النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
باب ١٦ / ٥٥٧٣
كتاب الأضاحي
من ضَحَاياها، فقال: أوَلم نُنهَ عنه؟ قالت: إنَّه قد رُخِّصَ فيها؛ فهذا عليّ قد الطَّلَعَ على
الرّخصة، ومع ذلك خَطَبَ بالمنع، فطريق الجمع ما ذكرتُه.
وقد جَزَمَ به الشافعيّ في ((الرِّسالة)) في آخر باب العِلَل في الحديث، فقال ما نَصُّه: فإذا
دَفَّتِ الدّافّة ثَبَتَ النَّهيُ عن إمساك لحوم الضَّحايا بعد ثلاث، وإن لم تَدُفَّ دافّة فالرُّخصَة
ثابتة بالأكلِ والتزوُّد والادِّخار والصَّدَقة، قال الشافعيّ: ويحتمل أن يكون النَّهي عن
إمساك لحوم الأضاحيّ بعد ثلاث منسوخاً في كلّ حال. قلت: وبهذا الثّاني أخَذَ المتأخِرونَ
من الشافعيّة، فقال الرَّافعيّ: الظّاهر أنَّه لا يَحِرُم اليومَ بحالٍ، وتَبِعَه النَّوويّ فقال في ((شرح
المهذَّب)): الصَّواب المعروف أنَّه لا يَحرُم الادِّخار اليوم بحالٍ، وحكى في ((شرح مسلم))
عن جُهور العلماء: أنَّه من نَسْخ السُّنّة بالسُّنّة، قال: والصَّحيح نَسعُ النَّهي مُطلَقاً، وأنَّه لم
يَبَقَ تحريم ولا كراهة، فيُباح اليوم الادِّخار فوق ثلاث والأكل إلى متى شاءَ، انتهى.
وإِنَّا رَجَّحَ ذلك لأنَّه يَلزَم من القول بالتَّحريم إذا دَفَّتِ الدّافَة إيجابُ الإطعام، وقد
قامَتِ الأدلّة عند الشافعيَّة أنَّه لا يجب في المال حَقٌّ سوى الزكاة، ونَقَلَ ابن عبد البَرِّ ما
يوافق ما نَقَّلَه النَّوويّ فقال: لا خِلَافَ بين فقهاء المسلمينَ في إجازة أكل لحوم الأضاحيّ
بعد ثلاث، وأنَّ النَّهي عن ذلك منسوخ، كذا أطلقَ، وليس بجيِّدٍ، فقد قال القُرطُبيّ:
حديث سَلَمة وعائشة نصّ على أنَّ المنع كان لعِّةٍ، فلمَّ ارتَفَعَت ارتَفَعَ لارتفاع مُوجِبه
فَتَعيَّنَ الأخذُ به، وبعَوْدِ الحُكم تعود العِّة، فلو قَدِمَ على أهل بلدٍ ناسٍ مُحتاجونَ في زمان
الأضحَى، ولم يكن عند أهل ذلك البَلَد سَعَة يَسُدّونَ بها فاقَتَهم إلّ الضَّحايا، تَعيَّنَ عليهم
ألّا یدَخِروها فوق ثلاث.
قلت: والتَّقييد بالثلاثِ واقعةُ حال، وإلّا فلو لم تَستَدَّ الخَّة إلّا بتَفرِقة الجميع، لَزِمَ على
هذا التَّقرير عَدَمُ الإمساك ولو ليلة واحدة، وقد حكى الرَّافعيّ عن بعض الشافعيَّة: أنَّ
التَّحريم كان لعِلّةٍ، فلمَّا زالَت زالَ الحكم، لكن لا يَلزَم عَوْد الحُكم عند عَوْد العِلّة. قلت:
واستَبعَدوه وليس ببعيدٍ، لأنَّ صاحبه قد نظرَ إلى أنَّ الحَلّة لم تَستَدَّ يومئذٍ إلّا بما ذكر، فأمَّا

٢٠٢
باب ١٦ / ٥٥٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
الآن فإِنَّ الْخَلّة تَستَدّ بغير لحم الأُضحيَّة، فلا يعود الحكم إلّا لو فُرِضَ أنَّ الخَلّة لا تَسْتَدّ
إلّا بلحم الأُضحيَّة، وهذا في غاية النُّدور.
وحكى البيهقيُّ عن الشافعيّ: أنَّ النَّهي عن أكل لحوم الأضاحيّ فوق ثلاث كان في
الأصل للتَّنزيه، قال: وهو كالأمرِ في قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَلْعِمُواْ الْقَانِعَ﴾ [الحج: ٣٦]،
وحكاه الرَّافعيّ عن أبي عليّ الطَّبَريّ احتمالاً، وقال المهلَّب: إنَّه الصَّحيح، لقولِ عائشة:
وليس بعَزيمةٍ، والله أعلم.
٢٩/١٠
واستدلَّ بهذه الأحاديث/ على أنَّ النَّهي عن الأكل فوق ثلاث خاصٌّ بصاحبِ الأُضحيَّة،
فأمّا مَن أُهديَ له أو تُصُدِّقَ علیه فلا، لمفهوم قوله: ((من أُضحيَّته))، وقد جاء في حديث
الزُّبَير بن العَوّام عند أحمد (١٤٢٢) وأبي يَعْلى (٦٧١) ما يفيد ذلك ولفظه: قلتُ: يا نبيَّ الله
أَرأيتَ قد نُِّيَ المسلمون أن يأكلوا من لحم نُسُكهم فوقَ ثلاث، فكيف نَصنَع بما أُهديَ
لنا؟ قال: ((أمَّا ما أُهديَ إليكم فشأنكم به))(١)، فهذا نَصِّ في الهديَّة، وأمَّا الصَّدَقة فلأنَّ
الفقير لا حَجْر عليه في التَّصَرُّف فيما يُهدَى له، لأنَّ القصد أن تقع المواساةُ من الغني
للفقير، وقد حَصَلَت.
قوله: ((وعن مَعمَر، عن الزُّهْريِّ، عن أبي عُبيد نحوَه)) هذا ظاهره أنَّه معطوف على السَّنَد
المذكور، فيكون من رواية حِبّان بن موسى عن ابن المبارَك عن مَعمَر، وبهذا جَزَمَ
أبو العَبَّاس الطَّرْقيّ في ((الأطراف))، وهو مُقتَضَى صنيع المِّيّ، لكن أخرجه أبو نُعَيم في
(المستخرَج)) من طريق الحسن بن سفيان عن حِبّان بن موسى، فساقَ رواية يونس بتمامها،
ثمَّ أخرجه من رواية يزيد بن زُرَيع عن مَعمَر وقال: أخرجه البخاريّ عَقِبَ رواية ابن
المبارك عن يونس.
قلت: فاحتَمَلَ على هذا أن تكون رواية مَعمَر مُعلَّقة، وقد بيَّنتُ ما فيها من فائدة زائدة
قبلُ، ويُؤيِّده أنَّ الإسماعيليّ أخرجه عن الحسن بن سفيان عن حِبّان بسندِه، ومن طريق ابن
(١) إسناده ضعيف، وهو في «مسند أحمد» موقوف على الزبير.

