النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
باب ٢٨ / ح ٥٦٣٣ - ٥٦٣٥
كتاب الأشربة
الإسماعيليّ وأصله في مسلم (٢٠٦٧): ((هو)) أي: جميع ما ذُكر.
قال الإسماعيليّ: ليس المراد بقوله: ((في الدُّنيا)) إباحةَ استعمالهم إيّاه، وإنَّما المعنى بقولِه: (لهم))
أي: هم الذينَ يَستَعمِلونَه ◌ُخالَفةً لزِيِّ المسلمينَ. وكذا قوله: ((ولَكم في الآخرة) أي: تَستَعمِلونَه
مُكافأةً لكم على تَركِه في الدُّنيا، ويُمنَعُه أولئكَ جزاءً لهم على معصيتهم باستعماله. قلت: ويحتمل
أن يكون فيه إشارةٌ إلى أنَّ الذي يَتَعَاطَى ذلك في الدُّنيا لا يَتَعاطاه في الآخرة كما تقدَّم في شُرب
الخمر، ويأتي مِثله في لباس الحرير، بل وَقَعَ في هذا بخُصوصِه ما سأُبيِّنه في الذي يليه(١).
٢٨ - باب آنية الفضّة
٩٦/١٠
٥٦٣٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن ابنِ عَوٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ
أبي ليلى، قال: خَرَجْنَا معَ حُذَيفَةَ وذكرَ النبيَّ وََّ، قال: ((لا تَشْرَبوا في آنِيةِ الذَّهَبِ والفِضّةِ، ولا
تَلْبَسوا الحَرِيرَ والدِّيباجَ، فإنَّهَا لهم في الدُّنْيا ولكم في الآخرةِ».
٥٦٣٤ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنسٍ، عن نافعٍ، عن زيدِ بنِ عبدِ الله بنِ
عمرَ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، عن أمِّ سَلَمَةَ زوجِ النبيِّ وََّ، أنَّ
رسولَ الله ◌َ﴿ قال: ((الذي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضّةِ إِنَّمَا يُجَرِجِرُ في بطنِهِ نارَ جَهَنَّمَ)).
٥٦٣٥ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن أشْعثِ بنِ سُلَيم، عن معاويةً
ابنِ سُوَيدِ بنِ مُقْرِّن، عن البراءِ بنِ عازِبٍ، قال: أمُرَنا رسولُ الله ◌َّهَ بِسَبْعِ ونَهانا عن سُبْعٍ:
أُمَرَنا بعِيادةِ المَرِيضِ، وأَتِّباع الجنازةِ، وتَسمِيتِ العاطِسِ، وإجابةِ الدّاعي، وإِنْشَاءِ السَّلامِ،
ونَضْرِ المظلومِ، وإبرار القَسَمِ. ونَهانا عن خَوَاتيمِ الذَّهَبِ، وعن الُّربِ في الفِضّةِ - أو قال:
آنِيَةِ الفِضّةِ - وعن المَيَائِرِ، والقَسِّيِّ، وعن لُبْسِ الحَرِيرِ، والدِّيباج، والإستبرَقِ.
قوله: ((باب آنية الفِضّة)). ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث حذيفة.
قوله: ((خَرَجْنا مع حُذَيفة وذكرَ النبيَّ ◌َل﴿) كذا ذكره مختصراً، وقد أخرجه أحمد (٢٣٣٦٤)
(١) تحرَّفت في (س) إلى: قبله.

٣٤٢
باب ٢٨ / ح ٥٦٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
عن ابن أبي عَديّ الذي أخرجه البخاريّ من طريقه، وأخرجه الإسماعيليّ وأصله في مسلم
(٢٠٦٧) من طريق معاذ بن معاذ، كلاهما عن عبد الله بن عَوْن، بلفظ: خَرَجت مع حُذَيفة
إلى بعض هذا السَّواد، فاستَسقَى، فأتاه الدِّهْقانُ بإناءٍ من فِضّة، فَرَمَی به في وجهه، قال:
فقلنا: اسكُتوا، فإنّا إن سألناه لم يُحدِّثنا، قال: فسَكَتْنا، فلمَّا كان بعدَ ذلك قال: أتدرُونَ لمَ
رَمَيتُ بهذا في وجهه؟ قلنا: لا، قال: ذلك أنّي كنتُ نَيَتُهُ. قال: فذكرَ النبيَّ وَ أَنَّه قال: ((لا
تشربوا في آنية الذَّهَب والفِضّة))، قال أحمد: في رواية معاذ: ((ولا في الفِضّة)).
الحديث الثاني: قوله: ((إسماعيل)) هو ابن أبي أويس.
قوله: ((عن زيد بن عبد الله بن عمر)) هو تابعيّ ثقة، تقدَّمَت روايته عن أبيه في إسلام
عمر (٣٨٦٤)، وليس له في البخاريّ سوى هذَينِ الحديثَينِ. وهذا الإسناد كلّه مدنيّونَ،
وقد تابَعَ مالكاً عن نافع عليه موسى بن عُقْبة وأيوب وغيرهما. وذلك عند مسلم
(٢٠٦٥). وخالَفَهم إسماعيل بن أُميَّة عن نافع، فلم يَذكُر زيداً في إسناده، جعله عن نافع
عن عبد الله بن عبد الرَّحمن، أخرجه النَّسائيُّ (ك٦٨٤٧)، والحُكم لمن زاد من الثِّقات،
ولا سيّما وهم حُفّاظ، وقد اجتَمَعوا وانفَرَدَ إسماعيل. وقال محمَّد بن إسحاق: عن نافع عن
صَفيَّة بنت أبي عُبيد عن أمّ سَلَمة، ووافَقَه سعد بن إبراهيم عن نافع في صَفيَّة، لكن خالَفَه
فقال: عن عائشة بَدَل أمّ سَلَمة، وقول محمَّد بن إسحاق أقرَب، فإن كان محفوظاً فلعلَّ
النافعٍ فيه إسنادَين. وشَذَّ عبد العزيز بن أبي رَوّادٍ (١) فقال: عن نافع عن أبي هريرة. وسَلَكَ
بُرْد بن سِنان وهشام بن الغَاز الجادّة، فقالا: عن نافع عن ابن عمر، أخرج الجميع النَّسائيُّ
٩٧/١٠ (ك ٦٨٤٧ و٦٨٥٢). وقال: الصَّواب/ من ذلك كلِّه رواية أيوب ومَن تابَعَه.
قوله: ((عن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّدّيق)) هو ابن أُخت أمّ سَلَمة التي
رَوَى عنها هذا الحديثَ، أمّه قَرِيبة بنت أبي أُميَّة بن المغيرة المخزوميّة. وهو ثقة ما له في
البخاريّ غیر هذا الحديث.
(١) جعله ابن أبي روّاد من قول أبي هريرة غير مرفوع، ولم يُسنِده النسائي.

