النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
باب ١٤ / ح ٥٦١٣
كتاب الأشربة
ابنُ مالكٍ ◌ُ: أَنَّهِ رَأى رسولَ الله وَّهِ شَرِبَ لَبناً وأتى دارَه، فحَلَبتُ شأةً فشُبْتُ لرسولِ الله وَله
مِنَ البِتْرِ، فَتَناوَلَ القَدَحَ فَشَرِبَ، وعن يساره أبو بكرٍ وعن يمينِهِ أعرابيٌّ، فأعطَى الأعرابيَّ فضلَه،
ثمَّ قال: ((الأيمَنَ فالأيمَنَ)).
٥٦١٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا أبو عامرٍ، حدَّثنا فُلَيِحُ بنُ سليمانَ، عن سعيدِ بنِ
الحارثِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ِ دَخَلَ على رجلٍ منَ الأنصار ومعه
صاحبٌ له، فقال له النبيُّ ◌َ: ((إن كان عندَكَ ماءٌ باتَ هذه اللّيلةَ في شَنّةٍ، وإلّا كَرَعْنا)» قال:
والرجلُ يُحُوِّلُ الماءَ في حائطِهِ، قال: فقال الرجلُ: يا رسولَ الله، عندي ماءٌ بائتٌ، فانطَلَقَ إلى
العَرِيشِ، قال: فانطَلَقَ بهما فسَكَبَ في قَدَحِ، ثمَّ حَلَبَ عليه من داجِنٍ له، قال: فَشَرِبَ
رسولُ الله وَّةِ، ثمَّ شَرِبَ الرجلُ الذي جاء معه.
[طرفه في: ٥٦٢١]
قوله: ((باب شُرْب اللَّبَن بالماءِ)) أي: تَمزوجاً، وإنَّما قَيِّدَه بالُّربِ للاحترازِ عن الخَلْط
عند البيع فإنَّ غِشٌّ. ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ بالواو بَدَل الرَّاء، والشَّوْب: الخَلْط. قال
ابن المنيِر: مقصوده أنَّ ذلك لا يَدخُل في النَّهي عن الخَلِيطَين، وهو يُؤيِّد ما تقدَّم من فائدة
تقييده الخَلِيطَينِ بالمُسكِرِ، أي: إنَّما يُنهَى عن الخَلِيطَينِ إذا كان كلّ واحد منهما / من جِنس ٧٦/١٠
ما يُسكِر، وإنَّما كانوا يَمِزُجونَ اللَّبَن بالماءِ لأنَّ اللََّن عند الحَلَب يكون حاراً، وتلك البلاد
في الغالب حارّة، فكانوا يَكسِرونَ حَرَّ اللَّبَن بالماءِ البارد.
ذکر فیه حدیثین:
الأول: قوله: «حدّثنا عبدان)» هو عبد الله بن عثمان، وعبد الله: هو ابن المبارك، ويونس:
هو ابنُ یزید.
قوله: ((أَنَّه رَأى رسول الله وَه شَرِبَ لَبناً وأتى دارَه)) أي: دار أنس، وهي جملة حاليَّة،
أي: رآه حين أتى داره، وقد تقدَّم في الهِبة (٢٥٧١) من طريق أبي طُوَالة عن أنس بلفظ: أتانا
رسول الله وَل﴿ في دارنا هذه فاستَسقَى، فحَلَبْنا شاةً لنا.

٣٠٢
باب ١٤ / ح ٥٦١٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فحَلَبْتُ)) عَيَّنَ في هذه الرِّواية أنَّه هو الذي باشَرَ الحَلْب.
وقوله: ((فشُبْتُ)) كذا للأكثرِ من الشَّوْب، بلفظ المتكلِّم، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلِّ بکسر
المعجَمة بعدها تحتانيَّة، على البناء للمجهولِ.
قوله: ((وأبو بكر عن يَساره)) زاد في رواية أبي طُوالة: وعمر تُجاهَه، وقد تقدَّم ضبطها في
الهِبة، وتقدَّم في الشِّرب (٢٣٥٢) من طريق شُعَيب عن الزُّهْريِّ في هذا الحديث: فقال
عمر، وخافَ أن يُعطيَه الأعرابيّ: أعطِ أبا بكر. وفي رواية أبي طُوالة: فقال عمر: هذا
أبو بَكر. قال الخطَّبيُّ وغيره: كانت العادة جاريةً لملوكِ الجاهليّة ورُؤَسائهم بتقديم الأيمَن
في الشُّرب، حتّى قال عمرو بن كلثوم في قصيدة له:
وكان الكَأْسُ مَجْراهَا اليَمينا
فخَشِيَ عمرُ لذلك أن يُقدِّم الأعرابيَّ على أبي بكر في الشُّرب فنَبَّهَ عليه، لأنَّه احتُمِلَ عنده
أنَّ النبيَّ ◌َهِ يُؤثِر تقديم أبي بكر على تلك العادة، فتصير السُّنّة تقديم الأفضل في الشُّرب
على الأيمَن، فبيَّن النبيّ ◌َلّهِ بِفِعِلِه وقوله أنَّ تلك العادة لم تُغيِّرها السُّنّة، وأنَّها مُستَمِرّة،
وأنَّ الأيمَن يُقدَّم على الأفضل في ذلك، ولا يَلزَم من ذلك حَطُّ رُتْبة الأفضل، وكأن ذلك
لفضلِ اليمين على اليسار.
قوله: ((فأعْطَى الأعْرابَّ فضلَه)) أي: اللَّبَن الذي فضَلَ منه بعد شُرْبه، وقد تقدَّم في
الحِبة(١) ذِكْر مَن زَعَمَ أنَّ اسم هذا الأعرابيّ: خالد بن الوليد، وأنَّه وهمٍّ. ووَقَعَ عند الطبرانيّ
(١٥٠٣٣) من حديث عبد الله بن أبي حبيبة قال: أتانا رسول الله وَله في مسجد قُباء،
فجِئتُ فجلستُ عن يمينه، وجَلَسَ أبو بكر عن يساره، ثمَّ دَعَا بشرابٍ فشَرِبَ، وناولَني
عن يمينه. وأخرجه أحمد (١٦٠٨١) لكن لم يُسمِّ الصحابيّ(٢)، ولا يُمكِن تفسير المبهم في
حديث أنس به أيضاً، لأنَّ هذه القصّة كانت بقُباء وتلك في دار أنس أيضاً فهو أنصاريّ، ولا
(١) بل في كتاب المساقاة برقم (٢٣٥٢).
(٢) لكنه سماهُ في رواية أخرى برقم (١٧٩٤٤) عبد الله بن أبي حبيبة. يعني كرواية الطبراني.

٣٠٣
باب ١٤ / ح ٥٦١٣
كتاب الأشربة
يقال له: أعرابيّ کما استُبعِدَ ذلك في حَقِّ خالد بن الوليد.
قوله: ((ثمَّ قال: الأيمَنَ فالأيمَنَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: وقال، بالواو بَدَل: ثمَّ. وفي
رواية أبي طُوالة: ((الأيمَنُونَ فالأيمَنُونَ)) وفيه حذْف تقديره: الأيمَنونَ مُقدَّمونَ أو أحقُّ،
أو يُقدَّم الأيمَنُونَ.
وأمَّا رواية الباب فيجوز الرَّفع على ما سَبَقَ، والنَّصب على تقدير: قَدِّموا أو أعطُوا. ووَقَعَ
في الهِبة (٢٥٧١) بلفظ: «ألا فيَمِّنُوا)» والكلام عليها. واستنْبَطَ بعضهم من تَكرار الأيمَن
أنَّ السُّنّة إعطاء مَن على اليمين ثمَّ الذي يليه وهَلُمَّ جَرّاً، ويَلَزَم منه أن يكون عمرُ في
الصّورة التي ورَدَت في هذا الحديث شَرِبَ بعد الأعرابيّ ثمَّ شَرِبَ أبو بكر بعده، لكن الظّاهر
عن عمر إيثارُه أبا بكر بتقديمِه عليه، والله أعلم.
وفي الحديث من الفوائد غيرُ ما ذُكِرَ أنَّ مَن سَبَقَ إلى مَجَلِس عِلم أو مَجَلِس رئيس لا
يُنَخَّى عنه لمَجيءٍ مَن هو أولى منه بالجلوسِ في الموضع المذكور، بل يَجلِس الآتي حيثُ
انتهى به المجلس، لكن إن آثَرَه السابقُ جازَ. وأنَّ مَن استَحقَّ شيئاً لم يُدفَع عنه إلّا بإذنِه
كبيراً كان أو صغيراً إذا كان ممَّن يجوز إذنُه. وفيه أنَّ الْجُلَساء شُرَكاء فيما يُقرَّب إليهم على
سبيل الفضل لا اللّزوم، للإجماع على أنَّ المطالَبة بذلك لا تجب. قاله ابن عبد البَرّ، ومحلّه إذا
لم یکن فیھم الإمام أو من يقوم مقامه، فإن كان فالتّصُّف في ذلك له. وفیه دخول الکبیر بیت
خادِمه وصاحبه ولو كان صغير السِّنّ، وتَناؤُله ممّا عندهم من طعام وشراب من غير بحثٍ.
وستأتي بقيَّة فوائده بعد ثلاثة أبواب (٥٦١٩) إن شاء الله تعالى.
الحديث الثاني:
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفيّ، وأبو عامر: / هو العَقَديّ، وسعيد بن ٧٧/١٠
الحارثِ: هو الأنصاريّ.
قوله: ((دَخَلَ عَلَى رجلٍ من الأنصار)) كنت ذكرتُ في المقدِّمة أنَّه أبو الهَيْثَم بن التَّيِّهان
الأنصاريّ، ثمَّ وقَفت عن ذلك لمَا أخرجه أحمد (١٤٧٠٨) عن إسحاق بن عيسى عن فُلَيح

