النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ باب ٥٧ / ح ٥٤٦١ كتاب الأطعمة يقتضي تفضيل الفقير الصّابر، لأنَّ الأصل أنَّ المشَبَّه به أعلى درجةً من المشَبَّه، والتَّحقيق عند أهل الحَذْق أن لا يُجاب في ذلك بجوابٍ كلّيّ، بل يختلف الحالُ باختلاف الأشخاص والأحوال. نعم عند الاستواء من كلّ جهة، وفَرْض رفع العَوارض بأسرها، فالفقير أسلم عاقبةً في الدّار الآخِرة، ولا ينبغي أن يُعدَل بالسَّلامة شيءٌ، والله أعلم. وسيكون لنا عودة إلى الكلام في هذه المسألة في كتاب الرِّقاق (٦٤٤٧) إن شاءَ الله تعالى. وقد تقدَّم القول فيها في أواخر صِفَة الصلاة قُبَيل كتاب الجُمُعة في الكلام على حديث: ((ذهب أهل الدُّنُور بالدَّرَجات العُلَى)) (٨٤٣). ٥٧ - باب الرّجلِ يُدعى إلى طعامٍ فيقول: وهذا معي وقال أنس: إذا دَخَلْتَ على مسلمٍ لا يُتَّهَمُ فَكُلْ من طعامِهِ، واشرَبْ من شرابه. ٥٤٦١- حدّثنا عبدُ الله بنُ أبي الأسوَدِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنَا شَقِيقٌ، حدَّثنا أبو مسعودٍ الأنصاريُّ، قال: كان رجلٌ من الأنصار يُكْنَى أبا شُعَيبٍ، وكان له غلامٌ لَحّامٌ، فأتى النبيَّ ◌َِّ وهو في أصحابه، فعَرَفَ الجوعَ في وجه النبيِّ ◌ََّ، فذهب إلى غلامِه اللَّحَامِ، فقال: اصْنَع لي طُعَيِّاً يَكْفي خمسةً لعلّي أَدْعو النبيَّ ◌َّه خامسَ خمسةٍ، فصَنَعَ له طُعَيِّ، ثُمَّ أتاه فدعاه، فَتَبِعَهم رجلٌ، فقال النبيُّ ◌َ ليهِ: ((يا أبا شُعَيبٍ إنَّ رجلاً تَبِعَنا، فإن شئتَ أذِنْتَ له وإن شئتَ تَرَكْتَه»، قال: لا، بل أذِنْتُ له. قوله: ((باب الرجل يُدْعَى إلى طعام فيقول: وهذا مَعي)) ذكر فيه حديث أبي مسعود ٥٨٤/٩ في قصَّة الغلام اللَّحّام، وقد مَضَى شرحه مُستَوفَّى قبل أكثرَ من عشرينَ باباً (٥٤٣٤). واعتَرَضَه الإسماعيليّ فقال: تَرجَمَ الباب بالطاعِمِ الشّاكِرِ ولم يَذكُر فيه شيئاً، وقال: ((وهذا مَعي))، ثمَّ نَازَعَه(١) في أنَّ القصَّة ليس فيها ما ذَكَر، وأنَّ الرجل تَبعَهم من تِلقاء نفسه. قلت: أمَّا الجواب عن الأوَّل: فكأنَّه سَقَطَ من روايته قول البخاريّ: ((فيه عن أبي (١) الضمير يعود على الإسماعيلي، والقائلُ الحافظ. ٥٠٢ باب ٥٧ / ح ٥٤٦١ فتح الباري بشرح البخاري هريرة))(١). وأمَّا الثّاني: فأشارَ به البخاريّ إلى حديث أنس في قصَّة الخيّاط(٢) الذي دَعَا النبيَّ ◌ََّ، فقال: ((وهذه)) يعني عائشة، وقد تقدَّم شرح ذلك مُستَوفَى (٥٣٧٩). وإنَّما عَدَلَ البخاريّ عن إيراد حديث أنس هنا إلى حديث أبي مسعود إشارةً منه إلى تَغايُرِ القِصَّتَيْنِ واختلاف الحالَينِ(٣). قوله: ((وقال أنس: إذا دَخَلْت على مسلم لا يُتَّهَم، فكُلْ من طعامه واشرَبْ من شرابه)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٨/ ٢٩٠) من طريق عُمَير(٤) الأنصاريّ: سمعت أنساً يقول، مِثله. لكن قال: على رجلٍ لا تَتَّهمه. وجاء نحو ذلك عن أبي هريرة مرفوعاً أخرجه أحمد (٩١٨٤) والحاكم (١٢٦/٤) والطبرانيُّ(٥) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة، بلفظ: ((إذا دَخَلَ أحدكم على أخيه المسلم فأطعَمَه طعاماً، فليأكل من طعامه، ولا يسأله عنه)) قال الطبرانيُّ: تفرَّد به مسلم بن خالد. قلت: وفيه مقال، لكن أخرج له الحاكم (١٢٦/٤) شاهداً من رواية ابن عَجْلان عن سعيد المقبُريِّ عن أبي هريرة روايةً، بنحوِهِ، وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٨/ ٢٩٠) من هذا الوجه موقوفاً. ومُطابقة الأثر للحديثِ من جهة كَون اللَّحّام لم يكن مُتَّهَاً، وأكلَ النبيُّ ◌َّ من (١) هذا القول ثبت في رواية أبي ذر الهروي دون غيره من رواة البخاري كما في هامش اليونينية. (٢) كذا قال الحافظ، وهو وهم منه رحمه الله تعالى، لأنَّ حديث أنس في قصة الخياط الذي دعا النبي وَّ ليس فيه ذكر عائشة ولا قول النبي وَسير له: ((وهذه)) يريد عائشة، وإنما قال النبي ◌َّر ذلك للرجل الفارسي الذي كان جاراً له ودعاهُ، وهو عند مسلم (٢٠٣٧) من حديث أنس أيضاً. (٣) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو مبنيّ على وهمه السابق من أن يكون كلا الحديثين في البخاري، وليس الأمر كذلك، لأنَّ حديث أنس في قصة الفارسي الذي قال له النبي ◌َِّ لّا دعاه: ((وهذه)» لعائشة، أخرجه مسلم (٢٠٣٧) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، وعدل عنه البخاري لأنه ليس على شرطه. (٤) كذا في الأصلين و(س): عمير، وفي سائر الطبعات المحققة من ((مصنف ابن أبي شيبة)): عُمر، وفي ((تغليق التعليق)) للحافظ ٤٩٤/٤: عَمرو، وهذا هو الصواب فيما يغلب على الظن، فإنَّ الراوي عنه سفيان الثوري، وفي شيوخ سفيان عمرو بن عامر الأنصاري، وهو معروف بالرواية عن أنس بن مالك، بل لم يُذكَّر له روايةٌ عن غير أنس، وهو ثقة، والله أعلم بالصواب. (٥) في ((الأوسط)) (٢٤٦١ و ٥٣٠١). ٥٠٣ باب ٥٨ / ح ٥٤٦٢ -٥٤٦٥ كتاب الأطعمة طعامه ولم يسأله، وعلى هذا القَيْد ◌ُحمَل مُطلَق حديث أبي هريرة، والله أعلم. ٥٨ - باب إذا حضر العَشاء فلا یعْجَلُ عن عَشائِه ٥٤٦٢- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزّهْريِّ. وقال اللَّيْثُ: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني جعفرُ بنُ عَمْرِو بنٍ أُميَّةَ، أنَّ أباه عَمْرَو بنَ أُميَّ أخبَرَهُ: أنَّه رَأْى رسولَ الله وَّ يَحْتَزُّ من كَتِفِ شاةٍ في يدِهِ، فَدُعِيَ إلى الصلاةِ فألقاها والسِّكِّنَ التي كان يَحْتَزُّ بها، ثمَّ قامَ فصَلَّى ولم يَتَوَضَّأ. ٥٤٦٣- حدَّثنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ◌َُ، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((إذا