النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
باب ٢٨ / ح ٥٤٢٥
كتاب الأطعمة
أُضحيته، ثمَّ قال لي: «يا ثوبانُ أصلِح لحم هذه» فلم أَزَلْ أُطعِمه منه حتَّى قَدِمَ المدينة.
قال ابن بَطّالٍ: في الحديث رَدّ على مَن زَعَمَ من الصّوفيَّة أنَّه لا يجوز ادخار طعامٍ لَغَدٍ،
وأنَّ اسم الولاية لا يُسْتَحَقّ لمن ادَّخَرَ شيئاً ولو قَلَّ، وأنَّ مَن ادَّخَرَ أساءَ الظَّنّ بالله، وفي هذه
الأحاديث كِفاية في الردّ على مَن زَعَمَ ذلك.
٢٨ - باب الحَيْس
٥٤٢٥- حدَّثْنَا قُتَبِيةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن عَمْرِو بنِ أبي عَمرِو مولى المطَّلِبِ بنِ
عبدِ الله بنِ حَنْطَبٍ، أَنَّه سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: قال رسولُ اللهِ وَّةِ لأبي طَلْحَةَ: ((التَمِس
غلاماً من غِلْمانكم يَخْدُمُني)). فخَرَجَ بي أبو طَلْحَ يُرْدِفُني وراءَه، فكنتُ أخدُمُ رسولَ الله وَ كلَّما
نزلَ. فكنتُ أسمَعُه يُكثِرُ أن يقولَ: ((اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ من الهَمِّ والَحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ،
والبُخْلِ والجُبْنِ، وضَلَعِ الدَّينِ وغَلَبةِ الرِّجال)). فلم أزل أخدُمُه حتَّى أقبَلْنا من خَيْرَ، وأقبَلَ
بصَفِيَّةَ بنت حُبَيٍّ قد حازَها، فكنتُ أَراه يُحوِّي لها وراءَه بعَباءةٍ - أو بكِسَاءٍ - ثمَّ يُردِفُها وراءَه،
حَتَّى إذا كنَّا بِالصَّهْباءِ صَنَعَ حَيساً في نِطَعٍ، ثمَّ أرسَلَنِي فَدَعَوْتُ رجالاً فأكَلُّوا، وكان ذلك بناءَه
بها، ثمَّ أقبَلَ حتَّى إذا بَدا له أُحُدٌ قال: ((هذا جبلٌ مُحِبُّنًا ونُحِبُّه)، فلمَّا أَشَرَفَ على المدينةِ قال:
«اللهمَّ إنّ أُحَرِّمُ ما بينَ جبلَيها مِثْلَ مَا حَرَّمَ به إبراهيمُ مَكّةَ، اللهمَّ بارِْ لهم في مُدِّهِم وصاِهم)).
قوله: ((باب الحَيس)) بفتح المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة بعدها مُهمَلة، تقدَّم تفسيره معَ ٥٥٤/٩
شرح حديث الباب في قصَّة صَفيَّة في غزوة خَيبَرَ من كتاب المغازي (٤٢١١). وأصل
الحَيْسِ ما يُتَّخَذ من الثَّمر والأقِط والسَّمن، وقد يُجُعَل عِوَضَ الأَقِطِ الفَتِيتُ أو الدَّقيقُ.
وقوله فيه: ((وضَلَع الدَّين)) بفتح الضّاد المعجَمة واللّام، أي: ثِقَلِه، وحكى ابن التِّين
سكون اللّام، وفَسَّرَه بالميل، ويأتي مزيد لشرح هذا الدُّعاء في كتاب الدَّعَوات إن شاءَ الله
تعالى (٦٣٦٣).
وقوله: ((يُحوّي)) بحاءٍ مُهمَلة وواو ثقيلة، أي: يجعل لها حَوِيَّة، وهو كِساءٌ مَحشوٌ يُدار
حول سَنَام الراحلة، يحفظ راکبها من السُّقوط، ويَستَریح بالاستنادِ إلیه.

٤٤٢
باب ٢٩ / ح ٥٤٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ثُمَّ أقبَلَ حتَّى إذا بدا له أُحُد)) تقدَّم الكلام عليه في أواخر الحجّ.
وقوله: ((مِثْل ما حَرَّمَ به إبراهيم مَكّة)) قال الكِرْمانيُّ: ((مِثل)) منصوب بنّزْع الخافض، أي:
بمِثلِ ما حَرَّمَ به، وليست لفظة ((به)) زائدة.
٢٩ - باب الأكلِ في إناءِ مُفضّضٍ
٥٤٢٦- حدَّثنا أبو نُعَیم، حدَّثنا سیفُ بنُ أبي سليمانَ، قال: سمعتُ مجاهداً يقول: حدَّثني
عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي ليلى: أنَّهم كانوا عندَ خُذَيفةَ، فاستَسْقَى، فسَقاه مَجوسِيٌّ، فلمَّا وضَعَ القَدَحَ
في يدِه رَمَّى به، وقال: لولا أنَّه نَهَيْتُهُ غيرَ مَرَّةٍ ولا مرَّتَينٍ، كأنَّه يقول لم أفعَل هذا، ولكنّي سمعتُ
النبيَّ نَّه يقول: ((لا تَلْبَسوا الَرِيرَ ولا الدِّيباجَ، ولا تَشْرَبوا في آنِيةِ الذَّهَبِ والفِضّةِ، ولا تَأْكُلُوا في
صِحافها، فإنَّا لهم في الدُّنْيا وهي لكم في الآخِرةِ)).
[أطرافه في: ٥٦٣٢، ٥٦٣٣، ٥٨٣١، ٥٨٣٧]
قوله: ((باب الأكل في إناء مُفَضَّض)) أي: الذي جُعِلَت فيه الفِضّة، كذا اقتَصَرَ من الآنيّة
على هذا، والأكل في جميع الآنيَّة مُباح إلّا إناء الذَّهَب وإناء الفِضّة.
واختُلِفَ في الإناء الذي فيه شيء من ذلك إمّا بالتَّضبيب، وإمّا بالخُلطِ وإمّا بالطِّلاء،
وحديث حُذَيفة الذي ساقَه في الباب فيه النَّهي عن الذُّرب في آنْيَة الذَّهَب والفِضّة، ويُؤْخَذ
منه مَنعُ الأكل بطريق الإلحاق، وهذا بالنّسبة لحديثِ حُذَيفة، وقد وَرَدَ في حديث أمّ سَلَمةَ
عند مسلم (١/٢٠٦٥) كما سيأتي التَّنبيه عليه في كتاب الأشربة ذِكْر الأكل (٥٦٣٢)، فيكون
المنع منه بالنَّصِّ أيضاً.
٥٥٥/٩ وهذا في الذي جميعُه مِن ذهب أو فِضّة، أمَّ المخلوط أو المضَبَّب أو / المُمَوَّه، وهو المَطْلِيّ،
فَوَرَدَ فيه حديث أخرجه الدّارَ قُطنيُّ (٩٦) والبيهقيُّ (٢٨/١ -٢٩) عن ابن عمر رَفَعَه:
((مَن شَرِبَ في آنية الذَّهَب والفضّة، أو إناءٍ فيه شيء من ذلك، فإنّما يُجرچِر في جوفه نار
جَهَنَّم)). قال البيهقيُّ: المشهور عن ابن عمر موقوف عليه. ثمَّ أخرجه كذلك (٢٩/١)، وهو
عند ابن أبي شَيْبة (٨/ ٢١٣) من طريق أُخرى عنه: أنَّه كان لا يَشَرَب من قَدَح فيه حَلْقة فِضّة