٣٠٤
باب ١٤ / ح ٥٦١٣
فتح الباري بشرح البخاري
في أوَّل حديثٍ(١) الباب: أنَّ النبيَّ وَّرِ أتى قوماً من الأنصار يعود مريضاً لهم. وقصَّة أبي
الهَثَم في ((صحيح مسلم)) (٢٠٣٨) من حديث أبي هريرة (٢). واستَوعَبَ ابن مَرْدويه في
تفسير التَّكاثُر طرقه، فزاد عن ابن عبّاس وأبي عَسِيب وأبي سعيد، ولم يَذكُر في شيء من
طرقه عِيَادةً، فالذي يظهر أنَّها قصَّة أُخرى، ثمَّ وقَفْت على المستنَد في ذلك، وهو ما ذكره
الواقديّ(٣) من حديث الهَثَم بن نَصْر الأسلَميّ قال: خَدَمتُ النبيّ ◌َهُ ولَزِمتُ بابَه،
فكنت آتيه بالماءِ من بئر جَاسِمٍ(٤)، وهي بئر أبي الهَثَم بن التَّيِّهان، وكان ماؤُها طيِّباً، ولقد
دَخَلَ يوماً صائفاً ومعه أبو بكر على أبي الهَيْثَم فقال: هل من ماء بارد؟ فأتاه بشَجْبٍ فيه ماء
كأَنَّه الثّلج، فصَبَّه على لَبَن عَنْزِ له وسَقاهُ، ثمَّ قال له: إنَّ لنا عَريشاً بارداً فِقِلْ فيه يا رسول الله
عندنا، فدَخَلَه وأبو بكر، وأتى أبو الهَثَم بألوانٍ من الرُّطَب، الحديث. والشَّجْب، بفتح المعجَمة
وسكون الجيم ثمَّ موخَّدة: يُتَّخَذ من شَنّة تُقطَع ويُحْرَزُ رأسُها.
قوله: ((ومعه صاحبٌ)) هو أبو بكر الصِّدّيق كما تَرَى.
قوله: ((فقال له)) زاد في رواية الإسماعيليّ من قبل هذا: وإلى جانبه ماءً في رَكِيّ. وهو
بفتح الرَّاء وكسر الكاف وبعدها شدّة: البئر المطويّة. وزاد في رواية ستأتي بعد خمسة أبواب
(٥٦٢١): فسَلَّمَ النبيُّ ◌َّ﴿ وصاحبُهُ فَرَدَّ الرجل. أي: عليهما السَّلام.
قوله: ((إن كان عندك ماء باتَ هذه اللَّيلةَ في شَنّة)) بفتح المعجَمة وتشديد الُّون: وهي
القِربة الخَلَقة(٥)، وقال الدَّاوُوديّ: هي التي زالَ شَعرُها من البَلَاء. قال المهلَّب: الحكمة في
(١) تحرَّف في (س) إلى: حديثي.
(٢) يعني وفيها أنه وَّه ذهب إلى بيته فلم يجده، ووجد امرأته فاستقبلته ومَن معه ◌َطٍّ، ثم حضر زوجُها فذبح
لهم شاة وسقاهم من اللبن. وليس فيها أنه كان مريضاً كما تشير إليه رواية أحمد.
(٣) وعنه ابن سعد في ((الطبقات)) ٥٠٤/١.
(٤) تصحف في (س) إلى: جاشم. وضبطه السَّمْهوديُّ في ((وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى)) ١٣٠/٣،
والصالخي في ((سبل الهدى والرشاد» ٢٢٥/٧.
(٥) نصَّ الكسائي وابن السّكِّيت وابن فارس وابن سِيْدَه وغيرهم من أهل اللغة بأنه يقال للمذكر والمؤنث
سواء: خَلَقٌّ، ولا تلحق المؤنثَ الهاءُ في آخره.

٣٠٥
باب ١٤ / ح ٥٦١٣
كتاب الأشربة
طلب الماء البائت أنَّه يكون أبرَد وأصفَى، وأمَّا مَزْج اللَّبَن بالماءِ فلعلَّ ذلك كان في يوم حارّ
كما وَقَعَ في قصَّة أبي بكر مع الرَّاعي. قلت: لكنِ القِصَّتان مُتَلِفَتان، فصنیع أبي بكر ذلك
باللَّبَنِ لشِدّة الخَّ، وصنيع الأنصاريّ لأنَّه أراد أن لا يَسقي النبيّ وَّ ماء صِرْفاً، فأراد أن
يُضيف إليه اللَّبَن فأحضَرَ له ما طَلَبَ منه، وزاد عليه من جِنسٍ جَرَت عادته بالَّغبة فيه.
ويُؤيِّد هذا ما في رواية الهَثَم بن نَصْر قبلُ: أنَّ الماء كان مِثل الثَّلج.
قوله: ((وإلّا كَرَغْنا)) فيه حَذَفَ تقديره: فاسقِنا، وإن لم يكن عندك كَرَعنا. ووَقَعَ في
رواية ابن ماجَهْ (٣٤٣٢) التَّصريح بطلبِ السَّقْي. والكَرْعِ بالرّاءِ: تَناوُل الماء بالفَمِ من غير
إناء ولا كَفّ. وقال ابن التِّين: حكى أبو عبد الملك أنَّه الشُّرب باليَدَينِ معاً. قال: وأهل
اللُّغة على خِلَافه. قلت: ويَرُدّه ما أخرج ابن ماجَهْ (٣٤٣٣) عن ابن عمر قال: مَرَرنا على
بركة، فجَعَلنا نَكْرَع فيها، فقال رسول الله بقوله: ((لا تَكرَعوا، ولكنِ اغسِلوا أیدیکم ثمَّ
اشرَبوا بها)) الحديث. ولكن في سنده ضعف، فإن كان محفوظاً فالنَّهي فيه للتَّزيه، والفِعل
لبيان الجواز، أو قصَّة جابر قبل النَّهي، أو النَّهي في غير حال الضَّرورة، وهذا الفِعل كان
لضَرُورة شُرب الماء الذي ليس بباردٍ، فيَشربُ بالكَرْعِ لضَرُورة العَطَش لئلا تَكرَهه نفسه
إذا تكررت الجُرَعُ، فقد لا يَبلُغ الغرضَ من الرِّيّ. أشارَ إلى هذا الأخير ابن بَطّال. وإنَّما
قيل للقُّربٍ بالفَمِ: كَرْعٌ، لأنَّه فِعل البهائم لشُربها بأفواهها، والغالب أنَّها تُدخِل أكارِعَها
حينئذٍ في الماء، ووَقَعَ عند ابن ماجَهْ (٣٤٣١) من وجه آخر عن ابن عمر فقال: نَهانا
رسول الله ﴿ أن نَشَرَب على بُطوننا، وهو الكَرْع. وسنده أيضاً ضعيف، فهذا إن ثَبَتَ احتَمَلَ
أن يكون النَّهي خاصّاً بهذه الصّورة، وهي أن يكون الشّارب مُنبَطِحاً على بطنه، ويُحمَل حديث
جابر على الشُّرب بالفَمِ من مكان عالٍ لا يحتاج إلى الانبطاح.
ووَقَعَ في رواية أحمد: ((وإلّا تَجَرَّعنا))(١) بمُثّاةٍ وجيم وتشديد الرَّاء، أي: شَرِبنا جُرعة
مُجُرعة، وهذا قد يُعكِّر على الاحتمال المذكور، والله أعلم.
(١) رواه أحمد في أربعة مواضع (١٤٥١٩) و(١٤٧٠٠) و(١٤٧٠٨) و(١٤٨٢٥)، وليس في شيء منها هذا
الحرف، فلعلَّ ذلك في بعضها في نسخة الحافظ من ((مسند أحمد))، والله أعلم.

