النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
باب ٥ / ح ٥٥٥٠
كتاب الأضاحي
ابن عَوْن عن الشَّعْبيّ حديث البراء، وعن ابن سِيرِين حديثَ أنس، فكان إذا حدَّث
حديث البراء يَقِفُ عند قوله: ((ولن تَجزيَ عن أحد بعدك)) ويُحدِّث بقولِ أنس: لا أدري
أُبُلَغَتِ الرُّخصة غيره أم لا(١)، ولعلَّه استَشكَلَ الخَصُوصيّة بذلك لمَا جاء من ثُبُوت ذلك
لغير أبي بُرْدة كما سيأتي بيانه قريباً (٢).
قوله: ((ثُمَّ انكَفَا» مهموز، أي: مالَ، يقال: كَفَأْتُ الإناء: إذا أمَلتَه، والمراد أنَّه رَجَعَ عن
مكان الخُطبة إلى مكان الذَّبح.
قوله: ((وقامَ الناس)) كذا هنا، وفي الرِّواية الآتية في ((باب مَن ذَبَحَ قبل الصلاة أعادَ))(٣)
فَتَمسَّكَ به ابنُ التِّين في أنَّ مَن ذَبَحَ قبل الإمام لا يُجزِئه، وسيأتي البحث فيه.
قوله: ((إلى غُنَيمة)) بغَينٍ مُعجَمة ونون، مُصغَّرٌ ((فَتَوزَّعوها - أو قال: فتَجَزَّعوها)) شَكٌّ
من الراوي، والأوَّل بالزّاي من التّوزيع: وهو التَّفرِقة، أي: تَفرَّقوها، والثّاني بالجيم
والزّاي أيضاً من الجَزْع: وهو القطع، أي: اقتَسَموها حِصَصاً، وليس المراد أنَّهم اقتَسَموها
بعد الذَّبح فأخَذَ كلُّ واحد قِطعة من اللَّحم، وإنَّما المراد أخذ حِصّة من الغنم، والقِطعة
تُطلَق على الحِصّة من كلّ شيء، فبهذا التَّقرير يكون المعنى واحداً وإن كان ظاهرُه في
الأصل الاختلاف.
٥- باب من قال: الأضحی یومُ النَّحر
٥٥٥٠- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سَلَام، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا أيوبُ، عن محمَّدٍ، عن ابنٍ أبي
بَكْرةَ، عن أبي بَكْرَةَ ﴾ه، عن النبيِّ وَّهِ قال: ((الزَّمانُ قد استَدَارَ كَهَيْئِهِ يومَ خَلَقَ اللهُ السّاواتِ
والأرضَ، السَّنةُ اثْنا عَشَرَ شَهْراً، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثٌ مُتَوالياتٌ: ذو القَعْدةِ، وذو الِحِجّةِ،
والمخَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الذي بينَ مُمَادَى وشَعْبانَ، أيُّ شهرِ هذا؟)) قُلْنا: اللهُ ورسولُه أعلمُ، فسَكَتَ
(١) انظر لذلك الرواية الآتية برقم (٦٦٧٣).
(٢) ثبت ذلك أيضاً لعقبة بن عامر كما سيأتي برقم (٥٥٥٥)، وانظر الكلام في الجمع بينهما عند شرح حديث
البراء برقم (٥٥٥٧).
(٣) باب رقم (١٢).

١٦٢
باب ٥ / ح ٥٥٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
حَتَّى ظَنَّا أنَّه سَيُسمِّه بغيرِ اسمِهِ، قال: ((أليس ذا الحِجّةِ؟)) قُلْنا: بلى، قال: ((أيُّ بَلَدٍ هذا؟))
قُلْنا: اللهُ ورسولُه أعلمُ، فسَكَتَ حتَّى ظَنَنَا أَنَّه سَيُسمِّيه بغيرِ اسمِهِ، قال: ((أليس البَلْدةَ؟)) قُلْنا:
بَلَى، قال: ((فأيُّ يومٍ هذا؟)) قُلْنا: اللهُ ورسولُه أعلمُ، فسَكَتَ حتَّى ظَنًَّا أنَّه سَيُسمِّيه بغيرِ اسمِه،
قال: ((أليس يومَ النَّحْرِ؟)) قُلْنا: بلى، قال: ((فإنَّ دِماءَكم وأموالكم - قال محمَّدٌ: وأحسَبُه قال:
وأعراضَكم - عليكم حَرامٌ كحُرْمةِ يومِكم هذا، في بَلَدِكم هذا، في شَهْرِكُم هذا، وسَتَلْقَوْنَ
رَبَّكم فيَسْألُكُم عن أعمالِكُم، ألا فلا تَرْجِعوا بَعْدي ضُلّالاً يَضْرِبُ بعضُكم رِقَابَ بعضٍ، ألا
لِيُبلِّغِ الشّاهدُ الغائبَ، فلعلَّ بعضَ مَن يَبْلُغُه أن يكونَ أوْعَى له من بعضٍ مَن سَمِعَه)) - وكان
محمَّدٌ إذا ذَكَرَه قال: صَدَقَ النبيُّ وَّه ◌ِ ثَّ قال: ((ألا هل بَلَّغْتُ ألا هل بَلَّغْت؟)).
٨/١٠
قوله: ((باب مَن قال: الأضْحَى يومُ النَّحْر)) قال ابن المنيِر: أخَذَه من إضافة اليوم إلى النَّحر
حيثُ قال: ((أليس يومَ النَّحر)) واللّام للجِنسِ، فلا يَبقَى نَحرٌ إلّا في ذلك اليوم، قال: والجواب
على مذهب الجماعة أنَّ المراد النَّحر الكامل، واللّام تُستَعمَل كثيراً للكمال كقوله: ((الشَّديدُ
الذي يملك نفسه عند الغضب»(١).
قلت: واختصاص النَّحر باليومِ العاشر قول حُميد بن عبد الرَّحمن ومحمَّد بن
سِيرِين وداود الظّاهريّ، وعن سعيد بن جُبَير وأبي الشَّعثاء مِثلُه إلّا في مِنَّى فيجوز
ثلاثة أيام، ويُمكِن أن يُتَمسَّك لذلك بحديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص رَفَعَه:
((أُمِرتُ بيومِ الأضحَى عيداً جعله الله لهذه الأُمّة)) الحديث، صَحَّحَه ابن حِبّان (٥٩١٤)(٢)،
وقال القُرطُبيّ: التَّمَسُّك بإضافة النَّحر إلى اليوم الأوَّل ضعيف مع قوله تعالى:
﴿وَذْكُرُواْ أُسْمَ اَللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ﴾ [الحج: ٢٨]،
ويحتمل أن يكون أراد أنَّ أيام النَّحر الأربعة أو الثلاثة لكلِّ واحد منها اسم يخصُّه،
فالأضحَى هو اليوم العاشر، والذي يليه يومُ القَرّ، والذي يليه يومُ النَّفر الأوَّل،
والرَّابع يومُ النَّفْر الثّاني.
(١) سيأتي برقم (٦١١٤) من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
(٢) وأخرجه أحمد (٦٥٧٥)، وأبو داود (٢٧٨٩)، والنسائي (٤٣٦٥)، وسنده حسن.

١٦٣
باب ٥ / ح ٥٥٥٠
كتاب الأضاحي
وقال ابن التِّين: مُرادُه أنَّه يوم تُنحَر فيه الأضاحيُّ في جميع الأقطار، وقيل: مرادُه لا
ذبحَ إلّا فيه خاصّة - يعني: كما تقدَّم نَقلُه عمَّن قال به - وزاد مالك: ويَذبَح أيضاً في یومینِ
بعده.
وزاد الشافعيّ اليوم الرَّابع، قال: وقيل: يَذْبَح عشرةَ أيام، ولم يَعِزُه لقائلٍ، وقيل:
إلى آخر الشَّهر، وهو عن عمر بن عبد العزيز وأبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن وسليمان بن
يَسار وغيرهم، وقال به ابن حَزْم مُتَمسِّكاً بعَدَمٍ وُرود نَصِّ بالتَّقييدِ، وأخرج ما رواه
ابن أبي شَيْبة من طريق أبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن وسليمان بن يَسار قالا: عن النبيّ وَّه
مِثله(١)، قال: وهذا سند صحيح إليهما، لكنَّه مُرسَل فيَلزَم مَن يَحتَجّ بالمرسَلِ أن يقول
به. قلت: وسيأتي عن أبي أمامةَ بن سَهْل في الباب الذي يليه شيء من ذلك(٢)، وبمِثلْ
قول مالك قال الثَّوْريّ وأبو حنيفة وأحمد، وبمِثْل قول الشافعيّ قال الأوزاعيّ، قال
ابن بَطّال تَبَعاً للطَّحَاويّ: ولم يُنقَل عن الصحابة غير هذَينِ القولَين، وعن قَتَادة: ستّة
أيام بعد العاشر.
وحُجّة الجمهور حديثُ جُبَير بن مُطعِم رَفَعَهِ: ((فِجَاجُ مِنِّى مَنحَر، وفي كلّ أيام
التَّشريق ذَبٌ)) أخرجه أحمد (١٦٧٥١) لكن في سنده انقطاع، ووَصَلَه الدّارَ قُطْنيّ (٤٧٥٦)
ورجاله ثقات(٣)، واتَّفَقوا على أنَّها تُشرَع ليلاً كما تُشرَع تَهاراً، إلّا رواية عن مالك وعن
أحمد أيضاً.
ثم ذكر المصنف حديث محمَّد: وهو ابن سِيرِين، عن ابن أبي بَكْرة: وهو عبد الرَّحمن،
وقد تقدَّم شرحه في العلم (٦٧ و١٠٥)، وفي ((باب الخُطبة أيام مِنِّى)) (١٧٤١) من كتاب
الحجّ شيء منه، وكذا في تفسير براءة (٤٦٦٢).
(١) بل رواه ابن حزم في ((المحلى)) ٧/ ٣٧٨ -٣٧٩ من غير طريق ابن أبي شيبة، وهذا المرسل أخرجه أيضاً
أبو داود في ((المراسيل)) (٣٧٧)، والبيهقي في ((السنن)) ٢٩٧/٩.
(٢) أثناء شرح الباب (٧): أضحية النبي وَّ بكبشين.
(٣) وصله الدار قطني بذكر نافع بن جبير وإسناده ضعيف، وانظر ((المسند)) (١٦٧٥١).

