النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
باب ٨ / ح ٥٣٨٥-٥٣٨٩
كتاب الأطعمة
قوله: ((وقال عَمْرو: عن أنس: بَنَى بها النبيّ ◌َّ، ثمَّ صَنَعَ حَيساً في نِطَع)) هو أيضاً طَرَف
من حديثٍ وَصَلَه المؤلِّف في المغازي مُطوَّلاً (٤٢١١) من طريق عَمْرو بن أبي عَمْرو مولى
المطَّلِّب عن أنس بن مالك بتمامه.
قوله: ((هشام، عن أبيه. وعن وَهْب بن كَيْسانَ)) هشام: هو ابن عُرْوة، حَلَ هذا الحديثَ
عن أبيه وعن وَهْب بن كَيْسانَ. وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق أحمد بن يونس عن
أبي معاوية فقال فيه: عن هشام عن وَهْب بن كَيْسانَ، فقط، وتقدَّم أصلُ هذا الحديث في
((باب الهجرة إلى / المدينة)) من طريق أبي أسامة عن هشام عن أبيه وعن امرأته فاطمة بنت المنذر، ٥٣٣/٩
كلاهما عن أسماء (٣٩٠٧).
وهو محمول على أنَّ هشاماً حَمَلَه عن أبيه وعن امرأته وعن وَهْب بن كَيْسانَ، ولعلَّ
عنده عن بعضهم ما ليس عند الآخر، فإنَّ الرِّواية التي تقدَّمَت ليس فيها قوله: يُعيِّرونَ،
وهو بالعين المهمَلة، من العار، وابن الزُّبَير: هو عبد الله، والمراد بأهلِ الشّام: عسكر
الحجّاج بن يوسف حيثُ كانوا يقاتلونَه من قِبَل عبد الملك بن مروان، أو عسكر الحُصَين
ابن نُمَير الذينَ قاتلوه قبل ذلك من قِبَل يزيد بن معاوية.
قوله: (يُعيِّرُونَك بالنِّطاقَينِ)) قيل: الأفصَحِ أن يُعَدَّى التَّعبير بنفسِه، تقول: عَيََّتُه كذا،
وقد سُمِعَ بکذا(١)، مِثلَ ما هنا.
قوله: ((وهل تَذْري ما كان النِّطاقَينِ؟)) كذا أورَدَه بعض الشُّرَاحِ، وتَعقَّبَه بأنَّ الصَّواب
النِّطاقان، بالرّفع. وأنا لم أقِفْ عليه في النُّسَخ إلّا بالرَّفع، فإن ثبتت رواية بغير الألف أمكَنَ
توجيهُها، ويحتمل أن يكون كان في الأصل: وهل تَدري ما كان شأن النِّطاقَينِ، فسَقَطَ لفظ
شأن أو نحوه.
قوله: ((إنَّا كان نِطاقي شَقَقْته نِصْفَينٍ فَأَوْكَيت)) تقدَّم في الهجرة إلى المدينة (٣٩٠٧) أنَّ أبا
بكر الصِّدّيق هو الذي أمَرَها بذلك لمَّا هاجَرَ معَ النبيّ وَّهِ إلى المدينة.
(١) تحرَّف في (س) إلى: هكذا. والمراد أنه سُمع بالتعدية بالباء أيضاً مثل ما هنا.

٤٠٢
باب ٨ / ح ٥٣٨٥-٥٣٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((يقول: إيهاً)) كذا للأكثرِ، ولِبعضِهم: ابنها، بموحّدةٍ ونون، وهو تصحيف، وقد
وُجِّهَ بأَنَّه مَقُول الراوي، والضَّمير لأسماءَ، وابنُها: هو ابن الزُّبَيرِ. وأغرَبَ ابن التِّين فقال: هو
في سائر الرِّوايات: ابنها، وذَكَره الخطَّبيُّ بلفظ: إيهاً، انتهى.
قوله: ((والإله)) في رواية أحمد بن يونس: إيهاً ورَبّ الكعبة. قال الخطَّبيُّ: إيهاً بكسرٍ
الهمزة وبالتَّنوين معناها: الاعتراف بما كانوا يقولونه والتَّقرير له، تقول العرب في
استدعاء القول من الإنسان: إيهاً وإيهِ بغير تنوينٍ. انتهى، وتُعقِّبَ بأنَّ الذي ذكره ثَعلَب
وغيره: إذا استَزَدتَ من الكلام قلتَ: إيه، وإذا أَمرتَ بقطعه قلت: إیهاً. انتهى، وليس
هذا الاعتراض بجيِّدٍ، لأنَّ غير ثَعلَب قد جَزَمَ بأنَّ إيهاً كلمة استزادة، وارتضاه وحَرَّرَه
بعضهم فقال: إيهاً بالتَّنوين للاستزادة، وبغير التَّوين لقطع الكلام، وقد تأتي أيضاً بمعنى
کیف.
قوله: ((تلكَ شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها)) شَكاة، بفتح الشّين المعجَمة، معناه: رفع الصَّوت
بالقولِ القبيح. ولبعضِهم بكسرِ الشّين، والأوَّل أَولى، وهو مصدر شَكَا يَشكُو شِكايةً
وشَكْوَى وشَكَاةً، وظاهِر، أي: زائل، قال الخطّابيُّ: أي: ارتَفَعَ عنك فلم يَعلَق بك،
والُّهور يُطلَق على الصُّعود والارتفاع، ومن هذا قول الله تعالى: ﴿فَمَا أَسْطَعُواْ أَنْ
يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧]، أي: يَعلُوا عليه، ومنه: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣].
قال: وتَثَّلَ ابنُ الزُّبَيرِ بِمِصراع بيتٍ لأبي ذُؤَيب الْهُذَلِيِّ وأوَّله:
وعَيَّرَها الواشُونَ أنّي أُحِبُّها
يعني: لا بأس بهذا القول ولا عارَ فيه. قال مُغَلْطاي: وبعد بيت الهُذَلِيِّ:
فإن أعتَذِر منها فإنِّي مُكَذَّب وإن تَعْتَذِرْ يُردَدْ عليك اعتذارُها
وأوَّل هذه القصيدة:
هل الدَّهر إلَّا ليلةٌ ونَهَارُها وإلّا طُلوعُ الشمس ثمَّ غِيارُها