٢٠٣
باب ١٦ / ٥٥٧٤
كتاب الأضاحي
وهب عن يونس ومالك كلاهما عن ابن شِهاب به، ثمَّ قال: قال البخاريّ: وعن مَعمَر عن
الزُّهْريِّ عن أبي عُبيد نحوه، ولم يَذكُر الخبر؛ أي: لم يُوصِل السَّنَد إلى مَعمَر.
٥٥٧٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيمِ، أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعدٍ، عن ابنِ أخي
ابنِ شِهابٍ، عن عَمِّه ابنِ شِهابٍ، عن سالم، عن عبدِ الله بنِ عمر رضي الله عنهما، قال
رسولُ اللهِ وَّ: ((كُلُوا منَ الأضاحيِّ ثلاثاً)). وكان عبدُ الله يأكلُ بالزَّيتِ حينَ يَنْفِرُ من مِنَّى،
من أجْلٍ لحومِ الهَدْيِ.
الحديث الثامن: قوله: ((محمَّد بن عبد الرحيم)) هو المعروف بصاعِقةَ، وابن أخي ابنِ شِهاب
اسمه: محمّد بن عبد الله بن مسلم، وسالم: هو ابن عبد الله بن عمر.
قوله: ((كُلوا من الأضاحيّ ثلاثاً)) أي: فقط، ولمسلم (١٩٧٠/ ٢٧) من طريق مَعمَر: نَهَى
أن تُؤگل لحوم الأضاحيّ بعد ثلاث، وله من طريق نافع عن ابن عمر: ((لا يأكل أحد من
◌ُضحیّته فوقَ ثلاثة أيام)».
قوله: (و کان عبد الله)) أي: ابن عمر «یأکل بالزَّیتِ)) سیأتي بیانُه.
قوله: ((حين يَنْفِرِ من مِنّى)) هذا هو الصَّواب، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ وحده:
((حتَّى)) بَدَل ((حين))، وهو تصحيف يُفسِد المعنى، فإنَّ المراد: أنَّ ابن عمر كان لا يأكل من
لحم الأُضحيَّة بعد ثلاث، فكان إذا انقَضَت ثلاثُ مِنَّى ائتَدَم بالزَّيت ولا يأكل اللَّحم،
تَسُّكاً بالأمرِ المذكور، ويدلّ عليه قوله في آخر الحديث: ((من أجل لحوم الهدي))، وكأنَّه أيضاً لم
يَبلُغه الإذنُ بعد المنع، وعلى رواية الكُشْمِيهنيّ يَنعَكِس الأمرُ ويصير المعنى: كان يأكل
بالزّيتِ إلى أن يَنْفِرِ، فإذا نَفَرَ أكل بغير الزَّيت، فيَدخُل فيه لحمُ الأُضحيَّة.
.وأمَّا تعبيره في الحديث بالهدي، فيحتمل أن يكون ابنُ عمر كان يُسوّي بين لحم الهدي
ولحم الأُضحيَّة في الحُكم، ويحتمل أن يكون أطلقَ على لحم الأُضحيَّة لحمَ الهدي لُناسَبة
أنَّه کان بمِنی.
وفي هذه الأحاديث من الفوائد غيرُ ما تقدَّم: نَسعُ الأنقَل بالأخَفّ، لأنَّ النَّهي عن ادِّخار

٢٠٤
باب ١٦ / ٥٥٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
......
لحم الأُضحيَّة بعد ثلاث ممّا يُقِل على المضَحِّينَ، والإذن في الادِّخار أخَفّ منه.
وفيه رَدّ على مَن يقول: إنَّ النَّسخ لا يكون إلّا بالأثقَلِ للأخَفّ، وعَكَسَه ابنُ العربيّ
زاعِماً أنَّ الإذن في الادِّخار نُسِخِ بالنَّهي، وتُعقّبَ بأنَّ الادِّخار كان مُباحاً بالبراءة الأصليَّة،
فالنَّهي عنه ليس نَسخاً، وعلى تقدير أن يكون نَسخاً ففيه نسخُ الكتاب بالسُّنّة، لأنَّ في
الكتاب الإذنَ في أكلها من غير تقييد لقولِه تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَلْعِمُواْ﴾، ويُمكِن أن يقال: إنَّه
تخصيص لا نَسغٌ، وهو الأظھَر.
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الأضاحيّ من الأحاديث المرفوعة على أربعة وأربعينَ حديثاً،
المعلَّق منها خمسة عشر والبقيَّة موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مَضَى تِسعةٌ وثلاثونَ حديثاً
والخالص خمسة، وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث قَتَادة بن النُّعمان في الباب الأخير،
٣٠/١٠ وسوى زيادة مُعلّقة في حديث أنس وهي قوله: ((بكَبشَينِ سمينَينٍ)) فإنَّ أصل/ الحديث عند
مسلم (١٩٦٦) سوى قوله: ((سمينَينِ)).
وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدهم سبعةُ آثار. والله سبحانه وتعالى أعلم.

٢٠٥
باب ١
ڪتاب الأشرية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الأشربة
٣١/١٠
١- وقولِ الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَتُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]
قوله: ((كتاب الأشربة، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَوْلَمُ رِجْسٌ﴾ الآية»
كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ الباقونَ إلى ﴿تُفْلِحُونَ﴾ كذا ذكر الآية وأربعة أحاديث تتعلَّق بتحريمِ
الخمر، وذلك أنَّ الأشربة منها ما يَحِلّ، وما يَرُم، فيُنظَر في حُكم كلّ منهما، ثمَّ في الآداب
المتعلِّقة بالشُّرب، فَبَدَأ بتبيينِ المحرَّم منها لقِلَّتِهِ بالنّسبة إلى الحلال، فإذا عُرِفَ ما يَحِرُم كان
ما عَدَاه حلالاً، وقد بيَّنتُ في تفسير المائدة(١) الوقت الذي نزلت فيه الآية المذكورة، وأنَّه
كان في عام الفتح قبل الفتح، ثمَّ رأيت الدِّمياطيّ في ((سيرته)) جَزَمَ بأنَّ تحريم الخمر كان
سنة الحدیبیة، والحديبية كانت سنة ستّ.
وذكر ابن إسحاق أنَّه كان في وقعَةِ بني النَّغیر، وهي بعد وقعة أُحُد، وذلك سنة أربع
على الرَّاجح، وفيه نظر، لأنَّ أنساً كما سيأتي في الباب الذي بعده (٥٥٨٢) كان الساقيَ يومَ
حُرِّمَت، وأنَّه لمَّا سمعَ المنادي بتحريمِها بادَرَ فأراقَها، فلو كان ذلك سنة أربع لكان أنس
يَصغُر عن ذلك.
وكأنَّ المصنِّف لَمَّحَ بِذِكْر الآية إلى بيان السَّبَب في نزولها، وقد مَضَى بيانه في تفسير
المائدة أيضاً من حديث عمر وأبي هريرة وغيرهما (٢)، وأخرج النَّسائيُّ (ك١١٠٨٦)
والبيهقيُّ (٢٨٥/٨) بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس: إنما نزلَ تحريم الخمر في قبيلتَينِ من
الأنصار، شَرِبوا فلمَّا ثَمِل القوم عَبِثَ بعضهم ببعضٍ، فلمَّا أن صَحَوا جَعَلَ الرجل يرى
في وجهه ورأسه الأثر، فيقول: صَنَعَ هذا أخي فلان، وكانوا إخوةً ليس في قلوبهم ضَغائنُ،
(١) عند شرح الحديث (٤٦٢٠).
(٢) عند شرح الحديث (٤٦٢٠) أيضاً.