وُضِعَ العَشاءُ وأُقِيمَت الصلاةُ فابدَؤوا بالعَشاءِ)) . ٥٤٦٣م- وعن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ◌َّ، نحوَه. ٥٤٦٤- وعن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: أنَّه تَعَشَّى مرَّةً وهو يَسْمَعُ قراءةَ الإمامِ. ٥٤٦٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، عن النبيِّ وَّمِ قال: ((إذا أُقِيمَتِ الصلاةُ وحَضَرَ العَشاءُ فابدَؤوا بالعَشاءِ)). قال وُهَيبٌ ويحيى بنُ سعيدٍ، عن هشامٍ: ((إذا وُضِعَ العَشاء)). قوله: ((باب إذا حَضَرَ العَشاء فلا يَعْجَل عن عَشائِهِ)) قال الكِرْمانيُّ: العشاء في التَّرجمة يحتمل أن يُراد به ضِدُّ الغَداء، وهو بالفتح، ويحتمل أن يُراد به صلاةُ العِشاء، وهي بالكسرِ، ولفظ: عن عشائه، بالفتح لا غیر. قلت: الرّواية/ عندنا بالفتح، وإنَّما في التَّرجمة عُدُولٌ عن المُضمَر إلى المُظهَر لمعنَّى قَصَدَه، ٥٨٥/٩ ويُبعِد الكسر أنَّ الحديث إِنَّمَا وَرَدَ في صلاة المغرب، وقد وَرَدَ النَّهي عن تسميتها عِشاءً(١). ولفظ هذه التَرجمة وَقَعَ معناه في حديث أورَدَه المصنِّ في الصلاة في أوائل صلاة الجماعة (٦٧٢) من طريق ابن شهاب عن أنس بلفظ: ((إذا قُدِّمَ العَشاء فابدَؤوا به قبل أن تُصَلّوا صلاة (١) سلف برقم (٥٦٣). ٥٠٤ باب ٥٨ / ح ٤٦٢ ٥٤٦٨ فتح الباري بشرح البخاري المغرب، ولا تَعجَلوا عن عَشائكُم))، وأورَدَه فيه من حديث ابن عمر (٦٧٣) بلفظ: ((إذا وُضِعُ عَشاء أحدكم وأُقيمتِ الصلاة فابدَؤوا بالعَشاءِ، ولا يَعجَل حتَّى يَفرُغ منه)) . قوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني يونس)) أي: ابن يزيد ((عن ابن شِهاب)) وَصَلَه الذُّهْلُّ في ((الزُّهْريّات)) عن أبي صالح عن اللَّيث. وأخرجه الإسماعيليّ من رواية أبي ضَمرة عن یونس. قوله: ((فألقاها)) أي: قِطعة اللَّحم التي كان احتَزَّها. وقال الكِرْمانيُّ: الضَّمير للكَتِفِ، وأَنَّثَ باعتبار أنَّه اكتَسَبَ التَّأنيث من المضاف إليه، أو هو مؤنَّث سماعيّ. قال: ودلالته على التَّرجمة من جهة أنَّه استَنْبَطَ من اشتغالهِ ◌ّه بالأكلِ وقت الصلاة. قلت: ويظهر لي أنَّ البخاريّ أراد بتقديم هذا الحديث بيانَ أنَّ الأمر في حديث ابن عمر وعائشة بتَركِ المبادرة إلى الصلاة قبل تَناوُل الطَّعام ليس على الوجوب. قوله: ((وعن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ ◌ََّ، نحوه)) هو معطوف على السَّنَد الذي قبله، وهو من رواية وُهَيب عن أيوب، وكذا أثر ابن عمر أنَّه تَعَشَّى مرَّة وهو يسمع قراءة الإمام. وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية محمَّد بن سَهل بن عسكر عن مُعَّى ابن أسَد - شيخ البخاريّ فيه - بهذا الإسناد الثّاني، ولفظه: ((إذا وُضِعَ العَشاء)) الحديث، وأخرج أثر ابن عمر من طريق عبد الوارث عن أيوب ولفظه: قال: فتَعَشَّى ابن عمر ليلة وهو يسمع قراءة الإمام. قوله في الطريق الأخرى من رواية عائشة: ((قال وُهَيب ويحيى بن سعيد، عن هشام - يعني ابن عُرْوة - إذا وُضِعَ العَشاء)) يعني أنَّ هذَينِ رَوَياه عن هشام بلفظ: ((إذا وُضِعَ)) بَدَل ((إذا حَضَرَ))، وهي التي وَصَلَها في الباب من رواية سفيان - وهو الثَّوريّ - عن هشام. فأمَّا رواية وُهَيب فَوَصَلَها الإسماعيليّ من رواية يحيى بن حَسّان ومُعلَّى بن أسد، قالا: حدَّثنا وُهَيب، به، ولفظه: ((إذا وُضِعَ العَشاء وأُقيمتِ الصلاة فابدَؤوا بالعَشاءِ)). وأمَّا رواية يحيى بن سعيد - وهو القَطّان - فَوَصَلَها أحمد عنه (٢٤٢٤٦) بهذا اللَّفظ أيضاً، ٥٠٥ باب ٥٩ / ح ٥٤٦٦ كتاب الأطعمة وقد أخرجها المصنِّف (٦٧١) بلفظ: ((إذا حَضَرَ))(١)، وفي بعض الرِّوايات عنه: ((وُضِعَ))، وأخرجه الإسماعيليّ من رواية عَمْرو بن عليّ الفَلّاس عن يحيى بن سعيد بلفظ: ((إذا أُقيمت الصلاة وقُرِّبَ العَشاء، فكُلوا ثمَّ صَلّوا)). وذكر الإسماعيليّ أنَّ أكثر أصحاب هشام رَوَوْه عنه بلفظ: ((إذا وُضِعَ))، وأنَّ بعضهم قال: ((إذا حَضَرَ)) وجاء عن شُعْبة: ((وُضِعَ)) و((حَضَرَ))، وقال ابن إسحاق: ((إذا قُدِّمَ)) . قلت: قُدِّمَ وقُرِّبَ ووُضِعَ مُتَقاربات المعنى، فيُحمَل حَضَرَ عليها، وإن كان معناها في الأصل أعَمّ، والله أعلم. ٥٩- باب قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ٥٤٦٦- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثني أبي، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ، أنَّ أنساً قال: أنا أعلمُ الناسِ بالحِجاب، كان أَبُّ بنُ كَعْبٍ يَسْألُني عنه، فأصبح رسولُ الله ◌َّهِ عروساً بزينبَ بنتِ جَحْشٍ - وكان تزوَّجَها بالمدينةِ - فَدَعَا الناسَ لِلطَّعامِ بعدَ ارتفاع النَّهار، فجَلَسَ رسولُ الله ◌َِّ وجَلَسَ معه رجالٌ بعدما قامَ القومُ، حتَّى قامَ رسولُ الله ◌َّلِ فِمَشَى وَمَشَيتُ معه، حتَّى بَلَغَ بابَ حُجْرةٍ عائشةَ، ثمَّ ظنَّ أنَّهم خَرَجوا، فَرَجَعْتُ معه، فإذا هم جُلوسٌ مكانَهم، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ معه الثّانيةَ حتَّى بَلَغَ بابَ حُجْرةٍ عائشةَ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ معه فإذا هم قد قاموا، فضَرَبَ بيني وبينَه سِتْراً، وأُنزِلَ الحِجابُ. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُوا﴾)) ذكر فيه حديث أنس في قصَّة ٥٨٦/٩ زينب بنت جَحْش، والبناء عليها، ونزول آية الحجاب. (١) كذا قال الحافظ، وهو وهم منه رحمه الله، وقد تقدَّم ذلك منه في ((تغليق التعليق))، إذ ذكر أنَّ البخاري وصله من طريق يحيى القطان بلفظ: ((إذا حضر))، وإنما هو في كتاب الأذان بلفظ: ((إذا وُضِع)) كالذي قاله البخاري هنا، لا خلاف بين رواه البخاري في ذلك وفق ما في اليونينية، ثم إنَّ كلام الحافظ عند شرح الحديث هناك یدل على ذلك دلالة واضحة، حیث بدأ بذکر روایة یحی القطان التي عند المصنف، ثم أشار إلى رواية یحیی ابن سعيد الأموي عن هشام عند السراج فقال: لكن لفظه: ((إذا حضر))، وهذا يفيد أنَّ رواية القطان: ((إذا وُضع))، والله تعالى أعلم. ٥٠٦ باب ٥٩ / ح ٥٤٦٦ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((فأصبح (١) رسول الله وَله عروساً بزينب)) العروس: نَعت يَستَوي فيه الرجل والمرأة، والعُرس: مُدّة بناء الرجل بالمرأة وأصله اللَّزوم، وقد تقدَّم بيان الاختلاف في الأمر بالانتشار بعد صلاة الجمعة في أوَّل البيع في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] (٢٠٤٧)، وأمَّا الانتشار هنا بعد الأكل فالمراد به التَّوَجُّه عن مكان الطَّعام للتَّخفيفِ عن صاحب المنزِل، كما هو مُقْتَضَى الآية، وقد مرَّ مُستَوقّ في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٩١). خاتمة: اشْتَمَلَ كتاب الأطعمة من الأحاديث المرفوعة على مئة حديث واثني عشر حديثاً. المعلَّق منها أربعة عَشَر طريقاً والباقي موصول. المكَرَّر منه فيه وفيما مَضَى تِسعونَ حديثاً، والخالص اثنان وعشرونَ حديثاً. وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة في استقرائه عمرَ الآيَةَ، وحديث أنس: ما رأى شاة سَميطاً، وحديث أبي جُحَيفةَ: ((لا آكُل مُتَّكِئًا))، وحديث سَهل: ما رأى النَّقيّ، وحديث جابر في وفاء دَينه لِمَا تَقرَّرَ أنَّهَا قصَّة له غير قِصَّته في وفاء دَين أبيه، وحديث أنس: ((إذا حَضَرَ الطَّعام والصلاة))، وحديث جابر في المناديل، وحديث أبي أُمامةَ في الدُّعاء بعد الأكل، وحديث أبي هريرة في الطاعم الشّاكِر. وفیه من الآثار عن الصَّحابة فمَن بعدهم ستّة آثار، والله أعلم. (١) كذا في الأصول، وكذلك في ((عمدة القاري)) للعيني ١٤٤/٢٠ حيث أشار إلى هذه الرواية عند شرح الحديث (٥١٥٤)، وفي النسخة التي عندنا برواية أبي ذرِّ الهروي: وأصبح، بالواو بدل الفاء، وفي (س): أصبح، بدونهما، وهو الذي في اليونينية. ٥٠٧ كتاب العقيقة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ڪتاب العَقيقة قوله: (بسم الله الرَّحمن الرحيم. كتاب العَقِيقة)) بفتح العين المهمَلة، وهو اسم لمَا يُذبَح عن المولود. واختُلِفَ في اشتقاقها، فقال أبو عُبيد والأصمَعيّ: أصلها الشَّعْرِ الذي يَخْرُج على رأس المولود، وتَبَعَه(١) الَّتَشَريّ وغيره. وسُمَّت الشّاة التي تُذبَح عنه في تلك الحالة عَقيقةً، لأَنَّه يُحُلَق عنه ذلك الشَّعر عند الذَّبح. وعن أحمد: أنَّها مأخوذة من العَقِّ، وهو الشَّ والقطع، ورَجَّحَه ابن عبد البَرّ وطائفة. وقال الخطّابيُّ: العَقيقة: اسم الشّاة المذبوحة عن الولد، سُمّيَت بذلك لأنَّها تُعَقّ مَذابحها، أي: تُشَقّ وتُقطَع. قال: وقيل: هي الشَّعر الذي يُلَق. وقال ابن فارس: الشّاة التي تُذبَح والشَّعر كلّ منهما يُسَمَّى عَقيقة، يقال: عَقَّ يَعُقّ: إذا حَلَقَ عن ابنه عَقيقَته وذَبَحَ للمساكينِ شاً. وقال القَزّاز: أصل العَقِّ: الشَّقّ، فكأنَها قيل لها: عَقيقة، بمعنى معقوقة، وسُمّيَ شعر المولود عَقيقةً باسم ما يُعَقّ عنه، وقيل: باسم المكان الذي العَقُّ عنه فيه، وكلّ مولود من البَهائم فشعره عَقيقة، فإذا سَقَطَ وبَر البعير ذهب عَقّه. ويقال: أعَقَّتِ الحاملُ: نَبَتَت عَقيقةُ ولدها في بطنها. قلت: ومَّا وَرَدَ في تسمية الشّاة عَقيقةً ما أخرجه البزَّار (٥١٥٧) من طريق عطاء عن ابن عبّاس رَفَعَه: ((للغلام عَقيقَتان وللجارية عَقيقة)) وقال: لا نَعلَمه بهذا اللَّفظ إلّا بهذا الإسناد. انتهى. ووَقَعَ في عِدّة أحاديث: ((عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة))(٢). (١) كذا أعاد الضمير بصيغة المفرد، مع أنه ذكر أبا عبيد والأصمعيَّ، فلعله أراد عَوْدَ الضمير على الأخير منهما وهو الأصمعي، لأنَّ أبا عبيد نقل ذلك عن الأصمعي، كما في (تهذيب اللغة)) للأزهري ١/ ٤٧، والله أعلم. (٢) سيأتي تخريج الحافظ لهذا الحديث عند شرح الحديث (٥٤٧٢). ٥٠٨ باب ١ / ح ٥٤٦٧ - ٥٤٧٠ فتح الباري بشرح البخاري ٥٨٧/٩ ١- باب تسمية المولود غداةً يُولد لمن لم يَعُقّ عنه وتحنیکِه ٥٤٦٧ - حدَّثني إسحاقُ بنُ نَصْرٍ، حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثني بُرَيدٌ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى ﴾، قال: وُلِدَ لِي غلامٌ، فأتيتُ به النبيَّ ◌َّةِ، فَسَّه إبراهيمَ، فحَنَّكَه بِتَمْرةٍ، ودعا له بالبَرَ كةِ، ودَفَعَه إليّ، و کان أکبر ولدِ أبي موسى. [طرفه في: ٦١٩٨] ٥٤٦٨- حدَّثنا مُسلَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: أَتِيَ النبيُّ نَّ بِصَبِيِّ نُجَنَّكُه، فبالَ عليهِ، فَأَتْبَعَه الماءَ. ٥٤٦٩- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما: أنَّهَا كَلَت بعبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ بِمَكّةَ، قالت: فخَرَجْتُ وأنا مُتِمٌّ، فأتيتُ المدينةَ، فنزلْتُ قُبَاءً، فوَلَدْتُ بقُباءٍ، ثمَّ أتيتُ به رسولَ الله ◌َّ فوضَعْتُ في حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرةٍ فمَضَغَها، ثمَّ تَفَلَ في فيه، فكان أوَّلَ شيءٍ دَخَلَ جَوْفَه رِيقُ رسولِ الله ◌ِِّ، ثُمَّ حَتَّكَه بالنَّمْرةِ، ثمَّ دَعَا له وبَرَّك عليه، وكان أوَّلَ مولودٍ وُلِدَ في الإسلامِ، ففَرِحُوا به فَرَحاً شديداً، لأنَّهم قيل لهم: إنَّ اليهودَ قد سَحَرَتْكم فلا يُولَّدُ لكم. ٥٤٧٠- حدَّثْني مَطَرُ بنُ الفَضْلِ، حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، أخبرنا عبدُ الله بنُ عَوْنٍ، عن أنسٍ بنِ سِيرِينَ، عن أنسِ بنِ مالكِ ، قال: كان ابنٌّ لأبي طَلْحَ يَشْتَكي، فخَرَجَ أبو طَلْحَةَ، فقُبِضَ الصَّبِيُّ، فلمَّا رَجَعَ أبو طَلْحةً قال: ما فعل ابني؟ قالت أمُّ سُلَيم: هو أسكَنُ ما كان، فقَرَّبَت إليه العَشاءَ فتَعَثَّى، ثمَّ أصاب منها، فلمَّا فَرَغَ قالت: وارُوا الصَّبِيَّ، فلمَّا أصبَحَ أبو طَلْحَةَ أتى رسولَ اللهِ وَهِ فأخبَرَه فقال: ((أعْرَسْتُم اللَّيلةَ؟)) قال: نعم، قال: ((اللهمَّ بارِكْ لهما في ليلتِهما)» فوَلَدَت غلاماً، قال لي أبو طَلْحةَ: احفَظْه حتَّى تَأْتِيَ به النبيَّبِّه فأتى به النبيَّ ◌َِّ وأرسَلَت معه بتَمَرَاتٍ، فَأَخَذَه النبيُّ ◌ََّ، فقال: ((أمعَه شيءٌ؟)) قالوا: نعم، تَمَراتٌ، فَأَخَذَها النبيُّ وَ﴿ فَمَضَغَها، ثمَّ أَخَذَ من فِيه فجعلَها في في الصَِّيِّ وحَنَّگه به، وسَّاه عبدَ الله. ٥٠٩ باب ١ / ح ٥٤٦٧ - ٥٤٧٠ كتاب العقيقة ٥٤٧٠م - حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن محمَّدٍ عن أنسٍ، وساقَ الحدیثَ. قوله: ((باب تَسْمية المولود غَداً يُولد لمن لم يَعُقّ عنه)» كذا في رواية أبي ذرِّ عن الكُشْمِیھنيّ، وسَقَطَ لفظة: ((عنه)) للجُمهور، ولِلنَّسَفيِّ: ((وإن لم يَعُقّ عنه)) بَدَل: ((لمن لم يَعُقَّ عنه))، ورواية الفِرَبريّ أَولى، لأنَّ قضيّة رواية النَّسَفيِّ تَعَيُّنُ التَّسمية غَدَاةَ الولادة، سواء حَصَلَتِ العَقيقة عن ذلك المولود أم لا، وهذا يعارضه الأخبار الواردة في التَّسمية يوم السابع كما سأذكرها/ قريباً. وقضيَّة رواية الفِرَبريّ أنَّ مَن لم يُرَد أن يُعَقَّ عنه لا تُؤُخَّر تسميته إلى ٥٨٨/٩ السابع، كما وَقَعَ في قصَّة إِبراهيم بن أبي موسى وعبد الله بن أبي طلحة، وكذلك إبراهيم ابن النبيّ وَ﴿ وعبد الله بن الزُّبَير، فإنَّه لم يُنقَل أنَّه عُقَّ عن أحدٍ منهم، ومَن أُرِيدَ أن يُعَقّ عنه تُؤَخَّر تسميته إلى السابع، كما سيأتي في الأحاديث الأُخرَى، وهو جمعٌ لطيفٌ لم أرَه لغير البخاريّ. قوله: ((وَحْنِيكه)) أي: غَداة يولد، وكأنَّه قُيِّد بالغَدَاة إتباعاً للفظ الخبر، والغَدَاة تُطلَق ويُراد بها مُطلَق الوقت، وهو المراد هنا، وإِنَّمَا اتَّفَقَ تأخير ذلك لضَرُورة الواقع، فلو اتَّفَقَ أنَّهَا تَلِدِ نصف النَّهار مثلاً فوَقتُ النَّحنيك والتَّسمية بعد الغَدَاة قطعاً. والتَّحنيك: مَضغ الشَّيء ووَضعه في فم الصبيّ ودَلْك حَنَكه به، يُصنَع ذلك بالصبيِّ لَيَتَمَرَّنَ على الأكل ويقوَى عليه. وينبغي عند تحنيكه أن يُفتَح فاهُ حتَّى يَنِزِل جَوفَه، وأَولاء الثَّمرُ، فإن لم يَتَسَر ◌َمٌ فِرُطَبٌ، وإلّا فشيء حُلوٌ، وعَسَل النَّحل أَولى من غيره، ثمَّ ما لم تَسَّه نار كما في نَظيره ممّا يُفطِر الصّائم عليه. ويُستفاد من قوله: ((وإن لم يَعُقَّ عنه))(١) الإشارة إلى أنَّ العَقيقة لا تجب. قال الشافعيّ: أَفَرَطَ فيها رجلان، قال أحدُهما: هي بدعة، والآخَر قال: واجبة، وأشارَ بقائلِ الوجوب إلى اللَّيث بن سعد. ولم يَعرِف إمامُ الحرمَينِ الوجوب إلّا عن داود، فقال: لعلَّ الشافعيّ أراد غير (١) يعني رواية النسفي للترجمة. ٥١٠ باب ١ / ح ٥٤٦٧ - ٥٤٧٠ فتح الباري بشرح البخاري داود فإنَّ داود(١)، إنَّما كان بعده. وتُعقِّبَ بأَنَّه ليس لِلَعَلَّ هنا معنَى، بل هو أمر مُحُقَّق، فإنَّ الشافعيّ ماتَ ولِداود أربع سنين، وقد جاء الوجوب أيضاً عن أبي الزناد، وهي روايةٌ عن أحمد. والذي نُقِلَ عنه أنَّها بدعة: أبو حنيفة، قال ابن المنذر: أنكَرَ أصحاب الرَّأي أن تكون سُنّة، وخالَفوا في ذلك الآثار الثابتة. واستَدَلَّ بعضُهم بما رواه مالك في ((الموطَّأ)) (٢/ ٥٠٠) عن زيد بن أسلَمَ عن رجل من بني ضَمْرة عن أبيه: سُئل النبيّ ◌َِّعن العَقيقة، فقال: ((لا أُحِبّ العُقوق)) كأنَّ كَرِهَ الاسم، وقال: ((مَن وُلِدَ له ولد فأحَبَّ أن يَنسُك عنه فليفعل)). وفي رواية سعيد بن منصور عن سفيان عن زيد بن أسلمَ عن رجل من بني ضَمْرة عن عَمّه: سمعت رسولَ الله وَ لا يُسأل عن العَقيقة وهو على المِنْبَرَ بعَرَفة، فذكره. وله شاهد من حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه، أخرجه أبو داود (٢٨٤٢). ويقوَى أحدُ الحديثَينِ بالآخر. قال أبو عمر: لا أعلمه مرفوعاً إلّا عن هذَينٍ. قلت: وقد أخرجه البَزَّار(٢) وأبو الشَّيخ في ((العَقیقة)) من حديث أبي سعيد. ولا حُجّة فيه لنفي مشروعيَّتَها، بل آخِرُ الحديث يُثبتها، وإنَّما غايته أن يُؤخَذ منه أنَّ الأَولى أن تُسمَّى نَسيكة أو ذَبيحة، وأن لا تُسمَّى عَقيقة. وقد نَقَلَه ابن أبي الدَّم عن بعض الأصحاب، قال: كما في تسمية العِشاء عَتَمةً. وادَّعَى محمَّد بن الحسن نَسخها بحديثِ: (نَسَخَ الأضحَى كُلَّ ذَبح)) أخرجه الدّارَ قُطنيُّ (٤٧٤٧) من حديث عليّ، وفي سنده ضعف. وأمَّا نفي ابن عبد البَرّ وُروده فمُتَعقَّب. وعلى تقدير أن يَثْبُت أنَّها كانت واجبة، ثمَّ نُسِخَ وجوبها، فيَبقَى الاستحباب كما جاء (١) قوله: ((فإنَّ داود)) سقط من (س). (٢) لم نقف عليه عند البزار، ولا ذكره الحافظُ في ((زوائد البزار))، ولا الهيثمي في ((كشف الأستار))، ولا في ((مجمع الزوائد»، وسيذكر الحافظُ هذا الحديث مرة أخرى عند شرح الحديث (٥٤٧٢)، ويخرّجه من أبي الشيخ فقط، وهذا يدل على أنَّ ذكر البزار هنا وهم، والله تعالى أعلم بالصواب. ٥١١ باب ١ / ح ٥٤٦٧ - ٥٤٧٠ كتاب العقيقة نَظِيرُهُ(١) في صوم عاشوراء، فلا حُجّة فيه أيضاً لمن نَفَى مشروعيَّتها. