النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ باب ٥ / ح ٥٥٨٩ كتاب الأشرية وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٣٩٨) من وجهَينِ عن الشَّعْبيّ أنَّ النُّعمان بن بشير قال: ((سمعت رسول الله وال﴾ يقول: ((إنَّ الخمر من العَصير والزَّبيب والتَّمر والحِنطة والشَّعير والذُّرة، وإنّ أنهاكم عن كلّ مُسكِر)) لفظ أبي داود (٣٦٧٧)، وكذا ابن حِبّان، وزاد فيه: أنَّ التُّعمان خَطَبَ الناس بالكوفة. ولأبي داود (٣٦٧٦) من وجه آخر عن الشَّعْبيّ عن النُّعمان بلفظ: «إنَّ من العِنَب خمراً، وإنَّ من النَّمر خمراً، وإنَّ من العَسَل خمراً، وإنَّ من البُرّ خمراً، وإنَّ من الشَّعير خراً». ومن هذا الوجه أخرجها أصحاب السُّنَن، والتي قبلها فيها الزَّبيب دونَ العَسَل. ولأحمد (١٢٠٩٩) من حديث أنس بسندٍ صحيح عنه قال: الخمر من العِنَب والتَّمر والعَسَل والحِنطة والشَّعير والذُّرة، وأخرجه أبو يَعْلى (٣٩٦٦) من هذا الوجه بلفظ: حُرِّمَتِ الخمر يوم حُرِّمَت وهي، فذكرها، وزاد الذُّرة(١). وأخرج الخِلَعيّ في ((فوائده)) من طريق خَلّاد بن السائب/ عن أبيه، رَفَعَه مِثْل الرِّواية ٤٧/١٠ الثّانية، لكن ذكر الَّبيب بَدَل الشَّعير، وسنده لا بأس به. ويوافق ذلك ما تقدَّم في التَّفسير (٤٦١٦) من حديث ابن عمر: نزلَ تحريم الخمر وإنَّ بالمدينة يومئذٍ لَخمسةَ أشرِبة، ما فيها شراب العِنَب. قوله: ((الذُّرة)) بضمِّ المعجَمة وتخفيف الرَّاء، من الحبوب معروفٌ. وقد تقدَّم ذكرها في حديث أبي موسى في الباب قبله(٢). قوله: ((والخمر ما خامَرَ العَقْل)) أي: غَطّاه أو خالَطَه فلم يتركه على حاله، وهو من مجاز الَّشبيه، والعقل هو آلة التَّمييز فلذلك حُرِّمَ ما غَطّاه أو غيَّرَه، لأنَّ بذلك يَزول الإدراك الذي طلبَه الله من عباده ليقوموا بحقوقِه. قال الكِرْمانيُّ: هذا تعريف بحَسَبِ اللُّغة، وأمَّا بحَسَبِ العُرْف فهو ما يُحَامِر العقل من (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، مع أنَّ الذرة مذكورة في رواية أحمد أيضاً، إلّا إن قصد زيادة ذكر الذُّرة على حديث عمر في الباب، فاتفق على زيادتها عند المذكورين ومنهم أبو يعلى. (٢) عند شرح قول عائشة أنَّ رسول الله وَّ سئل عن البِتْعِ برقم (٥٥٨٥). ٢٤٢ باب ٥ / ح ٥٥٨٩ فتح الباري بشرح البخاري عَصير العِنَب خاصّةً. كذا قال، وفيه نظرٌ لأنَّ عمر ليس في مقام تعريف اللُّغة بل هو في مقام تعريف الحُكم الشّرعيّ، فكأنَّه قال: الخمر الذي وَقَعَ تحريمه في لسان الشَّرع هو ما خامَرَ العقل. على أنَّ عند أهل اللُّغة اختلافاً في ذلك كما قَدَّمتُه، ولو سُلِّمَ أنَّ الخمر في اللُّغة يَخْتَصّ بالمتَّخَذِ من العِنَب فالاعتبار بالحقيقة الشَّرعيَّة وقد تَوَارَدَتِ الأحاديث على أنَّ المسكِر من المَّخَذ من غيرِ العِنَب يُسَمَّى خمراً، والحقيقة الشَّرعيَّة مُقدَّمة على اللُّغَويَّة، وقد ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (١٩٨٥) عن أبي هريرة: سمعتُ رسولَ اللهِ لفي يقول: ((الخمر من هاتَينِ الشَّجَرتَينِ: النَّخلة والعِنَبة)). قال البيهقيُّ: ليس المراد الحَصرَ فيهما لأنَّه ثَبَتَ أنَّ الخمر تُتَّخَذ من غيرهما في حديث عمر وغيره، وإنَّما فيه الإشارة إلى أنَّ الخمر شَرعاً لا تَخْتَصّ بالمَّخَذِ من العِنَب. قلت: وجَعَلَ الطَّحَاويُّ هذه الأحاديث مُتَعارضةً، وهي حديث أبي هريرة في أنَّ الخمر من شيئينٍ مع حديث عمر ومَن وافَقَه أنَّ الخمر تُتَّخَذ من غيرهما، وكذا حديث ابنِ عمر (٥٥٧٩): ((لقد حُرِّمَتِ الخمر وما بالمدينة منها شيء))، وحديث أنس يعني المتقدِّم ذِكْرُه (٥٥٨٢) وبيانُ اختلاف ألفاظه، مِنها: إنَّ الخمر حُرِّمَت وشرابهم الفَضِيخ، وفي لفظ له: وإِنّا نَعُدّها يومئذٍ خمراً، وفي لفظ (٥٥٨٤) له: إنَّ الخمر يوم حُرِّمَتِ الْبُسر والتَّمر. قال: فلمَّا اختَلَفَ الصحابة في ذلك ووجَدنا اتِّفاق الأُمّة على أنَّ عَصير العِنَب إذا اشتَدَّ وغَلَى وَقَذَفَ بالزَّبَدِ فهو خمر، وأنَّ مُستَحِلّه كافرٌ، دلَّ على أنَّهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة، إذلو عَمِلوا به لكَفَّروا مُستَحِلّ نبيذ التَّمر، فَثَبَتَ أَنَّه لم يَدخُل في الخمر غير المَّخَذ من عَصير العِنَب، انتهى. ولا يَلزَم من كَونهم لم يُكفِّرُوا مُستَحِلّ نبيذ النَّمر أن يَمنَعوا تسميته خمراً، فقد يَشتَرِك الشَّيئان في التَّسمية ويَفتَرِقان في بعض الأوصاف، مع أنَّه هو يوافق على أنَّ حُكم المسكِر من نبيذ التَّمر حُكم قليل العِنَب في التَّحريم، فلم تَبقَ المُشاحَحة إلّا في التَّسمية. والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره بحَمْلِ حديث أبي هريرة على الغالب، أي: أكثر ما يُتَّخَذ الخمر من العِنَب والتَّمر، ويُحمَل حديث عمر ومَن وافَقَه على إرادة استيعاب ذِكْر ٢٤٣ باب ٥ / ح ٥٥٨٩ كتاب الأشربة ما عُهِدَ حينئذٍ أنَّه يُتَّخَذ منه الخمر، وأمَّا قول ابنِ عمر فعلى إرادة تَثبيت أنَّ الخمر يُطلَق على ما لا يُتَّخَذ من العِنَب، لأنَّ نزول تحريم الخمر لم يُصادِف عند مَن خوطِبَ بالتَّحریمِ حينئذٍ إلّا ما يُتَّخَذ من غيرِ العِنَب، أو على إرادة المبالَغة، فأطلقَ نفي وجودها بالمدينة وإن كانت موجودة فيها بقِلّةٍ، فإنَّ تلك القِلّة بالنّسبة لكَثْرة المتَّخَذ ممّا عَداها كالعَدَمِ. وقد قال الرَّاغِب في ((مُفْرَدات القرآن)): سُمّيَ الخمرَ لكَونِه خامراً للعقل، أي: ساتراً له، وهو عند بعض الناس: اسم لكلِّ مُسكِرٍ، وعند بعضهم: اسم للمُتَّخَذِ من العِنَب خاصّة، وعند بعضهم: للمُتَّخَذِ من العِنَب والتَّمر، وعند بعضهم: لغير المطبوخ. فَرَجَّحَ أنَّ كلّ شيءٍ يَستُر العقلَ يُسَمَّى خمراً حقيقة، وكذا قال أبو نَصِرِ القُشَيرِيُّ في «تفسيره)): سُمّيَتِ الخمر خمراً لسَتْرها العقل أو لاختمارها. وكذا قال غير واحد من أهل اللّغة منهم أبو حنيفة الدِّينَوريّ وأبو نَصر