النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
باب ٣٠ / ح ٥٥٣١
كتاب الذبائح والصيد
عبَّاس عن ميمونة)) أخرجه مسلم (٣٦٣/ ١٠٠) وغيره من رواية ابن عُيَينةَ، والرَّاجح عند
الحُفّاظ في حديث الزّهْريِّ ليس فيه ميمونة، نعم أخرج مسلم (٣٦٤) والنَّسائيُّ (٤٢٣٧)
من طريق ابن جُرَيج عن عَمْرو بن دينار عن عطاء عن ابن عبّاس: أنَّ ميمونة أخبَرَته.
قوله: ((بإِهَابها)) بكسر الهمزة وتخفيف الهاء: هو الجِلْد قبل أن يُدبَغ، وقيل: هو الجِلد
دُبِغَ أو لم يُدْبَغ، وجمعه: أَهَبُّ، بفتحَتَينِ ويجوز بضمَّتَين، زاد مسلم من طريق ابن عُيَينَةَ:
((هَلّا أخذتُم إهابها فدَبَغْتُموه فانتَفَعتُم به))، وأخرج مسلم أيضاً (١٠٢/٣٦٣) من طريق
ابن عُيَينةَ أيضاً عن عَمْرو بن دينار عن عطاء عن ابن عبّاس نحوه قال: ((ألا أخَذوا إهابها
فَدَبَغوه فانتَفَعوا به))، وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه الدّارَقُطنيُّ (١٢١) وقال:
حسن(١).
قوله: ((قالوا: يا رسول الله، إنَّهَا ميِّة)) لم أقِفْ على تعيين القائل.
قوله: ((قال: إِنَّمَا حَرُمَ أكلُها)) قال ابن أبي جَمْرة: فيه مُراجَعة الإمام فيما لا يفهمُ السامع
معنى ما أَمر به، كأنَّهم قالوا: كيف تأمُرُنا بالانتفاع بها وقد حُرِّمَت علينا؟ فبيَّن له وجه
التحريم.
ويُؤخَذ منه جوازُ تخصيص الكتاب بالسُّنّة، لأنَّ لفظ القرآن: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ ﴾
[المائدة: ٣] وهو شامل لجميع أجزائها في كلّ حال، فخَصَّتِ السُّنّةُ ذلك بالأكل. وفيه
حُسْن مُراجَعَتهم وبَلاغَتهم في الخِطاب، لأنَّهم جَمَعوا معاني كثيرة في كلمة واحدة وهي
قولهم: ((إنّها ميتة)).
واستَدَلَّ به الزُّهْرِيُّ بجوازِ الانتفاع بجِلْد الميتة مُطلَقاً سواءٌ دُبِغَ أم لم يُدبَغ، لكن صَحَّ
التَّقييد من طريق أُخرى بالدِّباغ، وهي حُجّة الجمهور، واستثنَى الشافعيُّ من المَيْتات الكلب
والخنزير وما تَوَلَّدَ منهما لنجاسة عَيْنها عنده، ولم يَستَئنِ أبو يوسف وداود شيئاً أخذاً
بعُمومِ الخبر، وهي رواية عن مالك، وقد أخرج مسلم (١٠٥/٣٦٦) من حديث ابن عبّاس
(١) ولفظه: ((أيما إهاب دُبغ فقط طهر)).

١٢٢
باب ٣٠ / ح ٥٥٣١
فتح الباري بشرح البخاري
رفعه: ((إذا دُبغَ الإِهابُ فقد طَهُرَ)). ولفظ الشافعيّ (٢٢/١) والتِّرمِذيّ (١٧٢٨) وغيرهما
من هذا الوجه: ((أيما إهابٍ دُبْغَ فقد طَهُرَ))، وأخرج مسلم (١٠٥/٣٦٦) إسنادها ولم يَسُقْ
لفظها، فأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من هذا الوجه باللَّفظِ المذكور، وفي لفظ لمسلم
(٣٦٦/ ١٠٧) من هذا الوجه عن ابن عبَّاس: سألنا رسول الله وَ لِّ عن ذلك فقال: ((دِباغُه
طَهورُه))، وفي رواية للبزَّار (٥٢٠٣) من وجه آخر قال: ((دِباغ الأديم طَهورُه)).
وجَزَمَ الرَّافعيّ وبعض أهل الأُصول أنَّ هذا اللَّفظ وَرَدَ في شاة ميمونة، ولكن لم أقِفْ
٦٥٩/٩ على ذلك صريحاً مع قوّة الاحتمال فيه لِكَونِ الجميع من رواية ابن عبّاس،/ وقد تَمَسَّكَ
بعضهم بخُصوصٍ هذا السَّبَب، فقَصَرَ الجوازَ على المأكول لِرُرودِ الخبر في الشّاة، ويَتَقَوَّى
ذلك من حيثُ النَّظَرُ بأنَّ الدِّباغ لا يزيد في التطهير على الذَّكاة، وغير المأكول لو ذُكّيَ لم
يَطْهُرْ بالذَّكاة عند الأكثر، فكذلك الدِّباغ.
وأجابَ مَن عَمَّمَ بالتَّمَسُّكِ بعُموم اللَّفظ، فهو أولى من خصوص السَّبَب، وبِعُمومِ
الإذن بالمنفَعة، ولأنَّ الحيوان طاهر يُنْتَفَع به قبل الموت، فكان الدِّباغ بعد الموت قائماً له
مقامَ الحياة، والله أعلم.
وذهب قوم إلى أنَّه لا يُنتَفَع من الميتة بشيءٍ سواءٌ دُبغَ الجِلدُ أم لم يُدَبَغ، وتَسَّكوا
بحديث عبد الله بن عُكَيم قال: أتانا كتابُ رسول الله وَ الل قبل موته: ((أن لا تَنْتَفِعوا من
الميتة بإهابٍ ولا عَصَبٍ)) أخرجه الشافعيّ وأحمد (١٨٧٨٠) والأربعة(١) وصَحَّحَه ابن
حِبّان (١٢٧٧ و١٢٧٨ و١٢٧٩) وحَسَّنَهَ التِّرمِذيّ (١٧٢٩)، وفي رواية للشّافعيِّ ولأحمد
(١٨٧٨٢) ولأبي داود (٤١٢٨): ((قبل موته بشهرٍ)). قال التُّرمِذيّ: كان أحمد يذهب إليه
ويقول: هذا آخر الأمر، ثمَّ تَرَكَه لمَّ اضطَرَبوا في إسناده، وكذا قال الخَلّال نحوه، ورَدَّ
ابن حِبّان على مَن اذَّعَى فيه الاضطرابَ وقال: سمعَ ابنُ عُكَيم الكتابَ يُقرأ، وسمعَه من
مشايخ من جُهَينة عن النبيّ ێ﴾، فلا اضطراب.
(١) أخرجه أبو داود (٤١٢٧) و(٤١٢٨)، وابن ماجه (٣٦١٣)، والنسائي (٤٢٤٩)، وأما الشافعي فقد
رواه في ((سنن حرملة)) كما في ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (٥٤٢).