٤٠٣
باب ٩ / ح ٥٣٩٠
كتاب الأطعمة
وبعده:
أبَى القلبُ إلّ أُمَّ عَمْرو فأصبَحَت تَحرَّقُ ناري بالشَّكَاة ونارُها
وبعدَہ:
وعَيَّرَها الواشُون أَنِّي أُحِبُّها
البيت، وهي قصيدة تزيد على ثلاثينَ بيتاً. وتَرَدَّدَ ابن قتيبة هل أنشَأ ابنُ الزُّبَير هذا المِصراع
أو أنشَدَه مُتَمثِّلاً به؟ والذي جَزَمَ به غيرُه الثّاني، وهو المعتمَد، لأنَّ هذا مَثَلٌ مشهور، وكان
ابن الزُّبَيرِ يُكثِرِ التَّمَثُّل بالشِّعر، وقَلَّما أنشَأه.
ثُمَّ ذكر حديث ابن عبّاس في أكل خالدِ الضَّبَّ على مائدة رسول الله مَّة، وسيأتي شرحه
بعد في كتاب الصَّيد والذَّبائح (٥٥٣٧).
وقوله: ((على مائدَته)) أي: الشّيء الذي يوضَع على الأرض صيانةً للطَّعام كالمِنديل
والطَّبَق وغير ذلك، ولا يعارِض هذا حديث أنس: أنَّ النبيّ وَِّ ما أكل على الخِوان، لأنَّ
الخِوان/ أخصّ من المائدة، ونفيُ الأخصّ لا يَستَلِزِم نفيَ الأعَمّ، وهذا أولى من جواب بعض ٥٣٤/٩
الشُّرّاح بأنَّ أنساً إِنَّمَا نَفَى عِلمه. قال: ولا يعارضه قولُ مَن عِلِمَ.
واختُلِفَ في المائدة، فقال الزَّجَّاج: هي عندي من مادَ يَميد: إذا تَحَرَّكَ. وقال غيره: من مادَ
يَمِيد: إذا أعطَى، قال أبو عبيدة (١): وهي فاعلة بمعنى مفعولة، من العطاء. قال الشّاعر:
وكنتَ للمُنتَجِعِينَ مائداً
٩ - باب السّوِيق
٥٣٩٠- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَادٌ، عن يحيى، عن بُشَيِرِ بنِ يَسارٍ، عن سُوَيدِ
ابنِ النُّعْمان، أنَّه أخبرهم: أنَّهم كانوا معَ النبيِّ وَّرَ بِالصَّهْباءِ - وهي على رَوْحةٍ من خَییرَ - فحَضَرَتِ
(١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: أبو عبيد، وإنما هذا الكلام لأبي عبيدة معمر بن المثنى، قاله في ((مجاز
القرآن)) ١/ ١٨٢.

٤٠٤
باب ١٠ / ح ٥٣٩١
فتح الباري بشرح البخاري
الصلاةُ، فَدَعَا بطعام، فلم يَجِدْه إلّا سَوِيقاً فَلَاكَه، فَلُكْنا معه، ثمَّ دَعَا بماءٍ فمَضْمَضَ، ثمَّ صَلَّى
وصَلَّينا، ولم يَتَوَضَّأ.
قوله: ((باب السّویق» ذکر فیه حدیث سُوَید بن النُّعمان، وقد تقدَّم شرحه في كتاب
الطَّهارة (٢٠٩).
١٠ - باب ما كان النبيُّ ◌َل﴿ لا يأكلُ حتَّى يُسَمَّى له فيَعلَمَ ما هوَ
٥٣٩١- حدَّثنا محمّدُ بنُ مُقاتِلِ أبو الحسنِ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ،
قال: أخبرني أبو أمامةَ بنُ سَهْلٍ بنِ حُنَيَفِ الأنصاريُّ، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ أخبَرَه، أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ
- الذي يقال له: سيفُ الله - أخبَرَهُ: أَنَّ دَخَلَ معَ رسولِ الله ◌ِ على ميمونةَ - وهي خالَتُهُ
وخالةُ ابنِ عبَّاسٍ .- فَوَجَدَ عندَها ضَبّاً تَخْنوذاً قد قَدِمَت به أُخْتُها حُفَيدةُ بنتُ الحارثِ من نَجْدٍ،
فقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرسولِ اللهِ وَه، وكان قَلَّا يُقدِّمُ يدَه لِطعامِ حتَّى يُحدَّثَ به ويُسَمَّی له، فأهوَى
رسولُ اللهِ وَ﴾هيدَه إلى الضَّبِّ، فقالت امرأةٌ من النِّسْوةِ الحضورِ: أخبِرْنَ رسولَ الله ◌ِێِّ ما
قَدَّمْتُنَّ له، هو الضَّبُّ يا رسولَ اللهِ، فَرَفَعَ رسولُ اللهِوَِّ يدَه عن الضَّبِّ، فقال خالدُ بنُ الوليدِ:
أحرامٌ الضَّبُّ يا رسولَ الله؟ قال: ((لا، ولكن لم يكن بأرضٍ قومي، فأجِدُني أَعَاقُهُ».
قال خالدٌ: فاجتَرَرْتُه فأكَلْتُه، ورسولُ الله وَلِ يَنظُرُ إليّ.
[طرفاه في: ٥٤٠٠، ٥٥٣٧]
قوله: ((باب ما كان النبيُّ ◌ِ﴿ لا يأكل حتَّى يُسَمَّى له فيَعْلمَ ما هو)) كذا في جميع النُّسَخ
التي وَقَفت عليها بالإضافة، وشَرَحَه الَّركَشِيّ على أنَّه ((باب)) بالتَّوين، فقال: قال ابن التِّين:
إنَّما كان يَسأل لأنَّ العربَ كانت لا تَعافُ شيئاً من المآكِل لِقِلَّتِها عندهم، وكان هو ◌َّ قد یَعافُ
بعضَ الشّيء، فلذلك كان يسأل.
قلت: ويحتمل أن يكون سببُ السُّؤال أنَّه ◌َ لي ما كان يُكثِرِ الكَوْن في البادية فلم يكن له
خِبرة بكثيرٍ من الحيوانات، أو لأنَّ الشَّرعِ وَرَدَ بتحريمِ بعضِ الحيوانات وإباحة بعضِها، وكانوا
لا يُجرِّمونَ منها شيئاً، ورُبَما أَتَوْابه مَشويّاً أو مطبوخاً فلا يَتَميَّز عن غيره إلّا بالسُّؤال عنه.

