النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
باب ٤٨ / ح ٥٤٥٠
كتاب الأطعمة
وتَرَجَمَ أبو نُعَيم في ((الطِّبّ)): ((باب الأشياء التي تُؤْكَل معَ الرُّطَب ليذهب ضَرَرُه))
فساقَ هذا الحديث. لكن لم يَذكُر الزّيادة التي تَرجَمَ بها، وهي عند أبي داود (٣٨٣٦) في
حديث عائشة بلفظ: كان يأكل الطِّبِّيخ بالرُّطَب فيقول: ((نَكْسِرُ حَرَّ هذا بَبَرَدِ هذا، وبَردَ
هذا بَحَرِّ هذا)) والطِّبّيخ، بتقديم الطاء، لُغة في البِطّيخ بوَزنِهِ. والمراد به/ الأصفر، بدليلِ ٥٧٤/٩
ورود الحديث بلفظ الخِربز بَدَل البِطّيخ، وكان يَكثُر وجوده بأرضِ الحِجاز، بخلاف البِطّيخ
الأخضر.
تنبيه: سَقَطَت هذه التَرجمة وحديثُها من رواية النَّسَفيّ، ولم يَذكُرهما الإسماعيليّ أيضاً.
٤٨ - باب من أدخل الضِّيفان عشرةً عشرةً، والجلوسِ على الطَّعامِ عَشَرَةً عَشَرةً
٥٤٥٠- حدَّثني الصَّلْتُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا خَّادُ بنُ زيدٍ، عن الجَعْدِ أبي عثمانَ، عن أنسٍ.
وعن هشام، عن محمَّدٍ، عن أنسٍ. وعن سِناٍ أبي رَبِيعةَ، عن أنسٍ: أَنَّ أَمَّ سُلَيم - أمَّه - عَمَدَت
إلى مُدٍّ من شَعِيرٍ جَشَّتْه وجَعَلَت منه خَطِيفَةً، وعَصَرَت عُكّةً عندَها، ثمَّ بَعَثَتْني إلى النبيِّ ◌َّـ
فأتيتُه، وهو في أصحابه، فَدَعَوْتُه، قال: ((ومَن معي))، فجِئْتُ فقلتُ: إِنَّه يقول: ((ومَن معي))
فخَرَجَ إليه أبو طَلْحَةَ، قال: يا رسولَ الله، إنَّما هو شيءٌ صَنَعَتْه أمُّ سُلَيم، فدَخَلَ، فجِيءَ به،
وقال: ((أدْخِلْ عليَّ عَشَرَةً))، فأُدخِلُوا فأكَلوا حتَّى شَبِعوا، ثمَّ قال: ((أدْخِلْ عليَّ عَشَرَةً)، فدخلوا
فأكَلوا حتَّى شَبِعوا، ثمّ قال: ((أدْخِلْ عليَّ عَشَرَةً)). حتَّى عَّ أربعينَ، ثمَّ أكَلَ النبيُّ ◌َِّ، ثُمَّ قامَ،
فجَعَلْتُ أَنظُرُ هل نَقَصَ منها شيءٌ؟
قوله: ((باب مَن أدْخَلَ الضُّيفان عَشَرةً عَشَرَةً، والجلوسِ على الطَّعام عَشَرةً عَشَرَةً)) أي: إذا
احتِيجَ إلى ذلك لضيق الطَّعام، أو مكان الجلوس عليه.
قوله: ((عن الجَعْد أبي عثمان، عن أنس. وعن هشام، عن محمَّد، عن أنس. وعن سِنان أبي
رَبيعة، عن أنس)) هذه الأسانيد الثلاثة لحَّادِ بن زيد، وهشام: هو ابن حسَّان، ومحمَّد: هو
ابن سِيرِين. وسِنان أبو رَبيعة قال عياض: وَقَعَ في رواية ابن السَّكَن: سِنان بن أبي ربيعة،
وهو خطأ، وإنَّما هو سِنان أبو رَبيعة، وأبو رَبيعة كُنْيته.

٤٨٢
باب ٤٨ / ح ٥٤٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: الخطأ فيه مَمَّن دون ابن السَّكَن، وسِنان: هو ابن رَبيعة، وهو أبو رَبيعة وافَقَت
كُنْيته اسم أبيه، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وهو مقرون بغيره، وقد تَكلَّمَ
فيه ابنُ مَعِين وأبو حاتم، وقال ابن عَديٍّ: له أحاديث قليلة، وأرجو أنَّه لا بأس به.
قوله: ((جَشَّتْه)) بجيم وشين مُعجَمة، أي: جَعَلَته جَشيشاً، والجَشيش: دَقيق غير ناعِم.
قوله: ((خطيفة) بخاءٍ مُعجَمة وطاء مُهمَلة وزن عَصيدة ومعناه، كذا تقدَّم الجزم به في
((علامات النُُّوّة)) (٣٥٧٨)، وقيل: أصله أن يُؤْخَذ لَبَن ويُذَرَّ عليه دَقيقٌ ويُطبَخ ويَلعَقها الناس،
فيختَطِفُونها بالأصابع والملاعِقِ فسُمّيَت بذلك، وهي فَعِيلة بمعنى مفعولة، وقد تقدَّم شرح
هذه القصَّة مُستَوفَّى في ((علامات النُبوّة))، وسياق الحديث هناك أتمّ ممَّا هنا.
وقوله في هذه الرّواية: ((إنَّما هو شيءٍ صَنَعَته أمّ سُلَيم)) أي: هو شيء قليل، لأنَّ الذي
يَتَوَّى صُنْعَه امرأةٌ بِمُفرَدِها لا يكون كثيراً في العادة، وقد قَدَّمتُ في ((علامات النُُّوّة)) أنَّ في
بعض روايات مسلم ما يدلّ على أنَّ في سياق الباب هنا اختصاراً، مِثل قوله في رواية
يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس: فقال أبو طلحة: يا رسول الله، إنَّما أرسَلت
أنساً يَدعوك وحدَك، ولم يكن عندنا ما يُشبع مَن أرَى(١). وفي رواية عَمْرو بن عبد الله عن
أنس: فقال أبو طلحة: إنَّما هو قُرْص، فقال: ((إنَّ الله سَيُبارِكُ فيه))(٢).
قال ابن بَطّال: الاجتماع على الطَّعام من أسباب البَرَكة، وقد روى أبو داود (٣٧٦٤)
من حديث وحشيّ بن حَرْب رَفَعَه: ((اجتَمِعوا على طعامِكم، واذكروا اسم الله عليه
يُبارَك لكم))، قال: وإنَّما أدخَلَهم عَشَرَةً عَشَرَةً - والله أعلم - لأنَّها كانت قَصعةً واحدةً،
(١) لم يسُق مسلم لفظه بتمامه، فلم يرد فيه ما أشار إليه الحافظ، فلعل الحافظ أتى به من رواية أبي عوانة
(٨٣١٥) حيث ساقه بتمامه، وفيه هذا اللفظ المذكور.
(٢) لم يسُق مسلم لفظه أيضاً بتمامه، فلم يرد فيه هذا الذي ذكره الحافظ، وقد أخرجه من طريق عمرو بن
عبد الله بن أبي طلحة عن أنسِ الطبرانيُّ في ((الكبير)) ٢٥/ (٢٧٨) لكن لفظه: يا رسول الله، إنما أرسلت
أنساً يدعوك وحدك، ولم يك عندي ما يُشبع مَن أَرى، فقال رسول الله وََّ: ((ادخُل، فإنَّ الله عز وجل
سیُشبعهم بما عندك)) .