١٦٤
... .....
.......= =
باب ٦ / ح ٥٥٥١ - ٥٥٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ثلاثٌ مُتَواليات، إلى قوله: وَرَجَبُ مُضَرَ)) هذا هو الصَّواب وهو عَدُّها من
سنتَين، ومنهم مَن عَدَّها من سنة واحدة فبَدَأ بالمحرَّم، لكن الأوَّل أليَقُ ببيان المتوالية،
وشَذَّ مَن أسقَطَ رَجَباً وأبدَلَه بشؤَّالِ زاعِماً أنَّ بذلك تَتَوالَى الأشهر الحُرُم، وأنَّ ذلك المراد
بقوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، حكاه ابن التِّين.
قوله: ((قال: وأحسَبُهُ)) هو ابن سِيرِين، كأنَّه كان يَشُكّ في هذه اللَّفظة، وقد ثَبَتَت في
رواية غیره. و کذا قوله: «فکان محمّد إذا ذکرہ» في روایة الگُشْمِیھنیّ: ذَکَر.
قوله: ((أن يكون أوْعَى له من بعض مَن سَمِعَه)» كذا للأكثرِ بالواو، أي: أكثر وعياً له
٩/١٠ وتَفَهُّماً فيه، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلِيّ والمُستَمْلي: / (أرعَى)) بالرَّاءِ من الرِّعاية، وَرَجَّحَها
بعض الشُّاح، وقال صاحب ((المطالع): هي وهمٌ.
وقوله: ((قال: ألا هل بَلَّغتُ؟)) القائل هو النبيّ ◌ََّ، وهو بقيَّة الحديث، ولكنّ الراوي
فَصَلَ بين قوله: ((بعض مَن سمعَه)) وبين قوله: ((ألا هل بَلَّغتُ)) بكلام ابن سِيرِين المذكور.
٦ - باب الأضحى والنَّحر بالمصلَّ
٥٥٥١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بكرِ المقدَّميُّ، حدَّثنا خالدُ بنُ الحارثِ، حدَّثنا عُبيدُ الله، عن
نافع قال: كان عبدُ الله يَنْحَرُ في المَنْخَرِ. قال عُبيدُ الله: يعني: مَنْحَرَ النبيِّ ◌َِّ.
٥٥٥٢- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن كثيرِ بنِ فَرْقَدٍ، عن نافعٍ، أنَّ ابنَ عمرَ
رضي الله عنهما أخبَرَه قال: كان رسولُ اللهِ وَلِ يَذْبَحُ ويَنْحَرُ بالمصَلَّى.
قوله: ((باب الأضْحَى والنَّحْر بالمصَلَّى)) قال ابن بَطّال: هو سُنّة للإمام خاصّةً عند
مالك، قال مالك فيما رواه ابن وهب: إنَّما يفعل ذلك لئلا يَذبَح أحدٌ قبله، زاد المهلَّب:
وليَذْبَحوا بعده على يقين، وليتعلَّموا منه صِفَة الذَّبح.
وذكر فيه المؤلِّف حديث ابن عمر من وجهَينٍ: أحدهما: موقوف، والثّاني: مرفوع:
((كان النبيّ وَّهِ يَذْبَح ويَنحَر بالمصَلَّى)) وهو اختلافٌ على نافع، وقيل: بل المرفوع يدلّ على
الموقوف، لأنَّ قوله في الموقوف: كان ينحرُ في مَنحَر النبيّ ◌َّه يريد به المصَلَّى، بدلالة الحديث

١٦٥
باب ٧ / ح ٤٩٧٩
كتاب الأضاحي
المرفوع المصَرِّح بذلك، وقال ابن التِّين: هو مذهب مالك أنَّ الإمام يُرِز أُضحيَّته للمُصَلَّى
فَيَذْبَح هناك، وبالَغَ بعضُ أصحابه - وهو أبو مُصعَب - فقال: مَن لم يفعل ذلك لم يُؤْتَمَّ به.
وقال ابن العربيّ: قال أبو حنيفة ومالك: لا يُذبَح حتَّى يَذْبَح الإمام إن كان ممَّن يَذْبَح،
قال: ولم أرَ له دلیلاً.
٧- باب ضَحِيَّة النبيّ ێ بکبشین أقرنین، ويُذكرُ: سَمِینَینِ
وقال يحيى بنُ سعيدٍ: سمعتُ أبا أُمامةَ بنَ سَهْلِ قال: كَّا نُسَمِّنُ الأُضْحِيَّةَ بالمدينةِ، وكان
المسلمونَ يُسمِّنونَ.
قوله: «باب ضَحِيَّة النبيِّ ێ( بگبشین أقرَنینٍ» أي: لكلٍّ منهما قَرْنانِ مُعتَدِلان، والكَبش: ١٠/١٠
فَحْلِ الضَّأن في أيّ سِنّ كان، واختُلِفَ في ابتدائه، فقيل: إذا أثْنَى، وقيل: إذا أربعَ.
قوله: «ويُذكر: سَمینینِ» أي: في صِفَة الکبشین، وهي في بعض طرق حديث أنس من رواية
شُعْبة عن قَتَادة، أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٧٧٩٦) من طريق الحجّاج بن محمَّد عن
شُعْبة، وقد ساقَه المصنّف في الباب من طريق شُعْبة عنه، وليس فيه ((سمينَينٍ)) وهو المحفوظ
عن شُعْبة. وله طريق أُخرى أخرجها عبد الرَّزّاق في «مُصنَّفْه)) (٨١٣٠) عن الثَّوْريّ عن
عبد الله بن محمَّد بن عَقِيل عن أبي سَلَمة عن عائشة أو عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ وَّ كان إذا أراد
أن يُضَخّي اشتَرَى كَبشَينٍ عظيمَينِ سمينَينِ أقرَنَينِ أملَحَينِ موجُوءَين، فَذَبَحَ أحدهما عن محمَّد
وآل محمَّد، والآخر عن أمَّته مَن شَهِدَ لله بالتَّوحيدِ وله بالبلاغ، وقد أخرجه ابن ماجَهْ (٣١٢٢)
من طريق عبد الرَّزّاق، لكن وَقَعَ في النُّسخة: (ثَمِينَينِ))(١) بمُثلَّئَةٍ أوَّله بَدَل السّين والأوَّل أَولى،
وابن عقيل المذكور في سنده مُتَلَف فيه، وقد اختُلِفَ عليه في إسناده، فقال زُهَير بن محمَّد
وشَرِيك وعُبيد الله بن عَمْرو كلَّهم: عنه عن عليّ بن الحسين عن أبي رافع (٢)، وخالَفَهم الثَّوْريّ
کما تَرَى، ويحتمل أن يكون له في هذا الحدیث طريقان، وليس في روايته في حديث أبي رافع
(١) في النسخ الخطية الحاضرة بين أيدينا من ((سنن ابن ماجه)): سمينين، بالسِّين على الجادّة.
(٢) أخرجه أحمد برقم (١٣٩٧٢) من طريق شريك، و(٢٧١٩٠) من طريق زهير بن محمد، و(٢٧١٩١)
من طریق عبيد الله بن عمرو.