٤٠٥
باب ١١ / ح ٥٣٩٢
كتاب الأطعمة
ثم أورد فيه حديث ابن عبّاس في قصَّة الضَّبِّ، وسيأتي شرحُه في كتاب الصَّيد
والذَّبائح (٥٥٣٧).
ووَقَعَ فيه: / فقالت امرأة من النِّسوة الحضور. كذا وَقَعَ بلفظ جمع المذَكَّرِ، وكانَّه باعتبار ٥٣٥/٩
الأشخاص. وفيه: أخبِرْنَ رسولَ الله ◌ِ ◌ّه بما قَدَّمتُنَّ له. وهذه المرأة وَرَدَ التَّصريح بأنَّها ميمونة
أمّ المؤمنينَ في رواية الطبرانيّ (٣٨٢٢) ولفظه: فقالت ميمونة: أخبروا رسولَ الله وَله بما
هو، فلمَّا أخبَروه تَرَكَه. وعند مسلم (١٩٤٨) من وجهٍ آخر عن ابن عبّاس: فقالت ميمونة: يا
رسولَ الله، إنَّه لحمُ ضَبٍّ، فَكَفّ يَدَه.
١١ - باب طعام الواحِد يكفي الاثنين
٥٣٩٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ (ح) وحدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدّثني
مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾ أنَّه قال: قال رسولُ اللهِوَّ: «طعامُ الاثْنَيْنِ
كافي الثَّلاثةِ، وطعامُ الثَّلاثةِ كافي الأربعةِ)).
قوله: ((باب طعام الواحدِ يَكْفي الاثنَينِ)) أورَدَ فيه حديث أبي هريرة: ((طعامُ الاثنَينِ
يكفي(١) الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة)). واستُشكِلَ الجمع بين التَّرجمة والحديث،
فإنَّ قضيّة التَّرجمة مَرجِعها النِّصف وقضيَّ الحديث مَرجِعها الثُّلث ثمَّ الرُّبع. وأُجيبَ بأنَّه
أشارَ بالتَّرجمة إلى لفظ حديثٍ آخر وَرَدَ ليس على شرطه، وبأنَّ الجامع بين الحديثَينِ أنَّ
مُطلَق طعام القليل يكفي الكثير، لكنَّ أقصاه الضِّعف، وكَونَه يكفي مِثله لا ينفي أن يكفي
دونَه. نعم، كَونُ طعام الواحد يكفي الاثنَينِ يُؤْخَذ منه أنَّ طعامَ الاثنَينِ يكفي الثلاثة بطريق
الأولى، بخلافٍ عکسه.
ونُقِلَ عن إسحاق بن راهويه عن جَرِير قال: معنى الحديث: أنَّ الطَّعام الذي يُشبع الواحدَ
يكفي قُوتَ الاثنين، ويُشبع الاثنينِ قوتُ الأربعة.
(١) كذا عبّر عنه بالمضارع في الموضعين، وإنما هو لجميع رواةُ البخاري بلفظ: ((كافي)) دون خلاف بينهم وفق
ما في اليونينية والقسطلاني.

٤٠٦
باب ١١ / ح ٥٣٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقال المهلَّب: المراد بهذه الأحاديث الحَضُّ على المكارمة والتَّقَنُّع بالكفاية، يعني: وليس
المراد الحَصر في مِقدار الكِفاية، وإنَّما المراد المواساة، وأنَّه ينبغي للاثنَينِ إدخالُ ثالث لطعامهما،
وإدخالُ رابع أيضاً بحَسَب مَن يَحَضُر.
وقد وَقَعَ في حديث عمر عند ابن ماجه (٣٢٥٥) بلفظ: ((طعام الواحد يكفي الاثنَينِ،
وإنَّ طعامَ الاثنَينِ يكفي الثلاثة والأربعة، وإنَّ طعامَ الأربعةِ يكفي الخمسة والسِّة)).
ووَقَعَ في حديث عبد الرّحمن بن أبي بكر في قصَّة أضياف أبي بكر: فقال النبيُّ ◌ِكلّ:
((مَن كان عنده طعامُ اثنَيْنِ فليذهب بثالثٍ، ومَن كان عنده طعامُ أربعةٍ فليَذهَب بخامسٍ
أو سادس))(١)، وعند الطبرانيّ(٢) من حديث ابن عمر ما يُرشِد إلى العِلّة في ذلك، وأوَّله:
(كُلوا جميعاً ولا تَفَرَّقوا، فإنَّ طعام الواحد يكفي الاثنَينِ)) الحديث، فيُؤخَذ منه أنَّ الكِفاية
تَنشَأ عن بَرَكة الاجتماع، وأنَّ الجمع كُلَّما كَثُرَ ازدادَت البَرَكة، وقد أشارَ التِّرمِذيّ إلی حدیث
ابن عمر.
وعند البزَّار (٤٥٩٠) من حديث سَمُرة نحو حديث عمر، وزاد في آخره: ((وَيَدُ الله
على الجماعة)). وقال ابن المنذر: يُؤخَذ من حديث أبي هريرة استحبابُ الاجتماع على الطَّعام،
وأن لا یأکل المرءُ وحده. انتهى.
وفي الحديث أيضاً الإشارة إلى أنَّ المواساة إذا حَصَلَت حَصَلَت معها البَرَكة، فَتَعُمّ
الحاضرينَ. وفيه أنَّه لا ينبغي للمَرءِ أن يَسْتَحِقِر ما عنده، فيَمتَنِعَ من تقديمه، فإنَّ القليل قد
تَحَصُلُ به الاكتِفاء، بمعنى حصول سَدِّ الرَّمَق وقيام البِنْية، لا حقيقة الشِّبَع.
(١) سلف برقم (٦٠٢)، وأخرجه مسلم (٢٠٥٧).
(٢) في ((المعجم الكبير)) (١٣٢٣٦)، و((الأوسط)) (٧٤٤٤) من طريقين عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه
وكلا الطريقين ضعيف جداً، وأخرج نحوه ابن ماجه (٣٢٨٧) من حديث عمر بن الخطاب، وإسناده
ضعيف أيضاً، وأقوى منهما ما أخرجه أبو داود (٣٧٦٤)، وابن ماجه (٣٢٨٦) وغيرهما من حديث
وحشي بن حربٍ رفعه: ((واجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله علیه یبارَك لکم فیه». وله شواهد
ذكرناها في تحقيقنا لأبي داود.