١٢٣
باب ٣٠ / ح ٥٥٣٢
كتاب الذبائح والصيد
وأعَلَّه بعضهم بالانقطاع وهو مردود، وبعضهم بكَونِه كتاباً، وليس بعِلّةٍ قادحة،
وبعضهم بأنَّ ابن أبي ليلى راويه عن ابن عُكَيم لم يسمعه منه لمَا وَقَعَ عند أبي داود (٤١٢٨)
عنه: أنَّه انطَلَقَ وناسٌ معه إلى عبد الله بن عُكَيم، قال: فدخلوا وقَعَدتُ على الباب،
فخَرَجوا إليَّ فأخبَروني؛ فهذا يقتضي أنَّ في السَّنَد مَن لم يُسَمَّ، ولكن صَحَّ تصريح
عبد الرّحمن بن أبي ليلى بسماعِه من ابن عُكَيم، فلا أثر لهذه العِلّة أيضاً، وأقوى ما تَسَّكَ به
مَن لم يأخُذْ بظاهره مُعارضةُ الأحاديث الصَّحيحة له، وأنَّها عن سماع وهذا عن كتابة وأنَّها
أصُّ تَخَارِجَ. وأقوى من ذلك الجمعُ بين الحديثَينِ بحَملِ الإهاب على الجِلْد قبل الدِّباغ،
وأنَّه بعد الدِّباغ لا يُسَمَّى إهاباً إِنَّمَا يُسَمَّى قِربةً وغير ذلك، وقد نُقِلَ ذلك عن أئمّة اللُّغة
كالنَّضِرِ بن شُمَيلٍ، وهذه طريقة ابن شاهين وابن عبد البَرِّ والبيهقيّ.
وأبعَدَ مَن ◌َعَ بينهما بحَملِ النَّهي على جلد الكلب والخنزير لِكَونِهِما لا يُدبَغان، وكذا
مَن ◌َلَ النَّهيَ على باطن الجلد والإذنَ على ظاهره، وحكى الماوَرْديّ عن بعضهم: أنَّ
النبيَّ وَّ﴿ لمَّا ماتَ كان لعبد الله بن عُگیم سنة، وهو كلام باطل فإنَّه كان رجلاً.
٥٥٣٢- حدَّثْنَا خَطّابُ بنُ عُثْمانَ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ حِمْيَر، عن ثابتِ بنِ عَجْلانَ، قال: سمعتُ
سعيدَ بنَ جُبَير قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما يقول: مرَّ النبيُّ ◌َّ بِعَنْزِ مِيِّئَةٍ، فقال: ((ما
على أهلِها لو انتَفَعُوا بإهابِهِا)).
قوله: ((حدَّثنا خَطّاب بن عُثْمان)) هو الفَوْزيّ بفتح الفاء وسكون الواو بعدها زاي،
ومحمَّد بن حِيَرَ بكسر المهمَلة وسكون الميم وفتح التَّحتانيَّة، وأخطَأْ مَن قاله بالتَّصغير، وهو
قُضاعيّ حِمصيّ، وكذا شيخه والراوي عنه حِمصيّونَ ما لهم في البخاريّ سوى هذا الحديث،
إلّا محمَّد بن حِمِيَرَ فله آخر سَبَقَ في الهجرة إلى المدينة (٣٩١٩).
فأمَّا ثابتٌ فوثَّقه ابن مَعِين ودُحَيم، وقال أحمد: أنا أتوقّف فيه، وساقَ له ابن عَديّ
(٢/ ٩٧) ثلاثة أحاديث غرائب، وقال العُقَيليّ (١/ ١٧٥ - ١٧٦): لا يُتَابَع في حديثه، وأمَّا
محمَّد بن حِمِيَرَ فوثَّقه أيضاً ابن مَعِين ودُحَيم، وقال أبو حاتم: لا يُحْتَجّ به، وأمَّا خَطّاب فوثَّقه

١٢٤
باب ٣٠ / ح ٥٥٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
الدّارَ قُطنيُّ وابن حِبّان، لكن قال: رُبَّما أخطأ، فهذا الحديث من أجل هؤلاءِ من المتابعات
لا من الأُصول، والأصل فيه الذي قبله، ويُستَفاد منه خروجُ الحديث عن الغَرَابة، وقد
ادَّعَى الخطيب(١) تَفرُّدَ هؤلاءِ الرُّواة به، فقال بعد أن أخرجه من طريق عَمْرو(٢) بن يحيى
ابن الحارث الحَرَّانيّ حدَّثنا جَدّي خَطّاب بن عثمان به: هذا حديث عَزيز ضَيِّق المخرَج،
انتھی.
وقد وَجَدتُ لمحمَّدٍ بن حِيَرَ فيه مُتَابِعاً أخرجه الطبرانيُّ(٣) من رواية عبد الملك بن
محمَّد الصَّنعاني(٤) عن ثابت بن عَجْلان، ووَجَدتُ لُخَطّابٍ فيه مُتَابِعاً، أخرجه
الإسماعيليّ من رواية عليّ بن بَحْر عن محمَّد بن حِيَرَ، ولابنِ عبَّاس حديث آخر في
المعنى سيأتي في الأيمان والنُّذور (٦٦٨٦) من طريق عِكْرمة عنه عن سَوْدة قالت: ماتت
لنا شاة فدَبَغْنا مَسْكها ... الحديث، والمَسْك بفتح الميم وسكون المهمَلة: الجِلد، وهذا
غير حديث الباب جَزماً، وهو ممَّا يَتأيَّد به مَن زاد ذِكْرَ الدِّباغ في الحديث، وقد أخرجه
٦٦٠/٩ أحمد (٣٠٢٦) مُطوَّلاً من طريق/ سماك بن حَرْب عن عِكْرمة عن ابن عبَّاس قال: ماتت
شاة لسَوْدة بنت زَمْعةً، فقالت: يا رسول الله، ماتت فلانةُ، فقال: ((فلولا أخذتُم
مَسْكَها)) فقالت: نأخُذ مَسْك شاة قد ماتت؟! فقال: ((إنَّما قال الله: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوْحِىَ
إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، وإنَّكم لا تَطعَمونَه،
أن تَدبُغوه تَنَفِعوا به)) قال: فأرسَلَت إليها فَسَلَخَت مَسْكَها فِدَبَغَته، فاتَّخَذَت منه قِرِبةً ...
الحدیث.
قوله: (بعَنْز) بفتح المهمَلة وسكون النُّون بعدها زاي: هي الماعِزة وهي الأُنثَى من المَعْزِ،
ولا يُنافي روايةَ سِماك: ((ماتت شاة)) لأنَّه يُطلَق عليها شاة كالضَّأْنِ.
(١) في («تاريخ بغداد)) ٣٢٠/١.
(٢) في (أ) و(س): عمر، وهو خطأ والتصويب من (ع) و((تاريخ بغداد)).
(٣) في ((مسند الشاميين)) (٢٢٦٨).
(٤) تحرَّف في (س) إلى: الصغاني.

١٢٥
باب ٣١ / ح ٥٥٣٣ - ٥٥٣٤
كتاب الذبائح والصيد
٣١ - باب المِسْك
٥٥٣٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا عمارةُ بنُ القَعْقاع، عن أبي زُرْعةَ بنِ
عَمْرٍو بنِ جَرِير، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((ما من مَكْلومٍ يُكْلَمُ في سبيلِ الله إلّا
جاء يومَ القيامةِ وكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لونُ دَم، والرِّحُ رِيحُ مِسْكِ)).
٥٥٣٤ - حدَّثنا محمّدُ بنُ العلاءِ، حدّثنا أبو أُسامةً، عن بُریدِ، عن أبي بردةَ، عن أبي موسى.
عن النبيِّ وَّهِ قال: ((مَثَلُ الجَلِيسِ الصالحِ والسَّوْءِ كحامِلِ الِسْكِ ونافخ الكِيرِ، فحامِلُ المِسْكِ
إمّا أن يُحْذِيَكَ، وإمّا أن تَبْتَاعَ منه، وإمّا أن تَجِدَ منه رِيحاً طيِّةً، ونافعُ الكِيرِ إمّا أن يُحْرِقَ ثِيَابَكَ،
وإمّا أن تَجِدَ رِيحاً خَبِيئةً)).
قوله: ((باب المِسْك)) بكسر الميم: الطِّيب المعروف، قال الكِرْمانيُّ: مُناسَبة ذِكْره في
الذَّبائح أنَّه فَضْلة من الظَّبِي. قلت: ومُناسَبته للبابِ الذي قبله وهو جلد الميتة إذا دُبغَ
تَطهّر ممّا سأذكره، قال الجاحظ: هو من دُوَيْبَة تكون في الصّين تُصاد لِنَوافِها وسُرَرها،
فإذا صِيدَت شُدَّت بعصائبَ وهي مُدَّية يجتمع فيها دمُها، فإذا ذُبحَت قوِّرَتِ السُّرّة التي
عُصِبَت ودُفِنَت في الشَّعر حتَّى يستحيل ذلك الدَّمُ المختَنِقِ الجامد مسكاً ذَكيّاً بعد أن كان
لا يُرام من النَّتن، ومن ثَمَّ قال القَفّال: إنَّها تَندَبِغ بما فيها من المِسك فتَطُر كما يَطُر غيرها
من المدبوغات، والمشهور أنَّ غزال المِسك كالظَّنْي، لكن لونه أسود وله نابان لطيفان
أبيضان في فكّه الأسفل، وإنَّ المِسك دمٌّ يجتمع في سُرَّته في وقت معلوم من السَّنة، فإذا
اجْتَمَعَ وَرِمَ الموضع فمَرِضَ الغزالُ إلى أن يَسقُط مِنه (١)، ويقال: إنَّ أهل تلك البلاد
يجعلون لها أوتاداً في البَرّيَّة تحتك بها ليَسقُط.
ونَقَلَ ابن الصَّلاح في ((مُشكِل الوسيط)): أنَّ النافجة في جَوْف الظَّبية كالإِنِفِحة في جوف
الجَدْي، وعن عليّ بن مَهديّ الطَّبَريّ الشافعيّ: أنَّها تُلقيها من جوفها كما تُلقي الدَّجاجة البيضة،
(١) المعروف عند أهل العلم بالحيوان الآن: أنَّ المسك تفرزه غُدَّة في أسفل بطن ذكر غزال المِسْك ويسقط
منه على الأرض، وذلك في موسم التزاوج ليجتذب الذكرُ برائحته الأنثى، ولا تصلح هذه المادة المفرزة
لاستخدام الناس إلّا بعد معالجتها من العارفين بهذا الشأن.