٤٤٣
باب ٣٠ / ح ٥٤٢٧ -٥٤٢٩
كتاب الأطعمة
ولا ضَبّة فِضّة. ومن طريق أُخرى عنه (٢١٤/٨): أنَّه كان يَكرَه ذلك. وفي ((الأوسط))
للطََّرانيٌّ (٣٣١١) من حديث أمّ عَطيَّة: نَهَى رسول الله وََّ عن تفضيض الأقداح، ثمَّ رَخَّصَ
فيه للنِّساءِ(١).
قال مُغَلْطاي: لا يُطابق الحديث التَّرجمة إلّا إن كان الإناء الذي سُقي فيه حُذيفة كان
مُضَبَّباً، فإنَّ الضَّبّة موضع الشَّفَة عند الشُّرب. وأجابَ الكِرْمانيُّ بأنَّ لفظ مُفَضَّض، وإن
كان ظاهراً فيما فيه فِضّة، لكنَّه يَشمَل ما إذا كان مُتَّخَذاً كلّه من فِضّة.
والنَّهي عن الشُّرب في آنية الفِضّة يَلحَق به الأكلُ للعِلّة الجامعة، فتَطابقَ الحديثُ والتَّرجمة،
والله أعلم.
٣٠- باب ذِكْر الطّعام
٥٤٢٧- حدّثنا قُتَبةُ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن قَتَادَةَ، عن أنسٍ، عن أبي موسى الأشعَرِيِّ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَّهَ: «مَثَلُ المؤمنِ الذي يَقْرَأُ القرآنَ كمَثَلِ الأَنْرُجَّةِ، رِيحُها طيِّبٌ وطَعْمُها
طِيِّبٌ، ومَثَلُ المؤمنِ الذي لا يَقْرَأُ القرآنَ كمَثَلِ الثَّمْرةِ، لا رِيحَ لها وطَعْمُها حُلْوٌّ، ومَثَلُ المنافقِ
الذي يَقْرأُ القرآنَ مَثَلُ الرّيحانِةِ، رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها مٍُّ، ومَثَلُ المنافقِ الذي لا يَقْرأُ القرآنَ كَمَثَلِ
الخَنْظَلِةِ، ليس ها رِبِحٌ وطَعْمُها مُ )).
٥٤٢٨ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا خالدٌ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌َِّه
قال: ((فَضْلُ عائشةَ على النِّساءِ كَفَضْلِ الشَّرِيدِ على سائرِ الطَّعام)».
٥٤٢٩- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا مالكٌ، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن
النبيِّ وَّرِ قال: ((السَّفَرُ قِطْعٌ من العذاب: يَمْنَعُ أحدكم نَوْمَه وطعامَه، فإذا قَضَى نَهْمَتَه من
وجهِه فلْيُعَجِّل إلى أهلِهِ)).
قوله: «باب ذِْر الطَّعام)) ذکر فیه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث أبي موسى: ((مَثَل المؤمن الذي يقرأ القرآن))، وقد سَبَقَ شرحُه في فضائل
(١) وأخرجه كذلك في ((الكبير)) ٢٥/ (١٦٧).

٤٤٤
باب ٣١ / ح ٥٤٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
القرآن (٥٠٢٠)، والغرض منه تَكرار ذِكْر الطَّعْم فيه، والطَّعام يُطلَق بمعنى الطَّعْم.
ثانيها: حديث أنس في فضل عائشة، وقد مَضَى التَّنبيه عليه قريباً (٥٤١٣). وذَكَرَ فیه
الطَّعام.
ثالثها: حديث أبي هريرة: ((السَّفَر قِطعةٌ من العذاب)) ذكره لقولِه فيه: ((يَمنَع أحدّكم نومَه
وطعامَه))، وقد مَضَى شرحه في أواخر أبواب العمرة بعد كتاب الحجّ (١٨٠٤).
قال ابن بَطّالٍ: معنى هذه التَّرجمة إياحةُ أكل الطَّعام الطيِّب، وأنَّ الزُّهد ليس في خلاف
ذلك، فإنَّ في تشبيه المؤمن بما طَعمُه طيِّب وتشبيه الكافر بما طَعمُه مُرّ ترغيباً في أكل الطَّعام
الطيِّب والحُلْو. قال: وإنَّما كَرِهَ السَّلَف الإدمان على أكل الطيِّيات خَشْية أن يصير ذلك عادةً،
فلا تَصبر النَّفْس على فَقْدها.
قال: وأمَّا حديث أبي هريرة ففيه إشارة إلى أنَّ الأَدَميّ لا بدَّ له في الدُّنيا من طعام يُقيم به
جسده، ويَقْوَى به على طاعة رَبِّه، وأنَّ الله جلَّ وعَلا جَبَل النُّفوس على ذلك لِقوام الحياة، لكنَّ
المؤمن يأخذ من ذلك بقَدرِ إيثاره أمر الآخِرة على الدُّنيا.
وزَعَمَ مُغَلْطاي أنَّ ابن بَطّالٍ قال قبل حديث أبي هريرة ما معناه: ليس فيه ذِكْرِ الطَّعام.
٥٥٦/٩ قال مُغَلْطاي: قوله: ليس فيه/ ذِكْر الطَّعام، ذُهول شديد، فإنَّ لفظ المتن: ((يَمنَع أحدكم
نومه وطعامه)). انتهى، وتَعقَّبَه صاحبُهُ الشَّيخ سِراج الدّين بن الملقِّن بأنَّه لا ذُهول، فإنَّ
عِبارة ابن بَطّالٍ: ليس فيها ذِكْر أفضل الطَّعام ولا أدناه. وهو كما قال، فلم يَذهَل.
٣١ - باب الأُدُم
٥٤٣٠- حذَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن رَبِيعةَ، أنَّه سمعَ القاسمَ
ابنَّ محمَّدٍ يقول: كان في بّرِيرةَ ثلاثُ سُنّنٍ: أرادت عائشةُ أنْ تَشْتَرِيَها فَتُعْتِقَها، فقال أهلُها: ولَنا
الولاءُ، فذكرت ذلك لِرسولِ اللهِوَ له، فقال: «لو شئتٍ شَرّطْتِيه لهم، فإنَّ الولاءُ لمن أَعنَ)».
قال: وأُعْتِقَت فخُيُّرَت في أن تَقِرَّ تحتَ زوجِها أو تُقارِئَه.
وَدَخَلَ رسولُ الله ◌َ يوماً بيت عائشةَ وعلى النار بُرْمَةٌ تَفورُ، فَدَعَا بالغَدَاءِ فَأُنِيَ بِخُبْزٍ وأُدُمٍ من

٤٤٥
باب ٣١ / ح ٥٤٣٠
كتاب الأطعمة
أَدُم البيتِ، فقال: ((ألم أرَ لحماً؟)) قالوا: بلى يا رسولَ الله، ولكنَّه لحمٌّ تُصُدِّقَ به على بَرِيرةَ، فأهدَتْه
لنا، فقال: «هو صَدَقَةٌ عليها وهَدِيَّةٌ لنا».
قوله: ((باب الأُدُم)) بضمِّ الهمزة والدّال المهمَلة، ويجوز إسكانها، جمع إدام، وقيل: هو
بالإسكان المفرَد، وبالضَّمِّ الجمع.
ذکر فیه حديث عائشة في قصّة بريرة، وفيه: فأُتيَ بُدُم من أُدُم البيت، وفيه ذِكْر اللَّحم الذي
تُصُدِّق به على بَريرة، وقد مَضَى شرحه مُستَوفَّى في الكلام على قصَّة بَريرة في الطَّلاق (٥٢٧٩).
وحكى ابن بَطّالٍ عن الطَّبَرِيِّ قال: دَلَّت القصّة على إيثاره عليه الصلاة والسَّلام اللَّحمَ
إذا وجَدَ إليه السَّبيل. ثُمَّ ذكر حديث بُرَيدة(١) رَفَعَه: ((سَيِّد الإدام في الدُّنيا والآخِرة اللَّحم)(٢).
ثم قال: وأمَّا ما وَرَدَ عن عمر(٣) وغيره من السَّلَّف من إيثار أكل غير اللَّحم على اللَّحم، فإمّا
لقَمْعِ النَّفس عن تعاطي الشَّهَوات والإدمان عليها، وإمّا لكراهة الإسراف والإسراع في تبذير
المال لِقِلّة الشّيء عندهم إذ ذاكَ.
ثَّ ذكر حديث جابر لمَّا أضافَ النبيّ ◌َّهِ وَذَّبَحَ له الشّاة، فلمَّا قَدَّمَها إليه قال له: كأنَّك قد
علمت حُبّنا للَّحمِ. وكان ذلك لقِلّة الشَّيء عندهم فكان حُبّهم له لذلك. انتهى مُلشَّصاً.
وحديث بريدة(٤) أخرجه ابن ماجه(٥)، وحديث جابر أخرجه أحمد مُطوَّلاً من طريق نُبِيح
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: بريرة.
(٢) أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٧٤٧٧)، وتمام الرازي في «فوائده)) (٢٩٨)، وأبو نعيم في «الطب
النبوي)) (٨٤٧)، والبيهقي في («شعب الإيمان)» (٥٩٠٤) و(٦٠٧٦)، وقال: تفرد به أبو هلال محمد بن سُليم
الراسبي. قلنا: وهو ضعيف يعتبر به عند المتابعة، ولم يتابع، لكن له شاهد من حديث أنس عند البيهقي (٥٩٠٢)
لکن الراوي عنه یزید الرقاشي، وهو ضعيف، والراوي عن يزيد الرقاشي مجهول.
(٣) أخرج ذلك عنه عمر بن شبة في ((تاريخ المدينة)) ٢/ ٦٩٥ بإسناد حسنٍ، ونحوه في ((موطأ مالك))
٩٣٦/٢ عن يحيى بن سعيد الأنصاري مرسلاً.
(٤) تحرف في (ع) و(س) إلى: بريرة.
(٥) كذا قال الحافظ، وهو وهم منه رحمه الله، فالحديث لم يخرجه ابن ماجه ولا أحد من أصحاب السنن، وإنما هو
عند الطبراني في ((الأوسط)) وتمام الرازي وغيرهما، كما بيناه قريباً.