٤٠٧
باب ١٢ / ح ٥٣٩٣- ٥٣٩٤
كتاب الأطعمة
وقال ابن المنيِّرِ: وَرَدَ حديثٌ بلفظ التَّرجمة لكنَّه لم يوافق شرطَ البخاريّ، فاستقرأ معناه
من حديث الباب، لأَنَّ مَن أمكَنَه تَركُ الثُّلُث أمكَنَه تَرك النِّصف لتَقارُبهما. انتهى.
وتَعقَّبَه مُغَلْطاي بأنَّ الِّرمِذيّ أخرج الحديث من طريق أبي سفيان عن جابر (١٨٢٠)،
وهو على شرط البخاريّ. انتهى، وليس كما زَعَمَ، فإنَّ البخاريّ وإن كان أخرج لأبي
سفيان، لكن/ أخرج له مقروناً بأبي صالح عن جابر ثلاثةَ أحاديث فقط، فليس على شرطِهِ، ٥٣٦/٩
ثُمَّ لا أدري لمَ خَصَّه بتخريج التِّرمِذيّ معَ أنَّ مسلماً أخرجه (١٨٠/٢٠٥٩و ١٨١) من
طريق الأعمَش عن أبي سفيان أيضاً، ولعلَّ ابن المنيِّر اعتَمَدَ على ما ذكره ابن بَطّالٍ أنَّ ابن
وَهْب روى الحديث بلفظ التَّرجمة عن ابن لَهِيعة عن أبي الزُّبَير عن جابر، وابنُ لَهِيعة ليس
من شرط البخاريّ قطعاً، لكن يُرَدّ عليه أنَّ ابن بَطّالٍ قَصَّرَ بنِسْبة الحديث، وإلّا فقد
أخرجه مسلم أيضاً (١٧٩/٢٠٥٩) من طريق ابن جُرَيج ومن طريق سفيان الثَّوريّ،
كلاهما عن أبي الزُّبَير عن جابر، وصَرَّحَ بطريق ابن جُرَيج بسماع أبي الزَّبَير عن جابر، فالحديث
صحيح، لكن لا على شرط البخاريّ، والله أعلم. وفي الباب عن ابن عمر وسَمُرة كما تقدَّمَ،
وفيه عن ابن مسعود أيضاً في الطبرانيّ (١٠٠٩٣).
١٢ - باب المؤمنُ يأكل في مِعَی واحدٍ
فيه أبو هريرةَ، عن النبيِّ ◌َيّ.
٥٣٩٣ - حذَّثني محمَّدُ بنُ بشَارٍ، حدَّثنا عبدُ الصَّمَد، حدَّثنا شُعْبةُ، عن واقِدِ بنِ محمَّدٍ، عن
نافعٍ، قال: كان ابنُّ عمرَ لا يأكلُ حتَّى يُؤْتَى بِمِسْكينٍ يأكلُ معه، فأدْخَلْتُ رجلاً يأكلُ معه،
فأكَلَ كثيراً. فقال: يا نافعُ، لا تُدخِل هذا عليَّ، سمعتُ النبيَّ وَّ يقول: «المؤمنُ يأكلُ فِي مِعِّى
واحدٍ، والكافرُ يأكلُ في سبعةِ أمعاءٍ)).
[طرفاه في: ٥٣٩٤، ٥٣٩٥]
٥٣٩٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سَلَام، أخبرنا عبدةُ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رَضِيَ الله
عنهما، قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((إنَّ المؤمنَ يأكلُ في مِعّى واحدٍ، وإنَّ الكافرَ - أو المنافقَ، فلا أدري

٤٠٨
باب ١٢ / ح ٥٣٩٣ -٥٣٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
أيَّهما قال عُبيدُ الله - يأكلُ في سبعةِ أمعاءٍ)).
وقال ابنُ بُكَير: حدَّثنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ◌ََّ، بِمِثْلِهِ.
٥٣٩٥- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرو، قال: كان أبو نَبِئٍ رجلاً
أكُولاً، فقال له ابنُ عمرَ: إِنَّ رسولَ الله ◌َ ﴿ قال: ((إنَّ الكافرَ يأكلُ في سبعةِ أمعاءٍ)) فقال: فأنا
أُومِنُ بالله ورسوله.
٥٣٩٦- حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةً ﴾،
قال: قال رسولُ اللهِوَله: «يأكلُ المسلمُ في مِعَّى واحدٍ، والكافرُ يأكلُ في سبعةِ أمعاءٍ)).
[طرفه في: ٥٣٩٧]
٥٣٩٧ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَدِيٍّ بنِ ثابتٍ، عن أبي حازِمٍ، عن
أبي هريرةَ: أنَّ رجلاً كان يأكلُ أكلاً كثيراً، فأسلَمَ، فكان يأكلُ أكلاً قَلِيلاً، فَذُكِرَ ذلك لِلنِيِّ وَّه
فقال: ((إنَّ المؤمنَ يأكلُ في مِعِى واحدٍ، والكافرَ يأكلُ في سبعةِ أمعاءٍ)).
٥٣٧/٩ قوله: ((باب المؤمن يأكل في مِعَّى واحدٍ» المِعَى، بكسرِ الميم مقصور، وفي لُغة حكاها في
(المحكم)) بسكونِ العين بعدها تحتانيَّة، والجمع أمعاء، ممدود: وهي المصارين. وقد وَقَعَ في
شِعر القَطامِيّ بلفظ الإفراد في الجمع، فقال في أبيات له حكاها أبو حاتم:
حَوالب غُرَّزاً ومِعِى جِياعاً (١)
وهو كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ◌ُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧].
وإنَّما عَدَّى ((يأكل)) بفي لأنَّه بمعنى يوقع الأكل فيها، ويجعلها ظَرفاً للمأكول. ومنه
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ [النساء: ١٠]، أي: مِلءَ بُطونهم. قال أبو حاتم
السّچستانيّ: العی مُذكَّر، ولم أسمع من أثق به يُؤنِّته فيقول مِعی واحدة، لكن قد رواه
مَن لا يُوثَق به.
(١) نقل السيوطي في ((الطراز في الألغاز)) ص ١٥ عن الزمخشري أنه قال في ((الأحاجي)) له مبِّناً وجه قول
القطامي: جعل المعى لفرط جوعه بمنزلة أمعاء جائعةٍ، فجمع النعت مع توحيد المنعوت.

٤٠٩
باب ١٢ / ح ٥٣٩٣-٥٣٩٧
كتاب الأطعمة
قوله: ((حدَّثنا عبد الصَّمَد)) هو ابن عبد الوارث، ووَقَعَ في رواية أبي نُعَيم في ((المستخرَج))
منسوباً.
قوله: (عن واقد بن محمَّد» هو ابن زيد بن عبد الله بن عمر.
قوله: ((فأدْخَلْت رجلاً يأكل معه، فأكَلَ كَثيراً) لعلَّه أبو نَهِيك المذكور بعد قليل. ووَقَعَ
في رواية لمسلم (٢٠٦٠/ ١٨٣): فجَعَلَ ابنُ عمر يَضَع بين يَدَيه، ويَضَع بين يَدَيه، فجَعَلَ يأكل
أكلاً كثيراً.
قوله: ((لا تُدخِل عليَّ(١) هذا» وذكر الحديث، هكذا حَلَ ابن عمر الحديث على ظاهره،
ولعلَّه گرِه دخوله عليه لما رآه مُتَّصِفاً بصِفَةٍ وُصِفَ بها الكافر.
قوله: ((باب المؤمن يأكل في مِعِّى واحدٍ، فيه أبو هريرة عن النبيّ ◌ََّ)) كذا ثَبَتَ هذا
الكلام في رواية أبي ذرِّ عن السَّرَخْسِيّ وحده، وليس هو في رواية أبي الوَقْت عن الدّاووديّ
عن السَّرَخْسِيّ، ووَقَعَ في رواية النَّسَفيِّ ضَمّ الحديث الذي قبله إلى ترجمة ((طعام الواحد
يكفي الاثنَينِ)) وإيراد هذه التَّرجمة لحديثِ ابن عمر بطرقِه وحديث أبي هريرة بطريقَيه، ولم
يُذكَر فيها التَّعليق، وهذا أوجهُ، فإنَّه ليس لإعادة التّرجمة بلفظها معنى، وكذا ذِكْر حديث أبي
هريرة في التَّرجمة ثمَّ إيراده فيها موصولاً من وجهَينِ.
قوله: ((عَبْدة)) هو ابن سليمان، وعُبيد الله: هو ابن عمر العُمَريّ.
قوله: ((وإنَّ الكافر - أو المنافق، فلا أدري أيّهما قال عُبيد الله ـ)) هذا الشكّ من عَبْدة، وقد
أخرجه مسلم (٢٠٦٠ / ١٨٢) من طريق يحبى القَطّان عن عُبيد الله بن عمر بلفظ: ((الكافر)) بغير
شكّ، وكذا رواه عمرو بن دینار کما یأتي في الباب، وكذا هو في روایة غیر ابن عمر ممَّن روى
الحديث من الصَّحابة، إلّا أنَّه وَرَدَ عند الطبرانيّ (٦٩٥٩) في رواية له من حديث سَمُرة بلفظ:
((المنافق)) بَدَل: ((الكافر».
(١) كذا في الأصول: لا تدخل عليَّ هذا؛ بتقديم الجار والمجرور، مع أنَّ الذي في اليونينية والقسطلاني بتقديم اسم
الإشارة دون خلاف بين رواه البخاري.