٤٨٣
باب ٤٩ / ح ٥٤٥١ - ٥٤٥٢
كتاب الأطعمة
ولا يُمكِن الجماعة الكثيرة أن يَقدِروا على / التَّنَاوُل منها معَ قِلّة الطَّعام، فجعلهم عَشَرةً ٥٧٥/٩
عَشَرةً ليتمكَّنوا من الأكل ولا يَزِدَحِموا. قال: وليس في الحديث المنعُ عن اجتماع أكثر مِن عشرة
على الطَّعام.
٤٩- باب ما يُكره من الثّوم والبقولِ
فيه ابنُ عمَرَ، عن النبيِّ وَل.
٥٤٥١- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن عبدِ العزيزِ، قال: قيل لأنسٍ: ما سمعتَ
النبيَّ وَّهِ فِي القُّومِ؟ فقال: «مَن أكَلَ فلا يَقْرَبَنَّ مسجدَنا».
٥٤٥٢- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا أبو صَفْوانَ عبدُ الله بنُ سعیدٍ، أخبرنا یونسُ، عن
ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني عطاءٌ، أنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله رَضِيَ الله عنهما زَعَمَ أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال:
((مَن أَكَلَ ثُوماً أو بَصلاً فلْيَعتَزِلْنا - أو ليَعتَزِلْ مسجدَنا.)).
قوله: ((باب ما يُكْرَه مِن الثّوم والبُقول)) أي: التي لها رائحة كريهة، وهل النَّهيُ عن
دخول المسجد لآكلِها على التَّعميم أو على مَن أكَلَ النِّيء منها دون المطبوخ؟ وقد تقدَّم بيان
ذلك في كتاب الصلاة (٨٥٦).
ثمَّ ذكر المصنّف ثلاثة أحاديث:
أحدها: قوله: ((فيه ابن عمر، عن النبيّ وَّ)) تقدَّم في أواخر صِفَة الصلاة قُبَيل كتاب
الجمعة (٨٥٣) من رواية نافع عن ابن عمر: أنَّ النبيّ ◌َّهِ قال في غزوة خَيْبَرَ: «مَن أكَلَ من
هذه الشَّجَرة - يعني الثُّوم - فلا يَقرَبَنَّ مسجدنا)).
ووَقَعَ لنا سببُ هذا الحديث، فأخرج عثمان بن سعيد الدَّارِميُّ في ((كتاب الأطعمة)) من
رواية أبي عَمْرو هو بشر بن حَرْب عنه، قال: جاء قومٌ مَجَلِسَ النبيِّينَ ﴿ وقد أكَلوا الثُّوم
والبَصَل، فكأنَّه تأذَّى بذلك، فقال، فذكره(١).
(١) وأخرجه أيضاً أحمد (١١٦٢٣) من طريق بشر بن حرب، لكن رواه عن أبي سعيد الخدري، وبشر بن
حرب ضعيف، وقد اختُلِفَ علیه في إسناده كما ترى، فلا اعتداد بروايته.

٤٨٤
باب ٥٠ / ح ٥٤٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
ثانيها: حديث أنس أورَدَه عن مُسدَّد، وتقدَّم في الصلاة (٨٥٦) عن أبي مَعمَر، كلاهما
عن عبد الوارث وهو ابن سعيد، عن عبد العزيز هو ابن صُهَيبٍ.
ثالثها: حديث جابر، وقد تقدَّم أيضاً هناك موصولاً ومُعلَّقاً، وفيه ذِكْر البُقول
(٨٥٤و ٨٥٥)، ولكنَّه اختَصَرَه هنا، وقوله(١): ((كُلْ فإنّي أُناجي من لا تُناجي)) فيه إباحتُه
لغيره وَ له حيث لا يَتأذَّى به المصَلّونَ، جمعاً بين الأحاديث.
واختُلِفَ في حَقِّه هو ◌َّةِ، فقيلَ: كان ذلك مُحرَّماً عليه، والأصحّ أنَّه مكروه لعُمومٍ
قوله: ((لا)) في جواب أحرام هو؟(٢) وحُجّة الأوَّل أنَّ العِلّة في المنعِ مُلازَمة الملَك له وَلِّ،
وأنَّ ما من ساعة إلّا ومَلَك يُمكِن أن يلقاه فيها.
وفي هذه الأحاديث بيان جواز أكل الثُّوم والبَصَل والكُرّاث، إلّا أنَّ مَن أَكَلَها يُكرَه له
حضور المسجد، وقد أحَقَ بها الفقهاء ما في معناها من البُقول الكريهة الرَّائحة كالفُجْل،
وقد وَرَدَ فيه حديثٌ في الطبرانيّ(٣). وقَيَّدَه عياض بمَن يَتَجَشَى منه، وألحَقَ به بعضُ الشافعيَّة
الشَّديد البَخَر، ومَن به چِراحة تَفوح رائحتُها.
واختُلِفَ في الكراهية: فالجمهور على التَّنزيه، وعن الظّاهريَّة التَّحريم، وأغرَبَ عياضُ
فنَقَلَ عن أهل الظّاهر: تحريم تناول هذه الأشياء مُطلَقاً لأنَّها تَمنَع من حضور الجماعة، والجماعة
فرضُ عَين، ولكن صَرَّحَ ابن حَزْم بالجواز، ثمَّ يَجَرُمُ على مَن تعاطى ذلك حضور المسجد،
وهو أعلمُ بمذهبه من غيره.
٥٠ - باب الكَبَاث، وهو ورقُ الأَرَاك
٥٤٥٣- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال:
أخبرني أبو سَلَمَةَ، قال: أخبرني جابرُ بنُ عبدِ الله، قال: كنَّا معَ رسولِ اللهِ وَّهِ بِمَرِّ الظَّهْران
(١) يعني في رواية جابر التي أشار إليها في الصلاة.
(٢) في حديث أبي أيوب الأنصاري عند مسلم (٢٠٥٣).
(٣) في ((الأوسط)) (١٩١)، وفي ((الصغير)) (٣٧) من حديث جابر بن عبد الله. وقد ضعَّف إسنادَه الحافظُ عند
شرحه للحدیث (٨٥٦)، وهو كذلك.

٤٨٥
باب ٥٠ / ح ٥٤٥٣
كتاب الأطعمة
نَجْني الكَبَاثَ، فقال: ((عليكم بالأسوَدِ منه، فإِنَّه أيطَبُ))، فقيل: أكنتَ تَرْعَى الغنمَ؟ قال:
((نعم، وهل من نبيٍّ إلّا رَعَاها؟!)).
٥٧٦/٩
قوله: ((باب الكَباث)) بفتح الكاف وتخفيف الموحّدة وبعد الألف مُثَلَّثة.
قوله: ((وهو ورَق الأراك» كذا وَقَعَ في رواية أبي ذرِّ عن مشايخه. وقال: كذا في الرِّواية،
والصَّواب: ثَمَر الأراك. انتهى، ووَقَعَ للنَّسَفيِّ: ثَمَر الأراك، ولِلباقينَ على الوجهَينِ. ووَقَعَ
عند الإسماعيليّ وأبي نُعَيم وابن بَطّالٍ: ورَق الأراك، وتَعقَّبَه الإسماعيليّ فقال: إنَّما هو ثَمَر
الأراك، وهو البَرير - يعني بموحَّدٍ وزن الحرير - فإذا اسوَدَّ فهو الكَباث. وقال ابن بَطّالٍ:
الكَباث: ثَمَر الأراك الغَضّ منه، والبَرير: ثمره الرَّطْب واليابس.
وقال ابن التِّين: قوله: ورَق الأراك، ليس بصحيح، والذي في اللّغة: أنَّه ثَمَر الأراك،
وقيل: هو نَضيجُه، فإذا كان طَرِيّاً فهو مُؤذٍ، وقيل عكس ذلك، وأنَّ الكَباث: الطَّريُّ،
وقال أبو عُبيد: هو ثَمَر الأراك إذا يَبْسَ، وليس له عَجَم. قال أبو زياد(١): يُشبه التّين يأكله
الناس والإبل والغنم، وقال أبو عَمْرو: هو حارّ كأنَّ فيه مِلْحاً. انتهى.
وقال عياض: الكَباث: ثَمَر الأراك، وقيل: نَضيجه، وقيل: غَضُّه. وقال شيخُنا ابن الملقِّن:
والذي رأيناه مِن نُسَخ البخاريّ: وهو ثَمَر الأراك، على الصَّواب. كذا قال، وقال الكِرْمانيُّ:
وَقَعَ في نُسَخ البخاريّ: ((وهو ورَق الأراك)) قيل: وهو خلاف اللُّغة.
قوله: ((بمَرِّ الظَّهْران)» بتشديد الرَّاء قبلها ميم مفتوحة والظّاء مُعجَمة، بلفظ تثنية الظّهر:
مكان معروف على مَرحَلة من مَكّة.
قوله: ((نَجْني)) أي: نَقْتَطِف.
قوله: ((فإنَّه أَيْطَبُ)) كذا وَقَعَ هنا، وهو لُغةٌ بمعنى أطيَب، وهو مقلوبه، كما قالوا: جَذَبَ
وجَبَذَ.
قوله: ((فقيلَ: أُكنتَ تَّرْعَى الغنم؟)) في السُّؤال اختصار، والتَّقدير: أكنتَ تَرعَى الغنم حتَّى
(١) هو أبو زياد الكلابي، أعرابيٌّ لغوي شاعر فصيح، له ترجمة في ((إنباه الرواة)) للقِفطي ٤/ ١٢٧.

