النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
باب ٣٤ / ح ٥٥٤٠
كتاب الذبائح والصيد
في إثبات ميمونة في الإسناد وعَدَمه، وأنَّ الرَّاجح إثباتها فيه، وتقدَّم هناك الاختلافُ على
مالك في وصله وانقطاعه.
قوله: ((فقال: أَلقُوها وما حَوْلها)» هكذا أورَدَه أكثر أصحاب ابن عُيَينةَ عنه، ووَقَعَ في
((مُسنَد إسحاق بن راهويه))(١) ومن طريقه أخرجه ابن حِبّان (١٣٩٢) بلفظ: ((إن كان جامداً
فألقُوها وما حولها وكُلوه، وإن كان ذائباً فلا تَقرَبوه))، وهذه الزّيادة في رواية ابن عُيَينَةَ
غريبة وسيأتي القول فيها.
قوله: ((قيلَ لسُفْيان)» القائل لِسفيان ذلك هو عليُّ بن المَدِينيّ شيخ البخاريّ، كذلك
ذكره في «عِلَله».
قوله: ((فإنَّ مَعمَراً يُحدِّث به ... )) إلى آخره، طريق مَعمَر هذه وَصَلَها أبو داود (٣٨٤٢)
عن الحسن بن عليّ الْحُلْوانيّ وأحمد بن صالح كلاهما عن عبد الرَّزّاق عن مَعمَر بإسنادِه
المذكور إلى أبي هريرة، ونَقَلَ التِّرمِذيّ عن البخاريّ أنَّ هذه الطَّريق خطأٌ، والمحفوظ رواية
الزُّهْريِّ من طريق ميمونة، وجَزَمَ الذُّهْلِيُّ بأنَّ الطَّريقَينِ صحيحان، وقد قال أبو داود في
روايته عن الحسن بن عليّ: ((قال الحسن: ورُبَّما حدَّث به مَعمَر عن الزّهْريِّ عن عبيد الله
ابن عبد الله عن ابن عبّاس عن ميمونة))، وأخرجه أبو داود أيضاً (٣٨٤٣) عن أحمد بن صالح
عن عبد الرَّزّاق عن عبد الرّحمن بن بُوذويه عن مَعمَر كذلك من طريق ميمونة، وكذا
أخرجه النَّسائيُّ (٤٢٦٠) عن خُشَيش بن أصرَمَ عن عبد الرَّزّاق، وذكر الإسماعيليّ أنَّ
اللَّيث رواه عن الزُّهْريِّ عن سعيد بن المسيّب قال: بَلَغَنا أنَّ النبيَّ وَ ◌ّرَ سُئلَ عن فأرة
وَقَعَت في سَمنٍ جامد .. الحديث، وهذا يدلُّ على أنَّ لرواية الزُّهْريِّ عن سعيد أصلاً، وكَونُ
سفيان بن عُيَينةَ لم يحفظه عن الزُّهْريِّ إلّا من طريق ميمونة لا يقتضى أن لا يكون له عنده
إسناد آخر، وقد جاء عن الزُّهْريِّ فيه إسناد ثالث أخرجه الدّارَ قُطْنيُّ(٢) من طريق عبد الجبّار
(١) هو في ((مسند إسحاق)) برقم (٢٠٠٧) لکن کلفظ رواية الحميدي عن سفيان!
(٢) ذكره الدار قطني في كتابه ((العلل)) (٣٠٢٣)، ومن طريق عبد الجبار أيضاً أخرجه البيهقي في ((السنن))
٩/ ٣٥٤، وفي ((معرفة السنن والآثار)) (١٩٣٦٤).

١٤٢
باب ٣٤ / ح ٥٥٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
٦٦٩/٩ ابن عمر عن الزُّهْريِّ عن سالم عن ابن عمر به، وعبد الجبّار / مُتَلَف فيه.
قال البيهقيّ: وجاء من رواية ابن جُرَيج عن الزُّهْريِّ كذلك، لكن السَّنَد إلى ابن جُرَیج
ضعيف، والمحفوظ أنَّه من قول ابن عمر.
قوله: ((قال: ما سمعتُ الزُّهْريَّ)) القائل: هو سفيان، وقوله: ((ولقد سمعتُه منه مِراراً))
أي: من طريق ميمونة فقط، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ عن جعفر الفِرْيابيّ عن عليّ بن المَدِينِيّ
شيخ البخاريّ فیه: قال سفيان: کم سمعناه من الزُّهْريِّ يُعیده ويُبدِیه.
قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك، ویونس: هو ابنُ یزید.
قوله: ((عن الزُّهْريِّ: عن الذَّابّة)) أي: في حُكْم الدَّابّة ((تموت في الزَّيت والسَّمْن ... )) إلى
آخره، ظاهر في أنَّ الزُّهْريَّ كان في هذا الحكم لا يُفرِّق بين السَّمن وغيره، ولا بين الجامد
منه والذّائب، لأنَّه ذكر ذلك في السُّؤال ثمَّ استَدَلَّ بالحديث في السَّمن، فأمَّا غيرُ السَّمن
فإلحاقُه به في القياس عليه واضح، وأمَّا عَدَم الفَرْق بين الذّائب والجامد فلأنَّه لم يُذكَر في
اللَّفظ الذي استَدَلَّ به، وهذا يَقدَحُ في صِحّة مَن زاد في هذا الحديث عن الزُّهْرِيِّ التَّفْرِقَةَ
بين الجامد والذّائب كما ذُكِرَ قبلُ عن إسحاق، وهو مشهور من رواية مَعمَر عن الزّهْريِّ،
أخرجه أبو داود (٣٨٤٢) والنَّسائيُّ (٤٢٦٠) وغيرهما وصَخَّحَه ابن حِبّان (١٣٩٤) وغيره
على أنَّه اختُلِفَ عن مَعمَر فيه، فأخرجه ابن أبي شَيْية (٢٨٠/٨) عن عبد الأعلى عن مَعمَرٍ
بغير تفصيل.
نعم وَقَعَ عند النَّسائيِّ من رواية ابن القاسم(١) عن مالك وصفُ السَّمن في الحديث
بأنَّه جامد، وتقدَّم التَّنبيه عليه في الطَّهارة (٢٣٥)، وكذا وَقَعَ عند أحمد (٢٦٨٠٣) من
رواية الأوزاعيِّ عن الزّهْريّ، وكذا عند البيهقيِّ (٢) من رواية حَجّاج بن مِنهال عن ابن
عُيَينَةَ، وكذا أخرجه أبو داود الطَّيالسيّ في «مُسنَده)) (٢٨٣٩) عن سفيان، وتقدَّم التَّنبيه
(١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فرواية النسائي (٤٢٥٩) من رواية عبد الرحمن عن مالك، وعبد الرحمن
هذا: هو ابن مهدي لا ابن القاسم، وقد سلف للحافظ نسبته على الصواب عند الحديث (٢٣٥).
(٢) في ((معرفة السنن والآثار)) (١٩٣٥٩).