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب أربعة أحاديث: الأول: حديث أبي موسى. قوله: ((بُرید)) بالموخَّدة والرَّاء مُصفَّر: هو ابن عبد الله بن أبي بُرْدة، وهو يروي عن جَدّه أبي بُرْدة عن أبي موسى الأشعريّ نسخةً. وإبراهيم بن أبي موسى المذكور في هذا الحديث ذكره جماعةٌ في الصَّحابة لمَا وَقَعَ في هذا الحديث، وذلك يقتضي أن تكون له رواية، وقد ذكره ابن حِبّان في الصَّحابة، وقال: لم يسمع من النبيّ وَِّ شيئاً، ثمَّ ذكره في ثقات التابعينَ، وليس ذلك تَناقُضاً منه، بل هو بالاعتبارَينِ. قوله: ((فأتيت به النبيَّ ◌َّهِ، فسَّاه إبراهيم، فحَنَّكَه)) فيه إشعار بأنَّه أسرَعَ بإحضاره إلى النبيِّ وَّهِ، وأنَّ تَحنيكه كان بعد تسميته، ففيه/ تعجيلُ تسمية المولود، ولا يُنتَظَر بها ٥٨٩/٩ إلى السابع. وأمَّا ما رواه أصحاب السُّنَن الثلاثة(٢) من حديث الحسن عن سَمُرة في حديث العَقيقة: (تُذْبَح عنه يوم السابع ويُسَمَّى)) فقد اختُلِفَ في هذه اللَّفظة: هل هي ((يُسَمَّى)) أو ((يُدمَّى)) بالدّال بَدَل السّين؟ وسيأتي البحث في ذلك في الباب الذي يليه. ويدلّ على أنَّ التَّسمية لا تَخْتَصّ بالسابع ما تقدَّم في النِّكاح (٦١٩١) من حديث أبي أُسَيدِ: أنَّه أتى النبيَّ وَّهِ بِابنِه حين وُلِدَ فسَمّاه المنذِر. وما أخرجه مسلم (٢٣١٥) من حديث ثابت عن أنس رَفَعَه، قال: ((وُلِدَ لِي اللَّيلة غُلامٌ فسَمَّيته باسم أبي إبراهيمَ))، ثمَّ دَفَعَه إلى أمّ سيف، الحديث. قال البيهقيُّ: تسميةُ المولود حين يولد أصحُ من الأحاديث في تسميته يوم السابع. قلت: (١) لفظة (نظيره)) سقطت من (س). (٢) أبو داود (٢٨٣٧) و(٢٨٣٨)، وابن ماجه (٣١٦٥)، والترمذي (١٥٢٢) و(١٥٢٢ م)، وأخرجه أيضاً النسائي (٤٢٢٠). ٥١٢ باب ١ / ح ٥٤٦٧ - ٥٤٧٠ فتح الباري بشرح البخاري قد وَرَدَ فيه غير ما ذُكِرَ، ففي البَزَّار(١) و((صحيحَي)) ابن حِبّان (٥٣١١) والحاكم (٤/ ٢٣٧)، بسندٍ صحيح عن عائشة قالت: عَقَّ رسول الله وَ له عن الحسن والحسين يوم السابع وسَما هما. ولِلِّرمِذيِّ (٢٨٣٢) من طريق عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه: أمَرَني رسولُ اللهِ وَالـ بتسمية المولود لسابعِه. وهذا من الأحاديث التي يَتَعيَّن فيها أنَّ الجدّ هو الصَّحابيّ لا جَدّ عَمْرو الحقيقيّ محمّد بن عبد الله بن عَمْرو. وفي الباب عن ابن عبّاس قال: سبعةٌ مِن السُّنّة في الصبيّ: يوم السابع يُسَمَّى، ويُحْتَن، ويُماط عنه الأَذَى، وتُثْقَب أُذُنه، ويُعَقّ عنه، ويُحلَق رأسه، ويُلَطَّخ من عَقيقَته، ويُتَصَدَّق بوزنِ شعر رأسه ذهباً أو فِضّة. أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٥٥٨)، وفي سنده ضعف. وفيه أيضاً (١٨٨٣) عن ابن عمر رَفَعَه: ((إذا كان يومُ السابع للمولودِ فأهرِيْقُوا عنه دَماً، وأمیطوا عنه الأذى، وسَمُّوه»، وسنده حسن. الحديث الثاني: قوله: ((يحبى)) هو القَطّان، وهشام: هو ابن عُرْوة. قوله: ((أُتِيَّ النبيُّ نَّه بصبيِّ يُحَنِّكه)» تقدَّم في الطَّهارة (٢٢٢) من وجه آخر عن هشام بن عُرْوة، ليس فيه ذِكْرِ التَّحنيك، وبيَّنتُ هناك ما قيل في اسمه. الحديث الثالث: حديث أسماء في ولادة عبد الله بن الزُّبَير، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في ((باب هِجرة النبيّ وَلقه إلى المدينة)) (٣٩٠٩) وبيان الاختلاف في سنده. ووَقَعَ في آخره هنا من الزّيادة: ((ففَرِحوا به فَرَحاً شديداً، لأنَّهم قيل لهم: إنَّ اليهود قد (١) لم يخرِّج البزارُ هذا الحديثَ، فلم يذكره الحافظُ نفسُه في ((زوائد البزار))، ولا ذكره الهيثمي في ((كشف الأستار)) ولا في ((مجمع الزوائد))، وقد عزاه الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ٤/ ١٤٧ للبيهقي وابن حبان والحاكم، وهو الصحيح، فالحديث عند البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٢٩٩/٩. لكن أخرج البزار (٣١٩/١٨) بإسناد ابن حبان والحاكم والبيهقي عن عائشة حديثاً مما كان يفعله أهلُ الجاهلية يوم العقيقة وما أمرهم النبي ﴿ أن يفعلوا بدلاً من ذلك، وذكر الحافظ في ((التلخيص)) أنَّ هذا الحديث وقع زيادةً في رواية ابن السكن للحديث المذكور. ٥١٣ باب ١ / ح ٥٤٦٧ - ٥٤٧٠ كتاب العقيقة سَحَرَتكم فلا يُولَد لكم)) وهذا يدلُّ على ما قَدَّمته أنَّ ولادته كانت بعد استقرارهم بالمدينة، وما وَقَعَ في أوَّل الحديث أنَّها ولدَته بقُباءٍ ثُمَّ أتت به النبيَّ نَّه لم يُرَدْ أَّها أحضَرَته له بقُبَاءٍ، وإِنَّمَا حَمَلَته من قُباءٍ إلى المدينة. وقد أخرج ابن سعد في ((الطَّبقات)) من رواية أبي الأسوَد محمَّد بن عبد الرّحمن قال: لما قَدِمَ المهاجِرونَ المدينة أقاموا لا يولد لهم، فقالوا: سَحَرَتنا يهودُ، حتَّى كَثُرَت في ذلك القالَةُ، فكان أوَّلَ مولود بعد الهجرة عبدُ الله بن الزُّبَير، فكَبَّرَ المسلمونَ تكبيرةً واحدةً حتَّى ارتَّتِ المدينةُ تكبيراً. وقوله: ((وأنا مُتِمٌّ)) بكسرِ المثنّاة، أي: شارَفتُ تمامَ الحَمْل. وقوله: (تَفَلَ)) بمُثنّاةٍ ثُمَّ فاء ((وَبَّكَ)) بالتَّشديد، أي: دَعَا له بالبَرَكة. الحديث الرابع: حديث أنس في قصَّة ابن أبي طلحة، واسمه عبد الله، وهو والد إسحاق، وقد تقدَّم شرحُه في الجنائز (١٣٠١) وفي الزكاة(١). قوله: ((أعْرَسْتُم؟)) هو استفهام محذوف الأداة والعين ساكنة، أعْرَسَ الرجل: إذا بَنَّى بامرأتِه، ويُطلَق أيضاً على الوَطء، لأنَّه يَتَبَع البناء غالباً، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلِيّ: ((أعَرَّسْتُم؟)) بفتح العين وتشديد الرَّاء. فقال عياض: هو غَلَطْ، لأنَّ التَّعريس التُّزول، وأثبَتَ غيره أنَّها لُغة، يقال: أعرَسَ وعَرَّسَ: إذا دَخَلَ بأهلِه، والأفصَحِ أعرَسَ، قاله ابن التَّنْميِّ فی کتاب «التّحریر في شرح مسلم)) له. قوله: («قال لي أبو طَلْحة: احفَظْه)) في رواية الكُشْمِيهنيُّ: احفَظيه. والأوَّل أَوْلِى. قوله: ((حدَّثْني محمّد بن المثنَّى - إلى أن قال: وساقَ الحديثَ)) هذا يوهم أنَّه يريد الحديث الذي قبله وليس كذلك، لأنَّ لفظهما مُخُتَلِف، وهما حديثان عند ابن عَون: أحدهما: عنده عن أنس بن سيرين وهو المذكور هنا، والثّاني: عنده عن محمَّد بن سِيرِين عن أنس، وقد ساقَه المصنّف في اللُّباس (٥٨٢٤)، بهذا الإسناد، ولفظه: أنَّ أمّ سُلَيم قالت لي: يا أنس، انظُر هذا (١) تقدم بعضُ الحديث في الزكاة برقم (١٥٠٢)، لكن لم يشرح عليه الحافظ شيئاً هناك. ٥١٤ باب ٢ / ح ٥٤٧١ فتح الباري بشرح البخاري ٥٩٠/٩ الغلامَ فلا/ يُصِيبنَّ شيئاً حتَّى تَغدوَ به إلى النبيِّوَّهِ، فَغَدَوتُ به، فإذا هو في حائطٍ له وعليه ◌َميصة، وهو يَسِمُ الظَّهْرَ الذي قَدِمَ عليه في الفتح. ثمَّ وجدت في نُسخة الصَّغَانيّ بعد قوله: وساقَ الحديث: قال أبو عبد الله: اختَلَفا في أنس بن سِيرِين ومحمَّد بن سِيرِين. أي: ابن أبي عَديٍّ ويزيد بن هارون اختَلَفا في شیخ عبد الله بن عَوْن، وهذا يَتَعيَّن أنَّهما عنده حديثٌ اختَلَفَت ألفاظه. وذكر الِمِزّيُّ أنَّ حمّاد بن مَسعدة وافَقَ ابن أبي عَديٌّ، أخرجه مسلم (٢١٤٤/ ٢٣) من طريقه لكنّي لم أرَه في كتاب مسلم مُسَمَّى، بل قال: عن ابن سِيرِين(١)، ويُؤْيِّد روايةَ ابن أبي عَديٍّ أنَّ أحمد أخرج الحديث مُطوَّلاً (١٢٨٦٥) من طريق همَّام عن محمَّد بن سِيرِين(٢). ٢- باب إماطة الأذى عن الصبيِّ في العَقيقة ٥٤٧١- حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن سَلْمانَ بنِ عامٍ، قال: معَ الغلامِ عَقِيقٌ. وقال حَجَاجٌ: حدَّثنا خَادٌ، أخبرنا أيوبُ وقَتَادةُ وهشامٌ وحَبيبٌ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن سَلْمَانَ، عن النبيِّ ◌َِّ. (١) كذا قال الحافظ، وإنما هو في ((صحيح مسلم)) من طريق حماد بن مسعدة عن ابن عون عن محمد عن أنس، يعني كما قال المزي، لأنَّ محمداً هذا هو ابن سيرين، لكن ما قاله الحافظ جاء في رواية يزيد بن هارون السابقة لرواية حماد بن مَسعَدة، حيث جاء فيها: عن ابن سيرين، فلعله وقع في نسخة الحافظ من ((صحيح مسلم)) سقطٌّ وتقديم وتأخير، والله أعلم. (٢) كذا جزم الحافظ بأنه في رواية همام عن محمد بن سيرين، هكذا مقيداً بمحمد، وبذلك جزم في ((أطراف المسند)) (٩٤٠) وفي ((إتحاف المهرة)) (١٧١٨)، مع أنَّ الذي في ((المسند)»: عن موسى بن هلال عن همام عن ابن سيرين، غير مقيد، فلا ندري ما الذي رجَّح لدى الحافظ كونه محمداً، مع أن ھماماً إن كان ابنَ يحيى العَوْذي، فروايته مشهورة عن أنس بن سيرين وليس عن محمد، وإنما يروي عن محمد بواسطة قتادة في الأعم الأغلب. ثم إنَّ جزم الحافظ أصلاً بأنَّ حديث أحمد عن همام غير مُسلَّم، لورود الحديث مرة أخرى عند أحمد عن موسى بن هلال نفسه عن هشام بدل همام، عن ابن سيرين، غير مقيد أيضاً، ويرجح كونه عن هشام - يعني ابن حسان - أنَّ كل الذين ترجموا لموسى بن هلال هذا لم يذكروا في شيوخه غير هشام ابن حسان، فالظاهر أنَّ اسم همام تحرَّف في الرواية عن هشام، والله تعالى أعلم. ٥١٥ باب ٢ / ح ٥٤٧١ - ٥٤٧٢ كتاب العقيقة وقال غيرُ واحدٍ: عن عاصمٍ وهشام، عن حفصةَ بنت سِيرِينَ، عن الرَّبَاب، عن سَلْمانَ بنِ عامرِ الضَّبِّيِّ، عن النبيِّ ێ. ورواه يزيدُ بنُ إبراهيمَ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن سَلْمانَ، قولَه. [طرفه في: ٥٤٧٢] ٥٤٧٢ - وقال أصبَغُ: أخبرني ابنُ وَهْب، عن جَرِيرِ بنِ حازِمٍ، عن أيوبَ السَّخْتِيانيِّ، عن محمَّدِ بنِ سِيرِينَ، حدَّثنا سَلْمَانُ بنُ عامِ الضَّبُِّّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَلَّ يقول: ((معَ الغلامِ عَقِيقةٌ، فأهرِيقوا عنه دَماً، وأَمِيطوا عنه الأذَى)). ٥٤٧٢م- حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي الأسوَدِ، حدَّنَا قُرَيْشُ بنُ أنسٍ، عن حبيبٍ بنِ الشَّهِيدِ، قال: أمَرَني ابنُ سِيرِينَ أن أسألَ الحسنَ: ثَمَّن سمعَ حديثَ العَقِيقةِ؟ فسألتُه، فقال: من سَمُرةَ ابنِ مُنْدُپٍ. قوله: ((باب إماطة الأذى عن الصبيّ في العَقِيقة)) الإماطةُ: الإزالة. قوله: (عن محمّد» هو ابن سِیرین. قوله: ((عن سَلْمان بن عامر)) هو الضَّبِّي، وهو صحابيّ سَكَنَ البصرة، ما له في البخاريّ غير هذا الحديث، وقد أخرجه من عِدّة طرق موقوفاً ومرفوعاً، موصولاً من الطَّريق الأُولى لكنَّه لم يُصرِّح برفعِه فيها، ومُعلَّقاً من الطُّرق الأُخرى، صَرَّحَ في طريقٍ منها بوَقِفِه وما عَدَاها مرفوع. قال الإسماعيليّ: لم يُخرِّج البخاريّ في الباب حديثاً صحيحاً على شرطه، أمَّا حديث حمّاد بن زيد - يعني الذي أورَدَه موصولاً - فجاء به موقوفاً، وليس فيه ذِكْر إماطة الأذى الذي تَرجَمَ به، وأمَّا حديث جَرِير بن حازِم فذكره بلا خَبَرَ، وأمَّا حديث حَمَّد بن سَلَمَةَ فليس من شرطه في الاحتجاج. قلت: أمَّا حديث حمَّد بن زيد فهو المعتمَد عليه عند البخاريّ، لكنَّه أورَدَه مختصراً، فكأنَّه سمعَه كذلك من شیخه أبي النُّعمان، واكتَفَى به گعادتِه في الإشارة إلى ما وَرَدَ في بعض طرق ٥١٦ باب ٢ / ح ٥٤٧١- ٥٤٧٢ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الذي يُورِدُه، وقد أخرجه أحمد (١٦٢٣٨) عن