٣٠٦
باب ١٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((والرجل يُحُوِّل الماء في حائطه)) أي: يَنقُل الماء من مكان إلى مكان آخر من البستان
٧٨/١٠ ليَعُمَّ أشجارَه/ بالسَّقْي. وسيأتي بعد خمسة أبواب (٥٦٢١) من وجه آخر بلفظ: وهو يُحوِّل في
حائط له، يعني الماء. وفي لفظ له (١): يُحُوِّل الماء في الحائط. فيحتمل أن يكون وَقَعَ منه تحویل
الماء من البئر مثلاً إلى أعلاها، ثمَّ حَوَّلَه من مكان إلى مكان.
قوله: ((إلى العَريش)) هو خَيْمة من خَشَب وثُمَام، بضمِّ المثلَّثة مُخُفَّفاً: وهو نبات ضعيف
له خُوْصُّ(٣)، وقد يُعَل من الجَريد كالقُبّة أو من العِيدان ويُظلَّل عليها.
قوله: ((فسَكَبَ في قَدَح)) في رواية أحمد (١٤٥١٩): فسَكَبَ ماءً في قَدَح.
قوله: ((ثُمَّ حَلَبَ عليه من داجِنٍ له)) في رواية أحمد (١٤٨٢٥) وابن ماجَهْ (٣٤٣٢):
فحَلَبَ له شاة، ثمَّ صَبَّ عليه ماءً باتَ في شَنّ. والدّاجِن، بجيمٍ ونون: الشّاة التي تألَفُ
البيوت.
قوله: ((ثمَّ شَرِبَ الرجل)) في رواية أحمد (١٤٨٢٥): وشَرِبَ النبيّ وَّهِ وسَقَى صاحبَه.
وظاهره أنَّ الرجل شَرِبَ فضْلَة النبيّ وَلِّ، لكن في رواية لأحمد (١٤٧٠٠) أيضاً وابن
ماجَه: ثمَّ سَقاه، ثمَّ صَنَعَ لصاحبِهِ مِثل ذلك. أي: حَلَبَ له أيضاً، وسَكَبَ عليه الماء البائت.
هذا هو الظّاهر، ويحتمل أن تكون المِثِليَّة في مُطلَق الشُّرب.
قال المهلَّب: في الحديث أنَّه لا بأس بشُربِ الماء البارد في اليوم الحارّ، وهو من جملة النِّعَم
التي امتَنَّ الله بها على عباده، وقد أخرج التِّرمِذيّ (٣٣٥٨) من حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((أوَّل ما
يُحاسَب به العَبد يوم القيامة: ألم أُصِحَّ ◌ِسمَك، وأُرويك من الماء البارد؟)).
١٥ - باب شراب الحلوى والعسل
وقال الزُّهرِيُّ: لا يَحِلُّ شُرْبُ بَولِ الناسِ لِشِدّةٍ تَنزِلُ، لأنَّه رِجِسٌ، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ
لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥].
(١) هو في نفس الحديث المشار إليه (٥٦٢١)، لكنه بلفظ: يحوّل الماء في حائطٍ.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: خواص.

٣٠٧
باب ١٥ / ح ٥٦١٤
كتاب الأشربة
وقال ابنُ مسعودٍ في السَّكَرِ: إنَّ اللهَ لم يجعل شِفاءَكم فيما حَرَّمَ عليكُم.
٥٦١٤- حدَّثْنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: أخبرني هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةً
رضي الله عنها، قالت: كان النبيُّوَّهِ يُعجِبُهُ الحَلْواءُ والعَسَلُ.
قوله: ((باب شراب الحلوى والعَسَل)) في رواية المُستَمْلي: الحَلواء، بالمدِّ، ولغيره
بالقصر، وهما لُغَتان. قال الخطَّبيُّ: هي ما يُعقَد من العَسَل ونحوه. وقال ابن الِّين عن
الدَّاوُوديّ: هو النَّقيع الحُلو، وعليه يدلّ تَبويب البخاريّ ((شراب الحَلْوى)) كذا قال، وإنَّما
هو نوع منها، والذي قاله الخطَّبيُّ هو مُقْتَضَى العُرف. وقال ابن بَطّال: الحلوى: كلّ شيء
حُلوٌ. وهو كما قال، لكن استَقرَّ العُرف على تسمية ما لا يُشرَب من أنواع الحُلو حلوى،
ولأنواع ما يُشرَب مشروب ونَقيع ونحو ذلك، ولا يَلزَم ممّا قال اختصاص الحلوى
بالمشروب.
قوله: ((وقال الزُّهْريّ: لا يَحِلّ شُرْب بَوْل الناس لِشِدّةٍ تَنْزِلُ، لأنَّه رِجْس، قال الله تعالى:
﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطِّبَتُ﴾)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن الزُّهْرِيّ. ووجَّهَه ابن التِّين أنَّ
النبيَّ ◌َّ سَمَّى البَولِ رِجساً، وقال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
والرِّجس من جملة الخبائث. ويَرُدّ على استدلال الزُّهْريّ جواز أكل الميتة عند الشِّدّة، وهي
رجس أيضاً، ولهذا قال ابن بطّال: الفقهاء على خِلَاف قول الزّهْريّ، وأشدّ حال البَول أن
يكون في النَّجاسة والتَّحريم مِثل الميتة والدَّم ولحم الخنزير، ولم يختلفوا في جواز تَناوُلها عند
الضَّرورة. وأجابَ بعض العلماء عن الزُّهْريّ باحتمال أنَّه كان يرى أنَّ القياس لا يَدخُل
الرُّخَص، والرُّخصة في الميتة لا في البول.
قلت: وليس هذا بعيداً من مذهب الزُّهْريّ، فقد أخرج البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٣٧٩٨)
من رواية ابن أخي الزُّهْريّ(١) قال: كان الزُّهْريّ يصوم يوم عاشوراء في السَّفَر، فقيل له:
أنتَ تُفطِر في رمضان/ إذا كنت مسافراً، فقال: إنَّ الله تعالى قال في رمضان: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ ٧٩/١٠
(١) الذي في ((الشُّعب)) أنَّ الراوي عن الزهري هو أبو جبلة، وهو مجهول لم يرو عنه غير معاوية بن صالح.
:

٣٠٨
باب ١٥ / ح ٥٦١٤
فتح الباري بشرح البخاري
أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وليس ذلك لعاشُوراء. قال ابن التِّين: وقد يقال: إنَّ الميتة لسَدِّ
الَّمَقِ، والبَول لا يَدِفَع العَطَش، فإن صَحَّ هذا صَحَّ ما قال الزُّهْريّ إذ لا فائدة فيه. قلت:
وسيأتي نَظيره في الأثر الذي بعده.
قوله: «وقال ابن مسعود في السّگر: إنَّ الله لم يجعل شِفاءَکم فیما خَرَّمَ علیگُمْ)). قال ابن
التِّين: اختُلِفَ في السَّكَر بفتحَتَينِ: فقيل: هو الخمر، وقيل: ما يجوز شُربه كَنَقيع الثَّمر قبل
أن يَشْتَدّ، وكالْخَلّ، وقيل: هو نبيذ الثَّمر إذا اشتَدَّ. قلت: وتقدَّم في تفسير النَّحل عن أكثر
أهل العلم أنَّ السَّكَر في قوله تعالى: ﴿فَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] هو ما
حُرِّمَ منها، والرِّزق الحسن: ما أُحِلَّ.
وأخرج الطَّرُّ من طريق أبي رَزین أحد كبار التابعينَ قال: نزلت هذه الآيةُ قبل تحریم
الخمر. ومن طريق النَّخَعيِّ نحوه. ومن طريق الحسن البصريّ بمعناه. ثمَّ أخرج من طريق
الشَّعْبِيّ قال: السَّكَر: نَقيع الَّبيب، يعني قبل أن يَشتَدّ، والخَلّ، واختارَ الطََّريّ هذا القول
وانتَصَرَ له، لأنَّه لا يَلْزَمُ منه دَعْوى نَسخٍ، ويَستَمِرّ الامتنانُ بما تَضَمَّتَتَه الآية على ظاهره،
بِخِلَاف القول الأوَّل فإِنَّ يَستَلِزِمِ النَّسخَ، والأصلُ عَدمُه.
قلت: وهذا في الآية مُحْتَمل، لكنَّه في هذا الأثر محمول على المسكِرِ، وقد أخرج النَّسائيُّ
(٥٥٧٤ ,٥٥٧٥) بأسانيد صحيحة عن النَّخَعيِّ والشَّغْبيّ وسعيد بن جُبَير أنَّهم قالوا:
السَّكَر خمر. ويُمكِن الجمع بأنَّ السَّكَر بلُغة العَجَم: الخمر، وبِلُغة العرب: النَّقيع قبل أن
يَشتَدّ، ويُؤيِّده ما أخرجه الطبريُّ (١) من طريق قَتَادة قال: السَّكَر: حُور الأعاجم، وعلى
هذا يَنطَبِقِ قول ابن مسعود: إنَّ الله لم يجعل شِفاءَكم فيما حَرَّمَ عليكُم. ونَقَلَ ابن التِّين عن
الشَّيخ أبي الحسن - يعني ابن القَصّار -: إن كان أراد مُسكِرَ الأشرِبة فلعلَّه سَقَطَ من
الكلام ذِكْر السُّؤال، وإن كان أراد السُّكْر بالضَّمِّ وسكون الكاف قال: فأحسَبه هذا أرادَ،
لأَنَّني أظنّ أنَّ عند بعض المفسِّرِينَ سُئلَ ابن مسعود عن التَّداوي بشيءٍ من المحرَّمات فأجابَ
بذلك. والله أعلم بمُرادِ البخاريّ.
(١) تحرَّف في (س) إلى: الطبراني.