٤٤٦
باب ٣١ / ح ٥٤٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
العَنَزيّ عنه (١٥٢٨١)، وأصله في ((الصَّحيح)) بدون الزّيادة(١).
وقد اختَلَفَ الناس في الأُدم: فالجمهور أنَّه ما يُؤكَل به الخبز مما يُطيِّبه سواء كان مَرَقاً
أم لا، واشتَرَطَ أبو حنيفة وأبو يوسف الاصطباغ (٢)، وسيأتي بسط ذلك في كتاب الأيمان
والتُّذور إن شاءَ الله تعالى (٦٦٨٨).
ووَقَعَ في حديث عائشة: فقال أهلها: ولَنا الولاء. هو معطوف على محذوف تقديره: نبيعها
ولَنا الولاء.
وفيه: فقال: ((لو شِئتِ شرطْتيه)) بإثبات التَّحتانيَّة، وهي ناشئة عن إشباع حركة
المثنّاة.
وفيه: وأُعْتِقَت، فخُيِّرَت بين أن تَقِرّ تحت زوجها أو تُفارقه. قال ابن التِّين: يَصِحّ أن
يكون أصلُه من وقَرَ، فتكون الرَّاء مُخُفَّفة، يعني: والقاف مكسورة، يقال: وقَرْت أقِرِ: إذا
جلستَ مُستَقِرّاً، والمحذوف فاء الفِعل. قال: ويَصِحّ أن تكون القاف مفتوحة - يعني معَ
تشديد الرَّاء - من قولهم: قَرَرت بالمكان أقَرّ، يقال: بفتح القاف، ويجوز بكسرها، من قَّ
يَقَرُّ. انتهى مُلخَّصاً، والثّالث هو المحفوظ في الرِّواية.
تنبيه: أورَدَ البخاريّ هذا الحديث هنا من طريق إسماعيل بن جعفر عن رَبيعة عن
القاسم بن محمَّد قال: كان في بَريرة ثلاث سُنَن. وساقَ الحديث. وليس فيه أنَّه أسنَدَه عن
عائشة، وتَعقَّبَه الإسماعيليّ فقال: هذا الحديث الذي صَخَّحَه مُرسَل. وهو كما قال من ظاهر
سياقه، لكنَّ البخاريّ اعتَمَدَ على إيراده موصولاً من طريق مالك عن ربيعة عن القاسم
٥٥٧/٩ عن عائشة كما تقدَّم في النِّكاح (٥٠٩٧) والطَّلاق (٥٢٧٩)، ولكنَّ جَرَى/ على عادته من تجنُّب
إيراد الحديث على هيئته كلّها في باب آخر، وقد بيَّنت وَصْل هذا الحديث في ((باب لا يكون
بَيْع الأَمة طلاقاً) من كتاب الطَّلاق (٥٢٧٩)، والله أعلم.
(١) سلف برقم (٢١٢٧).
(٢) تصحف في (س) إلى: الاصطناع.

٤٤٧
باب ٣٢ / ح ٥٤٣١ - ٥٤٣٢
كتاب الأطعمة
٣٢ - باب الحَلْوى والعَسَل
٥٤٣١ - حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلَيُّ، عن أبي أسامةَ، عن هشام، قال: أخبرني
أبي، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان رسولُ الله ◌َّهَ يُحِبُّ الحَلْوى والعَسَلَ.
٥٤٣٢- حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ شَيْبةَ، قال: أخبرني ابنُ أبي الفُدَيكِ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن
المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، قال: كنتُ ألزَمُ النبيَّ ◌َّهِ لِشِبَعِ بَطْني، حينَ لا آكُلُ الَخَمِيرَ(١)، ولا
ألبَسُ الَحَرِيرَ، ولا يَخْدُمُني فلانٌ ولا فلاتةُ، وأُلْصِقُ بَطْنِي بالحَصْباءِ، وأستَقْرِئُ الرجلَ الآيَةَ،
وهي معي، كَي يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَني، وخيرُ الناسِ لِلْمَساكِينِ جعفرُ بنُ أبي طالبٍ، يَنْقَلِبُ بنا
فيُطْعِمُنا ما كان في بيتِهِ، حتَّى إن كان لَيُّخْرِجُ إلينا العُكّةَ ليس فيها شيءٌ، فَتَشْتَقُّها، فتَلْعَقُ ما
فیھا.
قوله: ((باب الحَلْوَى والعَسَل)) كذا لأبي ذرِّ مقصور، ولغيره ممدود، وهما لُغَتان، قال
ابن ولّادٍ: هي عند الأصمَعيّ بالقصرِ تُكتَب بالياء، وعند الفَرّاء بالمدِّ تُكتَب بالألف،
وقيل: تُدُّ وتُقصَر. وقال اللَّيث: الأكثر على المدّ، وهو كلّ حُلو يُؤْكَل. وقال الخطّابيُّ: اسم
الحَلْواء لا يقع إلّا على ما دَخَلَتْه الصَّنْعةُ. وفي (المخَصَّص)) لابنِ سيدَه: هي ما عُولِجَ من
الطَّعام بحَلاوة. وقد تُطلَق على الفاكِهة.
قوله: ((يُحِبّ الحَلْوَى والعَسَل)) كذا في الرِّواية للجميع بالقصر، وقد تقدَّم في أبواب
الطَّلاق (٥٢٦٨) بالوجهَينِ. وهو طَرَف من حديث تقدَّم في قصَّة التَّخيير، قال ابن بَطّالٍ:
الحَلَوَى والعَسَل من جُملة الطيِّيات المذكورة في قوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِنَ اُلَِّبَتِ﴾
[المؤمنون: ٥١]، وفيه تَقوية لقولِ مَن قال: المراد به المستَلَذّ من المباحات. ودَخَلَ في معنى هذا
الحديث كلّ ما يُشابه الحَلوَى والعَسَل من أنواع المآكِل اللَّذيذة كما تقدَّم تقريره في أوَّل كتاب
الأطعمة.
وقال الخطَّبيُّ وتَبعَه ابن التِّين: لم يكن حُبّه وَ لِّ لها على معنى كَثْرة النَّشَهّي لها وشِدّة
(١) الخمير: هو الخبز الذي جعل في عجينه الخمير.

٤٤٨
باب ٣٢ / ح ٥٤٣١-٥٤٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
نزاع النَّفْس إليها، وإنَّما كان يَنال منها إذا أُحِضِرَت إليه نَيلاً صالحاً، فيُعلم بذلك أنَّها
تُعجِبه.
ويُؤْخَذ منه جواز اتّخاذ الأطعمة من أنواعٍ شَتَّى، وكان بعضُ أهلِ الوَرَع یَكرَه ذلك، ولا
يُرَخِّص أن يأكل من الخَلاوة إلّا ما كان حُلوه بطَبعِه كالثَّمرِ والعَسَل، وهذا الحديث يَرُدّ
عليه، وإِنَّا تَوَرَّعَ عن ذلك من السَّلَف مَن آثَرَ تأخير تَناوُل الطيِّات إلى الآخِرة معَ القُدرة على
ذلك في الدُّنيا تَواضُعاً لا شُحّاً.
ووَقَعَ في كتاب ((فقه اللُّغة)) للثَّعالبيِّ أنَّ حَلَوَى النبيّ ◌َِّ التي كان يُحِبّها هي المَجيع،
بالجیم وزن عظیم، وهو تمر یُعجَن بلَبَن. وسيأتي في ((باب الجمع بين لونَينٍ)) (٥٤٤٩) ذِكْر
مَن روى حديث: أَنَّه كان يُحِبّ الزُّبد والثَّمر. وفيه رَدّ على مَن زَعَمَ أنَّ المراد بالحَلَوَى أَنَّه وَه
كان يَشرَب كلّ يومٍ قَدَح عَسَل يُمزَج بالماء، وأمَّا الحلوى المصنوعة فما كان يعرِفها. وقيل:
المراد بالحَلوَى الفالُوذَج لا المعقودة على النار، والله أعلم.
قوله: ((حدَّثنا عبد الرّحمن بن شَيْبة)) هو عبد الرَّحمن بن عبد الملك بن محمَّد بن شَيْبة
الِحِزَاميّ - بالمهمَلة والزّاي - المدنيّ نسبةً إلى جَدّ أبيه، وغَلِطَ بعضهم فقال: عبد الرَّحمن بن
٥٥٨/٩ أبي شَيْبة، ولفظ ((أبي)) زيادة/ على سبيل الغَلَط المحض، وما لعبد الرّحمن في البخاريّ سوى
موضعینِ هذا أحدهما.
قوله: ((ابن أبي الفُدَيك)) هو محمَّد بن إسماعيل، وأكثر ما يَرِد بغير ألف ولامٍ.
قوله: ((كنت ألزَم)) تقدَّم هذا الحديث في المناقب (٣٧٠٨) من وجه آخر عن ابن أبي ذِئب،
وأوَّله: يقول الناسُ: أكثرَ أبو هريرة، الحديث.
قوله: ((الشِبَعِ بَطْني)) في رواية الكُشْمَيهنيُّ: بشِبَع، بالموخَّدة، والمعنى مُخْتَلِفِ، فإنَّ الذي
بالباءِ يُشعِر بالمعاوضة، لكن رواية اللّام لا تنفيها.
قوله: ((ولا ألبَس الحرير)) كذا هنا للجميع. وتقدَّم في المناقب بلفظ: ((الحَبير)) بالموحّدة
بَدَل الرَّاء الأولى، وتقدَّم أنَّه للكُشْمَيهنيِّ براءَين، وقال عياض: هو بالموحّدة في رواية القابسيّ