٤٨٦
باب ٥١ / ح ٥٤٥٤ -٥٤٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
عَرَفت أطيَب الكَباث؟ لأنَّ راعي الغنم يَكثر تَرَدُّده تحت الأشجار لطلب المرعَى منها،
والاستظلال تحتها، وقد تقدَّم بيان ذلك في قصَّة موسى من أحاديث الأنبياء (٣٤٠٦)، وتقدَّم
الكلام على الحكمة في رَعْي الأنبياء الغنم في أوائل الإجارة (٢٢٦٢)، وأفادَ ابن التِّين عن
الدّاووديّ أنَّ الحكمة في اختصاصها بذلك لگونها لا تُركَب فلا تزهو نفسُ راکِیها.
قال: وفيه إباحة أكل ثَمَر الشَّجَر الذي لا يُملك، قال ابن بَطّالٍ: كان هذا في أوَّل الإسلام
عند عَدَم الأقوات، فإذ قد أغنى الله عباده بالحنطة والحبوب الكثيرة وسَعَة الرِّزق فلا حاجة
بهم إلى ثَمَر الأراك.
قلت: إن أراد بهذا الكلام الإشارة إلى كراهة تَناوُله فليس بمُسَلَّمٍ، ولا يَلزَم من وجود
ما ذُكِرَ مَنعُ ما أُبِيحَ بغير ثَمَن، بل كثيرٌ من أهل الوَرَع لهم رغبة في مثل هذه المباحات أكثر
من تَناوُل ما يُشتَرَى، والله أعلم.
تكملة: أخرج البيهقيُّ هذا الحديث في كتاب ((الدَّلائل)) (٢٩/٥) من طريق عُبيد بن
شَرِيك عن يحيى بن بُكَير بسندِه الماضي في أحاديث الأنبياء إلى جابر (٣٤٠٦)، فذكر هذا
الحديث، وقال في آخره: وقال: إنَّ ذلك كان يوم بدر، يوم جُمعة لثلاثَ عَشْرةَ بَقِيَت من رمضان.
قال البيهقيُّ: رواه البخاريّ عن يحيى بن بُكَير دون التاريخ. يعني دون قوله: إنَّ ذلك كان ...
إلى آخره، وهو كما قال، ولعلَّ هذه الزيادة من ابن شهاب أحد رواته.
٥١ - باب المضمضةِ بعد الطّعام
٥٤٥٤- حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ، عن بُشَيِرِ بنِ يَسارٍ، عن سُوَيدِ بنِ
النُّعْمان، قال: خَرَجْنا معَ رسولِ الله وَّه إلى خَيْبَرَ، فلمَّا كَّا بِالصَّهْبَاءِ دَعَا بطعامِ فما أَنِيَ إلّا بِسَوِيقٍ،
فأكَلْنا، فقامَ إلى الصلاةِ فتَمَضْمَضَ ومَضْمَضْنا.
٥٤٥٥- قال يحيى: سمعتُ بُشَيراً يقول: حدَّثنا سُوَيَدٌ: خَرَجْنا معَ رسولِ اللهِ وَهَ إِلَى خَيْرَ،
فلمَّا كنَّا بِالصَّهْباءِ - قال يحيى: وهي من خَييرَ على رَوْحةٍ - دَعَا بطعام، فما أَتِيَ إلّا بسَوِيقِ، فلُكْناه،
فأكَلْنا مِنْه، ثمَّ دَعَا بماءٍ فمَضْمَضَ ومَضْمَضْنا معه، ثمَّ صَلَّى بنا المغربَ ولم يَتَوضَّأ.

٤٨٧
باب ٥٢ / ح ٥٤٥٦
كتاب الأطعمة
وقال سفيانُ: كأنَّكَ تَسْمَعُه من یحیی.
قوله: ((باب الَمَضْمَضة بَعْد الطَّعام)) ذكر فيه حديث سُوَيد بن النُّعمان في المضمَضة بعد ٥٧٧/٩
السَّويق، وساقَه بسندٍ واحد بلفظَينٍ، قال في أحدهما: فأكَلنا، وزاد في الآخِر: فلُكناه.
وقد تقدَّم بإسنادِه ومتنه في أوائل الأطعمة (٥٣٨٤). وقال في آخره هُناكَ: قال: سمعته
منه عَوْداً على (١) بَدْء، وقال في آخره هنا: قال سفيان: كأنَّك تَسمَعه من يحيى بن سعيد،
وهو محمولٌ على أنَّ عليّاً - وهو ابن المَدِينيّ - سمعَه من سفيان مِراراً، فُرُبَّمَا غَيَّرَ في بعضها
بعض الألفاظ.
٥٢- باب لَعْق الأصابع ومَصِّها قبل أن تُسَح بالمِندیل
٥٤٥٦- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ
عبَّاسِ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال: ((إذا أكَلَ أحدُكم فلا يَمْسَح يدَه حتَّى يَلْعَقَها أو يُلْعِقَها)).
قوله: ((باب لَعْقِ الأصابع ومَصّها قبل أن تُمْسَح بالمِنْدِيلِ)) كذا قَيَّدَه بالمِنديل، وأشارَ
بذلك إلى ما وَقَعَ في بعض طرق الحديث، كما أخرجه مسلم (١٣٤/٢٠٣٣) من طريق
سفيان الثَّوريّ عن أبي الزُّبَير عن جابر بلفظ: «فلا يَمسَح يده بالمِنديلِ حتَّى يَلعَق أصابعه)»
لكنّ حديث جابر المذكور في الباب الذي يليه صريح في أنَّهم لم يكن لهم مناديل، ومفهومُه
يدلّ على أنَّهم لو كانت لهم مَناديل لَسَحوا بها، فيُحمَل حديث النَّهي على مَن وجَدَ، ولا
مفهوم له، بل الحُكم كذلك لو مَسَحَ بغير المنديل.
وأمَّا قوله في التَّرجمة: ((ومَصِّها)) فيشير إلى ما وَقَعَ في بعض طرقه عن جابر أيضاً، وذلك
فيما أخرجه ابن أبي شَيْبة (٢٩٤/٨) من رواية أبي سفيان عنه بلفظ: ((إذا طَعِمَ أحدكم فلا
يَمسَح يده حتَّى يَمَصَّها))، وذكر القَفّال في ((محاسن الشَّريعة)): أنَّ المراد بالمِنديلِ هنا المِنديل
المعَدّ لإزالة الزُّهُومة، لا المِنديل المعَدّ للمَسحِ بعد الغَسْل.
(١) كذا ذكره الحافظ متعدياً بعَلَى، وهو صحيح في العربية، ولكنّ الرّواية: عَوْداً وبَدْءاً، بالعطف، كذا في اليونينية
و «إرشاد الساري» دون حکایة خلاف بين رواة البخاري فیه.