١٤٣
باب ٣٤ / ح ٥٥٤٠
كتاب الذبائح والصيد
على الزّيادة التي وَقَعَت في رواية إسحاق بن راهويه عن سفيان، وأنَّه تفرَّد بالتَّفصيلِ عن
سفيان دونَ حُفّاظ أصحابه مِثْل أحمد والحميديّ ومُسدَّد وغيرهم، ووَقَعَ التَّفصيل فيه
أيضاً في رواية عبد الجبّار بن عمر عن الزُّهْريِّ عن سالم عن أبيه، وقد تقدَّم (٢٣٦) أنَّ
الصَّواب في هذا الإسناد أنَّه موقوف، وهذا الذي يَنفَصِل به الحكمُ فيما يظهر لي بأنَّ
التَّقييد عند الزُّهْريِّ عن سالم عن أبيه من قوله، والإطلاق من روايته مرفوعاً، لأنَّه لو
كان عنده مرفوعاً ما سوَّى في فتواهُ بين الجامد وغير الجامد، وليس الزُّهْرُّ ممَّن يقال في
حَقّه: لعلَّه نَسِيَ الطَّريق المفصّلة المرفوعة، لأنَّه كان أحفظَ الناس في عصره، فخَفاءُ ذلك
عنه في غاية البُعْد.
قوله: ((عن حديث عبيد الله بن عبد الله)) يعني بسندِه، لكن لم يظهر لنا هل فيه ميمونة أو
لا، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق نُعَيم بن حمّاد عن ابن المبارك فقال فيه: ((عن عُبيد الله
ابن عبد الله عن النبيّ وَّ) فذكره مُرسَلاً، وأغرَبَ أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) فساقَه من
طريق الفِرَبريّ عن البخاريّ عن عَبْدانَ موصولاً بذِكْر ابن عبّاس وميمونة بالمرفوع دونَ
الموقوف وقال: أخرجه البخاريّ عن عبدان، وذكر فيه كلاماً.
واستُدِلَّ بهذا الحديث لإحدى الرِّوايتَينِ عن أحمد: أنَّ المائع إذا حَلَّت فيه النَّجاسةُ لا
يَنجَسُ إلّا بالتغيُّرُ، وهو اختيار البخاريّ وقولُ ابن نافع من المالكيَّة وحُكيَ عن مالك،
وقد أخرج أحمد(١) عن إسماعيل ابن عُليَّة عن عمارة بن أبي حفصة عن عِكْرمة: أنَّ ابن
عبَّاس سُئلَ عن فأرة ماتت في سَمن، قال: تُؤْخَذ الفأرةُ وما حولها، فقلت: إنَّ أثرها كان
في السَّمن كلِّه، قال: إنَّما كان وهي حَيَّةً، وإنَّما ماتت حيثُ وُجِدَت، ورجاله رجال الصَّحيح.
وأخرجه أحمد من وجه آخر وقال فيه: عن جَرّ فيه زیت وَقَعَ فیه ◌ُرَذ، وفيه: أليس جالَ في
الجرّ كلِّه؟ قال: إنَّما جالَ وفيه الرّوح، ثمَّ استَقَرَّ حيثُ ماتَ.
وفَرَّقَ الجمهورُ بين المائع والجامد عَمَلاً بالتَّفصيلِ المقدَّمِ ذِكْره، وقد تَسَّكَ ابن العربيّ
(١) رواية أحمد هذه ليست في ((مسنده)) كما يُوهمه إطلاقُ العزو له، وقد ذكرها ابن عبد الهادي في ((تنقيح
التحقيق)) ٥٧٤/٢ من رواية صالح بن أحمد عن أبيه بالإسناد المذكور، وكذلك الأثر الآتي.

١٤٤
باب ٣٤ / ح ٥٥٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
بقوله: ((وما حولها)) على أنَّه كان جامداً، قال: لأنَّه لو كان مائعاً لم يكن له حول، لأنَّه لو
نُقِلَ من أيّ جانب مهما نُقِلَ لَخَلَفَه غيره في الحال، فيصير ممَّا حولها فيُحتاج إلى إلقائه كلّه،
٦٧٠/٩ كذا قال، وأمَّا ذِكْر السَّمن والفَأرة فلا عَمَلَ بمفهومِهما، وجَدَ ابنُ حَزْم على/ عادته فخَصَّ
التَّفْرِقة بالفأرة، فلو وَقَعَ غيرُ چِنس الفأر من الدَّواب في مائع لم يَنجَس إلّا بالتغيُّرِ، وضابط
المائع عند الجمهور أن يَتَرادَّ بسُرعةٍ إذا أُخِذَ منه شيء.
واستُدِلَّ بقوله: ((فماتت)) على أنَّ تأثيرها في المائع إنَّما يكون بموتِها فيه، فلو وَقَعَت فيه
وخَرَجَت بلا موت لم يَضُرَّه، ولم يقع في رواية مالك التَّقييدُ بالموت، فيَلزَم مَن لا يقول
بحَملِ المطلَق على المقيَّد أن يقول بالتَّأثير ولو خَرَجَت وهي في الحياة، وقد التَزَمَه ابن خَزْم
فخالَفَ الجمهورُ أيضاً.
قوله: «ألقُوها وما حولها» لم یَرِدْ فی طریق صحیحة تحديد ما يُلقَى، لكن أخرج ابن أبي
شَيْبة من مُرسَل عطاء بن يَسار: أنَّه يكون قَدْر الكَفّ، وسنده جيِّد لولا إرساله، وقد وَقَعَ
عند الدّارَ قُطْنيّ من رواية يحيى القَطّان عن مالك في هذا الحديث: فأمَرَ أن يُقَوَّر ما حولها
فيُرمَى به، وهذا أظهَرُ في كَونه كان جامداً من قوله: ((وما حولها)» فيَقْوَى ما تَسَّكَ به ابن
العربيّ، وأمَّا ما أخرجه الطبرانيُّ(١) عن أبي الدَّرداء مرفوعاً من التَّقييد في المأخوذ منه ثلاثُ
غَرَفات بالكَفَّينِ، فسنده ضعيف، ولو ثَبَتَ لكان ظاهراً في المائع.
واستُدِلَّ بقولِه في الرِّواية المفصَّلة: ((وإن كان مائعاً فلا تَقرَبوه)) على أنَّه لا يجوز
الانتفاعُ به في شيء، فيحتاج مَن أجازَ الانتفاعَ به في غير الأكل كالشافعيَّة أو أجازَ بيعَه
كالحنفيَّة إلى الجواب - أعني الحديث - فإنَّهم احتَجُّوا به في التَّفْرِقة بين الجامد والمائع، وقد
احتَجَّ بعضهم بما وَقَعَ في رواية عبد الجبّار بن عمر عند البيهقيِّ (٩/ ٣٥٤) في حديث ابن
عمر: إن كان السَّمن مائعاً انتَفِعوا به ولا تأكُلوه، وعنده في رواية ابن جُرَيج مِثله، وقد تقدَّم
أنَّ الصَّحيح وقفُه، وعنده من طريق الثَّوْريّ عن أيوب عن نافع عن ابن عمر في فأرة وَقَعَت
(١) في ((المعجم الكبير)) كما في ((مجمع الزوائد)) ١/ ٢٨٧، وهو أيضاً في ((مسند الشاميين)) له (١١٩٧)، وفي
سنده مسلمة بن علي الخُشَني، وهو متروك.

١٤٥
باب ٣٥ / ح ٥٥٤١
كتاب الذبائح والصيد
في زيت قال: استَصبِحوا به وادهَنوا به أُدْمَكُم، وهذا السَّنَد على شرط الشَّيخَينِ إلّا أنَّه
موقوف، واستُدِلَّ به على أنَّ الفأرة طاهرة العَيْن، وأغرَبَ ابنُ العربيّ فحكى عن الشافعيّ
وأبي حنيفة أنَّهَا نَجِسة.
قوله في رواية مالك: ((سُئلَ رسول الله وَ لَ)) هو كذلك في أكثر الرِّوايات بإبهام السائل،
ووَقَعَ في رواية الأوزاعيِّ عن أحمد تعيينُ مَن سألَ، ولفظه عن ميمونة: أنَّها استَفتَت
رسول اللهَوَ له عن فأرة ... الحديث، ومثلُه في رواية يحيى القَطّان عن مالك عند الدّارَ قُطنيّ
بلفظ: عن ابن عبّاس أنَّ ميمونة استَفتَت، والله أعلم.
٣٥- باب الوَسْم والعَلَم في الصّورة
٥٥٤١ - حذَّثنا عُبِيدُ الله بنُ موسى، عن حَنْظَلَةَ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ: أنَّه كَرِهَ أن تُعلَمَ
الصُّورَةُ، وقال ابنُ عمرَ: نَهَى النبيُّنَّهِ أَنْ تُضرَبَ.
تابَعَه قُتَبةُ، حدَّثْنَا العَنْقَزِيُّ، عن حَنْظَلَةَ، وقال: تُضرَبُ الصّورة.
قوله: ((باب العَلَم) بفتحَتَينِ ((والوَسْم)) بفتح أوَّله وسكون المهمَلة، وفي بعض النُّسَخ
بالمعجَمة، فقيل: هو بمعنى الذي بالمهمَلة، وقيل: بالمهمَلة في الوجه وبالمعجمة في سائر
الجسد، فعلى هذا فالصَّواب هنا بالمهمَلة لقوله: في الصّورة، والمراد بالوَسْمِ: أن يُعلَم الشيءُ
بشيءٍ يُؤثِّر فيه تأثيراً بالغاً، وأصله أن يجعل في البَهيمة علامة ليُميِّزُها عن غيرها.
قوله: ((عن حَنْظَلة)) هو ابنُ أبي سفيان الجُمَحيّ، وسالم: هو ابن عبد الله بن عمر.
قوله: ((أن تُعلَم)) بضمٍّ أوَّله، أي: تُجعَل فيها علامة.
قوله: ((الصّورة) في رواية الكُشْمِيهنيّ في الموضعَينِ: ((الصُّوَر)) بفتح الواو بلا هاء جمع ٦٧١/٩
صورة، والمراد بالصّورة الوجهُ.
قوله: ((وقال ابن عمر: نَهَى النبيُّ وَّهُ أن تُضرَب)» هو موصول بالسَّنَدِ المذكور، بَدَأ بالموقوفِ
وثَّى بالمرفوع مُستَدِلَّ به على ما ذُكِرَ من الكراهة، لأَنَّه إذا ثَبَتَ النَّهيُ عن الضَّرب كان مَنعُ
الوَسْم أَوْلى، ويحتمل أن يكون أشارَ إلى ما أخرجه مسلم (٢١١٦) من حديث جابر: نَھَی