٣٤٣
باب ٢٨ / ح ٥٦٣٥
كتاب الأشرية
قوله: ((الذي يَشْرَب في آنية الفِضّة)) في رواية مسلم (٢٠٦٥) من طريق عثمان بن مُرّة عن
عبد الله بن عبد الرَّحمن: ((مَن شَرِبَ في إناء من(١) ذهب أو فِضّة))، وله (٢٠٦٥) من رواية
عليّ بن مُسهِر عن عُبيد الله بن عمر العمريّ عن نافع: ((إنَّ الذي يأكلُ أو يشربُ في آنية
الذَّهَب والفِضّة)) وأشارَ مسلم إلى تَفرُّد عليّ بن مُسهِر بهذه اللَّفظة، أعني الأكل(٢).
قوله: ((إنَّا يُجَرْجِر)) بضمِّ التَّحتانيَّةِ وفتح الجيم وسكون الرَّاء ثمَّ جيم مكسورة ثمَّ راء،
من الجَرْجَرة: وهو صوت يُردِّده البعير في حَنْجَرَته إذا هاجَ، نحو صوت اللِّجام في فكّ
الفرس. قال النَّويّ: انَّفَقوا على كسر الجيم الثّانية من يُجَرَجِر، وتُعقّبَ بأنَّ الموفَّق بن
حمزة (٣) في كلامه على ((المهذَّب)) حكى فتحها، وحكى ابن الفِرْكاح عن والده أنَّه قال: رويَ
(يُجَرجر)) على البناء للفاعلِ والمفعول، وكذا جَوَّزَه ابن مالك في ((شواهد التَّوضیح))، نعم
رَدَّ(٤) ذلك ابن أبي الفتح(٥) تلميذُه، فقال في جُزء جمعه في الكلام على هذا المتن: لقد كَثُرَ
بحثي على أن أرَى أحداً رواه مَبنيّاً للمفعولِ فلم أجِده عند أحد من حُفّاظ الحديث، وإنَّما
سمعناه من الفقهاء الذينَ ليست لهم عِناية بالرِّواية، وسألت أبا الحسين اليونينيّ فقال: ما
قرأته على والدي ولا على شيخنا المنذري إلّا مَبنيّاً للفاعلِ. قال: ويَبعُد اتّفاق الحُفّاظ قديماً
وحديثاً على تَرك روايةٍ ثابتةٍ.
قال: وأيضاً فإسناده إلى الفاعل هو الأصل وإسناده إلى المفعول فَرْعٌ فلا يُصار إليه بغير
(١) لفظة ((من)) سقطت من (س).
(٢) وكذا ذكر تفرُّده بذكر الذهب.
(٣) كذا سماه الحافظ رحمه الله، وتبعه العيني ٢٠٣/٢١ والقسطلاني ٣٣٥/٨، وهو وهم، إنما هو موفق الدين
حمزة بن يوسف بن سعيد التنوخي الشافعي، له ترجمة في ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة ١٣٢/٢،
وذكر له كتابين الأول: ((منتهى الغايات)) في الجواب عن الإشكالات التي أوردت على («الوسيط»، والثاني:
مثل ذلك على ((التنبيه)) سماه ((المبهت)).
(٤) تحرَّف في الأصلين إلى: ردّد. وكلام ابن أبي الفتح المذكور يفيد ردَّ رواية البناء للمفعول لا تَرْدِديها. فما في
(س) هو الصواب.
(٥) هو محمد بن أبي الفتح بن أبي سهل البعلبكي الحنبلي. ترجمه الذهبي في ((معجم شيوخه)) ٣٢٤/٢-٣٢٥.

٣٤٤
باب ٢٨ / ح ٥٦٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
حاجة، وأيضاً فإنَّ علماء العربيَّة قالوا: يُحذَف الفاعل إمّا للعِلمِ به أو للجهلِ به، أو إذا
تُخُوِّف منه أو عليه، أو لشَرَفِه أو لحَقارَتِه، أو لإقامة وزن، وليس هنا شيءٌ من ذلك.
قوله: ((في بَطْنه نارَ جَهَنَّم)) وَقَعَ للأكثرِ بنصبِ ((نار)» على أنَّ الجَرْجَرة بمعنى الصَّبّ أو
التَّجَزُّع، فيكون ((نار)) نُصِبَ على المفعوليَّة والفاعل الشّارب، أي: يَصُبّ أو يَتَجرَّع. وجاء
الرَّفع على أنَّ الجَرْجَرة هي التي تُصَوِّت في البطن. قال النَّوويّ: النَّصب أشهر، ويُؤيِّده
رواية عثمان بن مُرّة عند مسلم (٢٠٦٥) بلفظ: ((فإِنَّمَا يُجَرَجِر في بطنه ناراً من جَهَنَّم»،
وأجازَ الأزهَريّ النَّصب على أنَّ الفِعلِ عُدِّيَ إليه، وابنُ السِّيْد الرَّفعَ على أنَّه خبر ((إنَّ»
و((ما)) موصولة. قال: ومَن نَصَبَ جَعَلَ ((ما)) زائدة كافّة لـ(إن)) عن العَمَل، وهو نحو ﴿إِنَّمَا
صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] فقُرِئَ بنصبٍ (كَيد)) ورفعه. ويَدِفَعه أنَّه لم يقع في شيء من النُّسَخ
بِفَصلِ ((ما)» من «إنَّ).
وقولهم: إنَّ النار تُصَوِّت في بطنه كما يُصَوِّت البعيرُ بالجَرْجَرة مَجَازُ تشبيه، لأنَّ النار لا
صوتَ لها. كذا قيلَ، وفي النَّفي نظرٌ لا يَخْفَى.
الحديث الثالث: حديث البراء: أمَرَنا رسولُ الله ◌َل﴿ بسبعِ.
قوله: ((وعن الشُّرْب في الفِضّة - أو قال: في آنية الفِضّة ۔» شَكٍّ من الراوي. زاد مسلم
(٢٠٦٦) من طريق أُخرى عن البراء: ((فإنَّه مَن شَرِبَ فيها في الدُّنيا لم يشرب فيها في
الآخرة)). ومثله في حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((مَن شَرِبَ في آنية الفِضّة والذَّهَب في الدُّنيا لم
يشرب فيهما في الآخرة، وآنيةُ أهل الجنَّة الذَّهَب والفِضّة))، أخرجه النَّسائيُّ (ك٦٨٤٠)
بسندٍ قويّ. وسيأتي شرح حديث البراء مُستَوقّ في كتاب الأدب (٦٢٢٢)، ويأتي ما يَتَعلَّق
باللِّباس منه في كتاب اللِّباس(١) إن شاء الله تعالى.
وفي هذه الأحاديث تحريم الأكل والشُّرب في آنية الذَّهَب والفِضّة على كلّ مسلم
مُكلَّف رجلاً كان أو امرأةً، ولا يَلتَحِقِ ذلك بالحُلِّ للنِّساء، لأنَّه ليس من التَّزيُّن الذي
(١) بالأرقام (٥٨٣٨) و(٥٨٤٩) و(٥٨٦٣).

٣٤٥
باب ٢٨ / ح ٥٦٣٥
كتاب الأشربة
أُبِيحَ لهنَّ في شيء. قال القُرطُبيّ وغيره: في الحديث تحريمُ استعمال أواني الذَّهَب والفِضّة في
الأكل والشُّرب، ويُلحَق بهما ما في معناهما مِثل التطَيُّب والتَّكَخُّل وسائر وجوه
الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغرَبَت طائفةٌ شَذَّت فأباحَت ذلك مُطلَقاً، ومنهم مَن
قَصَرَ التَّحريم على الأكل والشُّرب، ومنهم مَن قَصَرَه على الشُّرب لأنَّه لم يَقِف على الزّيادة
في الأكل.
قال: واختلفوا في عِلّة المنع، فقيل: إنَّ ذلك يَرجِع إلى عينهما، ويُؤيِّده قوله: ((هي لهم)) ٩٨/١٠
و ((إنَّها لهم)).
وقيل: لكَونِما الأثمانَ وقيَمَ المُتلَفات، فلو أُبيحَ استعمالهما تَجَازَ اتَّخاذ الآلات منهما
فيُفضي إلى قِلَّتهما بأيدي الناس فيُجحَف بهم. ومَثَّلَه الغَزاليّ بالحُكّام الذينَ وظيفَتهم
التَّصَرُّف لإظهار العَدل بين الناس، فلو مُنِعوا التَّصَرُّف لَأَخَلَّ ذلك بالعَدل، فكذا في اتّخاذ
الأواني من النَّقْدَينِ حَبْسٌ لهما عن التَّصَرُّف الذي يَنتَفِع به الناس.
ويَرِدُ على هذا جواز الحُليّ للنِّساءِ من النَّقْدَين، ويُمكِن الانفصال عنه. وهذه العِلّة هي
الرَّاجحة عند الشافعيّة، وبه صَرَّحَ أبو عليّ السِّنجيّ وأبو محمَّد الجُوَينيّ.
وقيل: عِلّة التَّحريم السَّرَف والخُيَلاء، أو كسر قلوب الفقراء. ويَرِد عليه جواز استعمال
الأواني من الجواهر النَّفيسة وغالبها أنفَسُ وأكثرُ قيمةً من الذَّهَب والفِضّة، ولم يَمنَعْها إلّا
مَن شَذَّ. وقد نَقَلَ ابن الصَّاغ في ((الشّامل)) الإجماعَ على الجواز، وتَبِعَه الرَّافعيّ ومَن بعده.
لكن في ((زوائد العِمرانيّ)) عن صاحِب ((الفُروع))(١) نقلُ وجهَينِ.
وقيل: العِلّة في المنع التَّشَبُّه بالأعاجِم. وفي ذلك نظر لُبُوتِ الوعيد لفاعلِهِ، وُجُرَّد
التَّشَبُّهُ لا يَصِل إلى ذلك.
واختُلِفَ في اتّخاذ الأواني دونَ استعمالها كما تقدَّمَ، والأشهر المنع، وهو قول الجمهور،
(١) هو أبو بكر محمد بن أحمد بن الحدّاد، ترجمه ابن السبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٧٩/٣ وذكر
کتابه هذا.