٤٨٨
باب ٥٢ / ح ٥٤٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن عَمْرو بن دينار، عن عطاء)) في رواية الحُميديّ (٤٩٠) ومن طريقه الإسماعيليّ:
حدَّثنا عَمْرو بن دينار أخبرني عطاء.
قوله: ((عن ابن عبّاس)) في رواية ابن جُرَيج عند مسلم (١٣٠/٢٠٣١): سمعت عطاءً
سمعت ابنَ عبَّاس. زاد ابن أبي عمر(١) في روايته عن سفيان: سمعت عمر بن قيس يسأل
عَمْرو بن دينار عن هذا الحديث، فقال: هو عن ابن عبّاس، قال: فإنَّ عطاءً حدَّثناه عن جابر!
قال: حَفِظناه عن عطاء عن ابن عبّاس قبل أن يَقدَم علينا جابر. انتهى.
وهذا إن كان عمر بن قيس حَفِظَه احتَمَلَ أن يكون عطاء سمعَه من جابر بعد أن سمعَه
من ابن عبّاس، ويُؤْيِّده ثُبوته من حديث جابر عند مسلم وإن كان من غير طريق عطاء، وفي
سياقه زيادة ليست في حديث ابن عبّاس، ففي أوَّله (٢٠٣٣/ ١٣٤): ((إذا وقَعَت لُقمةُ أحدِكم
فليُمِط ما كان بها من أذّى ولا يَدَعْها للشَّيطان)) ثمَّ ذكر حديث الباب، وفي آخره زيادة أيضاً
سأذكرها، فلعلَّ ذلك سبب أخذ عطاء له عن جابر.
قوله: ((إذا أكَلَ أحدكُم)) زاد مسلم (١٢٩/٢٠٣١) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة وآخرينَ عن
سفيان: ((طعاما)، وفي رواية ابن جُرَيج (١٣٠/٢٠٣١): ((إذا أكَلَ أحدُكم مِن الطَّعام)).
٥٧٨/٩
قوله: ((فلا يَمْسَح يَده)» في حديث كعب بن مالك/ عند مسلم (١٣٢/٢٠٣٢): كان
رسولُ الله ◌َيَ يأكل بثلاثِ أصابع، فإذا فَرَغَ لَعِقَها. فيحتمل أن يكون أطلقَ على الأصابع
اليد، ويحتمل - وهو الأَولى - أن يكون المراد باليَدِ الكَفّ كلّها، فيَشمَل الحُكم مَن أكُلَ
بكَفِّه كلّها أو بأصابعِه فقط أو ببعضِها.
وقال ابن العربيّ في ((شرح التِّمِذيّ)): يدلّ على الأكل بالكَفِّ كلّها أَنَّه ◌َلِّ كان يَتعرَّق
العَظم ويَنهَش اللَّحم، ولا يُمكِن ذلك عادة إلّا بالكَفِّ كلّها. وقال شيخنا: فيه نظر، لأنَّه
(١) روى مسلم هذا الحدیث عن أربعة شیوخ عن سفيان بن عیینة، أحدهم ابن أبي عمر العدني، لكنه لم یذکر
في رواية ابن أبي عمر زيادة، فالظاهر أنها ثابتة في ((مسند ابن أبي عمر))، ومنه نقلها الحافظ، وقد أخرج ابن
ماجه (٣٢٦٩) الحديث عن ابن أبي عمر فذكرها، وذكرها أيضاً الحميدي في «مسنده)) (٤٩٠) عن سفيان
ابن عيينة، لكن عمر بن قيس المذكور هو المكّ المعروف بسَنْدل، وهو متروك الحديث.

٤٨٩
باب ٥٢ / ح ٥٤٥٦
كتاب الأطعمة
يُمكِن بالثلاث، سَلَّمنا لكن هو ◌ُمسِك بكَفِّه كلّها لا آكِلٌ بها، سَلَّمنا لكن مَحَلّ الضَّرورة لا يدلّ
على عُموم الأحوال.
ويُؤخَذ من حديث كعب بن مالك أنَّ السُّنّةَ الأكلُ بثلاث أصابع وإن كان الأكل
بأكثر منها جائزاً، وقد أخرج سعيد بن منصور عن سفيان: ((عن عُبيد الله بن أبي يزيد: أنَّه
رأى ابن عبّاس إذا أكَلَ لَعَقَ أصابعه الثلاث)). قال عياض: والأكل بأكثر منها من الشَّرَهِ
وسوء الأدب وتكبير اللَّقمة، ولأنَّه غير مُضطَرّ إلى ذلك لجمْعِه اللُّقمةَ وإمساكِها من
جِهاتها الثلاث، فإن اضطُرَّ إلى ذلك لِقّة الطَّعام وعَدَم تَلفيفه بالثلاثِ فَيَدعَمُه بالرَّابعة أو
الخامسة.
وقد أخرج سعيد بن منصور من مُرسَل ابن شِهاب: أنَّ النبيَّ وَّ كان إذا أكَلَ أَكَلَ
بخمسٍ. فيُجمَع بينه وبين حديث كعب باختلاف الحال.
قوله: ((حتَّى يَلْعَقها)) بفتح أوَّله من الثَّلاثيّ، أي: يَلعَقها هو ((أو يُلْعِقها)) بضمٌ أوَّله من
الرُّباعيّ، أي: يُلعِقها غيره. قال النَّوَويّ: المراد إلعاق غيره ممَّن لا يَتَقَذَّر ذلك من زوجة
وجارية وخادِمٍ ووَلَد، وكذا مَن كان في معناهم كَتِلميذٍ يَعتَقِد البَرَكة بلَعِقِها، وكذا لو
ألعَقَها شاةً ونحوها.
وقال البيهقيُّ: إنَّ قوله: ((أو)) شَكّ من الراوي. ثمَّ قال: فإن كانا جميعاً محفوظَينٍ فإنَّما
أراد أن يُلعِقَها صغيراً أو مَن يعلم أنَّه لا يَتَقَذَّر بها، ويحتمل أن يكون أراد أن يُلحِق إصبَعه
فمَه فيكون بمعنى يَلعَقها، يعني فتكون ((أو)) للشَّكِّ.
قال ابن دقيق العيد: جاءت عِلّة هذا مُبَّنَةً في بعض الرِّوايات ((أَنَّه لا يَدري في أيِّ
طعامه البَرَكة))، وقد يُعلَّل بأنَّ مَسحها قبل ذلك فيه زيادة تلويث لمَا يُمسَح به معَ الاستغناء
عنه بالرّيق، لكن إذا صَحَّ الحديث بالتَّعليلِ لم يُعدَل عنه.
قلت: الحديث صحيح، أخرجه مسلم في آخر حديث جابر (٢٠٣٣/ ١٣٤)، ولفظه من
حديث جابر: ((إذا سَقَطَت لُقمة أحدكم فليُمِط ما أصابها من أذّى وليأكلها، ولا يَمسَح يده

٤٩٠
باب ٥٢ / ح ٥٤٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
حتَّى يَلعَقها أو يُلعِقها، فإنَّه لا يَدري في أيّ طعامه البَرَكة)). زاد فيه النَّسائيُّ (ك٦٧٣٦)
من هذا الوجه: ((ولا يَرفَع الصَّحْفة حتَّى يَلعَقَها أو يُلعِقها)). ولأحمد (٤٥١٤) من حديث
ابن عمر نحوه بسندٍ صحيح، ولِلطَّبَرانيّ (٥٤٣٤) من حديث أبي سعيد نحوه، بلفظ: «فإنَّه
لا يدري في أيِّ طعامه يُبارك له». ولمسلم نحوه من حديث أنس (٢٠٣٤)، ومن حديث أبي
هريرة أيضاً (٢٠٣٥).
والعِلّة المذكورة لا تَمنَع ما ذكره الشَّيخ، فقد يكون للحُكمِ عِلَّتان فأكثر، والتَّنصيص
على واحدة لا يَنفي غيرها، وقد أبدَى عياض عِّة أُخرى فقال: إنَّما أمَرَ بذلك لئلا يُتَهاوَن
بقليلِ الطَّعام.
قال النَّوَويّ: معنى قوله: ((في أيِّ طعامه البَرَكة)): أنَّ الطَّعام الذي يَحِضُرُ الإنسان
فيه بَرَكةٌ، ولا يَدري أنَّ تلكَ البَرَكة فيما أكَلَ، أو فيما بَقِيَ على أصابعه، أو فيما بَقِيَ في
أسفل القَصْعة، أو في اللَّقمة الساقطة، فينبغي أن يُحافِظ على هذا كلّه لتحصيلِ البَرَكة.
انتھی.
وقد وَقَعَ لمسلم (٢٠٣٣/ ١٣٥) في رواية أبي سفيان عن جابر في أوَّل الحديث: ((إنَّ
الشَّيطان تحضُر أحدَكُم عند كلّ شيء من شأنه، حتَّى تَحَضُره عند طعامه، فإذا سَقَطَت من
أحدكم اللَّقمةُ فليُمِطْ ما كان بها من أذّى ثمَّ ليأكلها، ولا يَدعْها للشَّيطان)). وله نحوه في
حديث أنس (٢٠٣٤) وزاد: وأمَرَ بأن تُسْلَت القَصعةُ. قال الخطَّبيُّ: السَّلْتُ: تَتَبُّع ما تبقَّى
فيها من الطَّعام.
قال النَّوَويّ: والمراد بالبَرَكة ما تَحصُل به التَّغذية، وتَسلم عاقِبَتَه من الأَذَى، ويُقَوِّي على
الطاعة، والعلم عند الله.
وفي الحديث رَدٌّ على مَن كَرِهَ لَعق الأصابع استقذاراً، نعم يَحصُل ذلك لو فعَلَه في أثناء
٥٧٩/٩ الأكل، لأنَّه يُعيد أصابعه في الطَّعام وعليها أثرُ ريقه. قال الخطَّبيُّ: عابَ قوم أفسَدَ عقلهم /
الثَّرَقُّهُ، فَزَعَموا أنَّ لَعَقَ الأصابع مُستَقْبَح، كأنَّهم لم يعلموا أنَّ الطَّعام الذي عَلِقَ بالأصابع أو