١٢٦
باب ٣١ / ح ٥٥٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
ويُمكِن الجمع بأنَّها تُلقيها من سُرَّتها فتتعلَّق بها إلى أن تحتكَّ.
قال النَّوويّ: أجمعوا على أنَّ المِسك طاهر يجوز استعماله في البَدَن والثَّوب، ويجوز
بيعه، ونَقَلَ أصحابنا عن الشّيعة فيه مذهباً باطلاً وهو مُستَئِنَى من القاعِدة: ما أُبين من حَيّ
فهو ميِّت. انتهى، وحكى ابن التِّين عن ابن شعبان من المالكيَّة: أنَّ فأرة المِسك إِنَّما تُؤْخَذ
في حال الحياة أو بذَكاة مَن لا تَصِحّ ذَكاتُه من الكفرة، وهي مع ذلك محكوم بطهارَتِها،
لأنَّها تستحيل عن كونها دَماً حتَّى تصير مِسكاً، كما يستحيل الدَّمُ إلى اللَّحم فيَطهُر ويَحِلّ
أكله، وليست بحيوانٍ حتَّى يقال: نَجِسَت بالموت، وإنَّما هي شيء يَحدُث بالحيوان كالبيض،
٦٦١/٩ وقد أجمعَ المسلمونَ/ على طهارة المسك إلّا ما حُكيَ عن عمر من كراهتِه، وكذا حكى ابن
المنذِر عن جماعة، ثمَّ قال: ولا يَصِحّ المنعُ فيه إلّا عن عطاء بناءً على أنَّه جزءٌ مُنفَصِل، وقد
أخرج مسلم (٢٢٥٢) في أثناء حديث عن أبي سعيد أنَّ النبيَّ وَ قال: ((الِسك أطيَبُ الطِّيب))،
وأخرجه أبو داود (٣١٥٨) مُقتَصِراً منه على هذا القَدْر(١).
قوله: ((ما من مَكْلوم)) أي: مجروح ((وكَلْمُه)) بفتح الكاف وسكون اللّام ((يَدْمَى)) بفتح
أوَّله وثالثه، وقد تقدَّم شرح هذا الحديث في كتاب الجهاد (٢٨٠٣).
قال النَّوويّ: ظاهر قوله: ((في سبيل الله)) اختصاصه بمَن وَقَعَ له ذلك في قتال الكفَّارِ،
لكن يَلتَحِقِ به مَن قُتِلَ في حرب البُغاة وقُطّاع الطَّريق وإقامة المعروف، لاشتراك الجميع في
كَونِهِم شُهَداء، وقال ابن عبد البَرِّ: أصل الحديث في الكفَّار ويَلتَحِقِ هؤلاءِ بهم بالمعنى،
لقولِهِوَّ: ((مَن قُتِلَ دونَ ماله فهو شهيد))(٢)، وتَوقَفَ بعض المتأخّرِينَ في دخول مَن قائَلَ
دون ماله، لأنَّه يَقصِد صَوْنَ ماله بداعیة الطَّبع، وقد أشار في الحدیث إلى اختصاص ذلك
بالمخلِصِ حيثُ قال: ((والله أعلمُ بمَن يُكلَم في سبيله))، والجواب: أنَّه يُمكِن فيه
الإخلاصُ مع إرادة صَوْن المال، كأن يَقصِد بقتال مَن أراد أخذَه منه صَونَ الذي يقاتله
عن ارتكاب المعصية وامتثال أمر الشّارع بالدَّفع، ولا يُمَخَّض القصد لِصَونِ المال، فهو
(١) وهو كذلك عند الترمذي (٩٩١) و(٩٩٢)، وعند أحمد أيضاً في «مسنده)) (١١٢٦٩).
(٢) سلف عند البخاري برقم (٢٤٨٠).

١٢٧
باب ٣٢ / ح ٥٥٣٥
كتاب الذبائح والصيد
كمَن قاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُليا مع تَشَوُّفه إلى الغنيمة.
قال ابن المنيِر: وجه استدلال البخاريّ بهذا الحديث على طهارة المِسْك وكذا بالذي
بعده وقوعُ تشبيه دم الشَّهيد به، لأنَّه في سياق التَّكريم والتَّعظيم، فلو كان نَجِساً لكان من
الخبائث ولم يَحسُن التَّمثيلُ به في هذا المقام.
وقد تقدَّم شرح حديث أبي موسى في الجليس الصالح في أوائل البيوع (٢١٠١).
وقوله فيه: ((يُحذِيكَ)) بضمٍّ أوَّله ومُهمَلة ساكنة وذال مُعجَمة مكسورة، أي: يُعطيك،
وزناً ومعنّى.
٣٢- باب الأرنب
٥٥٣٥- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن هشامِ بنِ زيدٍ، عن أنسِ ﴾، قال: أنفَجْنا
أرنَباً ونحنُ بمَرِّ الظَّهْران، فسَعَى القومُ فَلَغِبوا، فأخَذْتُها فجِثْتُ بها إلى أبي طَلْحَةَ، فَذَبَحَها
فَبَعَثَ بَوَرِكَيها - أو قال: بفَخِذَيها - إلى النبيِّ ◌َِّ، فَقَبِلَها.
قوله: ((باب الأرنب)) هو دُوَيَّة معروفة تُشبِهِ العَنَاق لكن في رِجلَيها طولٌ بخِلَاف
يديها، والأرنب اسم جنسٍ للذَّكَرِ والأُنثَى، ويقال للذَّكَرِ أيضاً: الخُزَز - وزن عُمَر -
بُمُعجَماتٍ، وللأُنْثَى: عِكْرِشة، وللصَّغير: خِرْنَق، بكسر المعجَمة وسكون الرَّاء وفتح النُّون
بعدها قاف، هذا هو المشهور، وقال الجاحظ: لا يقال أرنَب إلّا للأُنثَى، ويقال: إنَّ الأرنب
شديدة الجُبن كثيرة الشَّبَق، وأنَّها تكون سنةً ذَكَراً وسنة أُنْثَى، وأنَّها تحيض، وسأذكر مَن
خَرَّجَه، ويقال: إنَّها تَنام مفتوحة العين.
قوله: ((أنفَجْنا)) بفاءٍ مفتوحة وجيم ساكنة، أي: أثَرْنا، وفي رواية مسلم (١٩٥٣):
((استَنَفَجْنا)) وهو استفعال مِنه، يقال: نَفَجَ الأرنبُ: إذا ثارَ وعَدَا، وانتَفَجَ كذلك، وأنفَجتُه
أنا: أَثرتُه من موضعه، ويقال: إنَّ الانتفاج الاقشِعْرار، فكأنَّ المعنى: جعلناها بطَلِنا لها
تَنْتَفِج، والانتفاج أيضاً: ارتفاع الشَّعر وانتفاشه. ووَقَعَ في ((شرح مسلم)) للمازَرِيِّ: ((بَعَجْنا)»
بموخَّدةٍ وعين مفتوحة، وفَسَّرَه بالشَّقِّ من بَعَجَ بطنَه: إذا شَقَّه، وتَعقَّبَه ◌ِيَاض بأنَّه تصحيف،

١٢٨
باب ٣٢ / ح ٥٥٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
وبأنَّه لا يَصِحّ معناه من سياق الخبر، لأنَّ فيه أنَّهم سَعَوْا في طلبها بعد ذلك، فلو كانوا شَقُوا
بطنها كيف كانوا يحتاجونَ إلى السَّعي خلفَها.
قوله: ((بمَرِّ الظَّهْران)) مَرّ بفتح الميم وتشديد الرَّاء، والظَّهْرانِ بفتح المعجَمة بلفظ تثنية
الظَّهر: اسم موضع على مَرحَلة من مَكّة، وقد يُسَمَّى بإحدى الكَلمَتَينِ تخفيفاً، وهو المكان
٦٦٢/٩ الذي تُسمّيه/ عَوامُّ المِصريّينَ بطن مَرو، والصَّواب: مَرّ بتشديد الرّاء.
قوله: ((فسَعَى القومُ فلَغِبوا)) بمُعجَمةٍ وموخَّدة، أي: تَعِبوا، وزنه ومعناه، ووَقَعَ بلفظ:
(تَعِبوا)) في رواية الكُشْمِيهنيّ، وتقدَّم في الهِبة (٢٥٧٢) بيانُ ما وَقَعَ للدّاوودي فيه من غلط.
قوله: ((فأخَذْتها)) زاد في الهِبة: فأدرَكتُها فأخذتُها، ولمسلم (١٩٥٣): فسَعَيت حتَّى
أدرَكتُها، ولأبي داود (٣٧٩١) من طريق حمَّد بن سَلَمة عن هشام بن زيد: وكنت غلاماً
حَزَوَّراً، وهو بفتح المهمَلة والزّاي والواو المشدَّدة بعدها راء، ويجوز سكون الزّاي وتخفيف
الواو: هو المراهِق.
قوله: ((إلى أبي طَلْحَ)) وهو زوج أمّه.
قوله: ((فَذَبَحَها)) زاد في رواية الطَّيالسيّ (٢٠٦٦): بمَرْوةٍ، وزاد في رواية حمّاد المذكورة:
فشَویتُها.
قوله: ((فَبَعَثَ بورِكَيها - أو قال: بفَخِذَيها ـ)) هو شَكٌّ من الراوي، وقد تقدَّم بيان ذلك
في كتاب الهِبة، ووَقَعَ في رواية حمّاد: بعَجُزِها.
قوله: ((فقَبِلَها)) أي: الهديَّة، وتقدَّم في الهِبة (٢٥٧٢) من هذا الوجه: قلت: وأكَلَ مِنه؟
قال: وأكَلَ مِنه، ثمَّ قال: فَقَِلَه، وللتِّمِذيِّ (١٧٨٩) من طريق أبي داود الطَّيالسيّ فيه: فأكَلَه،
قلت: أكَلَه؟ قال: قَبِلَه، وهذا التَّرديد لهشام بن زيد وَقَّفَ جَدَّه أنساً على قوله: ((أُكَلَه)) فكأنَّه
تَوقَّفَ في الجزم به وجَزَمَ بالقَبُول، وقد أخرج الدّارَ قُطنيُّ (٤٧٨٨) من حديث عائشة: أُهديَ
إلى رسول الله ◌َّهِ أرنَبٌ وأنا نائمة، فخَبَّأ لي منها العَجُز، فلمَّا قمتُ أطعَمَني؛ وهذا لو صَحَّ
لَأَشعَرَ بأنَّه أكَلَ منها، لكن سنده ضعيف.