١٦٦
باب ٧ / ح ٥٥٥٣ - ٥٥٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
لفظ: ((سمينَينِ)). وأخرج أبو داود (٢٧٩٥) من وجه آخر عن جابر: ذَبَحَ النبيُّ وَِّكَبِشَيْنِ
أقرَنَيْنِ أملَحَينِ موجوءَينِ، قال الخطّابيُّ: الموجُوء - يعني: بضمِّ الجيم وبالهمز -: منزوع الأُنثَين،
والوِجَاء: الخِصاء، وفيه جواز الحَضْي في الضَّحِيَّة، وقد كَرِهَه بعض أهل العلم لنقصِ العُضو،
لكن ليس هذا عَيباً، لأنَّ الخِصاء يفيد اللَّحم طِيباً، ويَنفي عنه الزُّهومةَ وسوء الرَّائحة.
وقال ابن العربيّ: حديث أبي سعيد - يعني الذي أخرجه التِّرمِذيّ (١٤٩٦)(١) بلفظ:
(ضَخَّى بكَبشٍ فَحِيل)) أي: كامل الخِلْقة لم تُقطَع أُنْثَياه - يَرُدّ روايةَ موجوعَين، وتُعقّبَ
باحتمال أن یکون ذلك وَقَعَ في وقتینِ.
قوله: ((وقال يحيى بن سعيد: سمعت أبا أُمامةَ بن سَهْل قال: كنَّا نُسَمِّن الأُضْحِيَّة بالمدينةِ،
وكان المسلمونَ يُسمِّنونَ، وَصَلَه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق أحمد بن حَنبَل عن عبَّاد
ابن العَوّام أخبرني يحيى بن سعيد وهو الأنصاريّ، ولفظه: كان المسلمونَ يشتري أحدُهم
الأُضحيّة فيُسمِّنها ويَذبَحها في آخر ذي الحِجّة، قال أحمد: هذا الحدیث عجيب، قال ابن
التِّين: كان بعض المالكيَّة يكره تسمينَ الأُضحيَّة لئلا يَتَشَبَّه باليهود، وقول أبي أُمامةَ أحقُّ،
قاله الدَّارُودي.
٥٥٥٣- حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيبٍ، قال:
سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ ◌ّه، قال: كان النبيُّ ◌َ﴿ يُضَحِي بِكَبْشَينٍ، وأنا أُضَحّي بكَبْئَينِ.
[أطرافه في: ٥٥٥٤، ٥٥٥٨، ٥٥٦٤، ٥٥٦٥، ٧٣٩٩]
٥٥٥٤- حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ:
أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ انكَفَأَ إلى كَبْشَيْنِ أقرَنَينِ أملَحَينِ فَذَبَحَهما بيَدِهِ.
وقال إسماعيلُ وحاتمُ بنُ وَرْدانَ: عن أيوبَ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أنسٍ.
تابَعَه ◌ُهَبٌ، عن أيوبَ.
قوله: ((كان النبيّ وَّ﴿ يُضَحِي بِكَبْشَينٍ، وأنا أُضَحّي بكَبْشَينٍ» هكذا في هذه الطَّريق، وقائل
(١) وأخرجه أيضاً أبو داود (٢٧٩٦)، وابن ماجه (٣١٢٨)، والنسائي (٤٣٩٠) وإسناده صحيح.

١٦٧
باب ٧ / ح ٥٥٥٤
كتاب الأضاحي
ذلك هو أنس بيَّنْه النَّسائيُّ في روايته (٤٣٨٥)، وهذه الرّواية مختصَرة ورواية أبي قلابةً
المذكورة عقبها مُبيّنة، لکن في هذه زیادة قول أنس: أنَّه كان يُضخّي بگبشینِ للانِّباع، وفيها
أيضاً إشعارٌ بالمداومة على ذلك، فيتمسّك به مَن قال: الضَّأْن في الأُضحيَّة أفضل.
قوله في رواية أبي قِلابةَ: ((إلى كَبْشَينِ أقرَنَينِ أملَحَينِ فَذَبَحَهما بيَدِه)) الأملَحُ بالمهمَلة: هو
الذي فيه سواد وبياض والبياض أكثر، ويقال: هو الأغبَرَ، وهو قول الأصمعيّ، وزاد
الخطَّبُّ: هو الأبيض الذي في خَلَلِ صوفه طبقات سُود، ويقال: الأبيض الخالص، قاله
ابن الأعرابيّ، وبه تَمسَّكَ الشافعيّة في تفضيل الأبيض في الأُضحيَّة، وقيل: الذي يَعلُوه
حُمرة، وقيل: الذي يَنظُر في سواد ويمشي في سواد ويأكل في سواد ويَبرُك في سواد، أي:
إنَّ مواضع هذه منه سُودٌ وما عَدَا ذلك أبيض، وحكى ذلك الماوَرْديّ عن عائشة وهو
غريب، ولعلَّه أراد الحديث الذي جاء عنها كذا، لكن ليس فيه وصفُه بالأملَح، وسيأتي
قريباً أنَّ مسلماً أخرجه (١٩٦٧)، فإن ثَبَتَ فلعلَّه كان في مرَّة أُخرى.
واختُلِفَ في اختيار هذه الصِّفة فقيل: لحُسنِ مَنظَره، وقيل: لشَحمِه وكَثْرة لحمه،
واستُدِلَّ به على اختيار العَدَد في الأُضحيَّة، ومن ثَمَّ قال الشافعيّة: إنَّ الأُضحيَّة بسبع شِیاهٍ
أفضل من البعير، لأنَّ الدَّم المُرَاق فيها أكثرُ والثَّواب يزيد بحَسَبِهِ، وأنَّ مَن أراد أن
يُضَحّي بأكثرَ من واحد يُعَجِّله، وحكى / الرُّويانيّ من الشافعيَّة استحبابَ التَّفريق على أيام ١١/١٠
النَّحر، قال النَّوويّ: هذا أرفَقُ بالمساكين، لكنَّه خِلَاف السُّنّة، كذا قال، والحديث دالٌّ على
اختيار التَّثنية، ولا يَلزَمُ منه أنَّ مَن أراد أن يُضَخّي بعَدَدٍ فضَخَّى أوَّل يوم باثنَينِ ثمَّ فَرَّقَ
البقيَّة على أيام النَّحر أن يكون مخالفاً للسُّنّة.
وفيه أنَّ الذَّكَر في الأُضحيَّة أفضل من الأُنثَى، وهو قول أحمد، وعنه رواية: أنَّ الأُنْثَى أَولِى،
وحكى الرَّافعيّ فيه قولَينِ عن الشافعيّ: أحدهما عن نَصِّه في البُوَيطيّ: الذَّكَرِ، لأنَّ لحمه
أطيَبُ، وهذا هو الأصحّ، والثّاني: أنَّ الأُنثَى أَولى، قال الرّافعيّ: وإنَّما يُذكَر ذلك في جزاء
الصَّيد عند النَّقويم، والأُنثَى أكثر قيمةً فلا تُقدَى بالذَّكَر، أو أراد الأُنثَى التي لم تَلِد. وقال ابن
العربيّ: الأصحّ أفضليّة الذُّكور على الإناث في الضَّحایا، وقيل: هما سواء.

١٦٨
باب ٧ / ح ٥٥٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه استحباب التَّضحية بالأقرَن، وأنَّه أفضل من الأجَمِّ مع الاتّفاق على جواز
التَّضحية بالأجَمِّ: وهو الذي لا قَرْنَ له، واختَلَفوا في مكسور القَرْن. وفيه استحباب
مُباشَرة المضَخِّي الذَّبح بنفسِه، واستُدِلَّ على مشروعيَّة استحسان الأُضحيَّة صِفَة ولوناً،
قال الماوَرْديّ: إن اجتَمَعَ حُسْن المنظَر مع طِيب المخبَر في اللَّحم فهو أفضل، وإن انفَرَدا
فطيب المخبَر أَولى من حُسن المنظَر. وقال أكثر الشافعيّة: أفضلها البيضاء ثمَّ الصَّفراء ثمَّ
الغَبْراء ثمَّ البَلقاء ثمَّ السَّوداء. وسيأتي بقيّة فوائد حديث أنس بعد أبواب (٥٥٥٨).
قوله: ((فذبحهما بیدِە)) سيأتي البحثُ فیه قریباً (٥٥٥٨).
قوله: ((وقال إسماعيل وحاتم بن وَزْدان: عن أيوب، عن محمَّد بن سِيرِينَ، عن أنس))
يعني أنَّهما خالَفا عبدَ الوهّاب الثَّقفيّ في شيخ أيوب فقال هو: أبو قلابةَ، وقالا: محمّد بن
سِيرِين، فأمَّا حديث إسماعيل - وهو ابن عُليَّة - فقد وَصَلَه المؤلِّف بعد أربعة أبواب في
أثناء حديث (٥٥٦١)، وهو مَصِير منه إلى أنَّ الطَّریقینِ صحیحان، وهو كذلك لاختلاف
سياقهما، وأمَّا حديث حاتم بن وَرْدان فوَصَلَه مسلم (١٩٦٢/ ١٢) من طريقه.
قوله: ((تابَعَه وُهَيب عن أيوب)) كذا وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ، وقَدَّمَ الباقونَ مُتَابَعة وُهَيب
على روايتَي إسماعيل وحاتم وهو الصَّواب، لأنَّ وُهَيباً إنَّما رواه عن أيوب عن أبي قِلابةَ
مُتَابِعاً لعبد الوهّاب الثَّقفيّ، وقد وَصَلَه الإسماعيليّ من طريقه كذلك، قال ابن التِّين: إنَّما
قال أوَّلاً: قال إسماعيل، وثانياً: تابَعَه وُهَيب، لأنَّ القول يُستَعمَل على سبيل المذاكرة،
والمتابعة تُستَعمَل عند النَّقل والتَّحَمُّل.
قلت: لو كان هذا على إطلاقه لم يُخْرِّج البخاريُّ طريق إسماعيل في الأُصول، ولم
يَنحَصِرِ التَّعليق الجازِمُ في المذاكرة، بل الذي قال: إنَّ البخاريّ لا يَستَعمِل ذلك إلّا في
المذاكرة، لا مُستنَدَ له.
٥٥٥٥ - حدَّثنا عَمْرو بنُ خالدٍ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن يزيدَ، عن أبي الخيرِ، عن عُقْبَةَ بنِ عامٍ ﴾:
أنَّ النبيَّ ◌َِّ أعطاه غَما يَقْسِمُها على صحابَتِهِ ضَحَايا، فبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرِه للنبيِّ وَِّ، فقال:
((ضَحِّ أنتَ به)).