الجَوْهريّ، ونَقَل عن ابنِ الأعرابيّ قال: سُمّيَتِ الخمرَ لأنَّها تُرِكَت حتَّى اختَمَرَت، واختمارُها تَغيُّرُ رائحَتِها. وقيل: سُمّيَت بذلك ◌ُمخامَرَتِها العقلَ. : نعم جَزَمَ ابن ◌ِيْدَهْ في ((المحكم))/ بأنَّ الخمر حقيقة إنَّما هي للعِنَب، وغيرها من ٤٨/١٠ المسكِرات يُسَمَّى خمراً مجازاً. وقال صاحبُ ((الفائق)) في حديث: ((إيّاكم والغُبَيراء فإنَّها خمر العالم)(١): هي نبيذ الحَبَشة مُتَّخَذة من الذُّرة، سُمّيَتِ الغُبَيراء لما فيها من الغَبَرة. وقوله: (خمر العالَم)) أي: هي مِثل خمر العالم لا فرق بينها وبينها. قلت: وليس تأويله هذا بأولَى من تأويل مَن قال: أراد أنَها مُعظَم خمر العالم، وقال صاحبُ ((الهداية)) من الحنفيّة: الخمر عندنا ما اعتُصِرَ من ماءِ العِنَب إذا اشتدَّ، وهو المعروف عند أهل اللَّغة وأهل العلم، قال: وقيل: هو اسم لكلِّ مُسكِر لقولِهِ وَلِّ: ((كلّ مُسكِرٍ خمر))(٢)، وقوله: ((الخمر من هاتَينِ الشَّجَرتَينِ))، ولأنَّه من مُخَامَرة العقل وذلك موجود في كلّ مُسكِر. قال: ولَنا إطباق أهل اللُّغة على تخصيص الخمر بالعِنَب، ولهذا اشْتَهَر استعمالها فيه، ولأنَّ تحريم الخمر قطعيّ وتحريم ما عَدا المَّخَذ من العِنَب ظنّيّ. قال: وإنَّما (١) أخرجه أحمد (١٥٤٨١) وسنده ضعيف، وانظر تتمة تخريجه فيه. (٢) أخرجه مسلم (٢٠٠٣) من حديث ابن عمر. ٢٤٤ باب ٥ / ح ٥٥٨٩ فتح الباري بشرح البخاري سُمَّ الخمرُ خمراً لتَخَمُّره لا لِمُخامرة العقل. قال: ولا يُنافي ذلك گون الاسم خاصّاً فيه، كما في النَّجم فإِنَّه مُستَقّ من الظُّهور، ثمَّ هو خاصٍّ بالتُّريًا، انتهى. والجواب عن الحُجّة الأولى: ثُبُوتُ النَّقل عن بعض أهل اللُّغة بأنَّ غير المَّخَذ من العِنَب يُسَمَّى خمراً. وقال الخطَّبيُّ: زَعَمَ قوم أنَّ العرب لا تَعرِف الخمر إلّا من العِنَب، فيقال لهم: إنَّ الصحابة الذينَ سَمَّوا غير المتَّخَذ من العِنَب خمراً، عَرَب فُصَحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحاً لَمَا أطلقوه. وقال ابنِ عبد البَرّ: قال الكوفيّونَ: إنَّ الخمر من العِنَب لقولِه تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمًْا ﴾ [يوسف: ٣٦] قال: فدَلَّ على أنَّ الخمر هو ما يُعتَصَر لا ما يُنْتَبَذ. قال: ولا دليل فيه على الحَصر. وقال أهل المدينة وسائر الحجازيّينَ وأهل الحديث كلّهم: كلّ مُسكِر خمر وحُكمه حُكم ما اتَّخِذَ من العِنَب، ومن الحُجّة لهم أنَّ القرآن لمَّا نزلَ بتحريمِ الخمر فهمَ الصحابة وهم أهل اللِّسان أنَّ كلّ شيءٍ يُسَمَّى خراً يَدخُل في النَّهي، فأراقوا المَّخَذ من الثَّمر والرُّطَب ولم يُخُصّوا ذلك بالمتَّخَذِ من العِنَب. وعلى تقدير التَّسليم فإذا ثَبَتَ تسميةُ كلّ مُسكِر خمراً من الشَّرع كان حقيقةً شَرعيَّةً وهي مُقدَّمةٌ على الحقيقة اللُّغَوِيَّة. وعن الثّانية: ما تقدَّم من أنَّ اختلاف مُشتَرِكَينٍ في الحُكم في الغِلَظ لا يَلَم منه افتِراقُهما في التَّسمية، كالزِّنى مثلاً فإنَّه يَصدُق على مَن وطِئَ أجنبيّة وعلى مَن وطِئَ امرأة جاره، والثّاني أغلَظ من الأوَّل، وعلى مَن وطِئَ مَحَرَماً له وهو أغلَظ، واسم الزِّنى مع ذلك شامل للثلاثة، وأيضاً فالأحكام الفَرْعيَّة لا يُشتَرَط فيها الأدلّة القطعيَّة، فلا يَلزَم من القطع بتحريمِ المَّخَذ من العِنَب، وعَدَم القطع بتحريمِ المَّخَذ من غيره، أن لا يكون حراماً بل يُحكّم بتحريمِه إذا ثَبَتَ بطريقٍ ظنّيّ تحريمُه، وكذا تسميتُه خمراً، والله أعلم. وعن الثّالثة: ثُبوت النَّقل عن أعلم الناس بلسان العرب بما نَفاه هو، وكيف يَستَجيز أن يقول: لا لمُخامَرة العقل، مع قول عمر بمَحضَرِ الصحابة: الخمر ما خامَرَ العقل وكان(١) (١) تحرَّف في (س) إلى: كأن، وبإسقاط الواو. ٢٤٥ باب ٥ / ح ٥٥٨٩ كتاب الأشرية مُستَنَده ما ادَّعاه من اتّفاق أهل اللُّغة فيُحمَل قول عمر على المجاز، لكن اختَلَفَ قول أهل اللُّغة في سبب تسمية الخمر خمراً. فقال أبو بكر بن الأنباريّ: سُمّيَتِ الخمر خمراً لأنَّها تُخامر العقل، أي: تُخالطه. قال: ومنه قولهم: خامَرَه الدّاء، أي: خالَطَه. وقيل: لأنَّها تُخَمِّر العقل، أي: تَستُره، ومنه الحديث الآتي قريباً (٥٦٢٣): ((خَمِّروا آنيتكم))، ومنه خِمار المرأة، لأنَّه يَستُر وجهها. وهذا أخصّ من التَّفسير الأوَّل لأنَّه لا يَلزَم من المخالطة التَّغطية. وقيل: سُمّيَت خمراً لأنَّها تُحُمَّر حتَّى تُدرِك، كما يقال: خَّرَتُ العجينَ فَتَخَمَّرَ، أي: تَرَكُهُ حتَّى أدرَكَ، ومنه: خَّرْتُ الَّأي، أي: تَرَكته حتَّى ظَهَرَ وَحَرَّرَ. وقيل: سُمّيَت خمراً لأنَّها تُغَطَّى حتَّى تَغلي، ومنه حديث المختار بن فُلفُل: قلت لأنسٍ: الخمر من العِنَب أو من غيرها؟ قال: ما خّرتَ من ذلك فهو الخمر، أخرجه ابن أبي شيبة بسندٍ صحیح(١). ولا مانع من صِحّة هذه الأقوال كلّها لتُبوتِها عن أهل اللُّغة وأهل المعرفة باللِّسان. قال ابن عبد البَرِّ: الأوجُه كلّها موجودة في الخمر لأنَّها تُرِكَت حتَّى/ أدرَكَت وسَكَنَت، فإذا ٤٩/١٠ شُرِبَت خالَطَتِ العقلَ حتَّى تَغْلِب عليه وتُغَطّيه. وقال القُرطُبيّ: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره - على صِحَّتها وكَثَرَتها - تُبطِل مذهب الكوفيّينَ القائلينَ بأنَّ الخمر لا يكونُ إلّا من العِنَب وما كان من غيره لا يُسَمَّی خمراً ولا يَتَنَاوله اسمُ الخمر، وهو قولٌ مخالفٌ للُغة العرب، وللسُّنّة الصَّحيحة، وللصحابة، لأنَّهم لمَّا نزلَ تحريم الخمر فهِموا من الأمر باجتنابِ الخمر تحريم كلّ مُسكِر، ولم يُفرِّقوا بين ما يُتَّخَذ من العِنَب وبين ما يُتَّخَذ من غيره، بل سوَّوْا بينهما وحَرَّمُوا كلّ ما يُسكِرِ نوعُه، ولم يَتَوقَّفوا ولا استَفصَلوا، ولم يُشكِل عليهم شيء من ذلك، بل بادَرُوا إلى إتلاف ما كان من غير عَصير العِنَب، وهم أهل اللِّسان وبِلُغَتِهِم نزلَ القرآن، فلو كان عندهم فيه تَرَدُّدٌ لَتَوقَّفوا عن الإراقة حتَّى يَستَكشِفوا ويَستَفْصِلوا ويَتَحقَّقوا التَّحريمَ لمَا (١) لم نقف عليه فيما بين أيدينا من كتب ابن أبي شيبة المطبوعة، وقد رواه عثمان بن أبي شيبة عند أبي يعلى (٣٩٦٦)، ورواه أيضاً أحمد في «مسنده)) (١٢٠٩٩) كلاهما عن عبد الله بن إدريس، عن المختار بن فلفل. وعندهم ما عزاه الحافظ لابن أبي شيبة. ٢٤٦ باب ٥ / ح ٥٥٨٩ فتح الباري بشرح البخاري كان تَقرَّرَ عندهم من النَّهي عن إضاعة المال، فلمَّا لم يفعلوا ذلك وبادَرُوا إلى الإتلاف عِلِمْنا أنَّهم فهموا التَّحريم نَصّاً، فصارَ القائل بالتَّفريق سالكاً غيرَ سبيلهم، ثمَّ انضافَ إلى ذلك خُطبة عمر بما يُوافق ذلك، وهو ممَّن جَعَلَ الله الحقَّ على لسانه وقلبه، وسمعَه الصحابة وغيرهم فلم يُنقَل عن أحدٍ منهم إنكارُ ذلك. قال: وإذا ثَبَتَ أنَّ كلّ ذلك يُسَمَّى خمراً لَزِمَ تحريم قليله وكثيره، وقد ثَبَتَتِ الأحاديث الصَّحيحة في ذلك، ثمَّ ذكرها. قال: وأمَّا الأحاديث عن الصحابة التي تَسَّك بها المخالِفِ فلا يَصِحّ منها شيءٌ على ما قال عبدُ الله بن المبارك وأحمد وغيرهم، وعلى تقدير ثُبُوت شيء منها فهو محمول على نَقيع الزَّبيب والتَّمر من قبل أن يَدخُل حَدَّ الإسكار، جمعاً بين الأحاديث. قلت: ويُؤْيِّده ثُبُوت مِثلٍ ذلك عن النبيّ ◌ِ ﴿، كما سيأتي في بابٍ نَقيع التَّمر(١)، ولا فرق في الِحِلّ بينه وبين عَصير العِنَب أوَّلَ ما يُعصَر، وإنَّما الخِلَاف فيما اشتَّ منهما: هل يَفتَرِق الحُكم فيه أو لا؟ وقد ذهب بعض الشافعيَّة إلى موافقة الكوفيّينَ في دَعواهم أنَّ اسم الخمر خاصّ بما يُتَّخَذ من العِنَب مع مُخالَفَتهم لهم في تَفرِقَتهم في الحُكم، وقولهم بتحريم قليل ما أسكَرَ كثيره من كلّ شراب، فقال الرَّافعيّ: ذهب أكثر الشافعيَّة إلى أنَّ الخمر حقيقةٌ فيما يُتَّخَذ من العِنَبِ مَجَازٌ في غيره، وخالَفَه ابن الرِّفْعة فنَقَلَ عن المُزَنِيِّ وابنٍ أبي هريرة وأكثرِ الأصحاب أنَّ الجميع يُسَمَّى خمراً حقيقةً. قال: ومَّن نَقَلَه عن أكثرٍ الأصحاب القاضيان أبو الطيِّب والرُّويانيّ. وأشارَ ابن الرُّفعة إلى أنَّ النَّقل الذي عَزاه الرَّافعيُّ للأكثرِ لم يَجِدٍ نَقْلَه عن الأكثر إلّا في كلام الرَّافعيّ. ولم يَتَعقَبْه النَّوويّ في ((الرَّوضة))، لكنَّ كلامه في ((شرح مسلم)» يوافقه، وفي ((تهذيب الأسماء)) يُحالفه. وقد نَقَلَ ابن المنذر عن الشافعيّ ما يُوافِقِ ما نَقَلوا عن المُزَنيّ، فقال: قال إنَّ الخمر من العِنَب ومن غير العِنَب: عمرُ وعليّ وسعْد(٢) وابن عمر وأبو موسى وأبو هريرة وابن عبّاس وعائشة، ومن التابعينَ: سعيد بن المسيّب وعُرْوة والحسن وسعيد بن جُبَير وآخرونَ، وهو (١) هو الباب رقم (٩). (٢) تحرَّف في (س) إلى: وسعید. ٢٤٧ باب ٥ / ح ٥٥٨٩ كتاب الأشربة قول مالك والأوزاعيِّ والثّوْريِّ وابن المبارك والشافعيّ وأحمد وإسحاق وعامّة أهل الحدیث. ويُمكِن الجمع بأنَّ مَن أطلقَ على غير المَتَّخَذ من العِنَب حقيقةً يكونُ أراد الحقيقةَ الشَّرعيَّة، ومَن نَفَى أراد الحقيقةَ اللُّغَويَّة. وقد أجابَ بهذا ابن عبد البَرِّ، وقال: إنَّ الحُكم إنَّما يَتَعَلَّق بالاسم الشَّرعيّ دونَ اللُّغَويّ، والله أعلم. وقد قَدَّمتُ في ((بابٍ نزل تحريم الخمر، وهي من البُسر)) (١) إلزام مَن قال بقولِ أهل الكوفة: إنَّ الخمر حقيقةٌ في ماءِ العِنَب مَجَازٌ في غيره أنَّه يَلزَمهم أن يُجُوِّزوا إطلاق اللَّفظ الواحد على حقيقته ومجازه، لأنَّ الصحابة لمَّا بَلَغَهم تحريم الخمر أراقوا كلَّ ما كان يُطلَق عليه لفظ الخمر حقيقةً ومجازاً، وإذا لم يُجُوِّزوا ذلك صَحَّ أنَّ الكلّ خمرٌّ حقيقةً ولا انِفِكاك عن ذلك. وعلى تقدير إرخاء العِنان والتَّسليم أنَّ الخمر حقيقةٌ في ماءِ العِنَب خاصّةً فإنّما ذلك من حيثُ الحقيقةُ اللُّغَويَّة، فأمَّا من حيثُ الحقيقة الشَّرعيَّة فالكلّ خمر حقيقةً لحديثٍ: (كلّ مُسكِر خمر))، فكلّ ما اشتَدَّ كان/ خمراً، وكلّ خمر يَجِرُم قليله وكثيره، وهذا يخالف قولهم، ٥٠/١٠ وبالله التَّوفیق. قوله: ((وثلاث)) هي صِفَةُ موصوف، أي: أُمور أو أحكام. قوله: ((ودِدْت)) أي: تَّيت، وإِنَّمَا تَتَّى ذلك، لأنَّه أبعَدُ من محذور الاجتهاد، وهو الخطأ فيه على تقدير وقوعه (٢)، ولو كان مأجوراً عليه فإنَّه يَفوتُه بذلك الأجرُ الثّاني، والعَمَل بالنَّصِّ إصابةٌ مَضٌ. قوله: ((لم يُفارقْنا حتَّى يَعْهَد إلينا عَهْداً)) في رواية مسلم (٣٣/٣٠٣٢): عهداً ننتهي إليه. وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكن عنده عن النبيّ ◌َِّنَصُّ فيها، ويُشعِر بأنَّه كان عنده عن النبيّ وَّ فيما أخبر به عن الخمر ما لم يَحتَجْ معه إلى شيء غيره حتَّى خَطَبَ بذلك جازِماً به. (١) عند شرح الحديث (٥٥٨٣). (٢) في (س): فثبت على تقدير وقوعه. بإقحام لفظة ((فثبت))، ولا معنى لها، لأنَّ المقصود على تقدير وقوع الخطأ. ٢٤٨ باب ٥ / ح ٥٥٨٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((الجَدّ والكَلالة وأبواب من أبواب الرِّبا)) أمَّا الجدّ فالمراد به(١) قَدرُ ما يَرِثُ، لأنَّ الصحابة اختلفوا في ذلك اختلافاً كثيراً، فسيأتي في كتاب الفرائض(٢) عن عمر أنَّه قَضَى فيه بقَضايا مُخْتَلِفة. وأمَّا الكَلالة، بفتح الكاف وتخفيف اللّام، فسيأتي بيانها أيضاً في كتاب الفرائض(٣). وأمَّا أبواب الرِّبا فلعلَّه يشير إلى رِبا الفضل لأنَّ رِبا النَّسيئة مُتَّفَق عليه بين الصحابة، وسياق عمر يدلّ على أنَّه كان عنده نَصِّ في بعضٍ من أبواب الرِّبا دونَ بعض، فلهذا تَنَّى معرفة البقيَّةِ. قوله: ((قلت: يا أبا عَمْرو)) القائل: هو أبو حَيّان التَّيْمِيّ، وأبو عَمْرو هي كُنية الشَّعْبيّ. قوله: ((فشيء يُصْنَع بالسُّنْدِ من الأَرْز)) زاد الإسماعيليّ في روايته: يقال له: السادية، يُدعَى الجاهل فيشربُ منها شَرْبة فتَصرَعُه. قلت: وهذا الاسم لم يَذْكُرُه صاحب ((النِّهاية» لا في السّين