شيء يُنِفِقه، إلّا في شيء يجعله في هذا التُراب)) أي: الذي يوضَعُ في البُنيان، وهو محمولٌ على ما زاد على الحاجة، وسيأتي تقرير ذلك في آخر كتاب الاستئذان(١) إن شاء الله تعالى. تنبيه: هكذا وَقَعَ مِن هذا الوجه موقوفاً، وقد أخرجه الطبرانيُّ (٣٦٤٥) من طريق عمر ابن إسماعيل بن مُجالد حدَّثنا أبي عن بيان بن بشر وإسماعيل بن أبي خالد جميعاً عن قيس عن أبي حازم قال: ((دَخَلنا على خَبّاب نَعوده)) فذكر الحديث، وفيه: ((وهو يُعالج حائطاً له فقال: إنَّ رسولَ الله وَّه قال: إنَّ المسلم يُؤجَر في نَفَقَته كلِّها إلّا ما يجعله في التُراب)) وعمر كذَّبَه يحيى بن مَعِین. الحديث الثالثُ والرابع: حديث أبي هريرة. قوله: ((لَن يُدخِل أحداً عَمَلُه الجنَّة)) الحديث يأتي الكلام عليه في كتاب الرِّقاق (٦٤٦٣)، فإنَّه أورَدَه مُفرَداً من وجهٍ آخر عن أبي هريرة وغيره، وإنَّما أخرجه هنا استطراداً لا قصداً، والمقصودُ منه الحديثُ الذي بعده، وهو قوله: ((ولا يَتَمنَّى ... )) إلى آخره، وقد أَفَرَدَه في كتاب الثَّمَنّي (٧٢٣٥) من طريق مَعمَر عن الزُّهْريّ، وكذا أخرجه النَّسائيُّ (ك١٩٥٨) من طريق الزُّبَيديّ عن الزُّهْريّ. قولُه: ((أخبَرَني أبو عُبيد مولى عبد الرَّحمن بن عَوْف)) هو أبو عُبيد مولى ابن أزهَر، واسمه سعيد بن عُبيد، وابن أزهَر الذي نُسِبَ إليه: هو عبد الرَّحمن بن أزهَر بن عَوْف، وهو ابنُ أخي عبد الرَّحمن بن عَوْف الزُّهْريّ، هكذا اتَّفَقَ هؤلاءِ عن الزُّهْرِيّ في روايته عن أبي عُبيد، وخالَفَهم إبراهيم بن سعد عن الزّهْريّ فقال: عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي ١٣٠/١٠ هريرة، أخرجه النَّسائيُّ (ك ١٩٥٧). وقال: رواية الزُّبَيديّ أولى بالصَّواب،/ وإبراهيم بن سعد ثقة. يعني ولكنَّه أخطأ في هذا. (١) في الباب رقم (٥٣) منه. ٤٠٩ باب ١٩ / ح ٥٦٧١ - ٥٦٧٤ كتاب المرضى قوله: ((ولا يَتَمنَّى)) كذا للأكثرِ بإثبات التَّحتانيَّةِ(١)، وهو لفظُ نفي بمعنى النَّهي(٢). ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((لا يَتَمنَّ) على لفظ النَّهي، ووَقَعَ في رواية مَعمَر الآتية في الثَّمَنّي بلفظ: ((لا يَتَمِنَّى)) للأكثر، وبلفظ: ((لا يَتَمِنََّنَّ» للكُشْمِيهنيّ، وكذا هو في رواية همَّام عن أبي هريرة بزيادة نون التَّأكيد(٣)، وزاد بعد قوله: ((أحدكم الموت)): ((ولا يَدْعُ به من قبل أن يأتِيَه)) وقوله: ((من قبل أن يأتيَه))(٤) قَيْد في الصّورِتَين، ومفهومُه أنَّه إذا حَلَّ به لا يُمنَع من تَمنّيهُ رِضاً بلِقاءِ الله، ولا مِن طَلَبِهِ من الله كذلك وهو كذلك، ولهذه النُّكتة عَقَّبَ البخاريّ حديث أبي هريرة بحديث عائشة: ((اللهمَّ اغفر لي وارحَمني وألحِقْني بالرَّفيق الأعلى)) إشارةً إلى أنَّ النَّهي مُخْتَصِّ بالحالة التي قبل نزولِ الموت. فلله دَرُّه ما كان أكثرَ استحضارَه وإيثارَه للأخفَى على الأجلَى شَحْذاً للأذهان. وقد خَفِيَ صنیعُه هذا على مَن جَعَلَ حديث عائشة في الباب مُعارضاً لأحاديث الباب أو ناسخاً لها، وقَوَّى ذلك بقول يوسف عليه السلام: ﴿تَوَفَّنِ مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. قال ابن التِّين: قيل: إنَّ النَّهىَ منسوخٌ بقولِ يوسف، فذكره، وبقولِ سليمان: ﴿وَأَدْخِنِى بِرَحْمَتِكَ فِ عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، ويحديث عائشة في الباب، وبدعاءِ عمر بالموتِ وغيره. قال: وليس الأمر كذلك لأنَّ هؤلاءِ إِنَّما سألوا ما قارَنَ(٥) الموتَ. (١) كذلك ضبطها الحافظ رحمه الله تعالى، وهو يوافق ما ضُبطت به في النسخة