٤٩١
باب ٥٣ / ح ٥٤٥٧
كتاب الأطعمة
الصَّحفة جزء من أجزاء ما أكَلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مُستَقْذَراً لم يكن الجزء اليسير منه
مُستَقَذَراً، وليس في ذلك أكثر من مَصّه أصابعه بباطِنِ شَفَتَيه. ولا يَشُكّ عاقل في أن لا بأس
بذلك، فقد يُمَضِمِض الإنسانُ فيُدخِل إصبعه في فيه فيَدْلُكُ أسنانه وباطِن فمه، ثمَّ لم يَقُل أحد:
إنَّ ذلك قَذارةٌ أو سوءُ أدَب.
وفيه استحباب مَسح اليد بعد الطَّعام، قال عياض: مَحَّه فيما لم يَحَتَجْ فيه إلى الغَسل ممّاً
ليس فيه غَمَرٌ ولُزوجةٌ مَمَا لا يُذهِبِه إلّ الغَسْل، لما جاء في الحديث من التَّرغيب في غَسْله
والحَذَر من تَركه. كذا قال، وحديث الباب يقتضي مَنع الغَسل والمسح بغير لَعق، لأنَّه
صريح في الأمر باللَّعْقِ دونهما تحصيلاً للبَرَكة، نعم قد يَتَعَيَّن النَّدب إلى الغَسْل بعد اللَّعق
لإزالة الرائحة، وعليه يحمل الحديث الذي أشارَ إلیه، وقد أخرجه أبو داود (٣٨٥٢) بسندٍ
صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة رَفَعَه: ((مَن باتَ وفي يده غَمَرٌ ولم يَغِلْه فأصابه
شيء فلا يَلُومَنَّ إلّ نفسَه)) أخرجه التِّرمِذيّ (١٨٦٠) دون قوله: ((ولم يَغْسِله)). وفيه
المحافظة على عَدَم إهمال شيء من فضل الله كالمأكولِ أو المشروب وإن كان تافهاً حَقيراً في
العُرف.
تكملة: وَقَعَ في حديث كعب بن عُجرة عند الطبرانيّ في ((الأوسط)) (١٦٤٩) صِفَةُ لَعق
الأصابع، ولفظه: رأيتُ رسولَ الله ◌َ لا يأكل بأصابعِه الثلاث: بالإبهام والتي تليها والوُسطَى،
ثَمَّ رأيته يَلعَق أصابعه الثلاث قبل أن يَمسَحها: الوُسطَى، ثمَّ التي تليها، ثمَّ الإبهام، قال
شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): كأنَّ السِّ فيه أنَّ الوُسطَى أكثر تلويثاً لأنَّها أطول فيَبقَى فيها
من الطَّعام أكثر من غيرها، ولأنَّها لطولها أوَّل ما تَنزِل في الطَّعام، ويحتمل أنَّ الذي يَلعَق
يكون بطن كَفّه إلى جهة وجهه، فإذا ابتَدَأ بالوُسطَى انتَقَلَ إلى السَّابة على جهة يمينه
وكذلك الإبهام، والله أعلم.
٥٣- باب المندیل
٥٤٥٧ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ المنْذِرِ، قال: حدَّثني محمَّدُ بنُ فُلَیح، قال: حدَّثني أَبي، عن سعيد

٤٩٢
باب ٥٤ / ح ٥٤٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
ابن الحارثِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رَضِيَ الله عنهما: أنَّه سألَه عن الوضوءِ ممَّا مَسَّتِ النارُ، فقال:
لا، قد كنّا زمانَ النبيِّوََّ لا نَجِدُ مِثْلَ ذلك من الطَّعام إلّا قَلِيلاً، فإذا نحنُ وَجَدْناه لم يكن لنا
مَنادِيلُ إلَّا أَكُفَّنَا وسواعدَنا وأقدامَنا، ثمَّ نُصَلّي ولا نَتَوضَّأ.
قوله: ((باب المِنْديل)) تَرجَمَ له ابن ماجه: ((مَسح اليد بالمنديلِ))(١).
قوله: ((حذَّثني محمَّد بن فُلَيح)) أي: ابن سليمان المدنيّ.
قوله: ((حدَّثني أبي، عن سعيد بن الحارث)) أي: ابن أبي المعلّ الأنصاريّ، وقد أخرجه
ابن ماجه (٣٢٨٢) من رواية ابن وَهْب عن محمَّد بن أبي يحيى عن أبيه عن سعيد، فجَزَمَ
أبو نُعَيم في ((المستخرَجِ)) بأنَّ محمَّد بن أبي يحيى هو ابن فُلَيح، لأنَّ فُلَيحاً يُكْنى أبا يحيى،
وهو معروف بالرِّواية عن سعيد بن الحارث.
وقال غيره: هو محمَّد بن أبي يحيى الأسلمي والد إبراهيم شيخ الشافعيّ، واسم أبي
يحيى سَمعان، وكأنَّ الحامل على ذلك كَون ابن وَهْب يَروي عن فُلَیح نفسه، فاستَبعَدَ قائل
ذلك أن يَروي عن ابنه محمَّد بن فُلَيِح عنه، ولا عَجَب في ذلك. والذي تَرَجَّحَ عندي
الأوَّل، فإنَّ لفظهما واحد.
قوله: ((سألَه عن الوضوء ثمَّا مَسَّت النار)) في رواية الإسماعيليّ من طريق أبي عامر
عن فُلَيح عن سعيد: قلت لجابرٍ: هل عليَّ فيما مَسَّت النار وُضوء؟)) وقد تقدَّم حُكم
٥٨٠/٩ المسح في الباب الذي قبله، وحُكم الوضوء ممّا مَسَّت النار/ في كتاب الطَّهارة
(٢٠٧ و٢٠٨).
٥٤ - باب ما يقولُ إذا فَرَغ من طعامه
٥٤٥٨- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن ثَوْرٍ، عن خالدِ بنِ مَعْدَانَ، عن أبي
أمامةَ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان إذا رَفَعَ مائدَتَه قال: ((الحمدُ لله كثيراً طيِّباً مُبارَكاً فيه، غيرَ مَكْفِيٍّ
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله! والذي في النسخ الخطية التي بين أيدينا من ((سنن ابن ماجه)): باب مسح اليد بعد
الطعام.

٤٩٣
باب ٥٤ / ح ٥٤٥٨-٥٤٥٩
كتاب الأطعمة
ولا مُؤَدَّعٍ ولا مُسْتَغْنَى عنه رَبُّنَا».
[طرفه في: ٥٤٥٩]
٥٤٥٩- حدَّثنا أبو عاصم، عن ثَوْرِ بنِ يزيدَ، عن خالدِ بنِ مَعْدانَ، عن أبي أمامةَ: أنَّالنبيَّ ◌َه
كان إذا فَرَغَ من طعامِه - وقال مَرَّةً: إذا رَفَعَ مائدَتَه - قال: الحمدُ لله الذي كَفانا وأَرْوانا، غيرَ
مَكْفِيٍّ ولا مَكْفُورٍ)).
وقال مرَّةً: ((لك الحمدُ رَبَّنا، غيرَ مَكْفِيٍّ ولا مُوَذَّعٍ ولا مُسْتَغْنَى رَبُّنَا».
قوله: ((باب ما يقول إذا فَرَغَ من طعامه)) قال ابن بَطّالٍ: اتَّفَقوا على استحباب الحمد بعد
الطَّعام، ووَرَدَت في ذلك أنواع، يعني لا يَتَعيَّن شيءٌ منها.
قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوريّ، وَثَور بن يزيد: هو الشّاميّ، وأوَّل اسم أبيه ياء تحتانيَّة. وقد
أورَدَ البخاريّ هذا الإسناد عن ثَور نازِلاً، ثمَّ أورَدَه عالياً عنه ومَداره في أكثر الطُّرق عليه.
وقد تابَعَه في بعضه عامر بن جَشيب، وهو بفتح الجيم وكسر الشّين المعجمة وآخره
موخَّدة وزن عظيم، أخرجه الطبرانيُّ (٧٤٧٢)، وابن أبي عاصم(١) من طريقه فقال في
سياقه: عن عامر عن خالد قال: شَهِدنا صَنيعاً - أي: وليمةً - في مَنزِل عبد الأعلى ومَعَنا
أبو أُمامةَ. وذَكَره البخاريّ في ((تاريخه)) (٦٩/٦) من هذا الوجه فقال: عَبد الأعلى بن هلال
السُّلَميّ.
قوله: ((إذا رَفَعَ مائدَتَه)) قد ذكره في الباب بلفظ: إذا فَرَغَ من طعامه. وأخرجه الإسماعيليّ
من طريق وكيع عن ثَور بلفظ: إذا فَرَغَ من طعامه ورُفِعَت مائدتُه. فجَمَعَ اللَّفْظَين(٢)، ومن
وجه آخر عن ثَور بلفظ: إذا رُفِعَ طعامُه من بين يَدَيه. ووَقَعَ في رواية عامر بن جَشِيب بسندِه
(١) عجباً للحافظ رحمه الله كيف ذهل عن تخريج متابعة عامر بن جشيب هذا من ((مسند أحمد)) (٢٢٢٥٦)، ومن
((سنن النسائي الكبرى)) (٦٨٦٨)، وهي أيضاً في ((صحيح ابن حبان)) (٥٢١٧)، ولم نقف عليه في شيء من
كتب ابن أبي عاصم المطبوعة، فالظاهر أنه في كتاب ((الأطعمة)) له، ولم نَرَه مطبوعاً. وقد تابع ثوراً وعامراً عليه
أيضاً بَحِير بن سعد الحمصي عند ابن حبان (٥٢١٨).
(٢) وهو أيضاً عند أحمد (٢٢١٦٨)، لكن بلفظ: ((أو رفعت مائدته)). على الشك، فالله أعلم.