٣٠٩
باب ١٥ / ح ٥٦١٤
كتاب الأشرية
قلت: قد رُوِّينا الأثر المذكور في ((فوائد عليّ بن حَرْب (١) الطائيّ عن سفيان بن عُيَيْنَةَ))
عن منصور عن أبي وائل قال: اشتَكَى رجل مِنّ يقال له: خُثَيم بن العَدّاء داء ببطنِه يقال
له: الصَّفَرَ(٢) فنُعِتَ له السَّكَر، فأرسَلَ إلى ابن مسعود يسألُه، فذكره. وأخرجه ابن أبي شَيْبة
(٢٣/٨) عن جَرِير عن منصور. وسنده صحيح على شرط الشَّيخَين، وأخرجه أحمد في
((كتاب الأشرِبة)) (١١٧) والطبرانيُّ في ((الكبير)) (٩٧١٤) من طريق أبي وائل نحوه، ورُوِّينا
في «نُسخة داود بن نصير الطائيّ)) بسند صحيح عن مسروق قال: قال عبد الله، هو ابن
مسعود: لا تَسقُوا أولادكم الخمرَ، فإنَّهم وُلِدوا على الفِطْرة، وإنَّ الله لم يجعل شِفاءَكم فيما
حَرَّمَ عليكُم. وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٨/ ١٣٠) من وجه آخر عن ابن مسعود كذلك. وهذا
يُؤْيِّد ما قلناه أوَّلاً في تفسير السَّكَر. وأخرج إبراهيم الخَرْبيّ في ((غريب الحديث)) من هذا الوجه
قال: أتينا عبدَ الله في مُجَدَّرينَ أو مُحصَّبین نُعِتَ لهم السَّگر، فذكر مثله.
ولجوابٍ ابن مسعود شاهد آخر أخرجه أبو يَعْلى (٦٩٦٦) وصَخَّحَه ابن حِبّان (١٣٩١)
من حديث أمّ سَلَمة قالت: اشتَكَت بنتٌ لِي، فَتَبَذْتُ لها في كُوز، فدَخَلَ النبيّ ◌َّه وهو
يَغلي فقال: ((ما هذا؟» فأخبَرَتُه، فقال: ((إنَّ الله لم يجعل شِفاءَكم فيما حَرَّمَ عليكم)).
ثمَّ حكى ابن التِّين عن الذَّاوُوديّ قال: قول ابن مسعود حَقٌّ، لأنَّ الله حَرَّمَ الخمر لم
يَذْكُر فيها ضَرُورةً، وأباحَ الميتة وأخَواتِها في الضَّرورة. قال: ففَهمَ الدَّاوُوديّ أنَّ ابن
مسعود تَكلَّمَ على استعمال الخمر عند الضَّرورة وليس كذلك، وإنَّما تَكلَّمَ على النَّداوي بها
فمَنَعَه، لأنَّ الإنسان يَجِد مندوحةً عن التَّداوي بها، ولا يُقطَع بنَفْعِه، بخِلَاف الميتة في سَدِّ
الرَّمَق. وكذا قال النَّوويّ في الفَرق بين جواز إساغة اللُّقمة لمن شَرِقَ بها بالجرعة من
الخمر فيجوز، وبين التَّداوي بها فلا يجوز، لأنَّ الإساغة تَتَحقَّق بها بخِلَاف الشِّفاء، فإنَّه
لا يَتَحقَّق.
(١) ومن طريقه أخرجه الخطيب البغدادي في ((الأسماء المبهمة)) ص ٧٢، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٠٠/٢٤.
(٢) قال ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) ٥٤٨/٢: هو اجتماع الماء في البطن. وقال ابن الأثير في ((النهاية)) في مادة
(صفر): والصفر أيضاً: دودٌ يقع في الكبد وشراسيف الأضلاع، فيصفَرُّ عنه الإنسان جداً، وربما قتله.
٢

٣١٠
باب ١٥ / ح ٥٦١٤
فتح الباري بشرح البخاري
٨٠/١٠
ونَقَلَ الطَّحَاويُّ عن الشافعيّ أنَّه قال: / لا يجوز سَدُّ الرَّمَق من الجوع ولا من العَطَش
بالخمرِ، لأنَّها لا تَزِيده إلّا جوعاً وعَطَشاً، ولأنَّهَا تَذْهَبُ بالعقلِ. وتَعقَّبَه بأنَّه إن كانت لا
تَسُدّ من الجوع ولا تَروي من العَطَش لم يَرِدِ السُّؤال أصلاً، وأمَّا إذهابها العقلَ فليس
البحث فيه، بل هو فيما يُسَدّ به الرَّمَق وقد لا يَبلُغ إلى حَدِّ إذهاب العقل. قلت: والذي يظهر
أنَّ الشافعيّ أراد أن يُردِّد الأمر بأنَّ التَّاوُل منها إن كان يسيراً، فهو لا يُغني من الجوع ولا
يروي من العَطَش، وإن كان كثيراً فهو يُذهِب العقل، ولا يُمكِن القول بجوازِ التَّداوي بما
يُذهِب العقل، لأنَّه يَسْتَلِزِم أن يَتَداوى من شيء فيقعَ في أشدّ منه.
وقد اختُلِفَ في جواز شُرب الخمر للتَّداوي وللعَطَش، قال مالك: لا يشربها لأنَّها لا تَزِيده
إلّا عَطَشاً، وهذا هو الأصحّ عند الشافعيّة، لكن التَّعليل يقتضي قَصْر المنع على المتَّخَذ من شيء
يكون بطَبْعِه حارّاً كالعِنَبِ والزَّبيب، أمَّ المتَّخَذ من شيءٍ باردٍ كالشَّعير فلا.
وأمَّا التَّداوي فإنَّ بعضهم قال: إنَّ المنافع التي كانت فيها قبل التَّحريم سُلِبَت بعد
التَّحريم بدليلِ الحديث المتقدِّم ذِكْرُه، وأيضاً فتحريمها مَجَزومٌ به، وكَونها دَواءً مَشكوكٌ،
بل يَتَرَجَّح أنَّها ليست بدَواءٍ بإطلاق الحديث. ثمَّ الِخِلَاف إنَّما هو فيما لا يُسكِرِ منها، أمَّا ما
يُسكِر منها فإنَّه لا يجوز تَعاطِيه في التَّداوي إلّا في صورة واحدة، وهو مَن اضطُرَّ إلى إزالة
عقلِه لقطع عُضو من الأَكِلة(١) والعياذ بالله، فقد أطلقَ الرَّافعيّ تخريجه على الخِلاف في التَّداوي،
وصَحَّحَ النَّوويّ هنا الجواز، وينبغي أن يكون مَحَلّه فيما إذا تَعيَّنَ ذاكَ طريقاً إلى سَلامة
بقيَّة الأعضاء ولم يَجِد مُرْقِداً غيرَها، وقد صَرَّحَ مَن أجازَ التَّداوي بالثّاني. وأجازَه الحنفيَّة
مُطلَقاً لأنَّ الضَّرورة تُبيح الميتة، وهي لا يُمكِن أن تَنْقَلِب إلى حالةٍ تَحِلّ فيها، فالخمر التي
مِن شأنها أن تَنقَلِب خَلَّا فتصيرَ حلالاً أَوْلى. وعن بعض المالكيَّة: إن دَعَتَه إليها ضَرُورة يَغلِب
على ظنِّه أنَّه يَتَخلَّص بشُربها جاز، كما لو غَصَّ بلُقمةٍ، والأصحّ عند الشافعيَّة في الغَصّ الجوازُ.
وهذا ليس من التَّداوي المحض. وسيأتي في أواخر الطِّبّ(٢) ما يدلّ على النَّهي عن التَّداوي
(١) هو المرض المسمى اليوم: الغرغرينا.
(٢) في شرح ترجمة الحديثين (٥٧٧٨) و(٥٧٧٩).