٤٤٩
باب ٣٢ / ح ٥٤٣١- ٥٤٣٢
كتاب الأطعمة
والأَصِيليّ وعَبْدوس، وكذا لأبي ذرِّ عن الحقُّوِيِّ وكذا هو للنَّسَفيّ، ولِلباقينَ براءَينِ كالذي
هنا، وَرَجَّحَ عياض الرِّواية بالموخَّدة، وقال: هو الثَّوب المحَبَّر، وهو المزَيَّن الملَوَّن، مأخوذ من
التَّحبير: وهو التَّحسين، وقيل: الخبير: ثوب وَشْي مُخَطَّط، وقيل: هو الجديد.
وإنَّما كانت رواية الحرير مَرجوحة، لأنَّ السّياق يُشعِر بأنَّ أبا هريرة كان يفعل ذلك بعد أن
كان لا يفعله، وهو كان لا يَلْبَس الحرير لا أوَّلاً ولا آخِراً، بخلاف أكله الخَمير، ولُبسه الحَبير،
فإِنَّه صارَ يفعله بعد أن كان لا تَجِدِه.
قوله: ((ولا يَخْدُمني فلان وفلانة)) يحتمل أن يكون أبو هريرة هو الذي كَنَى وقَصَدَ
الإبهام لإرادة التَّعظيم والتَّهويل، ويحتمل أن يكون سَمَّى مُعيَّناً، وكَنى عنه الراوي. وقد
أخرج ابن سعد (٣٢٦/٤ -٣٢٧) من طريق أيوب عن ابن سِيرِين عن أبي هريرة قال: ولقد
رأيتُني وإنّي لَأَجِيرٌ لابنِ عَفّانَ وبنت غَزوانَ بطعام بطني وعُقْبة رِجلي (١)، أسوق بهم إذا ارتَحَلوا
وأخدُمهم إذا نزلوا، فقالت لي يوماً: لَتَرِدَنَّ حافياً ولَتَركَبَنَّ قائماً، فَزَوَّ جَنيها اللهُ تعالى، فقلت لها:
لَتَرِدِنَّ حافيةً ولَتَركَبِنَّ قائمةً. وسنده صحيح، وهو في آخر حديث أخرجه البخاريّ (٧٣٢٤)،
والتِّرمِذيّ (٢٣٦٧) بدون هذه الزّيادة.
وأخرج ابن سعد أيضاً (٣٢٦/٤) وابن ماجه (٢٤٤٥) من طريق سَليم بن حَيّان
سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: نَشَأْت يتيماً، وهاجَرت مِسْكيناً، وكنت أجيراً
لُسرةَ بنت غَزوانَ، الحديث.
قوله: ((وأستَقْرِىُّ الرجل الآية وهي مَعي)) تقدَّم شرح قِصَّته في ذلك معَ عمر في أوائل
الأطعمة (٥٣٧٤)، وقِصَّته في ذلك معَ جعفر في كتاب المناقب (٣٧٠٨).
قوله: ((وخيرُ الناس للمَساكينِ جعفر) تقدَّم شرحه في المناقب (٣٧٠٨)، ووَقَعَ في رواية
الإسماعيليّ من الزّيادة في هذا الحديث من طريق إبراهيم المخزوميّ عن سعيد المقبُريِّ عن أبي
هريرة: وكان جعفر يُحِبّ المساكين ويَجلِس إليهم ويُحدِّثهم ويُحدِّثونَه، وكان رسول الله وَّه
(١) العُقبة: النَّوبة، أي: نوبة رُكوِهِ.

٤٥٠
باب ٣٣ / ح ٥٤٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
يَكْنِيهِ أبا المساكين. قلت: وإبراهيم المخزوميّ: هو ابن الفضل، ويقال: ابن إسحاق المخزوميّ،
مَدَني ضعيف ليس من شرط هذا الكتاب، وقد أورَدت هذه الزّيادة في المناقب عن التِّرمِذيّ،
وهي من رواية إبراهيم أيضاً، وأشارَ إلى ضعف إبراهيم(١).
قال ابن المنيِّرِ: مُناسَبة حديث أبي هريرة للتَّرجمة أنَّ الحَلوَى تُطلَق على الشَّيء الحُلو،
ولمَّا كانت العُكّة يكون فيها غالباً العَسَل، ورُبّما جاء مُصرَّحاً به في بعض طرقه، ناسَبَ
التَّبويب.
قلت: إذا كان وَرَدَ في بعض طُرُقه العَسَل(٢) طابَق التَّرجمة، لأنَّهَا مُشتَمِلة على ذِكْرِ الحَلوَى
والعَسَل معاً، فيُؤخَذ من الحديث أحد رُكنَي التَّرجمة، ولا يُشتَرَط أن يَشتَمِل كلّ حديث في
الباب على جميع ما تَضَمَّنَتَه التَّرجمة، بل يكفي التَّوزيع، وإطلاقُ الحَلوَى على كلّ شيءٍ حُلْوٍ
خلافُ العُرْف، وقد جَزَمَ الخطَّبيُّ بخلافه كما تقدَّم، فهو المعتمَد.
قوله: ((فَتَشْتَقُّها)) قَيَّدَه عياض بالشّينِ المعجَمة والفاء، ورَجَّحَ ابن الِّين أنَّه بالقاف، لأنَّ
معنى الذي بالفاءِ أن يَشَرَب ما في الإناء كما تقدَّمَ، والمراد هنا: أنَّهم لَعِقوا ما في العُكّة بعد
أن قَطَعوها ليتمكّنوا من ذلك.
٣٣- باب الدُّّاء
٥٤٣٣ - حدَّثنا عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا أزْهَرُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن ثُمَامَةَ بنِ أنسٍ،
عن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله ◌َيَ أْتِى مَوْلَى له خَيّاطاً، فَأَتِيَ بِدُبّاءٍ فَجَعَلَ يأكلُه، فلم أزَل أُحِبُّه منذُ
رأيتُ رسولَ الله ◌َّ يأكلُه.
٥٥٩/٩ قوله: ((باب الدُّاء)) ذكر فيه حديث أنس في قصَّة الخيّاط من طريق ثُمامة عن أنس، وقد
تقدَّم شرحه وضبطه، وتقدَّمَت الإشارة إلى موضع شرحِه قريباً (٥٣٧٩).
(١) الحديث عند الترمذي برقم (٣٧٦٦).
(٢) كذا احتمل ابن المنير والحافظ ورود ذكر العسل في بعض طرق الحديث ولم يخرجاه، فكأنهما لم يقفا عليه،
وهو عند البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٨٨٢) بإسناد صحيح.

