النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ باب ٣٩-٤٠ / ح ٥٤٤٠-٥٤٤١ كتاب الأطعمة ٣٩- باب القِثّاء بالرُّطَب ٥٤٤٠- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن عبدِ الله ابن جعفرِ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ الله عنهما، قال: رأيتُ النبيَّ نَّهِ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بالقِّاءِ. [طرفاه في: ٥٤٤٧، ٥٤٤٩] قوله: ((باب القِّاء بالرُّطَب)) أي: أكْلهما معاً، وقد تَرجَمَ له بعد سبعة أبواب: ((الجمع بین اللَّونَینِ» (٥٤٤٩). قوله: ((عن أبيه)) هو سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عَوْف، من صِغار التابعينَ، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب من صِغار الصَّحابة. قوله: ((رأيتُ النبيَّ ◌َّهِ يأكل الرُّطَب بالقِّاءِ)) قال الكِرْمانيُّ: في الحديث أكل الرُّطَب بالقِّاءِ والتَّرجمة بالعكس، وأجابَ بأنَّ الباء للمُصاحبة أو للمُلاصَقة، فكلّ منهما مُصاحب للآخَرِ أو مُلاصق. قلت: وقد وَقَعَت التَّرجمة في رواية النَّسَفيِّ(١) على وَفْق لفظ الحديث، وهو عند مسلم (٢٠٤٣) عن يحيى بن يحيى وعبد الله بن عَوْن جميعاً عن إبراهيم بن سعد، بسندِ البخاريّ فيه بلفظ: يأكل القِثّاء بالرُّطَب. كلفظ التَّرجمة، وكذلك أخرجه التِّرمِذيّ (١٨٤٤). وسيأتي الكلام على الحديث في ((باب الجمع بين اللَّونَينِ)» . ٤٠- بابٌ ٥٤٤١- حذَّثنا مُسلَّدٌ، حدَّثنا حَّدُ بنُ زيدٍ، عن عبَّاسِ الجُرَيرِيِّ، عن أبي عثمانَ، قال: تَضَيَّفْتُ أبا هريرةَ سبعاً، فكان هو وامرأتُه وخادِمُه يَعْتَقِبونَ اللَّيلَ أثلاثاً: يُصَلّ هذا، ثمَّ يوقِظُ هذا. وسمعتُه يقول: قَسَمَ رسولُ اللهِِّ بِينَ أصحابه تَمْراً، فأصابني سبعُ تَمَرَاتٍ، إحداهُنَّ حَشَفٌ. (١) كذا قَصَر الحافظ نِسبةَ ذلك للنسفي، مع أنه جاء كذلك في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري، وقد جاء في نسخة خطية عندنا مقروءة على أبي علي الصّدفي، برواية أبي ذر الهروي عن شيوخه الثلاثة: باب القثاء بالرطب، كالذي وقع للكرماني والحافظ، فالظاهر أنَّ الذي في النسخة اليونينية مقلوبٌ، والله أعلم. ٤٦٢ باب ٤٠ / ح ٥٤٤١ فتح الباري بشرح البخاري ٢٥٤٤١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ الصَّح، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ زكريّا، عن عاصمِ، عن أبي عثمانَ، عن أبي هريرةَ عُ: قَسَمَ النبيُّ ◌ََّ بينَنَا تَمْراً، فأصابني خمسُ تَمَراتٍ: أربعٌ تمرٌ وحَشَفَةٌ، ثمَّ رأيتُ الَحَشَفةَ هي أشَدَّهُنَّ لِضِرْسِيٍ. قوله: ((باب)) كذا هو في رواية الجميع بغير ترجمة، وسقط عند الإسماعيلي، فاعترض بأنه ٥٦٥/٩ ليس فيه للُّطَب والفِّاء ذكر. / والذي أظنه أنه أراد أن يترجم به للتمر وحده، أو لنوعٍ منه. وذَكَر فيه حديث أبي هريرة: قَسَم رسولُ الله ◌ِّال تمراً، فأصابني سبعُ تَمَرات، إحداهن حَشَفة. وهو من رواية عباسٍ الجُرَيري عن أبي عثمان النَّهدي، عنه، وقد تقدم قبلُ بثمانية أبواب (٥٤١١)، ثم ساقه من رواية عاصم الأحول عن أبي عثمان بلفظ: فأصابني خمسُ تَمَرات: أربعٌ تَمْرٌ وحَشَفة. قال ابن التِّين: إما أن تكون إحدى الروايتين وَهماً، أو يكون ذلك وَقَع مرتين. قلت: الثاني بعيدٌ لاتحاد المخرج. وأجاب الكرماني بأن لا مُنافاة، إذ التَّخصيص بالعدد لا يَنفي الزائد. وفيه نظر، وإلا لمَا كان لِذِكْره فائدة، والأَوْلى أن يقال: إن القسمة أولاً اتفقت خمساً خمساً، ثم فَضَلَت فَضْلةٌ فقُسِمت ثنتين ثنتين، فَذَكَر أحدُ الراويَينِ مُبتدأَ الأمر والآخرُ مُنتهاه. وقد وقع في الحديث اختلافٌ أشدُّ من هذا، فإن الترمذي (٢٤٧٤) أخرجه من طريق شُعْبة، عن عباس الجُريري بلفظ: أصابهم جوعٌ فأعطاهم النبيُّ وَّهِ تمرةً تمرةً. وأخرجه النسائي (ك٦٦٩٨) من هذا الوجه بلفظ: قسم سبعَ تَمَرات بين سبعةٍ أنا فيهم، وابن ماجه (٤١٥٧) وأحمد (٧٩٦٥) من هذا الوجه بلفظ: أصابهم جوعٌ وهم سبعةٌ، فأعطاني النبيُّ وَله سبع تمرات لكلِّ إنسان تمرة. وهذه الروايات متقاربة المعنى، ومخالفة لرواية حمّاد بن زيد عن عباس، وكأنها رَجَحَت عند البخاري على رواية شُعْبة، فاقتصر عليها وأيَّدها برواية عاصم، لأنها توافقها من حَيثيّة الزيادة على الواحدة في الجملة. قوله في الرِّواية الأولى: ((تَضَيَّفْتُ)» بضادٍ مُعجَمة وفاءٍ، أي: نزلتُ به ضَيفاً. ٤٦٣ باب ٤٠ / ح ٥٤٤١ كتاب الأطعمة وقوله: ((سبعاً)) أي: سبع لَيالٍ. قوله: ((فكان هو وامرأته)) تقدَّم أنَها بُسرة - بضمِّ الموحّدة وسكون المهمَلة - بنت غَزْوانَ، بفتح الغَين المعجمة وسكون الزّاي، وهي صحابيَّة أُخت عُتبةَ الصَّحابيّ الجَليل أمير البصرة. قوله: ((وخادِمُه)) لم أقِفْ على اسمها. قوله: ((يَعتَقِبونَ» بالقاف، أي: يتناوبون قيام اللّيل. وقوله: ((أثلاثاً) أي: كلّ واحد منهم يقوم ثُلُث اللَّيل، فمن بَدَأ إذا فَرَغَ من ثُلُثه أيقَظَ الآخر. قوله: ((وسمعْتُه يقول)) القائل أبو عثمان النَّهْديّ، والمسموع أبو هريرة. ووَقَعَ عند أحمد (٨٦٣٣) والإسماعيليّ في هذه الرِّواية بعد قوله: ثمَّ يوقِظ هذا: قلت: يا أبا هريرة، كيف تصوم؟ قال: أمَّا أنا فأصوم من أوَّل الشَّهر ثلاثاً، فإن حَدَثَ لي حَدَثٌ كان لي أجرُ شهر. قال: وسمعته يقول: قَسَمَ ... وكأنَّ البخاريّ حَذَفَ هذه الزيادة لگونها موقوفة. وقد أخرج بهذا الإسناد في الصلاة التَّحريض على صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر مرفوعاً (١١٧٨)، وأخرجه في الصيام (١٩٨١) من وجه آخر عن أبي عثمان، وهو السَّبَب في سؤال أبي عثمان أبا هريرة عن كيفيَّة صومه، يعني من أيِّ الشَّهر تصوم الثلاث المذكورة، وقد سَبَقَ بیان ذلك في كتاب الصيام. قوله: ((إحداهُنَّ حَشَفةٌ)) زاد في الرِّواية الماضية (٥٤١١): فلم يكن فيهنَّ تمرة أعجَب إليَّ منها، الحديث. وقد تقدَّم شرحه هُناكَ. قوله في الرواية الثانية: ((أربعٌ تَمْرٌ)) بالرَّفع والتَّنوين فيهما، وهو واضح، وفي رواية: أربعٌ تمرةٌ بزيادة هاء في آخره، أي: كلّ واحدة من الأربع تمرة، قال الكِرْمانيُّ: فإن وَقَعَ بالإضافة والجرّ فشاذّ على خلاف القياس، وإنَّما جاء في مِثل ثلاثِ مئةٍ وأربع مئةٍ. قوله: ((وحَشَفة)) بمُهمَلةٍ ثمَّ مُعجَمة مفتوحَتَينِ ثمَّ فاءٍ؛ أي: رديئة، والحَشَف: رَديء التَّمر، ٤٦٤ باب ٤١ / ح ٥٤٤٢ - ٥٤٤٣ فتح الباري بشرح البخاري وذلك أن تَيبَس الرُّطَبة في النَّخلة قبل أن يَتَنَاهَى(١) طِيبُها، وقيل لها: حَشَفة، ليُيسِها، وقيل: مُراده صُلبة، قال عياض: فعلى هذا فهو بسكونِ الشّين، قلت: بل الثّابت في الرّوايات بالتَّحريك، ولا مُنافاة بین گَونها رديئة وصُلبة. تنبيه: أخرج الإسماعيليّ طريق عاصم من حديث أبي يَعْلى(٢) عن محمّد بن بَكّارٍ عن إسماعيل بن زكريّا بسندِ البخاريّ فيه، وزاد في آخره: قال أبو هريرة: إنَّ أبخَل الناس مَن بَخِلَ بالسَّلام، وأعجَز الناس مَن عَجَزَ عن الدُّعاء. وهذا موقوف صحيح عن أبي هريرة، وكأنَّ البخاريّ حَذَفَه لكَونِهِ موقوفاً، ولِعَدَم تَعلَّقْه بالباب. وقد رُوِيَ مرفوعاً(٣)، والله أعلم. ٥٦٦/٩ ٤١ - باب الرُّطَب والتّمر وقولِ الله تعالى: ﴿وَهُزِّىّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥]. ٥٤٤٢- وقال محمَّدُ بنُ يوسُفَ، عن سفيانَ، عن منصورِ ابنِ صَفِيَّةً، حدَّثْني أُمّي، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: تُوفِّيَ رسولُ اللهِوَل﴿ وقد شَبِعْنا من الأسوَدَينِ: التَّمْرِ والماءِ. ٥٤٤٣ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غَسّانَ، قال: حدَّثني أبو حازِمٍ، عن إبراهيمَ ابنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ الله بن أبي رَبِيعةَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رَضِيَ الله عنهما، قال: كان بالمدينةِ يهوديٌّ، وكان يُسلِفُني في تَمْري إلى الجِذادِ، وكانت لِجابرِ الأرضُ التي بطريقِ رُوْمةً، فجَلَسَتْ فخَلَّى عاماً، فجاءني اليهوديُّ عندَ الحِذَادِ ولم أَجِدَّ منها شيئاً، فجَعَلْتُ أستَنَظِرُه إلى قابِلٍ، فيأبِى، فَأُخْبِرَ بذلك النبيُّ وَّةِ، فقال لأصحابه: ((امشُوا نَسْتَظِرْ لجابرِ من اليهوديِ). فجاؤوني في نَخْلِي، فَجَعَلَ النبيُّ وَّهِ يُكلِّمُ اليهوديَّ، فيقول: أبا القاسم لا أُنَظِرُه، فلمَّا رَأى (١) تحرَّف في (س) إلى: ينتهي. (٢) وهو في ((مسند أبي يعلى)) (٦٦٤٩). (٣) أخرجه مرفوعاً الرامهرمزي في ((المحدِّث الفاصل)) ص٣٣٧ والطبراني في ((الدعاء)) (٦٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (٨٧٦٧). وأخرجه موقوفاً محمد بن فضيل في ((الدعاء)) (٥٤)، وابن حبان (٤٤٩٨)، وصحّح الدار قطني في ((العلل)) (٢٢٣٤) الوقف. ٤٦٥ باب ٤١ / ح ٥٤٤٢ - ٥٤٤٣ كتاب الأطعمة النبيُّ ◌َّهِ قامَ فطافَ في النَّخْلِ، ثُمَّ جاءه فكَلَّمَه، فأبى، فقُمْتُ فحِثْتُ بقَلِيلِ رُطَبٍ فَوَضَعْتُهُ بينَ يَدَىِ النبيِّ وَّةِ، فأكَلَ، ثمّ قال: ((أينَ عَرِيشُكَ يا جابرُ؟)) فأخبَرْتُه، فقال: ((افْرُشْ لي فيه)) فَرَشْتُهُ، فَدَخَلَ فَرَقَدَ، ثمَّ اسْتَقَظَ، فجِثْتُهُ بِقَبْضةٍ أُخرى، فأكَلَ منها، ثمَّ قامَ فَكَلَّمَ اليهوديّ، فأبَى عليه، فقامَ في الرِّطاب في النَّخْلِ الثّانيةَ، ثمَّ قال: ((يا جابرُ، جُذَّ واقضٍ)) فَوَقَفَ في الجِذادِ، فجَذَذْتُ منها ما قَضَيتُهُ، وفَضَلَ منه، فخَرَجْتُ حتَّى جِئْتُ النبيَّ وَّةِ فِبَشَّرْتُه، فقال: ((أشهَدُ أنّ رسولُ الله)». عُروشٌ وعَرِيشٌ: بناءٌ. وقال ابنُ عبّاسٍ: ﴿مَّعْرُوشَتٍ﴾ ما يُعرَشُ من الكّْمِ وغيرِ ذلك، يقال: عُروشُها: أبنِيتُها. قوله: (باب الرُّطَب والتَّمْر)) كذا للجميع فيما وقَفَتُ عليه، إلّ ابن بَطّالٍ ففيه: ((باب الرُّطَب بالتَّمرِ)) وَقَعَ فيه بموخَّدةٍ بَدَل الواو، ووَقَعَ لعياض في باب (ح ل)(١) أنَّ في البخاريّ: ((باب أكل التَّمر بالُّطَب)» وليس في حديثَي الباب ما يدلّ لذلك أصلاً. قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿وَهُزِّىّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ﴾)) الآية، روى عبدُ بنُ هُمیدٍ من طريق شَقِيق بن سَلَمَةَ قال: لو علم الله أنَّ شيئاً للنُّفَساءِ خيرٌ من الرُّطَب لأمرَ مريم به. ومن طريق عَمْرو بن ميمون قال: ليس للنُّفَساءِ خير من الرُّطَب أو التَّمر، ومن طريق الرَّبيع بن خُثَيم قال: ليس للنُّفَساءِ مِثْلُ الرُّطَب، ولا للمريضِ مِثْلُ العَسَل. أسانيدها صحیحة. وأخرج ابن أبي حاتم(٢) وأبو يَعْلى (٤٥٥) من حديث عَليّ رفعه، قال: «أطعِموا نِساءَكم الوُلَّدَ الرُّطَبَ، فإن لم يكن رُطَب فَتَمر، وليس من الشَّجَر شَجَرة أكرم على الله من شَجَرة نزلت تحتها مريم» وفي إسناده ضعف. وقد قرأ الجمهور ((تَسّاقَط)) بتشديد السّين، وأصلُه: تَتَساقَط، وقراءة حمزة وهي رواية عن (١) كذا في (أ) و(ع) و(س)، وأشير في (أ) للحاء بإشارة إهمال، والصحيح أنَّ هذا قاله القاضي عياض في «المشارق» ١/ ١٥١ في باب (ج ل). (٢) في ((تفسيره)) ٧/ ٢٤٠٦. ٤٦٦ باب ٤١ / ح ٥٤٤٢- ٥٤٤٣ فتح الباري بشرح البخاري أبي عَمْرو التَّخفيف على حذف إحدَى التاءَين، وفيها قراءات أُخرى في الشَّواذّ(١). ثمَّ ذكر فيه حدیثینِ: الأوَّل: حديث عائشة: قوله: ((وقال محمَّد بن يوسُف)) هو الفِرْيابيّ شيخ البخاريّ، وسفيان: هو الثَّوريّ، وقد ٥٦٧/٩ تقدَّم الحديث وشرحه/ في أوائل الأطعمة (٥٣٨٣) من طريق أُخرى عن منصور: وهو ابن عبد الرّحمن بن طلحة العَبْدَريّ ثمَّ الشَّيْبِيّ الحَجَبيّ، وأُمّه: هي صَفيَّة بنت شَيْبة من صِغار الصَّحابة. وقد أخرجه أحمد (٢٤٩٦٣) عن عبد الرَّزاق، ومن رواية ابن مَهديّ (٢٥٨٠١) كلاهما عن سفيان الثّوريّ مِثله. وأخرجه مسلم (٣١/٢٩٧٥) من رواية أبي أحمد الزُّبَيريّ(٢) عن سفيان بلفظ: وما شَبعنا. والصَّواب رواية الجماعة، فقد أخرجه أحمد (٢٤٤٥٢) ومسلم أيضاً (٢٩٧٥/ ٣٠) من طريق داود بن عبد الرَّحمن عن منصور بلفظ: حين شَبعَ الناس. وإطلاق الأسوَد على الماء من باب التَّغليب، وكذا إطلاق الشِّبَع موضع الرِّيّ، والعرب تَفعَل ذلك في الشَّيئينِ يَصطَحِبان، فتُسمّيهما معاً باسم الأشهَر منهما، وأمَّا التَّسوية بين الماء والتَّمر معَ أنَّ الماء كان عندهم مُتَسِّراً، لأنَّ الرِّيَّ منه لا يَحَصُل بدون الشِّبَع من الطَّعامِ لِمَضَرَّةٍ شُرب الماء صِرْفاً بغير أكل، لكنَّهَا قَرَنَت بينهما لعَدَمِ التَّمَتُّع بأحدِهما إذا فاتَ ذلك من الآخَرِ، ثمَّ عَبَّرَت عن الأمرَينِ الشِّبَعِ والرِّيّ يفِعلِ أحدها، كما عَبَّرَت عن الثَّمر والماء بوَصفِ أحدهما، وقد تقدَّم شيء من هذا في ((باب مَن أكَلَ حتَّى شَبعَ)) (٥٣٨٣). الثّاني: حديث جابر. قوله: ((أبو غَسّان)) هو محمَّد بن مُطَرِّف، وأبو حازِمٍ: هو سَلَمةُ بن دينار. (١) بل ليست كلها شواذٌ، ففيها قراءة حفص عن عاصم بضم التاء وكسر القاف وتخفيف السين، وقراءة يعقوب بالياء على التذكير وفتحها وتشديد السين وفتح القاف، وبها قرأ أبو بكر بن عياش في إحدى الروايتين عنه. انظر ((النشر في القراءات العشر)) ٣١٨/٢. (٢) ومن رواية عبيد الله الأشجعي أيضاً. ٤٦٧ باب ٤١ / ح ٥٤٤٢ - ٥٤٤٣ كتاب الأطعمة قوله: ((عن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة)) هو المخزوميّ، واسم أبي رَبيعة عَمْرو، ويقال: حُذَيفة، وكان يُلقَّب ذا الرُّمحَين، وعبد الله بن أبي ربيعة من مُسلمة الفتح، ووَليَ الجُندَ من بلاد اليمن لعمر، فلم يزل بها إلى أن جاء سنةَ حَصْر عثمان لِيَنصُرِه، فسَقَطَ عن راحلته فماتَ، ولإبراهيم عنه رواية في النَّسائيّ، قال أبو حاتم: إنَّهَا مُرسَلة، وليس لإبراهيم في البخاريّ سوی هذا الحديث، وأُمّه أمّ كلثوم بنت أبي بكر الصِّدّيق، وله رواية عن أمّه وخالَته عائشة. قوله: ((كان بالمدينةِ يهوديٌّ)) لم أقِفْ على اسمه. قوله: ((وكان يُسْلِفني في تَمْري إلى الجِذاذ)) بكسرِ الجيم، ويجوز فتحها، والذّال مُعجَمة، ويجوز إهمالها، أي: زمن قطع ثَمَر النَّخل، وهو الصِّرام. وقد استَشكَلَ الإسماعيليّ ذلك، وأشارَ إلى شُذوذ هذه الرِّواية، فقال: هذه القصَّة - يعني دعاء النبيّ وَّ في النَّخْلِ بالبَرَكة - رواها الثِّقات المعروفونَ فيما كان على والد جابر من الدَّين(١). وكذا قال ابن التِّين: الذي في أكثر الأحاديث أنَّ الدَّين كان على والد جابر. قال الإسماعيليّ: والسَّلَف إلى الجِذاذ ممّا لا يجيزه البخاريّ وغيره، وفي هذا الإسناد نظر. قلت: ليس في الإسناد مَن يُنظَر في حاله سوى إبراهيم، وقد ذكره ابن حِبّان في ثقات التابعينَ، وروى عنه أيضاً ولده إسماعيل والزُّهْريّ، وأمَّا ابن القَطّان فقال: لا يُعرف حاله. وأمَّا السَّلَف إلى الجِذاذ فيعارضه الأمر بالسَّلَمِ إلى أجلِ معلوم فيُحمَل على أنَّه وَقَعَ في الاقتصار على الجِذاذ اختصار، وأنَّ الوقت كان في أصل العَقد مُعيَّناً. وأمَّا الشُّذوذ الذي أشارَ إليه فيَندَفِع بالتعدُّد، فإنَّ في السّياق اختلافاً ظاهراً، فهو محمول على أنَّهِ وَلَه بَرَّكَ في النَّخلِ المخلَّف عن والد جابر حتَّى وفى ما كان على أبيه من الثَّمر، كما تقدَّم بيان طرقه واختلاف ألفاظه في علامات النُّة (٣٥٨٠)، ثمَّ بَرَّكَ أيضاً في النَّخل المختَصّ بجابر فيما كان عليه هو من الدَّين، والله أعلم. (١) يعني الحديث السالف عند البخاري برقم (٢١٢٧) و(٢٧٠٩). ٤٦٨ باب ٤١ / ح ٥٤٤٢ - ٥٤٤٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وكانت لجابرِ الأرضُ التي بطريق رُومَة)) فيه التِفاتٌ، أو هو مُدرَج من كلام الراوي، لكن يَرُدّه ويَعضُد الأوَّل أنَّ في رواية أبي نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق الرَّماديّ عن سعيد بن أبي مريم شيخ البخاريّ فيه: وكانت لي الأرض التي بطريق رُومة. ورومة بضمِّ الرَّاء وسكون الواو: هي البئر التي اشتراها عثمان ، وسَبَّلَها، وهي في نفس المدينة، وقد قيل: إنَّ رومة رجل من بني غِفار كانت له البئر قبل أن يَشتَريَها عثمان، نُسِبَت إليه. ونَقَلَ الكِرْمانيُّ أنَّ في بعض الرِّوايات: دُومة، بدالٍ بَدَل الرَّاء، قال: ولعلَّها دُومة الجندَل. قلت: وهو باطِل، فإنَّ دُومة الجندَل لم تكن إذ ذاكَ فُتِحَت حتی یُمکِن أن یکون لجابر فيها ٥٦٨/٩ أرض(١)، وأيضاً ففي الحديث أنَّ النبيّ وَّهِ مَشَى إلى أرض جابر، وأطعَمَه من / رُطَبها، ونامَ فيها، وقامَ فَبَرَّكَ فيها حتَّى أوفاهُ، فلو كانت بطريق دُومة الجَندَل لاحتاجَ إلى السَّفَرِ، لأنَّ بين دُومة الجندَل وبين المدينة عشرَ مَراحَلَ، كما بيَّنه