١٤٦
باب ٣٥ / ح ٥٥٤١
فتح الباري بشرح البخاري
رسول الله وَ﴾ عن الضَّرب في الوجه، وعن الوَسْم في الوجه، وفي لفظ له (٢١١٧): مرَّ
عليه النبيُّ ◌َّ بحِمارٍ قد وُسِمَ في وجهه، فقال: (لَعَنَ الله مَن وَسَمَه)).
قوله: ((تابَعَه قُتَية، قال: حدَّثنا العَنْقَزيّ)) بفتح المهمَلة والقاف بينهما نون ساكنة وبعد
القاف زاي، منسوب إلى العَنقَز: وهو نبت طيِّب الرّيح، ويقال: هو المَرْزَنْجُوش، بفتح
الميم وسكون الرَّاء ثمَّ فتح الزّاي وسكون النُّون بعدها جيم مضمومة وآخره مُعجَمة،
وهذا تفسير للشَّيءٍ بمِثلِه في الحَفَاء، والمَرْزَنْجوش: هو الشَّمَار أو السَّذَاب، وقيل: العَنقَز
الرَّيْجان، وقيل: القَصَب الغَضّ، واسم العَنقَزيّ عَمْرو بن محمَّد الكوفيّ، وثَّقَه أحمد
والنَّسائيُّ وغيرهما، وقال ابن حِبّان في ((الثِّقات)): كان يبيع العَنقَز. وهذه المتابَعة لها حكمُ
الوصل عند ابن الصَّلاح، لأنَّ قُتَيبة من شيوخ البخاريّ، وإنَّما ذكرها لزيادة المحذوف في
رواية عُبيد الله بن موسى حيثُ قال: ((أن تُضرَب))، فإنَّ الضَّمير في روايته للصّورة لِگَونِها
ذُكِرت أوّلاً، وأفصحَ العنقزيُّ في روايته بذلك.
وقوله: ((عن حَنظَلة)) يريد بالسَّنَّدِ المذكور: وهو عن سالم عن أبيه، وقد أخرج الإسماعيليّ
الحديث من طريق بِشْر بن السَّري ومحمَّد بن عَديّ فَرَّقَهما كلاهما عن حَنظَلة بالسَّنَدِ
المذكور واللَّفظ المذكور، لكن لفظ رواية بشر بن السَّريّ: عن الصّورة تُضرَب، وأخرجه
من طريق وكيع عن حَنظَلة بلفظ: أن تُضرَب وجوه البهائم، ومن وجه آخر عنه: أن
تُضرَب الصّورة، يعني: الوجه، وأخرجه أيضاً من طريق محمَّد بن بكر - يعني: البُرْسانيّ -
وإسحاق بن سليمان الرَّازيّ كلاهما عن حَنظَلة قال: سمعتُ سالماً يُسأل عن العَلَم في
الصّورة فقال: كان ابن عمر يكره أن تُعلَم الصّورة، وبَلَغَنا أنَّ النبيَّ نَّهِ نَهَى أن تُضرَب
الصّورة، يعني بالصّورة الوجه.
قال الإسماعيليّ: المسنَد منه على اضطراب فيه ضَربُ الصّورة، وأمَّا العَلَم فإنَّه من قول
ابن عمر وكأنَّ المعنى فيه الكَيّ، قلت: وهذه الرّواية الأخيرة هي المطابقة للفظِ التَّرجمة، وعَطفُه
الوَسْمَ عليها إمّا عَطفٌ تفسيريّ، وإمّا من عَطفِ الأعَمّ على الأخصّ. وأشارَ الإسماعيليّ

١٤٧
باب ٣٥ / ح ٥٥٤٢
كتاب الذبائح والصيد
بالاضطرابِ إلى الرّواية الأخيرة حيثُ قال فيها: ((وبَلَغَنا)) فإنَّ الظّاهر أنَّه من قول سالم
فيكون مُرسَلاً، بخِلَاف الرِّوايات الأُخرى أنَّها ظاهرة الاتّصال، لكن اجتماع العَدَد الكثير
أَولى من تقصير مَن قَصَّرَ به والحكمُ لهم، ومثل هذا لا يُسَمَّى اضطراباً في الاصطلاح، لأنَّ
شرط الاضطراب أن يَتَعذَّر التَّرجيحُ بعد تَعذُّر الجمع، وليس الأمر هنا كذلك.
وجاء في ذِكْرِ الوَسْم في الوجه صريحاً حديثُ جابر قال: مرَّ النبيُّ نَّه بِحِمَارٍ قد وُسِمَ
في وجهه، فقال: ((لَعَنَ الله مَن فعل هذا، لا يَسِمْ أحدٌ الوجهَ ولا يَضرِبْ أحدٌ الوجهَ»
أخرجه عبد الرَّزّاق (٨٤٥١) ومسلم (٢١١٦ -٢١١٧) والتِّرمِذيّ (١٧١٠)، وهو شاهد
جیِّد لحديث ابن عمر.
وتقدَّم البحث في ضرب وجه الآدميّ في كتاب الجهاد(١) في الكلام على حديث أبي
هريرة، وتقدَّم قبل أبوابِ النَّهي عن صَبْر البهيمة وعن المُثْلة (٥٥١٣).
٥٥٤٢- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن هشامِ بنِ زيدٍ، عن أنس قال: دَخَلْتُ على
النبيِّ ◌َّه بأخٍ لي يُجُنِّكُه وهو في مِرْبَدٍ له، فرأيتُه يَسِمُ شاةً، حَسِبتُه قال: في آذانها.
قوله: ((عن هشام بن زيد)) أي: ابن أنس بن مالك.
قوله: ((عن أنس)» هو جَدُّه.
قوله: ((بأخ لي يُحِنِّكه)) هو أخوه من أمّه: وهو عبد الله بن أبي طلحة، وسيأتي مُطوَّلاً في
اللباس (٥٨٢٤) من وجهٍ آخر.
قوله: ((في مِرْبَد)) بكسر الميم وسكون الرَّاء وفتح الموحّدة بعدها مُهمَلة: مكان الإبل،
وكأنَّ الغنم أُدخِلَت فيه مع الإبل.
قوله: ((وهو يَسِمُ شاة)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((شاءً)) بالهمز وهو جمع شاة مِثْل: شِيَاهِ،
وسيأتي في الرِّواية التي في اللِّباس بلفظ: ((وهو يَسِمُ الظَّهر الذي قَدِمَ عليه)) وفيه ما يدلّ
على أنَّ ذلك/ بعد رُجوعِهم من غزوة الفتح وحُنَين، والمراد بالظّهرِ الإبل، وكأنَّه كان يَسِم ٦٧٢/٩
(١) بل في كتاب العتق برقم (٢٥٥٩).