٤٩٤
باب ٥٤ / ح ٥٤٥٨-٥٤٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
عن أبي أمامةَ: عَلَّمَني رسولُ الله وَلِّ أقول عند فراغي من الطَّعام ورَفْع المائدة(١)، الحديث.
وقد تقدَّم أنَّه وَّه لم يأكل على خِوان قَطُّ (٥٣٨٦)، وقد فَسَّروا المائدة بأنَّها خِوان عليه
طعامٌ، وأنَّ بعضهم أجابَ بأنَّ أنساً ما رأى ذلك ورآه غيرُه، والمُثبِتُ مُقدَّمٌ على النافي، أو
المراد بالخِوان صِفَة مخصوصة، والمائدة تُطلَق على كلّ ما يوضَع عليه الطَّعام، لأنَّها إمّا من
مادَ يَميد: إذا تَحَرَّكَ، أو أطعَمَ، ولا يَخْتَصّ ذلك بصِفَةٍ مخصوصة، وقد تُطلَق المائدة ويُراد بها
نفسُ الطَّعام أو بَقِيَّتُه أو إناؤُه، وقد نُقِلَ عن البخاريّ أنَّه قال: إذا أُكِلَ الطَّعام على شيء ثمَّ
رُفِعَ قيل: رُفِعَت المائدة.
قوله: ((الحمد لله كثيراً)) في رواية الوليد عن ثَور عند ابن ماجه (٣٢٨٤): «الحمدُ لله
حَمداً كثيراً» .
قوله: ((غير مَكْفيٍّ)) بفتح الميم وسكون الكاف وكسر الفاء وتشديد التَّحتانيَّة. قال ابن بَطّالٍ:
يحتمل أن يكون من كَفَأتُ الإناء، فالمعنى: غیر مردودٍ علیه إنعامُه. ويحتمل أن يكون من
الكِفاية، أي: إنَّ الله غيرُ مَكفيٍّ رِزَ عِباده، لأنَّه لا يكفيهم أحدٌ غيره.
وقال ابن التِّين: أي: غير مُحتاج إلى أحد، لكنَّه هو الذي يُطعِم عِباده ويكفيهم. وهذا قول
الخطَّبيّ بمعناهُ. وقال القَزّاز: معناه أنا غير مُكتفٍ بنفسي عن كِفايته، وقال الدّاووديّ: معناه:
لم أكتَفِ مِن فضل الله ونِعمَته. قال ابن التِّين: وقول الخطّابِيِّ أوْلى، لأنَّ مفعولاً بمعنى مُفتَعِل فيه
بُعدٌ وخروجٌ عن الظّاهر.
وهذا كلّه على أنَّ الضَّمير لله عزّ وجلّ، ويحتمل أن يكون الضَّمير للحَمْد، وقال إبراهيم
٥٨١/٩ الحَرْبيّ: الضَّمير للطَّعام، ومَكفيّ بمعنى مقلوب/من الإكفاء، وهو القلب، غير أنَّه لا يكفي
(١) كذا ذكر الحافظ أنَّ هذا لفظ عامر بن جشيب، وهو وهمٌّ منه رحمه الله، فلم نجد هذا اللفظ لعامٍ في شيء مما
بأيدينا من مصادر التخريج، إلّا إن كان عند ابن أبي عاصم، وهو احتمال غير قوي، لأنَّ الذين خرَّجوا هذا
الحديث من طريق عامر ممن أشرنا إلى بعضهم قد ذكروه بلفظ: سمعت رسول الله وَله يقول عند انقضاء
الطعام، وأمّا اللفظ الذي ذكره الحافظ فهو لفظ رواية راشد بن سعد وحبيب بن عبيد أنهما سمعا أبا أمامة يقول:
علمني ... وليس فيه: ورفع المائدة، أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٧٥١٤)، وابن منده في ((التوحيد)) (١٤٢).

٤٩٥
باب ٥٤ / ح ٥٤٥٨ - ٥٤٥٩
كتاب الأطعمة
الإناء للاستغناءِ عنه. وذكر ابن الجَوْزيّ عن أبي منصور الجَوَاليقيّ: أنَّ الصَّواب غير مُكافَاً
بالهمزة، أي: إنَّ نِعمة الله لا تُكافَاً.
قلت: وثَبَتَت هذه اللَّفظة هكذا في حديث أبي هريرة(١)، لكنَّ الذي في حديث الباب: (غیر
مکفيّ)» بالياء، ولِكلِّ معنَى.
قوله في الرواية الأخرى: «كَفانا وأرْوانا)» هذا يُؤْيِّد عَوْدَ الضَّمير إلى الله تعالى، لأنَّه تعالى
هو الكافي لا المكفي، وكَفانا هو من الكِفاية، وهي أعَمّ من الشِّبَع والرِّيّ وغيرهما، فأروانا
على هذا من الخاصّ بعد العامّ. ووَقَعَ في رواية ابن السَّكَن عن الفِرَبْريّ: ((وآوانا)» بالمدِّ من
الإيواء.
ووَقَعَ في حديث أبي سعيد عند أبي داود(٢) (٣٨٥٠): ((الحمد لله الذي أطعَمَنا وسَقانا
وجَعَلَنا مسلمينَ)). ولأبي داود (٣٨٥١) والتِّرمِذيّ من حديث أبي أيوب: ((الحمد لله الذي
أطعَمَ وسَقَى وسوَّغَه وجَعَلَ له تَخَرَجاً))، وأخرج النَّسائيُّ (ك١٠٠٦٠) وصَخَّحَه ابنُ حِبّان
(٥٢١٩) والحاكم (٥٤٦/١) من حديث أبي هريرة ما في حديث أبي سعيد وأبي أُمامةَ
وزيادة في حديث مُطَوَّل، ولِلنَّسائيِّ (ك٦٨٧١) من طريق عبد الرّحمن بن جُبَير المِصريّ أنَّه
حدَّثه(٣) رجلٌ خَدَمَ النبيّ ◌َله ثمان سنين: أنَّه كان يسمع النبيَّ ◌َّهِ إذا قُرِّبَ إليه طعامُه
يقول: ((بسمِ الله)) فإذا فَرَغَ قال: ((اللهمَّ أطعَمتَ وسَقَيتَ وأغنَيَتَ وأقْنَيَتَ وهَدَيتَ وأحيَيتَ،
فلك الحمد على ما أعطَيتَ)). وسنده صحيح.
قوله في الرواية الأخرى: ((ولا مَكْفورٍ)) أي: مَجَحودٍ فضلُه ونِعمَتُه. وهذا مما يُقوِّي أَنَّ
الضَّمير لله تعالى.
قوله: ((ولا مُؤَذَّع)) بفتح الدّال الثَّقيلة، أي: غير متروك، ويحتمل كسرها على أنَّه حال من
القائل، أي: غير تارك.
(١) سيأتي تخريجه بعد قليل.
(٢) وإسناده ضعيف.
(٣) لم يقع التصريح بسماعه عند النسائي، وإنما وقع عند أحمد (١٦٥٩٥)!