٣٤٦
باب ٢٩ - ٣٠ / ح ٥٦٣٦ - ٥٦٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
ورَخَّصَت فيه طائفة، وهو مَبنيّ على العِلّة في مَنع الاستعمال، ويَتَفَرَّع على ذلك غرامةُ
أَرْش ما أُفسِدَ منها، وجواز الاستئجار عليها.
٢٩ - باب الشُّرب في الأقداح
٥٦٣٦- حدَّثنا عَمرو بنُ عَّاسٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، حدَّثنا سفيانُ، عن سالم أبي النَّضْرِ،
عن عُمَيرٍ مولى أمِّ الفَضْلِ، عن أمِّ الفَضْلِ: أنَّهم شَكُّوا في صوم النبيِّ لَّهِ يومَ عَرَفَةَ، فَبَعَثَتْ إليه
بِقَدَحِ من لَبَنٍ، فشَرِبَه.
قوله: ((باب الشُّرْب في الأقداح)»، أي: هل يُباح أو يُمنَع لكَونِه من شِعار الفَسَقة؟ ولعلَّه
أشارَ إلى أنَّ الشُّرب فيها وإن كان من شِعار الفَسَقة لكن ذلك بالنَّظَرِ إلى المشروب، وإلى
الهَيْئة الخاصّة بهم، فيُكرَه التَّشَبُّه بهم، ولا يَلزَم من ذلك كراهة الشُّرب في القَدَح إذا سَلِمَ
من ذلك.
قوله: ((حدَّثْنا عَمْرو بن عبَّاس)) بمُهمَلتَينِ وموحّدة، وشیخه عبد الرحمن: هو ابن
مَهديّ، وقد تقدَّم التَّنبيه على حديث أمّ الفضل المذكور قريباً (٥٦١٨)، وتقدَّم أنَّه مرَّ
مشروحاً في كتاب الصيام (١٩٨٨).
٣٠ باب القُّربِ مِن قَدَحِ النبيِّ ◌َّ وآنِيتِه
وقال أبو بُرْدَةَ: قال لي عبدُ الله بنُ سَلَامٍ: ألا أَسْقِيكَ في قَدَحِ شَرِبَ النبيُّ ◌َِّ فِيه؟
٥٦٣٧- حدَّثْنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غسَّانَ، قال: حدَّثني أبو حازِمٍ، عن سَهلِ
ابن سعدٍ ﴾، قال: ذُكِرَ للنبيِّ وََّ امرأةٌ منَ العربِ، فأمَرَ أبا أُسَيدِ الساعِدِيَّ أن يُرسِلَ إليها،
فأرسَلَ إليها فقَدِمَتْ، فنزلتْ في أُجُم بني ساعِدةَ، فخَرَجَ النبيُّ ◌َّهِ حَتَّى جاءها، فدَخَلَ
عليها، فإذا امرأةٌ مُنَكِّسةٌ رأسَها، فلمَّا كَلَّمَها النبيُّ وَِّ، قالت: أعوذُ بالله مِنكَ! فقال: ((قد
أعذْتُكِ منّي))، فقالوا لها: أتذْرِينَ مَن هذا؟ قالت: لا، قالوا: هذا رسولُ الله ◌َِّ جاء لِيَخْطُكِ،
قالت: كنتُ أنا أشقَى من ذلك! فأقبَلَ النبيُّ وَلِّ يومَئذٍ حتَّى جَلَسَ في سَقِفةِ بني ساعِدةً هو
وأصحابُه، ثمَّ قال: ((اسِقِنا يا سَهْل)) فأخرَجْتُ لهم هذا القَدَحَ، فأسقَيْتُهم فيه، فأخرَجَ لنا سَهْلٌ

٣٤٧
باب ٣٠ / ح ٥٦٣٧ -٥٦٣٨
كتاب الأشربة
ذلك القَدَحَ فِشَرِبْنا منه. قال: ثمَّ استَوْهَبَه عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ بعدَ ذلك، فوَهَبَه له.
٥٦٣٨- حدَّثنا الحسنُ بنُ مُدْرِكٍ، قال: حدَّثني يحيى بنُ حَمَّدٍ، أخبرنا أبو عَوَانَ، عن
عاصمِ الأحوَلِ، قال: رأيتُ قَدَحَ النبيِّ وَّهِ عندَ أنسِ بنِ مالكِ، وكان قد انصَدَعَ فسَلْسَلَهُ
بفِضّةٍ، قال: وهو قَدَحُ جَيٌِّ عَرِيضٌ من نُضارٍ. قال: قال أنس: لقد سَقَيتُ رسولَ الله وَِّ فِي
هذا القَدَحِ أكثرَ من كذا وكذا.
قال: وقال ابنُ سِيرِينَ: إِنَّه كان فيه حَلْقةٌ من حديدٍ، فأرادَ أنسُ أن يجعلَ مكانَها حَلْقةً من
ذهبٍ أو فِضّةٍ، فقال له أبو طَلْحةَ: لا تُغَيِِّنَّ شيئاً صَنَعَهُ رسولُ اللهِ وَِّ، فَتَرَكَه.
قوله: ((باب الشُّرْب من قَدَح النبيّ وَّ) أي: تَبَرُّكاً به. قال ابن المنيِّر: كأنَّه أراد بهذه ٩٩/١٠
التَّرجمة دفعَ تَوهُم مَن يقع في خَياله أنَّ الشُّرب في قَدَح النبيّ ◌َِّ بعد وفاته تَصَرُّفٌ في مِلك
الغير بغير إذن، فبيَّن أنَّ السَّلَف كانوا يفعلونَ ذلك، لأنَّ النبيَّ ◌َّوَ لا يُورَث، وما تَرَكَه
فهو صَدَقة(١). ولا يقالُ: إنَّ الأغنياء كانوا يفعلونَ ذلك والصَّدَقة لا تَحِلّ للغَنيّ، لأنَّ
الجواب أنَّ الممتَنِعَ على الأغنياء من الصَّدَقة هو المفروضُ منها، وهذا ليس من الصَّدَقة
المفروضة. قلت: وهذا الجواب غير مُقنِع، والذي يظهر أنَّ الصَّدَقة المذكورة من چِنس
الأوقاف المطلقة، يَتَفِع بها مَن يحتاج إليها، وتَقِرّ تحت يدمَن يُؤتَمن علیها، وهذا كان عند سهل
قَدَحٌ، وعند عبد الله بن سَلَام آخرُ، والجُبّة عند أسماء بنت أبي بكر(٢) وغير ذلك.
قوله: ((وقال أبو بُرَّدة)) هو ابن أبي موسى الأشعَريّ.
قوله: ((قال لي عبد الله بن سَلام)) هو الصحابيّ المشهور، ولامُ سَلَام مُفَّفة.
قوله: ((ألا)) بتخفيفِ اللّام للعَرْض، وهذا طَرَف من حديثٍ سيأتي موصولاً في کتاب
الاعتصام (٧٣٤٢) من طريق بُرَيد بن عبد الله بن أبي بُرْدة عن جَدّه عن عبد الله بن سَلام.
وتقدَّم في مناقب عبد الله بن سَلَام (٣٨١٤) من وجه آخر عن أبي بُرْدة(٣).
(١) كما ثبت عند البخاري (٣٠٩٣) وغيره، من حديث أبي بكر الصديق وغيره ..
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٦٩).
(٣) يعني أصلَ الحديثِ، وإلّا فليس فيه ذكرُ القدح.