١٦٩
باب ٧ / ح ٥٥٥٥
كتاب الأضاحي
قوله: ((اللَّيث عن يزيد)) هو ابن أبي حبيب، بيَّنْه المصنِّف في كتاب الشَّركة (٢٥٠٠).
قوله: ((أعْطاه غَنَما)) هو أعَمُّ من الضَّأْنِ والمَعْزِ.
قوله: ((على صحابتِه)) يحتمل أن يكون الضَّمير للنبيِّ وَّهِ، ويحتمل أن يكون لعُقْبةَ، فعلى
كلِّ يحتمل أن تكون الغنم مِلكاً للنبيِّ وَّهِ وأمَرَ بقسمَتِها بينهم تَبرُّعاً، ويحتمل أن تكون
من الفَيْء، وإليه جَنَحَ القُرطُبيّ حيثُ قال في الحديث: إنَّ الإمام ينبغي له أن يُفرِّق
الضَّحايا على مَن لم يَقدِرْ عليها من بيت مال المسلمينَ. وقال ابن بَطّال: إن كان قَسَمَها بين
الأغنياء فهي من الفَيء، وإن كان خَصَّ بها الفقراء فهي من الزكاة.
وقد تَرجَمَ له البخاريُّ في الشَّرِكة: باب قسمة الغنم والعَدْل فيها، وكأنَّه فَهِمَ أنَّ النبيَّ وَيه
بَيَّن لعُقْبةَ ما يُعطيه لكلِّ واحد منهم وهو لا يُؤكِّل إلّا بالعَدل، وإلّا لو كان وَكَلَ ذلك لرأيه
لَعَسُرَ عليه، لأنَّ الغنم لا يَتأَى فيها قسمة الأجزاء، وأمَّا قسمة التَّعديل فتحتاج إلى رَدِّ،
لأنَّ استواء قسمتها على التَّحرير بعيد ...
قلت: ويحتمل أن يكون النبيّ وَّ ضَخَّى بها عنهم، ووَقَعَتِ القسمة في اللَّحم، فتكون
القسمة قسمة الأجزاء كما تقدَّم توجيهه عن ابن المنيِّر قبل أبواب (٥٥٤٧).
قوله: ((فَبَقِيَ عَتُود)) بفتح المهمَلة وضمَّ المثنّة الخفيفة: وهو من أولاد المَعْز ما قويَ
ورَعَى وأتى عليه حَوْل، والجمع: أعتِدة وعِتْدان، وتُدغَم التاء في / الدّال فيقال: عِدّانٌ، ١٢/١٠
وقال ابن بَطّال: العَتُود: الجَذَع من المَعْز ابنُ خمسة أشهُر، وهذا يُبيِّ المراد بقوله في الرِّواية
الأُخرى عن عُقْبة كما مَضَى قريباً (٥٥٤٧): ((جَذَعة)) وأنَّها كانت من المَعْز، وزَعَمَ ابن حَزْم أنَّ
العتود لا يقال إلّا للجَذَع من المَعْزِ، وتَعقَّبَه بعض الشُّراح بما وَقَعَ في كلام صاحب ((المحكم)):
أنَّ العَتُود: الجَدْي الذي استَكرَشَ، وقيل: الذي بَلَغَ السِّفَاد، وقيل: هو الذي أجذَعَ.
قوله: «فقال: ضَحِّ به أنتَ) زاد البيهقيُّ (٩/ ٢٧٠) في روايته من طریق یحی بن بُگیر
عن اللَّيث: ((ولا رُخصةَ لأحدٍ فيها بعدك))، وسأذكر البحث في هذه الزيادة في الباب الذي
بعده إن شاء الله تعالى ..

١٧٠
باب ٨ / ح ٥٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
واستُدِلَّ به على إجزاء الأُضحيَّة بالشّاة الواحدة، وكأنَّ المصنّف أراد بإيرادٍ حديث
عُقْبة في هذه التَّرجمة - وهي ضَحِيّة النبيّ وَّهُ بِكَبِشَيْنِ - الاستدلالَ على أنَّ ذلك ليس على
الوجوب بل على الاختيار، فمَن ذَبَحَ واحدة أجزأتْ عنه، ومَن زاد فهو خير، والأفضل
الأِّباع في الأُضحيَّة بكَبِشَين، ومَن نظرَ إلى كَثْرة اللَّحم قال كالشافعيِّ: الأفضل الإبل ثمَّ
الضَّأْن ثمَّ البقر، قال ابن العربيّ: وافَقَ الشافعيّ أشهَبُ من المالكيَّة، ولا يُعدَل يفِعْل النبيّ
وَ لا شيءٌ، لكن يُمكِن الَّمَسُّك بقول ابن عمر - يعني الماضي قريباً (٥٥٥٢)۔۔ کان یذبح
ويَنحَر بالمصَلَّى، أي: فإنَّ يَشمَل الإبل وغيرها، قال: لكنَّه عموم، والتَّمَسُّك بالصَّريحِ أولى
وهو الكبش.
قلت: قد أخرج البيهقيُّ (٢٧٢/٩) من حديث ابن عمر: كان النبيّ ◌َ﴿ يُضَحّ
بالمدينة بالجَزُورِ أحياناً، وبالكَبشِ إذا لم يَجِد جَزُوراً، فلو كان ثابتاً لكان نَصّاً في موضع
النّزاع، لكن في سنده عبد الله بن نافع وفيه مَقَال، وسيأتي حديث عائشة (٥٥٥٩): أنَّ
النبيَّ ◌َّ﴿ ضَخَّی عن نسائه بالبقرِ، في «باب مَن ذَبَحَ ضَحيّة غیره»، وقد ثبت في حدیث
عُرْوة عن عائشة: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَمَرَ بَكَبشٍ أقرَن يَطَأْ في سواد ويَنظُر في سواد ويَبْرُكُ في
سواد، فأضجَعَه ثمَّ ذَبَحَه، ثمَّ قال: ((باسمِ الله، اللهمَّ تَقَبَّل من محمَّد وآل محمَّد ومن أُمّة
محمَّد)) ثمَّ ضَخَّى به، أخرجه مسلم (١٩٦٧). قال الخطّابيُّ: قولها: يَطَأ في سواد ... إلى
آخره، تريد أنَّ أظلافه ومواضع البُروك منه وما أحاطَ بمَلاحظِ عينيه من وجهه أسود،
وسائر بَدَنه أبيض.
٨- باب قول النبيّ وَ ﴿ لأبي بُرْدة: ((ضَحِّ بالجَذَّعِ منَ المَعْزِ،
ولن تَجِزِيَ عن أحدٍ بعدَكَ»
٥٥٥٦ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنَا مُطرِّفٌ، عن عامٍ، عن البراءِ بنِ
عازِبٍ رضي الله عنهما، قال: ضَخَّى خالٌ لي يقال له: أبو بُرْدَ قبلَ الصلاةِ، فقال له رسولُ الله ◌ِكلّ.
((شاتُكَ شاءُ لحم)) فقال: يا رسولَ الله، إنَّ عندي داجِناً جَذَعةً منَ المعْزِ، قال: ((اذبَحْها، ولن