٣١١
باب ١٥ / ح ٥٦١٤
كتاب الأشربة
بالخمر، وهو يُؤيِّد المذهب الصَّحيح.
ثم ساق البخاري حديث عائشة: كان النبيّ رَّهِ يُعجِبِه الحَلواء والعَسَل. قال ابن
المنيِّ: تَرجَمَ على شيءٍ وأعقَبَه بضِدِّه، وبضِدِّها تَتَبيَّن الأشياء، ثمَّ عادَ إلى ما يُطابِقِ التَرجمة
نَصّاً، ويُحتمل أن يكون مُراده بقولِ الزُّهْريّ الإشارة بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَِّبَتُ﴾
[المائدة: ٥] إلى أنَّ الحَلواء والعَسَل من الطيِّيات فهو حلال، وبقولِ ابن مسعود الإشارة إلى
قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] فدَلَّ الامتنان به على حِلّه، فلم يجعل الله
الشِّفاء فيما حَرَّمَ.
قال ابن المنيِر: ونَبَّهَ بقولِه: شراب الحَلواء على أنَّها ليست الحلوى المعهودة التي يَتَعاطاها
المترَفونَ اليوم، وإنَّما هي حَلْوی تُشْرَب ◌ِمّا عَسَل بماء أو غیر ذلك ما يُشاكِله، انتهى.
ويحتمل أن تكون الحلوى كانت تُطلَق لمَا هو أعَمُّ مَمَّا يُعقَد أو يُؤْكَل أو يُشْرَب، كما أنَّ
العَسَل قد يُؤكَل إذا كان جامداً وقد يُشرَب إذا كان مائعاً، وقد يُحْلَط فيه الماءُ ويُذاب ثمّ
يُشْرَب، وقد تقدَّم في كتاب الطَّلاق (٥٢٦٨) من طريق عليّ بن مُسهِر عن هشام بن عُرْوة
في حديث الباب زيادة: ((وأنَّ امرأة من قوم حفصة أهدَت لها عُكّةَ عَسَلٍ، فَشَرِبَ النبيّ ◌َّ
منه شَربةً، الحديث في ذِكْر المغافير. فقوله: سَقَتْه شَربةً من عَسَل. مُحْتَمِل لأن يكون صِرْفاً
حيثُ يكون مائعاً، ويحتمل أن يكون تَمزوجاً.
وقال النَّوويّ: المراد بالحلوى في هذا الحديث: كلّ شيءٍ حُلو، وذِكْرِ العَسَل بعدها للتَّنبيه
على شَرَفه ومَزِيَّته، وهو من الخاصّ بعد العامّ، وفيه جواز أكل لَذيذ الأطعمة والطيِّبات
من الرِّزق، وأنَّ ذلك لا يُنافي الزُّهد والمراقَبة، لا سيّما إن حَصَلَ اتِّفاقاً.
وروى البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) عن أبي سليمان الدّارانيّ قال: قول عائشة: ((كان يُعجِبه
الحلوى)) ليس على معنى كَثْرة التَّشَهّي لها وشِدّة نزاع النَّس إليها وتأثّق الصَّنعة في اتّخاذها،
كَفِعلِ أهل الثَّرَقُّهِ والشَّرَه، وإنَّما كان إذا قُدِّمَت إليه ينال منها نَيلاً جدِّداً، فيُعلم بذلك أنَّه يُعجِبه/ ٨١/١٠
طَعمُها، وفيه دليل على اتّخاذ الخَلاوات والأطعمة من أخلاط شَتَّى.

٣١٢
باب ١٦ / ح ٥٦١٥ - ٥٦١٧
فتح الباري بشرح البخاري
١٦ - باب الشُّرب قائماً
٥٦١٥- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا مِسعَرٌ، عن عبد الملك بنِ مَيسَرَ، عن النَّزّال، قال:
أَتي عليٌّ ﴾ على باب الرَّحْبةِ بماءٍ فَشَرِبَ قائماً، فقال: إنَّ ناساً يَكرَه أحدُهم أن يَشْرَبَ
وهو قائمٌ، وإنّ رأيتُ النبيََّ﴿ فعل كما رأيتُموني فعَلْتُ.
[طرفه في: ٥٦١٦]
٥٦١٦- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، حدَّثنا عبدُ الملِك بنُ مَيسَرةَ، سمعتُ النزّالَ بنَ سَبْرةَ
يُحدِّثُ، عن عليٍّ ﴾: أَنَّه صَلَّى الظُّهْرَ ثَمَّ قَعَدَ في حوائج الناسِ في رَحَبةِ الكوفةِ، حتَّى حَضَرَت
صلاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أَتِيَ بماءٍ فِشَرِبَ وغَسَلَ وجهَه وَدَيه، وذكر رأسَه ورِجْلَيه، ثمَّ قامَ فشَرِبَ فضلَهُ
وهو قائمٌّ، ثمَّ قال: إنَّ ناساً يَكْرَهونَ الشُّرْبَ قائماً، وإِنَّ النبيَّلِ لّهِ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ.
٥٦١٧- حدَّثْنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن عاصمِ الأحوَلِ، عن الشَّعْبِيِّ، عن ابنِ
عبَّاسٍ، قال: شَرِبَ النبيُّ ◌ََّ قائماً من زَهْزَمَ.
قوله: (باب الثُّرْب قائم)) قال ابن بَطّال: أشارَ بهذه التَّرجمة إلى أنَّه لم يَصِحّ عنده
الأحاديثُ الواردةُ في كراهة القُّرب قائماً. كذا قال، وليس بجيِّدٍ، بل الذي يُشبِهِ صنيعَه أنَّه
إذا تَعارَضَت عنده الأحاديث لا يَيُتُّ الحُكم.
وذکر في الباب حدیثین:
الأول:
قوله: ((عن النَّزّال)) بفتح النُّون وتشديد الزّاي وآخره لام، في الرِّواية الثّانية: سمعت
النَّزّال بن سَبْرةٍ، وهو بفتح المهمَلة وسكون الموحّدة، تقدَّمَت له روايةٌ عن ابن مسعود في
فضائل القرآن (٥٠٦٢) وغيره، وليس له في البخاريّ سوى هذَينِ الحديثَينِ. وقد روى مِسعَرٌ
هذا الحديث عن عبد الملك بن مَيسَرة مختصراً، ورواه عنه شُعْبة مُطوَّلاً، وساقَه المصنّف في
هذا الباب، ووافَقَ الأعمَشُ شُعْبةَ على سياقه مُطوَّلاً(١). ومِسعَرٌ وشيخه وشيخ شيخه هلاليّونَ
(١) أخرج رواية الأعمش أحمد (٥٨٣)، والترمذي في (الشمائل)) (٢١٠).