٣٤٨
باب ٣٠ / ح ٥٦٣٧ -٥٦٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
ثم ذکر حدیث سهل بن سعد في قصّة الجوْنيّة، بفتح الجيم وسکون الواو ثمَّ نون، في
قصَّة استعاذَتها لمَّا جاء النبيّ وَّهِ يَخْطُبها، وقد تقدَّم شرح قِصَّتها في أوَّل كتاب الطَّلاق
(٥٢٥٥).
وقوله في هذه الطَّريق: ((فنزلت في أُجُم)) بضمِّ الهمزة والجيم: هو بناء يُشبِهِ القصر،
وهو من حُصون المدينة، والجمع آجام مِثل أُطُم وآطام. قال الخطَّبيُّ: الأُطُم والأُجُم
بمعنَّى. وأغرَبَ الدَّاوُوديّ فقال: الآجام: الأشجار والحوائط. ومثله قول الكِرْمانيِّ: الأَجَم
بفتحَتَينِ، جمع أجَمة، وهي الغَيْضة.
قوله: ((قالت: أنا كنتُ(١) أشقَی من ذلك)) لیس أفعَل التَّضیل فيه على ظاهره، بل مُرادها
إثبات الشَّقاء لها لِمَا فاتَها من التزوُّج برسولِ الله ◌ِو.
قوله: ((فأقبَلَ النبيّ ◌َِّهِ حَتَّى جَلَسَ في سَقيفة بني ساعدة)) هو المكان الذي وَقَعَت فيه
البيعة لأبي بكر الصِّدّيق بالخِلَافة.
قوله: ((ثُمَّ قال: اسِقِنا يا سَهْل)) في رواية مسلم (٢٠٠٧) من هذا الوجه: ((اسقِنا» لسَهلٍ.
أي: قال لسَهلِ: ((اسِقِنا)) ووَقَعَ عند أبي نُعَيم: فقال: ((اسقِنا يا أبا سعد)» والذي أعرفه في كُنية
سَهل بن سعد أبو العبّاس، فلعلَّ له كُنْيَتَين، أو كان الأصل: يا ابنَ سعد، فَتَحرَّفَت(٢).
قوله: ((فأخرَجْتُ لهم هذا القَدَح)) في رواية المستملي (٣): فخَرَجتُ لهم بهذا القَدَح.
قوله: ((فأخرج لنا سَهْل) قائل ذلك هو أبو حازم الراوي عنه، وصَرَّحَ بذلك مسلم في
روایته.
(١) كذا في الأصلين و(س)، وهو خلاف ما في اليونينية و((إرشاد الساري)) حيث لم يحكيا خلافاً في الرواية:
كنت أنا، بتأخير الضمير، وكذلك جاء في النسخة التي عندنا برواية أبي ذر الهرويّ.
(٢) الظاهر أنَّ سهل بن سعد لم يكن قد تزوج في زمن رسول الله مَّي، فاقتضى ذلك تكنيته باسم أبيه. فقد
قال الزهري فيما نقله عنه الحافظ في ((الإصابة)» ٣/ ٢٠٠: مات النبي صل﴿ وسهل ابن خمس عشرة سنة.
والله أعلم.
(٣) هذا يخالف ما وقع في اليونينية و ((إرشاد الساري)) أنَّ هذه رواية الكشميهني، وليس المستملي !!

٣٤٩
باب ٣٠ / ح ٥٦٣٧-٥٦٣٨
كتاب الأشربة
قوله: ((ثُمَّ استَوْهَبَه عمر بن عبد العزیز بَعْد ذلك، فوهَبَه له» کان عمر بن عبد العزیز
حينئذٍ قد وليَ إمرة المدينة، وليستِ الهِبة هنا حقيقيةً، بل من جهة الاختصاص.
وفي الحديث التَّبسُّط على الصّاحب واستدعاء ما عنده من مأكول ومشروب. وتعظيمُه ١٠٠/١٠
بدعائِهِ بِكُنْيتِه. والتبرُّك بآثار الصالحينَ. واستيهاب الصَّديق ما لا يَشُقّ عليه هِبَته، ولعلَّ
سَهْلاً سَمَحَ بذلك لبَدَلٍ كان عنده من ذلك الجِنس، أو لأنَّه كان محتاجاً فعَوَّضَه المستَوهِب
ما يَسُدّ به حاجته، والله أعلم. ومُناسَبته للتَّرجمة ظاهرة من جهة رغبة الذينَ سألُوا سَهلاً
أن يُخْرِج لهم القَدَح المذكور ليشربوا فيه تَبَرُّكاً به.
الحديث الثالث: قوله: ((حدَّثنا الحسن بن مُدْرِك، حدَّثنا يحيى بن حَمَّد)» كذا أخرج هنا،
وفي غير موضع عن يحيى بن حمَّاد بواسطةٍ، وأخرج عنه في هِجرة الحبشة (٣٨٧٥) بغير
واسطة. والحسن بن مُدرِك كان صِهرَ يحيى بن حَمَّاد فكان عنده عنه ما ليس عند غيره، ولهذا لم
يُخْرِّجه الإسماعيليّ من طريق أبي عَوَانة، ولا وجَدَ له أبو نُعَيم إسناداً غير إسناد البخاريّ،
فأخرجه في ((المستخرَج)) من طريق الفِرَبْريّ عن البخاريّ. ثمَّ قال: رواه البخاريّ عن
الحسن بن مُدرِك، ويقال: إنَّه حديثُه. يعني: أنَّه تفرَّد به.
قوله: ((رأيتُ قَدَح النبيِّوَّهِ عند أنس بن مالك)) تقدَّم في فَرْض الخُمُس (٣١٠٩) من
طريق أبي حمزة السُّكَّريّ عن عاصم، قال: رأيتُ القَدَح وشَرِبت مِنه. وأخرجه أبو نُعَيم
من طريق عليّ بن الحسن بن شَقِيق عن أبي حمزة. ثمّ قال: قال عليّ بن الحسن: وأنا رأيتُ
القَدَح وشَرِبتِ مِنه. وذكر القُرطُبيّ في ((مختصر البخاريّ)) أنَّه رأى في بعض النَّسَخ القديمة
من ((صحيح البخاريّ)): قال أبو عبد الله البخاريّ: رأيتُ هذا القَدَح بالبصرة وشَرِبت
منه، وكان اشتري من ميراث النَّضر بن أنس بثمان مئة ألف.
قوله: ((وكان قد انصَدَعَ)) أي: انشَقَّ.
قوله: ((فسَلْسَلَه بِفِضّةٍ)) أي: وصَلَ بعضَه ببعضٍ، وظاهره أنَّ الذي وَصَلَه هو أنس،
ويحتمل أن يكونَ النبيَّ ◌َّهِ، وهو ظاهرُ رواية أبي حمزة المذكورة بلفظ: إنَّ قَدَح النبيِّوَله