١٧١
باب ٨ / ح ٥٥٥٦
كتاب الأضاحي
تَصْلُحَ لغيرِكَ)) ثمّ قال: ((مَن ذَبَحَ قبلَ الصلاةِ، فإِنَّمَا يَذْبَحُ لنفسِه، ومَن ذَبَحَ بعدَ الصلاةِ فقد تَمَّ
نُسُكُه، وأصاب سُنّةَ المسلمينَ)).
تابَعَه عُبيدةُ، عن الشَّغْبِيِّ وإبراهيمَ.
وتابَعَه وكيعٌ، عن حُرَيثٍ، عن الشَّغْبيِّ.
وقال عاصمٌ وداودُ، عن الشَّعْبِيِّ: عندي عَنَاقُ لَبَنٍ.
وقال زُبَيدٌ وفِراسٌ، عن الشَّعْبِيِّ: عندي جَذَعةٌ.
وقال أبو الأحوَصِ: حدَّثنا منصورٌ: عَناقٌ جَذَعةٌ.
وقال ابنُ عَوْنٍ: عَناقٌ جَذَعٌ، عَنَاقُ لَبَنٍ.
قوله: ((باب قول النبيّ وَّه لأبي بُرْدة: ضَحِّ بالجَذَّعِ من المعز، ولن تَجْزيَ عن أحدٍ بَعْدَك)) ١٣/١٠
أشارَ بذلك إلى أنَّ الضَّمير في قول النبيّ وَ ◌ّ في الرِّواية التي ساقَها: ((اذَبَحْها)) للجَذَعة التي
تقدَّمَت في قول الصحابيّ: ((إنَّ عندي داجِناً جَذَعةً من المعز)).
قوله: ((حدَّثْنا مُطرِّف)) هو ابن طَرِيف بمُهمَلةٍ وزن عَقِيل، وعامر: هو الشَّعْبيّ.
قوله: ((ضَخَّى خالٍّ لي يقال له: أبو بُرْدة)) في رواية زُبَيد عن الشَّعْبيّ في أوَّل الأضاحيّ
(٥٥٤٥): أبو بُرْدة بن نِيَار، وهو بكسر النُّون وتخفيف الياء المثنّاة من تحت وآخره راء، واسمه
هانئ، واسم جَدّه عَمْرو بن عُبيد، وهو بَلَويّ من حُلَفاء الأنصار، وقد قيل: إنَّ اسمه
الحارث بن عَمْرو، وقيل: مالك بن هُبَيرة، والأوَّل هو الأصحّ.
وأخرج ابن مَندَهْ من طريق جابر الجُعْفيِّ عن الشَّعْبيّ عن البراء قال: كان اسمُ خالي
قليلاً فسماه النبيّ پے کثیراً، وقال: ((یا گثیر، إنَّا نُسُكنا بعد صلاتنا»، ثمَّ ذکر حديث الباب
بطولِه، وجابرٌ ضعيف، وأبو بُرْدة مَّن شَهِدَ العَقَبة وبدراً والمشاهد، وعاشَ إلى سنة اثنتين،
وقيل: خمس وأربعينَ، وله في البخاريّ حديث سيأتي في الحدود (٦٨٤٨).
قوله: ((شاتُك شاةُ لحم)) أي: ليست أُضحیّة، بل هو لحم يُنتَفَع به كما وَقَعَ في روایة زُبید:

١٧٢
باب ٨ / ح ٥٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
«فإنَّما هو لحم يُقدِّمه لأهلِه))، وسيأتي في «باب الذَّبح بعد الصلاة)) (٥٥٦٠)، وفي رواية
فِراس عند مسلم (٦/١٩٦١) قال: ((ذاكَ شيء عَجَّلْتَه لأهلِك))، وقد استُشكِلَتِ
الإضافة في قوله: ((شاةُ لحم))، وذلك أنَّ الإضافة قسمان: مَعنَويَّة ولفظيَّة، فالمعنَويَّة: إمّا
مُقدَّرة بمِن كخاتَمِ حديدٍ، أو باللّام كغُلامِ زيدٍ، أو بفي كضَرْبِ اليومِ، معناه: ضَرَبَ
في اليوم، وأمَّا اللَّفظيَّة: فهي صِفَة مُضافة إلى معمولها، كضاربِ زيدٍ، وحَسَنِ الوجه،
ولا يَصِحّ شيء من الأقسام الخمسة في شاة لحم، قال الفاكهيّ: والذي يظهر لي أنَّ أبا
بُرْدة لمَّ اعتَقَدَ أنَّ شاته شاةُ أُضحيَّة، أوقَعَ رَله في الجواب قوله: ((شاة لحم)) مَوقِعَ
قوله: شاة غير أُضحيَّة.
قوله: ((إنَّ عندي داجِناً) الدّاجِن: التي تألَفُ البيوت وتُستأنس وليس لها سِنّ مُعيَّن،
ولمَّا صارَ هذا الاسمِ عَلَماً على ما يألَف البيوت اضمَحَلَّ الوصفُ عنه، فاستوى فيه المذكَّر
والمؤنَّث. والجَذَعة تقدَّم بيانها، وقد بيَّن في هذه الرّواية أنَّها من المَعْزِ، ووَقَعَ في الرِّواية
الأُخرى(١) كما سيأتي بيانه: ((فإنَّ عندنا عَنَاقاً)، وفي رواية أُخرى: ((عَناق لَبَن))، والعَنَاق
بفتح العين وتخفيف الُّون: الأُنْتَى من ولد المَعْزِ عند أهل اللُّغة، ولم يُصِب الدَّاوُودي في
زَعْمه: أنَّ العَناق هي التي استحقَّت أن تَحمِل، وأنَّها تُطلَق على الذَّكَر والأُنثَى، وأنّه بَّن
بقولِه: (لَبَن)) أنَّهَا أُنْثَى، قال ابن التِّين: غَلِطَ في نقل اللُّغة وفي تأويل الحديث، فإنَّ معنى
(عَناق لَبَن)): أنَّها صغيرةٌ(٢) تَرضَع أمَّها.
ووَقَعَ عند الطبرانيّ(٣) من طريق سهل بن أبي حَثْمة: أنَّ أبا بُرْدة ذَبَحَ ذبيحتَه بسَحَرٍ،
فذكر ذلك للنبيِّ وَّهِ، فقال: ((إنَّما الأُضحيَّة ما ذُبحَ بعد الصلاة، اذهَبْ فضَحَ)) فقال: ما
عندي إلّا جَذَعة من المعز ... الحديث، قلت: وسيأتي بيان ذلك عند ذِكْر التَّعاليق التي ذكرها
المصنِّف عَقِبَ هذه الرِّواية، وزاد في رواية أُخرى: هي أحَبّ إليَّ من شاتَينٍ وفي رواية لمسلم:
(١) يشير إلى رواية منصور عن الشعبي، وقد سلفت عند البخاري برقم (٩٥٥).
(٢) في (س): صغيرة سن.
(٣) في ((الأوسط)) (٩١٤٩).

١٧٣
باب ٨ / ح ٥٥٥٦
كتاب الأضاحي
من شاتَي لحم (١)، والمعنى: أنَّهَا أطيَبُ لحماً وأنفَع للآكِلِينَ لِمَنِها ونَفاستِها.
وقد استُشكلَ هذا بما ذُكر: أنَّ عِتَقَ نفسَينٍ أفضل من عِتق نفس واحدة ولو كانت
أنفَسَ منهما، وأُجيبَ بالفَرقِ بين الأُضحيّة والعِتق: أنَّ الأُضحيَّة يُطلَب فيها كَثْرة اللَّحم،
فتكون الواحدة السَّمينة أَولى من الهزيلتَينِ. والعِتق يُطلَب فيه التقرُّب إلى الله بفَكِّ الرَّقَبة،
فيكون عِتْقُّ الاثنَيْنِ أَولى من عِتق الواحدة، نعم إن عَرَضَ للواحدِ وصفٌ يقتضي رِفعتَه
على غيره كالعِلم/ وأنواع الفضل المتعَدّي، فقد جَزَمَ بعض المحَقَّقينَ بأنَّه أَولى لعُمومٍ نفعه ١٤/١٠
للمسلمینَ.
ووقع في الرّواية الأخرى التي في أواخر الباب وهي: ((خیر من مُسِنّة))، وحكى ابن
التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ المسِنّة التي سَقَطَت أسنانها للبَدَل، وقال أهل اللُّغة: المسِنّ الشَّنِّيّ
الذي يُلقي سِنّه، ويكون في ذات الخُفّ في السَّنة السادسة، وفي ذات الظِّلف والحافر في
السَّنة الثّالثة، وقال ابن فارس: إذا دَخَلَ ولدُ الشّاة في الثّالثة فهو ثَنِيٌّ ومُسِنّ.
قوله: ((قال: اذْبَحْها ولا تَصْلُحُ لغيرِك)» في روایة فِراس الآتية (٥٥٦٣) في ((باب مَن ذَبَحَ
قبل الإمام)): أأذبَحُها؟ قال: ((نعم، ثمَّ لا تَجِزِي عن أحد بعدك))، ولمسلم من هذا الوجه:
((ولن تَّجزيَ ... )) إلى آخره(٢)، وكذا في رواية أبي جُحَيفةَ عن البراء كما في أواخر هذا الباب
(٥٥٥٧): ((ولن تجزيَ عن أحد بعدك))، وفي حديث سهل بن أبي حَثْمة: ((وليس فيها رُخصة
لأحدٍ بعدك».
وقوله: ((َجزي) بفتح أوَّله غير مهموز، أي: تَقْضي، يقال: جَزَى عنِّي فلان كذا، أي:
قَضَّى، ومنه: ﴿لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، أي: لا تقضي عنها، قال ابن بَرِّي:
(١) إن أراد حديث البراء فهو بلفظ: هي خير من شاتي لحم، أخرجه البخاري (٩٨٣) و(٦٦٧٣)، ومسلم
(١٩٦١) (٥)، وإن أراد حديث أنس فهو بلفظ: هي أحب إليَّ من شاتي لحم، وقد أخرجه البخاري أيضاً
(٥٥٤٩)، ومسلم (١٩٦٢)، فعزوه للثاني فقط قصورٌ.
(٢) رواية فراس عن الشعبي عند مسلم (١٩٦١) (٦) ليس فيها ذلك، بل هي عنده (١٩٦١) (٧) في رواية
زُبيد عن الشعبي.