العتيقة التي بأيدينا برواية أبي ذر الهروي، لكن جاء في اليونينية أنَّ رواية الأكثر: لا يَتمَنَّنَّ، بإثبات نون التوكيد الثقيلة بعد الياء، وكذلك ضبطها العيني، لكن بنون خفيفة بدل الثقيلة في حديثي أنس وأبي هريرة في الباب. (٢) والسر في ذلك عند أهل البيان أنَّ النفي أبلغ من النهي، لإفادته أنَّ من شأن المؤمن انتفاءَ ذلك عنه، وعدم وقوعه عنه بالكلية، أو لما نُهي عنه ينتهي، فأخبر عنه بالنفي. (٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٦٣٦)، ومن طريقه أحمد (٨١٨٩)، ومسلم (٢٦٨٢). لكنه عندهم بغیر نون التوكيد! (٤) عبارة: ((وقوله: من قبل أن يأتيه)) أثبتناها من الأصلين ولم ترد في (س)، وجاء بدلها: وهو. (٥) تحرَّف في (س) إلى: قارب. والمراد بالذي قارن الموت: هو اللحوق بدرجات مّن عند الرفيق الأعلى، كما قال ابن الملقن في ((التوضيح)) ٣١٩/٢٧. ٤١٠ باب ١٩ / ح ٥٦٧١ - ٥٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري قلت: وقد اختُلِفَ في مُراد يوسف عليه السلام، فقال قَتَادة: لم يَتَمنَّ الموتَ أحدٌ إلّا يوسف حين تَكامَلَت عليه النِّعَم، وجُمعَ له الشَّمْل، اشتاق إلى لقاء الله. أخرجه الطبري (١٣/ ٧٣) بسندٍ صحیح عنه. وقال غيره: بل مُراده تَوفَّني مسلماً عند حضورِ أجلي. كذا أخرجه ابن أبي حاتم عن الضَّحّاك بن مُزاحم. وكذلك مُراد سليمان عليه السلام. وعلى تقدير الحَمْل على ما قال قَتَادة فهو ليس من شَرْعِنا، وإنَّما يُؤْخَذ بشَرع مَن قبلَنا ما لم يَرِدِ فِي شَرعنا النَّهيُ عنه بالاتفاق. وقد استُشكِلَ الإذن في ذلك عند نزول الموت، لأنَّ نزولَ الموت لا يَتَحقَّق، فَكَم مَنِ انتهى إلى غايةٍ جَرَتِ العادةُ بموتِ مَن يَصِل إليها ثمَّ عاشَ. والجواب أنَّه يحتمل أن يكون المراد أنَّ العَبد يكون حالُه في ذلك الوقت حالَ مَن يَتَمنَّى نزوله به ويرضاه أن لو وَقَعَ به، والمعنى أن يَطمَئِنّ قلبُه إلى ما يَرِد عليه من رَبّه ويَرضَى به ولا يَقلَق، ولو لم يَتَّفِقِ أنَّه يموتُ في ذلك المرض. قولُه: ((إِما يُحْسِناً فلعلَّه أن يَزْداد خيراً، وإمّا مُسيئاً فلعلَّه أن يَستَعْتِب)) أي: يَرجِع عن مُوجِب العَتْب عليه. ووَقَعَ في رواية هَمَّام عن أبي هريرة عند أحمد (٨١٨٩): ((وإنَّه لا يزيدُ المؤمنَ عُمرُه إلّا خيراً». وفيه إشارة إلى أنَّ المعنى في النَّهي عن تَمنّي الموت والدُّعاء به هو انقطاع العَمَل بالموت، فإنَّ الحياة يَتَسَبَّب منها العَمَلُ، والعَمَل يُحُصِّل زيادةَ الثَّواب، ولو لم يكن إلّا استمرارُ التَّوحيد فهو أفضل الأعمال. ولا يَرِدُ على هذا أنَّه يجوزُ أن يقعَ الارتدادُ والعياذُ بالله تعالى عن الإيمان لأنَّ ذلك نادِرٌ، والإيمانُ بعد أن تُخالِطِ بَشاشَتُه القلوبَ لا يَسخَطُه أحدٌ، وعلى تقدير وقوعِ ذلك - وقد وَقَعَ لكن نادِراً - فمَن سَبَقَ له في عِلم الله خاتمةُ السّوء فلا بُدَّ من وقوعها طالَ عمرُه أو قَصُرَ، فتعجيله بطلبِ الموت لا خيرَ له فيه. ويُؤيِّده حديثُ أبي أمامةَ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال لسعدٍ: ((يا سعدُ إن كنتَ خُلِقت للجَنّة فما طالَ من عمرٍك أو حَسُنَ من عَمَلك فهو خير لك)) أخرجه أحمد (٢٢٢٩٣) بسندٍ لَيِّن. ٤١١ باب ١٩ / ح ٥٦٧١-٥٦٧٤ كتاب المرضى ووَقَعَ في رواية همَّام عن أبي هريرة عند أحمد (٨١٨٩)، ومسلم (٢٦٨٢): ((وإنَّه لا يزيدُ المؤمنَ عمرُه إلّا خيراً». واستشكِلَ بأنَّه قد يعملُ السَّيِّئَات فيزيدُه عمرُه شَرّاً. وأُجيبَ بأجوبةٍ: أحدها: حَملُ المؤمن على/ الكامل، وفيه بُعد. ١٣١/١٠ والثّاني: أنَّ المؤمن