٣١٣
باب ١٦ / ح ٥٦١٧
كتاب الأشربة
كوفيّونَ، وأبو نُعَيم أيضاً كوفيّ، وعليّ نزلَ الكوفة وماتَ بها، فالإسناد الأوَّل كلّه كوفيّونَ.
قوله: ((أُتي عليّ)) وقوله في الرِّواية التي تليها: عن عليّ، وَقَعَ عند النَّسائيِّ (١٣٠): رأيت
عليّاً أخرجه من طريق بَهْز بن أسَد عن شُعْبة.
قوله: ((على باب الرَّحَبة)) زاد في رواية شُعْبة: أنَّه صَلَّى الظُّهر ثمَّ قَعَدَ في حوائج الناس في
رَحَبة الكوفة، والرَّحَبة، بفتح الرَّاء والمهمَلة والموخَّدة: المكان المتَّسِع، والرَّحب بسكونِ المهمَلة:
المَّسِع أيضاً. قال الجَوْهريّ: ومنه أرض رَحْبة بالسُّكون، أي: مُتَّسِعة، ورَحَبة المسجد
بالتَّحريكِ: وهي ساحتُه، قال ابن التِّين: فعلى هذا يُقرأ الحديث بالسُّكون. ويحتمل أنَّها صارت
رَحَبة للكوفة بمَنزِلة رَحَبة المسجد فيُقرأ بالتَّحريك، وهذا هو الصَّحیح.
قال: وقوله: ((حوائج)) هو جمع حاجة على غير القياس، وذكر الأصمَعيّ أنَّه مولَّد، والجمع
حاجات وحاجٍ، وقال ابن ولاد: الخَوجاء: الحاجة، وجمعها حَواجيّ بالتَّشديد، ويجوز
التَّخفيف، قال: فلعلَّ حوائج مقلوبة من حَواجيّ، مِثل سوائع من سواعيّ. وقال أبو عُبيد
الهَرَويُّ: قيل: الأصل حائجة فيَصِحّ الجمع على حوائج.
قوله: (ثُمَّ أُتيَ بماءٍ)) في رواية / عَمْرو بن مرزوق عن شُعْبة عند الإسماعيليّ: فدَعا ٨٢/١٠
بَوَضوءٍ، وللتِّرمِذيِّ(١) من طريق الأعمَش عن عبد الملك بن مَيسَرة: ثمَّ أَتِيَ عليّ بكوزٍ من
ماء. ومثله من رواية بهز بن أسَد عن شُعْبة عند النَّسائيِّ (١٣٠)، وكذا لأبي داود الطَّيالسيّ
في «مُسنَده)) (١٤١) عن شُعْبة.
قوله: ((فَشَرِبَ وغَسَلَ وَجْهِه ويَدَيه، وذكر رأسَه ورِجْلَه)) كذا هنا، وفي رواية بهز: فأخَذَ
منه كَفّاً فمَسَحَ وجهه وذِراعَيه ورأسَه ورِجَلَيه. وكذلك عند الطَّيالسيّ: فغَسَلَ وجهه
ويَدَيه ومَسَحَ على رأسه ورِجَلَيه. ومثله في رواية عَمْرو بن مرزوق عند الإسماعيليّ.
ويُؤخَذ منه أنَّه في الأصل: ومَسَحَ على رأسه ورِجلَيه. وأنَّ آدم تَوقَّفَ في سياقه، فعَبَّرَ بقولِه:
وذكر رأسه ورِجلَيه. ووَقَعَ في رواية الأعمَش: فغَسَلَ يَدَيه ومَضمَضَ واستَنشَقَ ومَسَحَ
(١) في ((الشمائل)) (٢١٠).

٣١٤
باب ١٦ / ح ٥٦١٧
فتح الباري بشرح البخاري
بوجهه وذِراعَيه ورأسه. وفي رواية عليّ بن الجَعْد عن شُعْبة عند الإسماعيليّ: فمَسَحَ بوجهه
ورأسه ورِجلَيه(١). ومن رواية أبي الوليد عن شُعْبة ذكر الغَسْل والتَّليث في الجميع، وهي
شاذّة مخالفة لرواية أكثر أصحاب شُعْبةٍ(٢)، والظّاهر أنَّ الوهم فيها من الراوي عنه أحمد بن
إبراهيم الواسطيّ شيخ الإسماعيليّ فيها، فقد ضَعَّفَه الدّارَ قُطنيّ، والصِّفة التي ذَكَرها هي
صِفَة إسباغ الوضوء الكامل، وقد ثَبَتَ في آخر الحديث قول عليّ: هذا وُضوء مَن لم
يُحدِث، کما سيأتي بيانه.
قوله: ((ثُمَّ قامَ فشَرِبَ فضلَه)) هذا هو المحفوظ في الرِّوايات كلّها، والذي وَقَعَ هنا من
ذِكْر الشُّرب مرَّة قبل الوضوء ومرَّة بعد الفراغ منه لم أرَه في غير رواية آدم. والمراد بقولِه:
فضلَه: بقيّة الماء الذي تَوضَّأ منه.
قوله: ((ثُمَّ قال: إنَّ ناساً يَكْرَهونَ الشُّرْب قائما) كذا للأكثر، وكأنَّ المعنى أنَّ ناساً يكرهونَ أن
يشرب كلّ منهم قائماً، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: قياماً وهي واضحة، وللطَّالسيّ: أن
يشربوا قياماً.
قوله: ((صَنعَ کما(٣) صَنَعْت)) أي: مِن الُّرب قائماً، وصرَّح به الإسماعيليّ في روايته
فقال: شَرِبَ فضلةَ وَضوئِه قائماً كما شَرِبتُ. ولأحمد (٧٩٥) (٤) ورأيته من طريقَينٍ آخرَينِ:
عن عليّ: أنَّه شَرِبَ قائماً، فرأى الناس كأنَهم أنكَروه، فقال: ما تَنظُرُونَ؟ أن أشَرَب قائماً؟
فقد رأيت رسول الله وَ ل﴿ يشرب قائماً، وإن شَرِبت قاعِداً فقد رأيته يشرب قاعِداً. ووَقَعَ في
(١) وهو في ((مسند علي بن الجعد)) لأبي القاسم البغوي (٤٧٣) لكنه بلفظ: فمسح على وجهه ورأسه
ویدیه.
(٢) ووقع أيضاً في ((مسند البزار)) (٧٨١) عن علي بن المنذر عن محمد بن فضيل عن الأعمش، به بلفظ: توضأ عليّ
ثلاثاً ثلاثاً، ثم دعا بماء فشَرب ... الحديث.
(٣) كذا هو لفظ الحديث عن بعض من خرَّجه كأحمد (١١٧٣) وغيره، وإلّا فاللفظ عند البخاري: مثل ما صنعت
دون خلاف بين رواه البخاري، کما في «الیونینیة» و «إرشاد الساري».
(٤) والطريق الثانية برقم (٧٩٧) ولكنها من زيادات عبد الله بن أحمد على أبيه. وليس فيه ذكر الشرب
قاعداً.

٣١٥
باب ١٦ / ح ٥٦١٧
كتاب الأشربة
رواية النَّسائيِّ والإسماعيليّ زيادة في آخر الحديث من طرق عن شُعْبة: وهذا وُضوء مَن لم
يُحدِث. وهي على شرط الصَّحيح، وكذا ثبتت في رواية الأعمَش عند التِّرمِذيّ(١).
واستُدِلَّ بهذا الحديث على جواز الشُّرب للقائم، وقد عارضَ ذلك أحاديثُ صريحةٌ في
النَّهي عنه، منها عند مسلم (٢٠٢٤/ ١١٢) عن أنس: أنَّ النبيَّ وَ زَجَرَ عن الشُّرب قائماً.
ومثله عنده (١١٥/٢٠٢٥) عن أبي سعيد بلفظ: نَهَى. ومثله للِّرمِذيِّ (١٨٨١) وحَسَّنَه من
حدیث الجارود.
ولمسلم (٢٠٢٦) من طريق أبي غَطَفان عن أبي هريرة بلفظ: ((لا يشربَنَّ أحدكم قائماً،
فمَن نَسِيَ فليَستَقِئ)). وأخرجه أحمد (٧٨٠٨) من وجه آخر، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٣٢٤)
من طريق أبي صالح عنه بلفظ: ((لو يعلم الذي يشرب وهو قائم لاستَقاء)). ولأحمد (٨٠٠٣)
من وجه آخر عن أبي هريرة: أنَّه ◌ِ لّهِ رأى رجلاً يشرب قائماً فقال: ((قِهِ)) قال: لِمَهْ؟ قال:
((أَيَسُرُك أن يشرب مَعَك الهِرّ؟)) قال: لا. قال: ((قد شَرِبَ مَعَك مَن هو شَرّ منه، الشَّيطان))
وهو من رواية شُعْبة عن أبي زياد الطَّحّان مولى الحسن بن عليّ عنه، وأبو زياد لا يُعرَف
اسمه، وقد وثَّقه يحيى بن مَعِین.
وأخرج مسلم (١١٣/٢٠٢٤) من طريق قَتَادة عن أنس: أنَّ النبيَّ وَ ◌َّ نَهَى أن يشرب
الرجل قائماً، قال قَتَادة: فقلنا لأنسٍ: فالأكل؟ قال: ذاكَ أشَرّ أو أخبَث. قيل: وإنَّما جُعِلَ
الأكل أشَرّ لطولٍ زَمَنه بالنّسبة لزَمَنِ الشُّرب. فهذا ما ورَدَ في المنع من ذلك.
قال المازَرِيّ: اختَلَفَ الناس في هذا، فذهب الجمهور إلى الجواز، وكَرِهَه قوم، فقال
بعض شيوخنا: لعلَّ النَّهي يَنصَرِف لمن أتى أصحابه بماءٍ فبادَرَ لشُربِه قائماً قبلَهم استبداداً
به، وخروجاً عن كون ساقي القوم آخرهم شُرباً(٣). قال: وأيضاً فإنَّ الأمر في حديث أبي
هريرة بالاستقاءِ لا خِلاف بين أهل العلم في / أنَّه ليس على أحد أن يَستَقيء. قال: وقال بعض ٨٣/١٠
(١) يعني في ((الشمائل)) (٢١٠).
(٢) يعني مخالفاً لحديث أبي قتادة الأنصاري الذي أخرجه مسلم (٦٨١) بهذا اللفظ.