المهمَلة ولا في الشّين المعجمة، ولا رأيته في ((صِحاح الجَوْهريّ))، وما عَرَفت ضبطه إلى الآن، ولعلَّه فارسيّ، فإن كان عربيّاً فلعلَّه الشّاذِبة بشينٍ وذال مُعجَمَتَينِ ثمَّ موحّدة، قال في (الصِّحاح): الشّاذِب: المتنَحّي عن وطَنه، فلعلَّ الشّاذِبة تأنيثه، وسُمّيَتِ الخمر بذلك لكونها إذا خالَطَتِ العقل تَنَخَّت به عن وطنه. قوله: ((ذاكَ لم يكن على عَهْد النبيّ وَيَ)) أي: اتّخاذ الخمر من الأرز لم يكن على العهد النبويّ، وفي رواية الإسماعيليّ: لم يكن هذا على عهد النبيّ وَّه، ولو كان لَنَهَى عنه، ألا تَرَى أَنَّه قد عَمَّ الأشرِبة كلّها فقال: ((الخمر ما خامَرَ العقل)) قال الإسماعيليّ: هذا الكلام الأخير فيه دلالة على أنَّ قوله: ((الخمر ما خامَرَ العقل)) من كلام النبيّ يَّر. وقال الخطَّبيُّ: إنَّما عَدَّ عمر الخمسة المذكورة لاشتِهار أسمائها في زمانه، ولم تكن كلّها توجَد بالمدينة الوجودَ العامّ، فإنَّ الحنطة كانت بها عَزيزةً، وكذا العَسَل بل كان أعَزَّ، فعَدَّ عمر ما عَرَفَ منها، وجَعَلَ ما في معناها ممّا يُتَّخَذ من الأرز وغيره خمراً إن كان مَّا يُخامر العقل، (١) لفظة ((به)) سقطت من (س). (٢) في باب (( ميراث الجد))، وهو الباب رقم (٩). (٣) في باب: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ الْكَلَلَةِ﴾، وهو الباب رقم (١٤). ٢٤٩ باب ٥ / ح ٥٥٨٩ كتاب الأشربة وفي ذلك دليل على جواز إحداث الاسم بالقياس وأخذه من طريق الاشتقاق. كذا قال، ورَدَّ ذلك ابن العربيّ في جواب مَن زَعَمَ أنَّ قوله وَله: ((كلّ مُسكِر خمر)) معناه مِثل الخمر، لأنَّ حذفَ مِثل ذلك مسموع شائع. قال: بل الأصل عَدَم التَّقدير، ولا يُصار إلى التَّقدير إلّا إلى الحاجة، فإن قيل: احتَجْنا إليه لأنَّ النبيَّ ◌َّه لم يُبحَث لبيان الأسماء، قلنا: بل بيان الأسماء من جملة الأحكام لمن لا يَعلَمها، ولا سيَّما ليقطَع تَعلَّق القصد بها. قال: وأيضاً لو لم يكن الفَضيخ خمراً ونادَى المنادي حُرِّمَتِ الخمر لِمَ بادَرُوا(١) إلى إراقتها؟ لو لم(٢) يفهموا أنَّها داخلة في مُسَمَّى الخمر، وهم الفُصُح اللَّسْن. فإن قيل: هذا إثبات اسم بقياسٍ، قلنا: إنَّما هو إثبات اللُّغة عن أهلها، فإنَّ الصحابة عَرَب فُصَحاء فِهِموا من الشَّرع ما فهِموه من اللُّغة، ومن اللُّغة ما فهموه من الشَّرع. وذكر ابن خَزْم أنَّ بعض الكوفيّينَ احتَجَّ بما أخرجه عبد الرَّزّاق (١٧٠٠٨) عن ابن عمر بسندٍ جيّد قال: أمَّا الخمر فحرام لا سبيل إليها، وأمَّا ما عداها من الأشرِبة فكلّ مُسكِر حرام. قال: وجوابه أنَّه ثَبَتَ عن ابن عمر أنَّه قال(٣): ((كلّ مُسكِر خمر)) فلا يَلزَم من تسمية المَنَّخَذ من العِنَب خمراً انحِصارُ اسم الخمر فيه. وكذا احتَجّوا بحديث ابن عمر أيضاً: حُرِّمَتِ الخمر وما بالمدينة منها شيء (٤) مُراده المتَّخَذ من العِنَب، ولم يُرِد أنَّ غيرها لا يُسَمَّی خمراً، بدليلٍ حديثه الآخر: / نزلَ تحريم الخمر وإن بالمدينة خمسةَ أشرِبة كلّها تُدعَى الخمر، ما فيها خمر العِنَب (٥). ٥١/١٠ وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم ذِكْر الأحكام على المِنِبَرَ لتُشْهَر بين السامعينَ. وذِكْر ((أمَّا بعد)) فيها. والتَّنبيه بالنِّداء. والتَّنبيه على شَرَف العقل وفضله. وتَمنّي الخير، (١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: يبادروا. فأوهم أن حرف ((لم)) الذي قبلها للنفي وإنما هو للاستفهام، كما تدل عليه عبارة ابن العربي في ((العارضة)) ٥٦/٨. وكانت على الصواب في (أ) ثم غُيِرت إلى: يبادروا. (٢) تحرَّف في (س) إلى: ولم يفهموا. (٣) هذه الرواية مرفوعة، وما عند عبد الرزاق من قوله. والفرق بينهما واضح. (٤) تقدم برقم (٥٥٧٩). (٥) هذا اللفظ الذي ذكره ابن حزم هو لفظ رواية ابن أبي شيبة ٨/ ١٩٧. وتقدم عند البخاري برقم (٤٦١٦) لكن بلفظ: نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة لخمسةً أشربة ما فيها شراب العنب ... ٢٥٠ باب ٦ / ح ٥٥٩٠ فتح الباري بشرح البخاري وتَنِّي البيان للأحكام، وعَدَم الاستثناء. قوله: ((وقال حَجّاج)) هو ابن مِنهال. وحمّاد: هو ابنُ سَلَمة. قوله: ((عن أبي حَيّان: مكانَ العِنَب: الزَّبِيبَ)) يعني أنَّ حَمَّاد بن سَلَمة روى هذا الحديث عن أبي حَيّان، بهذا السَّنَد والمتن، فذكر الَّبيب بَدَل العِنَب. وهذا التَّعليق وَصَلَه عليّ بن عبد العزيز البَغَويُّ في ((مُسنَده)) عن حَجّاج بن مِنهال كذلك، وليس فيه سؤال أبي حَيّان الأخير وجواب الشَّعْبيّ، وكذلك أخرجه ابن أبي خَيْئمةَ عن موسى بن إسماعيل عن حَمَّاد ابن سَلَمة. ووَقَعَ عند مسلم أيضاً من رواية عليّ بن مُسهِر (٣٢/٣٠٣٢) ومن رواية عيسى ابن يونس (٣٣/٣٠٣٢)، كلاهما عن أبي حَيّان: الزَّبيب بَدَل العِنَب كما قال حَمَّد بن سَلَمة. قال البيهقيُّ: وكذلك قال الثَّوْريّ عن أبي حَيّان(١). قلت: وكذلك أخرجه النَّسائيُّ (ك٦٧٥٤) من طريق محمَّد بن قيس عن الشَّعْبيّ، والله أعلم. ٦ - باب ما جاء فيمن يستحلّ الخمرَ ويسمّيه بغير اسمه ٥٥٩٠- وقال هشامُ بنُ عَّر: حدَّثنا صَدَقةُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ، حدَّثنا عَطِيَّةُ بنُ قيسِ الكِلابُّ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ غَنْمِ الأشعَرِيُّ، قال: حدَّثني أبو عامٍ - أو أبو مالكٍ - الأشعَرِيُّ، والله ما كَذَبني، سمعَ النبيَّ ◌َّهِ يقول: ((لَيَكونَنَّ من أُمَّتي أقوامٌ يَستَحِلّونَ الِحِرَ والحَرِيرَ والخمرَ والمعازِفَ، ولَيَنْزِلَنَّ أقوامٌ إلى جَنبٍ عَلَمٍ يَروحُ عليهم بِسارحةٍ لهم، يأتِيهم لحاجةٍ فيقولون: ارجع إلينا غَداً، فيُبيُِّهُمُ الله، ويَضَعُ العَلَمَ، ويَمسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وخنازِيرَ إلى يومِ القيامةِ». قوله: «باب ما جاء فیمن یستحِلّ الخمر ويُسمّیه بغير اسمه» قال الکِرْمانيُّ: ذكّره باعتبار الشَّراب، وإلّا فالخمر