أبو عُبيد البكريّ. وقد أشارَ صاحب (المطالع)) إلى أنَّ رُوْمة(٢) هذه هي بئر رومة التي اشتراها عثمان وسَبَّلَها، وهي داخل المدينة، فكأنَّ أرض جابر كانت بين المسجد النبويّ ورومة. قوله: ((فجَلَسَتْ فخَلَّى عاماً) قال عياض: كذا للقابسيِّ وأبي ذرِّ وأكثر الرُّواة، بالجيم واللّام، قال: وكان أبو مروان بن سِراج يُصوِّب هذه الرِّواية إلّا أنَّه يَضِطها: فجَلَسْتُ، أي: بسكونِ السّين وضمّ التاء، على أنَّها مُخاطَبة جابر وتفسيره، أي: تأخّرتُ عن القضاء. ((فخَلَّى)) بفاءٍ مُعجَمة ولام مُشَدَّدة من التَّخلية، أو مُنَّفة من الخُلوّ، أي: تأخّر السَّلَفُ عاماً. قال عياض: لكن ذِكْر الأرض أوَّل الحديث يدلّ على أنَّ الخبر عن الأرض لا عن نفسه. انتهى، فاقتَضَى ذلك أنَّ ضبط الرِّواية عند عياض بفتح السّين المهملة وسكون التاء، والضَّمير للأرض، (١) ردَّ العينيُّ على الحافظ في قوله هذا بقوله: هذا الذي قاله باطل، لأنَّ الذي في الحديث بطريق رُومة. وهذا ظاهر، وأما رواية الدال فمعناها: كانت لجابر أرض كائنة بالطريق التي يُسافر فيها إلى دُومة الجندل، وليس معناها التي بدُومة الجندل حتى يُقال: لأنَّ دومة الجندل إذ ذاك لم تكن فُتحت، ودُومة على عشر مراحل من المدينة. (٢) تحرَّف في الأصول و(س) إلى: دومة. ٤٦٩ باب ٤١ / ح ٥٤٤٢ - ٥٤٤٣ كتاب الأطعمة وبعده نَخْلاً، بنونٍ ثمَّ مُعجَمة ساكنة، أي: تأخّرَتِ الأرضُ عن الإثمار من جهة النَّخل. قال: ووَقَعَ للأَصِيلِيّ: فحَبَسَت، بحاءٍ مُهمَلة ثمَّ موخَّدة، وعند أبي الهَثَم: فخاسَت، بعد الخاء المعجمة ألف، أي: خالَفَت مَعهودَها وحَمْلَها، يقال: خاسَ عَهْدُه: إذا خانَه أو تَغيَّرَ عن عادته، وخاسَ الشَّيءُ: إذا تَغيَّرَ. قال: وهذه الرِّواية أبيَنُها (١). قلت: وحكى غيره: خَنَسَت، بخاءٍ مُعجَمة ثمَّ نون، أي: تأخّرَت. ووَقَعَ في رواية أبي نُعَیم في ((المستخرَج)) بهذه الصّورة، فما أدري بحاءٍ مُهمَلة ثمَّ موخَّدة أو بمُعجَمةٍ ثمَّ نون؟! وفي رواية الإسماعيليّ: فخسَّت(٢) عليَّ عاماً. وأظنّها بمُعجَمةٍ ثمَّ سين مُهمَلة ثقيلة. وبعدها: عَلَيَّ، بفتحَتَينِ وتشديد التَّحتانيَّة. فكأنَّ الذي وَقَعَ في الأصل بصورة (نَخلاً)) وكذا ((فخَلا)) تصحيف من هذه اللَّفظة، وهي على كَتْب الياء بألفٍ، ثمَّ حَرفَ العين، والعلم عند الله. ووَقَعَ في رواية أبي ذرِّ عن المُستَمْلي: ((قال محمَّد بن يوسف - هو الفِرَبْريّ - قال أبو جعفر - محمّد بن أبي حاتم ورّاق البخاريّ - قال محمّد بن إسماعيل - هو البخاريّ - فخلا)) ليس عندي مُقيَّداً - أي: مضبوطاً - ثمَّ قال: ((فخَلَا(٣) ليس فيه شَكٌّ)). قلت: وقد تقدَّم توجيهه. لكنّي وجدته في النُّسخة بجيمٍ، وبالخاءِ المعجَمة أظهَر. قوله: ((ولم أَجِدَّ) بفتح الهمزة وكسر الجيم وتشديد الدّال (٤). (١) تصحفت في (ع) و(س) إلى: أثبتها، وأُعجمت في (أ) على الصواب، لأنَّ عبارة القاضي في ((المشارق)) ١٥١/١: هذه الروايات معلولة غير بيّنة إلّا رواية أبي الهيثم. (٢) تحرَّفت في (ع) و(س) إلى: فخنست. بزيادة النون. (٣) كذا ضبطت في (أ): فخلا، وكلام الحافظ بعد ذلك يقتضي ضبطها كذلك، بإثبات الأظهر، وهذا خلاف ما جاء في هامش اليونينية حيث ضبطت بتشديد اللام وبالجيم، وبذلك ضبطها القسطلَّاني ضبط حروف: فجلَّ. وصنيعهما يوافق النسخة الخطية التي بأيدينا برواية أبي ذر الهروي، وهي نسخة مقروءة على أبي علي الصدفي، ولم يظهر ضبطها في (ب) و(ع). (٤) كذا ضبطه الحافظ رحمه الله، وتبعه العيني، بكسر الجيم وبالدال المشدَّدة، وكأنهما حملاه على معنى العَزْم والاجتهاد، بدليل عدم تعرضهما لقوله في الحديث: ((منها شيئاً)) فكأنه لم يقع ذلك عندهما، وإلّا لكان صنيعهما خطأ، إذ لا يُعرَفُ مضارع جدَّ بمعنى قطع إلّا بضم الجيم، وبذلك ضُبِط في اليونينية. ٤٧٠ باب ٤١ / ح ٥٤٤٢ - ٥٤٤٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أستَنْظِرُه)) أي: أستَمِهِلُه ((إلى قابلٍ)) أي: إلى عامٍ ثانٍ. قوله: ((فأُخْبِرَ)) بضمِّ الهمزة وكسر الموحّدة وفتح الرَّاء، على الفعل الماضي المبنيّ للمجهول، ويحتمل أن يكون بضمِّ الرَّاء على صيغة المضارَعة والفاعل جابر، وذَكَره كذلك مُبالَغة في استحضار صورة الحال. ووَقَعَ في رواية أبي نُعَيم في ((المستخرَج)): فأخبَرَتُ. قوله: ((فيقول: أبا القاسم، لا أُنْظِرُه)) كذا فيه بحذفٍ أداة النِّداء. قوله: ((أينَ عَريشُك)) أي: المكان الذي اتّخذتَه في البُستان لتستظِلّ به وتَقیل فيه. وسيأتي الكلام علیه في آخِرِ الحديث. قوله: ((فِتْه بقَبْضةٍ أُخرَى)) أي: من رُطَب. قوله: ((فقامَ في الرِّطاب في النَّخْلِ الثّانيةَ)) أي: المرّة الثّانية، وفي رواية أبي نُعَيم: فقامَ فطافَ، بَدَل قوله: في الرِّطاب. قوله: ((ثُمَّ قال: يا جابر، ◌ُّ) فِعل أمرٍ بالجِذاذِ ((واقضٍ)) أي: أَوفِ. قوله: ((فقال: أشهَد أنّي رسول الله)) قال ذلك و ﴿ لما فيه من خَرْق العادة الظّاهر من إيفاء الكثير من القليل الذي لم يكن يُظَنّ أنَّ يوَفَّى منه البعضُ فضلاً عن الكلّ، فضلاً عن أن تَفضُلَ فَضْلٌ، فضلاً عن أن يَفضُلَ قَدرُ الذي كان عليه من الدَّین. قوله: ((عَرْش(١) وعَريش: بناءٌ، وقال ابن عبّاس: ﴿مَّعْرُوشَتٍ﴾ ما يُعرَش من الكَرْم وغير ذلك. يقال: عُروشُها: أبنيَتُها)) ثَبَتَ هذا في رواية المُستَمْلِي، والنَّقل عن ابن عبّاس في ذلك تقدَّم موصولاً في أوَّل سورة الأنعام(٢). وفيه النَّقل عن غيره بأنَّ المعروش من الكَرم: ما يقوم على ساق، وغير