٢٠٦
باب ١
فتح الباري بشرح البخاري
فيقول: والله لو كان بي رحيماً ما صَنَعَ بي هذا، حتَّى وَقَعَت في قلوبهم الضَّغائرُ، فأنزَلَ الله
عزَّ وجلَّ هذه الآية: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَرُ وَاَلْمَيْسِيرُ﴾ إلى ﴿ُّنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قال:
فقال ناس من المتكلِّفينَ: هي رِجسٌ، وهي في بطن فلان، وقد قُتِلَ يوم أُحُد، فَأَنزَلَ الله
تعالى: ((﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ إلى ﴿الْحْسِينَ﴾
[المائدة: ٩٣]. ووَقَعَت هذه الزّيادة في حديث أنس في البخاريّ كما مَضَى في المائدة (٤٦٢٠)،
ووَقَعَت أيضاً في حديث البراء عند القِّرمِذيّ (٣٠٥٠) وصححه، ومن حديث ابن عبّاس
عند أحمد (٢٠٨٨): لمَّا حُرِّمَتِ الخمرُ قال ناس: يا رسول الله، أصحابنا الذينَ ماتوا وهم
يشربونَها. وسنده صحيح(١)، وعند البزَّار من حديث جابر (٢): أنَّ الذي سألَ عن ذلك
اليهود، وفي حديث أبي هريرة الذي ذكرته في تفسير المائدة(٣) نحو الأوَّل(٤)، وزاد في آخره:
قال النبيّ وَّ: (لو حُرِّم عليهم لتركُوه كما تَرَكتُم)). قال أبو بكر الرَّازيّ في ((أحكام
القرآن)): يُستَفاد تحريم الخمر من هذه الآية من تسميتها رِجساً. وقد سُمّيَ به ما أُجمعَ على
تحريمه وهو لحم الخنزير ومن قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ [المائدة: ٩٠]، لأنَّ مهما كان من
عَمَل الشَّيطان حَرُمَ تَناوُله، ومن الأمر بالاجتنابِ، وهو للوجوبِ، وما وجَبَ اجتنابه
خَرُمَ تَناوُله، ومن الفَلاح المرتَّب على الاجتناب، ومن كَون الشُّرِب سبباً للعَدَاوة
والبغضاء بين المؤمنینَ، وتعاطي ما یوقع ذلك حرامٌ، ومن گونها تَصُدّ عن ذِكْر الله وعن
الصلاة، ومن خِتام الآية بقولِه تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْثُم ◌ُّنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] فإنَّه استفهام معناه
(١) کذا صححه الحافظ رحمه الله، مع أنه من رواية سماك عن عكرمة، وفي روایته عنه مقال معروفٌ، لكن لما
رأى الحافظ أنه روي عن ابن عباس من غير هذا الطريق صححه، والله تعالى أعلم. ثم إنَّ الحديث
أخرجه أيضاً الترمذي (٣٠٥٢).
(٢) كذا قال الحافظ هنا، وتقدم ذلك منه عند شرح الحديث (٤٦٢٠) بأنَّ الحديث من رواية جابر. وإنما هو
من رواية عبد الله بن مسعود عن البزار (١٥١٣)، والطبراني (١٠٠١١)، والحاكم (٤/ ١٤٣)، ولم يذكر
صاحب (مجمع الزوائد) روايةً عن جابر في ذكر سؤال اليهود ذلك، ولا السيوطي في ((الدر المنثور)).
لكن تقدم عن جابر عند البخاري (٢٨١٥) قال: اصطبح ناس الخمر يوم أحد، ثم قتلوا شهداء.
(٣) عند شرح الحديث (٤٦٢٠)، وعزاه هناك لأحمد، وهو في ((المسند) برقم (٨٦٢٠).
(٤) جاء في هامش (أ): أي حديث ابن عباس.

٢٠٧
باب ١
كتاب الأشربة
الرَّدْعُ والزَّجْرُ، ولهذا قال عمر لمَّا سمعَها: انتَهَينا انتَهَينا. وسَبَقَه إلى نحو ذلك الطََّريّ.
وأخرج الطبرانيُّ (١٢٣٩٩) وابن مَرْدويه وصَحَّحَه الحاكم (٤/ ١٤٤) من طريق
طلحة بن مُصرِّف عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس، قال: لمَّ نزلَ تحريم الخمر مَشَى
أصحابُ رسول الله وَّر بعضهم إلى بعض فقالوا: حُرِّمَتِ الخمر وجُعِلَت عَدْلاً للشّرك.
قيل: يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا الْخَتُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، فإنَّ الأنصاب
والأزلام من عَمَل المشرِكينَ بتَزيينِ الشَّيطان، فنُسِبَ العَمَل إليه. قال أبو اللَّيث السَّمَرْ قَنديّ:
المعنى أنَّه لمَّا نزلَ فيها أنَّهَا رِجْس من عَمَل الشَّيطان وأمَرَ باجتنابها عادَلَت قوله تعالى:
(﴿فَأَجْتَنِبُواْ الرّْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. وذكر أبو جعفر النَّحّاس أنَّ بعضهم
استَدَلَّ لتحريم الخمر بقوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ الْفَوَِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَاَلْإِثْمَ
وَالْبَغَىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] وقد قال تعالى في الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ
وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فلمَّا أخبر أنَّ في الخمر إثماً كبيراً ثمَّ صَرَّحَ بتحريمِ الإثم ثَبَتَ
تحريم الخمر بذلك. قال: وقول مَن قال: إنَّ الخمر تُسمَّى الإثمَ لم نَجِد له أصلاً في الحديث
ولا في اللُّغة، ولا دلالة أيضاً في قول الشّاعر(١):
شربت الإثم حتَّى ضَلَّ عقلي كذاك الإثمُ يَذهبُ بالعقولِ
فإنَّه أطلقَ الإثم على الخمر مجازاً بمعنى أنَّه يَنشَأ عنها الإثمُ.
٣٢/١٠
واللُّغة الفُصحَى تأنيث الخمر، وأثبَتَ أبو حاتم السِّجِستانيّ وابن قُتَيبة وغيرهما جواز
التَّذكير. ويقال لها: الخمرة، أثبتَه فيها جماعة من أهل اللَّغة منهم الجَوْهريّ، وقال ابن
مالك في ((المثلّث)): الخمرة هي الخمر في اللُّغة. وهل: سُمَّيَتِ الخمرَ لأنَّها تُغَطّ العقلَ
وتُخامِره، أي: تُخالطه. أو لأنَّها هي تُحُمَّر، أيّ: تُغَطَّى حتَّى تَغْلِي. أو لأنَّها تَخْتَمِر، أي: تُدرِك
كما يقال للعجينِ: اختَمَرَ؟ أقوالٌ سيأتي بسطها عند شرح قول عمر﴾: ((والخمر ما خامَرَ
العقلَ)) (٥٥٨١) إن شاء الله تعالى.
(١) نصَّ أبو حيان في ((البحر المحيط)) عند تفسير آية الأعراف المشار إليها، وكذا السمين الحلبي في ((الدر المصون))
إلى أنَّ هذا البيت مصنوع مُخْتَلَق.

٢٠٨
باب ١ / ح ٥٥٧٥ - ٥٥٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
٥٥٧٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما،
أنَّ رسولَ اللهِ لّه قال: «مَن شَرِبَ الخمرَ في الدُّنْيا ثمَّ لم يَتُبْ منها حُرِمَها في الآخرةِ».
٥٥٧٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزّهْريِّ، أخبَرَني سعيدُ بنُ المسيّبِ، أنَّه
سمعَ أبا هريرةَ ﴾: أنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ أَيَّ ليلةَ أُسِرِيَ به بإيلِيَاءَ بَقَدَحَينٍ من خمرٍ ولبنٍ، فَتَظَرَ
إليهما، ثمَّ أَخَذَ اللَّبَنَ، فقال جِبْرِيلُ: الحمدُ لله الذي هَداكَ للفِطْرةِ، ولو أخذتَ الخمرَ غَوَت
أُمَّتُكَ.
تابَعَه مَعمَرٌ وابنُ الهادِ والزُّبَيدِيُّ وعثمانُ بنُ عمرَ، عن الزُّهرِيِّ.
٥٥٧٧ - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ ﴾، قال: سمعتُ
من رسول الله ﴿ حديثاً لا يُحدِّثُكم به غيري، قال: ((مِن أشراطِ الساعةِ أن يَظْهَرَ الجَهْلُ،
ويَقِلَّ العِلْمُ، ويَظْهَرَ الزُّنى، وتُشْرَبَ الخمرُ، ويَقِلَّ الرِّجالُ، ويَكَثُرُ النِّساءُ، حَتَّى يكونَ لخمسينَ
امرأةٌ قَيِّمُهُنَّ رجلٌ واحدٌ».
٥٥٧٨ - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ،
قال: سمعتُ أبا سَلَمَةَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ وابنَ المسيّبِ يقولان: قال أبو هريرةَ﴾: إنَّ النبيَّ ◌َاهـ
قال: ((لا يَزْني الزّاني حينَ يَزِني وهو مُؤْمِنٌ، ولا يشربُ الخمرَ حينَ يَشْرَبُها وهو مُؤْمِنٌ، ولا
يَسرِقُ السارقُ حينَ يَسِرِقُ وهو مُؤمِنٌ)).
قال ابنُ شِهابٍ: وأخبرني عبدُ الملِك بنُ أبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ: أنَّ
أبا بكرٍ كان يُحدِّثُه عن أبي هريرةَ، ثمَّ يقول: كان أبو بكرٍ يُلحِقُ معَهِنَّ: ((ولا يَنْتَهِبُ نُهْبةً ذاتَ
شَرَفٍ يَرفَعُ الناسُ إليه أبصارَهم فيها حينَ يَنتَهِبُها وهو مُؤمِنٌ)).
الحديث الأول: حديث ابن عمر من طريق مالك عن نافع عنه، وهو من أصحّ
الأسانيد.
قوله: ((مَن شَرِبَ الخمر في الدُّنْيا ثمَّ لم يَتُب منها، حُرِمَها في الآخرة)) ((حُرِمَها)) بضمِّ المهمَلة
وكسر الرَّاء الخفيفة من الحِرمان، زاد مسلم (٢٠٠٣/ ٧٧) عن القَعنبيّ عن مالك في آخره:

٢٠٩
باب ١ / ح ٥٥٧٨
كتاب الأشربة
(لم يُسْقَها))، وله (٧٣/٢٠٠٣) من طريق أيوب عن نافع بلفظ: «فماتَ وهو مُدْمِنُها لم
يشربها في الآخرة)) وزاد مسلم في أوَّل الحديث مرفوعاً: ((كلّ مُسكِر خمر، وكلّ مُسكِر
حرام)) وأورَدَ هذه الزّيادة مُستَقِلّة أيضاً (١٤/٢٠٠٣ و ٧٥) من رواية موسى بن عُقْبة
وعُبيد الله بن عمر(١)، كلاهما عن نافع، وسيأتي الكلام عليها في ((باب الخمر من العَسَل))(٢).
ويأتي كلام ابن بَطّال فيها في آخر هذا الباب.
وقوله: (ثمَّ لم يَتُب منها)) أي: من شُربها، فحُذِفَ المضاف وأُقيم المضافُ إليه مقامه.
قال الخطَّبيُّ والبَغويّ في ((شرح السُّنّة): معنى الحديث لا يَدخُل الجنَّة، لأنَّ الخمر
شراب أهل الجنَّة، فإذا حُرِمَ شُربَها دلَّ على أنَّه لا يَدخُل الجنَّة(٣).
وقال ابن عبد البَرِّ: هذا وعيد شديد يدلّ على حِرمان دخول الجنَّة، لأنَّ الله تعالى
أخبر أنَّ في الجنَّة أنهاراً لخَمْرٍ لَذّةٍ للشّاربينَ، وأَّهم لا يُصدَّعونَ عنها ولا يُنِفونَ. فلو
دَخَلَها، وقد علم أنَّ فيها خمراً أو أنَّه حُرِمَها عقوبة له، لَزِمَ وقوعُ الهَمّ والحزن له، والجنةُ لا
هَمَّ فيها ولا حزن، وإن لم يعلم بوجودِها في الجنَّة ولا أنَّه حُرِمَها عقوبةً له، لم یکن عليه في
فَقْدها ألَمٌّ، فلهذا قال بعض مَن تقدَّمَ: إنَّه لا يَدخُل الجنَّة أصلاً، قال: وهو مذهبٌ غير
مَرضِيّ. قال: ويُحمَل الحديث عند أهل السُّنّة على أنَّه لا يَدخُلها ولا يشرب الخمر فيها إلّا
إن عَفَا الله عنه كما في بقيّة الكبائر، وهو في المشيئة، فعلى هذا فمعنى الحديث: جزاؤُه في
الآخرة أن يُجُرَمها لحرمانه دخول الجنَّة إلّا إن عفا الله عنه. قال: وجائز أن يَدخُل الجنَّة
بالعفو، ثمَّ لا يشرب فيها خمراً ولا تَشتَهيها نفسه، وإن علم بوجودِها فيها، ويُؤدِّده حدیث
(١) لفظ عبيد الله: ((وكل خمرٍ حرام)).
(٢) عند شرح الحديث (٥٥٨٥، ٥٥٨٦).
(٣) هذا الذي قاله الخطابي والبغوي هو نظير قول عبد الله بن الزبير بن العوام، وقد روى عن عمر بن
الخطاب عن النبي ◌َّير: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة))، فقال عبد الله بن الزبير: ومن لم
يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة، قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. أخرجه أحمد
(٢٥١) وغيره.

٢١٠
باب ١ / ح ٥٥٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
أبي سعيد مرفوعاً: ((مَن لَبِسَ الحرير في الدُّنيا لم يَلْبَسْه في الآخرة، وإن دَخَلَ الجنَّة لَبِسَه
أهل الجنَّة ولم يَلبَسْه هو)).
قلت: أخرجه الطیالسيّ (٢٣٣١) وصحَّحه ابن حبان (٥٤٣٧)(١). وقریب منه حدیث
عبد الله بن عَمْرو رَفَعَه: ((مَن ماتَ من أمَّتي وهو يشرب الخمر حَرَّمَ الله عليه شُربها في
الجنَّة)). أخرجه أحمد (٦٩٤٨) بسند حسن.
وقد لَّصَ عِيَاضُ كلام ابن عبد البَرِّ وزاد احتمالاً آخر، وهو أنَّ المراد بحِرمانه شُربَها:
أنَّه يُحْبَس عن الجنَّة مُدّة إذا أراد الله عُقوبَته، ومثله الحديث الآخر: ((لم يَرَح رائحة
الجنَّة))(٢). قال: ومَن قال: لا يشربها في الجنَّة بأن يُنسَّاها أو لا يشتهيها يقول: ليس عليه في
ذلك حَسْرَةٌ ولا يكون تَركُ شَهوته إيّاها عقوبةً في حَقّه، بل هو نقصُ نَعيم بالنِّسبة إلى مَن
هو أتُمُّ نَعيماً منه، كما تختلف دَرَجاتهم، ولا يَلحَقُّ مَن هو أَنْقَصُ درجةً حينئذٍ بمَن هو أعلى
درجةً منه، استغناء بما أُعطيَ واغتباطاً له.
وقال ابن العربيّ: ظاهر الحديثَينِ أنَّه لا يشرب الخمر في الجنَّة ولا يَلْبَس الحرير فيها،
وذلك لأنَّه استَعجَلَ ما أُمِرَ بتأخيره ووُعِدَ به، فحُرِمَه عند میقاته، کالوارثِ فإنَّه إذا قتل
مُورِّثه فإنَّه يُجرَم ميراثه لاستعجاله. وبهذا قال نَفَر من الصحابة ومن العلماء، وهو موضع
احتمال ومَوقِف إشكال، والله أعلم كيف يكون الحال.
٣٣/١٠
وفَصَلَ بعض المتأخّرينَ بين مَن يشربها مُستَحِلًّا، فهو / الذي لا يشربها أصلاً، لأنَّه لا
يَدخُلِ الجنَّة أصلاً وعَدَم الدُّخول يَسْتَلِزِم حِرماتَها، وبين مَن يشربها عالماً بتحريمِها فهو
مَحَلّ الْخِلَاف، وهو الذي يُحرَمِ شُربها مُدّةً، ولو في حال تعذيبه إن عُذِّبَ، أو المعنى أنَّ
ذلك جزاؤه إن جُوزيَ، والله أعلم.
وفي الحديث أنَّ الثَّوبة تُكفِّر المعاصي الكبائر، وهو في التَّوبة من الكفر قطعيٌّ، وفي غيره
(١) فات الحافظ رحمه الله أن يخرّج الحديث من ((سنن النسائي الكبرى)) (٩٥٣٤).
(٢) انظر الحديث السالف برقم (٣١٦٦).