٤٥١
باب ٣٤ / ح ٥٤٣٤
كتاب الأطعمة
وأخرج التِّرمِذيّ (١) والنَّسائيُّ (ك٦٦٣١) وابن ماجه (٣٣٠٤) من طريق حكيم بن
جابر عن أبيه قال: دَخَلت على النبيّ وَّه في بيته وعنده هذا الدُّاء، فقلت: ما هذا؟ قال:
(«هذا القَرْع، وهو الدُّبّاء، نُكِّر به طعامَنا)) .
٣٤ - باب الرّجُلِ يتكلّفُ الطّعامَ لإخوانه
٥٤٣٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن أبي
مسعودٍ الأنصاريِّ، قال: كان من الأنصار رجلٌ يقال له: أبو شُعَيبٍ، وكان له غلامٌ لَخَّامٌ، فقال:
اصْنَع لي طعاماً أدعو رسولَ الله ◌َِّ خامسَ خمسةٍ، فَدَعَا رسولَ الله ◌َِّ خامسَ خمسةٍ، فَتَبِعَهم
رجلٌ، فقال النبيُّ وَِّ: ((إِنَّكَ دَعَوْتَنا خامسَ خمسةٍ، وهَذا رجلٌ قد تَبِعَنا، فإن شئتَ أذِنْتَ له،
وإن شئتَ تَرَكْتَه)». قال: بل أذِنْتُ له.
قوله: ((باب الرجل يتكلَّف الطَّعام لإِخْوانِهِ» قال الکِرْمانيُّ: وجه التَّكَلُّف من حديث
الباب أنَّه حَصَرَ العَدَد بقولِه: خامس خمسة، ولولا تكلَّفه لمَا حَصَرَ. وسَبَقَ إلى نحو ذلك
ابنُ التِّين، وزاد: أنَّ التَّحديد يُنافي البَرَكة، ولذلك لمَّا لم يُحدِّد أبو طلحة(٢) حَصَلَت في
طعامه البَرَكة حتَّى وَسِعَ العَدَدَ الكثير.
قوله: ((عن أبي وائل، عن أبي مسعود)) في رواية أبي أُسامة عن الأعمَش: حدَّثنا شَقِيق
- وهو أبو وائل - حدَّثنا أبو مسعود. وسيأتي بعد اثنَينٍ وعشرينَ باباً (٥٤٦١). ولِلأعمَشِ
فيه شيخ آخر نَبَّهت عليه في أوائل البيوع (٢٠٨١)، أخرجه مسلم (١٣٨/٢٠٣٦) من طريق
زُهَير وغيره [عنه](٣) عن أبي سفيان عن جابر مقروناً برواية أبي وائل عن أبي مسعود، وهو
عُقْبة بن عَمْرو، ووَقَعَ في بعض النُّسَخ المتأخِرة: عن ابن مسعود. وهو تصحيف.
قوله: ((كان من الأنصار رجل يقال له: أبو شُعَيب)) لم أقِفْ على اسمه، وقد تقدَّم في أوائل
(١) في ((الشمائل)) (١٦٢).
(٢) يعني به حديث أنس، وقد سلف برقم (٣٥٧٨).
(٣) لفظة ((عنه)) سقطت من الأصول و(س) ولا بدَّ منها.

٤٥٢
باب ٣٤ / ح ٥٤٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
البُيوع (٢٠٨١) أنَّ ابن نُمَير عند أحمد والمحامليّ رواه عن الأعمَش، فقال فيه: عن أبي مسعود
عن أبي شُعَيب. جعله من مُسنَد أبي شُعَيبٍ.
قوله: ((وكان له غُلامٌ لَخَّام)) لم أقِفْ على اسمه، وقد تقدَّم في البيوع (٢٠٨١) من طريق
حفص بن غياث عن الأعمَش بلفظ: قَصّاب، ومَضَى تفسیرُه.
قوله: ((فقال: اصْنَع لي طعاماً أَدْعو رسولَ الله وَلِّ خامسَ خمسة)) زاد في رواية حفص:
اجعَل لي طعاماً يكفي خمسة، فإنّي أُريد أن أدعوَ رسولَ الله وَلِّ، وقد عَرَفت في وجهه
الجوع. وفي رواية أبي أُسامة: اجعَل(١) لي طُعَيِّماً، وفي رواية جَرِير عن الأعمَش عند مسلم
(١٣٨/٢٠٣٦): اصنع لنا طعاماً لخمسة نَفَر.
قوله: ((فَدَعا النبيَّ ◌َِّ خامسَ خمسة) في الكلام حذفٌ تقديره: فصَنَعَ فدعاه، وصَرَّحَ
بذلك في رواية أبي أسامة، ووَقَعَ في رواية أبي معاوية عن الأعمَش عند مسلم
(١٣٨/٢٠٣٦) والتِّرمِذيّ (١٠٩٩) وساقَ لفظها: فدَعاه وجُلَساءَه الذينَ معه. وكأنَّهم
٥٦٠/٩ كانوا أربعةً وهو خامسهم،/ يقال: خامسُ أربعة وخامسُ خمسة بمعنَى، قال الله تعالى:
﴿ثَانِىَ أَثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠]، وقال: ﴿ثَالِثُ تَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وفي حديث ابن مسعود(٢).
رابعَ أربعة. ومعنى ((خامس أربعة)) أي: زائد عليهم، وخامس خمسة، أي: أحدهم. والأجوَد
نصب خامس على الحال، ويجوز الرَّفع على تقدير حذف، أي: وهو خامس، أو: وأنا خامس،
والجملة حينئذٍ حاليّة.
قوله: ((فَتَبَعَهم رجل)) في رواية أبي عَوَانة عن الأعمَش في المظالم (٢٤٥٦): فَتَّبَعَهم(٣). وهي
(١) لفظ الرواية: اصنع، دون خلاف بين رواة البخاري، كما في اليونينية.
(٢) عند ابن ماجه (١٠٩٤)، ولفظه: ((إنَّ الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر رَواحهم إلى الجمعات،
الأول والثاني والثالث)) ثم قال: ((رابع أربعة، وما رابعُ أربعة ببعيد)).
(٣) كذا قال الحافظ وتبعه العيني رحمهما الله، وإنما هو في المظالم كلفظه هنا، حسب ما في اليونينية والقسطلّاني
دون خلاف بين رواه البخاري فيه، بل إنَّ الحافظ ذكره هناك موافقاً لما في الیونینیة، فلا ندري کیف وقع
له ذلك منا!

٤٥٣
باب ٣٤ / ح ٥٤٣٤
كتاب الأطعمة
بالتَّشديدِ، بمعنى تَبَعَهم، وكذا في رواية جَرِير وأبي معاوية، وذَكَرها الدّاووديّ بهمزة قطع،
وتَكلَّفَ ابن التِّين في توجيهها، ووَقَعَ في رواية حفص بن غياث: فجاء مَعَهم رجلٌ.
قوله: ((إن هذا تبعنا (١)) في رواية أبي عَوَانة وجَرِير: ((انَّبَعَنا)» بالتَّشديد. وفي رواية أبي معاوية:
(لم يكن مَعَنا حین دَعَوتنا)) .
قوله: ((فإن شئتَ أذِنْت له، وإن شئتَ تَرَكْته)) في رواية أبي عَوَانة: ((وإن شِئتَ أن يَرجِع
رَجَعَ))، وفي رواية جَرِير: ((وإن شِئت رَجَعَ))، وفي رواية أبي معاوية: ((إِنَّ اتَّبَعَنا ولم يكن مَعَنا
حين دَعَوتنا، فإن أذنت له دَخَلَ» .
قوله: «بل أذِنْتُ له» في رواية أبي أسامة: لا، بل أذِنتُ له، وفي رواية جَرِیر: لا، بل
أذنت له يا رسول الله، وفي رواية أبي معاوية: فقد أذِنّ له، فليَدخُل. ولم أَقِفْ على اسم هذا
الرجل في شيء من طرق هذا الحديث، ولا على اسم واحد من الأربعة.
وفي الحديث من الفوائد: جوازُ الاكتِساب بصَنْعة الجِزارة. واستعمال العَبد فيما يُطيق
من الصَّنائع وانتفاعه بكّسبه منها. وفيه مشروعيَّة الضّيافة وتأكُّد استحبابها لمن غَلَبَت
حاجته لذلك. وفيه أنَّ مَن صَنَعَ طعاماً لغيره فهو بالخيار بين أن يُرِلَه إليه أو يَدعوه إلى
مَنزِله. وأنَّ مَن دَعَا أحداً استُحِبَّ أن يَدعُوَ معه مَن يَرى من أخِصّائه وأهل ◌ُجالَسَته.
وفيه الحُكم بالدَّليلِ لقوله: إنّ عَرَفت في وجهه الجوع. وأنَّ الصَّحابة كانوا يُدِيمونَ
النَّظَر إلى وجهه تَبَرُّكاً به، وكان منهم مَن لا يُطيل النَّظَر في وجهه حياءً منه كما صَرَّحَ به
عَمْرو بن العاص فيما أخرجه مسلم (١٢١). وفيه أنَّه كان ◌َ﴾ مجموع أحياناً.
وفيه إجابةُ الإمام والشَريف والكبير دعوةَ مَن دونَهم، وأكلُهم طعامَ ذي الحِرفة غير
الرَّفيعة كالجَزّار، وأنَّ تعاطيَ مِثل تلكَ الجِرفة لا يَضَع قَدْر مَن يَتَوقَّى فيها ما يُكرَه، ولا
تَسقُط بمُجرَّدٍ تعاطيها شهادتُه. وأنَّ مَن صَنَعَ طعاماً لجماعةٍ فليكن على قَدْرهم إن لم يَقدِر على
(١) کذا في الأصول، وهو خلاف ما في اليونينية: حيث جاء فيها: «وهذا رجلٌ قد تبعنا» دون حکایة خلاف بين
رواه البخاري فيه، والظاهر أنَّ ما وقع هنا سبق قلم من الحافظ رحمه الله بعد أن قرأ رواية أبي عوانة وجرير
حیث جاء فيهما: ((إنَّ هذا» بدل: ((وهذا رجل)).