٣٥٠
باب ٣٠ / ح ٥٦٣٧ -٥٦٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
انكَسَرَ، فاَّخَذَ مكان الشَّعْب سِلسِلةً من فِضّة. لكن رواه البيهقيُّ (٢٩/١-٣٠) من هذا
الوجه بلفظ: انصَدَعَ، فجَعَلتُ مكان الشَّعْب سِلسِلةً من فِضّة. قال: يعني أنَّ أنساً هو
الذي فعل ذلك قال البيهقيُّ: کذا في سياق الحديث، فما أدري من قاله من رواته، هل هو
موسی بن هارون أو غيره؟
قلت: لم يَتَعيَّن من هذه الرِّواية ما (١) قال هذا، وهو ((جَعَلتُ)) بضمِّ التاء، على أنَّه
ضمير القائل، وهو أنس، بل يجوز أن يكون ((جُعِلَت)) بضمِّ أوَّله على البناء للمجهولِ،
فُتُساوي الرِّوايةَ التي في ((الصَّحيح)). ووَقَعَ لأحمد (١٢٤١٠) من طريق شَرِيك عن
عاصم: رأيتُ عند أنس قَدَح النبيّ ◌ََّ فِيه ضَبّةٌ(٢) من فِضّة. وهذا أيضاً يحتمل. والشَّعب،
بفتح المعجَمة وسكون العين المهمَلة: هو الصَّدْع، وكأنَّه سَدَّ الشُّقوق بخيوطٍ من فِضّة
فصارت مِثل السِّلسِلة.
قوله: ((وهو قَدَحُ جيِّد عَريضٌ من نُضَار)) القائل: هو عاصم راويه. والعَريض: الذي
ليس بمُتَطاوِلٍ بل يكون طوله أقصَر من عُمْقه. والنُّضَار، بضمِّ النُّون وتخفيف الضّاد
المعجَمة: الخالصُ من العُود ومن كلّ شيء، ويقال: أصله من شَجَر النَّبْعِ(٣)، وقيل: من
الأثْل، ولونه يميل إلى الصُّفرة، وقال أبو حنيفة الدِّينَوَريّ: هو أجودُ الخشب للآنية. وقال
في ((المحكم)): النُّضار: النِّبْر والخشب.
قوله: ((قال)) أي: عاصم.
((قال أنس: لقد سَقَيتُ رسولَ الله وَّلَ في هذا القَدَح أكثرَ من كذا وكذا)) وَقَعَ عند مسلم
(٢٠٠٨) من طريق ثابت عن أنس: لقد سَقَيتُ رسولَ الله ◌ِّل بِقَدَحي هذا الشَّرابَ كلَّهِ العَسَل
والنبيذ والماء واللَّبَن. وقد تقدَّمَت صِفَة النبيذ الذي كان يشربه، وأنَّه تَقيع الثَّمر أو الَّبيب.
(١) تحرَّف في (س) إلى: مَنْ. وإنما المقصود لم يتعين القولُ بمعنى لم يتعين ضبطه أهو على البناء للفاعل أو
بنائه للمفعول؟
(٢) الضبَّة: قطعة عريضةٌ من أيّ معدن یُصلَح بها ما كُبِرَ.
(٣) هو شجر من أشجار الجبال تُتَخَذَ منه القِسِّيِّ والسِّهام، ولون قِشْرِهِ أحمر إلى الصُّفرة.

٣٥١
باب ٣٠ / ح ٥٦٣٧ -٥٦٣٨
كتاب الأشربة
قوله: ((قال)) أي: عاصم ((وقال ابن ◌ِيرِينَ)) هو محمَّد، وقد فصلَ أبو عَوَانة في روايته
هذه ما ◌َلَه عاصم عن أنس ممَّا حَمَلَه عن ابن سِيرِين، ولم يقع ذلك في رواية أبي حمزة
الماضية.
قوله: ((إنَّه كان فيه حَلْقةٌ من حديدٍ، فأرادَ أنس أن يجعل مكانَها حَلْقةً من ذهب أو فِضّة»
هو شٌَّ من الراوي، ويحتمل أن يكون التردُّد من أنس عند إرادة ذلك أو استشارَتِه أبا
طلحة فيه.
قوله: ((فقال له أبو طَلْحة)) هو الأنصاريّ زوج أمّ سُلَيم والدة أنس.
قوله: ((لا تُغَيِّرَنَّ)) كذا للأكثرِ بالتَّوكيد، وللكُشْمِيهنيّ: لا تُغيِّرْ، بصيغة النَّهي بغير ١٠١/١٠
تأكيد، وكلامُ أبي طلحة هذا إن كان ابنُ سِيرِين سمعَه من أنس، وإلّا فيكون أرسَلَه عن
أبي طلحة، لأنَّه لم يَلْقَه.
وفي الحديث جواز اتّخاذ ضَبّة الفِضّة، وكذلك السِّلسِلة والحلْقة، وهو أيضاً ممَّ اختُلِفَ
فيه. قال الخطَّبيُّ: مَنَعَه مُطلَقاً جماعةٌ من الصحابة والتابعينَ، وهو قول مالك واللَّيث.
وعن مالك: يجوز من الفِضّة إن كان يسيراً. وكَرِهَه الشافعيّ قال: لئلا يكون شارباً على
فِضّة، فأخَذَ بعضُهم منه أنَّ الكراهة تَخْتَصّ بما إذا كانت الضبّة في موضع الشُّرب، وبذلك
صَرَّحَ الحنفيَّة. وقال به أحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال ابن المنذر تَبَعاً لأبي عبيد: المفضَّصُ ليس هو إناءَ فِضّة. والذي تَقرَّرَ عند
الشافعيَّة أنَّ الضَّبّة إن كانت من الفِضّة وهي كبيرة للزّينة ◌َحُم، أو للحاجة فتجوزُ مُطلَقاً،
وَحُرُمِ ضَبَّهُ الذَّهَب مُطلَقاً. ومنهم مَن سَوَّى بين ضَبَّتَي الفِضّة والذَّهَب.
وأمَّا الحديث الذي أخرجه الدّارَ قُطنيُّ (٩٦) والحاكم(١) والبيهقيُّ (٢٨/١-٢٩) من
طريق زكريّا بن إبراهيم بن عبد الله بن مُطيع عن أبيه عن ابن عمر بنحوِ حديث أمّ سَلَمة،
بـ
(١) في ((معرفة علوم الحديث)) ص١٣١، لكنه زاد في إسناده عبد الله بن مطيع جد زكريا بن إبراهيم، وهو
كذلك في بعض طرق البيهقي بزيادة ذكر عبد الله بن مطيع.