٢١١
باب ١ / ح ٥٥٧٨
كتاب الأشربة
من الذُّنوب خِلَاف بين أهل السُّنّة هل هو قطعيّ أو ظنّيّ. قال النَّوويّ: الأقوى أنَّه ظنّيّ،
وقال القُرطُبيّ: مَن استقرأ الشَّريعة علم أنَّ الله يَقبلُ توبةَ الصّادقينَ قطعاً. وللتّوبة الصّادقة
شروط سيأتي البحثُ فيها في كتاب الرِّقاق(١). ويُمكِن أن يُستَدَلّ بحديث الباب على صِحّة
الثَّوبة من بعض الذُّنوب دونَ بعض، وسيأتي تحقيق ذلك.
وفيه أنَّ الوعيد يَتناول مَن شَرِبَ الخمر وإن لم يَحصُل له السُّكر، لأنَّه رَتَّبَ الوعيد في
الحديث على مُجرَّد الثُّرب من غير قَيد، وهو مُجمَع عليه في الخمر المَّخَذ من عَصيرِ العِنَب،
وكذا فيما يُسكِر من غيرها، وأمَّا ما لا يُسكِر من غيرها فالأمر فيه كذلك عند الجمهور كما
سيأتي بيانه. ويُؤْخَذ من قوله: ((ثُمَّ لم يَتُب منها)) أنَّ التَّوبة مشروعة في جميع العمر ما لم يَصِل
إلى الغَرْغَرةِ، لِمَا دَلَّ عليه (ثمَّ)) من التَّراخي، وليس المبادَرة إلى التَّوبة شرطاً في قَبُولها، والله
أعلم.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة.
قوله: ((بإيلِيَاءَ)) بكسر الهمزة وسكون التَّحتانيَّة وكسر اللّام وفتح التَّحتانيَّة الخفيفة مع
المدّ: هي مدينة بيت المقدس، وهو ظاهر في أنَّ عَرْض ذلك عليه وَّهِ وَقَعَ وهو في بيت
المقدِس، لكن وَقَعَ في رواية اللَّيث التي تأتي الإشارة إليها: ((إلى إيلياء))، وليست صريحةً في
ذلك، لجوازٍ أن يريد تعيين ليلة الإيتاء لا مَحَلّه، وقد تقدَّم بيان ذلك مع بقيّة شرحه في
أواخر الكلام على حديث الإسراء (٣٨٨٧) قبل الهجرة إلى المدينة.
وقوله فيه: ((ولو أخذت الخمر غَوَت أمَّتُك)) هو مَحَلّ التَّرجمة، قال ابنُ المنيِّر (٢):
يحتمل أن يكون وَل﴿ نَفَرَ من الخمر، لأنَّ تَفرَّسَ أنَّهَا سَتُحرَّمُ لأنَّها كانت حينئذٍ مُباحةً، ولا
٣
مانع من افتِراق مُباحَينِ مُشتَرِكَينٍ في أصل الإباحة في أنَّ أحدهما سَيُحرَّمُ والآخر تَستَمِّرٌ
إباحته.
(١) بل في أول الدعوات في شرح ترجمة الحديث (٦٣٠٨)، وكذلك في التوحيد عند شرح الحديث (٥٧٠٧).
(٢) في (س): قال ابن عبد البر، والمثبت من الأصلين، وهو يوافق ما نقله القسطلّاني في ((إرشاد الساري)،
فالظاهر أنَّ ما في (س) خطأ، والله أعلم.

٢١٢
.--- ... ..
باب ١ / ح ٥٥٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: ويحتمل أن يكون نَفَرَ منها لكَونِه لم يَعتَدْ شُربَها فوافَقَ بطَبْعِه ما سيقعُ من
تحريمها بعدُ، حِفظاً من الله تعالى له ورِعايةً، واختارَ اللَّبَن لكَونِهِ مألوفاً له، سَهلاً طيِّباً
طاهراً، سائغاً للشارِب، سليم العاقبة، بخلاف الخمر في جميع ذلك. والمراد بالفِطْرة هنا:
الاستقامة على الدّين الحقّ. وفي الحديث مشروعيَّ الحمد عند حصول ما يُحمَد ودفع ما
◌ُذَر.
وقوله: (غَوْت أمّتك)) يحتمل أن يكون أخَذَه من طريق الفَال، أو تقدَّم عنده عِلْم بتَرَتُبٍ
كلٌّ من الأمرَينِ، وهو أظھَر.
قوله: ((تابَعَه مَعمَر وابن الهادِ وعُثْمان بن عمر، عن الزُّهْرِيِّ) يعني: بسندِه. ووَقَعَ في غير
رواية أبي ذرِّ زيادة الزُّبَيديّ(١) مع المذكورينَ بعد عثمان بن عمر، فأمَّا مُتَابَعة مَعمَر فَوَصَلَها
المؤلِّف في قصَّة موسى من أحاديث الأنبياء (٣٤٣٧)، وأُوَّلَ الحديث ذِكْرُ موسى وعيسى
وصِفَتِهما، وليس فيه ذِكْر إيلياء، وفيه: ((اشرَب أَيَّهما شِئتَ، فأخذت اللَّبَن فشَرِبتُه)).
وأمَّا رواية ابن الهادِ - وهو يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهادِ اللَّيْثِيّ، يُنسَب لجَدِّ أبيه -
فوصَلَها النَّسائيُّ (ك٧٥٩٢) وأبو عَوَانة (٨١٣٨) والطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٨٧٦٨) من
طريق اللَّيث عنه عن عبد الوهّاب بن بُخْت عن ابن شِهاب، وهو الزُّهْريّ، قال الطبرانيُّ:
تفرَّد به يزيد بن الهادِ عن عبد الوهاب. فعلى هذا فقد سَقَطَ ذِكْر عبد الوهّاب من الأصل
بين ابن الهادِ وابن شِهاب، على أنَّ ابن الهادِ قد روى عن الزُّهْريِّ أحاديث غير هذا بغير
واسطة، منها ما تقدَّم في تفسیر المائدة (٤٦٢٣) قال البخاريّ فیه: وقال یزید بن الهادِ عن
٣٤/١٠ الزُّهْريِّ، فذكره، ووَصَلَه أحمد (٨٧٨٧) وغيره من طريق ابن الهادِ عن الزُّهْريِّ/ بغير
واسطة(٢).
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، ولعله سقط من نسخته التي برواية أبي ذر ذِكْرُ الزُّبيدي، وإلّا فهو ثابت في
رواية أبي ذر الهروي، كما في اليونينية ونسخة نفيسةٍ عندنا بروايته، غير أنه وقع في رواية أبي ذر تقديم
الزبيدي على عثمان بن عمر.
(٢) يعني وصل القصة المذكورة في تفسير المائدة.

٢١٣
باب ١ / ح ٥٥٧٨
كتاب الأشربة
وأمَّا رواية الزُّبَيديّ فوصَلَها النَّسائيُّ (ك٧٥٩٦) وابن حِبّان (٥٢) والطبرانيُّ في
((مُسنَد الشّاميّينَ)) (١٧٢٤) من طريق محمَّد بن حَرْب عنه، لكن ليس فيه ذِكرُ إيلياء
أيضاً (١).
وأمَّا رواية عثمان بن عمر فوصَلَها تمام الرَّازيّ في ((فوائده)) (١٧٣١) من طريق إبراهيم
ابن المنذر عن عمر بن عثمان عن أبيه عن الزُّهْريِّ به. وأمَّا ما ذكره المِّيّ في ((الأطراف)»
عن الحاكم أنَّه قال: أراد البخاريّ بقولِه: تابَعَه ابن الهادِ وعثمان بن عمر عن الزُّهْريِّ،
حدیثَ ابن الهادِ عن عبد الوهاب، وحدیثَ عثمان بن عمر بن فارس عن يونس، كلاهما
عن الزُّهْريِّ.
قلت: وليس كما زَعَمَ الحاكمُ وأقَرَّه المِزّيّ في عثمان بن عمر، فإنَّه ظنَّ أنَّه عثمان بن
عمر بن فارس الراوي عن يونس بن یزید، ولیس به، وإنّما هو عثمان بن عمر بن موسى بن
عُبيد الله بن معمر(٢) التّْميّ، ولیس لعثمان بن عمر بن فارس ولد اسمه عمر يروي عنه،
وإنَّما هو ولد التَّيْميِّ كما ذكرته من ((فوائد تمام))، وهو مدنيّ، وقد ذكر عثمان الدَّارِميُّ أنَّه
سألَ يحيى بن مَعِين عن عمر بن عثمان بن عمر المدنيّ عن أبيه عن الزُّهْريِّ، فقال: لا أعرِفه
ولا أعرِف أباه. قلت: وقد عَرَفَهما غيره، وذكر الزُّبَير بن بَّار في ((النَّسَب)) عثمانَ بن
عمر(٣) المذكور فقال: إنَّه وليَ قضاء المدينة في زمن مروان بن محمَّد(٤)، ثمَّ وليَ القضاء
للمنصورِ وماتَ معه بالعراق، وذكره ابن حِبّان في ((الثُّقات))، وأكثرَ الدّارَ قُطنيُّ من ذِكْره
في ((العِلَل)) عند ذِكْره للأحاديثِ التي تختلف رواتها عن الزُّهْرِيّ، وكثيراً ما يُرجِّحُ روايتَه
عن الزُّهْريّ، والله أعلم.
(١) لكن جاء ذكر إيلياء في رواية يحيى بن حمزة عن الزُّبيدي عند أبي عوانة (٨١٣٧).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: عبد الله بن عمر.
(٣) تحرَّفت العبارة في (س) إلى: وذكره الزبير بن بكار في ((النسب)) عن عثمان المذكور.
(٤) في «أخبار القضاة» لمحمد بن خلف الملقب و کیعاً ١/ ١٨٠ أنه كان قبله قاضیاً زمن یزید بن الوليد بن
عبد الملك، وقال: وكان عثمان بن عمر من رُفعاء الناس وجِلَّتهم، قلنا: وله ترجمة في ((تاريخ دمشق))
لابن عساكر ٩/٤٠.