٤١٠
باب ١٢ / ح ٥٣٩٣-٥٣٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال ابن بُكَير)) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَير، وقد وَصَلَه أبو نُعَيم في (المستخرَج))
من طريقه. ووَقَعَ لنا في ((الموطَّأ) من روايته عن مالك(١)، ولفظه: ((المؤمن يأكلُ في مِعَى واحدٍ،
والكافر يأكل في سبعة أمعاء)).
وأخرجه الإسماعيليّ من طريق ابن وَهْب: أخبرني مالك وغير واحد أنَّ نافعاً حدَّثهم،
فذكره بلفظ: ((المسلم))، فظَهَرَ أنَّ مُراد البخاريّ بقولِه: مِثله، أي: مِثل أصل الحديث، لا
خُصوص الشكّ الواقع في رواية عُبيد الله بن عمر عن نافع.
قوله: ((سُفْبان)) هو ابن عُيَينة.
قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن دينار، وقد وَقَعَ التَّصريح بتحديثه لسفيان في رواية الحميديّ
في «مُسنَده)) (٦٦٩)، ومن طريقه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)).
قوله: ((كان أبو نَهِيك)) بفتح النُّون وكسر الهاء ((رجلاً أكُولاً)) في رواية الحُميديّ: قيلَ
لابنِ عمر: إنَّ أبا نَهِيك رجل مِن أهل مَكّة يأكل أكلاً كثيراً.
قوله: ((فقال: فأنا أُومِنُ بالله ورسوله)) في رواية الحميديّ: فقال الرجل: أنا أومن بالله، إلى
آخره. ومن ثَمَّ أطبَقَ العلماء على حَمل الحديث على غير ظاهره كما سيأتي إيضاحُه.
قوله في حديث أبي هريرة: ((يأكل المسلم في مِعَى واحدٍ)) في رواية مسلم (٢٠٦٣) من
وجه آخر عن أبي هريرة: ((المؤمن يَشرَب في مِعَى واحد)) الحديث.
قوله في الطريق الأخرى: «عن أبي حازم)) هو سلمان، بسكونِ اللّام، الأشجعيّ، ولیس
هو سَلَمَةَ بن دينار الزّاهد، فإنَّه أصغر من الأشجَعَيّ ولم يُدرِك أبا هريرة.
قوله: ((أنَّ رجلاً كان يأكل أكْلاً كَثيراً، فأسلَمَ)) وَقَعَ في رواية مسلم (٢٠٦٣) من طريق
٥٣٨/٩ أبي صالح/ عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله،وَلِّ ضافَه ضَيفٌ وهو كافر، فأمَرَ له بشاةٍ فحُلِبَت،
(١) وهو أيضاً في ((الموطأ)) برواية أبي مصعب الزهري (١٩٣٦). وقال الحافظ في «إتحاف المهرة)) (١١٢٣٦): رواه
ابن وهب وابن عُفير في ((الموطأ)) عن مالك، ولم يذكره باقي الرواة عن مالك. قلنا: قد ذكره أبو مصعب الزهري
ويحيى بن عبد الله بن بكير عنه أيضاً.

٤١١
باب ١٢ / ح ٥٣٩٣-٥٣٩٧
كتاب الأطعمة
فَشَرِبَ حِلَابَها ثمَّ أُخرى ثمَّ أُخرى، حتَّى شَرِبَ حِلاب سَبع شِياهٍ، ثمَّ إِنَّه أصبَحَ فأسلَمَ، فأمَرَ
له بشاةٍ فَشَرِبَ حِلابها، ثمَّ أخرى فلم يَستَتِمَّها، الحديث.
وهذا الرجل يُشبه أن يكون جَهْجاهَ الغِفَاريَّ، فأخرج ابن أبي شَيْبة(١) وأبو يَعْلى (٢) والبزَّار(٣)
والطبرانيُّ (٢١٥٢) من طريقه: أنَّه قَدِمَ في نَفَرٍ من قومه يريدونَ الإسلام، فحَضَروا معَ
رسول الله ◌َّ﴿ المغرب، فلمَّا سَلَّمَ قال: ((ليأخذ كلُّ رجلٍ بَيَدِ جَليسه)) فلم يَبْقَ غيري،
فكنتُ رجلاً عظيماً طويلاً لا يُقدِم عليَّ أحدٌ، فذهب بي رسولُ اللهِ وَّه إلى مَنِزِلِه فحَلَبَ لي
عَنْزاً، فأتيت عليه، ثمَّ حَلَبَ لي آخر حتَّى حَلَبَ سبعة أعنُزٍ، فأتيت عليها، ثمَّ أُتيتُ بصنيع
بُرمة، فأتيت عليها، فقالت أمّ أيمَن: أجاعَ اللهُ مَن أجاعَ رسولَ الله، فقال: ((مَهْ يا أمَّ أيمَن،
أكَلَ رِزْقَه، ورِزقُنا على الله)) فلمَّا كانت اللَّيلة الثّانية وصَلَّينا المغرب صَنَعَ مَا صَنَعَ في التي
قبلها، فحَلَبَ لي عَنزاً ورَوَيتُ وشَبعتُ، فقالت أمُّ أيمَن: أليس هذا ضَيفَنا؟ قال: ((إنَّه أكَلَ في
مِعَّى واحدِ اللَّيلةَ وهو مُؤمِن، وأكَلَ قبل ذلك في سبعة أمعاءٍ، الكافرُ يأكل في سبعة أمعاء،
والمؤمن يأكل في مِعَى واحد)) وفي إسناد الجميع موسى بن عُبيدة، وهو ضعيف.
وأخرج الطبرانيُّ (١٤٦٨٢) بسندٍ جيّد عن عبد الله بن عمرو (٤)، قال: جاء إلى النبيّ ◌َّه
سبعةُ رجال، فأخَذَ كلُّ رجل من الصَّحابة رجلاً، وأخَذَ النبيُّ ◌َّهِ رجلاً، فقال له: ((ما
اسمك؟)) قال: أبو غَزوانَ. قال: فحَلَبَ له سبع شِياه، فشَرِبَ لَبَنَها كلّه، فقال له النبيّ ◌َّه:
((هل لك يا أبا غَزوانَ أن تُسلم؟)) قال: نعم. فأسلَمَ، فمَسَحَ رسولُ الله ◌ِّهِ صَدره، فلمَّا
أصبَحَ حَلَبَ له شاةً واحدةً فلم يُتِمّ لَبَنِها، فقال: ((ما لك يا أبا غَزْوانَ؟)) قال: والذي بَعَثَك نبيّاً
لقد رَوِيتُ. قال: ((إنَّك أمسٍ كان لك سبعةٌ أمعاءٍ وليس لك اليوم إلّا مِعَى واحدٍ».
وهذه الطَّريق أقوى من طريق جَهْجاه، ويحتمل أن تكون تلكَ كُنْتَه، لكن يُقوِّي التعدُّد
(١) في ((مسنده)) (٦٠٥).
(٢) في ((مسنده)) (٩١٦)، لكنه اقتصر على المتن دون القصة.
(٣) كما في ((كشف الأستار)) (٢٨٩١).
(٤) تحرَّف في (س) إلى: ((عمر، وقال)).