بصَدَدٍ أن يعمل ما يُكفِّرِ ذُنوبه: إمّا من اجتناب الكبائر، وإمّا من فِعل حسناتٍ أُخَرَ قد تُقاوِم بتضعيفها سَيِّئَاتِهِ، وما دامَ الإيمانُ باقِياً فالحسناتُ بصَدَدٍ التَّضعيف، والسَّيِّئَاتُ بصَدَدِ التَّكفير. والثالث: يُقَيَّد ما أُطلِقٍ في هذه الرّواية بما وَقَعَ في رواية الباب من التَّرَجّي حيثُ جاء بقوله: ((لعلَّه)(١)، والتَّرَجّي مُشعِرٌ بالوقوع غالباً لا جَزْماً، فخَرَجَ الخبر تَخَرَجَ تحسين الظَّنّ بالله، وأنَّ المحسِنَ يرجو من الله الزّيادةَ بأن يوفِّقه للزيادة من عَمَله الصالح، وأنَّ المسيءَ لا ينبغي له القُنوط مِن رحمة الله ولا قطع رَجائه. أشارَ إلى ذلك شيخَنا في ((شرح التِّرمِذيّ)). ويدلّ على أنَّ قِصَر العمر قد يكون خيراً للمؤمنِ حديثُ أنس الذي في أوَّل الباب: ((وتَوفَّني إذا كانت الوفاةُ خيراً لي)) وهو لا يُنافي حديثَ أبي هريرة: ((إنَّ المؤمن لا يزيدُه عمرُه إلّا خيراً)) إذا ◌ُلَ حديثُ أبي هريرة على الأغلَب ومُقابِلُه على النادِر، وسيأتي الإلمام بشيءٍ من هذا في كتاب التَّمَنّي (٧٢٣٣ -٧٢٣٥) إن شاء الله تعالى. الحديث الخامس: حديث عائشة. قوله: ((وألحِقني بالرَّفيق الأعلى))(٢) تقدَّم شرحه في أواخر المغازي في الوفاة النبويَّة (٤٤٤٠). وتقدَّم في الذي قبلَه أنَّ ذلك لا يُعارض النَّهيَ عن تَمنّي الموت والدُّعاء به، وأنَّ هذه الحالة من خصائص الأنبياء أنَّه لا يُقْبَض نبيٌّ حتَّى يُخِيَّر بين البَقَاء في الدُّنيا وبين الموت (٤٤٣٥). وقد تقدَّم بَسطه واضحاً هناك، ولله الحمد. (١) يعني في حديث أبي هريرة. (٢) لفظة ((الأعلى)) لم ترد في شيء من روايات البخاري، كما في اليونينية، وليست في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٠ / ٢٥٧، والظاهر أنَّ الحافظ رحمه الله تعالى أثبتها من بعض روايات الحديث خارج الصحيح، فقد أخرجه أحمد (٢٤٧٧٤) و(٢٥٩٤٧) وابن ماجه (١٦١٩)، والترمذي (٣٤٩٦) وغيرهم، بذکرها. ٤١٢ باب ٢٠ / ح ٥٦٧٥ فتح الباري بشرح البخاري ٢٠- بابُ دعاء العائد للمريض وقالت عائشةُ بنتُ سعدٍ عن، أبِيها، قال النبي ◌َّ: ((اللهمَّ اشفِ سَعْداً». ٥٦٧٥- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ رسولَ الله وَّهِ كان إذا أتى مَرِيضاً - أو أُتِيَ به - قال: ((أذْهِبِ الباسَ رَبَّ الناسِ، اشفِ أنتَ الشّافي، لا شِفاءَ إلّا شِفاؤُكَ، شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَماً)). قال عَمْرو بنُ أبي قَيسٍ وإبراهيمُ بنُ طَهْمان، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ وأبي الضُّحَى: إذا أَتَّى المریضَ. وقال جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى وحدَه، وقال: إذا أتى مَرِيضاً. [أطرافه في: ٥٧٤٣، ٥٧٤٤، ٥٧٥٠] قوله: ((بابُ دعاءِ العائدِ للمريضِ)) أي: بالشِّفاءِ ونحوه. قوله: ((وقالت عائشة بنت سَعْد)) أي: ابن أبي وقّاص، وهذا طَرَف من حديثه الطّويل في الوصيّة بالثُّلث، وقد تقدَّم موصولاً (٥٦٥٩) في ((باب وضع اليد على المريض)) قريباً. قوله: ((عن منصور)) هو ابن المعتمِر، وإبراهيم: هو النَّخَعيّ. قوله: ((إذا أتَى مريضاً أو أُتي به)) شَكٍّ من الراوي، وقد حكى المصنِّفُ الاختلافَ فيه في الرّوايات المعلَّقة بعدُ. قوله: ((لا يُغادِر)) بالغَينِ المعجَمة، أي: لا يَترُك. وفائدة التَّقييد بذلك أنَّه قد يَحَصُل الشِّفاء من ذلك المرض فيَخلُفه مرضٌ آخرُ يَتَوَلَّد منه مثلاً، فكان يَدعُو له بالشِّفاءِ المطلَق لا بمُطلَقِ الشِّفاء. قوله: ((وقال عَمْرو بن أبي قيس وإبراهيم بن طَهْمان، عن منصور، عن