مؤنَّث سماعيّ. قلت: بل فيه لُغة بالتَّذکیر. قال الکِرْمانيُّ: وفي بعض الرِّوايات: يُسَمِّيها بغير اسمها. وذكر ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ قال: كأنَّه يريد بالأُمّة مَن يَتَسَمَّی بهم ويَستَحِلّ ما لا يَحِلّ لهم، فهو كافر إن أظهر ذلك، ومُنافِقٍ إن أسَرَّه، أو مَن يَرتَكِب المحارم (١) أخرجه من هذا الطريق عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٧٠٤٩). ٢٥١ باب ٦ / ج ٥٥٩٠ كتاب الأشرية مُجاهَرةً واستخفافاً فهو يُقارِب الكفر وإن تَسَمَّى بالإسلام، لأنَّ الله لا يَخِسِف بمَن تعُود علیه رحمته في المعاد. كذا قال، وفيه نظر يأتي توجيهه. وقال ابن المنيِر: التَّرجمة مُطابِقة للحديثِ إلّا في قوله: ((ويُسَمّيه بغير اسمه)) فكأنَّه قنِعَ بالاستدلال له بقوله في الحديث: ((من أمَّتي)) لأنَّ مَن كان من الأُمّة المحمَّديَّة يَبعُد أن يَستَحِلّ الخمر بغير تأويل، إذ لو كان عِناداً ومُكابَرةً لكان خارجاً عن الأُمّة، لأنَّ تحريم الخمر قد عُلمَ بالضّرورة. قال: وقد ورَدَ في غير هذا الحديث التَّصريحُ بمُقتَضَى التَّرجمة، لكن لم يوافقٍ شرطَه فاقتَنَعَ بما في الرِّواية التي ساقها من الإشارة. قلت: الرِّواية التي أشار إليها أخرجها أبو داود (٣٦٨٨) من طريق مالك بن أبي مريم [عن عبد الرحمن بن غَنْم](١) عن أبي مالك الأشعَريّ عن النبيّ وَّهِ: ((لَيشربَنَّ ناسُ الخمرَ يُسَمّونَها بغير اسمها))(٢)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٧٥٨)، وله شواهد كثيرة: منها لابنٍ ماجَهْ (٣٣٨٥) من حديث ابن مُخيريز عن ثابت بن السِّمط عن عُبَادة بن الصّامت رَفَعَه: ((يشرب ناسٌ من أمَّتي الخمر يُسَمّونَها بغير اسمها))، ورواه أحمد (٢٢٧٠٩) بلفظ: (لَيَستَحِلَّنَّ طائفةٌ من أمَّتي الخمرَ)) وسنده جيِّد، ولكن أخرجه النَّسائيُّ (٥٦٥٨) من وجه آخر عن ابن محيريز فقال: عن رجل من الصحابة (٣). ولابنٍ ماجَهْ (٣٣٨٤) أيضاً من حديث خالد بن معدان عن أبي أمامةَ رَفَعَه: ((لا تذهب الأيام ٥٢/١٠ واللَّيالي حتَّى / تشرب طائفة من أمَّتي الخمر يُسَمّونَها بغير اسمها)). وللدّارميّ (٢١٠٠) بسندٍ لَيِّن(٤) من طريق القاسم عن عائشة: سمعت رسول الله وَ لَه يقول: ((إنَّ أوَّل ما يُكفَأ الإسلامُ كما يُكفَأ الإناءُ كَفْءُ الخمرِ)) قيل: وكيف ذاكَ يا رسول الله؟ قال: (يُسَمّونَها بغير اسمها فيَستَحِلّونَها)) وأخرجه ابن أبي عاصم(٥) من وجه آخر عن عائشة، (١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س). (٢) وهو أيضاً عند ابن ماجه (٤٠٢٠). (٣) وكذلك رواه أحمد (١٨٠٧٣٠). (٤) بل إسناده حسن، فرجاله عند الحافظ بين صدوق وثقة. (٥) لابن أبي عاصم كتاب في الأشربة لم نقف عليه مطبوعاً فلعلَّ الحديث فيه، وهو عنده أيضاً في ((الأوائل)) (٦٤). ٢٥٢ باب ٦ / ح ٥٥٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ولابنٍ وهب(١) من طريق سعيد بن أبي هلال عن محمَّد ابن عبد الله: أنَّ أبا مسلم الخَوْلانيَّ حَجَّ، فدَخَلَ على عائشة، فجَعَلَت تسأله عن الشّام وعن بَرْدها، فقال: يا أمّ المؤمنينَ، إِنَّهم يشربونَ شراباً لهم يقال له: الطِّلاء، فقالت: صدقُ اللهُ وبَلَّغِ حِبِّي(٢)، سمعتُه يقول: ((إنَّ ناساً من أمَّتي يشربونَ الخمر يُسَمّونَها بغير اسمها)) وأخرجه البيهقيُّ(٣). قال أبو عُبيد: جاءت في الخمر آثار كثيرة بأسماء مُخْتَلِفة، فذكر منها: السَّكَر بفتحَتَين، قال: وهو نَقيع الثَّمر إذا غَلَى بغير طَبْخ، والجِعْة، بكسر الجيم وتخفيف العين: نبيذ الشَّعير، والسُّكْرُكَة: خمر الحَبَشة من الذُّرة - إلى أن قال : - وهذه الأشربة المسماة كلّها عندي كِناية عن الخمر، وهي داخلة في قوله وَ له: ((يشربون الخمر يُسَمّونَها بغير اسمها))، ويُؤيِّد ذلك قول عمر: ((الخمر ما خامَرَ العقل)). قوله: ((وقال هشام بن عثَّر: حدَّثنا صَدَقة بن خالد)) هكذا في جميع النُّسَخ من ((الصَّحيح)) من جميع الرِّوايات مع تَنَوُّعها عن الفِرَبْريّ، وكذا من رواية النَّسَفيّ وحَمَّاد بن شاكِرِ، وذَهَلَ الَّركَشِيّ في «تَوضيحه)) فقال: مُعظَمِ الرُّواة يَذكُرونَ هذا الحديث في البخاريّ مُعلَّقاً، وقد أسنَدَه أبو ذَرِّ عن شيوخه، فقال: قال البخاريّ: حدَّثنا الحسن(٤) بن إدريس، حدَّثنا هشام بن عمَّر. قال: فعلى هذا يكون الحديث صحيحاً على شرط البخاريّ. وبذَلِك يُردّ على ابن حَزْمِ دَعواهُ الانقطاع. انتهى، وهذا الذي قاله خطأ نَشَأ عن عَدَم تأمُّل، وذلك أنَّ القائل: حدّثنا الحسين بن إدريس: هو العبّاس بن الفضل شيخ أبي ذرِّ لا البخاريّ، ثمَّ هو الحسين، بضمٍّ أوَّله وزيادة التَّحتانيَّة الساكنة، وهو الهَرَويُّ، لَقَبه خُرَّم، بضمُّ المعجَمة وتشديد الرَّاء، وهو من المكثِرِينَ، وإنَّما الذي وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ من الفائدة أنَّه استَخرَجَ هذا الحديث من رواية نفسه من غير طريق البخاريّ إلى هشام، على عادة الحُفّاظ إذا وَقَعَ (١) في ((الجامع)) (٤٦). (٢) تحرَّفت العبارة في (س) إلى: صدق رسول الله ێ وبلّغ حتى سمعته. (٣) أخرجه الحاكم ٤/ ١٤٧، والبيهقي ٢٩٤/٨-٢٩٥، وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي فقال: محمد مجهول وإن كان هو ابن أخي الزهري فالسند منقطع. (٤) تحرَّف في (س) إلى: الحسين. وهو الصواب في اسمه كما سيبينه الحافظ، لكن هكذا ذكره الزركشي محرفاً. ٢٥٣ باب ٦ / ح ٥٥٩٠ كتاب الأشربة لهم الحديث عالياً عن الطَّريق التي في الكتاب المرويّ لهم، يُورِدونَها عالية عَقِب الرِّواية النازِلة، وكذلك إذا وَقَعَ في بعض أسانيد الكتاب المرويّ خَلَل ما، من انقطاع أو غيره، وكان عندهم من وجه آخر سالماً أورَدُوه، فجَرَى أبو ذَرٍّ على هذه الطَّريقة، فروى الحديث عن شيوخه الثلاثة عن الفِرَبْريّ عن البخاريّ قال: وقال هشام بن عمَّارِ. ولمَّا فَرَغَ من سياقه قال أبو ذَرّ: حدَّثنا أبو منصور العباس بن الفضل