٢١٤
باب ١ / ح ٥٥٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثالث: حديث أنس.
قوله: ((هشام)) هو الدَّستُوائيّ.
قوله: ((لا يُحدِّثكم به غيري)) كأنَّ أنساً حدَّث به في أواخر عمره فأطلقَ ذلك، أو كان
يعلم أنَّه لم يسمعه من النبيّ وَّهَ إلّا مَن كان قد ماتَ.
قوله: ((وتُشْرَب الخمر)) في رواية الكُشْمِيهنيّ(١): ((وشرب الخمر)) بالإضافة، ورواية
الجماعة أولى للمُشاكلة.
قوله: ((حتَّى يكون لخمسينَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((حتَّى يكون خمسونَ امرأةً قَيِّمُهُنَّ
رجلٌ واحدٌ)) وسَبَقَ شرح الحديث مُستَوفَّى في كتاب العلم (٨٠و٨١). والمراد أنَّ مِن
أشراط الساعة گثْرة شُرب الخمر، گَسائرِ ما ذُكِرَ في الحديث.
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة: ((لا يَزني الزّاني حين يَزني وهو مُؤْمِن)) وَقَعَ في أكثر
الرِّوايات هنا: ((لا يَزني حين يَزني)) بحذفِ الفاعل، فقدَّرهُ بعضُ الشُّرّاح: الرجل أو المؤمن
أو الزّاني، وقد بيَّنَتْ هذه الرِّواية تعيينَ الاحتمال الثّالث.
قوله: ((ولا يَشْرَب الخمر حين يَشْرَبها وهو مُؤْمِن)) قال ابن بَطّال: هذا أشدُّ ما ورَدَ في
شُرب الخمر، وبه تَعلَّقَ الخوارج فكَفَّروا مُرتَكِب الكبيرة عامداً عالماً بالتَّحريم، وَمَلَ أهلُ
السُّنّة الإيمان هنا على الكامل، لأنَّ العاصي يصير أنقَص حالاً في الإيمان ممَّن لا يَعصي.
ويحتمل أن يكون المراد أنَّ فاعل ذلك يؤول أمرُه إلى ذَهاب الإيمان، كما وَقَعَ في حديث
عثمان الذي أوَّلُه: ((اجتَنِبوا الخمر فإنَّهَا أمّ الخبائث - وفيه - وإنَّها لا تَجَتَمِع هي والإيمان إلّا
وأوشَكَ أحدُهما أن يُخْرِج صاحبَه)) أخرجه البيهقيُّ(٢) مرفوعاً وموقوفاً (٢٨٧/٨-٢٨٨)،
وصَحَّحَه ابن حِبّان(٣) مرفوعاً (٥٣٤٨).
(١) كذا في الأصلين و(س)، والذي في اليونينية و((إرشاد الساري)) أنَّ تلك رواية المستملي، فالله تعالى أعلم.
(٢) فات الحافظ رحمه الله تعالى أن يُحُرِّجه من ((سنن النسائي)) (٥٦٦٦) و(٥٦٦٧)، وكلتا روايتيه عن عثمان موقوفاً.
(٣) إسناده ضعيف مرفوعاً، والصواب وقفُه كما قال أبو زرعة والدار قطني والبيهقي.

٢١٥
باب ٢
كتاب الأشرية
قال ابن بَطّال: وإنَّما أدخَلَ البخاريّ هذه الأحاديث المشتَمِلة على الوعيد الشّديد في
هذا الباب ليكونَ عِوضاً عن حديث ابن عمر: ((كلّ مُسكِر حرام)) وإنَّما لم يَذْكُره في هذا
الباب لكَونِه رويَ موقوفاً. كذا قال، وفيه نظر، لأنَّ في الوعيد قَدراً زائداً على مُطلَق
التَّحريم، وقد ذكر البخاريّ ما يُؤَدّي معنى حديث ابن عمر بعدُ كما سيأتي قريباً(١).
قوله: ((قال ابن شهاب)» هو موصول بالإسناد المذكور.
قوله: ((أنَّ أبا بكر أخبره)» هو والد عبد الملك شیخ ابن شهاب فيه.
قوله: ((ثمَّ يقول: كان أبو بكر)) هو ابن عبد الرَّحمن المذكور، والمعنى: أنَّه كان يزيد ذلك
في حديث أبي هريرة، وقد مَضَى بيان ذلك عند ذِكْر شرح الحديث في كتاب المظالم
(٢٤٧٥)، ويأتي مزيد لذلك في كتاب الحدود (٦٧٧٢) إن شاء الله تعالى.
٢ - بابٌ الخمر من العنب وغيره
قوله: ((باب الخمر من العِنَب وغيره)) كذا في ((شرح ابن بَطّال))(٢)، ولم أرَ لفظ: ((وغيره)) في ٣٥/١٠
شيء من نُسَخ ((الصَّحيح)) ولا من المستخرَجات ولا الشُّروح سواه.
قال ابن المنيِر: غَرَض البخاريّ الردّ على الكوفيّينَ إذ فَرَّقوا بين ماء العِنَب وغيره فلم
يُحرِّموا من غيره إلّ القَدر المسكِرِ خاصّة، وزَعَموا أنَّ الخمر ماءُ العِنَب خاصّة. قال: لكن
في استدلاله بقولِ ابن عمر - يعني: الذي أورَدَه في الباب: حُرِّمَتِ الخمر وما بالمدينة منها
شيء - على أنَّ الأنبذة التي كانت يومئذٍ تُسمَّى خمراً، نظرٌ، بل هو بأن يدلّ على أنَّ الخمر
من العِنَب خاصّة أجدَر، لأنَّه قال: وما منها بالمدينة شيء - يعني الخمر - وقد كانت
الأنبِذة من غير العِنَب موجودةً حينئذٍ بالمدينة، فدَلَّ على أنَّ الأنبذة ليست خمراً، إلّا أن يقال:
(١) على أنَّ دعوى عدم إخراج الحديث المذكور أيضاً غير مسلَّمة، فإنَّ البخاري وإن لم يخرجه من حديث ابن
عمر، قد أخرجه من حديث أبي موسى الأشعري برقم (٤٣٤٤) باللفظ المذكور، وكذا أخرجه من
حديث عائشة برقم (٢٤٢) و(٥٥٨٥) بلفظ: ((كل شراب أسكر فهو حرام)).
(٢) وكذا هو في ((المتواري على أبواب البخاري)) لناصر الدين ابن المنيِر، وكذلك في النسخة التي لدينا برواية
أبي ذرّ الهروي.