١٤٨
باب ٣٦ / ح ٥٥٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
الإبل والغنم فصادَفَ أوَّل دخول أنس وهو يَسِمُ شاةً، ورآه يَسِم غير ذلك، وقد تقدَّم في
العَقيقة (٥٤٧٠) بیانُ شيء من هذا.
قوله: ((حَسِبْته)) القائل شُعْبة، والضَّميرُ لهشام بن زيد وَقَعَ مُبيّناً في رواية مسلم
(١١١/٢١١٩).
قوله: ((في آذانها)» هذا مَحَلّ التَّرجمة، وهو العُدول عن الوَسْم في الوجه إلى الوسم في
الأُذُن، فيُستفاد منه أنَّ الأُذُن ليست من الوجه، وفيه حُجّة للجُمهورِ في جواز وَسْم البهائم
بالكَيّ، وخالَفَ فيه الحنفيَّةُ تَسُّكاً بعُمومِ النَّهي عن التَّعذيب بالنار، ومنهم مَن اذَّعَى
نسخَ وَسْم البهائم، وجعله الجمهور مخصوصاً من عُموم النَّهي، والله أعلم.
٣٦ - بابٌ إذا أصاب قومٌ غنيمةً فذبح بعضهم غنماً أو إبلاً بغيرِ أمرٍ
أصحابهم، لم تُؤْكَّل، لحديثِ رافعٍ عن النبيِّ ◌َّه
وقال طاووسِ وعِكْرمةُ في ذَبِيحةِ السارقِ: اطْرَحوه.
٥٥٤٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو الأحوَصِ، حدَّثنا سعيدُ بنُ مسروقٍ، عن عَبَايَةَ بنِ
رِفاعةَ، عن أبيه، عن جَدِّه رافعٍ بنِ خَدِيجٍ قال: قلتُ للنبيِّ وَّهِ: إِنَّنَا نَلْقَى العدوَّ غَداً وليس
مَعَنا مُدّى، فقال: ((ما أنهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله فكُلُوه، ما لم يكن سِنٌّ ولا ظُفُرٌ، وسأُحدِّنُكم
عن ذلك: أمَّا السُّنُّ فعَظْمٌّ، وأمَّا الظَّفُرُ فمُدَى الحَبَشِةِ)). وتقدَّم سَرَعانُ الناسِ فأصابوا من
الغنائمِ والنبيُّ نَّه في آخِرِ الناسِ، فَتَصَبُوا قُدوراً فَأَمَرَ بها فأُكْفِئَت، وقَسَمَ بينَهم وعَدَلَ بعيراً
بِعَشْرِ شِيَاءٍ، ثمَّ نَّدَّ بعيرٌ من أوائلِ القومِ ولم يكن معهم خيلٌ، فرَمَاه رجلٌ بسَهْمِ فحَيَسَه الله،
فقال: ((إنَّ لهذِه البهائمِ أَوابدَ كأوابدِ الوَحْشِ، فما فَعَلَ منها هذا فافعَلُوا مِثلَ هذا)).
قوله: ((باب إذا أصاب قومٌ غَنيمة)) بفتح أوَّله وزنُ عَظيمة.
قوله: ((فَذَبَحَ بعضُهم غَنَاً أو إِيلاً بغيرِ أمر أصحابهم، لم تُؤْكَل لحديثِ رافع)) هذا مَصيرٌ من
البخاريّ إلى أنَّ سبب مَنْع الأكل من الغنم التي طُبِخَت في القصّة التي ذكرها رافع بن خَدِیج
كَوتُها لم تُقسَم، وقد تقدَّم البحث في ذلك في ((باب التَّسمية على الذَّبيحة)) (٥٤٩٨).

١٤٩
باب ٣٧ / ح ٥٥٤٤
كتاب الذبائح والصيد
وقوله فيه: ((وسأُحدِّثُكم عن ذلك)) جَزَمَ النَّوويّ بأنَّه من جملة المرفوع وهو من كلام
النبيّ ◌َّةِ، وهو الظّاهر من السِّياق، وجَزَمَ أبو الحسن بن القَطّان في كتاب ((بيان الوهم
والإيهام)) (٢/ ٢٩٠- ٢٩١) بأنَّه مُدَرَج من قول رافع بن خَدِيج راوي الخبر، وذكر ما
حاصلُه أنَّ أكثر الرّواة عن سعيد ومسروق أورَدُوه على ظاهر الرَّفع، وأنَّ أبا الأحوص قال
في روايته عنه بعد قوله: ((أو ظُفُر)): ((قال رافع: وسأُحدِّثُكم عن ذلك))، ونَسَبَ ذلك لرواية
أبي داود وهو عجيب، فإنَّ أبا داود أخرجه (٢٨٢١) عن مُسدّد وليس في شيء من نُسَخ
(السُّنَن)) قوله: ((قال رافع)) وإنَّما فيه كما عند المصنّ هنا بدونها، وشيخ أبي داود فيه مُسدَّد
هو شيخ البخاريّ فيه هنا، وقد أورَدَه البخاريّ في الباب الذي بعد هذا بلفظ: ((غير السِّنّ
والظَُّر، فإِنَّ السِّنّ عَظْم ... )) إلى آخره، وهو ظاهر جدّاً في أنَّ الجميع مرفوع.
قوله: ((وقال طاووسٌ وعِكْرمة في ذَبيحة السارق: اطْرَحوه)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق (٨٥٦٧)
من حديثھما بلفظ: أنّهما سُئلا عن ذلك فكرهاها ونَهَیًا عنها. وتقدَّم بیان الحكم في ذلك في
ذبيحة المرأة (٥٥٠٤).
ثم ذكر المصنّف حديث رافع بن خَدِيج، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى قبلُ (٥٤٩٨).
٣٧- بابٌ إذا نَّ بعيرٌ لقومٍ فرَمَاه بعضهم بسهم فقتله، فأرادَ إِصْلاحَهم
فهو جائزٌ، لخَيَرِ رافعٍ عن النبيِّ ◌َّ
٥٥٤٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سَلَام، أخبرنا عمرُ بنُ عُبيدِ الطَّنافِسِيُّ، عن سعيدِ بنِ مسروقٍ،
عن عَبَايَةَ بنِ رِفاعةَ، عن جَدِّه رافعٍ بِنِ خَدِيجٍ ﴾، قال: كنَّا معَ النبيِّ وََّ فِي سَفَرٍ فَتَدَّ بعيرٌ من
الإبلِ، قال: فَمَاه رجلٌ بسَهْمٍ فحَيَسَه، قال: ثمّ قال: ((إنَّ لها أَوابدَ كأَوابِدِ الوَحْشِ، فما غَلَبَكم
منها فاصْنَعُوا به هكذا)) قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنّا نكونُ في المغازي والأسفار، فتُرِيدُ أن
نَذْبَحَ فلا تكونُ مُدّى، قال: «أَرِنْ ما أنهَرَ - أو نَهَرَ - الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله فكُلْ، غيرَ السِّنِّ والظَّفْرِ،
فإنَّ السِّنَّ عَظْمٌ، والظُّفُرَ مُدَى الحَبَشةِ)).
قوله: ((باب إذا نَّ بعير لقومٍ فَرَمَاه بعضهم بسَهْم فقتله، فأراد إصلاحهم فهو جائز)» في رواية ٦٧٣/٩

١٥٠
باب ٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
الكُشْمِيهنيّ: ((إصلاحه)) ولكَرِيمة: ((صلاحه)) بغير ألف بالإفراد، أي: البعير، وضميرُ الجمع
للقوم.
ثم ذكر المصنِّ حديث رافع بن خَدِيج، وقد تقدَّم التَّنبيه عليه في الذي قبله، ومَضَى في
((باب ذبيحة المرأة)) (٥٥٠٤) بحث في خُصوص هذه التَّرجمة.
وقوله في هذه الرِّواية: ((ما أنهَرَ الدَّمَ، أو نَهَر)) شَكٌّ من الراوي، والصَّواب: ((أنهَر))
بالهمز، وقد ألزَمَه الإسماعيليّ التَّنَاقُضَ في هذه التَّرجمة والتي قبلها، وأشارَ إلى عَدَم الفرق
بين الصّورتَين، والجامع أنَّ كلَّا منهما متعدٍّ بالتَّذكية، وأُجيبَ بأنَّ الذينَ ذَبَحوا في القصّة
الأولى ذَبحوا ما لم يُقْسَم لِيَخْتَصّوا به، فعُوقِبوا بحِرْمانه إذ ذاكَ حتَّى يُقسَم، والذي رَمَی
البعيرَ أراد إبقاءَ مَنفَعَته لمالكِهِ فافتَرَقا. وقال ابن المنيِّر: نَبَّهَ بهذه التَّرجمة على أنَّ ذبحَ غیر
المالك إذا كان بطريق التعدّي كما في القصَّة الأولى فاسد، وأنَّ ذبحَ غير المالك إذا كان
بطريق الإصلاح للمالكِ خَشْبةَ أن تَقُوت عليه المنفعةُ ليس بفاسدٍ.
٣٨- باب إذا أكل المضطرُّ
لقولِه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلاَّ إِثْمَ
عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٢ - ١٧٣].
وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَ فِي ◌َخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لَإِثْمٍ ﴾ [المائدة: ٣].
وقولِه: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِئَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨].
وقولِه جلَّ وعلا: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمَا ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وقال ابنُ عبَّاسٍ: مُهْراقاً.
وقولِه: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَا طَيِّبًا﴾ [النحل: ١١٤].
قوله: ((باب إذا أكَلَ المضطّ)) أي: من المَيْتَة، وكأنَّه أشارَ إلى الخِلاف في ذلك وهو في
٦٧٤/٩ موضعينٍ: أحدهما: في/ الحالة التي يَصِحّ الوصفُ بالاضطرار فيها ليُباحَ الأكل، والثّاني: في