٣٥٢
باب ٣١ / ح ٥٦٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
وزاد فيه: ((أو في إناء فيه شيء من ذلك)) فإنَّه معلول بجَهالة حال إبراهيم بن عبد الله بن
مُطيع وولده(١)، قال البيهقيُّ: الصَّواب ما رواه عُبيد الله العمريّ عن نافع عن ابن عمر
موقوفاً: أنَّه كان لا يشرب في قَدَح فيه ضَبّة فِضّة. وقد أخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط))(٢) (٣٣١١)
من حديث أمّ عَطيَّة: أنَّ النبيَّ وَهْ نَى عن لُبس الذَّهَب، وتفضيض الأقداح، ثمَّ رَخَّصَ في
تفضيض الأقداح. وهذا لو ثَبَتَ لكان حُجّةً في الجواز، لكن في سنده مَن لا يُعرَف.
واستُدِلَّ بقولِه: ((أو إناء فيه شيءٌ مِن ذلك)) على تحريم الإناء من النُّحاس أو الحديد
المطليّ بالذَّهَبِ أو الفِضّة، والصَّحيح عند الشافعيَّة: إن كان يَحصُل منه شيءٌ بالعَرضِ على
النار حَرُم، وإلّا فوجهان أصحّهما: لا، وفي العكس وجهان كذلك، ولو غلَّفَ إناء الذَّهَب
أو الفِضّة بالنُّحاس مثلاً ظاهراً وباطناً فكذلك. وجَزَمَ إمام الحرمَينِ أنَّه لا يَرُم كَحَشوِ
الجُبّة التي من القُطن مثلاً بالحرير.
واستُدِلَّ بجوازِ اتّخاذ السِّلسِلة والحلْقة أنَّه يجوز أن يُتَّخَذ للإِناءِ رأسٌ مُنفَصِل عنه،
وهذا ما نَقَلَه المتولّ والبَغَويّ والخوارزميّ. وقال الرَّافعيّ: فيه نظر. وقال النَّوويّ في
((شرح المهذَّب)): ينبغي أن يُعَل كالتَّضبيبِ ويَجري فيه الخِلَاف والتَّفصيل.
واختَلَفوا في ضابط الصِّغَر في ذلك، فقيل: العُرف، وهو الأصحّ، وقيل: ما يَلمَع على
بُعدٍ كبيرٌ وما لا فصغيرٌ. وقيل: ما استَوعَبَ جُزءاً من الإناء كأسفَلِه أو عُروتِه أو شَفَتِه
كبير، وما لا فلا. ومَتَى شَكَّ فالأصل الإباحة، والله أعلم.
٣١- باب شُربِ البَرَكة والماء المبارك
٥٦٣٩- حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، قال: حدَّثني سالم بنُ أبي
الجَعْدِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما هذا الحديثَ، قال: قد رأيتُي معَ النبيِّ ◌َلآ وقد
حَضَرَتِ العَصْرُ، وليس مَعَنا ماءٌ غيرُ فَضْلةٍ، فَجُعِلَ في إناءٍ، فَأَتِيَ النبيُّ ◌َِّ بِهِ، فأدْخَلَ يدَه فيه،
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وقد حسَّنَه الدارقطني، وأبو الوليد القرشي النَّيسابوري فيما نقله البيهقي في
((الخلافيات)) (١٠٣).
(٢) وهو أيضاً في ((المعجم الكبير)) ٢٥/ (١٦٧).

٣٥٣
باب ٣١ / ح ٥٦٣٩
كتاب الأشربة
وفَرَّجَ أصابعَه، ثمَّ قال: ((حَيَّ على أهلِ الوَضوءِ، البَرَكَةُ منَ الله))، فلقد رأيتُ الماءَ يَتَفَجَُّ من
بينِ أصابعِهِ، فَتَوضَّأ الناسُ وشَرِبوا، فجَعَلْتُ لا أَلُو ما جَعَلْتُ في بَطْنِي منه، فعلمتُ أنَّهَ بَرَكَةٌ.
قلتُ لجابرٍ: كم كنتُم يومَئذٍ؟ قال: ألفٌ وأربعُ مئةٍ.
تابَعَهَ عَمرو بنُ دِینارٍ، عن جابرٍ.
وقال حُصّينٌ وعَمرو بنُ مُرّةَ، عن سالمٍ، عن جابرٍ: خمسَ عَشْرةَ مئةٍ.
وتابَعَه سعیدُ بنُ المسيّبِ، عن جابٍ.
قوله: ((باب شُرْب البَرَكة، والماء المبارَك)) قال المهلَّب: سمَّى الماء بَرَكةً لأنَّ الشَّيء إذا ١٠٢/١٠
كان مُبَارَكاً فيه يُسَمَّى بَرَ كة.
قوله: ((عن جابر بن عبد الله)) في رواية حُصَينٍ: عن سالم بن أبي الجَعْد، سمعت جابراً (١).
وقد تقدَّمَت في المغازي (٤١٥٢).
قوله: «قد رأيتُني)) بضمِّ التاء، وفيه نوع تجرید.
قوله: ((وحَضَرَتِ (٢) العَصْر)) أي: وقتُ صلاتها. والجملة حاليّة.
قوله: (ثمَّ قال: حَيّ على أهل الوضوء)» كذا وَقَعَ للأكثر، وفي رواية النَّسَفيّ: ((حَيَّ على
الوضوء» بإسقاطِ لفظ: ((أهل)) وهي أصوبُ، وقد وُجِّهَت على تقدير ثُبُوتها بأن يكون
((أهل)) بالنَّصبِ على النِّداء بحذفِ حرف النِّداء، كأنَّه قال: حَيَّ على الوضوء المبارَك يا
أهلَ الوضوء. كذا قال عياض، وتُعقِّبَ بأنَّ المجرور بِعَلى غير مذكور، وقال غيره:
الصَّواب: حَيَّ هَلَّا على الوضوء المبارَك، فتَحرَّفَ لفظ ((هَلاَ)) فصارت ((أهل)) وحوَّلَت عن
مكانها، و(حَيَّ)) اسم فِعلِ للأمرِ بالإسراع، وتُفتَح لسكونِ ما قبلها، مِثل: لَيْتَ، وهَلا
بتخفيفِ اللّام والتَّنوين، كلمة استِعْجال.
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله تعالى! مع أنه جاء في رواية حُصّين في المغازي أيضاً بالعنعنة، كما في اليونينية
و(«إرشاد الساري)» دون حكاية خلاف، ويغني عن ذكر التنصيص على السماع قوله في آخر الحديث هنا
وفي المغازي: قلت جابر: کم کنتم ... .
(٢) الذي في اليونينية: وقد حضرت. بزيادة ((قد)) دون ذكر خلاف بين رواه البخاري.

٣٥٤
باب ٣١ / ح ٥٦٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فجَعَلْت لا أُلُو)) بالمدِّ وتخفيف اللّام المضمومة، أي: لا أُقَصِّر، والمراد أنَّه جَعَلَ
يَستَكثِرِ من شُربه من ذلك الماء لأجلِ البَرَكة. قال ابن بَطّال: يُؤْخَذ منه أنَّه لا سَرَف ولا
شَرَه في الطَّعام أو الشَّراب الذي تظهر فيه البَرَكة بالمعجزة، بل يُستَحَبّ الاستكثار منه.
وقال ابن المنيِّر: في ترجمة البخاريّ إشارة إلى أنَّه يُغْتَفَر في الشُّرب منه الإكثار، دونَ المعتاد
الذي ورَدَ باستحبابٍ جَعْلِ الثُّلث له، ولئلا يُظنّ أنَّ الشُّرب من غير عَطَشِ ممنوع، فإنَّ
فِعْل جابر ما ذَكَر دالٌّ على أنَّ الحاجة إلى البَرَكة أكثرُ من الحاجة إلى الرِّيّ، والظّاهر الطِّلاعُ
النبيّ وَّ على ذلك، ولو كان ممنوعاً لَنَهاه.
قوله: ((فقلت لجابرٍ)) القائل هو سالم بن أبي الجَعْد راويه عنه.
قوله: ((كَم كنتُم يومئذٍ؟ قال: ألف وأربع مئةٍ» كذا لهم بالرَّفع(١)، والتَّقدير: نحنُ يومئذٍ
ألف وأربع مئةٍ، ويجوز النَّصب على خبر كان. وقد تقدَّم بيان الاختلاف على جابر في
عَدَدهم يوم الحُدَيبية في ((باب غزوة الحُدَيبية)) من المغازي (٤١٥٢)، وبيَّنْتُ هناك أنَّ هذه
القصَّة كانت هناك، وتقدَّم شيء من شرح المتن في ((علامات النُّبوّة)) (٣٥٧٦).
قوله: ((تابَعَه عَمْرو بن دينار، عن جابر)) وَصَلَه المؤلّف في تفسير سورة الفتح (٤٨٤٠)
مختصراً: كنَّا يومَ الحُدَيبية ألفاً وأربع مئةٍ. وهذا القَدر هو مقصوده بالمتابعة المذكورة، لا
جميع سياق الحديث.
قوله: ((وقال حُصَينٌّ وعَمْرو بن مُرّة، عن سالم)) هو ابن أبي الجَعْد ((خمسَ عَشْرةَ مثٍ)) أمَّا
رواية حُصَينٍ فوصَلَها المؤلِّف في المغازي (٤١٥٢)، وأمَّا رواية عَمْرو بن مُرّة فوصَلَها
مسلم (١٨٥٦) (٧٢) وأحمد (١٤٩٣٣) بلفظ: ألفٍ وخمس مئةٍ. والجمعُ بين هذا الاختلاف
عن جابر أنَّهم كانوا زيادةً على ألف وأربع مئةٍ، فمَن اقتَصَرَ عليها ألغَى الكسر، ومَن قال:
ألف وخمس مئةٍ جَبَرَها. وقد تقدَّم بَسطُ ذلك في كتاب المغازي، وبيان توجيه مَن قال:
ألف وثلاث مئة، ولله الحمد.
(١) كذا قال الحافظ، مع أنَّ الذي في اليونينية بالنصب دون ذكر خلاف، لكن ضُبطت في النسخة التي بأيدينا
برواية أبي ذرِّ الهروي بالوجهين.