١٧٤
باب ٨ / ح ٥٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
الفقهاء يقولون: لا تُجْزِئ بالضَّمِّ والهمز في موضع: لا تقضي، والصَّواب بالفتح وتَرْك
الهمز، قال: لكن يجوز الضَّمّ والهمز بمعنى الكفاية، يقال: أجزاً عنك. وقال صاحب
((الأساس)): بنو تميم يقولون: البَدَنة تُجزئ عن سبعة، بضمِّ أوَّله، وأهل الحجاز: تَجزي
بفتح أوَّله، وبهما قُرِئَ(١): ﴿لَا تَخْرِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾، وفي هذا تَعقُّب على مَن نَقَلَ الاتِّفاق
على مَنْعِ ضَمّ أوَّله.
وفي هذا الحديث تخصيص أبي بُرْدة بإجزاءِ الجَذَع من المَعْز في الأُضحيَّة، لكن وَقَعَ
في عِدّة أحاديث التَّصريحُ بنَظِير ذلك لغير أبي بُرْدة، ففي حديث عُقْبة بن عامر كما تقدَّم
قريباً(٢): ((ولا رُخصة فيها لأحدٍ بعدك))، قال البيهقيُّ: إن كانت هذه الزّيادة محفوظة كان
هذا رُخصةً لعُقْبةَ كما رَخَّصَ لأبي بُرْدة. قلت: وفي هذا الجمع نظرٌ، لأنَّ في كلٌّ منهما صيغة
عُموم، فأيّهما تقدَّم على الآخر اقتَضَى انتفاء الوقوع للثّاني، وأقرب ما يقال فيه: إنَّ ذلك
صَدَرَ لكلٍّ منهما في وقت واحد، أو تكون خَصُوصيَّ الأوَّل نُسِخَت بِثُبُوتِ الْخَصُوصيَّة
للثّاني، ولا مانع من ذلك، لأنَّه لم يقع في السِّياق استمرارُ المنع لغيره صريحاً.
وقد انفَصَلَ ابنُ التِين - وتَبِعَه القُرطُبيّ - عن هذا الإشكال باحتمال أن يكون العَتُود کان
كبير السِّنّ بحيثُ يَجزي، لكنَّه قال ذلك بناءً على أنَّ الزّيادة التي في آخره لم تقع له، ولا يَتِمّ
مرادُه مع وجودها مع مُصادَمته لقولِ أهل اللُّغة في العَتُودِ، وتَسَّكَ بعض المتأخِّرينَ بكلام ابن
التِّين فضَعَّفَ الزّيادة، وليس بجيِّدٍ، فإنَّها خارجة من تَخَرَج ((الصَّحيح))، فإنّها عند البيهقيِّ من
طريق عبد الله البُوشَنجيّ، أحد الأئمّة الكبار في الحِفْظ والفقه وسائر فُنون العلم، رواها عن
يحيى بن بُكَير عن اللَّيث بالسَّنَدِ الذي ساقَه البخاريُّ، ولكنّي رأيت الحديث في ((المنَّفَقَ))
للجَوْزَقيّ من طريق عُبيد بن عبد الواحد ومن طريق أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان كلاهما عن
يحيى بن بُكَير وليستِ الزّيادة فيه، فهذا هو السِّ في قول البيهقيِّ: إن كانت محفوظة، فكأنَّه لمَّا
رأى التفرُّد، خَشِی أن یکون دَخَلَ علی راویها حديثٌ في حديث.
(١) قراءة ((لا تجزئ)) بالضم والهمز لأبي السمّال العدوي، وهي قراءة شاذة.
(٢) حديث عقبة تقدم برقم (٥٥٥٥)، وقد رواه بهذه الزيادة البيهقي ٩/ ٢٧٠.

١٧٥
باب ٨ / ح ٥٥٥٦
كتاب الأضاحي
وقد وَقَعَ في كلام بعضهم أنَّ الذينَ ثَبَتَت لهم الرُّخصة أربعة أو خمسة، واستَشكَلَ
الجمعَ وليس بمُشكِلٍ، فإنَّ الأحاديث التي وَرَدَت في ذلك ليس فيها التَّصريح بالنَّفي إلّا
في قصَّة أبي بُرْدة في ((الصحيحين))، وفي قصَّة عُقْبة بن عامر في البيهقيّ، وأمَّا عَدَا ذلك فقد
أخرج أبو داود (٢٧٩٨) وأحمد (٢١٦٩٠) وصححه ابن حبان (٥٨٩٩) من حدیث زید
ابن خالد: ((أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أعطاه عَتُوداً جَذَعاً فقال: ((ضَحِّ به)) فقلت: إنَّه جَذَع أفأُضَحّي
به؟ قال: «نعم، ضَحِّ به» فضَّیت به، لفظ أحمد، وفي ((صحیح ابن حبان)) (٥٩١٢) وابن
ماجَهْ (٣١٥٣) من طريق عبَّاد بن تميم عن عُويمِر بن أشقَر: أنَّهِ ذَبَحَ أُضحيَّته قبل أن يَغدوَ
يوم الأضحَى، فأمَرَه النبيّ وَلّهِ أن يُعيد أُضحيَّة أُخرى، وفي الطبرانيّ («الأوسط)» (٨٩٧٤)
من حديث ابن عبّاس: أنَّ النبيَّ ◌َِّ أعطَى سعد بن أبي وقّاص جَذَعاً من المَعْزِ، فأمَرَه أن
يُضَحّيَ به (١)، وأخرجه الحاكم (٢٢٧/٤) من / حديث عائشة، وفي سنده ضعف، ولأبي ١٥/١٠
يَعْلى (٦٢٢٣) والحاكم (٢٢٧/٤) من حديث أبي هريرة: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، هذا
جَذَع من الضَّأْن مَهِزُول، وهذا جَذَع من المَعْز سمين، وهو خيرهما، أفأُضحّي به؟ قال:
ضَحِّ به، فإنَّ لله الخير)) وفي سنده ضعف.
والحقّ أنَّه لا مُنافاة بين هذه الأحاديث وبين حديثَي أبي بُرْدة وعُقْبة، لاحتمال أن
يكون ذلك في ابتداء الأمر، ثمَّ قَرَّرَ الشَّرعُ بأنَّ الجَذَع من المَعْزِ لا يَجِي، واختُصَّ
أبو بُرْدة وعُقْبة بالرُّخصة في ذلك. وإنَّما قلت ذلك لأنَّ بعض الناس زَعَمَ أنَّ هؤلاءِ
شارَكوا عُقْبة وأبا بُرْدة في ذلك، والمشارَكة إِنَّا وَقَعَت في مُطلَق الإجزاء لا في خُصوص
مَنْع الغير، ومنهم مَن زاد فيهم عُويمِر بن أشقَر، وليس في حديثه إلّا مُطلَق الإعادة لكَونِه
ذَبَحَ قبل الصلاة.
وأمَّا ما أخرجه ابن ماجَهْ (٣١٥٤) من حديث أبي زيد الأنصاريّ: أنَّ رسول الله وَه
قال لرجلٍ من الأنصار: ((اذَبَحْها ولن تَجِزِيَ جَذَعةٌ عن أحد بعدك)) فهذا يُحمَل على أنَّه
(١) وهو في ((الكبير)) له أيضاً برقم (١١٥٠٤)، وفي إسناده ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ.