٤١٢
باب ١٢ / ح ٥٣٩٣-٥٣٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
أنَّ أحمد أخرج من حديث أبي بَصْرة الغِفَاريِّ (٢٧٢٢٦) قال: أتيتُ النبيَّ ◌ََّ لِمَّا هاجَرتُ
قبل أن أُسلم، فحَلَبَ لي شُوَيهةً كان يحلُبها لأهلِهِ فشَرِبتُها، فلمَّا أصبحتُ أسلَمتُ حَلَبَ
لي، فشَرِبت منها فَرَوِيت، فقال: ((أرَوِيتَ؟)) قلت: قد رَويتُ ما لا رَوِيت قبل اليوم،
الحديث. وهذا لا يُفَسَّر به المبهم في حديث الباب وإن كان المعنى واحداً، لكن ليس في
قِصَّته خُصوصُ العَدَد.
ولأحمد أيضاً (١٨٩٦٢) ولأبي مسلم الكَجِّيّ(١) وقاسم بن ثابت في ((الدَّلائل))(٢)
والبَغَويّ في ((الصَّحابة))(٣) من طريق محمَّد بن مَعْن بن نَضْلَةَ الغِفَاريِّ: حدَّثني جَدّي(٤)
نَضلةُ بن عَمْرو قال: أقبَلتُ في لِقاح لي حتَّى أتيت رسولَ الله ◌َ﴿، فأسلمت، ثمَّ أخذت
عُلبةً فحَلَبت فيها فشِرِبتُها، فقلت: يا رسولَ الله، إن كنتُ لَأَشَرَبها مِراراً لا أمتَلِئ - وفي لفظ:
إن كنتُ لَأَشَرَبُ السَّبعةَ، فما أمتَلِئ - فذكر الحديث. وهذا أيضاً لا ينبغي أن يُفَسَّر به مُبِهَم
حديث الباب لاختلاف السّياق.
ووَقَعَ في كلامِ النَّوَويّ تَبَعاً لعياضٍ أَنَّه بَصْرة بن أبي بَصْرةٍ(٥) الغِفَاريّ، وذكر ابنُ
إسحاق في ((السّيرة)) من حديث أبي هريرة (٦) في قصَّة ثُمامة بن أُثَال أنَّه لمَّا أُسِرَ ثمَّ أسلَمَ
وَقَعَتِ له قصَّةٌ تُشبه قصَّةٍ جَهْجاه، فيجوز أن يُفَسَّر به، وبه صَدَّرَ المازَرِيّ كلامه.
(١) ومن طريقه أخرجه عبد الغني بن سعيد الأزدي في ((الغوامض والمبهمات)) (٥٢).
(٢) ومن طريقه أخرجه ابن بشكوال في ((غوامض الأسماء المبهمة)) ص٢٣٠.
(٣) ومن طريقه أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق) ١٩/٥٦.
(٤) هذا الحديث عند أكثر مَن خرَّجه عن محمد بن معن بن نضلة عن أبيه معن عن جده نضلة. وممن خرَّجه
كذلك أحمد والكجي وقاسم بن ثابت، وأخرجه كذلك أبو عوانة (٨٤٣٣)، وأبو نعيم في ((معرفة
الصحابة)) (٦٤٢٤)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ١١٦/٦، وغيرهم، وأخرجه بعضهم دون ذكر معن
ابن نضلة، منهم ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني)) (٩٩٩)، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ١٥٧/٣،
وأبونعيم في ((المعرفة)) (٦٤٢٣).
(٥) تصحف في (س) إلى: نَضْرة بن نضرة، مع إسقاط لفظة ((أبي)).
(٦) هو عند ابن إسحاق كما في ((سيرة ابن هشام)) ٦٣٨/٢ منقطعاً، إذ قال ابن إسحاق: بلغني عن أبي سعيد
المقبري عن أبي هريرة. قلنا: وقد وصله عمر بن شبّة في ((تاريخ المدينة)) ٤٣٥/٢٥ من طريق سعد بن سعيد
ابن أبي سعيد المقبري عن أخيه عبد الله عن جده عن أبي هريرة، لكن عبد الله بن سعيد متروك.