٢١٦
باب ٢
فتح الباري بشرح البخاري
إنَّ كلام ابن عمر يتزَّل على جواب قول قائلٍ: لا خمر إلّا من العِنَب، فنقُول له: قد حُرِّمَتِ
الخمر وما بالمدينة من خمر العِنَب شيء، بل كان الموجود بها من الأشربة ما يُصنَع من البُسْر
والتَّمر ونحو ذلك، وفَهمَ الصحابة من تحريم الخمر تحريم ذلك كلّه، ولولا ذلك ما بادَروا
إلى إراقتها.
قلت: ويحتمل أن يكون مُراد البخاريّ بهذه التَّرجمة وما بعدها أنَّ الخمر يُطلقُ على ما
يُتَّخَذ من عَصير العِنَب، ويُطلَق على نبيذ البُسْرِ والتَّمر، ويُطلَق على ما يُتَّخَذ من العَسَل،
فعَقَدَ لكلِّ واحد منها باباً، ولم يُرِدِ حَصر التَّسمية في العِنَب، بدليلٍ ما أورَدَه بعده. ويحتمل
أن يريد بالتَّرجمة الأولى الحقيقةَ وبما عَداها المجازَ، والأوَّل أظهر مِن تَصَرُّفه.
وحاصله أنَّه أراد بيان الأشياء التي ورَدَت فيها الأخبار على شرطه لمَا يُتَّخَذ منه
الخمر، فبَدَأ بالعِنَبِ لكَونِهِ المتَّفَق عليه، ثمَّ أردَفَه بالبُسرِ والتَّمر، والحديث الذي أورَدَه فيه
عن أنس ظاهر في المراد جدّاً، ثمَّ ثَلَّثَ بالعَسَلِ إشارةً إلى أنَّ ذلك لا يَخْتَصّ بالتَّمرِ والبُسْرِ،
ثُمَّ أتى بترجمةٍ عامّة لذلك وغيره وهي ((الخمر ما خامَرَ العقل))(١)، والله أعلم.
وفيه إشارة إلى ضعف الحديث الذي جاء عن أبي هريرة مرفوعاً: ((الخمر من هاتينِ
الشَّجَرتَينِ: النَّخلة والعِنَبة))(٢) أو أنَّه ليس المراد به الحَصرَ فيهما، والمُجمَع على تحريمه
عَصير العِنَب إذا اشتَدَّ، فإنَّه يَحَرُم تَناوُل قليله وكثيره بالاتّفاق. وحكى ابن قُتَيبة عن قوم
من ◌ُجّان أهل الكلام: أنَّ النَّهي عنها للكراهة، وهو قول مَهجور لا يُلتَفَت إلى قائله.
وحكى أبو جعفر النَّحّاس عن قوم: أنَّ الحرام ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه ليس بحرام،
قال: وهذا عظيم من القول يلزم منه القول بحِلُّ كلّ شيء اختُلِفَ في تحریمه، ولو كان
٣٦/١٠ مُستَنَد/ الخِلَاف واهياً.
ونَقَلَ الطَّحَاويُّ في ((اختلاف العلماء)) عن أبي حنيفة: الخمر حرام قليلها وكثيرها، والسَّكَر
من غيرها حرام وليس كَتحريم الخمر، والنبيذ المطبوخ لا بأس به من أيّ شيء كان، وإنَّما يَحُرُم
(١) هو الباب رقم (٥).
(٢) هو في ((صحيح مسلم)) (١٩٨٥).

٢١٧
باب ٢ / ح ٥٥٧٩ - ٥٥٨١
كتاب الأشربة
منه القَدْر الذي يُسكِر. وعن أبي يوسف: لا بأس بالنَّقيع من كلّ شيء وإن غَلَى إلّا الَّبيب
والتَّمر، قال: وكذا حكاه محمَّد عن أبي حنيفة. وعن محمّد: ما أسكَرَ كثيره فأحَبّ إليَّ أن لا
أشرَبه ولا أُحرِّ مه. وقال الثَّوْريّ: أكره نَقيع الثَّمر ونَقيع الَّبيب إذا غَلَى. قال: ونَقيع العَسَلِ
لا بأس به.
٥٥٧٩- حدَّثني الحسنُ بنُ الصَّبَّحِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ سابِقٍ، حدَّثنا مالكٌ، هو ابنُ مِغْوَلٍ،
عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: لقد حُرِّمَتِ الخمرُ وما بالمدينةِ منها شيءٌ.
٥٥٨٠- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا أبو شِهابٍ عبدُ رَبِّه بنُ نافع، عن يونُسَ، عن ثابتٍ
البُنانيِّ، عن أنسٍ، قال: خُرِّمَت علينا الخمرُ حينَ خُرِّمَت، وما نَجِدُ خمرَ الأعناب إلّا قليلاً،
وعامّةُ خرِنا البُسْرُ والنَّمْر.
٥٥٨١- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن أبي حَيّانَ، حدَّثنا عامرٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما، قال: قامَ عمرُ على المِنْبِرِ، فقال: أمَّا بعدُ، نزلَ تَحِرِيمُ الخمرِ وهي من خمسةٍ: العِنَبِ،
والتَّمْرِ، والعَسَلِ، والحِنْطةِ، والشَّعِيرِ. والخمرُ ما خامَرَ العَقْلَ.
قوله: (حدَّثني الحسن بن الصَّبَّاح)) هو البَّار آخره راء، ومحمَّد بن سابِقٍ من شيوخ البخاريّ،
وقد ◌ُدِّث عنه بواسطةٍ گَهذا.
قوله: ((حدَّثنا مالكٌ هو ابن مِغْوَلٍ)» كان شيخُ البخاريّ حدَّثه به، فقال: حدَّثنا مالك،
ولم يَنْسُبه، فنَسَبَه هو لئلا يَلتَبِس بمالك بن أنس، وقد أخرج الإسماعيليّ الحديث المذكور
من طريق محمَّد بن إسحاق الصَّغَانيّ عن محمَّد بن سابِقٍ فقال: عن مالك بن مِغْوَل.
قوله: ((وما بالمدينةِ منها شيءٌ) يحتمل أن يكون ابنُ عمر نَفَى ذلك بمُقتَضَى مَا عِلِمَ، أو
أراد المبالَغة من أجل قِلَّتها حينئذٍ بالمدينة فأطلقَ النَّفيَ، كما يقال: فلان ليس بشيءٍ مُبالَغةً،
ويُؤيِّده قول أنس المذكور في الباب: وما نَجِدُ خمر الأعناب إلّا قليلاً .. ويحتمل أن يكون
مُراد ابن عمر: وما بالمدينة منها شيء، أي: يُعصَر، وقد تقدَّم في تفسير المائدة (٤٦١٦) من
وجه آخر عن ابن عمر قال: نزلَ تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذٍ لَخمسةَ أشربة ما فيها شراب

٢١٨
باب ٢ / ح ٥٥٨١
فتح الباري بشرح البخاري
العِنَب. وُلَ على ما كان يُصنَع بها لا على ما يُجْلَب إليها.
وأمَّا قول عمر في ثالث أحاديث الباب: نزلَ تحريم الخمر وهي من خمسة، فمعناه: أنَّها
كانت حينئذٍ تُصنَع من الخمسة المذكورة في البلاد، لا في خُصوص المدينة، كما سيأتي تقريره
بعد بابین (٥٥٨٨) مع شرحه.
قوله: ((عن يونس)) هو ابنُ عُبيد البصريّ.
قوله: ((وعامّة خمرنا البُسْر والتَّمْر)) أي: النبيذ الذي يصير خراً كان أكثر ما يُتَّخَذ من
البُسرِ والتَّمر. قال الكِرْمانيُّ: قوله: ((البُشْر والتَّمر، مَجاز عن الشَّراب الذي يُصنَع منهما،
وهو عكس ﴿إِنِىّ أَرَنِىّ أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ [يوسف: ٣٦] أو فیه حذف تقديره: عامّة أصل خمرنا
أو مادَّته، وسيأتي في الباب الذي بعده (٥٥٨٤) من وجه آخر عن أنس قال: إنَّ الخمر
حُرِّمَتْ والخمر يومئذٍ البُسْر. وتقدير الحذف فيه ظاهر.
وأخرج النَّسائُّ (٥٥٤٦) وصحّحَه الحاكم (٤/ ١٤١) من روایة محارب بن دِثار عن
جابر عن النبيّ وَلّه قال: ((الَّبيب والتَّمر هو الخمر)) وسنده صحيح(١)، وظاهره الخَصر
لكن المراد المبالَغة، وهو بالنِّسبة إلى ما كان حينئذٍ بالمدينة موجوداً كما تَقرَّرَ في حديث أنس،
وقيل: مُراد أنس الردّ على مَن خَصَّ اسم الخمر بما يُتَّخَذ من العِنَب، وقيل: مُراده أنَّ
التَّحريم لا يَخْتَصّ بالخمرِ المَّخَذة من العِنَب، بل يَشرَكها في التَّحريم كلَّ شراب مُسكِرِ،
وهذا أظهَر، والله أعلم.
قوله: ((يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، وأبو حَيّان: هو يحيى بن سعيد التَّيْمَيّ، وعامر:
هو الشّعْبيّ.
قوله: ((قامَ عمر على المِنِبَرَ، فقال: أمَّا بَعْد، نزلَ تحریمُ الخمر)) ساقَه من هذا الوجه مختصراً،
(١) كذا صحح الحافظُ رحمه الله إسنادَه باللفظ المذكور مرفوعاً، مع أنَّ فيه اختلافاً في رفعه ووقفه، فقد رواه
مرفوعاً الأعمش عن محارب بن دثار، وخالفه سفيان الثوري وشعبة عند النسائي (٥٥٤٤) و(٥٥٤٥)،
وكذلك عبد الرحيم بن سليمان عند ابن أبي شيبة ٨/ ١٨١، ثلاثتهم عن محارب، به موقوفاً وقالوا:
البسر والتمر، بدل: الزبيب والتمر.