٣٥٥
باب ٣١ / ح ٥٦٣٩
كتاب الأشربة
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الأشربة من الأحاديث المرفوعة على أحد وتسعينَ حديثاً. المعلَّق
منها تسعة عشر طريقاً والباقي موصول، المكرَّر منها فيه وفيما مَضَى سبعونَ طريقاً،
والباقي خالص، وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديثٍ أبي مالك وأبي عامر في المعازِف،
وحديث ابن أبي أوقَ في الجرِّ الأخضر، وحديث أنس في الأقداح ليلة الإسراء، وهو مُعلَّق،
وحديثٍ جابر في الكَّرْع، وحديثِ عليّ في الشُّرب قائماً، وحديث أبي هريرة في النَّهي عن
الشُّرب مِن فم السِّقاء، وحديث أبي طلحة في قَدَح النبيّ ◌َلٍِّ.
وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدهم أربعة عشر أثراً، والله أعلم.

--

٣٥٧
باب ١
كتاب المرضى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب المضى
١ - باب ما جاء في كفّارة المرض
٠٠
وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،﴾ [النساء: ١٢٣].
قوله: ((بسمِ الله الرَّحمن الرحيم. كتاب المَرْضَى. باب ما جاء في كفَّارة المرض)) كذا لهم، ١٠٤/١٠
إلّا أنَّ البسملة سَقَطَت لأبي ذرِّ(١)، وخالَفَهم النَّسَفيّ فلم يُفرِد كتاب المرضَى من كتاب
الطِّبّ، بل صَدَّرَ بكتابِ الطِّبّ ثمَّ بَسمَلَ، ثمَّ ذكر: ((باب ما جاء))، واستَمرَّ على ذلك إلى
آخر كتاب الطِّبّ، ولِكلِّ وجهٌ، وفي بعض النُّسَخ: ((كتاب)). والمرضَى جمع مريض، والمراد
بالمرضِ هنا مرض البَدَن، وقد يُطلَق المرضُ على مرض القلب، إمّا للشُّبهة كقوله تعالى:
﴿فِي قُلُوبِهِمْ فَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]، وإمّا للشَّهوة كقوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلِهِ، مَرَضٌ﴾
[الأحزاب: ٣٢] ووَقَعَ ذِكْرُ مرض البَدَن في القرآن في الوضوء والصوم والحجّ، وسيأتي ذِكْر
مُناسَبة ذلك في أوَّل الطِّبّ.
والكفَّارة صيغة مُبالَغة من التَّكفير، وأصله التَّغطية والسَّتْر، والمعنى هنا: أنَّ ذُنوب
المؤمن تَتَغَطَّى بما يقع له من ألم المرض. قال الكِرْمانيُّ: والإضافة بيانيّة، لأنَّ المرض ليست
له كفَّارة بل هو الكفَّارة نفسها، فهو كقولهم: شَجَر الأراك، أو الإضافة بمعنى ((في))، أو هو
من إضافة الصِّفة إلى الموصوف. وقال غيره: هو من الإضافة إلى الفاعل، وأسنَدَ التكفير
للمرضِ لگّونِه سببه.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،﴾)) قال الكِرْمانيُّ: مُناسَبة الآية
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله! مع أنَّ الذي في اليونينية ثبوت البسملة للجميع غير أنها في رواية أبي ذرّ مؤخرة
إلى ما بعد كتاب المرضى، وثبتت أيضاً في النسخة التي بأيدينا برواية أبي ذر الهرويّ، وهي نسخة عتيقة،
لكنها جاءت بعد ذكر الآية وقبل سوق الأحاديث، فالله أعلم.

٣٥٨
باب ١
فتح الباري بشرح البخاري
للبابِ أنَّ الآية أعَمُّ، إذ المعنى أنَّ كلّ مَن يعملُ سَيِّئة فإنَّه يُجازَى بها. وقال ابن المنيِّر:
الحاصل أنَّ المرض كما جازَ أن يكون مُكَفِّراً للخَطايا فكذلك يكون جزاءً لها.
وقال ابن بَطّال: ذهب أكثر أهل التَّويل إلى أنَّ معنى الآية أنَّ المسلم يُجازَى على خطاياه
في الدُّنيا بالمصائبِ التي تقع له فيها، فتكون كفَّارةً لها. وعن الحسن وعبد الرَّحمن بن زيد: أنَّ
الآية المذكورة نزلت في الكفارِ(١) خاصّة، والأحاديث في هذا الباب تَشهَد للأوَّل. انتهى، وما
نَقَلَه عنهما أورَدَه الطَّبَرَيُّ وتَعقَّبَه. ونَقَلَ ابن التِّين عن ابن عبّاس نحوه(٢)، والأوَّل المعتمَد.
والأحاديث الواردة في سبب نزول الآية لمَّا لم تكن على شرط البخاريّ ذكرها، ثمَّ
أورَدَ من الأحاديث على شرطه ما يُوافِق ما ذهب إليه الأكثر من تأويلها. ومنه ما أخرجه
أحمد (٢٤٣٦٨) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٢٩٢٣) من طريق عُبيد بن عُمَير عن عائشة: أنَّ رجلاً تلا
هذه الآية: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ،﴾ [النساء: ١٢٣]. فقال: إنّا لَنُجَزَى بكلِّ ما عَمِلنا؟ هَلَكنا
إذاً! فَبَلَغَ ذلك النبيَّ ◌َّهِفقال: ((نعم، يُجُزَى به في الدُّنيا من مُصيبةٍ في جسده ممّا يُؤذيه)).
وأخرجه أحمد (٦٨)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٢٩١٠) أيضاً من حديث أبي بكر الصِّدّيق ◌َـ
أنَّه قال: يا رسول الله، كيف الصَّلاح بعد هذه الآية ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ
الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]؟ فقال: ((غَفَرَ الله لك يا أبا بكر، ألست
تَرَض، ألست تَحَزَن؟)) قال: قلت: بَلَى. قال: ((هو ما تُجزَونَ به)). ولمسلم (٢٥٧٤) من
طريق محمَّد بن قيس بن تَخَرَمةَ عن أبي هريرة: لمَّا نزلت ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بَلَغَت
من المسلمينَ مَبلَغاً شديداً، فقال النبيّ وََّ: ((قارِبُوا وسَدِّدوا، ففي كلّ ما يُصاب به المسلم
كفَّارة، حتَّى النّكبة يُنكَبُها والشَّوکة يُشاكُها».
ثم ذكر المصنف في الباب ستة أحاديث:
الحديث الأول: حديث عائشة.
(١) تحرَّف في (س) إلى: الكفارة.
(٢) أسند الطبري عن ابن عباس ٢٩٣/٥ أنَّ معنى السوء في الآية هو الشِّرك، فالمعنى: من يُشرك يجز به ولا
يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، إلّا أن يتوب قبل موته، فيتوبَ اللهُ عليه.