٤١٣
باب ١٢ / ح ٥٣٩٣ -٥٣٩٧
كتاب الأطعمة
له قصَّةٌ تُشبه قصَّة جَهْجاه، فيجوز أن يُفَسَّر به، وبه صَدَّرَ المازريّ كلامه.
واختُلِفَ في معنى الحديث، فقيلَ: ليس المراد به ظاهره وإنَّما هو مَثَل ضُرِبَ للمؤمنِ
وزُهده في الدُّنيا، والكافر وحِرصه عليها، فكأن المؤمن لتَقَلَّلِهِ من الدُّنيا يأكل في مِعَّى
واحدٍ، والكافر لشِدّة رَغْبته فيها واستكثاره منها يأكل في سبعة أمعاء، فليس المراد حقيقةً
الأمعاء ولا خُصوصَ الأكل، وإنَّما المراد التَّقَلُّل من الدُّنيا والاستكثار منها، فكأنَّه عَبَّرَ
عن تَناوُل الدُّنيا بالأكلِ، وعن أسباب ذلك بالأمعاء، ووجه العَلاقة ظاهر. وقيل: المعنى
أنَّ المؤمن يأكل الحلال والكافر يأكل الحرام، والحلال أقلّ من الحرام في الوجود، نَقَلَه ابنُ
التّين.
ونَقَلَ الطَّحاويُّ نحوَ الذي قبله عن أبي جعفر بن أبي عِمران، فقال: حَلَ قومٌ هذا
الحديث على الرَّغبة في الدُّنيا، كما تقول: فلان يأكل الدُّنيا/ أكلاً، أي: يَرغَب فيها ويَحَرِص ٥٣٩/٩
عليها، فمعنی المؤمن یأکل في مِعی واحدٍ أي: یَزهَد فيها، فلا يتناول منها إلّا قليلاً، والكافر في
سبعة، أي: يَرغَب فيها فيَستَكثِر منها.
وقيل: المراد حَضُّ المؤمن على قِلّةِ الأكل إذا عَلِمَ أنَّ كَثْرة الأكل صِفَةُ الكافر، فإنَّ نفسَ
المؤمن تَنْفِر من الاتِّصاف بصِفَة الكافر، ويدلّ على أنَّ كَثْرة الأكل من صِفَة الكفَّار قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَنَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ﴾ [ محمد: ١٢].
وقيل: بل هو على ظاهره، ثمَّ اختَلَفوا في ذلك على أقوال:
أحدها: أنَّه وَرَدَ في شَخص بعينِهِ، واللّام عهديَّة لا جِنسيَّةٌ، جَزَمَ بذلك ابنُ عبد البَرّ،
فقال: لا سبيل إلى حَمْله على العُموم، لأنَّ المشاهَدة تَدفَعه، فكّم من كافر يكون أقلّ أكلاً
من مُؤمِن، وعَكْسه، وكَم من كافٍ أسلَمَ فلم يَتغيَّر مِقدار أكله، قال: وحديث أبي هريرة يدلّ
على أنَّه وَرَدَ في رجلٍ بعينِهِ، ولذلك عَقَّبَ به مالكٌ الحديثَ المطلَق، وكذا البخاريّ، فكأنَّه
قال: هذا إذْ كان كافراً كان يأكلُ في سبعة أمعاء، فلمَّا أسلَمَ عُونِيَ وبُورِكَ له في نفسه، فگفاه
جزءٌ من سبعة أجزاء ممّا کان یکفیه وهو کافر، انتھی.

٤١٤
باب ١٢ / ح ٥٣٩٣-٥٣٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقد سَبَقَه إلى ذلك الطَّحاويُّ في ((مُشكِل الآثار)) فقال: قيل: إنَّ هذا الحديث كان في
كافٍ مخصوصٍ وهو الذي شَرِبَ حِلابَ السَّبْعِ شِياهٍ، قال: وليس للحديثِ عندنا مَحَمَل
غير هذا الوجه. والسابق إلى ذلك أوَّلاً أبو عُبيد (١).
وقد تُعقِّبَ هذا الحَمْلِ بأنَّ ابن عُمَر راوي الحديث فَهِمَ منه العُموم، فلذلك مَنَعَ الذي
رآه يأكل كثيراً من الدُّخول عليه، واحتَجَّ بالحديث. ثمَّ كيف يَتأَّى حَمْله على شَخصٍ بعينِه
معَ ما تقدَّم من ترجيح تعدُّدِ الواقعة، وِوِرْدِ الحديثِ المذكور عَقِب كلّ واحدة منها في حَقِّ
الذي وَقَعَ له نحوُ ذلك.
القول الثّاني: أنَّ الحديث خَرَجَ تَخَرَج الغالِب، وليست حقيقة العَدَد مُرادةً، قالوا:
تخصيص السَّبعة للمُبالَغة في التَّكثير، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ
أَنْجُرٍ ﴾ [لقمان: ٢٧] والمعنى: أنَّ مِن شأنِ المؤمن التَّقَلُّل من الأكل لاشتغاله بأسبابِ العبادة،
ولِعِلْمِه بأنَّ مقصود الشَّرع من الأكل ما يَسُدّ الجوع، ويُمسِك الرَّمَق، ويُعين على العبادة،
ولِخَشِيَتِه أيضاً من حِساب ما زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك كلّه، فإنَّه لا يَقِف معَ
مقصود الشَّرع، بل هو تابعٌّ لشَهوة نفسه مُستَرسِلٌ فيها، غيرُ خائف من تَبِعات الحرام،
فصارَ أكلُ المؤمن لما ذكرته إذا نُسِبَ إلى أكلِ الكافر كأنَّه بقَدرِ السُّبُع منه، ولا يَلْزَم مِن هذا
الطِّرادُه في حَقِّ كلّ مُؤمِن وكافر، فقد يكونُ في المؤمنينَ مَن يأكل كثيراً إمّا بحَسَب العادة،
وإمّا لعارضٍ يَعرِضُ له من مرضٍ باطِنٍ أو لغير ذلك، ويكون في الكفَّار مَن يأكل قليلاً إمّا
لمُراعاة الصِّحّة على رأي الأطِبّاء، وإمّا للرّياضة على رأي الرُّهبان، وإمّا لعارضٍ كَضعفٍ
المعِدة.
قال الطِّييُّ: ومُحُصَّل القول أنَّ من شأنِ المؤمن الحِرصَ على الزَّهادة والاقتناعَ بالبُلْغة،
بخلاف الكافر، فإذا وُجِدَ مُؤمِن أو كافر على غير هذا الوصف لا يَقدَح في الحديث. ومن
هذا قوله تعالى: ﴿الَِّ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةٌ أَوْ مُشْرِكَةٌ﴾ الآية [النور: ٣]، وقد يُوجَد من الزّاني
(١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: أبو عبيدة، وإنما هذا قول أبي عُبيد القاسم بن سلام في ((غريبه)) ٢٢/٣. وكذا نسبه إليه
غير واحدٍ، منهم البغوي في ((شرح السنة)) ٣١٩/١١، وابن الجوزي في ((كشف المشكل)) ١/ ٤٢٠.