المعروش: ما يُبسَط على وجه الأرض. (١) كذا في (أ) و(ب)، وضُبط في (أ) ضبط قَلَم، وكذلك ضبطه العيني في ((عمدة القاري)) ٢١/ ٧٠ بالحروف، بلفظ المفرد، وفي (ع): عُرُوش، بلفظ الجمع، وفاقاً لليونينية، وكذلك ضبطه القسطلّاني بالحروف، وهو الأظهر، لموافقته للموضع الذي أشار إليه الحافظ في تفسير سورة الأعراف، حيث وقع لهم جميعاً بلفظ الجمع. (٢) بين يدي الحديث رقم (٤٦٢٧). ٤٧١ باب ٤٢ -٤٣ / ح ٥٤٤٤ -٥٤٤٥ كتاب الأطعمة وقوله: (عَرش وعَريش: بناءً)) هو تفسير أبي عُبيدة، وقد تقدَّم نقله عنه في تفسير الأعراف(١). وقوله: ((عُروشها: أبنيتها)) هو تفسير قوله: ﴿خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وهو ٥٦٩/٩ تفسير أبي عبيدة أيضاً، والمراد هنا تفسير عَرْش جابر الذي رَقَدَ النبيُّنَ ◌ّه عليه، فالأكثر على أنَّ المراد به ما يُستَظلّ به، وقيل: المراد به السَّرير. قال ابن التِّين: في الحديث أنَّهم كانوا لا يَخْلُونَ من دَين لِقِلّة الشَّيء إذ ذاكَ عندهم، وأنَّ الاستعاذة من الدَّين أُريدَ بها الكثيرُ منه، أو ما لا يَجِدُ له وفاءً، ومِن ثَمَّ ماتَ النبيُّ ◌ِكلّه ودِرعُهُ مَرهونةٌ على شَعير أخَذَه لأهلِه(٢). وفيه زيارة النبيِّ وَّ أصحابَه ودخولُ البساتين والقَيلولة فيها والاستظلال بظلالها، والشَّفاعة في إنظار الواجِد غيرَ العَين التي استُحِقَّت عليه ليكونَ أرِفَقَ به. ٤٢ - باب أكل الجُمّار ٥٤٤٤- حذَّثنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حذَّثني مجاهدٌ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رَضِيَ الله عنهما، قال: بينا نحنُ عندَ النبيِّ وَّهَ جُلوسٌ، إذا أُتِيَ بِجُمّارٍ نَخْلةٍ، فقال النبيُّ ◌َّهَ: ((إنَّ من الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكةِ المسلمِ))، فظنَنتُ أنَّه يعني النَّخْلَةَ، فأرَدْتُ أن أقولَ: هي النَّخْلةُ يا رسولَ الله، ثمَّ التَفَتُّ فإذا أنا عاشرُ عَشَرةٍ أنا أحدَثُهم، فِسَكَتُّ، فقال النبيُّ ◌َّ: (هي النَّخْلة)). قوله: ((باب أكلِ الجُمّار)) بضمِّ الجيم وتشديد الميم. ذكر فيه حديث ابن عمر في النَّخلة، وقد تقدَّم شرحه في كتاب العلم مُستَوفَّى (٦١)، وتقدَّم الكلام على خُصوص التَّرجمة بأكلِ الجمار في كتاب البيوع (٢٢٠٩). ٤٣ - باب العجوة ٥٤٤٥- حدّثنا ◌ُمْعَةُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا مَرْوانُ، أخبرنا هاشمُ بنُ هاشم، أخبرنا عامرُ بنُ (١) بين يدي الحديث رقم (٤٦٣٧). (٢) سلف برقم (٢٩١٦). ٤٧٢ باب ٤٤ / ح ٥٤٤٦ فتح الباري بشرح البخاري سعدٍ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وَالّ: ((مَن تَصَبَّحَ كلَّ يومٍ سبعَ تَمَراتِ عَجْوةٍ لم يَضُرَّه في ذلك اليومِ سُمٌّ ولا سِخْرٌ)). [أطرافه في: ٥٧٦٨، ٥٧٦٩، ٥٧٧٩] قوله: ((باب العَجْوة)) بفتح العين المهمَلة وسكون الجيم، نوعٌ من التَّمر معروفٌ. قوله: ((حدَّثْنا مُمْعة)) بضمِّ الجيم وسكون الميم ((ابن عبد الله)) أي: ابن زياد بن شدَّاد السُّلَمَيّ أبو بكر البَلْخيّ، يقال: إنَّ اسمه يحيى وجمعة لقبٌ، ويقال له أيضاً: أخو(١) خاقان، كان من أئمَّ الرَّأي أوَّلاً ثمَّ صارَ من أئمَّة الحديث، قاله ابن حِبّان في ((الثِّقات))، وماتَ سنة ثلاث وثلاثينَ ومتَين، وما له في البخاريّ بل ولا في الكتب السِّة سوى هذا الحديث. وسيأتي شرح حديث العجْوة في كتاب الطِّبّ (٥٧٦٨) إن شاء الله تعالى. وقوله هنا: ((مَن تَصَبَّحَ كُلَّ يومٍ سبع تَمَرات)) وَقَعَ في نُسخة الصَّغَانيّ بزيادة الباء في أوَّله، فقال: ((بسبعٍ)) . ٤٤ - باب القِران ٥٤٤٦- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حَدَّثنا جَبَلةُ بنُ سُحَيمٍ، قال: أصابنا عامُ سَنَةٍ معَ ابنِ الزُّبَيِ، فَرَزَقَنَا تَمْراً، فكان عبدُ الله بنُ عمرَ يَمُرُّ بنا - ونحنُ نأكُلُ - ويقول: لا تُقارِنوا، فإنَّ النبيَّ ◌َّلْ نَهَى عن الإِقْرانِ. ثمَّ يقول: إلّا أن يَستَأذِنَ الرجلُ أخاه. قال شُعْبةُ : الإذْنُ من قولِ ابنِ عمرَ. قوله: ((باب القِران)) بكسرِ القاف وتخفيف الرَّاء، أي: ضَمُّ تمرةٍ إلى تمرةٍ لمن أكَلَ معَ جماعة. ٥٧٠/٩ قوله: (جَبَلةُ)) بفتح الجيم والموحّدة الخفيفة. (١) تحرَّف في الأصول و(س) إلى: أبو. وإنما هو أخو خاقان، يعني أخو يحيى بن عبد الله بن زياد، الذي يُلقَّب بخاقان. قاله الحافظُ في ترجمته في ((تهذيب التهذيب))، حيث نقل عن ابن منده قوله: جمعة أخو خاقان. قلنا: وخاقان شيخ البخاري أيضاً، ولهذا قيل له: أخو خاقان. ٤٧٣ باب ٤٤ / ح ٥٤٤٦ كتاب الأطعمة قوله: ((ابن سُحَيمٍ)) بمُهمَلَتَينِ مُصغَّر، كوفيّ تابعيّ ثقة، ما له في البخاريّ عن غير ابن عمر رضي الله عنهما شيءٌ. قوله: ((أصابنا عامُ سَنةٍ)) بالإضافة، أي: عامُ قَحْطٍ، وَوَقَعَ في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ في ((مُسنَده)) (٢٠١٨) عن شُعْبة: أصابتنا مَمَصةٌ. قوله: ((مَعَ ابن الزُّبَير)) يعني عبد الله لمَّا كان خليفةً. وتقدَّم في المظالم (٢٤٥٥) من وجه آخر عن شُعْبة بلفظ: كنّا بالمدينة في بعض أهل العراق. قوله: ((فَرَزَقَنا تَمْراً)) أي: أعطانا في أرزاقنا تمراً، وهو القَدْر الذي يُصرَف لهم في كلّ سنة من مال الخَراج وغيره بَدَل النَّقْد تَراً، لِقِلّة النَّقَد إذ ذاكَ بسبب المجاعة التي حَصَلَت. قوله: ((ويقول: لا تُقارِنوا)) في رواية أبي الوليد في الشَّرِكة (٢٤٩٠): فيقول: لا تَقْرُنوا وكذا لأبي داود الطَّيالسيِّ في (مُسنَدِهِ)). قوله: ((عن الإقْران)) كذا لأكثر الرُّواة، وقد أوضحتُ في كتاب الحجّ(١) أنَّ اللُّغة الفُصحَى بغير ألف، وقد أخرجه أبو داود الطَّيالسيُّ (٢٠١٨) بلفظ: القِران. وكذلك قال أحمد (٥٠٣٧) عن حَجّاج بن محمَّد عن شُعْبة. وقال عن محمَّد بن جعفر(٢) عن شُعْبة: الإقران. قال القُرطُبيّ: ووَقَعَ عند جميع رواه مسلم (٢٠٤٥/ ١٥٠): الإقران، وفي ترجمة أبي داود (٣٨٣٤): ((باب الإقران في الثَّمر)) وليست هذه اللَّفظة معروفة، وأقرَن من الرُّباعيّ وقَرَنَ من الثُّلاثيّ، وهو الصَّواب. قال الفَرّاء: قَرَنَ بين الحجّ والعمرة، ولا يقال: أقرَنَ. وإنَّما يقال: أقرَنَ لِمَا قويَ عليه وأطاقَه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَّهُ, مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]. قال(٣): لكن جاء في اللُّغة: أقرَنَ الدَّمُ في العِرق، أي: كَثُرَ، فيُحمَل ◌َمْل الإقران في الخبر على ذلك، فيكون معناه أنَّه نَهَى عن الإكثار من أكل التَّمر إذا كان معَ غيره، ويَرجِع معناه إلى القِران المذكور. (١) قبل شرح الحديث (١٥٦١). (٢) وروايته عند مسلم أيضاً برقم (٢٠٤٥) (١٥٠). (٣) القائل هو القرطبي، كما هو واضح في كتابه ((المفهم))، حيث صدَّره بقوله: قلتُ. ٤٧٤ باب ٤٤ / ح ٥٤٤٦ فتح الباري بشرح البخاري قلت: لكن يصير أعَمَّ منه. والحقّ أنَّ هذه اللَّفظة من اختلاف الرُّواة، وقد ميَّزَ أحمد (٥٠٣٧) بين مَن رواه بلفظ ((أقرَنَ)) وبلفظ ((قَرَنَ)) من أصحاب شُعْبة، وكذا قال الطَّيالسِيُّ عن شُعْبة(١): القِران، ووَقَعَ في رواية الشَّيبانيِّ(٢): الإقران، وفي رواية مِسعَر(٣): القِران. قوله: ((ثُمَّ يقول: إلّا أن يَستَأذِن الرجل أخاه)) أي: فإذا أذِنَ له في ذلك جازَ، والمراد بالأخِ رَفيقه الذي اشتَرَكَ معه في ذلك التَّمر. قوله: ((قال شُعْبة: الإذْن من قول ابن عمر)) هو موصول بالسَّنَدِ الذي قبله، وقد أخرجه أبو داود الطَّيالسيُّ في «مُسنَده)) (٢٠١٨) عن شُعْبة مُدرَجاً، وكذا تقدَّم في الشَّرِكة (٢٤٩٠) عن أبي الوليد، وللإسماعيليّ وأصله لمسلم (٢٠٤٥/ ١٥٠) كذلك عن معاذ بن معاذ، وكذا أخرجه أحمد عن يزيد (٥٠٦٣)، وبَهز (٥٤٣٥) وغيرهما عن شُعْبة. وتابَعَ آدَمَ على فصل الموقوف من المرفوع شَبابةٌ بن سَوّار عن شُعْبة، أخرجه الخطيب (٤) من طريقه مِثل ما ساقَه آدم إلى قوله: الإقران. قال ابن عمر: إلّا أن يَستأذِن الرجل منكم أخاه. وكذا قال عاصم بن عليّ عن شُعْبة: أرَى الإذن من قول ابن عمر. أخرجه الخطيب (١٣٦/١-١٣٧)، وقد فصَلَه أيضاً عن شُعْبة سعيدُ بن عامر الضُّبعيُّ، فقال في روايته: قال شُعْبة: إلّا أن يَستأذِن أحدكم أخاه. هو من قول ابن عمر، أخرجه الخطيب أيضاً (١٣٧/١-١٣٨) إلّا أنَّ سعيداً أخطأ في اسم التابعيّ، فقال: عن شُعْبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. والمحفوظ: جبلة بن سُحَيمٍ، كما قال الجماعة. والحاصل أنَّ أصحاب شُعْبة اختَلَفوا، فأكثرهم رواه عنه مُدرَجاً، وطائفة منهم رَوَوا عنه التردُّد في كون هذه الزّيادة مرفوعة أو موقوفة، وشَبَابة فَصَلَ عنه، وآدم جَزَمَ عنه بأنَّ الزّيادة من قول ابن عمر، وتابَعَه سعيد بن عامر إلّا أنَّه خالَفَ في التابعيّ، فلمَّا اختَلَفوا على (١) وكذلك رواه خالد بن الحارث البصري عن شعبة عند النسائي في ((الكبرى)) (٦٦٩٥) بلفظ: القِران. (٢) عند أحمد (٤٥١٣)، وأبي داود (٣٨٣٤). (٣) عند النسائي في ((الكبرى)) (٦٦٩٧) موقوفاً، وعند الطبراني (١٣٧٧٩)، وغيره مرفوعاً. (٤) في ((المدرج)) ١٣٦/١. ٤٧٥ باب ٤٤ / ح ٥٤٤٦ كتاب الأطعمة شُعْبةٍ وتَعارَضَ جَزمُه وتَرَدُّده وكان الذين رَوَوا عنه التردُّد أكثر، نظرنا فيمَن رواه غيره عن التابعينَ فرأيناه قد وَرَدَ عن سفيان الثَّوريّ وأبي (١) إسحاق الشَّيبانيِّ ومِسعَر وزيد بن أبي أُنيسة: فأمّا الشَّوريّ فتقدَّمَت / روايته في الشَّرِكة (٢٤٨٩) ولفظه: نَهَى أن يَقرُن الرجلُ بين التَّمرتَينِ ٥٧١/٩ جميعاً حتَّى يَستأذِن أصحابه. وهذا ظاهره الرَّفع معَ احتمال الإدراج، وأمَّا رواية الشَّيبانيِّ فأخرجها أحمد (٤٥١٣) وأبو داود (٣٨٣٤) بلفظ: نَهَى عن الإقران إلّا أن تَستأذِن أصحابك. والقول فيها كالقولِ في رواية الثَّوريّ، وأمَّا رواية زيد بن أبي أُنيسة فأخرجها ابن حِبّان (٥٢٣٢) في النَّوع الثّمن والخمسينَ من القِسْم الثّاني من ((صحيحه)) بلفظ: ((مَن أكَلَ معَ قوم مِن تَرِ فلا يَقرُن، فإن أراد أن يفعل ذلك فليَستأذِنهم، فإن أذِنوا فليفعل)). وهذا أظهر في الرَّفع معَ احتماله الإدراج أيضاً. ثُمَّ نظرنا فيمَن رواه عن النبيّ بَِّ غير ابن عمر فَوَجَدناه عن أبي هريرة، وسياقه يقتضي أنَّ الأمر بالاستئذان مرفوع، وذلك أنَّ إسحاق في ((مُسنَده)) (١٥٧) ومن طريقه ابن حِبّان (٥٢٣٣) أخرَجا من طريق الشَّعبيّ عن أبي هريرة، قال: كنت في أصحاب الصُّفّة، فَبَعَثَ إلينا رسول الله وَّهِ تَر عجوةٍ، فَكُبَّ بيننا، فكنّا نأْكُل الشِّتَينِ من الجوع، فجَعَلَ أصحابنا إذا قَرَنَ أحدهم قال لصاحبه: إنّي قد قَرَنتُ فاقرِنوا. وهذا الفِعل منهم في زمن النبيِّ وَّ دالّ على أنَّه كان مشروعاً لهم معروفاً، وقول الصَّحابيّ: كنَّا نفعل في زمن النبيِّ وَّلـ کذا، له حُكم الرَّفع عند الجمهور. وأصرحُ منه ما أخرجه البزَّار (٩٦٢٢) من هذا الوجه، ولفظه: قَسَمَ رسولُ اللهِوَلّه تمراً بين أصحابه، فكان بعضهم يَقْرُن، فنَهَى رسولُ اللهِ وَّلِ أَن يَقْرُن إلّا بإذنِ أصحابه. فالذي تَرَجَّحَ عندي أن لا إدراج