١٢٩
باب ٣٢ / ح ٥٥٣٥
كتاب الذبائح والصيد
ووَقَعَ في ((الهداية)) للحنفيَّةِ: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ أَكَلَ من الأرنب حين أُهديَ إليه مَشويّاً وأمَرَ
أصحابه بالأكل مِنه، وكأنَّه تلقَّاه من حديثَينِ: فأوَّلُه: من حديث الباب وقد ظَهَرَ ما فيه،
والآخر: من حديثٍ أخرجه النَّسائيُّ (٢٤٢١) من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة:
جاء أعرابيٌّ إلى النبيّ ◌َِّ بأرنَبِ قد شَوَاها فَوَضَعَها بين يَدَيه، فأمسَكَ وأمَرَ أصحابَه أن
يأكلوا)) ورجاله ثقات، إلّا أنَّه اختُلِفَ فيه على موسى بن طلحة اختلافاً كثيراً.
وفي الحديث جوازُ أكل الأرنب، وهو قول العلماء كافّة إلّا ما جاء في كراهتها عن
عبد الله بن عمر من الصحابة، وعن عِكْرمة من التابعينَ، وعن محمّد بن أبي ليلى من
الفقهاء، واحتَجَّ بحديث خُزيمةَ بن جَزْء: قلت: يا رسول الله، ما تقول في الأرنب؟ قال:
((لا آكلُه ولا أُحرِّمه)) قلت: فإنّ آكُل ما لا تُحرِّمه، ولمَ يا رسول الله؟ قال: ((نُبِّئْتُ أنَّها
تَدمَى)) وسنده ضعيف(١)، ولو صَحَّ لم يكن فيه دلالة على الكراهة كما سيأتي تقریرُه في
الباب الذي بعده، وله شاهد عن عبد الله بن عَمْرو بلفظ: جيءَ بها إلى النبيّ وَّر فلم
يأكلها ولم يَنْهَ عنها، وزَعَمَ أنَّها تحيض، أخرجه أبو داود (٣٧٩٢)(٢)، وله شاهد عن عمر
عند إسحاق بن راهويه في ((مُسنَده))، وحكى الرَّافعيّ عن أبي حنيفة: أنَّه حَرَّمَها، وغَلَّطَه
النَّوويّ في النَّقل عن أبي حنيفة.
وفي الحديث أيضاً جواز استثارة الصَّيد والعَدْو في طلبه، وأمَّا ما أخرجه أبو داود (٢٨٥٩)
والنَّسائيُّ (٤٣٠٩) من حديث ابن عبَّاس رَفَعَه: ((مَن أَّبَعَ الصَّيدَ غَفَلَ)) فهو محمول على
مَن واظَبَ على ذلك حتَّى يَشغَله عن غيره من المصالح الدّينيَّة وغيرها. وفيه أنَّ آخذَ
الصَّيد يَملِكه بأخذِه ولا يشاركه مَن أثارَه معه. وفيه هَديَّة الصَّيد وقَبُولها من الصّائد
وإهداءُ الشيء اليسير للكبيرِ القَدْر إذا عُلِمَ من حاله الرِّضا بذلك. وفيه أنَّ وليّ الصبيّ
يَتَصَرَّف فيما يَملِكه الصبيُّ بالمصلحة. وفيه استثباتُ الطالب شيخَه عَّا يقع في حديثه ثمّاً
يحتمل أنَّه لم يَضبِطه، كما وَقَعَ لهشام بن زيد مع أنس ◌ُه.
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٢٤٥).
(٢) وإسناده ضعيف جداً.

١٣٠
باب ٣٣ / ح ٥٥٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
٣٣ - باب الضّبّ
٥٥٣٦- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مسلم، حدَّثنا عبدُ الله بن دِینارٍ،
قال: سمعتُ ابنَ عمر رضي الله عنهما، قال النبيُّ ◌َّةِ: ((الضَّبُّ لستُ آكُلُه ولا أُحرِّمُه)).
٦٦٣/٩
قوله: «باب الضَّبّ)) هو دُوَیّة تُشبه الجرذَون، لكنّه أكبر من الجرذَون، ويُكنى أبا حِسْل
بِمُهمَلتَينِ مكسورة ثمَّ ساكنة، ويقال للأُنْثَى: ضَبّة، وبه سُمّيَتِ القَبيلة، وبالخَيَفِ من مِنَّی
جبل يقال له: ضَبّ، والضَّبّ: داء في خُفّ البعير، ويقال: إنَّ لأصلِ ذَكَر الضَّبّ فَرعَيْنِ،
ولهذا يقال: له ذَكَران(١)، وذكر ابن خالويه: أنَّ الضَّبّ يعيش سبع مئة سنة، وأنَّه لا يشرب
الماء، ويَبُول في كلّ أربعينَ يوماً قَطْرة، ولا يَسقُط له سِنّ، ويقال: بل أسنانه قطعة واحدة،
وحكى غيره: أنَّ أكل لحمه يُذهِب العَطَش، ومن الأمثال: ((لا أفعل كذا حتَّى يَرِدَ الضَّبُّ))(٢)
يقوله مَن أراد أن لا يفعل الشيء، لأنَّ الضَّبّ لا يَرِدُ بل يَكتَفي بالنَّسيمِ وبَرْد الهواء، ولا
يَخْرُج من جُحْره في الشِّتاء.
وذكر المصنِّ في الباب حدیثینِ:
الأول: حديث ابن عمر.
قوله: ((الضَّبّ لست آكلُه ولا أُحرِّمُه)) كذا أورَدَه مختصراً، وقد أخرجه مسلم (٣٩/١٩٤٣)
من طريق إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار بلفظ: سُئِلَ النبيّ نَّهِ عن الضَّبّ، فقال: ((لا
آكُله ولا أُحرِّمه»، ومن طريق نافع عن ابن عمر (٤٠/١٩٤٣): سألَ رجلٌ رسول الله ێ، زاد
في رواية عن نافع أيضاً: وهو على المِنبَرَ، وهذا السائل يحتمل أن يكون خُزيمةَ بن جَزْء، فقد
أخرج ابن ماجَهْ (٣٢٤٥) من حديثه: قلت: يا رسول الله، ما تقول في الضبِّ؟ فقال: ((لا آكُلُه
ولا أُحرِّمه)) قال: قلت: فإنّي آكُلُ ما لم تُحرِّم، وسنده ضعيف، وعند مسلم (١٩٥١) والنَّسائيِّ(٣)
(١) زاد في (ع) وحدها: زاد ابن الجون: والأنثى لها فَرْجان.
(٢) أي: يَرِدَ الماءَ.
(٣) لم يخرجه النسائي من حديث أبي سعيد الخدري، وإنما أخرجه من حديث ثابت بن وديعة الأنصاري كما
سيأتي لاحقاً.