٣١٦
باب ١٦ / ح ٥٦١٧
فتح الباري بشرح البخاري
الشُّيوخ: الأظهر أنَّه موقوف على أبي هريرة. قال: وتَضَمَّنَ حديث أنس الأكل أيضاً، ولا
خِلَاف في جواز الأكل قائماً. قال: والذي يظهر لي أنَّ أحاديث شُربه قائماً تَدُلّ على الجواز،
وأحاديث النَّهي تُحمَل على الاستحباب والحَثّ على ما هو أَولى وأكمَل، أو لأنَّ(١) في القُرب
قائماً ضَرَراً ما فكُرِهَ من أجلِهِ وفَعَلَه هو لأَمْنِهِ، قال: وعلى هذا الثّاني يُحمَل قوله: ((فمَن نَسِيَ
فليَستَقِىْ)) على أنَّ ذلك يُرِّك خِلْطاً يكون القَيء دواءَه. ويُؤْيِّده قول النَّخَعيِّ: إِنَّمَا نَهَى عن
ذلك لداءِ البطن، انتهى مُلخَّصاً.
وقال عِيَاض: لم يُخْرِج مالك ولا البخاريّ أحاديثَ النَّهي، وأخرجها مسلم من رواية
قَتَادة عن أنس، ومن روايته عن أبي عيسى عن أبي سعيد، وهو مُعَنعَن، وكان شُعْبةٍ يَتَّقي
من حديث قَتَادة ما لا يُصرِّح فيه بالتَّحديث، وأبو عيسى غير مشهور، واضطراب قَتَادة
فيه ممَّا يُعِلُّه مع خالَفة الأحاديث الأُخرى والأثمَّة له.
وأمَّا حديث أبي هريرة ففي سنده عمر بن حمزة ولا يُجتمَل منه مِثلُ هذا ◌ُخالَفة غيره
له، والصَّحيح أنَّه موقوف، انتهى مُلخَّصاً.
ووَقَعَ للنَّرويِّ ما مُلخَّصه: هذه الأحاديث أشكَلَ معناها على بعض العلماء حتَّى قال
فيها أقوالاً باطلة. وزاد: حتَّى تَجَاسَرَ ورامَ أن يُضعِّف بعضَها، ولا وجه لإشاعة الغَلَطات،
بل يُذكَرِ الصَّواب ويُشار إلى التَّحذير عن الغَلَط، وليس في الأحاديث إشكال ولا فيها
ضعيف، بل الصَّواب أنَّ النَّهي فيها محمول على التَّنزيه، وشُربه قائماً لبيان الجواز، وأمَّا مَن
زَعَمَ نَسخاً أو غيره فقد غَلِطَ، فإنَّ النَّسخ لا يُصار إليه مع إمكان الجمع لو ثَبَتَ التاريخ،
وفِعِلُهُ وَ﴿ لبيان الجواز لا يكون في حَقّه مكروهاً أصلاً، فإنَّه كان يفعل الشَّيء للبيان مرَّة أو
مرَّات، ويُواظِب على الأفضل، والأمر بالاستقاء محمول على الاستحباب، فُيُسْتَحَبّ لمن شَرِبَ
قائماً أن يَستَقيء لهذا الحديث الصَّحيح الصَّريح، فإنَّ الأمر إذا تَعذَّرَ حَمْله على الوجوب
(١) في الأصلين: ولأنَّ، بواو العطف، وما في (س) هو الأوفق لسياق الكلام، وهو الموافق لما في ((المعلِم))
١١٤/٣. ووقع في (س) بعدُ: ضرراً فأنكره، والمثبت من الأصلين.

٣١٧
باب ١٦ / ح ٥٦١٧
كتاب الأشربة
◌ُلَ على الاستحباب. وأمَّا قول عِيَاض: لا خِلَاف بين أهل العلم في أنَّ مَن شَرِبَ قائماً
ليس عليه أن يَتَيّا، وأشارَ به إلى تضعيف الحديث، فلا يُلتَفَت إلى إشارته، وگون أهل العلم لم
يوجِبوا الاستقاءة لا يَمنَع من استحبابه، فمَن ادَّعَى مَنع الاستحباب بالإجماع فهو مجازِف،
وكيف تُترَكُ السُّنّة الصَّحيحة بالتَّوقُّمات والدَّعاوى والتُّرَّهات؟ انتهى.
وليس في كلام عِيَاض التَّعرُّض للاستحبابِ أصلاً، بل ونقْلُ الاتّفاق المذكور إنَّما هو
كلام المازَرِيّ كما مَضَى، وأمَّا تضعيف عِيَاض للأحاديثِ فلم يَتَشافَل النَّوويّ بالجوابِ
عنه، وطريق الإنصاف أن لا تُدفَع حُجّة العالم بالصَّدْر، فأمَّا إشارتُه إلى تضعيف حديث
أنس بكَونِ قَتَادة مُدلِّساً وقد عَنعَنَه، فيُجاب عنه بأنَّه صَرَّحَ في نفس السَّنَد بما يقتضي
سماعه له من أنس(١)، فإنَّ فيه: قلنا لأنسٍ: فالأكل. وأمَّا تضعيفه حديث أبي سعيد بأنَّ أبا
عيسى غير مشهور، فهو قولٌ سَبَقَ إليه ابن المَدِينيّ لأنَّه لم يَروِ عنه إلّا قَتَادة(٢)، لكن
وثَّقْه الطبراني(٣) وابن حِبّان، ومثل هذا يُخرَّج في الشَّواهد، ودَعْواه اضطرابَه مردودةٌ لأنَّ
لقَتَادة فيه إسنادَينٍ، وهو حافظ، وأمَّا تضعيفه لحديث أبي هريرة بعمر بن حمزة فهو
مُخْتَلَف في توثيقه، ومثله يُخُرِّج له مسلم في المتابعات، وقد تابَعَه الأعمَش عن أبي صالح
عن أبي هريرة كما أشرت إليه عند أحمد وابن حِبّان، فالحديث بمجموع طرقه صحيح،
والله أعلم.
قال النَّوويّ وتَبِعَه شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)»: إنَّ قوله: «فمَن نسي)) لا مفهوم له، بل
(١) على أنه لو لم يَرِدْ ما يدل على سماعه منه فإنَّ شعبة قد رواه عنه عند أحمد (١٢٨٧١) وأبي عوانة
(٨١٩٥)، وقد قال شعبة: كفيتكم تدليسَ ثلاثةٍ: الأعمش وأبي إسحاق وقتادة، وقال الحافظ في
((طبقات المدلسين)) وأورد هذه المقالة عن شعبة: هذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة أنها إذا
جاءت من طريق شعبة دلت على السماع ولو كانت معنعنة.
(٢) كذا نقل الحافظ كلام ابن المديني مُقِرّاً له، مع أنه ذكر في ((التهذيب)) كلام المزي: روى عنه ثابت البناني
وقتادة وعاصم الأحول. ووافقه عليه.
(٣) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: الطبري. وذكره الحافظُ على الصواب في ((تهذيب التهذيب)) كالذي في
(تهذيب الكمال)» للمزي حيث قال: وقال أبو القاسم الطبراني: بصري ثقة، لا يحضرني اسمه.