يونس بن محمَّد عن حمّاد بن زيد، فزاد في المتن: ((فأَهرِيقوا عنه دَماً، وأَميطوا عنه الأذَى)) ولم يُصرِّح برفعِه، وأخرجه أيضاً (١٦٢٣٨) عن يونس بن محمَّد عن حمّاد بن زيد عن هشام عن محمَّد بن سِيرِين، فصَرَّحَ برفعِهِ. وأخرجه أيضاً (١٦٢٤٠) عن عبد الوهّاب عن ابن عَوْن وسعيد عن محمّد بن سِيرِين عن ٥٩١/٩ سلمان، مرفوعاً. وأخرجه الإسماعيليّ من طريق سليمان بن حَرْب عن حمّاد بن/ زيد عن أيوب فقال فيه: رَفَعَه. وأمَّا حديث جَرِير بن حازِم، وقوله: إنَّه ذكره بلا خَبَرَ، يعني لم يَقُل في أوَّل الإسناد: أخبرنا أصبَغ، بل قال: قال أصبَغ. لكنَّ أصبَغ من شيوخ البخاريّ قد أكثر عنه في ((الصَّحیح))، فعلى قول الأكثر: هو موصول كما قَرَّرَه ابن الصَّلاح في ((علوم الحديث))، وعلى قول ابن خَزْم: هو مُنقَطِعٍ، وهذا كلام الإسماعيليّ يشير إلى موافَقَته، وقد زَيَّفَ الناسُ كلام ابن خَزْم في ذلك، وأمَّا كَون حمّاد بن سَلَمَةَ ليس(١) على شرطه في الاحتجاج فمُسَلَّم، لكن لا يَضُرّه إيراده للاستشهاد گعادتِه. قوله: ((وقال حَجّاجِ)) هو ابن مِنهال، وحَّاد: هو ابن سَلَمَةَ، وقد وَصَلَه الطَّحاويُّ (٢) وابن عبد البَرّ والبيهقيُّ (٢٩٨/٩) من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن حَجّاج بن مِنهال: حدَّثنا حمّاد بن سَلَمَةَ، به. وقد أخرجه النَّسائيُّ (٤٢١٤) من رواية عَفّانَ، والإسماعيليّ من طريق حَبّانِ بن هلال وعبد الأعلى بن حمَّد وإبراهيم بن الحجّاج، كلّهم عن حَّاد بن سَلَمَةَ، فزادوا معَ الأربعة الذينَ ذكرهم البخاريّ، وهم أيوب وقَتَادة وهشام، وهو ابن حسَّان، وحبيب، وهو ابن الشَّهيد: يونسَ، وهو ابن عُبيد، ويحيى بنُ عَتيق، لكن ذكر بعضُهم عن حَّادِ ما لم يَذْكُر الآخرُ، وسياق(٣) المتن كلّه على لفظ حَبّان، وصَرَّحَ برفعِه، (١) لفظة «لیس» سقطت من (س). (٢) أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (١٠٤٨)، لکن عن محمد بن خزيمة عن حجاج بن منهال، وليس عن إسماعيل بن إسحاق القاضي. (٣) تحرَّف في (س) إلى: وساق. ٥١٧ باب ٢ / ح ٥٤٧١- ٥٤٧٢ كتاب العقيقة ولفظه: ((في الغلام عقيقتُه(١) فأهرِيقُوا عنه الدَّم، وأميطوا عنه الأذَى)). قال الإسماعيليّ: وقد رواه الثَّوريّ موصولاً مجوَّداً(٢)، ثمَّ ساقَه من طريق أبي حُذَيفة عن سفيان عن أيوب كذلك. فاتَّفَقَ هؤلاءِ علی أنَّه من حديث سلمان بن عامر. وخالَفَهم وُهَيب فقال: عن أيوب عن محمَّد عن أمّ عَطيَّةً، قالت: سمعت رسولَ الله ◌ِّيه يقول: ((معَ الغلام)) فذكر مِثلَه سواءً، أخرجه أبو نُعَيم في ((مُستَخرَجه)) من رواية حَوْثَرة بن محمَّد عن أبي هشام عن وُهَيب به، ووُهَيب من رجال ((الصحيحين)). وأبو هشام: اسمه المغيرة بن سَلَمَةَ، احتَجَّ به مسلم، وأخرج له البخاريّ تعليقاً، ووثَّقه ابن المَدِينيّ والنَّسائيُّ وغيرهما. وحَوثَرة، بحاءٍ مُهمَلة ومُثلَّثة، وزن جوهرة: بصريّ يُكْنى أبا الأزهَر، احتَجَّ به ابن خُزيمةَ في («صحيحه))، وأخرج عنه من السِّة ابن ماجه، وذكر أبو عليّ الجيَّانيّ أنَّ أبا داود روى عنه في كتاب ((بَدْء الوحي)) خارج ((السُّنَن))، وذَكَره ابن حِبّان في ((الثِّقات))، فالإسناد قويّ إلّا أنَّه شاذٌ، والمحفوظ عن محمَّد بن سِيرِين عن سلمان بن عامر، فلعلَّ بعض رُواته دَخَلَ علیه حدیثٌ في حديثٍ. قوله: ((وقال غير واحد: عن عاصم وهشام، عن حفصة بنت سِيرِينَ، عن الرَّبَاب، عن سَلْمان بن عامر الضَّبّيّ، عن النبيّ ◌ِ ﴿)) قلت: من الذينَ أَبَهَمَهم عن عاصم: سفيان بن عُبَينة، أخرجه أحمد عنه، بهذا الإسناد (١٧٨٧٣)، فصَرَّحَ برفعِه، وذكر المتن المذكور وحديثَيْنِ آخرَينِ: أحدهما: في الفِطْر على الثَّمر، والثّاني: في الصَّدَقة على ذي القَرابة. وأخرجه التِّرمِذيّ (١٥١٥) من طريق عبد الرَّزّاق، والنَّسائيِّ (ك٤٥٢٦) عن عبد الله بن محمَّد الزّهْرِيِّ، كلاهما عن ابن عُيَينة، بقصَّة العَقيقة حَسبُ. وقال النَّسائيُّ في روايته: عن الرَّباب عن عَمّها سلمان، به، والرَّباب، بفتح الرَّاء وبموحَّدتَينِ مُنَّفاً، ما لها في البخاريّ غير هذا الحديث. وثمَّن رواه عن هشام بن حسَّان: عبد الرَّزاق(٣)، أخرجه أحمد (١٧٨٧٧) عنه عن (١) تحرِّف في (س) إلى: عقيقة. (٢) تحرَّف في (س) إلى: مجرداً. (٣) وهو في ((مصنفه)) (٧٩٥٨). ٥١٨ باب ٢ / ح ٥٤٧١ - ٥٤٧٢ فتح الباري بشرح البخاري هشام، بالأحاديث الثلاثة، وأخرجه أبو داود (٢٨٣٩) والتِّرمِذيّ (١٥١٥) من طريق عبد الرَّزّاق. ومنهم: عبد الله بن نُمَير، أخرجه ابن ماجه (٣١٦٤) من طريقه عن هشام به، وأخرجه أحمد أيضاً (١٦٢٢٩ و١٦٢٣٤) عن يحيى القَطّان ومحمَّد بن جعفر(١)، كلاهما عن هشام، لكن لم يَذْكُر الرَّباب في إسناده. وكذا أخرجه الدَّارِمِيُّ (١٩٦٧) عن سعيد بن عامر، والحارث ابن أبي أُسامة(٢) عن عبد الله بن بَكْر (٣) السَّهميّ، كلاهما عن هشام. قوله: «ورواه يزيد بن إبراهيم، عن ابن سِيرِينَ، عن سَلْمان، قولَه)) قلت: وَصَلَه الطّحاويُّ في ((بيان المشكِل)) (١٠٥٠) فقال: حدَّثنا محمّد بن خُزيمةَ حدَّثنا حَجّاج بن مِنهال حدَّثنا يزيد ابن إبراهيم به، موقوفاً(٤). قوله: ((وقال أصبَغُ: أخبَرَني ابن وَهْب)) إلى آخره، وَصَلَه الطَّحاويُّ (١٠٤٩) عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وَهْب به. قال الإسماعيليّ: ذكر البخاريّ حديثَ ابن ٥٩٢/٩ وَهْب بلا خَبَرَ، وقد قال أحمد بن حَنبَل: حديث جَرِير بن حازِم كأنَّه/ على التَّوَهُّم. أو کما قال. قلت: لفظ الأثرَم عن أحمد: حدَّث بالوَهمِ بمِصرَ ولم يكن يحفظ، وكذا ذكر الساجيُّ. انتهى، وهذا