٤٥٤
باب ٣٤ / ح ٥٤٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
أكثر، ولا يَنْقُصُ من قَدْرهم مُستَنِداً إلى أنَّ طعام الواحد يكفي الاثنَين.
وفيه أنَّ مَن دَعَا قوماً مُتَّصِفِينَ بصِفَةٍ ثمَّ طَرأ عليهم مَن لم يكن معهم حينئذٍ أنَّه لا يَدخُل
في عُموم الدَّعوة، وإن قال قوم: إنَّه يَدخُل في الهديَّة، كما تقدَّم أنَّ جُلَساء المرء شُرَكاؤه فيما يُهدَى
إليه. وأنَّ مَن تَطَفَّلَ في الدَّعوة كان لصاحب الدَّعوة الاختيار في حرمانه، فإن دَخَلَ بغير إذنه
كان له إخراجه. وأنَّ مَن قَصَدَ التطفيل لم يُمنَع ابتداءً؛ لأنَّ الرجل تَبعَ النبيَّ وَّهِ فلم يَرُدَّه
لاحتمال أن تَطيب نفسُ صاحب الدَّعوة بالإذنِ له.
وينبغي أن يكون هذا الحديث أصلاً في جواز التطفيل لكن يُقيّد بمَن احتاجَ إلیه، وقد
جَمَعَ الخطيب في أخبار الطُّفَيَليّينَ جُزءاً فيه عِدّة فوائد: منها: أنَّ الطَّفَيليّ منسوب إلى رجلٍ
كان يقال له: طُفَيل من بني عبد الله بن غَطَفان، كَثُرَ منه الإتيان إلى الولائم بغير دَعوة
فسُمّيَ: ((طُفَيَلِ العَرائس)) فسُمّيَ مَن أَنَّصَفَ بعدُ بصِفَتِهِ طُفَيَليّاً، وكانت العرب تُسمّيه
الوارش، بشينٍ مُعجَمة، وتقولُ لمن يَتَبَع المدْعوَّ بغير دعْوةٍ: ((ضَيفَن)) بنونٍ زائدة، قال
الكِرْمانيُّ: في هذه التَّسمية مُناسَبة اللَّفظ للمعنى في التَّعيَّة من حيثُ إنَّه تابع للضَّيفِ،
والنُّون تابعة للكلمة.
واستُدِلَّ به على مَنع استتباع المدْعوِّ غيرَه إلّا إذا علم من الدّاعي الرِّضا بذلك. وأنَّ
الطُّفَيَليّ يأكل حراماً، ولِنصِرِ بن عليّ الْجَهضَميّ في ذلك قصَّة جَرَت له معَ طُفَيلِيّ، واحتَجَّ
نصرٌ بحديثٍ ابن عمر رَفَعَه: ((مَن دَخَلَ بغير دعوة دَخَلَ سارقاً وخَرَجَ مُغِيراً)) وهو حديث
ضعيف، أخرجه أبو داود (٣٧٤١)، واحتَجَّ عليه الطَّفَيليّ بأشياء يُؤخَذ منها تقييد المنع
٥٦١/٩ بمَن لا يحتاج/ إلى ذلك ممّن يَتَطَفَّل، وبمَن يَتَكَرَّه صاحبُ الطَّعام الدُّخول إليه، إمّا لِقِلّة
الشَّيء، أو استثقال الدّاخل، وهو يوافق قول الشافعيّة: لا يجوز التطفيل إلّا لمن كان بينه
وبين صاحب الدّار انبساط.
وفيه أنَّ المدْعوَّ لا يَمتَنِعِ من الإجابة إذا امتَنَعَ الدّاعي من الإذن لبعضٍ مَن صَحِبَه،
وأمَّا ما أخرجه مسلم (٢٠٣٧) من حديث أنس: أنَّ فارسيّاً كان طيِّب المَرَق صَنَعَ للنبيِّ وَّل

٤٥٥
باب ٣٤ / ح ٥٤٣٤
كتاب الأطعمة
طعاماً ثمَّ دَعاه، فقال النبيّ وَلي: ((وهذه؟)) لعائشة، قال: لا، فقال النبيّ وَّ: ((لا)) فُيُجاب
عنه بأنَّ الدَّعوة لم تكن لوليمةٍ، وإِنَّمَا صَنَعَ الفارسيُّ طعاماً بقَدْرِ ما يكفي الواحد، فخَشِيَ
إن أذِنَ لعائشة أن لا يكفي النبيَّ وَِّ، ويحتمل أن يكون الفَرق أنَّ عائشة كانت حاضرة
عند الدَّعوة بخلاف الرجل، وأيضاً فالمستَحَبّ للدّاعي أن يَدعُو خَواصّ المدعوّ معه كما
فعل اللَّحّام، بخلاف الفارسيّ، فلذلك امتَنَعَ من الإجابة إلّا أن يَدْعوَها، وخيَّر الداعي في
الرجل الذي طرأ(١)، أو علم حاجة عائشة لذلك الطَّعام بعينه، أو أحبّ أن تأکُل معه منه،
لأنَّه كان موصوفاً بالجَودة ولم يَعلَم مِثلَه في قصَّة اللَّحّام.
وأمَّا قصَّة أبي طلحة حيثُ دَعَا النبيّ وَّل إلى العَصيدة كما تقدَّم في علامات النُّبوّة (٣٥٧٨)
فقال لمن معه: ((قوموا)) فأجابَ عنه المازَريّ أنَّه يحتمل أن يكون عَلِم رِضا أبي طلحة فلم
يَستأذِنه، ولم يعلم رِضا أبي شُعَيب فاستأذَنه، ولأنَّ الذي أكَلَه القوم عند أبي طلحة كان ممَّا
خَرَقَ الله فيه العادة لنبيِّه وَلَّ، فكان جُلّ ما أكَلوه من البَرَكة التي لا صُنْع لأبي طلحة فيها،
فلم يَفتَقِر إلى استئذانه. أو لأنَّه لم يكن بينه وبين القَصّاب من الموَدّة ما بينَه وبين أبي طلحة.
أو لأنَّ أبا طلحة صَنَعَ الطَّعام للنبيِّ وََّ فَتَصَرَّفَ فيه كيف أراد، وأبو شُعَيب صَنَعَه له
ولنفسِه ولذلك حَدَّدَ بعَدَدٍ مُعيَّن ليكونَ ما يَفضُل عنهم له ولِعياله مثلاً، واطّلَعَ النبيّ ◌َِّ
على ذلك فاستأذَنه لذلك، لأنَّه أخبرُ بما يُصلِح نفسَه وعیالَه.
وفيه أنَّه ينبغي لمن استُؤْذِنَ في مِثل ذلك أن يأذَنَ للطّارئِ كما فعل أبو شُعَيب وذلك
من مكارم الأخلاق، ولعلَّه سمعَ الحديث الماضي: ((طعام الواحد يكفي الاثنَينِ)) (٥٣٩٢)،
أو رَجا أن يَعُمّ الزّائدَ بَرَكَةُ النبيِّنَّهِ، وإِنَّما استأذَنه النبيُّ ◌َّه تَطبيباً لنفسِه، ولعلَّه عَلم أنَّه
لا يَمنَع الطارئ.
وأمَّا تَوَقُّف الفارسيّ في الإذن لعائشة ثلاثاً وامتناع النبيّ ◌َّ من إجابته فأجابَ عياض
بأنَّه لعلَّه إِنَّمَا صَنَعَ قَدَرَ ما يكفي النبيّ ◌َّهِ وحدَه وعلمَ حاجتَه لذلك، فلو تَبَعَه غيره لم يَسُدّ
(١) قوله: ((وخيّر الداعي في الرجل الذي طرأ)) سقط من (س)، وهو ثابت في الأصول.