١٥١
باب ٣٨
كتاب الذبائح والصيد
مِقدار ما يُؤكَل، فأمَّا الأوَّل: فهو أن يَصِلَ به الجوع إلى حَدِّ الهلاك أو إلى مرض يُفضي إليه،
هذا قول الجمهور، وعن بعض المالكيَّة تحديدُ ذلك بثلاثة أيام، قال ابن أبي جَمْرة: الحكمة
في ذلك أنَّ في الميتة سُمّيَّة شديدة فلو أكَلَها ابتداءً لَأهلَكَته، فشُرِعَ له أن يجوع ليصيرَ في بَدَنه
بالجوع سُمّيَّة أشدُّ من سُمّيَّة الميتة، فإذا أكَلَ منها حينئذٍ لا يَتَضَرَّر. انتهى، وهذا إن ثَبَتَ
حسنٌ بالغٌّ في غاية الحُسن، وأمَّا الثّاني: فذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿مُتَجَانِفٍ لِإِثْرٍ﴾
وقد فَسَّرَه قَتَادة بالمتعَدّي وهو تفسير معنًى، وقال غيره: الإثم: أن يأكل فوق سَدِّ الرَّمَق،
وقيل: فوق العادة، وهو الرَّاجح لإطلاق الآية.
ثمَّ مَحَلُّ جواز الشِّبَع أن لا يَتَوقَّع غيرَ الميتة عن قُرْب، فإن تَوقَّعَ امَنَعَ إن قويَ على
الجوع إلّا أن يَجِدَه، وذكر إمام الحرمَينِ: أنَّ المراد بالشِّبَع ما ينتفي معه الجوعُ لا الامتلاءُ
حتَّى لا يَبْقَى لطعامٍ آخر مَسَاغ، فإنَّ ذلك حرام. واستُشكلَ بما في حديث جابر في قصَّة
العَنْبَر حيثُ قال أبو عُبيدة: وقد اضطُرِرتُم فكُلوا، قال: فأكَلْنا حتَّى سَمِنّا؛ وقد تقدَّم
البحث فيه مبسوطاً (٢٤٨٣ و ٥٤٩٣).
قوله: ((لقولِه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَآ
إِثْمَ عَلَيْهِ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ في رواية كَرِيمة ما حُذِفَ، وقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي: في أكل
الميتة، وجَعَلَ الجمهورُ من البَغْي العِصيان، فمَنَعوا العاصي بسَفَره أن يأكل الميتةَ وقالوا:
طريقهِ أن يَتُوب ثمَّ يأكل، وجَوَّزَه بعضهم مُطلَقاً.
قوله: ((وقال: ﴿فَمَنِ اضْطَرَ فِ مَخْمَصَةٍ﴾)) أي: مَجَاعِةٍ ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ﴾ أي: مائلِ.
قوله: ((وقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِئَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ﴾)) زاد في رواية
كَرِيمة الآية التي بعدها إلى قوله: ﴿مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، وفي نُسخة: إلى ﴿بِالْمُعْتَدِينَ﴾، وبه
تظهر مُناسَبةُ ذِكْر ذلك هنا، وإطلاق الاضطرار هنا تَمَسَّكَ به مَن أجازَ أكلَ الميتة للعاصي،
وَلَ الجمهورُ المطلَق على المقيَّد في الآيتَينِ الأخيرِتَينِ.
قوله: ((وقولِه جلَّ وعَلَا: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا ﴾)) ساقَ في رواية گرِيمة إلى آخر

١٥٢
باب ٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
الآية وهي قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وبذلك يظهر أيضاً وجه المناسبة وهو قوله: ﴿فَمَنِ
اُضْطُرَ﴾.
قوله: ((وقال ابنُ عبَّاس: مُهْراقاً) أي: فَسَّرَ ابنُ عبَّاس المسفوحَ بالمُهْراق، وهو موصول
عند الطبري(١) (٨/ ٧١) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه.
قوله: ((وقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا﴾)) كذا ثَبَتَ هنا لكَرِيمة
والأَصِيلِيّ وسَقَطَ للباقينَ، وساقَ في نُسخة الصَّغَانيّ إلى قوله: ﴿الْخِزِيرِ﴾ ثمَّ قال: إلى
قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
قال الكِرْمانيُّ وغيره: عَقَدَ البخاريُّ هذه التَّرجمة ولم يَذكُر فيها حديثاً، إشارةً إلى أنَّ
الذي وَرَدَ فيها ليس فيه شيء على شرطه، فاكتَفَى بما ساقَ فيها من الآيات، ويحتمل أن
يكون بيَّض فانضَمَّ بعضُ ذلك إلى بعض عند تبييض الكتاب. قلت: والثّاني أوجَهُ،
واللّائق بهذا الباب على شرطه حديثُ جابر في قصَّة العَنبَ، فلعلَّه قصد أن يَذكُر له طريقاً
أُخرى.
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الذَّبائح والصَّيد من الأحاديث المرفوعة على ثلاثة وتسعينَ
حديثاً، المعلَّق منها أحد وعشرونَ حديثاً والبقيَّة موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مَضَى
تِسعةٌ وسبعونَ حديثاً، والخالص أربعةَ عشرَ حديثاً، وافَقَه مسلم على تخريجها سوى
حديث ابن عمر في النَّهي عن أن تُصبَرَ البَهِيمة، وحديث ابن عبّاس فيه، وحديث عبد الله
ابن زيد في النَّهي عن المُثْلة، وحديث ابن عبّاس والحَكَم بن عَمْرو في الحُمُر الأهليَّة، وحديث
ابن عمر في النَّهي عن ضرب الصُّورة.
وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدهم أربعة وأربعونَ أثراً، والله سبحانه وتعالى
أعلم.
(١) تحرف في (س) إلى: الطبراني.

١٥٣
باب ١ / ح ٥٥٤٥ - ٥٥٤٦
كتاب الأضاحي
كتاب الأضاحي
١ - باب سنّة الأُضْحِيَّة
٣/١٠
وقال ابنُ عمرَ: هي سُنَّةٌ ومعروفٌ.
٥٥٤٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن زُبَيدِ الإيامِيِّ، عن
الشَّعْبِيِّ، عن البراءِ ﴾ قال: قال النبيُّ نَّهِ: ((إنَّ أوَّلَ مَا نَبْدَأُ به في يومِنا هذا أن نُصَلِّيَ، ثمَّ نَرجِعَ
فَتَنْحَرَ، مَن فَعَلَه فقد أصاب سُنَّتَنا، ومَن ذَبَحَ قبلُ فإِنَّما هو لحمٌّ قَدَّمَه لأهلِهِ ليس منَ النُّسُكِ في
شيءٍ))، فقامَ أبو بُرْدَةَ بنُ نِيَارٍ - وقد ذَبَحَ - فقال: إنَّ عندي جَذَعةً، فقال: ((اذْبَحْها، ولن تَجِزِيَ
عن أحدٍ بعدَكَ)).
وقال مُطرِّفٌ: عن عامٍ، عن البراءِ: قال النبيُّ وَّةِ: ((مَن ذَبَحَ بعدَ الصلاةِ تَمَّ نُسُكُه
وأصابَ سُنّةَ المسلمينَ)).
٥٥٤٦- حدَّثنا مُسدّدٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ
قال: قال النبيُّ وَّهِ: (مَن ذَبَحَ قبلَ الصلاةِ فإنَّما ذَبَحَ لنفسِهِ، ومَن ذَبَحَ بعدَ الصلاةِ فقد تَمَّ
نُسُكُه، وأصاب سُنَّ المسلمينَ)).
قوله: ((كتاب الأضاحيّ. باب سُنّة الأُضحيَّة)) كذا لأبي ذرٍّ والنَّسَفيّ، ولغيرهما: سُنّة
الأضاحيّ، وهو جمع أُضحيّة بضمِّ الهمزة ويجوز كسرُها، ويجوز حذف الهمزة فتُفْتَح
الضّاد، والجمع: ضَحَایا، وهي أَضْحاةٌ، والجمع: أضحى، وبه سُمَّ يوم الأضحى، وهو
يُذكَّر ويُؤنَّث، وكأنَّ تسميتها اشتُقَّت من اسم الوقت الذي تُشرَع فيه، وكأنَّه تَرجَمَ
بالسُّنّة إشارة إلى مُخالَفة مَن قال بوجوبها، قال ابن حَزْم: لا يَصِحّ عن أحد من الصحابة
أنَّهَا واجبة، وصَحَّ أنَّها غير واجبة عن الجمهور، ولا خِلاف في كونها من شرائع الدِّين،
وهي عند الشافعيَّ والجمهور سُنّة مُؤكَّدة على الكِفاية، وفي وجهٍ للشّافعيَّة: من فُروض