١٧٦
باب ٨ / ح ٥٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
أبو بُرْدة بن نِيَار فإنَّه من الأنصار، وكذا ما أخرجه أبو يَعْلى (٨٩٧) والطبرانيّ (٢٧١/٢٢)
من حديث أبي جُحَيفةَ: أنَّ رجلاً ذَبَحَ قبل الصلاة فقال رسول الله وَليّ: ((لا تَجزي عنك))
قال: إنَّ عندي جَذَّعة، فقال: ((تَجزي عنك ولا تَجزي بعدك))، فلم يَثْبُت الإجزاء لأحدٍ
ونفيُّه عن الغير إلّا لأبي بُرْدة وعُقْبة، وإن تَعذَّرَ الجمعُ الذي قَدَّمتُه فحديث أبي بُرْدة أصحُ
◌َخَرَجاً، والله أعلم.
قال الفاکھيّ: ينبغي النَّظَر في اختصاص أبي بُزْدة بهذا الحكم وگَشْف السّرّ فيه، وأُجیبَ
بأنَّ الماوَرْديّ قال: إنَّ فيه وجهَينِ: أحدهما: أنَّ ذلك كان قبل استقرار الشَّرع فاستُثنيَ،
والثّاني: أنَّه عَلِمَ من طاعته وخُلوص نيَّته ما ميَّزَه عمَّن سواه.
قلت: وفي الأوَّل نظرٌ، لأنَّه لو كان سابقاً لامتَنَعَ وقوعُ ذلك لغيره بعد التَّصريح بعَدَمِ
الإجزاء لغيره، والفَرْض تُبوت الإجزاء لعَدَدٍ غيره كما تقدَّمَ.
وفي الحديث أنَّ الجَذَع من المَعْز لا يَجزي، وهو قول الجمهور، وعن عطاء وصاحبه
الأوزاعيِّ: يجوز مُطلَقاً، وهو وجه لبعضِ الشافعيَّة حكاه الرَّافعيّ، وقال النَّويّ: وهو
شاذٌّ أو غَلَط، وأغرَبَ عِيَاض فحكى الإجماع على عَدَم الإجزاء، قيل: والإجزاء مصادمٌ(١)
للنَّصّ، ولكن يحتمل أن يكون قائله قَيَّدَ ذلك بمَن لم يَجِدْ غيره، ويكون معنى نفي الإجزاء
عن غير مَن أُذِنَ له في ذلك، محمولاً على مَن وَجَدَ.
وأمَّا الجَذَعُ من الضَّأْن، فقال التِّرمِذيّ: إنَّ العَمَل عليه عند أهل العلم من أصحاب
النبيّ وَّهِ وغيرهم، لكن حكى غيرُه عن ابن عمر والزُّهْريّ: أنَّ الجَذَعِ لا تَجزي مُطلَقاً
سواء كان من الضَّأن أم من غيره، وثمَّن حكاه عن ابن عمر ابنُ المنذِر في ((الإشراف))، وبه
قال ابن حَزْم، وعزاه لجماعةٍ من السَّلَف، وأطنَبَ في الردِّ على من أجازَه، ويحتمل أن يكون
ذلك أيضاً مُقيَّداً بمَن لم يَجِد، وقد صَحَّ فيه حديث جابر رَفَعَه: ((لا تَذْبَحوا إلّا مُسِنّة، إلّا
أن يَعسُر عليكم فَتَذَبَحوا جَذَعة من الضَّأن)) أخرجه مسلم (١٩٦٣) وأبو داود (٢٧٩٧)
(١) في (س): مصادر، بالراء، وهو خطأ.

١٧٧
باب ٨ / خ ٥٥٥٦
كتاب الأضاحي
والنَّسائيُّ (٤٣٧٨) وغيرهم، لكن نَقَلَ النَّوويّ عن الجمهور: أنَّهم حَمَلوه على الأفضل،
والتَّقدير: يُستَحَبّ لكم أن لا تَذبَحوا إلّا مُسِنّة، فإن عَجَزْتُم فاذبَحُوا جَذَعة من الضَّأن،
قال: وليس فيه تصريح بمَنْع الجَذَعة من الضَّأن وأنَّها لا تَجزي، قال: وقد أجْمَعَتِ الأُمّة
على أنَّ الحديث ليس على ظاهره، لأنَّ الجمهور ◌ُجُوِّزونَ الجَدَع من الضَّأن مع وجود غيره
وعَدَمه، وابن عمر والزُّهْريّ يَمنَعانه مع وجود غيره وعَدَمِهِ، فَتَعِيَّنَ تأويلُه.
قلت: ويدلّ للجُمهورِ الأحاديث الماضية قريباً، وكذا حديث أمّ بلال(١) بنت هلال
عن أبيها رَفَعَه: ((يجوز الجَذَع من الضَّأن أُضحيَّةٌ)) أخرجه ابن ماجَهْ (٣١٣٩)، وحديث
رجل من بني سُلَيم يقال له مجاشع: أنَّ النبيَّ وَ ◌ّه قال: ((إنَّ الجَذَّعِ يُوفي ممّا يوفي منه النَّنِيُّ))
أخرجه أبو داود (٢٧٩٩) وابن ماجة (٣١٤٠)، وأخرجه النَّسائيُّ (٤٣٨٤) من وجه آخر،
لكن لم يُسمِّ الصحابيّ، بل وَقَعَ عنده أنَّه رجل من مُزَينة، وحديث معاذ بن عبد الله بن
◌ُبَيَب عن عُقْبة بن عامر: ضَخَّينا مع رسول اللّهَِّهِ بِجَذَعِ من الضَّأن، أخرجه النَّسائيُّ
(٤٣٨٢) بسندٍ قويّ، وحديث أبي/ هريرة رَفَعَه: ((نِعمَتِ الأُضحيَّةُ الجَذَعُ من الضَّأن)) أخرجه ١٦/١٠
التِّرمِذيّ (١٤٩٩)، وفي سنده ضعف.
واختَلَفَ القائلونَ بإجزاءِ الجَذَع من الضَّأن - وهم الجمهور - في سِنّه على آراء:
أحدها: أنَّه ما أكمَّلَ سنةً ودَخَلَ في الثّانية، وهو الأصحّ عند الشافعيَّة، وهو الأشھَر عند
أهل اللُّغة، ثانيها: نصف سنة، وهو قول الحنفيّة والحنابلة، ثالثها: سبعة أشهُر، حكاه
صاحب ((الهداية)) من الحنفيّة عن الَّعفَرانيّ، رابعها: ستّة أو سبعة، حكاه التِّرمِذيّ عن
وكيع، خامسها: التَّرِقة بين ما تَوَلَّدَ بين شابَّنِ فيكون له نصف سنة، أو بين هَرِمَينٍ فيكون
ابن ثمانية، سادسها: ابن عشر، سابعها: لا يَجزي حتَّى يكون عظيماً، حكاه ابن العربيّ،
وقال: إنَّه مذهبٌ باطل، كذا قال، وقد قال صاحب ((الهداية)): إنَّه إذا كانت عظيمةً بحيثُ
لو اختَلَطَت بالثَّنِيّاتِ اشْتَبَهَت على الناظر من بعيدٍ أجزأَت، وقال العبَّديّ من الشافعيّة: لو
(١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: أم هلال.

١٧٨
باب ٨ / ح ٥٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
أجذَعَ قبل السَّنة - أي: سَقَطَت أسنانُه - أجزاً، كما لو تَمَّتِ السَّنة قبل أن يُحذِعِ، ويكون
ذلك كالبلوغِ إمّا بالسِّنِّ وإمّا بالاحتلام، وهكذا قال البَغَويُّ: الجَذَع ما استَكمَلَ السَّنةَ أو
أجذعَ قبلها، والله أعلم.
قوله: ((ثُمَّ قال: مَن ذَبَحَ قبلَ الصلاة)) أي: صلاة العيد ((فإنّما يَذْبَح لنفسِه)) أي: وليس
أُضحيَّة ((ومَن ذَبَحَ بعدَ الصلاة فقد تَمَّ نُسُكُه)) أي: عِبادَته «وأصاب سُنّة المسلمينَ)) أي:
طريقتَهم. هكذا وَقَعَ في هذه الرِّواية أنَّ هذا الكلام وَقَعَ بعد قصَّة أبي بُرْدة بن نِيار، والذي
في مُعظَم الرّوايات كما سيأتي قريباً من رواية زُبَيد عن الشَّعْبِيّ (٥٥٦٠) أنَّ هذا الكلام من
النبيّ ﴾ وَقَعَ في الخطبة بعد الصلاة، وأنَّ خِطاب أبي بُزْدة بما وَقَعَ له كان قبل ذلك، وهو
المعتمَد، ولفظه: سمعت النبيَّ وَلَهِ يَخْطُب فقال: ((إنَّ أوَّل ما نَبدَأ به من يومنا هذا أن نُصلّيَ
ثُمَّ نَرجِعَ فتَنحَر، فمَن فعل هذا فقد أصاب سُنَّتنا» فقال أبو بُزْدة: يا رسول الله ذَبَحتُ قبل
أن أُصَلّى)»، وتقدَّم في العيدَينِ (٩٥٥) من طريق منصور عن الشَّعْبيّ عن البراء قال: خَطَبَنا
رسول الله وَّه يوم الأضحَى بعد الصلاة، فقال: ((مَن صَلَّى صلاتَنَا ونَسَكَ نُسُكَنا فقد أصاب
النُّسُك، ومَن نَسَكَ قبل الصلاة فإنَّه لا نُسُك له)) فقال أبو بُرْدة ... فذكر الحديث، وسيأتي بيان
الحُكم في هذا قريباً في ((باب مَن ذَبَحَ قبل الصلاة أعادَ))(١) إن شاء الله تعالى.
واستُدِلَّ به على وجوب الأُضحيَّة على مَن التَزَمَ الأُضحيَّة فأفسَدَ ما يُضَحّي به، ورَدَّه
الطَّحَاويُّ بأنَّه لو كان كذلك لتَعرَّضَ إلى قيمة الأُولى ليُلزَمَ بمِثلِها، فلمَّا لم يَعتَبِ ذلك دَلَّ
على أنَّ الأمر بالإعادة كان على جهة النَّذْب، وفيه بيان ما يَجزي في الأضحيَّة لا على
وجوب الإعادة.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: أنَّ المرجِعَ في الأحكام إِنَّما هو إلى النبيّ ◌َِّ، وأنَّه
قد يَخُصّ بعضَ أمَّته بحُكمٍ ويَمنَع غيره منه ولو كان بغير عُذْر، وأنَّ خِطابه للواحدِ يَعُمّ
جميع المكلَّفِينَ حتَّى يظهر دليل الخصوصيّة، لأنَّ السّياق يُشعِر بأنَّ قوله لأبي بُرْدة: ((ضَحِّ
(١) باب رقم (١٢).