١٣١
باب ٣٣ / ح ٥٥٣٧
كتاب الذبائح والصيد
من حديث أبي سعيد: قال رجل: يا رسول الله، إنّ بأرضٍ مُضِبّة، فما تأمرُنا؟ قال: ((ذُكِرَ لي أنَّ
◌ُمة من بني إسرائيل مُسِخَت)) فلم يأمر ولم يَنْهَ)). وقوله: ((مُضِبّة)) بضمٌّ أوَّله وكسر المعجَمة(١)،
أي: كثيرة الضِّباب، وهذا يُمكِن أن يُفسَّر بثابتِ بن وَدِيعة، فقد أخرج أبو داود (٣٧٩٥)
والنَّسائيُّ (٤٣٢٠) من حديثه قال: أصبتُ ضِباباً فشَوَيت منها ضَبّاً، فأتيت به رسولَ الله وَلِّ،
فأخَذَ عوداً فعَذَّ به أصابعه، ثمَّ قال: ((إنَّ أمّةً من بني إسرائيل مُسِخَت دَوابَّ في الأرض، وإنّي
لا أدري أيَّ الدَّوابّ هي)» فلمّ يأكل ولم يَنْهَ، وسنده صحيح.
الحديث الثاني:
٥٥٣٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي أمامةَ بنِ سَهْلٍ،
عن عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن خالدِ بنِ الوليدِ: أنَّه دَخَلَ مِعَ رسولِ الله وَّ بِيتَ
ميمونةَ، فأَتِيَ بضَبٍّ مَنوذٍ، فأهوَى إليه رسولُ الله ◌ِِّ بَيَدِهِ، فقال بعضُ النِّسْوةِ: أخِروا
رسولَ اللهِ وَّه بما يُرِيدُ أن يأكلَ، فقالوا: هو ضَبُّ يا رسولَ الله، فَرَفَعَ يدَه، فقلتُ: أحَرامٌ هو
يا رسولَ الله؟ فقال: «لا، ولكنْ لم يكن بأرضِ قَوْمي، فأجِدُني أَعافُه)»، قال خالدٌ: فاجْتَرَرْتُه
فأكَلْتُه ورسولُ الله ◌َّهِ يَنظُرُّ.
قوله: ((عن أبي أمامةَ بن سَهْل)) أي: ابن حُنَيف الأنصاريّ، له رُؤية ولأبيه صُحْبة،
وتقدَّم الحديث في أوائل الأطعمة (٥٣٩١) من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال:
أخبرني أبو أُمامةَ.
قوله: ((عن عبد الله بن عبَّاس، عن خالد بن الوليد)) في رواية يونس المذكورة: أنَّ ابن
عبَّاس أخبَرَه، أنَّ خالد بن الوليد الذي يقال له: سيف الله أخبَرَه. وهذا الحديث ممّاً
اختُلِفَ فيه على الزُّهْريِّ: هل هو من مُسنَد ابن عبّاس أو من مُسنَد خالد؟ وكذا اختُلِفَ فيه
(١) قال النووي: فيها لغتان مشهورتان: إحداهما: فتح الميم والضاد، والثانية: ضم الميم وكسر الضاد،
والأول أشهر وأفصح، أي: ذات ضِباب.
لكن قال ابن الأثير في «النهاية»: هكذا جاء في الرواية بضم الميم وكسر الضاد، والمعروف بفتحهما ...
مثل: مَأْسَدَة، ومَذْأَبة، و مربعة، أي: ذات أسود وذئاب ویرابيع.

١٣٢
باب ٣٣ / ح ٥٥٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
على مالك، فقال الأكثر: عن ابن عبّاس عن خالد، وقال يحيى بن بُكَير في ((الموطَّأ)) وطائفةٌ
عن مالك بسندِه: عن ابن عبّاس وخالد أنَّهما دَخَلا، وقال يحيى بن يحيى التَّميميّ(١) عن
مالك بلفظ: عن ابن عبّاس قال: دَخَلتُ أنا وخالد على النبيّ وَّ، أخرجه مسلم عنه
(٤٣/١٩٤٥)، وكذا أخرجه (١٩٤٥ /٤٥) من طريق عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن الزُّهْريِّ
٦٦٤/٩ بلفظ: عن ابن عبّاس قال: أَتِيَ النبيّ ◌َّهِ ونحنُ في بيت ميمونة بضَبَّيْنِ مَشويّينِ، وقال/
هشام بن يوسف عن مَعمَر کالجمهور كما تقدَّم في أوائل الأطعمة.
والجمع بين هذه الرِّوايات: أنَّ ابن عبّاس كان حاضراً للقصَّة في بيت خالته ميمونة كما
صَرَّحَ به في إحدَى الرِّوايات، وكأنَّه استَئَبَتَ خالدَ بنَ الوليد في شيء منه لِكَونِه الذي كان
باشَرَ السُّؤْالَ عن حُكْم الضَّبّ وباشَرَ أكلَه أيضاً، فكان ابن عبّاس رُبَّما رواه عنه، ويُؤيِّد
ذلك أنَّ محمَّد بن المنكَدِر حدَّث به عن أبي أمامةَ بن سهل عن ابن عبّاس قال: أُبيّ النبيُّ وَّ
وهو في بيت ميمونة وعنده خالد بن الوليد بلحمٍ ضَبّ ... الحديث، أخرجه مسلم
(٤٥/١٩٤٥)، وكذا رواه سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس فلم يذكر فيه خالداً، وقد تقدَّم في
الأطعمة (٥٣٨٩).
قوله: ((إنَّه دخَلَ مع رسول الله ێ بيتَ میمونة)) زاد يونس في روايته (٥٣٩١): وهي
خالتُه وخالة ابن عبّاس. قلت: واسم أمّ خالد لُبَابة الصُّغرَى، واسم أمّ ابن عبَّاس لُبَابة
الكُبرَى، وكانت تُكْنَى أمَّ الفضل بابنها الفضل بن عبَّاس، وهما أُختا ميمونة، والثلاث
بنات الحارث بن حَزْن - بفتح المهمَلة وسكون الزّاي - الهلاليّ.
قوله: ((فأَنيَ بضَبٍّ محنوذ)) بمُهمَلةٍ ساكنة ونون مضمومة وآخره ذال مُعجَمة، أي:
مشويّ بالحجارة المُحْمَاة، ووَقَعَ في رواية مَعمَر: بضَبٍّ مشويّ، والمحنوذ أخصُّ، والحَنِيذ
بمعناه، زاد يونس في روايته: قَدِمَت به أُختها حُفَيدة، وهي بمُهمَلةٍ وفاء مُصفَّر، ومَضَى في
رواية سعيد بن جبير (٥٣٨٩): أنَّ أمّ حُفَيد بنت الحارث بن حَزْن خالة ابن عبّاس أهدَت
(١) تحرَّف في (أ) و(ع) إلى: التيمي.

١٣٣
باب ٣٣ / ح ٥٥٣٧
كتاب الذبائح والصيد
للنبيِّ وَ ﴿ِ سَمِناً وَأَقِطاً وأضُبّاً، وفي رواية عوف عن أبي بِشر عن سعيد بن جُبَير عند
الطَّحاويّ (١): جاءت أمّ حُفَيد بضَبٍّ وقُنفُذ، وذِكْر القُنفُذ فيه غريب، وقد قيل في اسمها:
هُزَيلة - بالتَّصغير - وهي رواية ((الموطَّأ)) (٢/ ٩٦٧) من مُرسَل عطاء بن يسار(٢)، فإن كان
محفوظاً فلعلَّ لها اسمَينِ أو اسم ولَقَب، وحكى بعض شُرّاح ((العُمدة)) في اسمها: حُميدة
بميمٍ، وفي كُنْيتها أمّ حُميدٍ بميمٍ بغير هاء، وفي رواية: بهاءٍ وبفاءٍ ولكن براءٍ بَدَل الدّال،
وبعينٍ مُهمَلة بَدَل الحاء بغير هاء، وكلّها تصحيفات.
قوله: ((فأهوى)) زاد يونس: وكان رسول الله وَلَ قَلَّ ما يُقدِّم يده لِطعامِ حتَّى يُسَمَّی له،
وأخرج إسحاق بن راهويه والبيهقيُّ في ((الشَّعَب)) (٦٠٥٢) من طريق يزيد ابن الحَوتَكيَّة
عن عمر: أنَّ أعرابيّاً جاء إلى النبيّ وَّرَ بأرنَبِ يُهديها إليه، وكان النبيّ ◌َّ لا يأكل من
الهديَّة حتَّى يأمر صاحبَها فيأكل منها من أجل الشّاة التي أُهديَت إليه بخَيْبر ... الحديث،
و سنده حسن.
قوله: ((فقال بعض النِّسْوة: أخبروا رسول الله وَ له بما يريد أن يأكلَ، فقالوا: هو ضَبُّ)» في
رواية يونس (٥٣٩١): فقالت امرأة من النِّسوة الحضور: أخبرن رسول الله وَّه بما قَدَّمتُنَّ
له، هو الضَّبّ يا رسول الله؛ وكأنَّ المرأة أرادت أنَّ غيرها يُخْبِرِهِ، فلمَّا لم يُخْبِرِوا بادَرَت هي
فأخبَرَت، وسيأتي في ((باب إجازة خبر الواحد)) (٧٢٦٧) من طريق الشَّعْبيّ عن ابن عمر
قال: كان ناس من أصحاب النبيّ وَّ فيهم سعد - يعني: ابن أبي وقّاص - فذهبوا يأكلونَ
من لحم، فنادَتهم امرأةٌ من بعض أزواج النبيّ وَّ، ولمسلم (١٩٤٨ / ٤٧) من طريق يزيد
ابن الأصمّ، عن ابن عبّاس: أنَّه بينَما هو عند ميمونة وعندها الفضل بن عبَّاس وخالد بن
الوليد وامرأة أُخرى، إذ قُرِّبَ إليهم خُوَان عليه لحم، فلمَّا أراد النبيّ ◌َّ أن يأكل قالت له
ميمونة: إنَّه لحم ضَبّ، فَكَفَّ يدَه، وعُرِفَ بهذه الرِّواية اسم التي أُبهمَت في الرّواية.
(١) كذا نسبه إلى الطحاوي، ولم نقف عليه في كتابيه الشهيرين: ((شرح معاني الآثار)) و((شرح مشكل الآثار))،
وهذه الرواية بهذا الطريق عن سعيد بن جبير مرسلاً أخرجها البيهقي في «سننه» ٣٢٦/٩.
(٢) بل سليمان بن يسار، وسيخرجه على الصواب بعد قليل.