١٥٤
باب ١ / ح ٥٥٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
الكِفاية، وعن أبي حنيفة: تجبُ على المقيم الموسِر، وعن مالك مِثلُه في رواية لكن لم يُقيِّد
بالمقيم، ونُقِلَ عن الأوزاعيِّ وربيعة واللَّيث مِثْلُه، وخالَفَ أبو يوسف من الحنفيّة وأشھَبُ
من المالكيَّة فوافَقا الجمهور، وقال أحمد: يُكرَه تَركُها مع القُدْرة، وعنه: واجبة، وعن محمَّد
ابن الحسن: هي سُنّة غير مُرخّص في تَزْكها، قال الطّحاوُّ: وبه نأخذ، وليس في الآثار ما
يدلّ على وجوبها. انتهى، وأقرَب ما يُتَمسَّك به للوجوبِ حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((مَن
وَجَدَ سَعَةً فلم يُضَحِّ، فلا يَقرَبَنَّ مُصَلّانا)) أخرجه ابن ماجَهْ (٣١٢٣) وأحمد (٨٢٧٣)
ورجاله ثقات(١)، لكن اختُلِفَ في رفعه ووقفه، والموقوف أشبهُ بالصَّوابِ، قاله الطَّحَاوِيُّ
وغيره، ومع ذلك فليس صريحاً في الإيجاب.
قوله: ((قال ابن عمر: هي سُنّة ومعروفٌ)) وَصَلَه حَمَّاد بن سَلَمة في ((مُصنَّفه)) بسندٍ جيّد
إلى ابن عمر، وللِّرمِذيِّ (١٥٠٦) مُحُسَّناً من طريق جَبَلَةَ بن سُحَيمٍ: أنَّ رجلاً سألَ ابن عمر
عن الأُضحيَّة: أهي واجبة؟ فقال: ضَحَّى رسول الله وَّهِ والمسلمونَ بعدَه، قال التِّرمِذيّ:
٤/١٠ العملُ على هذا عند أهل العلم: أنَّ الأُضحيَّة ليست بواجبةٍ؛ وكأنَّه فَهِمَ من/ كون ابن عمر
لم يَقُل في الجواب: نعم، أنَّه لا يقول بالوجوب، فإنَّ الفِعل المجَرَّد لا يدلّ على ذلك، وكأنَّه
أشارَ بقولِه: ((والمسلمونَ)) إلى أنَّها ليست من الخصائص، وكان ابن عمر حريصاً على اتِّباع
أفعال النبيّ وَّ، فلذلك لم يُصرِّح بِعَدَمِ الوجوب، وقد احتَجَّ مَن قال بالوجوب بما وَرَدَ
في حديث مِختَف بن سُلَيم رَفَعَه: ((على كلّ أهل بيت أُضحيَّة)) وقد أخرجه أحمد (١٧٨٨٩)
والأربعة(٢) بسندٍ قويّ، ولا حُجّة فيه، لأنَّ الصِّيغة ليست صريحة في الوجوب المطلَق، وقد
ذكر معها العَتِيرة، وليست بواجبةٍ عند مَن قال بوجوبِ الأُضحيَّة.
واستَدَلَّ مَن قال بعَدَمِ الوجوب بحديث ابن عبّاس: ((كُتِبَ عليَّ النَّحرُ ولم يُكتَب
عليكم))، وهو حديث ضعيف أخرجه أحمد (٢٩١٧) وأبو يَعْلى والطبرانيُّ (١١٨٠٢)
(١) كذا قال، وهو تساهلٌ، فإنَّ فيه عبد الله بن عياش، وخلاصة القول فيه أنه ضعيف يُعتبَرَ به.
(٢) أبو داود (٢٧٨٨)، وابن ماجه (٣١٢٥)، والترمذي (١٥١٨)، والنسائي (٤٢٢٤)، وفي سنده لِينٌ.

١٥٥
باب ١ / ح ٥٥٤٦
كتاب الأضاحي
والدّارَ قُطنيّ (٤٧٥١) وصَخَّحَه الحاكم (١/ ٣٠٠) فَذَهَلَ (١)، وقد استوعبتُ طرقه وحاله(٢)
في الخصائص من تخريج أحاديث الرَّافعيّ، وسيأتي شيء من المباحث في وجوب الأُضحيَّة
في الكلام على حديث البراء (٥٥٥٦) في قصّة أبي بُرْدة بن نِيَار بعد أبواب.
ثمَّ ذكر المصنِّف حديث البراء وأنس في أمر مَن ذَبَحَ قبل الصلاة بالإعادة، وسيأتي شرحُهما
مُستَوفَّى بعد أبواب.
وقوله في حديث البراء: ((إنَّ أوَّل ما نَبدَأُ به في يومنا هذا أن نُصَلِّيَ ثمَّ نَرجِعَ فتَنْحَرَ )) وَقَعَ في
بعض الرِّوايات: ((في يومنا هذا نُصلِّي)) بحذفِ ((أن)) وعليها شَرَح الكِرْمانيّ فقال: هو مِثلُ:
تَسمَع بالمُعَيديِّ خيرٌ من أن تَراه، وهو على تنزيل الفِعل مَنزِلةَ المصدر، والمراد بالسُّنّة هنا
في الحديثَينِ معاً: الطَّريقة، لا السُّنّة بالاصطِلاح التي تُقابِل الوجوب، والطَّريقة أعَمُّ من
أن تكون للوجوب أو للنَّذْب، فإذا لم يَقُم دليل على الوجوب بَقِيَ النَّبُ، وهو وجه
إيرادها في هذه التَّرجمة.
وقد استَدَلَّ مَن قال بالوجوبِ بوقوع الأمر فيهما بالإعادة، وأُجيبَ بأنَّ المقصود بيانُ
شرط الأُضحيَّة المشروعة، فهو كما لو قال لمن صَلَّى راتبةَ الضُّحَى مثلاً قبل طلوع الشمس:
إذا طَلَعَتِ الشمسُ فأعِدْ صلاتك.
وقوله في حديث البراء: ((وليس من النُّسُك في شيء)) النُّسُك يُطلَق ويُراد به الذَّبيحة،
ويُستَعمَل في نوع خاصٍّ من الدِّماء المراقة، ويُستَعمَل بمعنى العبادة وهو أعَمُّ، يقال: فلان
ناسِكٌ، أي: عابِد، وقد استُعمِلَ في حديث البراء بالمعنى الثّالث وبالمعنى الأوَّل أيضاً في
قوله في الطَّريق الأُخرى (٩٥٥): ((مَن نَسَكَ قبل الصلاة فلا نُسُك له)) أي: مَن ذَبَحَ قبل
الصلاة فلا ذبحَ له، أي: لا يقع عن الأُضحيَّة.
وقوله فيه: ((وقال مُطرِّف)) يعني: ابن طَريف، بالطاءِ المهمَلة وزن عَظيم، وعامر: هو
(١) قوله: ((صححه الحاكم)) فيه نظر، فقد قال الذهبي في ((تلخيصه)): ما تكلّم الحاكم عليه، وهو غريبٌ منكر.
(٢) في (س): ورجاله.