٢١٩
باب ٣ / ج ٥٥٨٢ - ٥٥٨٣
كتاب الأشربة
وسيأتي بعد قليل (٥٥٨٨) مُطوَّلاً. قال ابن مالك: فيه جواز حذف الفاء في جواب ((أمَّا
بعد)). قلت: لا حُجّة فيه(١)، لأنَّ هذه رواية مُسدّد هنا، وسيأتي قريباً (٥٥٨٨) عن أحمد بن
أبي رَجَاء عن يحيى القَطّان بلفظ: خَطَبَ عمر على المِنْبَر فقال: إنَّه قد نزلَ تحريم الخمر،
ليس فيه ((أمَّا بعد))، وأخرجه الإسماعيليّ هنا من طريق محمَّد بن أبي بكر المقدَّميّ عن يحيى
ابن سعيد القَطّان شيخ مُسِدَّد فيه، بلفظ: أمَّا بعد، فإنَّ الخمر. فظَهَرَ أنَّ حذف الفاء وإثباتها
من تَصَُّف الُّواة.
٣- بابٌ
نَزَلَ تحريم الخمر، وهي من البُسْر والتّمر
٥٥٨٢- حدّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنسٍ، عن إسحاقَ بنِ
عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، قال: كنتُ أسقي أبا عُبيدةَ وأبا طَلْحةَ وأُنَّ بنَ
كعبٍ من فَضِيخِ زَهْوٍ وتَمْرٍ، فجاءهم آتٍ، فقال: إنَّ الخمرَ قد خُرِّمَت، فقال أبو طَلْحةَ: قُم یا
أنسُ فهَرِقْها، فهَرَقْتُها.
٥٥٨٣- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثْنَا مَعْتَمِرٌ، عن أبيه، قال: سمعتُ أنساً قال: كنتُ قائماً على
الحيِّ أسقِيهم عُمومَتي، وأنا أصغَرُهم، الفَضِيخَ، فقِيلَ: حُرِّمَتِ الخمرُ، فقالوا: أكِفِئْها،
فَكَفَأَتُها، قلتُ لأنسِ: ما شرابُهم؟ قال: رُطَبُ وبُسْرٌ، فقال أبو بكرِ بنُ أنسٍ: وكانت خمرَهم،
فلم يُنکِرِ أنس.
وحدَّثني بعضُ أصحابي: أَنَّه سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: كانت خمرَهم يومَئذٍ.
(١) ليس هذا وحده دليلَ ابن مالك رحمه الله على جواز حذف الفاء من جواب ((أما)) حتى يُجاب عنه بهذا
الجواب الذي قاله الحافظُ رحمه الله تعالى، لأنَّ ابن مالك إنما بنى قولَه هذا على مجموعة من النصوص.
انظر ((شواهد التوضيح والتصحيح)) ص١٣٦ -١٣٨. على أنَّ هذا الحديث جاء عن غير مسدَّد محذُوف
الفاء أيضاً من جوابه، عند ابن حبان (٥٣٥٩)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢١٣/٤، والبيهقي
٢٤٥/٦ من طريق عيسى بن يونس وعبد الله بن إدريس ويحيى بن أبي غَنِيَّة، ثلاثتهم عن أبي حيان
التيمي.

٢٢٠
باب ٣ / ح ٥٥٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
٥٥٨٤ - حدَّثني محمَّدُ بنُ أبي بكرِ المقدَّميُّ، حدَّثني يوسُفُ أبو مَعشَرِ البَرّاءُ، قال: سمعتُ
سعيدَ بنَ عُبيدِ الله، قال: حدَّثني بَكرُ بنُ عبدِ الله، أنَّ أنسَ بنَ مالكِ حدَّثهم: أنَّ الخمرَ
حُرِّمَت، والخمرُ يومَئذٍ البُنْرُ والنَّمر.
٣٧/١٠
قوله: ((بابٌ نزلَ تحريم الخمر، وهي من البُسْر والتَّمْر)) أي: تُصنَع أو تُتَّخَذ، وذكر فيه
حديث أنس من رواية إسحاق بن أبي طلحة عنه أتمّ سياقاً من رواية ثابت عنه المتقدِّمة
(٥٥٨٠) في الباب قبله.
قوله: ((كنت أسقي أبا عبيدة)) هو ابن الجَرَّاح، ((وأبا طَلْحة)) هو زيد بن سَهْل زوج أمّ
سُلَيم أمّ أنس ((وأُبيّ بن كَعْب))، كذا اقتَصَرَ في هذه الرِّواية على هؤلاءِ الثلاثة، فأمَّا
أبو طلحة فلِكَونِ القصَّة كانت في مَنزِله، كما مَضَى في التَّفسير (٤٦٢٠) من طريق ثابت عن
أنس: كنت ساقيَ القوم في مَنزِل أبي طلحة. وأمَّا أبو عُبيدة فلأنَّ النبيَّ وَّهِ آخَى بينه وبين
أبي طلحة، كما أخرجه مسلم (٢٥٢٨) من وجهٍ آخرَ عن أنس. وأمَّا أُبيّ بن كعب فكان
کبیرَ الأنصار وعالِمَهُم.
ووَقَعَ في رواية عبد العزيز بن صُهَيب عن أنس في تفسير المائدة (٤٦١٧): إنّي لَقائم
أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً. كذا وَقَعَ بالإبهام. وسَمَّى في رواية مسلم (٤/١٩٨٠) منهم
أبا أيوب. وسيأتي بعد أبواب (٥٦٠٠) من رواية هشام عن قَتَادة عن أنس: إنّي لَأسقي (١)
أبا طلحة وأبا دُجانة وسُهَيل ابن بيضاء. وأبو دُجانة بضمِّ الدّال المهمَلة وتخفيف الجيم
وبعد الألف نون: اسمه سِماك بن خَرَشة، بمُعجَمَتَينِ بينهما راء مفتوحات. ولمسلم (١٩٨٠/ ٧)
من طريق سعيد عن قَتَادة نحوه، وسَمَّی فیھم معاذ بن جبل، ولأحمد (١٢٨٦٩) عن يحيى
القَطّان عن حُميدٍ عن أنس: كنتُ أسقي أبا عُبيدة وأبيّ بن كعب وسُهَيل ابن بيضاء ونَفَراً
من الصحابة عند أبي طلحة. ووَقَعَ عند عبد الرَّزّاق (١٦٩٧٠) عن مَعمَر عن (٢) ثابت
وقَتَادة وغيرهما عن أنس: أنَّ القوم كانوا أحد عشر رجلاً. وقد حَصَلَ من الطّرق التي أورَدتُها
(١) في (س): إني كنت لأسقي، بإقحام ((كنت)) وليست في الرواية، ولم ترد في الأصلين.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: بن.