إبراهيم وأبي الضُّحَى: ٤١٣ باب ٢٠ / ح ٥٦٧٥ كتاب المرضى إذا أتى المريض)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: إذا أُتيَ بالمريضِ. وهو أصوب، فأمَّا عَمْرو بن أبي قيس: فهو الرَّازيّ، وأصله من الكوفة، ولا يُعرَف اسم أبيه، وهو صَدوق، ولم يُرج له البخاريّ إلّا تعليقاً، وقد وَقَعَ لنا حديثه هذا موصولاً في «فوائد أبي العبَّاس(١) محمَّد ابن نَجِيح)) من رواية محمَّد بن سعيد بن سابِقِ القَزوينيّ عنه، بلفظ: إذا أُتيَ بالمريضِ. / وأمَّا ١٣٢/١٠ إبراهيم بن طَهْمَان فوصَلَ طريقَه الإسماعيليُّ(٢) من رواية محمَّد بن سابِقِ التَّميميّ الكوفيّ نزيل بغداد عنه، بلفظ: إذا أُتيَ بمريضٍ. قوله: ((وقال جَرِير، عن منصور، عن أبي الضُّحَى وحده، وقال: إذا أتى مريضاً)) وهذا وَصَلَه ابن ماجَهْ (٣٥٢٠) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عن جَرِير بلفظ: ((إذا أتى إلى المريض فدَعَا له))، وهي عند مسلم (٢١٩١/ ٤٨) أيضاً، وقد دَلَّت رواية كلّ من جَرِير وأبي عَوَانة على أنَّ عَمْرو بن أبي قيس وإِبراهيم بن طَهْمان حَفِظا عن منصور أنَّ الحديث عنده عن شيخَين، وأنَّه كان يُحدِّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا. وقد أخرجه مسلم (٤٨/٢١٩١) من طريق إسرائيل عن منصور عنهما كذلك، ورَجَحَ عند البخاريّ رواية منصور عن إبراهيم وحده، لأنَّ الثَّوْريّ رواها عن منصور كذلك كما سيأتي في أثناء كتاب الطِّبّ (٥٧٤٣)، ووافَقَه وَرْقاء عن منصور عند النَّسائيِّ (ك١٠٧٨٥)، وسفيان أحفظُ الجميع، لكن رواية جَرِير غير مَدفُوعة(٣)، والله أعلم. وقد استُشكِلَ الدُّعاء للمريضِ بالشِّفاءِ مع ما في المرض من كفَّارة الذُّنوب والثَّواب، كما تظافرت الأحاديث بذلك، والجواب أنَّ الدُّعاء عبادة، ولا يُنافي الثَّوابَ والكفَّارةَ، لأنَّهما (١) كذا كنى الحافظ ابن نجيح هذا أبا العباس، وإنما كنيته أبو بكر واسمه محمد بن العباس بن نجیح، کما في ترجمته في («تاريخ بغداد)) ١١٨/٣، وقد تكرر ذلك من الحافظ رحمه الله في ((المعجم المفهرس)) (١٥٩٩)، لكنه أتى به على الصواب في ((تغليق التعليق)) ٣٨/٥. وسمّى كتابه هنا ((الفوائد))، بينما سمّاه في ((المعجم المفهرس)): جزء ابن نجيح. قلنا: والحديث في الجزء الأول من ((حديث أبي علي بن شاذان)) بانتقاء أبي القاسم الأزجي برقم (٦٣) عن أبي بكر محمد بن العباس بن نجيح المذكور. (٢) وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) (٢٤٨٣٨) عن محمد بن سابقٍ. (٣) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: مرفوعة. ٤١٤ باب ٢١ - ٢٢ / ح ٥٦٧٦ - ٥٦٧٧ فتح الباري بشرح البخاري يَحَصُلان بأوَّل مرض وبالصَّيرِ عليه، والدّاعي بين حَسنتَينِ: إمّا أن يَحصُل له مقصوده، أو يُعوَّض عنه بجَلْبِ نَفع أو دفع ضُرّ (١)، وكلّ من فضل الله تعالى. ٢١ - بابُ وُضوء العائدِ للمريض ٥٦٧٦- حدَّثْني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا محمَّدُ بن جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدِ بنِ المنكَدِرٍ، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: دَخَلَ عليَّ النبيُّ ◌َّه وأنا مَرِيضُ، فَتَوضَّأ فصَبَّ عليَّ، أو قال: ((صُبُّوا عليه)) فعَقَلْتُ، فقلتُ: لا يَرِثُنِي إِلَّا كَلالةٌ، فكيفَ المِيراثُ؟ فنزلت آيةُ الفرائض. قوله: ((بابُ وُضوء العائد للمريضِ)) ذكر فيه حديث جابر، وقد تقدَّم التَّنبيه عليه قريباً (٥٦٥١) في ((باب المغمَى عليه))، ولا يخفى أنَّ مَحَلّه إذا كان العائد بحيثُ يَتَبَرَّك المریضُ به. ٢٢ - باب مَنْ دعا برفعِ الوباء والحمَّی ٥٦٧٧ - حدّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّهَا قالت: لمَّا قَدِمَ النبيُّ وَ لَهَ وُعِكَ أبو بكرٍ وبلالٌ، قالت: فَدَخَلْتُ عليهما فقلتُ: یا أبتِ، كيفَ تَجِدُكَ؟ ويا بلالُ كيفَ تَجِدُكَ؟ قالت: وكان أبو بكرٍ إذا أخَذَتْه الحُمَّى يقول: كلُّ امرِىءٍ مُصَبَّحٌ في أهلِهِ والموتُ أدْنَى من شِراك نَعْلِهِ(٢) و کان بلالٌ إذا أُقْلِعَ عنه يرفعُ عَقِيرَتَه فيقول: ألا لَيتَ شِعْري هل أبِيتَنَّ ليلةً بِوادٍ وحَوْلِي إِذْخِرٌ وجَلِيلٌ وهَل أرِدَنْ يوماً مِياهَ مَجِنّةٍ وهَلْ تَبدُوَنْ لي شامةٌ وطَفِيلُ (١) يعني كما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد (١١١٣٣) والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٧١٠) وغيرهما، عن النبي وَّر قال: ((ما من مسلم يدعو، ليس بإثم ولا بقطيعة رحم، إلّا أعطاه إحدى ثلاث: إما أن يعجّل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها)). (٢) قدّمنا عند شرح الحديث (٥٦٥٤)، أنَّ هذا البيت من رَجَزٍ لحكيم النَّهشَلي تمثّل به أبو بكر الصديق. ٤١٥ باب ٢٢ / ح ٥٦٧٧ كتاب المرضى قال: قالت عائشةُ: فحِثْتُ رسولَ الله وَلَ فأخبَرَّتُه، فقال: ((اللهمَّ حَبِّب إلينا المدينةَ كحُبِّنا ١٣٣/١٠ مَكّةَ أو أشَدَّ، وصَحِّحْها، وبارِكْ لنا في صاعها ومُدِّها، وانقُل ◌ُماها فاجْعَلْها بالجُحْفِ)). قوله: ((بابُ الدُّعاء برَفْع الوباء والحُمَّى)) الوباء يُهمَز ولا يُهمَز، وجمع المقصور بلا همز أوبية، وجمع المهموز أوباء، يقال: أوبَأتِ الأرض فهي موبِئَةٌ، ووَبِئَتْ فهي وَبِيئَةٌ(١)، ووُبِئَتْ بضمِّ الواو فهي مَوبُوءة (٢). قال عِيَاض: الوباء عُموم الأمراض، وقد أطلقَ بعضُهم على الطاعون أنَّه وباء لأنَّه من أفراده، لكن ليس كلّ وباءٍ طاعوناً، وعلى ذلك يُحمَل قول الدَّارُوديّ لمَّا ذكر الطاعون: الصَّحيح أنَّه الوباء، وكذا جاء عن الخليل بن أحمد أنَّ الطاعون هو الوباء. وقال ابن الأثير في ((النِّهاية)): الطاعونُ المرضُ العامّ، والوباء الذي يَفسُد له الهواءُ فتَفسُد به الأمزِجة والأبدان. وقال ابن سينا: الوباء يَنشَأ عن فساد جَوهَر الهواء الذي هو مادّة الرّوح ومَدَدُه. قلت: ويُفارق الطاعونُ الوباءَ بخُصوصٍ سببه الذي ليس هو في شيء من الأوباء، وهو كَونه من طَعْن الجِنّ كما سأذكره مُبيّناً في ((باب ما يُذكَر من الطاعون)(٣) من كتاب الطِّبّ إن شاء الله تعالى .. وساقَ المصنّف في الباب حديث عائشة: لمَّا قَدِمَ النبيّ وَ ﴿ المدينة وُعِكَ أبو بكر وبلال. ووَقَعَ فيه ذِكْرِ الحُمَّى ولم يقع في سياقه لفظ الوباء، لكنَّه تَرجَمَ بذلك إشارة إلى ما وَقَعَ في بعض طرقه، وهو ما سَبَقَ في أواخر الحجّ (١٨٨٩) من طريق أبي أُسامة عن هشام ابن عُرْوة في حديث الباب: قالت عائشة: فقَدِمْنا المدينة وهي أوبأُ أرضِ الله. وهذا ممَّا يُؤيِّد أنَّ الوباءَ أعَمّ من الطاعون، فإنَّ وباء المدينة ما كان إلّا بالحُمَّى كما هو مُبيَّن في حديث الباب، فدَعَا النبيّ وَّهِ أن تُنقَل حُّاها إلى الجُحفة، وقد سَبَقَ شرح الحديث (٣٩٢٦) في (باب مَقدَم النبيّ ◌َّ المدينة)) في أوائل كتاب المغازي(٤)، ويأتي شيء ممّا يَتَعلَّق به في کتاب (١) في (س): وَبِئَةٌ. وهو صحيح أيضاً. (٢) تحرَّفت في (أ) إلى: مؤوية. وفي (ع) إلى: موبية، والمثبت على الصواب من (س). (٣) في الباب رقم (٣٠). (٤) بل في آخر كتاب مناقب الأنصار. ٤١٦ باب ٢٢ / ح ٥٦٧٧ فتح الباري بشرح البخاري الدَّعَوات (٦٣٧٢) إن شاء الله تعالی. وقد استَشكَلَ بعضُ الناس