النَّضْرُوِيُّ حدَّثنا الحسین بن إدريس حدَّثنا هشام بن عمَّار، به. وأمَّا دَعوى ابن حَزْم التي أشارَ إليها فقد سَبَقَه إليها ابن الصَّلاح في ((علوم الحديث)) فقال: التَّعليق في أحاديث من ((صحيح البخاريّ)) قُطِعَ إسنادها، وصورته صورة الانقطاع، وليس حُكمُه حُكْمَه ولا خارجاً - ما وُجِدَ ذلك فيه - من قبيل الصَّحيح إلى قبيل الضَّعيف، ولا التِفات إلى أبي محمَّد بن حَزْم الظّاهريّ الحافظ في رَدّ ما أخرجه البخاريّ من حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعَريّ عن رسول الله وَّهِ: ((لَيَكونَنَّ في أمَّتي أقوام يَسْتَحِلّونَ الحرير والخمر والمعازِف)) الحديث، من جهة أنَّ البخاريّ أورَدَه قائلاً: قال هشام بن عمَّار، وساقَه بإسنادِهِ، فَزَعَمَ ابنُ حَزْم أنَّه مُنقَطِع فيما بين البخاريّ وهشام، وجعلَه جواباً عن الاحتجاج به على تحريم المعازِف، وأخطأً في ذلك من وجوه، والحديث صحیح معروف الاتّصال بشرطِ الصّحيح، والبخاريّ قد يفعل مثل ذلك لگونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مُسنَداً مُتَّصِلاً، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يَصحَبُها خَلَل الانقطاع. انتهى. ولفظ ابن حَزْم في ((المحَلَّ)): لم يَتَّصِل ما بين البخاريّ وصَدَقة بن خالد. وحكى ابن الصَّلاح في موضع آخر أنَّ الذي يقول البخاريُّ فيه: قال فلان، ويُسَمّ شيخاً/ من شيوخه يكون من قبيل الإسناد المعَنعَن، وحُكيَ عن بعض الحُفّاظ أنَّه يفعل ذلك ٥٣/١٠ فيما يَتحمَّله عن شيخه مُذاكَرةً، وعن بعضهم أنَّه فيما يرويه مُناولةً. وقد تَعقَّبَ شيخنا الحافظ أبو الفضل كلام ابن الصَّلاح بأنَّه وجَدَ في ((الصَّحیح)) عِدّة أحاديث يروبها البخاريّ عن بعض شيوخه قائلاً: قال فلان، ويُورِدها في موضع آخر بواسطةٍ بينه وبين ذلك الشَّيخ. ٢٥٤ باب ٦ / ح ٥٥٩٠ فتح الباري بشرح البخاري قلت: الذي يورِده البخاريّ من ذلك على أنحاء: منها: ما يُصرِّح فيه بالسَّماع عن ذلك الشَّيخ بعينِه إمّا في نفس ((الصَّحيح)) وإمّا خارجَه، والسَّبَب في الأوَّل إمّا أن يكون أعادَه في عِدّة أبواب وضاقَ علیه ◌َرَجه، فتَصَرَّفَ فيه حتَّى لا يُعيده على صورة واحدة في مكانين، وفي الثّاني أن لا يكون على شرطه إمّا لقُصورٍ في بعض رواته، وإمّا لگونِه موقوفاً. ومنها: ما يُورِده بواسطةٍ عن ذلك الشَّيخ والسَّبَب فيه كالأوَّل، لكنَّه في غالب هذا لا يكون مُكثِراً عن ذلك الشَّيخ. ومنها: ما لا يُورِده في مكان آخر من (الصَّحيح)) مِثل حديث الباب، فهذا ممَّا كان أشكَلَ أمُرُه عليَّ، والذي يظهر لي الآن أنَّه لقُصورٍ في سياقه، وهو هنا تَرَدُّد هشام في اسم الصحابيّ، وسيأتي من كلامه ما يشير إلى ذلك حيثُ يقول: إنَّ المحفوظ أنَّه عن عبد الرَّحمن بن غَنْم عن أبي مالك، وساقَه في ((التاريخ)) (٣٠٤/١ -٣٠٥ و ٢٢١/٧) من رواية مالك بن أبي مريم عن عبد الرَّحمن بن غَنم كذلك. وقد أشارَ المهلّب إلى شيء من ذلك. وأمَّا كَونُه سمعَه من هشام بلا واسطة أو بواسطةٍ فلا أثر له، لأنَّه لا يَجِزِمُ إلّا بما يَصلُح للقَبُول، ولا سيَّما حيثُ يَسوقه مَساق الاحتجاج. وأمَّا قول ابن الصَّلاح: إنَّ الذي يُورِده بصيغة ((قال)) حُكمه حُكم الإسناد المعَنعَن، والعَنعَنة من غير المدَلِّس محمولة على الاتّصال، وليس البخاريّ مُدِّساً، فيكون مُتَّصِلاً، فهو بحث وافَقَه عليه ابن مَندَهْ، والتَزَمَه، فقال: أخرج البخاريّ ((قال)) وهو تدليس، وتَعقَّبَه شيخنا بأنَّ أحداً لم يَصِفِ البخاريّ بالتَّدليس، والذي يظهر لي أنَّ مُراد ابن مَندَهْ، أنَّ صورته صورةُ التَّدليس، لأنَّه يُورِده بالصّيغة المحتَمِلة، ويُوجَد بينه وبينه واسطة وهذا هو التَّدليس بعينِهِ، لكن الشَّأن في تسليم أنَّ هذه الصّيغة من غير المدَلِّس لها حُكم العَنعَنة، فقد قال الخطيب، وهو المرجوع إليه في الفَنّ: إنَّ((قال)) لا تُحمَل على السَّماع إلّا مَمَّن عُرِفَ من عادته ٢٥٥ باب ٦ / ح ٥٥٩٠ كتاب الأشربة أنَّه يأتي بها في موضع السَّماع، مِثل حَجّاج بن محمَّد الأعور، فعلى هذا ففارَقَتِ العَنعَنةَ فلا تُعطَى حُكمَها، ولا يَتَرتَّب عليه أثرها من التَّدليس، ولا سيَّما ممّن عُرِفَ من عادته أن يُورِدها لَغَرَضٍ غير التَّدليس. وقد تَقرَّرَ عند الحُفّاظ أنَّ الذي يأتي به البخاريّ من التَّعاليق كلّها بصيغة الجزم يكون صحيحاً إلى مَن عَلَّقَهُ عنه، ولو لم يكن من شيوخه، لكن إذا وُجِدَ الحديثُ المعلَّق من رواية بعض الحُفّاظ موصولاً إلى مَن عَلَّقَه عنه بشرطِ الصِّحّة لَزالَ الإشكال، ولهذا عُنِيتُ في ابتداء الأمر بهذا النَّوع وصَنَّفْت كتاب ((تغليق التَّعليق)). وقد ذكر شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)) وفي كلامه على ((علوم الحديث)) أنَّ حديث هشام ابن عمَّار جاء عنه موصولاً في ((مُستَخرَج الإسماعيليّ)) قال: حدَّثنا الحسن بن سفيان حدَّثنا هشام بن عمّار. وأخرجه الطبرانيّ في ((مُسنَد الشّاميّينَ)) (٥٨٨) فقال: حدَّثنا محمّد بن يزيد ابن عبد الصَّمَد حدَّثنا هشام بن عمَّار. قال: وأخرجه أبو داود في ((سُنَنه)) (٤٠٣٩) فقال: حدّثنا عبد الوهاب بن نَجْدة حدّثنا بشر بن بکر حدّثنا عبد الرحمن بن یزید بن جابر: بسنده. انتھی. ونُنَبِّه فيه على موضعَينِ: أحدهما: أنَّ الطبرانيّ أخرج الحدیث في «مُعجَمه الکبیر)) (٣٤١٧) عن موسى بن سهل الجَوْني(١) وعن جعفر بن محمَّد الفِرْيابيّ(٢)، كلاهما عن هشام. و((المعجم الكبير)) أشهَر من ((مُسنَد الشّاميّينَ)) فعَزْوه إليه أَولى، وأيضاً فقد أخرجه أبو نُعَيم في ((مُستَخرَجه)) على البخاريّ من رواية عبدان بن محمَّد المروزيِّ ومن رواية أبي بكر الباغَنْديّ، كلاهما عن هشام. وأخرجه ابن حِبّان في ((صحيحه)) (٦٧٥٤) عن الحسين بن عبد الله القَطّان عن هشام. (١) تحرَّف في (س) إلى: الجويني. (٢) وذكره الحافظ في ((التغليق)) ١٨/٥ من طريق الطبراني بالإسنادين جميعاً ولم