٣١٨
باب ١٦ / ح ٥٦١٧
فتح الباري بشرح البخاري
يُستَحَبّ ذلك للعامدِ أيضاً بطريق الأَولى، وإنَّما خُصَّ الناسي بالذِّكرِ لكَونِ المؤمن لا يقع
ذلك منه بعد النَّهي غالباً إلّا نِسْياناً. قلت: وقد يُطلَق النِّسيان ويُراد به التَّرْك فيَشمَلِ السَّهو
والعَمد، فكأنَّه قيل: مَن تَرَكَ امتثال الأمر وشَرِبَ قائماً فليَستَقِئ.
وقال القُرطُبيّ في ((المفهم): لم يَصِرْ أحدٌ إلى أنَّ النَّهي فيه للتَّحريمِ وإن كان جارياً على
٨٤/١٠ أُصول الظّاهريَّة القولُ(١) به. وتُعقِّبَ بأنَّ ابن حَزْم منهم جَزَمَ بالتَّحريم، وَسَّكَ مَن لم/ يَقُل
بالتَّحريمِ بحديث عليّ المذكور في الباب.
وصَحَّحَ التِّرمِذيّ (١٨٨٠) من حديث ابن عمر: كنَّا نأكُل على عهد رسول الله وَيّ
ونحنُ نَمشي، ونَشرَب ونحنُ قیام.
وفي الباب عن سعد بن أبي وقّاص أخرجه التِّرمِذيّ (٢) أيضاً. وعن عبد الله بن أُنيس
أخرجه الطبرانيُّ (١٤٩٢٠). وعن أنس أخرجه البزَّار (٦٣٣٤) والأثرَم. وعن عَمْرو بن
شُعَيب عن أبيه عن جَدّه أخرجه التِّرمِذيّ (١٨٨٣) وحَسَّنَه. وعن عائشة أخرجه البزَّار
وأبو عليّ الطّوسيُّ في ((الأحكام))(٣). وعن أمّ سُلَيم نحوه أخرجه ابن شاهين(٤). وعن
عبد الله بن السائب بن خبّاب عن أبيه عن جَدّه أخرجه ابن أبي حاتم(٥) وعن كَبشة قالت:
دَخَلت على النبيّ وَلَّهِ فِشَرِبَ من في قِرِبة مُعلَّقة. أخرجه التِّرمِذيّ (١٨٩٢) وصَحَّحَه،
وعن گُلْثُم نحوه أخرجه أبو موسی بسند حسن.
وثَبَتَ الشُّرب قائماً عن عمر أخرجه الطََّريّ(٦)، وفي ((الموطَّأ)) (٩٢٥/٢): أنَّ عمر
(١) في (س): والقول به. بإقحام حرف الواو. وإنما لفظ ((القول)) اسم كان.
(٢) في ((الشمائل)) (٢١٦).
(٣) لم نقف عليه عند البزار ولا عند الطوسي، وفات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من النسائي (١٣٦١)، وهو
أيضاً في («مسند أحمد)» (٢٤٥٦٧).
(٤) في ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) (٥٧١).
(٥) في ((العلل)) (١٥٣٠) وقال أبو حاتم: حديث باطل، وقال عن عبد العزيز بن عمران، وهو أحد رواته:
متروك الحديث.
(٦) لم نقف عليه في شيء من كتب الطبري المطبوعة، وذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٥٨٩).

٣١٩
باب ١٦ / ح ٥٦١٧
كتاب الأشربة
وعثمان وعليّاً كانوا يشربونَ قياماً(١)، وكان سعد وعائشة لا يريان بذلك بأساً(٢)، وثَبَتَتِ
الرُّخصة عن جماعة من التابِعِينَ. وسَلَكَ العلماء في ذلك مَسالك:
أحدها: التَّرجيحُ وأنَّ أحاديث الجواز أثبَتُ من أحاديث النَّهي، وهذه طريقة أبي بكر
الأثرَم، فقال: حديث أنس - يعني في النَّهي - جيِّد الإسناد ولكن قد جاء عنه خِلَافه،
يعني: في الجواز، قال: ولا يَلزَم من كَون الطَّريق إليه في النَّهي أثبت من الطَّريق إليه في
الجواز أن لا يكون الذي يُقابِله أقوى لأنَّ الثَّبْت قد يروي مَن هو دونه الشَّيءَ فيُرجَّح
عليه، فقد رجحَ نافع على سالم في بعض الأحاديث عن ابن عمر، وسالم مُقدَّم على نافع في
الثَّبْت، وقُدِّمَ شَرِيك على الثَّوْريّ في حديثَينِ وسفيان مُقدَّم عليه في جملة أحاديث. ثمّ أسنَكَ
عن أبي هريرة قال: لا بأس بالشُّربِ قائماً. قال الأثرم: فدَلَّ على أنَّ الرّواية عنه في النَّهي
ليست ثابتة، وإلّا لما قال: لا بأس به، قال: ويدلّ على وهاء أحاديث النَّهي أيضاً اتِّفاق
العلماء على أنَّه ليس على أحد شَرِبَ قائماً أن يَستَقيء.
المسلَك الثّاني: دَعوى النَّسخ، وإليها جَنَحَ الأثرَم وابن شاهين(٣) فقَرَّرا أنَّ(٤) أحاديث
النَّهي - على تقدير ثُبوتها - منسوخة بأحاديث الجواز بقَرِينة عَمَل الخلفاء الرَّاشدينَ
ومُعظَم الصحابة والتابعينَ بالجواز.
وقد عَكَسَ ذلك ابنُ حَزْم فادَّعَى نَسخ أحاديث الجواز بأحاديث النَّهي مُتَمسِّكاً بأنَّ
الجواز على وَفْق الأصل، وأحاديث النَّهي مُقرِّرة لحُكمِ الشَّرع. فمَن اذَّعَى الجواز بعد النَّهي
فعليه البيان، فإنَّ النَّسخ لا يَتْبُت بالاحتمال. وأجابَ بعضهم بأنَّ أحاديث الجواز مُتأخّرة لمَا
وَقَعَ مِنْه ◌ِوَّ فِي حَجّة الوداع كما سيأتي ذِكْره في هذا الباب من حديث ابن عبّاس، وإذا كان
ذلك الأخيرُ من فِعِله ◌َِّ دَلَّ على الجواز، ويَتَأَيَّد بفِعلِ الخلفاء الرَّاشدينَ بعده.
(١) ذكره الإمام مالك بلاغاً.
(٢) هو في ((الموطأ)) أيضاً ٩٢٦/٢، وإسناده منقطع.
(٣) حيث أوردا هذا البحث في كتابيهما («ناسخ الحديث ومنسوخه))، وقد طُبِعا.
(٤) وقع في (س): فقررا على أن، بإقحام لفظة ((على)) ولا معنى لها.

٣٢٠
باب ١٦ / ح ٥٦١٧
فتح الباري بشرح البخاري
المسلَك الثّالث: الجمع بين الخبرَينِ بضرْبٍ من التَّأويل، فقال أبو الفَرَجِ الثَّقفيّ في ((نصرة
الصِّحاح): والمراد بالقيام هنا المشي، يقال: قامَ في الأمر: إذا مَشَى فيه، وقُمت في حاجتي:
إذا سَعَيت فيها وقَضَيتها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي:
مواظیاً بالمشي عليه.
وجَنَحَ الطَّحَاوِيُّ إلى تأويل آخر وهو حَمْل النَّهي على مَن لم يُسمِّ عند شُربه، وهذا إن
سَلَمَ له في بعض ألفاظ الأحاديث لم يَسلَمْ له في بقيَّتها.
وسَلَكَ آخرونَ في الجمع حملَ أحاديث النَّهي على كراهة التَّنزيه وأحاديث الجواز على
بيانه، وهي طريقة الخطّابيّ وابن بَطّال في آخرينَ، وهذا أحسن المسالك وأسلَمها وأبعدها
من الاعتراض، وقد أشارَ الأثرَم إلى ذلك أخيراً فقال: إن ثَبَتَتِ الكراهة حُلَت على
الإرشاد والتَّأديب لا على التَّحريم، وبذلك جَزَمَ الطََّرِيُّ وأيَّدَه بأنَّه لو كان جائزاً ثمَّ حَرَّمَه،
أو كان حراماً ثمَّ جَوَّزَه لَبِيَّن النبيّ ◌َّهِ ذلك بياناً واضحاً، فلمَّا تَعارَضَتِ الأخبار بذلك
جمعنا بینھا بهذا.
وقيل: إنَّ النَّهي عن ذلك إنَّما هو من جهة الطِّبّ ◌َافة وقوع ضَرَر به، فإنَّ الشُّرب
قاعِداً أمكنُ وأبعَدُ من الشَّرَقِ وحصول الوجع في الكبد أو الحلق، وکلّ ذلك قد لا یأمَن
منه مَن شَرِبَ قائماً.
٨٥/١٠ وفي حديث عليٍّ من الفوائد أنَّ على العالم إذا رأى الناس اجتَنَبوا شيئاً وهو يعلم/ جوازَه أن
يُوضِح لهم وجهَ الصَّواب فيه خَشْبةَ أن يَطول الأمر فيُظَنّ تحريمُه، وأنَّه متى خَشِيَ ذلك
فعليه أن يُبادِر للإعلام بالحكم ولو لم يُسأَل، فإن سُئلَ تأكَّدَ الأمرُ به. وأنَّه إذا کَرِهَ من أحدٍ
شيئاً لا يُشهِرُه باسمِه لغیر غَرَضٍ، بل یکني عنه کما کان ټ يفعل في مِثْل ذلك.
الحديث الثاني: قوله: ((حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سُفْيان، عن عاصم الأحول)) قال الكِرْ مانيُّ:
ذكر الكَلاباذيّ أنَّ أبا نُعَيم سمعَ من سفيان الثَّوْريّ ومن سفيان بن عُبَينَةَ، وأنَّ كلَّا منهما
روى عن عاصم الأحول، فيحتمل أن يكون أحدَهما. قلت: ليس الاحتمالان فيهما هنا على