١٧٩
باب ٨ / ح ٥٥٥٦
كتاب الأضاحي
به)) أي: بالجَذَع، ولو كان يُفهَم منه تخصيصُه بذلك لما احتاج إلى أن يقول له: («ولن تَجزيَ
عن أحد بعدك)). ويحتمل أن تكون فائدة ذلك قطعَ إلحاق غيره به في الحكم المذكور، لا أنَّ
ذلك مأخوذ من مُجرَّد اللَّفظ، وهو قويّ.
واستُدِلَّ بقولِه: ((اذبَحْ مكانها أُخرى))، وفي لفظ: ((أعِدْ نُسُكاً))، وفي لفظ: ((ضَحِّ بها))
وغير ذلك من الألفاظ المصَرِّحة بالأمرِ بالأُضحيَّة على وجوب الأُضحيَّة، قال القُرطُبِيّ
في ((المفهم): ولا حُجّة في شيء من ذلك، وإنَّما المقصود بيان كيفيَّة مشروعيّة الأُضحيَّة لمن
أراد أن يفعلها، أو مَن أوقَعَها على غير الوجه المشروع خطأً أو جهلاً، فبيَّن له وجه تَدارُك
ما فرَّطَ منه، وهذا معنى قوله: ((لا تَجِزِي عن أحدٍ بعدك)) أي: لا يَحِصُل له مقصود القُرْبة
ولا الثَّواب، وكما يقال في صلاة النَّفْل: لا تَجزي إلّا بطهارةٍ وسَتْر عَوْرة، قال: وقد استَدَلَّ
بعضهم للوجوبِ بأنَّ الأُضحيَّة من شريعة إبراهيم الخليل وقد أُمِرْنا باتِباعِه، ولا حُجّة فيه
لأنّا نقول بمُوجَبِهِ، ويَلزَمهم الدَّليل على أنَّها كانت في شريعة إبراهيم واجبة، ولا سبيل إلى
عِلْم/ ذلك، ولا دلالة في قصَّة الذَّبيح للخَصُوصيّة التي فيها، والله أعلم.
١٧/١٠
وفيه أنَّ الإمام يُعلِّم الناس في خُطبة العيد أحكام النَّحر. وفيه جواز الاكتفاء في
الأُضحيَّة بالشّاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته، وبه قال الجمهور، وقد تقدَّمَتِ
الإشارة إليه قبلُ، وعن أبي حنيفة والثَّوْريّ يُكرَه، وقال الطَّحاوي(١): لا يجوز أن يُضَخَّى
بشاةٍ واحدة عن اثنین، واذَّعَی نسخَ ما دَلَّ علیه حديث عائشة الآتي (٥٥٥٩) في ((باب مَن
ذَبَحَ ضَحيَّة غيره))، وتُعقِّبَ بأنَّ النَّسخِ لا يَئُبُت بالاحتمال، قال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي
جَمْرة: وفيه أنَّ العَمَل وإن وافَقَ نَّةٌ حَسَنة لم يَصِحَّ إلّا إذا وَقَعَ على وَفْقَ الشَّرع.
وفيه جواز أكل اللَّحم يوم العيد من غير لحم الأُضحيَّة لقوله: ((إنَّما هو لحم قَدَّمَه لأهلِه)).
وفيه كرمُ الرَّبّ سبحانه وتعالى لكَونِهِ شَرَعَ لعَبِيدِه الأُضحيَّة، مع ما لهم فيها من الشَّهوة بالأكلِ
والادِّخار، ومع ذلك فأثبَتَ لهم الأجرَ في النَّبِح، ثمَّ مَن تَصَدَّقَ أُثيبَ وإلّا لم يأَمْ.
(١) تحرَّف في (س) إلى: الخطابي. وقول الطحاوي هذا في كتابه ((شرح معاني الآثار)) ٤/ ١٨١.

١٨٠
باب ٨ / ح ٥٥٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((تابَعَه عُبيدة، عن الشَّعْبِيّ وإبراهيمَ، وتابَعَه وكيع، عن حُرَيث، عن الشَّعْبِيّ)) قلت:
أمَّا عُبيدة فهو بصيغة التَّصغير: وهو ابن مُعَتِّب - بضمٌ أوَّله وفتح المهمَلة وتشديد المثنّاة
وكسرها بعدها موحّدة - الضَّبِّيّ، وروايته عن الشَّعْبيّ، يعني: عن البراء بهذه القصَّة، وأمَّا
قوله: ((وإبراهيم)) فيعني النَّخَعيَّ، وهو من طريق إبراهيم مُنقَطِع، وليس لعُبيدة في البخاريّ
سوى هذا الموضع الواحد.
وأمَّا مُتَابَعة حُرَيث - وهو بصيغة التَّصغير - وهو ابن أبي مَطَر، واسمه عَمْرو الأسَدُّ
الكوفيّ، وما له أيضاً في البخاريّ سوى هذا الموضع، وقد وَصَلَه أبو الشَّيخ في كتاب
((الأضاحيّ)) من طريق سهل بن عثمان العسكريّ عن وكيع عن حُرَيث عن الشَّغْبيّ عن
البراء: ((أنَّ خاله سألَ)) فذَكَر الحديث، وفيه: ((عندي جَذَعة من المَعْز أوفَى منها))، وفي هذا
تَعَقُّب على الدّارَ قُطنيّ في ((الأفراد)) حيثُ زَعَمَ أنَّ عُبيد الله بن موسى تفرَّد بهذا عن حُرَيث،
وساقَه من طريقه بلفظ: قال: فعندي جَذَعةُ مَعزِ سمينة(١).
قوله: ((وقال عاصم وداود، عن الشَّغْبيّ: عندي عَناقُ لَبَن)) أمَّا عاصم: فهو ابن سليمان
الأحوال، وقد وَصَلَه مسلم (٨/١٩٦٠) من طريق عبد الواحد بن زياد عنه عن الشَّعْبيّ
عن البراء بلفظ: خَطَبَنَا رسول الله وَله في يوم نحر، فقال: ((لا يُضَحّيَنَّ أحد حتَّى يُصَلِّيَ)) فقال
رجل: عندي عَناقُ لَبَن، وقال في آخره: ((ولا تَجزي جَذَعةٌ عن أحد بعدك)).
وأمَّا داودُ: فهو ابن أبي هند، فوَصَلَه مسلم (١٩٦١/ ٥) أيضاً من طريق هُشَيم عنه عن
الشَّعْبِيّ عن البراء بلفظ: (إنَّ خاله أبا بُرْدة بن نِيَار ذَبَحَ قبل أن يَذْبَح النبيُّ وَّر ...
الحديث، وفيه: لأُطعِمَ أهلي وجيراني وأهل داري، فقال: ((أعِد نُسُكاً) فقال: إنَّ عندي
عَناقَ لَبَن هي خير من شاتَي لحم، قال: ((هي خير نَسيكَتَك، ولا تَّجزي جَذَعةٌ عن أحد
بعدك».
قوله: «وقال زُبید وفِراس، عن الشَّعبيّ: عندي جَذَعة» أمّا روایة زُبید - وهو بالزّاي ثمَّ
(١) انظر ((تغليق التعليق)) ٨/٥.