الدُّعاء برفع الوباء، لأنَّه يَتَضَمَّن الدُّعاء برفع الموت، والموت حَتْمٌ مَقضيّ فيكون ذلك عَبئاً. وأُجيبَ بأنَّ ذلك لا يُنافي التَّعَبُّد بالدُّعاءِ لأنَّه قد يكون من جملة الأسباب في طول العُمر أو رفع المرض، وقد تَواتَرَتِ الأحاديث بالاستعاذة من الجنون والجذام وسَيِّئ الأسقام ومُنكَرات الأخلاق والأهواء والأدواء، فمَن يُنكِرِ التَّداوي بالدُّعاء يَلزَمه أن يُنكِرِ التَّداوي بالعَقاقير، ولم يَقُل بذلك إلّا شُذوذ، والأحاديث الصَّحيحة تَرُدّ عليهم، وفي الالتجاء إلى الدُّعاء مزيد فائدة ليست في التَّداوي بغيره، لمَا فيه من المُضوع والتَّذَلَّل للرَّبِّ سبحانه، بل مَنعُ الدُّعاء من جِنس تَرك الأعمال الصالحة اتكالاً على ما قُدِّرَ، فيَلزَم تَركُ العَمَل جملةً، ورَدُّ البلاء بالدُّعاءِ كَرَدِّ السَّهم بالتُّرس، وليس من شرط الإيمان بالقَدرِ أن لا يُتَتَرَّس من رَمي السَّهم، والله أعلم. خاتمة: اشتَمَلَ كتاب المرضَى من الأحاديث المرفوعة على ثمانية وأربعينَ حديثاً. المعلَّق منها سبعة والبقيَّة موصولة. المكَرَّر منها فيه وفيما مَضَى أربعة وثلاثونَ طريقاً والبقيّة خالصة، وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديثٍ أبي هريرة: ((مَن يُرِد الله به خيراً يُصِبْ مِنه)»، وحديثِ عطاء أنَّه رأى أمّ زُفَر، وحديث أنس في الحبيبَتَين، وحديثٍ عائشة أنَّها قالت: ((وارَأْساهْ - إلى قوله - بل أنا وارَأساه)). وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدَهم ثلاثة آثار، والله أعلم. ٤١٧ كتاب الطب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الطبّ ١٣٤/١٠ قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الطِّبّ)) كذا لهم، إلّا النَّسَفيّ، فَتَرجَمَ: ((كتاب الطِّبّ)) أوَّلَ كَفَّارة المرض، ولم يُفرِد كتابَ الطِّبّ، وزاد في نُسخة الصَّغَانيّ: ((والأدوية)). والطِّبّ بكسر المهمَلة، وحكى ابن السِّيْد تَثليثَها. والطَّبيب: هو الحاذِق بالطِّبّ، ويقال له أيضاً: طَبٌّ، بالفتح والكسر، ومُستَطِبٌ، وامرأةٌ طَبُّ، بالفتح، يقال: استَطَبَّ تعانَى الطِّبَّ، واستَطَبَّ استَوَصَفَه، ونَقَلَ أهل اللُّغة أنَّ الطِّبّ بالكسر يقال بالاشتراك للمُداوي، وللتّداوي وللدّاءِ أيضاً فهو من الأضداد، ويقال أيضاً للرِّفقِ والسِّحر، ويقال للشَّهوة، ولطريقٍ تُرَى في شُعاع الشمس، وللحِذْقِ بالشَّيء. والطَّيب: الحاذِق في كلّ شيء، وخُصَّ به المعالج عُرْفاً، والجمع في القِلّة أطِبّة، وفي الكَثْرة أطِبّاء. والطِّبّ نوعان: طِبّ جسدٍ، وهو المراد هنا، وطِبّ قلب، ومُعالجتُه خاصّةً بما جاء به الَّسول عليه الصلاة والسَّلام عن رَبّه سبحانه وتعالى. وأمَّا طِبّ الجسد: فيمِنه ما جاء في المنقول عنه بَ ﴿، ومنه ما جاء عن غيره، وغالبُه راجِعٌ إلى التَّجرِبة. ثمَّ هو نوعان: نوع لا يحتاج إلى فِكْر ونَظَر، بل فطَرَ الله على مَعرِفَتَه الحيوانات، مِثل ما يَدِفَع الجوع والعَطَش. ونوع يحتاج إلى الفِكْرِ والنَّظَرِ، كَدفع ما يَحَدُث في البَدَن مَمَّا يُخْرِجه عن الاعتدال، وهو إمّا إلى حَرارة أو بُرودة، وكلّ منهما إمّا إلى رُطوبة أو يُبوسة، أو إلى ما يَتَرَكَّب منهما. وغالب ما یُقاوم الواحد منهما بضِدِه، والدّفع قد یقع من خارج البدن، وقد یقع من داخله، وهو أعسَرهما. والطَّريق إلى مَعرِفَتَه بَتَحقُّقِ السَّبَب والعلامة، فالطَّبيب الحاذِق هو الذي يَسعَى في تفریق ما يَضُرّ بالبَدَنِ جمْعُه أو عكسه، وفي تنقیص ما يَضُرّ بالبَدَنِ زیادته أو عكسه. ومَدار ذلك على ثلاثة أشياء: حِفظ الصِّحّة، والاحتماء عن المؤذي، واستفراغ المادّة الفاسدة. وقد ٤١٨ باب ١ / ح ٥٦٧٨ فتح الباري بشرح البخاري أُشيرَ إلى الثلاثة في القرآن: فالأوَّل من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾[البقرة: ١٨٤]، وذلك أنَّ السَّفَر مَظِنَّة النَّصَب، وهو من مُغيِّرات الصِّحّة، فإذا وَقَعَ فيه الصيام ازدادَ فأبيحَ الفِطْر إبقاءً على الجسد. وكذا القول في المرض. والثّاني(١)، وهو الحِمْيَةُ من قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فإنَّه استُبِطَ منه جواز التيمُّم عند خَوف استعمال الماء البارد. والثّالث من قوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذَى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإنَّه أُشيرَ بذلك إلى جواز حَلْق الرَّأس الذي مُنِعَ منه المحرِم لاستفراغِ الأَذَى الحاصل من البُخار المحتَقِن في الرَّأس. وأخرج مالك في ((الموطَّأ)) (٩٤٣/٢-٩٤٤) عن زيد بن أسلَمَ مُرسَلاً: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال لرجلَينِ: ((أَيْكُمَا أَطَبّ؟)) قالا: يا رسول الله، وفي الطِّبّ خير؟ قال: ((أَنزَلَ الدّاءَ الذي أَنزَلَ الدَّواءِ))(٢). ١ - باب ما أنزلَ اللهُ داءً إلّا أنزَلَ له شِفاءً ٥٦٧٨- حذَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرِيُّ، حدّثنا عمرُ بنُ سعيدِ بنِ أبي حُسَينٍ، قال: حدَّثني عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَِّ قال: ((ما أَنْزَلَ الله داءً إلّا أَنزَلَ له شِفاءً)». قوله: ((باب ما أنزلَ الله داءً إلّا أَنزَلَ له شِفاءً)) كذا للإسماعيليِّ وابن بَطّال ومَن تَّبِعَه، ولم أرَ لفظ: ((باب)) من نُسَخ الصَّحيح إلّا للنَّسَفيِّ. قوله: ((أبو أحمد الزُّبَيريّ) هو محمَّدُ بن عبد الله بن الزُّبَيرِ الأسَديّ، نُسِبَ لَجَدِّه، وهو ١٣٥/١٠ أسَدِيٌّ/ من بني أسد بن خُزيمةَ، فقد يَلْتَبِس بمَن يُنسَب إلى الزُّبَير بن العَوّام لكونهم من بني أسَد ابن عبد العُزَّى، وهذا من فُنون ◌ِلم الحديث، وصَنَّفوا فيه الأنسابَ المنَّفِقة في اللَّفظ المفتَرِقة في الشَّخص. وقد وَقَعَ عند أبي نُعَيم في ((الطِّبّ)) (٨) من طريق أبي بكر وعثمان ابني (١) سقط حرف الواو من قوله: والثاني، فأوهم أنه لفظة الثاني صفة للمرض. وإنما أراد الحافظ بيان الأمر الثاني وهو الاحتماء. (٢) كذا وقع اللفظ هنا بتقديم ذكر الداء على الدواء! وهذا بخلاف روايات ((الموطأ)) حيث قُدّم فيها ذكر الدواء على الداء، وهو المناسب لسؤال الرجلين، لأنَّ سؤالهما كان عن الطبّ وليس عن الداء. ٤١٩ باب ١ / ح ٥٦٧٨ كتاب الطب أبي شَيْبة: قالا: حدَّثنا محمّد بن عبد الله الأسَدُّ أبو أحمد الزُّبَيريّ. وعند الإسماعيليّ من طريق هارون بن عبد الله الحمّال: حدَّثنا محمّد بن عبد الله الزُّبَيريّ. قوله: ((عن أبي هريرة)) كذا قال عمر بن سعيد عن عطاء، وخالَفَه شَبيب بن شيبة(١) فقال: عن عطاء عن أبي سعيد الخُذْريِّ. أخرجه الحاكم (٤/ ٤٠١) وأبو نُعَيم في ((الطِّبّ)) (١٠)، ورواه طلحة بن عَمْرو (٢) عن عطاء عن ابن عبّاس، هذه رواية عبد بن حُميدٍ (٦٢٥) عن محمَّد ابن عُبيد عنه. وقال مُعتَمِر بن سليمان: عن طلحة بن عَمْرو عن عطاء عن أبي هريرة. أخرجه ابن أبي عاصم في ((الطِّبّ)) وأبو نُعَيم (٩)، وهذا ممَّا تَتَرَجَّح به رواية عمر ابن سعید. قوله: ((ما أنزَلَ الله داءً)) وَقَعَ في رواية الإسماعيليّ: ((من داء)) و((من)) زائدة. ويحتمل أن يكون مفعول ((أنزَلَ)) محذوفاً فلا تكون ((من)) زائدة، بل لبيان المحذوف. ولا يخفى تكلُّفه. قوله: ((إلّا أنْزَلَ له شِفاء)» في رواية طلحة بن عَمْرو من الزّيادة في أوَّل الحديث: ((يا أيّها الناس تَداوَوْا». ووَقَعَ في رواية طارق بن شِهاب عن ابن مسعود رَفَعَه: ((إنَّ الله لم يُنزِل داءً إلّا أنَزَلَ له شِفاءً، فَتَداوَوا))(٣)، أخرجه النَّسائيُّ (ك٦٨٣٤) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٠٧٥)، والحاكم (١٩٦/٤). ونحوه للطَّحَاويّ (٣٢٣/٤) وأبي نُعَيم (١٩) من حديث ابن عبّاس، ولأحمد (١٢٥٩٦) عن أنس: ((إنَّ الله حيثُ خَلَقَ الدّاءِ خَلَقَ الدَّواء، فَتَداوَوْا)). وفي حديث أُسامة بن شَرِيك: ((تَداوَوْا يا عِباد الله، فإنَّ الله لم يَضَع داءً إلّ وضَعَ له شِفاءً، إلّا داءً واحداً الهَرَم)) أخرجه أحمد (١٨٤٥٤)، والبخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٢٩١) (١) وهو لیِّن. (٢) وهو متروك. (٣) لم يقُل طارق بن شهاب في روايته عن ابن مسعود: ((فتداووا))، وإنما قال: ((فعليكم بألبان البقر، فإنها تَرُمُ من كل الشجر)). ٤٢٠ باب ١ / ح ٥٦٧٨ فتح الباري بشرح البخاري والأربعة(١)، وصَحَّحَه الثِّرمِذيّ (٢٠٣٨)، وابن خُزَيمةَ(٢)، والحاكم (١/ ١٢١)، وفي لفظ: ((إلّا السام)) بمُهمَلةٍ مخفّفاً، يعني: الموت. ووَقَعَ في رواية أبي عبد الرّحمن السُّلَميّ عن ابن مسعود نحو حديث الباب، وزاد في آخره: ((عَلِمَه مَن عَلِمَه وجَهِلَه مَن جَهِلَه)) أخرجه النَّسائيُّ(٣)، وابن ماجَهْ (٣٤٣٨)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٦٠٦٢)، والحاكم (١٩٦/٤-١٩٧). ولمسلم (٢٢٠٤) عن جابر رَفَعَه: (ِكلِّ داءٍ دواء، فإذا أُصيبَ دَواءُ الدّاء بَرأ بإذنِ الله تَعالَى)). ولأبي داود (٣٨٧٤) من حديث أبي الدَّرداءِ رَفَعَه: ((إنَّ الله جَعَلَ لكلِّ داءٍ دواءً فَتَداوَوْا، ولا تَداوَوْا بحرامِ». وفي مجموع هذه الألفاظ ما يُعرَف منه المراد بالإنزال في حديث الباب، وهو إنزال عِلم ذلك على لسان الملَك للنبيِّ وَّهِ مثلاً، أو عَبَّرَ بالإنزال عن التَّقدير. وفيها التَّقييد بالحلال فلا يجوز التَّداوي بالحرام. وفي حديث جابر منها الإشارة إلى أنَّ الشِّفاء مُتَوقِّف على الإصابة بإذنِ الله، وذلك أنَّ الدَّواء قد يَحَصُّل معه مجاوزة الحدّ في الكيفيَّة أو الكَمَّّة فلا يَنجَعُ، بل رُبَّما أحدَثَ داءً آخر. وفي حديث ابن مسعود الإشارة إلى أنَّ بعض الأدوية لا يَعلَمُها كلّ أحد. وفيها كلّها إثبات الأسباب، وأنَّ ذلك لا يُنافي التَّوُّل على الله لمن اعتَقَدَ أنَّها بإذنِ الله وبتقديره، وأنّها لا تَنجَع بذواتها بل بما قَدَّرَه الله تعالى فيها، وأنَّ الدَّواء قد يَنقَلِب داءً إذا قَدَّرَ الله ذلك، وإليه الإشارة بقولِه في حديث جابر: ((بإذنِ الله))، فمَدار ذلك كلّه على تقدير الله وإرادته. والتَّداوي لا يُنافي التَّوكُّل كما لا يُنافيه دفعُ الجوع والعَطَش بالأكلِ والشُّرب، وكذلك تَجِتُّب المهلِكات والدُّعاء بطلبِ العافية ودفع المضارّ وغير ذلك، وسيأتي مزيد لهذا البحث (١) أبو داود (٣٨٥٥)، وابن ماجه (٣٤٣٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٥١١). (٢) كذا عَزَاه الحافظُ لابن خزيمة، ولم نقف عليه فيما طُبع من ((صحيحه))، ولا عزاه إليه هو في ((إتحاف المهرة)) (٢٠٤)، فلعلَّ الحافظ أراد أن يذكر ابن حبان، إذ الحديث عنده برقم (٦٠٦١)، فسبق قلمُه فذكر ابنَ خزيمة، والله أعلم. (٣) لم يخرج النسائي هذا الحديث من هذا الطريق، وقد أخرجه ابن ماجه دون ذكر الزيادة المشار إليها، لكن جاء الحديث عند ابن حبان والحاكم، كذلك عند أحمد (٣٥٧٨) من هذا الطريق بالزيادة المذكورة.