ممَّا حدَّث به جَرِير بمِصرَ، لكن قد وافَقَه غيرُه على رفعه عن أيوب. نعم، قوله عن محمَّد: حدَّثنا سلمان بن عامر، هو الذي تفرَّد به. وبالجملة فهذه الطّرق يُقوِّي بعضُها بعضاً، والحديث مرفوع لا يَضُرّه رواية مَن وَقَفَه. (١) وقرن به أحمد عبد الله بن نمير. (٢) ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٣٣٥٨). (٣) تحرَّف في (أ) و(ع) و(س) إلى: بكير، مصغراً، وجاء على الصواب في (ب). (٤) كذا قال الحافظ رحمه الله، وتقدم ذلك منه في ((تغليق التعليق)) ٤٩٨/٤، مع أنه في النسخة التي بأيدينا من ((مشكل الآثار)) مرفوعاً، لكن أخرجه البيهقي ٩/ ٢٩٨ من طريق سليمان بن حرب، عن يزيد بن إبراهيم، موقوفاً، کما قال البخاري، فالله تعالى أعلم. ٥١٩ باب ٢ / ح ٥٤٧١- ٥٤٧٢ كتاب العقيقة قوله: ((مَعَ الغلام عَقيقة)) تَسَّكَ بمفهومِه الحسن وقَتَادة، فقالا: يُعَقِّ عن الصبيّ ولا يُعَقّ عن الجارية، وخالَفَهم الجمهور فقالوا: يُعَقّ عن الجارية أيضاً، وحُجَّتهم الأحاديث المصَرِّحة بذِكْر الجارية، وسأذكرها بعد هذا، فلو وُلِدَ اثنان في بطنِ استُحِبَّ عن كلّ واحد عَقيقة، ذكره ابن عبد البَرّ عن اللَّث، وقال: لا أعلم عن أحدٍ من العلماء خلافه. قوله: ((فأهريقوا عنه دَماً)) كذا أبهَمَ ما يُهراق في هذا الحديث، وكذا في حديث سَمُرة الآتي بعده، وفُسِّرَ ذلك في عِدّة أحاديث: منها: حديث عائشة أخرجه التِّرمِذيّ(١) (١٥١٣) وصَحَّحَه من رواية يوسف بن ماهَك: أنَّهم دخلوا على حفصة بنت عبد الرَّحمن - أي: ابن أبي بكر الصِّدّيق - فسألوها عن العَقيقة، فأخبَرَتهم [أنَّ عائشة أخبرتها](٢) أنَّ النبيّ وَلـ أمَرَهم عن الغلام شاتان مُكافِتَتان، وعن الجارية شاة. وأخرجه أصحاب السُّنَن الأربعة(٣) من حديث أمّ كُرز: أنَّها سألَت النبيّ وَلَّ عن العَقيقة، فقال: ((عن الغلام شاتان، وعن الجارية واحدة، ولا يَضُرّكم ذُكراناً كُنَّ أو إناثاً)). قال التِّرمِذيّ: صحيح. وأخرجه أبو داود (٢٨٤٢) والنَّسائيُّ (٤٢١٢) من رواية عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه رَفَعَه في أثناء حديث، قال: ((مَن أَحَبَّ أن يَنسُك عن ولده فليفعل: عن الغلام شاتان مُكافِئَتان، وعن الجارية شاة» قال داودُ بن قيس راويه عن عَمْرو: سألتُ زيد بن أسلَمَ عن قوله: مُكافئَتان، فقال: مُتَشابهتان تُذْبَحان جميعاً، أي: لا يُؤَخَّر ذَبح إحداهما عن الأُخرَى. وحكى أبو داود عن أحمد: المكافِئَتان: المقاربتان. قال الخطَّبيُّ: أي: في السِّنّ. وقال الَّتَشَريّ: معناه: معادٍلتان لمَا يُجزئ في الزكاة وفي الأُضحيَّة. وأوْلَى من ذلك كلّه ما وَقَعَ في رواية سعيد بن منصور(٤) في حديث أمّ كُرز من وجه آخر عن عُبيد الله بن أبي يزيد، بلفظ: (١) وهو أيضاً عند ابن ماجه (٣١٦٣). (٢) ما بين معقوفين لم يرد في الأصول ولا في (س)، والوجه إثباته، كما في ((جامع الترمذي))، والظاهر أنه سقط سهواً. (٣) أخرجه أبو داود (٢٨٣٤)، وابن ماجه (٣١٦٢)، والترمذي (١٥١٦)، والنسائي (٤٢١٦). (٤) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من أبي داود (٢٨٣٦). ٥٢٠ باب ٢ / ح ٥٤٧١ - ٥٤٧٢ فتح الباري بشرح البخاري ((شاتان مِثلان)). ووَقَعَ عند الطبرانيّ (٤٠٠/٢٥) في حديث آخر: قيلَ (١): ما المكافتَتَان؟ قال: المثلان. وما أشارَ إليه زيد بن أسلَمَ من ذَبح إحداهما عَقِب الأُخرى حسنٌ، ويحتمل الحَمل على المعنيَينِ معاً. وروى البزَّار (٨٨٥٧) وأبو الشَّيخ من حديث أبي هريرة، رَفَعَه: ((إنَّ اليهود تَعُقّ عن الغلام كَبشاً، ولا تَعُقّ عن الجارية، فعُقّوا عن الغلام كَبشَينِ وعن الجارية كَبشاً». وعند أحمد (٢٧٥٨٢) من حديث أسماء بنت يزيد (٢) عن النبيّ وَّ: ((العَقيقةُ حَقٌّ، عن الغلام شاتان مُكافِئَتان، وعن الجارية شاة)). وعن أبي سعيد نحو حديث عَمْرو بن شُعَيب، أخرجه أبو الشَّيخ، وتقدَّم حديث ابن عبّاس أوَّل الباب، وهذه الأحاديث حُجّة للجُمهورِ فِي التَّفرِقة بين الغلام والجارية. وعن مالك: هما سواء فيُعَقّ عن كلّ واحدٍ منهما شاةٌ، واحتُجَّ له بما جاء: أنَّ النبيَّ وَله عَقَّ عن الحسن والحسينِ كَبشاً كَبشاً. أخرجه أبو داود (٢٨٤١)، ولا حُجّة فيه، فقد أخرجه أبو الشَّيخ(٣) من وجه آخر عن عِكْرمة عن ابن عبّاس، بلفظ: كَبِشَينِ كَبِشَينٍ. وأخرج أيضاً من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّهمِثله. وعلى تقدیر ثُبُوت رواية أبي داود، فليس في الحديث ما تُرَدُّ به الأحاديث المتواردة في التَّنصيص على النَّنية للغلام، بل غايته أن يدلّ على جواز الاقتصار، وهو كذلك، فإنَّ العَدَد ليس شرطاً بل مُستَحَبّ. (١) رواية الطبراني هذه عن إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن حبيبة بنت ميسرة، عن أم كُرْز، وجاء فيها: قلت: ما المكافئتان؟ قال: المثلان، وكذلك جاء في ((مصنف عبد الرزاق)) (٧٩٥٣)، وهو من رواية الدبري أيضاً: قالت: قلتُ: وما المكافأة؟ قال: المثلان. فأفاد أنَّ ذلك من قول النبي وَّة، وخالف الدبَريَّ أحمدُ بنُ حنبل في ((مسنده)) (٢٧٣٧٢) وأحمد بن منصور الرمادي عند البيهقي ٩/ ٣٠١، ولا شكَّ أنهما أضبط وأوثق من الدبري، فقالا في روايتيهما: قلت لعطاء: ما المكافتان؟ فقال: المثلانه، فظهر أنَّ هذا التفسير في هذه الرواية من قول عطاء - وهو ابن أبي رباح - وأنّ السائل ابن جريج. (٢) وقع في إسناد هذا الحديث اختلاف عن مجاهد راويه عن أسماء، كما أوضحه الدار قطني في ((العلل)) (٤١٠١). (٣) كذا خرّجه الحافظ من أبي الشيخ؛ يعني من كتاب ((العقيقة)) له، وفاته أنَّ الحديث عند النسائي (٤٢١٩).