١٥٦
باب ٢ / ح ٥٥٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
الشَّعْبيّ، وقد تقدَّمَت رواية مُطرِّف موصولةً في العيدَينِ(١)، وتأتي أيضاً بعد ثمانية أبواب
(٥٥٥٦).
قوله: ((إسماعيل)) هو ابن عُليَّة، وأيوب: هو السَّخْتِيانيّ، ومحمَّد: هو ابن سِيرِين، والإسناد
كلُّه بصريّونَ.
٢ - باب قسمة الإمام الأضاحيَّ بین الناس
٥٥٤٧- حدَّثنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن بَعْجةَ الجُهَنِيِّ، عن عُقْبَةَ بنِ
عامٍ الجُهَنِيِّ، قال: قَسَمَ النبيُّ ◌َّهِ بينَ أصحابه ضَحَايا، فصارَت لعُقْبةَ جَذَعةٌ، فقلتُ: يا
رسولَ الله، صارَت لي جَذَعٌ! قال: ((ضَحِّ بها)).
قوله: ((باب قِسْمة الإمام الأضاحيّ بين الناسِ)) أي: بنفسِه أو بأمره.
قوله: (هشام) هو الدَّستُوائيّ، ویحیی: هو ابن أبي كثير.
قوله: ((عن بَعْجة)) في رواية مسلم (١٦/١٩٦٥) من طريق معاوية بن سَلّام عن يحيى:
أخبرني بَعْجُ بن عبد الله، وهو بفتح الموحَّدة وسكون المهمَلة بعدها جيم، واسم جَدّه
بدر، وهو تابعيّ معروف ما له في البخاريِّ إلّا هذا الحديث، وقد أزالَت روايةُ مسلم ما
◌ُشَی من تدلیس یحیی بن أبي کثیر.
قوله: ((عن عُقْبة)) في رواية مسلم المذكورة: أنَّ/ عُقْبة بن عامر أخبَرَه.
٥/١٠
قوله: ((قَسَمَ النبيُّنَّ بين أصحابه ضَحَايا)) سيأتي بعد أربعة أبوابٍ (٥٥٥٥): أنَّ عُقْبة
هو الذي باشَرَ القسمة، وتقدَّم في الشَّرِكة: ((باب وكالة الشَّريك للشَّريكِ في القسمة)»
وأورَدَه فيه أيضاً (٢٣٠٠)، وأشار إلى أنَّ عُقْبة كان له في تلك الغنم نصيب باعتبار أنَّها
كانت من الغنائم، وكذا كان للنبيِّ وَّهِ فيها نصيب، ومع هذا فوكَّلَه في قِسْمتها، وقَدَّمتُ
له هناك توجيهاً آخر، وهذا التّوجيه أقوى منه.
(١) كذا قال، وهو ذهولٌ منه رحمه الله، فرواية مطرُّف ستأتي ولم تتقدم في العيدين، بل تقدمت طرق أخرى
عن الشعبي، انظر أطرافه عند الحديث (٩٥١).

١٥٧
باب ٣ / ح ٥٥٤٨
كتاب الأضاحي
قال ابن المنيِر: يحتمل أن يكون المراد أنَّه أطلق عليها ضَحَايا باعتبار ما يَؤُول إليه
الأمر، ويحتمل أن يكون عَيَّنَها للأُضحيَّة ثمَّ قَسَمَها بينهم ليَجُوزَ كلُّ واحد نصيبه، فيُؤخَذ
منه جواز قسمة لحم الأضحيَّة بين الوَرَثة ولا يكون ذلك بيعاً، وهي مسألة خِلاف للمالكيَّة،
قال: وما أرَى البخاريَّ مع دِقّة نظره قَصَدَ بالتَّرجمة إلّا هذا، كذا قال.
قوله: ((فصارَت لعُقْبَةَ)) أي: ابن عامر ((جَذَعةٌ) بفتح الجيم والذّال المعجَمة: هو وصفٌ لِسِنِّ
مُعيَّن من بهيمة الأنعام، فمن الضَّأُن ما أُكمَلَ السّنةَ، وهو قول الجمهور، وقيل: دونها.
ثُمَّ اختُلِفَ في تقديره، فقيل: ابن ستّة أشهُر، وقيل: ثمانية، وقيل: عشرة، وحكى
التِّمِذيّ عن وكيع: أنَّه ابن ستّة أشهُر أو سبعة أشهر، وعن ابن الأعرابيّ: أنَّ ابن الشّابّينِ
يُحذِع لسّة أشهُر إلى سبعة، وأنَّ ابن الهَرِمَينِ يُحذِعِ لثمانيةٍ إلى عشرة، قال: والضَّأن أسرَعُ
إجذاعاً من المَعْز، وأمَّا الجَذَع من المَعْز: فهو ما دَخَلَ في السَّنة الثّانية، ومن البقر: ما
أكمَلَ الثّالثة، ومن الإبل: ما دَخَلَ في الخامسة، وسيأتي بيان المراد بها هنا قريباً وأنَّها كانت
من المَعْز بعد أربعة أبواب (٥٥٥٥).
٣- باب الأضحيَّة للمسافر والنّساء
٥٥٤٨- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةً
رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وَّهِ دَخَلَ عليها - وحاضَت بسَرِفَ قبلَ أن تَدْخُلَ مَكّةَ - وهي تَبْكي
فقال: ((ما لكِ، أَنُفِسْتِ؟)) قالت: نعم، قال: ((إنَّ هذا أمرٌ كَتَبَه اللهُ على بنات آدمَ، فاقضي ما
يَقْضي الحاجُ، غيرَ أن لا تَطُوفي بالبيتِ)). فلمَّا كنَّا بمِنَّى أَتِيتُ بلحم بقرٍ، فقلتُ: ما هذا؟ قالوا:
ضَخَّى رسولُ الله ◌َّ عن أزواجِه بالبقرِ.
قوله: ((باب الأُضْحِيَّة للمُسافِرِ والنِّساء)) فيه إشارة إلى خِلاف مَن قال: إنَّ المسافر لا
أُضحيَّة عليه، وقد تقدَّم نَقلُه في أوَّل الباب، وإشارة إلى خِلاف مَن قال: إنَّ النِّساء لا
أُضحيَّة عليهنَّ، ويحتمل أن يشير إلى خِلَاف مَن مَنَعَ من مُباشَرَ تهنَّ التَّضحيةَ، فقد جاء عن
مالك: كراهة مُباشَرة المرأة الحائض للتَّضحية.

١٥٨
باب ٤ / ح ٥٥٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((سُفْيان)) هو ابن عُيَينَةَ، ولم يسمع مُسدَّد من سفيان الثَّوْريِّ.
قوله: ((عن عبد الرَّحمن بن القاسم)) في رواية عليّ بن عبد الله عن سفيان: سمعتُ
عبد الرَّحمن بن القاسم، وتقدَّمَت في كتاب الحيض (٢٩٤).
قوله: ((بسَرِفَ)) بفتح المهمَلة وكسر الرَّاء: مكان معروف خارج مَكّة.
قوله: ((أُنُفِسْتِ)) قَيَّدَه الأَصِيلِيّ وغيره بضمِّ النُّون، أي: حِضْتِ، ويجوز الفتح، وقيل:
هو في الحيض بالفتح فقط، وفي النِّفاس بالفتح والضَّمّ.
قوله: ((قالت: فلمَّا كنَّا بِمِنَّى أتيتُ بلحم بقر)) تقدَّم في الحجّ (١٧٠٩) من وجه آخر عن
عائشة أخصرَ من هذا، وتقدَّم شرحه مُبيّناً هناك.
وقوله: ((ضَخَّى النبيُّوََّ عن أزواجه بالبقرِ)) ظاهرٌ في أنَّ الذَّبح المذكور كان على سبيل
الأُضحيَّة، وحاولَ ابنُ التِّين تأويلَه ليوافق مذهبَه فقال: المراد أنَّه ذَبَحَها وقتَ ذَّبْح
الأُضحيَّة وهو ضُحَى يوم النَّحر، قال: وإن ◌ُملَ على ظاهره فيكون تَطَوُّعاً لا على أنَّهَا سُنّة
٦/١٠ الأُضحيَّة، كذا قال،/ ولا يخفى بُعدُه.
واستَدَلَّ به الجمهور على أنَّ ضَحيَّة الرجل تُجزِئ عنه وعن أهل بيته، وخالَفَ في ذلك
الحنفيّةُ، وادَّعَى الطَّحَاويُّ أنَّه مخصوص أو منسوخ ولم يأتِ لذلك بدليلٍ، قال القُرطُبيّ: لم
يُنقَلِ أنَّ النبيَّ ◌َِّ أمَرَ كلَّ واحدة من نسائه بأُضحيَّةٍ مع تَكْرار سِنِي الضَّحايا ومع
تعدُّدِهنَّ، والعادة تقضي بنَقلِ ذلك لو وَقَعَ كما نُقِلَ غير ذلك من الجُزْئيّات، ويُؤيِّده ما
أخرجه مالك (٢/ ٤٨٦) وابن ماجَهْ (٣١٤٧) والتِّرمِذيّ (١٥٠٥) وصَخَّحَه من طريق عطاء
ابن يَسَار: سألتُ أبا أيوب: كيف كانت الضَّحايا على عهد رسول الله وَل ◌َهَ؟ قال: كان الرجل
يُضَحّي بالشّاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلونَ ويُطعِمونَ، حتَّى تَبَاهَى الناسُ كما تَرَى.
٤- باب ما يُشتَهى من اللَّحم يوم النَّحر
٥٥٤٩ - حدَّثنا صَدَقةُ، أخبرنا ابنُ عُليَّةً، عن أيوبَ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ،
قال: قال النبيُّ ◌َّهَ يومَ النَّحْرِ: ((مَن كان ذَبَحَ قبلَ الصلاةِ فَلْيُعِدْ)) فقامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله،