نقف عليه فيما طبع من ((الكبير)) ولا في ((الأوسط)) و((الصغیر)). ٢٥٦ باب ٦ / ح ٥٥٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ٥٤/١٠ ثانيهما: قوله: إنَّ أبا داود أخرجه يُوهم أنَّه عند أبي داود باللَّفظِ / الذي وَقَعَ فيه النِّراع وهو المعازِف، وليس كذلك، بل ولم يَذكُر فيه الخمر الذي وَقَعَت ترجمة البخاريّ لأجلِه، فإنَّ لفظه عند أبي داود بالسَّنَدِ المذكور إلى عبد الرَّحمن بن يزيد: حدَّثنا عَطيَّة بن قيس سمعت عبد الرَّحمن بن غَنْم الأشعَريّ يقول: حدَّثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعريّ، والله ما كذَبني، أنَّه سمعَ رسول الله يقول: ((لَيكونَنَّ من أمَّتي أقوام يَستَحِلّونَ الخَّ والحرير(١) - وذكر كلاماً قال : - يَمسَخ منهم ◌ِرَدةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة)) نعم ساقَ الإسماعيليّ الحديث من هذا الوجه من رواية دُحَيم عن بشر بن بكر، بهذا الإسناد، فقال: ((يَستَحِلّونَ الحِرَ والحرير والخمر والمعازِف)) الحديث. قوله: ((حدَّثنا صَدَقة بن خالد» هو الدِّمشقيّ من موالي آل أبي سفيان، ولیس له في البخاريّ إلّا هذا الحديث، وآخرُ تقدَّم في مناقب أبي بكر (٣٦٦١)، وهو من رواية هشام ابن عمَّار عنه أيضاً عن زيد بن واقد، وصَدَقة هذا ثقة عند الجميع، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة ليس به بأس، أثبت من الوليد بن مسلم. وذَهَلَ شيخنا ابن الملقِّن تَبَعاً لغيره فقال: لَيْتَه - يعني ابنَ حَزْم - أعَلَّ الحديث بصَدَقة، فإنَّ ابن الجُنَيد روى عن يحيى بن مَعِين أنه قال: ليس بشيءٍ، وروى المُرُّوذي عن أحمد: ليس بِمُستَقيمٍ، ولم يَرْضَه، وهذا الذي قاله الشَّيخ خطأً، وإنَّما قال يحيى وأحمد ذلك في صَدَقة بن عبد الله السَّمين، وهو أقدم من صَدَقة بن خالد، وقد شارَكَه في كَونِهِ دِمَشقيّاً، وفي الرِّواية عن بعض شيوخه كزيدٍ بن واقد، وأمَّا صَدَقة بن خالد فقد قَدَّمتُ قول أحمد فيه، وأمَّا ابن مَعِين فالمنقول عنه أنَّه قال: كان صَدَقةُ بن خالد أحَبَّ إلى أبي مُسهِر من الوليد بن مسلم، قال: وهو أحَبّ إليَّ من يحيى بن حمزة. ونَقَلَ معاوية بن صالح عن ابن مَعِين أنَّ صَدَقة بن خالد ثقة، ثمَّ إنَّ صَدَقة لم يَنفَرِد به عن عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر، بل تابَعَه على أصله بِشْر بن بكر، كما تقدَّم. (١) أقحم هنا في المطبوع: والخمر. ٢٥٧ باب ٦ / ح ٥٥٩٠ كتاب الأشرية قوله: ((حدَّثنا عَطيَّة بن قيس)) هو شاميّ تابعيّ قَوّاه أبو حاتم وغيره وماتَ سنة عشر ومئة، وقيل: بعد ذلك، ليس له في البخاريّ ولا لشيخِه إلّا هذا الحديث، والإسناد كلّه شامیّونَ. قوله: ((عبد الرّحمن بن غَنْم)) بفتح المعجَمة وسكون النُّون: ابن كُرَيب بن هانئ، مُتَلَف في صُحبَته، قال ابن سعد: كان أبوه مَمَّن قَدِمَ على رسول الله مَّ صُحْبةَ أبي موسى. وذكر ابن يونس أنَّ عبد الرَّحمن كان مع أبيه حين وفَدَ. وأمَّا أبو زُرْعة الدِّمَشقيّ وغيره من حُفّاظ الشّام فقالوا: أدرَكَ النبيّ ◌َّه ولم يَلقَه. وقَدَّمَه دُحَيم على الصُّنابِحِيّ، وقال ابن سعد أيضاً: بَعَثَه عمر يُفَقِّه أهلَ الشّام. ووثَّقْه العِجلُّ وآخرونَ. وماتَ سنة ثمانٍ وسبعينَ. ووَقَعَ عند الإسماعيليّ من الزّيادة عن عَطيّة بن قيس قال: قامَ رَبيعة الجُرَشيّ في الناس - فذكر حديثاً فيه طُول - فإذا عبدُ الرَّحمن بن غَنْم، فقال: يمِيناً حَلَفتُ عليها حدَّثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعَريّ، والله يميناً أُخرى حدَّثني أنَّه سمعَ. وفي رواية مالك بن أبي مريم: «كنَّا عند عبد الرَّحمن بن غَنْم مَعَنا رَبيعة الجُرَشِيّ، فذَكَروا الشَّراب)» فذكر الحديث. قوله: ((حدَّثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعريّ)» هكذا رواه أكثر الحُفّاظ عن هشام بن عَّار بالشكّ، وكذا وَقَعَ عند الإسماعيليّ من رواية بشر بن بكر، لکن وَقَعَ عند أبي داود من رواية بشر بن بكر: حدَّثني أبو مالك. بغير شَكِّ(١). ووَقَعَ عند ابن حِبّان (٦٧٥٤) عن الحسين بن عبد الله، عن هشام، بهذا السَّنَد إلى عبد الرَّحمن بن غَنم: أنَّه سمعَ أبا عامر وأبا مالك الأشعَريَّينِ يقولان، فذكر الحديث. كذا قال، وعلى تقدير أن يكون المحفوظ هو الشكّ فالشكّ في اسم الصحابيّ لا يَضُرّ، وقد أعَلَّه بذلك ابن حَزْم وهو مردود. وأعجَب منه أنَّ ابن بَطّال حكى عن المهلَّب أنَّ سبب كَون البخاريّ لم يَقُل فيه: حدَّثنا هشام بن عمَّار، وجود الشكّ في اسم الصحابيّ، وهو شيء لم يوافَق عليه، والمحفوظ رواية الجماعة. (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، مُطلِقاً القولَ بأنَّ رواية أبي داود بغير شك، مع أنَّ الذي في نسخة الحافظ من ((سنن أبي داود)) بخطه بالشك، لكن وقع في نسخة عندنا من رواية ابن داسه في هامشها إشارة إلى وجود اختلاف بين رواة أبي داود، وأنَّ بعضهم رواه بدون شك، كما قال الحافظ. ٢٥٨ باب ٦ / ح ٥٥٩٠ فتح الباري بشرح البخاري وقد أخرجه البخاريّ في ((التاريخ)) (٣٠٤/١-٣٠٥) من طريق إبراهيم بن عبد الحميد ٥٥/١٠ عمَّن أخبَرَه/ عن أبي مالك أو أبي عامر. على الشكّ أيضاً، وقال: إنَّما يُعرَف هذا عن أبي مالك الأشعَريّ. انتهى، وقد أخرجه أحمد (٢٢٩٠٠) (١) وابن أبي شَيْبة (٨/ ١٠٧) والبخاريّ في ((التاريخ)) (٣٠٥/١) من طريق مالك بن أبي مريم عن عبد الرَّحمن بن غَنْم: عن أبي مالك الأشعَريّ عن رسول الله وَّهِ: ((لَيشربَنَّ أُناس من أمَّتي الخمر يُسَمّونَها بغير اسمها، تَغدو عليهم القِيَانُ وتَرُوح عليهم المعازِف)) الحديث. فَظَهَرَ بهذا أنَّ الشكّ فيه من عَطيّة بن قيس لأنَّ مالك بن أبي مريم - وهو رَفيقه فيه عن شيخهما - لم يَشُكّ في أبي مالك(٢)، على أنَّ التردُّد في اسم الصحابيّ لا يَضُرّ كما تَقرَّرَ في علوم الحديث، فلا التِفات إلى مَن أعَلَّ الحديث بسببِ التردُّد، وقد تَرَجَّحَ أنَّه عن