١٣٤
باب ٣٣ / ح ٥٥٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
الأُخرى، وعند الطبرانيّ في ((الأوسط)) (٨٧٥٤) من وجه آخر صحيح: فقالت ميمونة:
أخبروا رسول الله مَلّ ما هو.
قوله: ((فَرَفَعَ يدَه)) زاد يونس: ((عن الضَّبّ))، ويُؤخَذ منه أنَّه أكَلَ من غيرِ الضَّبّ ممَّا كان
قُدِّمَ له من غيرِ الضَّبّ، كما تقدَّم أنَّه كان فيه غير الضَّبّ، وقد جاء صريحاً في رواية سعيد
ابن جُبَير عن ابن عبّاس كما تقدَّم في الأطعمة (٥٤٠٢)، قال: فأكَلَ الأقِطَ وشَرِبَ اللَّبَن.
قوله: ((لم يكن بأرضٍ قومي)) في رواية يزيد بن الأصمّ: «هذا لحم لم آكُلُه قَطُّ)). قال ابن
العربيّ: اعتَرَضَ بعض الناس على هذه اللَّفظة: ((لم يكن بأرضٍ قومي)) بأنَّ الضِّباب كثيرة
٦٦٥/٩ بأرض الحجاز، قال/ ابن العربيّ: فإن كان أراد تكذيبَ الخبر فقد كَذَبَ هو، فإنَّه لیس
بأرضِ الحِجاز منها شيء، أو ذُكِرَت له بغير اسمها أو حَدَثَت بعد ذلك، وكذا أنكَرَ ابنُ
عبد البَرِّ ومَن تَبِعَه أن يكون ببلادِ الحِجاز شيء من الضِّباب. قلت: ولا يُحتاج إلى شيء من
هذا، بل المراد بقولِهِ وَّ: ((بأرضٍ قومي)) قُرَيش فقط، فيَختَصّ النَّفيُ بمَكّة وما حولها،
ولا يَمنَعُ ذلك أن تكون موجودةً بسائر بلاد الحجاز، وقد وَقَعَ في رواية يزيد بن الأصمّ
عند مسلم (٤٧/١٩٤٨): دَعانا عروسُ بالمدينة فقَرَّبَ إلينا ثلاثة عشر ضَبّاً، فآكِلٌ وتاركٌ ...
الحدیث، فبهذا يدل على كثرة وِ جْداتها بتلك الدِّیار.
قوله: ((فأجِدُني أعافُه)) بعَينٍ مُهمَلة وفاء خفيفة، أي: أتكرَّه أكله، يقال: عفتُ الشيءَ
أعافه، ووَقَعَ في رواية سعيد بن جُبَير (٥٣٨٩): فَتَرَكَهُنَّ النبيّ ◌ََّ كالمتقَذِّرِ لهنَّ، ولو كُنَّ
حراماً لمَا أُكِلِنَ على مائدة النبيّ وَّه ولمَا أمَرَ بأكلِهِنَّ؛ كذا أطلقَ الأمرَ وكأنَّه تلقَّاه من
الإذن المستفاد من التَّقرير، فإنَّه لم يقع في شيء من طرق حديث ابن عبّاس بصيغة الأمر إلّا
في رواية يزيد بن الأصمّ عند مسلم فإنَّ فيها: فقال لهم: ((كُلوا)) فأكَلَ الفضل وخالد
والمرأة، وكذا في رواية الشَّعْبيّ عن ابن عمر (٧٢٦٧): فقال النبيّ وَّ: «كُلوا وأطعِموا فإنَّه
حلال - أو قال: لا بأس به - ولكنَّه ليس طعامي))، وفي هذا كلِّه بيان سبب تَرْك النبيّ وَّل
وأنَّه بسبب أنَّه ما اعتادَه، وقد وَرَدَ لذلك سببٌ آخر أخرجه مالك (٩٦٧/٢) من مُرسَل

١٣٥
باب ٣٣ / ح ٥٥٣٧
كتاب الذبائح والصيد
سليمان بن يَسَار، فذكر معنى حديث ابن عبّاس وفي آخره: فقال النبيّ وَلِّ: (كُلَا - يعني:
لخالدٍ وابن عبّاس - فإِنَّني يَحَضُرني من الله حاضرةٌ)) قال المازَرِيّ: يعني الملائكة، وكأنَّ
للَحمِ الضَّبّ ريحاً فَتَرَكَ أكله لأجل ريحه، كما تَرَكَ أكل الثُّومِ مع كَونِه حلالاً. قلت: وهذا
إن صَحَّ، يُمكِن ضَمُّه إلى الأوَّل ويكون لِتَركِهِ الأكلَ من الضَّبّ سببان.
قوله: ((قال خالد: فاجْتَرَرْته)) بجيمٍ ورائَين، هذا هو المعروف في كتب الحديث، وضَبَطَه
بعض شُرّاح ((المهذَّب)) بزايٍ قبل الرَّاء، وقد غَلَّطَه النَّوويّ.
قوله: ((يَنظُر)) زاد يونس في روايته (٥٣٩١): «إليّ).
وفي هذا الحديث من الفوائد: جوازُ أكل الضَّبّ، وحكى عِيَاض عن قوم تحريمه،
وعن الحنفيَّة كراهته، وأنكَرَ ذلك النَّوويّ وقال: لا أظنُّه يَصِحّ عن أحد، فإن صَحَّ فهو
محجوج بالنُّصوصِ وبإجماع مَن قبله.
قلت: قد نَقَلَه ابن المنذر عن عليّ، فأيُّ إجماع يكون مع مُخَالَفَته؟ ونَقَلَ التِّرمِذيّ كراهتَه
عن بعض أهل العلم، وقال الطَّحاويُّ في ((معاني الآثار)) (٢٠٠/٤): كَرِهَ قوم أكلَ الضَّبّ،
منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّد بن الحسن، قال: واحتَجَّ محمَّد بحديث عائشة: أنَّ
النبيَّ وَلَ أُهديَ له ضَبٌّ فلم يأكله، فقامَ عليهم سائل، فأرادت عائشة أن تُعطيَه، فقال لها
رسول الله وَالثّ: ((أَتُعطينَه ما لا تأكُلينَ؟!)) قال الطَّحَاويُّ: ما في هذا دليل على الكراهة
لاحتمال أن تكون عافَتْه، فأراد النبيّ ◌َ﴿ أن لا يكون ما يُتَقَرَّب به إلى الله إلّا من خير
الطَّعام، كما نَهَى أن يُتَصَدَّق بالثَّمرِ الرَّديء(١)، انتهى.
وقد جاء عن النبيّ پے: أنَّه نَهَى عن الضَّبّ، أخرجه أبو داود (٣٧٩٦) بسندٍ حسن،
فإنَّه من رواية إسماعيل بن عيَّاش عن ضَمضَم بن زُرْعة عن شُرَيح بن عبيد(٢) عن أبي
(١) كما في حديث أبي أمامة بن سهل عند أبي داود (١٦٠٧)، والنسائي بنحوه (٢٤٩٢) قال: نهى رسولُ الله ◌َّ
عن الجُعرور ولون الحُبيق أن يؤخذا في الصدقة. وهو حديث صحيح، والجعرور ولون الحبيق نوعان من
التمر رديئان.
(٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: عتبة، وعلى هامش (ع): عبيد، على الصواب.