٤٩٦
باب ٥٥ / ح ٥٤٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ولا مُسْتَغْنَى عنه)) بفتح النُّون وبالتَّنوين.
قوله: ((رَبُّنَا)) بالرَّفع على أنَّه خَبَرَ مُبْتَدَأ محذوف، أي: هو رَبُّنا، أو على أنَّه مُبْتَدَأْ خَبَرَه
مُتَقَدٍّ ويجوز النَّصب على المدح أو الاختصاص أو إضمار أعني. قال ابن التِّين: ويجوز الجرّ
: الضَّمير في عنه. وقال غيره: على البَدَل من الاسم في قوله: ((الحمد لله)).
على أنَّه .
وقال ابن الجَوْزيّ: ((رَبّنا)) بالنَّصب على النِّداء معَ حَذْف أداة النِّداء. قال الكِرْمانيُّ: بحَسَب
رَفْع ((غير))، ونَصْبِهِ(١) وَرَفْعِ «رَبّنا)) ونَصْبه، والاختلاف في مَرْجِع الضَّمير، تكثُرُ التَّوْجيهات
في هذا الحديث.
٥٥- باب الأکل مع الخادم
٥٤٦٠- حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدٍ هو ابنُ زیادٍ، قال: سمعتُ أبا
هريرةَ، عن النبيِّ نَ ◌ّهِ، قال: ((إذا أتى أحدَكُم خادِمُه بطعامِه فإن لم يُجْلِسْه معه فلْيُناوِلْه ◌ُكْلةً أو
أُكْلَتَيْنِ - أو لُقْمةً أو لُقْمَتَينِ - فإنَّه وليَ حَرَّه وعِلاجَه)) .
قوله: ((باب الأكل معَ الخادِمِ)) أي: على قصد التَّواضُع، والخادِمِ يُطلَق على الذَّكَر والأُنَى
أَعَمّ من أن يكون رقيقاً أو حُرّاً، مَحَلّه فيما إذا كان السَّيِّد رجلاً أن يكون الخادِمِ إذا كان أُنْشَى
مِلکه، أو محرمه، أو ما في حُكمه وبالعكس.
قوله: ((محمَّد بن زیادٍ» هو الجُمَحيّ.
قوله: ((إذا أتى أحدَكُم)) بالنَّصب (خادِمُه)) بالرَّفعِ.
قوله: ((فإن لم يُخْلِسه معه)) في رواية مسلم (١٦٦٣): ((فليُقَعِدْه معه فليأكل)» وفي رواية
إسماعيل بن أبي خالد عن أبيه عن أبي هريرة عند أحمد (١٠١٢٥) والتِّرمِذيّ (١٨٥٣):
«فليُجلِسه معه، فإن لم يجلِسه معه فلیُناوِله))، وفي رواية لأحمد (١٠٥٦٧) عن عجلان عن
أبي هريرة: «فادعُه فإن أبى فأطعِمه منه))، ولابن ماجه (٣٢٩٠) من طريق جعفر بن رَبيعة عن
(١) وقع في الأصول و(س): بحسب رفع ((غير)) أي: ونصبه ... بإقحام لفظة ((أي))، ولا معنى لذكرها، لأنَّ العبارة
كلها عبارة الكرماني في شرحه المسمى: ((الكواكب الدراري» ٦٥/٢٠.

٤٩٧
باب ٥٥ / ح ٥٤٦٠
كتاب الأطعمة
الأعرج عن أبي هريرة: ((فليَدعُه فليأكل معه، فإن لم يفعل)) وفاعل (أبَى)) وكذا ((إن لم يفعل))
يحتمل أن يكون السَّيِّد، والمعنى: إذا تَرَفَّعَ عن مُؤاكَلة غلامه، ويحتمل أن يكون الخادِمِ إذا
تَواضَعَ عن مُؤْاكَلة سَيِّدِه، ويُؤْيِّد الاحتمال الأوَّل أنَّ في رواية جابر عند أحمد (١٤٧٣٠): أمَرَنا (١)
أن ندعوه، فإن کَرِه أحدُنا أن/ یطعم معه فليُطعِمه في يده. وإسناده حسن(٢).
٥٨٢/٩
قوله: «فلْيُّاوِلْه ◌ُكْلة أو أُكْلَتَين)) بضمِّ الهمزة، أي: اللُّقمة، و((أو)) للتَّقسيمِ بحَسَب حال
الطَّعام وحال الخادِمِ.
وقوله: ((أو لُقمة أو لُقْمَتَينٍ)) هو شَكّ من الراوي، وقد رواه التِّرمِذيّ (١٨٥٣) بلفظ:
((لُقمة)) فقط، وفي رواية مسلم (١٦٦٣) تقييد ذلك بما إذا كان الطَّعام قليلاً، ولفظه: ((فإن
کان الطَّعامِ مَشفُوهاً قليلاً)، وفي رواية أبي داود: ((يعني قليلاً(٣)، فليضع في يده منه ◌ُكلة أو
أُكْلِتَيْن)) قال داود (٤): يعني لُقمة أو لُقْمَّتَيْن. ومُقْتَضَى ذلك أنَّ الطَّعام إذا كان كثيراً فإمّا أن يُقْعِده
معه، وإمّا أن يجعل حَظّه منه كثيراً.
قوله: «فإنَّه وَلِيَ خَرَّه)» أي: عند الطّبْخ ((وعلاجه)) أي: عند تحصیل آلاته، وقبل وضع
القِدر على النار، ويُؤخَذ من هذا أنَّ في معنى الطَّاخ حاملَ الطَّعام، لوجودِ المعنى فيه، وهو
تَعلَّق نفسِه به، بل يُؤخَذ منه الاستحباب في مُطلَق خَدَم المرء مَمَّن يُعايِن(٥) ذلك، وإلى ذلك يومِئ
(١) الضمير ينصرف إلى النبي وَّة، وقد جاء مصرحاً بذكره في ((المسند))، فلا ندري لم عَدَلَ الحافظُ عن ذكره،
أو أنَّ حذفه وقع من بعض النُّاخ سهواً، والله أعلم.
(٢) كذا حسّن الحافظُ رحمه الله إسنادَه، مع أنَّ فيه ابن لهيعة والراوي عنه ليس أحد الذين تقبل رواية ابن
لهيعة من طريقهم، كابن وهب وابن المبارك، ونحوهما، ثم إنَّ له طريقاً هي أصح من هذه ذهل عنها
الحافظ، وهي عند البخاري في ((الأدب المفرد)» (١٩٨).
(٣) قوله: ((يعني قليلاً)) ثابت في نسخة الحافظ التي بخطه لـ((سنن أبي داود))، ونحن تركنا ذكرها في طبعتنا
المحقّقة للسنن لعدم ثبوتها في أکثر الروايات عن أبي داود.
(٤) وقع في الأصول و(س): قال أبو داود، بإقحام لفظة: ((أبو))، وهو سبق قلم من الحافظ رحمه الله أو من
بعض النسّاخ، وإنما هو داود بن قيس أحد رواة الحديث، وقوله هذا ثابت في رواية مسلم، ولم يذكره
أبو داود.
(٥) تحرَّف في (س) إلى: يُعاني.