١٥٩
باب ٤ / ح ٥٥٤٩
كتاب الأضاحي
إنَّ هذا يومٌ يُشتَهى فيه اللَّحْمُ - وذكرَ جِيرانَه - وعندي جَذَعةٌ خيرٌ من شاتَيْ لحمٍ، فَرَخَّصَ له
في ذلك، فلا أدري بَلَغَتِ الرُّخْصةُ مَن سواه أم لا، ثمَّ انكَفَأَ النبيُّ ◌َِّ إلى كَبْشَينِ فَذَبَحَهما،
وقامَ الناسُ إلى غُنَيمَةٍ فَتَوَزَّعُوها، أو قال: فتجَزَّعُوها.
قوله: ((باب ما يُشتَهى من اللَّحْم يوم النَّحْرِ)) أي: اتِّباعاً للعادة بالالتِذاذِ بأكلِ اللَّحم يوم
العيد، وقال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ
الْأَنْعَمِ﴾ [الحج: ٢٨].
قوله: ((حدَّثنا صَدَقة)) هو ابن الفضل، وابن عُليَّة: هو إسماعيل بن إبراهيم بن مِقسَم.
قوله: «فقام رجل» هو أبو بُرْدة بن نِیار کما في حديث البراءِ (٥٥٤٥).
قوله: ((إنَّ هذا يوم يُشْتَهَى فيه اللَّحْم)) في رواية داود بن أبي هند عن الشَّعْبيّ عند مسلم
(٥/١٩٦١): فقال: يا رسول الله، إنَّ هذا يومٌّ اللَّحمُ فيه مكروه، وفي لفظ له: ((مقروم))
وهو بسكونِ القاف، قال عِيَاض: رُوِّيناه في مسلم من طريق الفارسيّ والسِّجْزيّ:
((مكروه))، ومن طريق العُذْريّ: ((مقروم))، وقد صَوَّبَ بعضهم هذه الرِّواية الثّانية وقال:
معناه: يُشْتَهَى فيه اللَّحم، يقال: قَرِمتُ إلى اللَّحم وقَرِمتُه: إذا اشتَهَيتَه، فهو موافق للرِّواية
الأُخرى: إنَّ هذا يوم يُشْتَهَى فيه اللَّحم.
قال عِيَاض: وقال بعض شيوخنا: صواب الرِّواية: ((اللَّحَمُ فيه مكروه)) بفتح الحاء
وهو اشتِهاء اللَّحْم، والمعنى: تركُ الذَّبح والتَّضحية وإبقاء أهله فيه بلا لحم حتَّى يَشْتَهُوه
مكروه، قال: وقال لي الأُستاذ أبو عبد الله بن سليمان: معناه: ذَبحُ ما لا يُحِزِئ في الأُضحيَّة
ممّا هو لحم. انتهى، وبالَغَ ابن العربيّ فقال: الرِّواية بسكونِ الحاء هنا غَلَط، وإنَّما هو اللَّحَم
بالتَّحريك، يقال: لَحِمَ الرجلُ بكسر الحاء يَلحَم بفتحِها: إذا كان يَشْتَهي اللَّحم، وأمَّا
القُرطُبيّ في ((المفهم)) فقال: تَكلَّفَ بعضهم ما لا يَصِحّ روايةً - أي: اللَّحَم بالتَّحريكِ -
ولا معنَى، وقال آخرُ(١): معنى المكروه: أنَّه مخالف للسُّنّة، قال: وهو كلام مَن لم يَتأمَّل سياق
(١) هكذا في (ع)، وهو الصواب الموافق لما في ((المفهم)) ٣٥٨/٥، وفي (أ) و(س): وهو قول الآخر، وهو خطأ.

١٦٠
باب ٤ / ح ٥٥٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث، فإِنَّ هذا التَّأويل لا يُلائمه، إذ لا يَستَقيم أن يقول: إنَّ هذا اليوم اللَّحمُ فيه مخالف
للسُّنّة وإنّي عَجِلتُ لأُطعِمَ أهلي، قال: وأقرَبُ ما يُتَكلَّف لهذه الرّواية أنَّ معناه: اللَّحم فيه
مكروه التَّأخير، فحُذِفَ لفظ التَّأخير لدلالة قوله: عجلت.
وقال النَّويّ: ذكر الحافظ أبو موسى أنَّ معناه: هذا يومٌ طلبُ اللَّحم فيه مكروه
شاقٌ، قال: وهو معنَى حسن. قلت: يعني طلبه من الناس كالصَّديق والجار، فاختارَ هو
٧/١٠ أن لا يحتاج أهلُه إلى ذلك فأغناهم بما ذَبَحَه عن الطَّلَب، ووَقَعَ في/ رواية منصور عن
الشَّعْبِيّ كما مَضَى في العيدَينِ (٩٥٥): وعَرَفتُ أنَّ اليوم يوم أكل وشُرب، فأحببتُ أن
تكون شاتي أوَّل ما يُذْبَح في بيتي، ويظهر لي أنَّ بهذه الرِّواية يَحَصُل الجمعُ بين الرِّوایتَيْنِ
المتقدِّمَتَين، وأنَّ وصفه اللَّحمَ بكَونِهِ مُشتهَى وبكَونِهِ مكروهاً لا تَناقُضَ فيه، وإنَّما هو
باعتبارَينِ: فمن حيثُ إنَّ العادة جَرَت فيه بالذَّبائحِ فالنَّفْسِ تَتَشَوَّف له، يكون مُشْتَهَى،
ومن حيثُ تَوارُدُ الجميع عليه حتَّى يَكثُر، يصير محلولاً فأطلقت عليه الكراهة لذلك،
فحيثُ وَصَفَهَ بِكَونِهِ مُشْتَهَى أراد ابتداءَ حاله، وحيثُ وَصَفَه بكَونِه مكروهاً أراد انتهاءَه،
ومن ثَمَّ استَعجَلَ بالذَّبحِ ليفوزَ بتحصيلِ الصِّفة الأولى عند أهله و جيرانه.
ووَقَعَ في رواية فِراس عن الشَّعْبيّ عند مسلم (٦/١٩٦١): فقال خالي: يا رسولَ الله قد
نَسَكتُ عن ابن لي؛ وقد استُشكِلَ هذا، وظَهَرَ لي أنَّ مراده أنَّه ضَخَّى لأجلِه للمعنى الذي
ذكره في أهله وجيرانه، فخَصَّ ولده بالذِّكرِ لأنَّه أخصُّ بذلك عنده، حتَّى يَستَغنيَ ولُه بما
عنده عن التَّشَوُّف إلى ما عند غيره.
قوله: ((وذكر جِيرانَه)) في رواية عاصم عند مسلم (١): وإنّي عَجَّلتُ فيه نَسِيكَتي لأُطْعِمَ
أهلي وجيراني وأهل داري.
قوله: ((فلا أدري أُبَلَغَتِ الرُّخْصةُ مَن سواه أم لا)) قد وَقَعَ في حديث البراء اختصاصُه
بذلك كما سيأتي بعد أبواب (٥٥٥٦)، ويأتي البحث فيه، وكأنَّ أنساً لم يسمع ذلك، وقد روى
(١) هذه رواية داود بن أبي هند عن الشعبي عند مسلم (١٩٦١) (٥)، وأما رواية عاصم - وهو الأحول -
عن الشعبي (١٩٦١) (٨) فليس فيها ذلك.