٤٥٦
باب ٣٤ / ح ٥٤٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
حاجته، والنبيّ وَِّ اعْتَمَدَ على ما ألِفَ من إمداد الله تعالى له بالبَرَكة وما اعتادَه من الإيثار
على نفسه، ومن مكارم الأخلاق معَ أهله، وكان من شأنه أن لا يُراجَع بعد ثلاث(١)، فلذلك
رَجَعَ الفارسيّ عن المنع.
وفي قوله وَّ: ((إنَّهَ اتَّبَعَنا رجل لم يكن مَعَنا حين دَعَوتنا)) إشارةٌ إلى أنَّه لو كان معهم
حالةَ الدَّعوة لم يَحَتَجْ إلى الاستئذان عليه، فيُؤْخَذ منه أنَّ الدّاعي لو قال لرسولِه: ادعُ فلاناً
وجُلَساءَه، جازَ لكلِّ مَن كان جَليساً له أن يَحِضُر معه، وإن كان ذلك لا يُستَحَبّ أو لا
يجب حيثُ قلنا بوجوبه إلّا بالتَّعيينِ.
وفيه أنَّه لا ينبغي أن يُظهِر الدّاعي الإجابةَ وفي نفسه الكراهة لئلّا يُطعِم ما تَكرَهه
نفسُه، ولِثَّا يجمع بين الرّياء والبُخل وصِفَة ذي الوجهَين، كذا استَدَلَّ به عياض. وتَعقَّبَه
شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)) بأنَّه ليس في الحديث ما يدلّ على ذلك، بل فيه مُطلَق الاستئذان
والإذن، ولم يُكلِّفه أن يَطَّلِعِ على رِضاه بقلبه. قال: وعلى تقدير أن يكون الدّاعي يَكرَه ذلك
في نفسه فينبغي له مجاهدة نفسه على دفع تلكَ الكراهة. وما ذكره من أنَّ النَّفْس تكون
بذلك طيِّة لا شَكَّ أنَّه أولى، لكن ليس في سياق هذه القصَّة ذلك، فكأنَّه أخَذَه من غير
هذا الحدیث، والتَّعَقُّب علیه واضح، لأنّه ساقه مساق مَن يستنبطُه من حديث الباب وليس
ذلك فیه.
وفي قوله ◌َّ: ((إنَّه اتَّبَعَنا رجل)) فأبهَمَه ولم يُعيِّنه أدبٌ حسنٌ لئلا يَنكَسِرِ خاطِر
الرجل، ولا بُدّ أن يَنضَمّ إلى هذا أنَّه الطَّلَعَ على أنَّ الدّاعي لا يَرُدّه، وإلّا فكان يَتَعيَّن في
ثاني الحال فيَحصُل كسر خاطِرِه، وأيضاً ففي رواية لمسلم (١٣٨/٢٠٣٦): ((إنَّ هذا
٥٦٢/٩ اتَّبَعَنا))(٢)، ويُجمَع بين الرِّوايتَينِ بأنَّه/ أبهَمَه لفظاً وعَيَّنَه إشارة، وفيه نوع رِفق به
بحَسَب الطاقة.
(١) لما أخرجه أحمد (١٤٨٦٤) من حديث جابر بن عبد الله قال: كنا نراجعه مرتين في الأمر إذا أمرنا به، فإذا
أمرنا الثالثة لم نُراجعه. وإسناده صحيح.
(٢) وهذا نحو رواية البخاري في كتاب المظالم (٢٤٥٦).

٤٥٧
باب ٣٥ / ح ٥٤٣٥
كتاب الأطعمة
تنبيه: وَقَعَ هنا عند أبي ذرِّ عن المُستَمْلي وحده: قال محمَّد بن يوسف - وهو الفِرَبْريّ(١) -:
سمعت محمّد بن إسماعيل - هو البخاريّ - يقول: إذا كان القومُ على المائدة فليس لهم أن
يُناوِلوا من مائدة إلى مائدة أُخرَى، ولكن يُناوِل بعضهم بعضاً في تلكَ المائدة أو يَدَعُوا(٢).
أي: يَترُكوا. وكأنَّه استنْبَطَ ذلك من استئذان النبيّ وَ ◌ّ الدّاعيَ في الرجل الطارئ، ووجه
أخْذِه منه أنَّ الذينَ دُعُوا صارَ لهم بالدَّعوة عُمومُ إذنٍ بالتَّصَرُّفِ في الطَّعام المدْعوّ إليه،
بخلاف مَن لم يُدْعَ، فيُنَّلُ مَن وُضِعَ بين يَدَيهِ الشَّيءٌ مَنزِلَةَ مَن دُعيَ له، ويُنَزَّلُ الشَّيء الذي
وُضِعَ بين يَدَي غيره مَنزِلة مَن لم يُدْعَ إليه. وأغفَلَ مَن وَقَفتُ على كلامه من الشُّرَاحِ التَّنبيه
على ذلك.
٣٥- باب من أضاف رجلاً، وأقبل هو على عمله
٥٤٣٥- حدَّثني عبدُ الله بنُ مُنِيرٍ، سمعَ النَّضْرَ، أخبرنا ابنُ عَوْنٍ، قال: أخبرني ثُمَامةُ بنُ
عبدِ الله بنِ أنسٍ، عن أنسٍ ◌َُه، قال: كنتُ غلاماً أمشي معَ رسولِ الله وَّةِ، فَدَخَلَ رسولُ اللهِّ
على غلامٍ له خَيّاطٍ، فأتاه بقَصْعةٍ فيها طعامٌ وعليه دُبّاءٌ، فَجَعَلَ رسولُ اللهِ وَّهِ يَتَبَّعُ الدُّاءَ.
قال: فلمَّا رأيتُ ذلك جَعَلْتُ أْمَعُهُ بِينَ يَدَيه، قال: فَأقبَلَ الغلامُ على عَمَلِهِ.
قال أنسُ: لا أزالُ أُحِبُّ الدُّاءَ بعدَما رأيتُ رسولَ الله ◌َّهِ صَنَعَ مَا صَنَعَ.
قوله: (باب مَن أضافَ رجلاً، وأقبَلَ هو على عَمَله)) أشارَ بهذه التَّرجمة إلى أنَّه لا يَتَحَثَّم على
الدّاعي أن يأكل معَ المدعوّ.
وأورد فيه حديث أنس في قصَّة الخيّاط، وقد تقدَّم شرحه مُستَوقَى (٥٣٧٩). وقد تَعقَّبَه
الإسماعيليّ بأنَّ قوله: ((وأقبَلَ على عَمَله)) ليس فيه فائدة، قال: وإنَّما أراد البخاريّ إيراده
من رواية النَّضر بن شُمَيلٍ عن ابن عَوْن.
قلت: بل لترجمتِه فائدة، ولا مانع من إرادة الفائدتَينِ الإسناديَّة والمتنيَّة، ومع اعتراف
(١) تحرَّف في (س) إلى: الفريابي، وإنما الفريابي شيخ البخاري، وأما تلميذه فهو الفِرَبْري.
(٢) سينقل البخاري قبل الحديث (٥٤٣٩) هذا الكلام عن ابن المبارك.