١٣٦
باب ٣٣ / ح ٥٥٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
راشد الحُبْرانيّ عن عبد الرَّحمن بن شِبْل، وحديث ابن عيَّاش عن الشّاميّينَ قويّ، وهؤلاءِ
شاميُّونَ ثقات، ولا يُغْتَرّ بقولِ الخطّبيّ: ليس إسناده بذاكَ، وقول ابن خَزْم: فيه ضُعَفاء
ومجهولون، وقول البيهقيِّ: تفرَّد به إسماعيل بن عيَّاش وليس بحُجّةٍ، وقول ابن الجَوْزيّ:
لا يَصِحُّ؛ ففي كلّ ذلك تَساهُل لا يَخْفَى، فإنَّ رواية إسماعيل عن الشّاميّينَ قويّة عند
البخاريّ وقد صَحَّحَ التِّرمِذيُّ بعضها، وقد أخرج أبو داود(١) من حديث عبد الرّحمن ابن
حَسَنة: نزلنا أرضاً كثيرة الضِّباب ... الحديث، وفيه: أنَّهم طَبَخوا منها فقال النبيّ وَّةِ: ((إنَّ
أمّة من بني إسرائيل مُسِخَت دَوابَّ في الأرض، فأخشَى أن تكون هذه، فأكفِئوها)) أخرجه
أحمد (١٧٧٥٧) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٢٦٦) والطّحاويّ (١٩٧/٤) وسنده على شرط
٦٦٦/٩ الشَّيخَيْنِ / إلّا الضَّحّاك فلم يُرِّجاله.
وللطَّحاويّ من وجه آخر عن زيد بن وهب ووافَقَه الحارث بن مالك ويزيد بن أبي
زياد ووكيع في آخره: ((فقيل له: إنَّ الناس قد اشتَوؤْها وأكَلوها، فلم يأكل ولم يَنهَ عنه))،
والأحاديث الماضية وإن دلَّت على الحِلّ تصريحاً وتَلويحاً نَصّاً وتقريراً، فالجمع بينها وبين
هذا حملُ النَّهي فيه على أوَّل الحال عند تجويز أن يكون ممَّا مُسِخَ وحينئذٍ أمَرَ بإكفاءِ القُدور،
ثُمَّ تَوقَّفَ فلم يأمر به ولم يَنْهَ عنه، وُلَ الإذنُ فيه على ثاني الحال لمَّا علمَ أنَّ الممسوخ لا
نَسْل له(٢)، ثمَّ بعد ذلك كان يَستَقْذِره فلا يأكله ولا يُحرِّمه، وأُكلَ على مائدته فدَلَّ على الإباحة،
وتكون الكراهة للتَّزيه في حَقِّ مَن يَتَقَذَّره، وتُحمَل أحاديث الإباحة على مَن لا يَتَقَذَّره،
ولا يَلْزَمُ من ذلك أنَّه يُكرَه مُطلَقاً.
وقد أفهَمَ كلامُ ابن العربيّ أنَّه لا يَحِلّ في حَقِّ مَن يَتَقَذَّره لمَا يتوقَّع في أكله من
الضَّرَر، وهذا لا يَخْتَصُّ بهذا، ووَقَعَ في حديث يزيد بن الأصمّ: أخبَرَتُ ابن عبّاس بقصَّة
(١) وهمَ الحافظ رحمه الله في عزو هذا الحديث لأبي داود، ولم يذكره الحافظ المزي في ((تحفة الأشراف)) ولا
استدركه عليه الحافظ ابن حجر في ((النكت الظراف)).
(٢) جاء هذا في حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((إنَّ الله لم يجعل لمسخٍ نسلاً ولا عَقِباً)) أخرجه مسلم (٢٦٦٣)،
وسيشير إليه الحافظ لاحقاً.

١٣٧
باب ٣٣ / ح ٥٥٣٧
كتاب الذبائح والصيد
الضَّبّ، فأكثرَ القومُ حوله حتَّى قال بعضهم: قال رسول الله وَّ: «لا آكُلُه ولا أنهى عنه
ولا أُحرِّمه)) فقال ابن عبّاس: بئسَ ما قلتُم، ما بُعِثَ نبيُّ الله إلّا مُحرِّماً أو مُحُلِّلاً، أخرجه
مسلم (١٩٤٨)، قال ابن العربيّ: ظنَّ ابن عبّاس أنَّ الذي أخبر بقولِه وَّ: ((لا آكلُه)) أراد:
لا أُحِلّه، فأنكَرَ عليه، لأنَّ خروجه من قسم الحلال والحرام محال. وتَعقَبه شيخنا في
((شرح التِّرمِذيّ)) بأنَّ الشيء إذا لم يَتَّضِح إلحاقُه بالحلال أو الحرام يكون من الشُّبُهات،
فيكون من حُكْم الشيء قبل وُرود الشَّرع، والأصحّ كما قال النَّوويّ: أنَّه لا يُحكَم عليها
بحِلٌّ ولا حُرْمة.
قلت: وفي كَونِ مسألة الكتاب من هذا النَّوع نظرٌ، لأنَّ هذا إنَّما هو إذا تَعارَضَ الحكمُ
على المجتَهِد، أمَّا الشّارع إذا سُئلَ عن واقعة فلا بُدَّ أن يَذكُر فيها الحكمَ الشَّرعيّ، وهذا هو
الذي أرادَه ابن العربيّ وجَعَلَ مَخَطَّ كلام ابن عبّاس عليه. ثمَّ وجدتُ في الحديث زيادة
لفظة سَقَطَت من رواية مسلم، وبها يَتَّجِه إنكارُ ابن عبّاس ويُستَغنى عن تأويل ابن العربيّ:
((لا آكلُه ولا أُحِلّه))، وذلك أنَّ أبا بكر بن أبي شَيْبة وهو شيخ مسلم فيه أخرجه في ((مُسنَده))
بالسَّنَدِ الذي ساقَه به عند مسلم، فقال في روايته: ((لا آكلُه ولا أنهَى عنه، ولا أُحِلُّه ولا
أُحرِّمه)»، ولعلَّ مسلماً حَذَفَها عَمداً لِشُذوذِها، لأنَّ ذلك لم يقع في شيء من الطُّرق لا في
حديث ابن عبّاس ولا غيره، وأشهَرُ مَن روى عن النبيّ ◌َِّ: ((لا آكلُه ولا أُحرِّمه)) ابنُ
عمر كما تقدَّمَ (٥٥٣٦)، وليس في حديثه: ((لا أُحِلّه))، بل جاء التَّصريحُ عنه بأنَّه حلال(١)،
فلم تَثْبُت هذه اللَّفظة، وهي قوله: ((لا أُحِلّه)) لأنَّها وإن كانت من رواية يزيد بن الأصمّ
وهو ثقة، لكنَّه أخبر بها عن قوم كانوا عند ابن عبّاس، فكانت روايةً عن مجهول، ولم يَقُل
يزيد بن الأصمّ: إنَّهم صحابة، حتَّى يُغْتَفَرِ عَدَمُ تسميتهم. واستَدَلَّ بعض مَن مَنَعَ أكلَه
بحديث أبي سعيد عند مسلم (١٩٥١): أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((ذُكِرَ لي أنَّ أمّة من بني إسرائيل
مُسِخَت))، وقد ذكرتُه وشواهده قبلُ.
(١) كما في الرواية الآتية برقم (٧٢٦٧).

١٣٨
باب ٣٣ / ح ٥٥٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الطَّبَرُّ: ليس في الحديث الجزمُ بأنَّ الضَّبّ ممَّا مُسِخَ، وإنَّما خَشِيَ أن يكون منهم
فَتَوقَفَ عنه، وإنَّما قال ذلك قبل أن يُعلِمَ الله تعالى نبيَّه أنَّ الممسوخ لا يَنِسِلُ، وبهذا أجابَ
الطَّحاويُّ، ثمَّ أخرج (١٩٨/٤) من طريق المعرور بن سُوَيد عن عبد الله بن مسعود قال:
سُئِلَ رسول الله وَّه عن القِرَدة والخنازير: أهي ثمّا مُسِخَ؟ قال: ((إنَّ الله لم يُهلِكْ قوماً - أو
يَمسَخ قوماً - فيجعل لهم نَسلاً ولا عاقبة))، وأصل هذا الحديث في مسلم (٢٦٦٣) (١)، ثمَّ
قال الطَّحاويُّ بعد أن أخرجه من طرق ثمَّ أخرج حديث ابن عمر (١٩٩/٤): فثَبَتَ بهذه
الآثار أنَّه لا بأس بأكلِ الضَّبّ، وبه أقول. قال: وقد احتَجَّ محمَّد بن الحسن لأصحابِه
بحديث عائشة، فساقَه الطَّحاويُّ (٢٠١/٤) من طريق حَمَّاد بن سَلَمة عن حمّاد بن أبي سليمان
٦٦٧/٩ عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: أُهديَ/ للنبيِّ ◌َّل﴿ فلم يأكله، فقامَ عليهم سائل،
فأرادت عائشة أن تُعطيَه فقال لها: «أتُعطِيه ما لا تأكُّلِينَ؟!))، قال محمَّد: دَلَّ ذلك على
كراهته لنفسِه ولغيره، وتَعقَّبَه الطّحاويُّ باحتمال أن يكون ذلك من جنس ما قال الله تعالی:
﴿وَلَسْتُمْ بِحَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
ثمَّ ساقَ الأحاديث الدّالَّة على كراهة التَّصَدُّق بحَشَفِ النَّمر، وقد مرَّ ذِكْرها في كتاب
الصلاة في ((باب تعليق القِنو في المسجد)) (٤٢١) وبحديث البراء: كانوا يُحِبّونَ الصَّدَقة
بأرداً تمرهم، فنزلت: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآية(٢). قال: فلهذا المعنى كَرِهَ
لعائشة الصَّدَقَةَ بالضَّبِّ لا لِكَونِهِ حراماً. انتهى، وهذا يدلُّ على أنَّه فَهِمَ عن محمَّد أنَّ
الكراهة فيه للتَّحريم، والمعروف عن أكثر الحنفيّة فيه كراهة السَّزية، وجَنَحَ بعضهم إلى التَّحريم
وقال: اختَلَفَتِ الأحاديث وتَعذَّرَت معرفة المتقدِّم، فَرَجَّحنا جانب التَّحريم تقليلاً للنَّسخ.
انتهى، ودَعْواه التَّعَذُّر ممنوعة لمَا تقدَّم، والله أعلم.
(١) وقع بعد هذا في (س): ((وكأنَّه لم يَستَحضِره من صحيح مسلم، ويُتَعَجَّب من ابن العربيّ حيثُ قال:
قوله: إنَّ الممسوخ لا يَنْسِل، دَعوَى، فإنَّه أمر لا يُعرَف بالعقلِ وإنَّما طريقه النََّل، وليس فيه أمر يُعوَّل
عليه. كذا قال)) وهذه الزيادة سيأتي نحوها بعد أسطرٍ على الصواب، وهي هناك في (س) أيضاً.
(٢) أخرجه بنحوه الترمذي (٢٩٨٧)، وابن ماجه (١٨٢٢).