فيه، وقد اعتَمَدَ البخاريّ هذه الزّيادة وتَرجَمَ عليها في كتاب المظالم وفي الشَّرِكة، ولا يَلزَم من كَون ابن عمر ذكر الإذن مرَّة غيرَ مرفوع أن لا يكون (١) تحرَّف في (س) إلى: وابن. ٤٧٦ باب ٤٤ / ح ٥٤٤٦ فتح الباري بشرح البخاري مُستنَدُه فيه الرَّفعَ، وقد وَرَدَ أنَّه استُفتيَ في ذلك فأفتَى، والمفتي قد لا يَنشَط عند فتواه إلى بیان المستند. فأخرج النَّسائيُّ (ك٦٦٩٧) من طريق مِسعَر عن جبلة قال: سُئلَ ابن عمر عن قِران الثَّمر، قال: لا تَقرُن، إلّا أن تَستأذِن أصحابك. فيُحمَل على أنَّه لمَّا حدَّث بالقصَّة ذَكَرها كلَّها مرفوعة، ولمَّا استُفتيَ أفتَى بالحُكمِ الذي حَفِظَه على وَفْقِهِ، ولم يُصرِّح حينئذٍ برفعِه، والله أعلم. وقد اختُلِفَ في حُكم المسألة: قال النَّوَويّ: اختَلَفوا في هذا النَّهي هل هو على التَّحريم أو الكراهة؟ والصَّواب التَّفصيل، فإن كان الطَّعام مُشتَرَكاً بينهم فالقِران حرام إلّا بِرِضاهم، ويَحَصُل بتصريحهم أو بما يقوم مقامه من قَرِينة حالٍ، بحيثُ يَغْلِب على الظَّنّ ذلك، فإن كان الطَّعام لغيرهم حَرُمَ، وإن كان لأحدِهم وأذِنَ لهم في الأكل اشتُرِطَ رِضاه، ويَحَرُم لغيره ويجوز له هو إلّا أنَّه يُستَحَبّ أن يَستأذِن الآَكِلِينَ معه، وحَسُنَ للمُضيفِ أن لا يَقْرُن ليُساويَ ضَيفه، إلّا إن كان الشَّيء كثيراً يَفضُل عنهم، معَ أنَّ الأدب في الأكل مُطلَقاً تَرْك ما يقتضي الشَّرَه، إلّا أن يكون مُستَعجِلاً يريد الإسراع لشُغلٍ آخر. وذكر الخطّابُّ أنَّ شرط هذا الاستئذان إنَّما كان في زَمَنهم حيثُ كانوا في قِلّة من الشَّيء، فأمَّا اليوم معَ اتِّساع الحال فلا يُحتاج إلى استئذان. وتَعقَّبَه النَّوَويّ بأنَّ الصَّواب النَّفصيل، لأنَّ العِبرة بُعُمومِ اللَّفظ لا بخُصوصِ السَّبَب، لو ثبت السَّبب(١)، كيف وهو غير ثابت. قلت: حديث أبي هريرة الذي قَدَّمتُه يُرشِد إليه، وهو قويّ، وقصّة ابن الزُّبير في حديث الباب كذلك. وقال ابن الأثير في ((النّهاية): إِنَّا وَقَعَ النَّهي عن القِران لأنَّ فيه شرهاً وذلك يُزري بصاحبه، أو لأنَّ فيه غَبْناً بَرَفيقِه، وقيل: إنَّما نُهي عنه لما كانوا فيه من شِدّة العَيش وقِلّة الشَّيء، وكانوا معَ ذلك يُواسُونَ من القليل، وإذا اجتَمَعوا رُبَّما آثَرَ بعضُهم بعضاً، وقد يكون فيهم مَن اشتَدَّ (١) قوله: ((لو ثبت السَّبب)) سقط من (س). ٤٧٧ باب ٤٤ / ح ٥٤٤٦ كتاب الأطعمة جوعه حتَّى يَحمِلَه ذلك على القَرن بين الثَّمرتَينِ أو تعظيم اللُّقمة، فأرشَدَهم إلى الاستئذان في ذلك تطيباً لنفوسِ الباقينَ. وأمَّا قصَّة جبلةَ بن سُحَيمٍ فظاهرها أنَّها من أجل الغَبْن، ولِكَونِ مِلکهم فيه سواء، ورُويَ نحوه عن أبي هريرة في أصحاب الصُّفّة، انتهى. وقد أخرج ابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)) (٥٧٩)، وهو في ((مُسنَد البزَّار)) (٤٤٥٥) من طريق ابن بُرَيدة عن أبيه رَفَعَه: «كنت نَهَيتُكم عن القِران في الثَّمر، وإنَّ الله / وَسَّعَ ٥٧٢/٩ عليكم فاقرُنوا)) فلعلَّ النَّوَويّ أشارَ إلى هذا الحديث، فإنَّ في إسناده ضعفاً. قال الحازمي: حديثُ النَّهي أصحّ وأشهَر، إلّا أنَّ الخَطب فيه يسير، لأنَّه ليس من باب العبادات، وإنَّما هو من قَبِيل المصالح الدُّنيَويَّة فيُكتَفى فيه بمِثلِ ذلك، ويعْضُدُه إجماع الأُمّة على جواز ذلك. كذا قال، ومُراده بالجوازِ في حال كون الشّخص مالكاً لذلك المأكول، ولو بطريق الإذن له فيه، كما قَرَّرَه النَّوَويّ، وإلّا فلم ◌ُجِز أحد مِن العلماء أن يستأثر أحدٌ بمال غيره بغير إذنه، حتَّى لو قامَت قَرِينة تَدُلّ على أنَّ الذي وضَعَ الطَّعام بین الضِّیفان لا يُرضیه استئثار بعضِهم على بعض حَرُمَ الاستئثار جَزماً، وإنَّما تقع المُكارَمة في ذلك إذا قامَت قَرِينة الرِّضا. وذكر أبو موسى المدينيّ في ((ذَيل الغريبينِ)) عن عائشة (١) وجابر: استقباح القِران، لما فيه من الشَّرَه والَلَعِ المُزْري بصاحبه. وقال مالك: ليس بجميلِ أن يأكل أكثرَ من رُفقَته. تنبيه: في معنى الثَّمر الرُّطَبُ وكذا الَّبيب والعِنَب ونحوهما، لوضوح العِلّة الجامعة. قال القُرطُبيّ: حَلَ أَهلِ الظّاهر هذا النَّهي على التَّحريم، وهو سَهوٌ منهم وجهلٌ بمَساق الحديث وبالمعنى، وحَمَلَه الجمهور على حال المشارَكة في الأكل والاجتماع عليه بدليلٍ فهم ابن عمر راويه، وهو أفهَم للمقال وأقعَد بالحال. وقد اختلف العلماء فیمن یوضع الطّعام بین یدیه متی یملِکه؟ فقيلَ: بالوضع، وقيل: (١) أخرجه عنها ابن أبي شيبة ٣٠٥/٨. ٤٧٨ باب ٤٥ - ٤٧ / ح ٥٤٤٧ - ٥٤٤٩ فتح الباري بشرح البخاري بالرَّفع إلى فيه، وقيل غير ذلك، فعلى الأوَّل فمِلكهم فيه سواء، فلا يجوز أن يَقرُن إلّا بإذنِ الباقينَ، وعلى الثّاني يجوز أن يَقرُن. لكنَّ التَّفصيل الذي تقدَّم هو الذي تقتضيه القواعد الفقهيّة. نعم ما يوضَع بين يَدَي الضِّيفان وكذلك النِّثار(١) في الأعراس سبيله في العُرف سبيل المُكارَمة لا الَّشاحٌ، لاختلاف الناس في مِقدار الأكل، وفي الاحتياج إلى التَّاوُل من الشَّيء، ولو ◌ُلَ الأمر على تَساوي السُّهْمان بينهم لَضاقَ الأمر على الواضِع والموضوع له، ولمَا ساغَ لمن لا يكفيه اليسير أن يَتَنَاوَل أكثر من نَصيب مَن يُشبعه اليَسير، ولمّا لم يَتَشاحَّ الناس في ذلك وجَرَى عَمَلهم على المسامَحَة فيه عُرِفَ أنَّ الأمر في ذلك ليس على الإطلاق في كلّ حالة، والله أعلم. ٤٦ - باب بَرَكة النخلة (٢) ٥٤٤٨ - حدّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا محمَّدُ بنُ طَلْحةَ، عن زُبَيدِ، عن مجاهدٍ، قال: سمعتُ ابنَ عمَرَ، عن النبيِّ بَّةِ، قال: ((إنَّ من الشَّجَرِ شَجَرةً تكونُ مِثلَ المسلمِ، وهي النَّخْلة)». قوله: ((باب بَرَكة النَّخْلة)) ذكر فيه حديث ابن عمر مختصراً، وقد تقدَّم التَّنبيه عليه قريباً (٥٤٤٤)، وأنَّه مرَّ شرحُه مُستَوقَ في كتاب العلم (٦١). ٤٥ - باب القثاء ٥٤٤٧- حذَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ جعفرٍ قال: رأيتُ النبيَّ وَلَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بالقِّاءِ. قوله: ((باب القِّاء)» يأتي شرح حديثه في الباب الذي بعده إن شاء الله تَعالَى. ٤٧ - باب جمع اللّونين أو الطّعامين بمَرّةٍ ٥٤٤٩- حدَّثنا ابنُ مُقاتِلِ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا إبراهیمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ جعفرٍ رضي الله عنهما، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَله يأكلُ الرُّطَبَ بالقِّاءِ. (١) هو ما يُنثر في حَفَلات السُّرور من حلوى أو نقود. (٢) جاء هذا الباب هنا في رواية أبي ذرِّ الهروي، وجاء في رواية غيره مؤخراً إلى ما بعد الباب الذي يليه. ٤٧٩ باب ٤٧ / ح ٥٤٤٩ كتاب الأطعمة قوله: ((باب جمع اللَّوْنَينِ، أو الطَّعامَينِ بِمَرَّةٍ)) أي: في حالة واحدة، ورأيت في بعض الشُّروح: ٥٧٣/٩ (بمرَّةٍ مرَّة)) ولم أرَ التَّكرار في الأُصول، ولعلَّ البخاريّ لَمَّحَ إلى تضعيف حديث أنس: أنَّ النبيّ وَّهِ أَقِيَ بإناءٍ - أو بقَعْبٍ - فيه لَبَن وعَسَل، فقال: ((أُدْمان في إناء، لا آكُله ولا أُحَرِّمه)) أخرجه الطبراني(١) وفيه راوٍ مجهول. قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك، وقد تقدَّم إخراج البخاريّ لهذا الحديث قبل هذا الباب سواء (٥٤٤٧) وكذا فيما قبله بأبوابٍ (٥٤٤٠) بأعلى من هذا بدرجةٍ، والسَّبَب في ذلك أنَّ مَداره على إبراهيم بن سعد، قال التِّرمِذيّ (١٨٤٤): صحيح غريب لا نعرفه إلّا من حديثه. قوله: ((يأكل الرُّطَب بالقِثّاءِ) وَقَعَ في رواية الطبرانيّ كيفيَّة أكله لهما، فأخرج في ((الأوسط)) (٧٧٦١) من حديث عبد الله بن جعفر قال: رأيتُ في يمين النبيِّ وَّهِ قِّاءً وفي شِماله رُطَباً، وهو يأكل من ذا مرَّةً ومن ذا مرَّةً، وفي سنده ضعف. وأخرج فيه (٧٩٠٧) وهو في ((الطِّبّ)) لأبي نُعَيم (٨٣٣) من حديث أنس: كان يأخُذ الرُّطَب بيمينه والبِطّيخ بيساره، فيأكل الرُّطَب بالبِطّيخ، وكان أحَبَّ الفاكهة إليه. وسنده ضعيف أيضاً. وأخرج النَّسائيُّ (ك٦٦٩٢) بسندٍ صحيح عن حُميدٍ عن أنس: رأيتُ رسولَ الله ◌ِهـ يجمع بين الرُّطَب والخِرْيِز(٢). وهو بكسر الخاء المعجمة وسكون الرَّاء وكسر الموحّدة بعدها زاي: نوعٌ مِن البِطّيخ الأصفر، وقد تكبر القِثّاء فَتَصفَرّ من شِدّة الحرّ، فتصير كالخِرْبز، كما شاهَدته كذلك بالحِجاز. وفي هذا تَعقُّب على مَن زَعَمَ أنَّ المراد بالبطّيخ في الحديث الأخضَرُ، واعتَلَّ بأنَّ في الأصفَر حرارةً كما في الرُّطَب، وقد وَرَدَ التَّعليل بأنَّ بَرْدَ أحدهما يُطِفِئ حرارة الآخر. والجواب عن ذلك بأنَّ في الأصفَر بالنّسبة للرُّطَب برودةً وإن كان فيه لحَلاوَتِه طَرَفُ حرارة، والله أعلم. (١) في «الأوسط)) (٧٤٠٤). (٢) وأخرجه أحمد (١٢٤٤٩). ٤٨٠ باب ٤٧ / ح ٥٤٤٩ فتح الباري بشرح البخاري وفي النَّسائيِّ أيضاً (ك٦٦٩٣) بسندٍ صحيح عن عائشة: أنَّ النبيّ وَّ أَكَلَ البِطّيخ بالرُّطَب. وفي رواية له (ك٦٦٨٩): جَمَعَ بين البطّيخ والرُّطَب جميعاً. وأخرج ابن ماجه(١) (٣٣٢٤) عن عائشة: أرادت أمّي تُعالجُني للسِّمنة لتُدخِلني على النبيّ وَّةِ، فما استَقَامَ لها ذلك حتَّى أكَلتُ الرُّطَب بالقِّاءِ، فسَمِنتُ كأحسن سِمْنِةٍ. ولِلنَّسائيِّ ، (ك ٦٦٩١) من حديثها: لمَّا تزوَّجَني النبيُّ ◌َّهِ عالجوني بغير شيءٍ، فأطعَموني القِّاء بالنَّمرِ، فسَمِنتُ عليه كأحسن الشَّحم. وعند أبي نُعَيم في ((الطِّبّ)) (٨٤٢) من وجه آخر عن عائشة: أنَّ النبيّ ◌َِّ أَمَرَ أَبُوَيها بذلك(٢). ولابنِ ماجَهْ (٣٣٣٤) من حديث ابني بُسرِ: أنَّ النبيّ ◌َلِ كان يُحِبّ الزّبد والنَّمر(٣)، الحديث، ولأحمد (١٥٨٩٣) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبيه قال: دَخَلتُ على رجلٍ وهو يَتَمَجَّع(٤) لَبناً بتَمرِ، فقال: ادنُ، فإنَّ رسولَ الله ◌ِوَ سَّمَاهِمَا الأَطيَبينِ. وإسناده قويّ. قال النَّوَويّ: في حديث الباب جوازُ أكل الشَّيئينِ من الفاكهة وغيرها معاً، وجواز أكل طعامَينِ معاً. ويُؤخَذ منه جواز التوسُّع في المطاعم، ولا خلاف بين العلماء في جواز ذلك. وما نُقِلَ عن السَّلَف من خلاف هذا محمولٌ على الكراهة، مَنعاً لاعتيادِ التوسُّع والتََّقُّه والإكثار لغير مَصلَحة دينيّة. وقال القُرطُبيّ: يُؤخَذ منه جواز مراعاة صفات الأطعمة وطَبائعِها واستعمالها على الوجه اللائق بها على قاعِدة الطِّبّ، لأنَّ في الرُّطَب حَرارةً وفي القِّاءِ بُرودةً، فإذا أُكِلا معاً اعتَدَلا، وهذا أصلٌ كبير في المَرَكَّبات من الأدوية. (١) وهو أيضاً عند أبي داود بنحوه برقم (٣٩٠٣). (٢) لكن في إسناده محمد بن حميد الرازي وهو متروك الحديث. (٣) ذهل الحافظ رحمه الله عن تخريج هذا الحديث من ((سنن أبي داود)) (٣٨٣٧)، مع أنَّ هذا اللفظ الذي ذكره لفظه! وأما لفظ ابن ماجه فهو: وكان يحب الزُّبْدَ ێ، وليس فيه ذكر التمر. (٤) التمجُّع: هو أكلُ التمر اليابس باللبن معاً، أو أكلُ التمر وشربُ اللبن عليه.