٣٥٩
باب ١ / ح ٥٦٤٠
كتاب المرضى
٥٦٤٠- حدَّثنا أبو اليَمَان الحَكَمُ بنُّ نافع، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني
عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبيِّنَّهِ قالت: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((ما من
مُصِيبٍ تُصِيبُ المسلمَ إلّا كَفَّرَ الله بها عنه، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُها».
قوله: ((ما من مُصيبة)) أصل المصيبة: الرَّمْية بالسَّهم، ثمَّ استُعمِلَت في كلّ نازِلة، وقال
الرَّاغِب: أصابَ يُستَعمَل في الخير والشرّ. قال الله تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌ
وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ الآية [التوبة: ٥٠]. قال: وقيل: الإصابة في الخير مأخوذة من
الصَّوب: وهو المطر الذي يَنزِل بقَدرِ الحاجة من غير ضَرَر، وفي الشّ مأخوذة من إصابة
السَّهم. وقال الكِرْمانيُّ: المصيبة في اللُّغة: ما يَنزِل بالإنسان مُطلَقاً، وفي العُرف: ما نزلَ به
من مکروهٍ خاصّة، وهو المراد هنا.
قوله: ((تُصيب المسلم)) في رواية مسلم (٤٩/٢٥٧٢) من طريق مالك ويونس جميعاً عن
الزُّهْريّ: ((ما من مُصيبة يُصاب بها المسلم)). ولأحمد (٢٥٣٣٨) من طريق عبد الرَّزّاق عن
مَعمَر، بهذا السَّنَد: ((ما مِن وجَعِ أو مرض يُصيب المؤمن)). ولابنِ حِبّان من طريق ابن أبي
السَّريّ عن عبد الرَّزّاق، به: ((ما من مسلم يُشاك شَوكةً فما فوقها))(١)، ونحوه لمسلم
(٤٨/٢٥٧٢) من طريق / هشام بن عُرْوة عن أبيه.
١٠٥/١٠
قوله: ((حتَّى الشَّوْكة)» جَوَّزُوا فيه الحَرَكات الثلاث، فالجرّ بمعنى الغاية، أي: حتَّى
يَنْتَهي إلى الشَّوكة أو عَطفاً على لفظ مُصيبة، والنَّصب بتقدير عاملٍ، أي: حتَّى وِجدانِه
الشَّوكةَ، والرَّفع عَطفاً على الضَّمير في («تُصيب)). وقال القُرطُبيّ: قَيَّدَه المحَقِّقونَ بالرَّفع
والنَّصب، فالرَّفع على الابتداء، ولا يجوز على المحَلّ. كذا قال، ووجَّهَه غيره بأنَّه يَسُوغ
على تقدير أنَّ ((مِنْ)) زائدة.
(١) كذا نسبَ الحافظُ هذه الرواية لابن حبان وأنها من طريق عبد الرزاق، وهو وهم منه رحمه الله، فليست هذه
الرواية لعبد الرزاق في شيء من مصادر تخريج الحديث التي بأيدينا، وإنما هو لفظ رواية الأسود بن يزيد
النخعي عن عائشة عند مسلم (٢٥٧٢) وغيره. وقد أخرجه ابن حبان من طريق ابن أبي السري عن
عبد الرزاق عن معمر (٢٩٢٥) لكن لفظه كلفظ رواية أحمد التي ذكرها الحافظ تماماً.

٣٦٠
باب ١ / ح ٥٦٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((يُشَاكُها)) بضمٍّ أوَّله، أي: يَشُوكُه غيرُه بها، وفيه وصلُ الفِعل، لأنَّ الأصل يُشاك بها.
وقال ابن التِّين: حقيقة هذا اللَّفظ - يعني قولَه: يُشاكُها - أن يُدخِلَها غيره. قلت: ولا يَلزَم من
كَونه الحقيقةَ أن لا يُرادَ ما هو أعَمُّ من ذلك حتَّى يَدخُلَ ما إذا دَخَلت هي بغير إدخال أحدٍ.
وقد وَقَعَ في رواية هشام بن عُرْوة عند مسلم: ((لا تُصيب المؤمنَ شَوكةٌ)) فإضافة الفِعل إليها هو
الحقيقة، ويحتمل إرادة المعنى الأعَمّ، وهي أن تَدخُل هي بغير فِعلِ أحد أو بفِعلِ أحد، فمَن لا
يَمِنَع الجمع بين إرادة الحقيقة والمجاز باللَّفظِ الواحد يُوِّز مِثلَ هذا.
ويُشاكُها ضُبِطَ بضمٍّ أوَّله، ووَقَعَ في نُسخة الصَّغَانيّ بفتحِهِ، ونَسَبَها بعض شُرّاح
((المصابيح)) لـ (صحاح الجَوْهريّ)) لكن الجَوْهريّ إنَّما ضَبَطَها لمعنّى آخر، فقَدَّمَ لفظ:
((يُشاك)) بضمِّ أوَّله ثمّ قال: والشَّوكة: حِدّةُ البأس(١) وحِدّةُ السِّلاح، وقد شاكَ الرجلُ
يَشاكُ شَوكاً: إذا ظَهَرَت فيه شَوكَتُهُ وقَوِیَت.
قوله: ((إلّا كَفَّرَ الله بها عنه)» في رواية أحمد: ((إلّا كان كفَّارةً لذَنِه)) أي: يكون ذلك
عقوبةً بسببٍ ما كان صَدَرَ منه من المعصية، ويكون ذلك سبباً لمغفرةِ ذنبه. ووَقَعَ في رواية
ابن حِبّان المذكورة(٣): ((إلّا رَفَعَه الله بها درجةً، وحَطَّ عنه بها خطيئةً)). ومثله لمسلم
(٢٥٧٢/ ٤٦) من طريق الأسود عن عائشة. وهذا يقتضي حصولَ الأمرَينِ معاً: حصولَ
الثّواب، ورفعَ العقاب. وشاهده ما أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٢٤٦٠) من وجه آخر
عن عائشة بلفظ: ((ما ضَرَبَ على مُؤمِنٍ عِرْقٌ قَطُّ إلّا حَطَّ الله عنه به خطيئةً، وكَتَبَ له
حَسنةً، وَرَفَعَ له درجةً)» وسنده جيِّد. وأمَّا ما أخرجه مسلم (٢٥٧٢/ ٥١) أيضاً من طريق عَمْرة
عنها: ((إلّا كَتَبَ الله له بها حَسنةً، أو حَطَّ عنه بها خطيئةً))، كذا وَقَعَ فيه بلفظ: ((أو)) فيحتمل
أن یکون شكّاً من الراوي، ویحتمل التَّنویع، وهذا أوجه، ویکون المعنی: إلّا گتَبَ الله له بها
حَسنةً إن لم يكن عليه خَطايا، أو حَطَّ عنه خَطايا إن كان له خَطايا. وعلى هذا فمُقْتَضَى الأوَّل أنَّ
(١) تصحف في الأصلين و(س) إلى: الناس.
(٢) قدّمنا أنَّ نسبتها لابن حبان وهمٌ.