أبي مالك الأشعريّ، وهو صحابيّ مشهور. قوله: ((والله ما كذَبني)) هذا يُؤيِّد رواية الجماعة أنَّه عن واحدٍ(٣) لا عن اثنَيْنِ. قوله: ((يَستَحِلّونَ الِحِرَ)) ضَبَطَه ابن ناصر بالحاءِ المهمَلة المكسورة والرَّاء الخفيفة: وهو الفَرْج، وكذا هو في مُعظَم الرِّوايات من ((صحيح البخاريّ))، ولم يَذْكُر عِيَاض ومَن تَبِعَه غيرَه. وأغرَبَ ابن التِّين فقال: إنَّه عند البخاريّ بالمعجَمتَينِ، وقال ابن العربيّ: هو بالمعجَمتَينِ تصحيف، وإنَّما رُوِّيناه بالمهمَلَتَينِ وهو الفَرْج، والمعنى يَسْتَحِلّونَ الزُّنى. قال ابن التِّين: يريد ارتكاب الفَرْج بغير حِلّه، وإن كان أهل اللُّغة لم يَذكُروا هذه اللَّفظة بهذا المعنى، ولكنَّ العامّة تَستَعمِله بكسر المهمَلة كما في هذه الرِّواية. وحكى عِيَاض فيه تشديد الرَّاء، والتَّخفيف هو الصَّواب. وقيل: أصله بالياءِ بعد الرَّاء فخُذِفَت، وذكره أبو موسى في ((ذَيل الغريب)) في ((ح ر)) وقال: هو بتخفيفِ الرَّاء، وأصله: حِرَح بكسر أوَّله وتخفيف الرَّاء بعدها مُهمَلة أيضاً، وجمعه أحراح. قال: ومنهم مَن يُشَدِّد الرَّاء، وليس بجيِّدٍ. (١) اقتصر أحمد في روايته على ذكر الخمر دون القيان والمعازف، وهذا اللفظ المذكور هو لفظ رواية المحاملي في «أمالیه» (٦١)، ورواية الباقين نحوه. (٢) هذا صحيح لو سلَّمنا بصحة الإسناد، لكن الإسناد ضعيف، فمالك بن أبي مريم مجهول. (٣) وقع في (س): عن غير واحد. بإقحام لفظة ((غير)). وبها يفسُد المعنى. ٢٥٩ باب ٦ / ح ٥٥٩٠ كتاب الأشربة وتَرجَمَ أبو داود للحديثِ (٤٠٣٩) في كتاب اللِّباس ((باب ما جاء في الخز))، ووَقَعَ في روايته بمُعجَمَتَينِ والتَّشديد. والرَّاجح بالمهمَلَتَين، ويُؤيِّده ما وَقَعَ في ((الزُّهد)(١) لابنِ المبارَك من حديث عليّ بلفظ: ((يوشِك أن تَستَحِلّ أمَّتي فُروجَ النِّساء والحرير)). ووَقَعَ عند الدَّاوُوديّ بالمعجَمتَينِ، ثمَّ تَعقَّبَه بأنَّه ليس بمحفوظٍ، لأنَّ كثيراً من الصحابة لَبِسوه. وقال ابن الأثير: المشهور في رواية هذا الحديث بالإعجام: وهو ضرب من الإبرَيسَم. كذا قال، وقد عُرِفَ أنَّ المشهور في رواية البخاريّ بالمهمَلتَين، وقال ابن العربيّ: الخَزّ بالمعجَمتَينِ والتَّشديد مُخْتَلَف فيه، والأقوى حِلّه، وليس فيه وعيد ولا عقوبة بإجماعٍ. تنبيه: لم تقع هذه اللّفظة عند الإسماعيليّ ولا أبي نُعيم من طريق هشام، بل في روايتهما: (يَستَحِلّونَ الحرير والخمر والمعازف)). وقوله: ((يَستَحِلّونَ)) قال ابن العربيّ: يحتمل أن يكون المعنى يَعتَقِدونَ ذلك حلالاً، ويحتمل أن يكون ذلك مجازاً عن الاسترسال، أي: يَستَرسِلونَ في شُربها كالاسترسال في الحلال، وقد سمعنا ورأينا من يفعل ذلك. قوله: ((والمعازِف)) بالعين المهمَلة والزّاي بعدها فاء: جمع مِعزَفة، بفتح الزّاي: وهي آلات الملاهي. ونَقَلَ القُرطُبيّ عن الجَوْهريّ: أنَّ المعازِف: الغِناء، والذي في ((صِحاحه)): أنَّها آلات اللهو، وقيل: أصوات الملاهي. وفي ((حَواشي الدِّمياطيّ): المعازِف: الدُّفوف وغيرها مَّا يُضرَب به، ويُطلَق على الغِناءِ عَزْف، وعلى كلّ لَعِب عَزْف. ووَقَعَ في رواية مالك بن أبي مريم: ((تَغدو عليهم القِيان، وتَرُوح عليهم المعازِف)). قوله: ((وَلَيَنْزِلَنَّ أقوامٌ إلى جَنْب عَلَمْ)) بِفتحَتَينِ والجمع أعلام: وهو الجبل العالي، وقيل: رأسُ الجبل. (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((الزهد)) لابن المبارك، وأخرجه أبو زرعة الدمشقي في ((الجزء الأول من فوائده)) (١٣)، والطبراني في ((مسند الشاميين)) (٨٥٨)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٢٤٧/١ -٢٤٨ و٣١٧/٥٤. وذكره البخاري في ((تاريخه الكبير)) ٤٧٥/٣ بلفظ: ((يُوشك أن يستحلّوا الخمر والحرير)) وأشار المحقق إلى أنه في نسخة: الحِرَ والحرير. ٢٦٠ باب ٦ / ح ٥٥٩٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (يَرُوح عليهم)) كذا فيه بحذفِ الفاعل، وهو الرَّاعي، بقَرِينة المَقام، إذِ السارحةُ لا بُدَّلها من حافِظ. قوله: ((بسارحةٍ)) بمُهمَلتَينِ: الماشية التي تَسَرَح بالغَدَاة إلى رَعْيها وتَرُوح، أي: تَرجع بالعَشِيِّ إلى مَأْلَفِها. ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ: ((سارحة)) بغير موحّدة في أوَّله ولا حذفَ فيها. قوله: ((يأتيهم لحاجةٍ)) كذا فيه بحذفِ الفاعل أيضاً. قال الكِرْمانيُّ: التَّقدير الآتي أو ٥٦/١٠ الرَّاعي أو المحتاج أو الرجل. قلت: وَقَعَ عند الإسماعيليّ: ((يأتيهم طالبُ حاجة)) فتَعيَّنَ/ بعضُ المقدَّرات. قوله: ((فيُبيُِّهم الله)) أي: يُهلِكهم ليلاً، والبَياتُ: هُجوم العدوّ ليلاً. قوله: ((ويَضَعِ العَلَم) أي: يُوقِعه عليهم. وقال ابن بَطّال: إن كان العَلَم جبلاً فيُدَكدِكُه، وإن كان بناء فيَهدِمُه، ونحو ذلك. وأغرَبَ ابن العربيّ فشَرَحَه على أنَّه بكسر العين وسكون اللّام، فقال: وضعُ العلمِ إمّا بذَهابِ أهله كما سيأتي في حديث عبد الله بن عَمْرو (١)، وإمّا بإهانة أهله بتسليطِ الفَجَرة عليهم. قوله: ((ويَمْسَخ آخَرينَ قِرَدةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة)) يريد مَمَّن لم يَهَلِك في البَيات المذكور، أو مِن قوم آخرينَ غير هؤلاءِ الذينَ بُيِّتُوا، وَيُؤْيِّد الأوَّل أنَّ في رواية الإسماعيليّ: ((ويَمسَخ منهم آخرينَ)). قال ابن العربيّ: يحتمل الحقيقة كما وَقَعَ للأُمَم السالفة، ويحتمل أن يكون كِناية عن تبدُّل أخلاقهم. قلت: والأوَّل أليق بالسّياق. وفي هذا الحديث وعيد شديد على مَن يَتَحَيَّل في تَحليل ما يَحِرُم بتغيير اسمه، وأنَّ الحُكم يدور مع العِلّة. والعِلّة في تحريم الخمر الإسكار، فمهما وُجِدَ الإسكار وُجِدَ التَّحريم ولو لم يَستَمِرّ الاسم. قال ابن العربيّ: هو أصل في أنَّ الأحكام إنَّما تتعلَّق بمعاني الأسماء لا بألقابها، رَدّاً على مَن ◌َمَلَه على اللَّفظ. (١) يعني الحديث السالف عند البخاري برقم (١٠٠).