٤٩٨
باب ٥٥ / ح ٥٤٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
إطلاقُ التَّرجمة، وفي هذا تعليل الأمر المذكور، وإشارة إلى أنَّ للعينِ حَظّاً في المأكول فينبغي
صَرفُها بإطعام صاحبها من ذلك الطَّعام لتَسكُن نفسه فيكون أكَفَّ لشَرِّه.
قال المهلَّب: هذا الحديث يُفسِّر حديث أبي ذرٍّ في الأمر بالتَّسوية معَ الخادِم في المطعم
والملبس، فإنَّه جَعَلَ الخِيار إلى السَّيِّد في إجلاس الخادِم معه وتَركه.
قلت: وليس في الأمر في قوله في حديث أبي ذرٍّ: ((أطعِموهم ممَّا تَطعَمونَ))(١) إلزامٌ
بِمُؤاكَلة الخادِمِ، بل فيه أن لا يَستأثرِ عليه بشيءٍ، بل يَشرَكه في كلّ شيء، لكن بحَسَب ما
يَدفَع به شَرَّ عینه.
وقد نَقَلَ ابن المنذر عن جميع أهل العلم: أنَّ الواجب إطعام الخادِم من غالب القوتِ
الذي يأكل منه مِثْلُه في تلكَ البَلَد، وكذلك القول في الأُدُم والكِسوة، وأنَّ للسَّيِّدِ أن يَستأثِر
بالنَّفيسِ من ذلك، وإن كان الأفضل أن يَشرَك معه الخادِمَ في ذلك، والله أعلم.
واختُلِفَ في حُكم هذا الأمر بالإجلاس أو المناولة، فقال الشافعيّ بعد أن ذكر
الحديث: هذا عندنا - والله أعلم - على وجهَينِ: أَوْلاهما(٢) بمعناه: أنَّ إجلاسه معه أفضل،
فإن لم يفعل فلیس بواجب، أو یکون بالخِیار بین آن ◌ُجلِسه أو يُناوِله، وقد يكون أمره
اختياراً غير حَتْم. انتهى، ورَجَّحَ الرَّافعيّ الاحتمال الأخير، وحَمَلَ الأوَّلَ على الوجوب(٣)،
ومعناه أنَّ الإجلاس لا يَتَعيَّن، لكن إن فعَلَه كان أفضلَ وإلّا تَعيَّنَتِ المناوَلة، ويحتمل أنَّ
الواجب أحدهما لا بعينِه. والثّاني: أنَّ الأمر للنَّدَب مُطلَقاً.
تنبيه: في قوله في رواية مسلم: ((فإن كان الطَّعام مَشفُوهاً) بالشّينِ المعجَمة والفاء،
فَسَّرَه بالقليل، وأصلُه الماء الذي تَكثُر عليه الشِّفاه حتَّى يَقِلّ، إشارة إلى أنَّ مَحَلّ الإجلاس
أو المناوَلة ما إذا كان الطَّعام قليلاً، وإنَّما كان كذلك لأنَّه إذا كان كثيراً وسِعَ السَّيِّد واخادِم، وقد
تقدَّم أنَّ العِلّة في الأمر بذلك أن تَسكُن نفسُ الخادِمِ بذلك، وهو حاصلٌ معَ الكَثْرة دون القِلّة،
(١) سلف برقم (٣٠)، وأخرجه مسلم (١٦٦١).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: أولهما.
(٣) يعني وجوب المناولة. انظر بيان ذلك في ((روضة الطالبين)) ١١٧/٩.

٤٩٩
باب ٥٦
كتاب الأطعمة
فإنَّ الِقِلّة مَظِنّة أن لا يَفضُل منه شيء. ويُؤْخَذ من قوله: ((فإن كان مَشفوهاً)) أنَّ الأمر الوارد
لمن طَبَخَ بتكثير المَرَق (١) ليس على سبيل الوجوب، والله أعلم.
٥٦ - بابٌ الطّاعمُ الشّاكر مثلُ الصّائم الصّابر
فيه عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ أَّ.
قوله: ((بابٌّ الطّاعم الشّاكر مِثْل الصّائم الصّابر. فيه عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ)) هذا
الحديث من الأحاديث المعلّقة التي لم تقع في هذا الكتاب موصولةً، وقد أخرجه المصنّف
في ((التاریخ)) (١/ ١٤٣) والحاكم في ((المستدرك)) (١٣٦/٤) من روایة سلیمان بن بلال عن
محمَّد بن عبد الله بن أبي حُرّة - بضمِّ المهمَلة وتشديد الرَّاء - عن عَمّه حَكيم بن أبي حُرّة
عن سلمان الأغَرّ عن أبي هريرة، ولفظه: ((إنَّ للطّاعِمِ الشّاكر مِن الأجر مِثلَ ما للصّائمِ
الصّابر))، وقد اختُلِفَ فيه على محمَّد، فأخرجه ابن ماجه(٢) (١٧٦٥) من رواية الدَّرَاوَرديِّ
عنه عن عَمّه حَكيم عن سِنان بن سَنَّ الأسلَميّ، وقيل: عن الدَّراوَرديِّ عن موسى بن عُقْبة
عن / محمَّد عن عَمّه عن رجل من أسلَمَ، لكن صَرَّحَ الدَّراوَرديُّ في رواية أحمد (٧٨٨٩) بأنَّ ٥٨٣/٩
محمَّد بن أبي حُرّة أخبَرَه، فلعلَّه كان حَمَلَه عن موسى بن عُقْبة عنه ثمَّ سمعه منه، وقد رَجَّحَ
أبو زُرْعة رواية الدَّراوَرديِّ هذه، وذكرهُ البخاريّ في ((التاريخ)) (١٤٣/١) من رواية وُهَيب(٣)
عن موسى بن عُقْبة عن حكيم بن أبي حُرّة عن بعض الصَّحابة.
وأخرجه ابن ماجَهْ (١٧٦٤) وابن خزيمة (١٨٩٩) من رواية محمَّد بن مَعْن بن
محمَّد الغِفَاريِّ عن أبيه عن حَنظَلة بن عليّ الأسلَميّ عن أبي هريرةٍ(٤)، وأخرجه التِّرمِذيّ
(١) ذكر الحافظ رحمه الله بعض الأحاديث في ذلك في باب المرق عند الحديث (٥٤٣٦).
(٢) وهو أيضاً في ((التاريخ الكبير)) ١/ ١٤٢.
(٣) وكذلك رواه إسماعيل بن عياش عن موسى عن عقبة، كرواية وهيب، دون ذكر محمد بن أبي حرة.
أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني)) (٢٩٠٩).
(٤) وهم الحافظ رحمه الله في جمع ابن خزيمة إلى ابن ماجه، لأنَّ ابن خزيمة إنما أخرجه من طريق عمر بن علي
المقدّمي عن معن بن محمد.

٥٠٠
باب ٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
(٢٤٨٦) وابن ماجه(١) والحاكم (١٣٦/٤) من رواية محمّد بن مَعْن عن أبيه عن سعيد
المقبُريِّ عن أبي هريرة. وأخرجه ابن خُزَيمةَ (١٨٩٨) من رواية عمر بن عليّ عن مَعْن
ابن محمَّد عن سعيد المقبريِّ قال: كنت أنا وحَنظَلة بن عليّ الأسلَميّ بالبَقيع معَ أبي
هريرة، فحدَّثنا أبو هريرة به. وهذا محمول على أنَّ مَعْن بن محمَّد حَمَلَه عن سعيد ثمَّ ◌َمَلَه
عن حَنظَلة.
وأخرجه ابن حِبّان في ((صحيحه)) (٣١٥) من رواية مُعتَمِر بن سليمان عن مَعمَر عن
سعيد المقبريِّ به، لكنْ في هذه الرِّواية انقطاعٌ خَفِيَ على ابن حِبّان، فقد رُوِّيناه في ((مُسنَد
مُسدَّد))(٢) عن مُعتَمِر عن مَعمَر عن رجل من بني غِفار عن المقبُريّ، وكذلك أخرجه
عبد الرَّزّاق في ((جامعه)) (١٩٥٧٣) عن مَعمَر. وهذا الرجل هو مَعْن بن محمَّد الغِفَاريُّ فيما
أظنّ لاشتِهار الحديث من طريقه.
قال ابن التِّين: الطاعِم: هو الحسنُ الحال في المطعَم. وقال ابن بَطّالٍ: هذا مِن تَفَضُّل الله
على عِباده أنْ جَعَلَ للطّاعِمِ إذا شَكَرَ رَبِّه على ما أنعَمَ به عليه ثواب الصّائم الصّابر.
وقال الكِرْمانيُّ: التَّشبيه هنا في أصل الثَّواب لا في الكَمّيَّة ولا الكيفيَّة، والتَّشبيه لا
يَستَلِزِم المماثلة من جمیع الأوجُه.
وقال الطِّييُّ: رُبَّمَا تَوهَّمَ مُتَوهُّم أنَّ ثواب الشُّكر يَقصُر عن ثواب الصَّبر فأُزيل تَوقُمه،
أو وَجْه الشَّبَه اشتراكُهما في حَبْس النَّفس، فالصّابر يَحِس نفسَه على طاعة المنعِم، والشّاكِر
يحبس نفسه على حبَّته، انتھی.
وفي الحديث الحَثّ على شُكر الله على جميع نِعَمه إذ لا يَخْتَصّ ذلك بالأكلِ. وفيه رَفْعُ
الاختلاف المشهور في الغني الشّاكِرِ والفقير الصّابر، وأنَّهما سواء، كذا قيلَ، ومَساق الحديث
(١) كذا ذكر الحافظ أنَّ ابن ماجه أخرجه من هذا الطريق، وهو وهم منه رحمه الله، فلم نقف عليه في ((سنن
ابن ماجه)»، ولم يعزه في ((تحفة الأشراف)) (١٣٠٧٢) لغير الترمذي.
(٢) وكذلك رواه صالح بن حاتم بن وردان عن معتمر، كما في ((علل الدار قطني)) (٢٠٦١)، وصوّب الرواية
بذكر الرجل الغفاري.