١٣٩
باب ٣٣ / ح ٥٥٣٧
كتاب الذبائح والصيد
ويُتَعَجَّب من ابن العربيّ حيثُ قال: قولهم: إنَّ الممسوخ لا يَنسِلُ، دعوى، فإنَّه أمر لا
يُعرَف بالعقلِ وإنَّما طريقه النَّقل، وليس فيه أمر يُعوَّل عليه، كذا قال، وكأنَّه لم يَسْتَحِضِره
من ((صحيح مسلم)، ثمَّ قال: وعلى تقدير ثُبُوت كَون الضَّبّ ممسوخاً فذلك لا يقتضي
تحريمَ أكله، لأنَّ كَوْنه آدميّاً قد زالَ حكمُه ولم يَبقَ له أثر أَصلاً، وإنَّما كَرِهَ وَلِّ الأكلَ منه لمَا
وَفَعَ عليه من سَخَط الله، كما كَرِهَ الشُّرب من مياه ثَمُود(١). انتهى، ومسألة جواز أكل
الآدميّ إذا مُسِخَ حيواناً مأكولاً لم أرَها في كتب فُقَهائنا.
وفي الحديث أيضاً الإعلامُ بما شَكَّ فيه لإيضاح حُكْمه، وأنَّ مُطلَق النَّفْرة وعَدَم
الاستطابة لا يَسْتَلِزِمِ التَّحريم، وأنَّ المنقول عنه وَ ل﴿ أَنَّه كان لا يَعِيب الطَّعام(٣)، إنَّما هو فيما
صَنَعَه الآدميّ لئلّا يَنكَسِرِ خاطِرُه ويُنسَب إلى التَّقصير فيه، وأمَّا الذي خُلِقَ كذلك فليس
نُفور الطَّبع منه ◌ُمتَنِعاً. وفيه أنَّ وقوع مثلِ ذلك ليس بمَعيبٍ ممّن يقع منه خِلَافاً لبعضٍ
المتنَطِّعة. وفيه أنَّ الطِّباع تختلف في النُّفور عن بعض المأكولات، وقد يُستَنَبَط منه أنَّ اللَّحم
إذا أنتَنَ لم يَحُرُم لأنَّ بعض الطِّباع لا تَعافُه.
وفيه دخول أقارب الَّوجة بيتَها إذا كان بإذنِ الزَّوج أو رِضاه، وذَهَلَ ابن عبد البَرِّ
هنا ذُهولاً فاحشاً فقال: كان دخول خالد بن الوليد بيتَ النبيّ وَّه في هذه القصّة قبل
نزول الحِجاب، وغَفَلَ عَّا ذكره هو أنَّ إسلام خالد كان بين عُمرة القضيّة والفتح، وكان
الحجاب قبل ذلك اتِّفاقاً، وقد وَقَعَ في حديث الباب: ((قال خالد: أحرام هو يا رسول الله؟))
فلو كانت القصّة قبل الحِجاب لكانت قبل إسلام خالد، ولو كانت قبل إسلامه لم يسأل
عن حلال ولا حرام، ولا خاطَبَ بقولِه: يا رسول الله.
وفيه جواز الأكل من بيت القريب والصِّهر والصَّديق، وكأنَّ خالداً ومَن وافَقَه في الأكل
أرادوا جَبْر قلب التي أهدَته، أو لِتَحقُّقِ حُكم الحِلّ، أو لامتثال قوله وَِّ: ((كُلوا)) وفَهِمَ مَن
لم يأكل أنَّ الأمر فيه للإباحة. وفيه أنَّه وَّهِ كان يُؤاكِل أصحابه ويأكل اللَّحم حيثُ تيسَّر،
(١) سلف فيه حديث ابن عمر في كتاب أحاديث الأنبياء برقم (٣٣٧٨).
(٢) سلف هذا من حديث أبي هريرة برقم (٣٥٦٣) و(٥٤٠٩).

١٤٠
باب ٣٤ / ح ٥٥٣٨ - ٥٥٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
وأنَّه كان لا يعلم من المغيَّبات إلّا ما علَّمه الله تعالى.
وفيه وُفورُ عقل ميمونة أمّ المؤمنينَ وعظيم نصيحَتِها للنبيِّ وَّة، لأنَّها فهمَت مَظِنّة
نُهورِه عن أكله بما استَقَرَّت منه، فخَشِيَت أن يكون ذلك كذلك فيَتأذَّى بأكلِه لاستقذاره
له، فصَدَقَت فِراسَتُها. ويُؤَخَذ منه أنَّ مَن خَشِيَ أن يَتَقَذَّر شيئاً لا ينبغي أن يُدلَّس له لئلا يَتَضَرَّر
به، وقد شُوهِدَ ذلك من بعض الناس.
٣٤ - باب إذا وَقَعت الفأرةُ في السَّمْن الجامدِ أو الذّائب
٥٥٣٨- حدَّثْنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ
عبدِ الله بنِ عُثْبةَ، أَنَّه سمعَ ابنَ عبَّاسٍ يُحدِّثُّه عن ميمونةَ: أنَّ فأرةً وَقَعَت في سَمْنٍ فماتت، فسُئلَ
النبيُّوَ عنها، فقال: ((أَلْقُوها وما حَوْلَها وكُلُوه)).
قِيلَ لِسفيانَ: فإنَّ مَعمَراً يُحدِّثُه: عن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ. قال:
ما سمعتُ الزُّهْريَّ يقول إلّا: عن عُبيدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن ميمونةَ، عن النبيِّ ◌َّ، ولقد
سمعتُه منه مِراراً.
٥٥٣٩- حدَّثْنَا عَبْدَانُ، أخبرنا عبدُ الله، عن يونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ: عن الدَّابَةِ تموتُ في الزَّیتِ
والسَّمْنِ وهو جامِدٌ أو غيرُ جامِدٍ، الفَأْرةِ أو غيرِها؟ قال: بَلَغَنا أنَّ رسولَ اللهِ أُمَرَ بِفَارةٍ ماتت في
سَمْنٍ، فأُمُرَ بما قَرُبَ منها فطُرِحَ، ثمَّ أُكِلَ. عن حديثِ عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله.
٥٥٤٠- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ
عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن ميمونةَ رضي الله عنهم، قالت: سُئلَ النبيُّ ◌َّهِ عن فأرةٍ سَقَطَت
فِي سَمْنٍ، فقال: ((أَلْقُوها وما حَوْلَها، وكُلُوه)».
٦٦٨/٩
قوله: ((باب إذا وَقَعَتِ الفأرة في السَّمْن الجامِد أو الذّائب)» أي: هل يَفتَرِق الحكمُ أو لا؟ وكأنَّه
تَرَكَ الجزمَ بذلك لِقِوّة الاختلاف، وقد تقدَّم في الطَّهارة ما يدلّ على أنَّه يُخْتار أنَّه لا يَنجَسُ
إلّا بالتغيُّر، ولعلَّ هذا هو السِّ في إيراده طريقَ يونس المشعِرةَ بالتَّفصيلِ.
قوله: ((عن ميمونة)) تقدَّم في أواخر كتاب الوضوء (٢٣٥) بيان الاختلاف فيه على الزُّهْريِّ