٤٥٨
باب ٣٦ / ح ٥٤٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
الإسماعيليّ بغرابة الحدیث من حديث النَّضر، فإنّما أخرجه من رواية أزهر عن ابن عَوْن،
فكأنَّه لم يقع له من حديث النَّضر (١). وقال ابن بَطّالٍ: لا أعلم في اشتراط أكل الدّاعي معَ
الضَّيف إلّا أنَّه أبسَطُ لوجهه، وأذهَبُ لاحتشامه، فمَن فعل فهو أبلغ في قِرَى الضَّيف
ومَن تَرَكَ فجائز، وقد تقدَّم في قصَّة أضياف أبي بكر أنَّهم امتَنَعوا أن يأكلوا حتَّى يأكل
معهم وأنَّه أنكَرَ ذلك(٢).
٣٦- باب المَرَق
٥٤٣٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ، أنَّه
سمعَ أنسَ بنَ مالكِ: أنَّ خَيّاطاً دَعَا النبيَّلَّه لِطعامِ صَنَعَه، فذهبتُ معَ النبيِّوَّةِ، فَقَرَّبَ خُبْزَ
شَعِيرٍ، ومَرَقاً فيه دُّاءٌ وقَدِيدٌ، فرأيتُ رسولَ الله وَّهِ يَتَّعُ الدُّاءَ مِن حَوالَيِ القَصْعِةِ، فلم أزَلْ
أُحِبُّ الدُّاءَ بعدَ يومئذٍ(٣).
قوله: ((باب المَرَق)) أورَدَ فيه حديث أنس المذكور قبلُ، وهو ظاهرٌ فيما تَرجَمَ له. قال
ابن التِّين: في قصَّة الخيّاط روايات فيما أُحضِر: ففي بعضها قَرَّبَ مَرَقاً، وفي بعضها قديداً،
٥٦٣/٩ وفي أُخرى خُبز شَعير، وفي أُخرى ثَريداً. قال: والزيادة/ من الثِّقة مقبولة.
قال الدّاووديّ: وإنَّما كان ذلك لأنَّهم لم يكونوا يَكْتُبُونَ، فُرُبَّمَا غَفَلَ الراوي عندما يُحدِّثُ عن
كلمة، يعني ويحفظها غيرُه من الثِّقات فيَعْتَمِد عليها.
قلت: أتمّ الرِّوايات ما وَقَعَ في هذا الباب عن مالك (٢٠٩٢): فقَرَّبَ خُبز شَعيِرٍ ومَرَقاً
فيه دُّاءٌ وقديدٌ. فلم يَفْتْها إلّا ذِكْر الثَّرید.
وفي خُصوص التَّنصيص على المرَق حديث صريح ليس على شرط البخاريّ، أخرجه
النَّسائيُّ (ك٦٦٥٦) والتِّرمِذيّ (١٨٣٣) وصَخَّحَه، وكذلك ابن حِبّان (٥١٣ ,٥٢٣,٥١٤)
(١) أخرج أبو عوانة الحديث (٨٣٢٥) عن الفضل بن عبد الجبار المروزي، عن النضر بن شميل، به.
(٢) سلف برقم (٦٠٢) و(٣٥٨١).
(٣) ضبطت ميم ((يومئذٍ) في اليونينية بالفتح على البناء للإضافة إلى ((إذ))، وبالكسر على الإعراب، وهما وجهان في
العربية، وقد قرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِدٍ﴾.

٤٥٩
باب ٣٧-٣٨ / ح ٥٤٣٧ -٥٤٣٨
كتاب الأطعمة
عن أبي ذرِّ رَفَعَه وفيه: ((وإذا طَبَخت قِدْراً فأكثِرِ مَرَقَته، واغرِف لجارك منه)). وعند أحمد
(١٥٠٣٠) والبزَّار(١) من حديث جابر نحوه. وفي الباب عن جابر في حديثه الطَّويل في صِفَة
الحجّ عند مسلم (١٢١٨) وأصحاب ((السُّنَن))(٢): ثُمَّ أَخَذَ من كلّ بَدَنة بَضَعَةً وجُعِلَت في
قِدر وطُبِخَت، فأكَلَ رسول الله وَّهِ وعَلِيُّ من لحمها وشَرِبا من مَرَقِها.
٣٧- باب القَدید
٥٤٣٧ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن إسحاق بنِ عبدِ الله، عن أنسٍ له، قال:
رأيتُ النبيَّوَ أُنِيَ بِمَرَقٍ فيها دُبّاءٌ وَقَدِيدٌ، فرأيتُه يَتَّعُ الذُّبَاءَ يأكُلُها.
٥٤٣٨- حدَّثْنَا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عابسٍ، عن أبيه، عن عائشةً
رضي الله عنها، قالت: ما فعَلَه إلّا في عامٍ(٣) جاعَ الناسُ، أرادَ أن يُطْعِمَ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، وإن كنّا لَنَرْفَعُ
الكُراعَ بعدَ خمسَ عَشْرَةَ، وما شَبِعَ آلُّ محمَّدٍ وَلَ من خُبْزِ بُرِّ مأدُومِ ثلاثاً.
قوله: ((باب القَديد)) ذكر فيه حديث أنس المذكور وهو ظاهر فيه، وحديثُ عائشة: ما فعَلَه
إلّا في عامٍ جاعَ الناسُ، أراد أن يُطعِم الغنيُّ الفقيرَ، الحديث.
قلت: وهو مختصر من حديثها الماضي في ((باب ما كان السَّلَف يَدَّخِرونَ)) وقد تقدَّم قريباً
(٥٤٢٣)، وأوَّله سؤال التابعيّ عن النَّهي عن الأكل من لحوم الأضاحيّ فوق ثلاث، فأجابَت
بذلك، فيُعرَف منه أنَّ مَرجِع الضَّمير في قولها: ((ما فعَلَه)) إلى النَّهي عن ذلك.
٣٨ - باب مَن ناولَ أو قدّم إلى صاحبه على المائدة شيئاً
قال ابنُ المبارَكِ: لا بَأسَ أن يُناوِلَ بعضُهم بعضاً، ولا يُناوِلُ من هذه المائدةِ إلى مائدةٍ
أُخرَی.
(١) كما في ((كشف الأستار)) (١٩٠١).
(٢) أخرجه أبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣١٥٨)، والترمذي (٨١٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤١٢٦).
(٣) ضبطت ميم ((عام)) في اليونينية بالفتح على البناء للإضافة إلى مبني، وبالكسر على الإعراب، وهما وجهان في
العربية كما بيناه قريباً.

٤٦٠
باب ٣٨ / ح ٥٤٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
٥٤٣٩ - حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ، أنَّه
سمعَ أنسَ بنَ مالكِ يقول: إنَّ خَيّاطاً دَعَا رسولَ الله وَّ لِطعام صَنَعَه، قال أنس: فذهبتُ معَ
رسولِ اللهِ وَ﴿ إلى ذلك الطَّعام، فقَرَّبَ إلى رسولِ الله وَّهِ خُبْزاً من شَعِيرٍ، ومَرَقاً فيه دُّاءٌ
وقَدِيدٌ، قال أنس: فرأيتُ رسولَ الله ◌ِّ يَتَتَبَّعُ الدُّاءَ من حَوْلِ الصَّحْفةِ، فلم أزَل أُحِبُّ الدُّاءَ
من يومئذٍ.
وقال ثُمامةُ: عن أنسٍ: فجَعَلْتُ أجْمَعُ الدُّجَاءَ بينَ يَدَيه.
قوله: ((باب مَن ناوَلَ أو قَدَّمَ إلى صاحبه على المائدة شيئاً. قال ابن المبارك: لا بأس أن يُناوِل
بعضُهم بعضاً، ولا يُناوِل من هذه المائدة إلى مائدة أُخرَى)) تقدَّم هذا المعنى قريباً، والأثر فيه عن
٥٦٤/٩ ابن المبارك موصول عنه في كتاب ((البرّ/ والصِّلة)) له.
ثُمَّ ذكر فيه حديث أنس في قصَّة الخيّاط وفيه: وقال تُمامة عن أنس: فجَعَلتُ أجمَعُ
الدُّاء بين يَدَيه. وَصَلَه قبل بابينِ من طريق تُمامة (٥٤٣٥)، وقد تقدَّم في ((باب مَن تَتَبَّعَ
حَوالَي القَصعة)) (٥٣٧٩) أنَّ في رواية حُميدٍ عن أنس: فجَعَلتُ أجمَعه فأُدنيه منه. وهو المطابق
للتَّرجمة، لأَنَّه لا فرق بين أن يُناِله من إناء إلى إناء (١) أو يَضُمّ ذلك إليه في نفس الإناء الذي
يأكل منه.
قال ابن بَطّالٍ: إنَّما جازَ أن يُناوِل بعضهم بعضاً في مائدة واحدة، لأنَّ ذلك الطَّعام قُدِّمَ
لهم بأعيانهم، فلَهم أن يأكلوه كلّه وهم فيه شُرَكاء، وقد تقدَّم الأمر بأكلِ كلّ واحد ممّاً
يليه (٢)، فمَن ناوَلَ صاحبه ممّا بين يَدَيه فكأنَّه أَثَرَه بنَصيبه معَ ما له فيه معه من المشارَكة، وهذا
بخلاف مَن كان على مائدة أُخرى، فإنَّه وإن كان للمُناوِلِ حَقّ فیما بین یَدَیه لكن لا حَقّ
للآخَرِ في تَناوُله منه إذ لا شَرِكة له فيه، وقد أشارَ الإسماعيليّ إلى أنَّ قصَّة الخيّاط لا حُجّة فيها
لجوازِ المناوَلة، لأَنَّه طعام الّخِذَ للنبِيِّ نَّهِ وَقُصِدَ به، والذي جَمَعَ له الدُّبَاء بين يَدَيه خادمُه، يعني
فلا حُجّة في ذلك لجوازِ مُناوَلة الضِّيفان بعضِهم بعضاً مُطلَقاً.
(١) قوله: ((إلى إناء)) سقط من (س).
(٢) الحديث رقم (٥٣٧٧).