٤١٥
باب ١٢ / ح ٥٣٩٣-٥٣٩٧
كتاب الأطعمة
نِكاح الحُرّة، ومن الزّانية نِكاح الحُرّ.
القول الثالث: أنَّ المراد بالمؤمنِ في هذا الحديث التامُّ الإيمان، لأنَّ مَن حَسُنَ إسلامُه
وكَمُّلَ إيمانُه اشْتَغَلَ فِكره فيما يصير إليه من الموت وما بعده، فيَمنَعه شِدّة الخوف وكَثْرة
الفِكر والإشفاق على نفسه من استيفاء شَهوَته، كما وَرَدَ في حديثٍ لأبي أُمامةَ رَفَعَه: ((مَن
كَثُرَ تَفَكُّره قَلَّ طُعْمه، ومَن قَلَّ تَفَكُّره كَثُرَ طُعْمه وقَسا قلبه)»(١). ويشير إلى ذلك حديث
أبي سعيد الصَّحيح: ((إنَّ هذا المال حُلوة خَضِرة، فمَن أخَذَه بإشراف نفْسٍ كان كالذي
يأكل ولا يَشَبَع))(٢)، فدَلَّ على أنَّ المراد بالمؤمن مَن يَقتَصِد في مَطعَمه، وأمَّا الكافر فمن
شأنِهِ الشَّرَه فيأكل بالنَّهَمِ كما تأكُل البهيمة، ولا يأكل بالمصلحة لقيام البِنْية. وقد رَدَّ هذا
الخطَّبيُّ وقال: قد ذُكِرَ عن غير واحدٍ من أفاضل السَّلَف الأكلُ الكثير، فلم يكن ذلك نقصاً
في إیمانهم.
الرّابع: أنَّ المراد أنَّ / المؤمن يُسَمّي الله تعالى عند طعامِه وشرابِه، فلا يَشْرَكُه الشَّيطان فيكفيه ٥٤٠/٩
القليل، والكافر لا يُسَمّي فَيَشرَكُه الشّيطان، كما تقدَّم تقريره قبلُ، وفي (صحيح مسلم)) في
حديث مرفوع (٢٠١٧/ ١٠٢): ((إنَّ الشَّيطان يَسْتَحِلّ الطَّعام أن لا يُذكَرَ اسمُ الله عليه)).
الخامس: أنَّ المؤمن يَقِلّ حِرصه على الطَّعام، فيُبارَك له فيه، وفي مأكَله فيَشبَع من
القليل، والكافر طامح البَصَر إلى المأكَل كالأنعام، فلا يُشبِعه القليل، وهذا يُمكِن ضَمّه إلى
الذي قبله، ويُجِعَلان جواباً واحداً مَرَّباً.
السادس: قال النَّوَويّ: المختار أنَّ المراد أنَّ بعض المؤمنينَ يأكل في مِعَّى واحد وأنَّ
أكثر الكفَّار يأكلونَ في سبعة أمعاء، ولا يَلزم أن يكون كلّ واحد من السَّبعة مِثل مِعَی المؤمن.
(١) أخرجه ابن بشران في ((أماليه)) (٥٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦١٥١)، والخطيب البغدادي في
«المنتخب من الزهد والرقائق» (٥)، وابن الجوزي في «الموضوعات)) ٤٨/٣. وفي إسناده محمد بن يونس
الگُدیمي أحد المتروکین.
(٢) سلف عند البخاري برقم (١٤٦٥)، وأخرجه كذلك مسلم (١٠٥٢)، لكنه بلفظ: ((من أخذه بغير حقه))، وإنما
جاء باللفظ الذي ذكره الحافظ في حديث حكيم بن حزام عند البخاري (١٤٧٢)، ومسلم (١٠٣٥).

٤١٦
باب ١٢ / ح ٥٣٩٣-٥٣٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
انتهى. ويدلّ على تَفاوت الأمعاء ما ذكره عياض عن أهل التَّشريح أنَّ أمعاء الإنسان سبعة:
المعِدة، ثمَّ ثلاثة أمعاء بعدها مُتَّصِلة بها: البوَّاب، ثمَّ الصّائم، ثمَّ الرَّقيق، والثلاثة ڕِقاق، ثمَّ
الأعوَر، والقولون، والمستقيم، وكلّها غِلاظ.
فيكون المعنى: أنَّ الكافر لكَونِه يأكل بشراهةٍ لا يُشبعه إلّا مِلُ أمعائه السَّبعة، والمؤمن
يُشبعه مِلء مِعَى واحد. ونَقَلَ الكِرْمانيُّ عن الأطِّاء في تسمية الأمعاء السَّبعة: أنَّها المعِدة،
ثمَّ ثلاثة مُتَّصِلة بها رِقاق: وهي الاثنا عَشَريّ، والصّائم، والقولون، ثمَّ ثلاثة غِلاظ: وهي
الفانفيّ بنونٍ وفاءَينٍ أو قافَين، والمستقيم، والأعوَر.
السابع: قال النَّوَويّ: يحتمل أن يريد بالسَّبعة في الكافر صفات: هي الحِرص والشَّرَه وطول
الأمَل والطَّمَع وسوء الطَّبع والحَسَد وحُبِّ السَّمَن، وبالواحدِ في المؤمن سَدّ خَلَّته.
الثّامن: قال القُرطُبيّ: شَهَوات الطَّعام سبع: شَهوة الطَّع، وشَهوة النَّفْس، وشَهوة العَين،
وشَهوة الفَم، وشَهوة الأُذُن، وشَهوة الأنف، وشَهوة الجوع، وهي الضَّروريَّة التي يأكل بها
المؤمن، وأمَّ الكافر فيأكل بالجميع. ثمَّ رأيتُ أصلَ ما ذكره في كلام القاضي أبي بكر بن العربيّ
مُلخَّصاً، وهو أنَّ الأمعاء السَّبعة كِناية عن الحواسّ الخمس والشَّهوة والحاجة.
قال العلماء: يُؤخَذ من الحديث الحَضّ على التَّقُّل من الدُّنيا، والحثّ على الزّهد فيها
والقَناعة بما تيسر منها، وقد كان العُقَلاء في الجاهليَّة والإسلام يَتَمَدَّحونَ بقِلّة الأكل،
ويَذُّونَ كَثْرة الأكل، كما تقدَّم في حديث أمّ زَرع (٥١٨٩) أنَّها قالت في مَعرِض المدح لابنِ
أبي زَرع: ((ويُشبِعُهُ ذِراع الجَفْرة)).
وقال حاتم الطائيّ:
فإِنَّك إن أعطيتَ بطنَكَ سُؤْلَه وفَرجَكَ نالا مُنْتَهَى الَّمَّ أجمَعًا
وسيأتي مزيد لهذا في الباب الذي يليه. وقال ابنُ التّين: قيل: إنَّ الناس في الأكل على ثلاث
طَبَقات: طائفة تأكُل كلَّ مَطعوم من حاجة وغير حاجة، وهذا فِعل أهل الجهل، وطائفة تأكُل
عند الجوع بقَدرِ ما يَسُدُّ الجوع حَسْب، وطائفة يُجُوِّعونَ أنفُسَهم يَقصِدونَ بذلك قَمْع شَهوة

٤١٧
باب ١٣ / ح ٥٣٩٨-٥٣٩٩
كتاب الأطعمة
النَّفْس، وإذا أُكَلوا أكَلوا ما يَسُدّ الرَّمَق. انتهى مُلخَّصاً. وهو صحيح، لكنَّه لم يَتعرَّض لتنزيلِ
الحديث عليه، وهو لائقٌ بالقولِ الثّاني.
١٣ - باب الأكل مُتّكئاً
٥٣٩٨- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا مِسعَرٌ، عن عليٍّ بنِ الأقمَرِ، سمعتُ أبا جُحَيفةَ يقول:
قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إني لا آكُلُ مُنَّكِئاً)).
[طرفه في: ٥٣٩٩]
٥٣٩٩- حدَّثني عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، أخبرنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن عليّ بنِ الأقمَرِ، عن
أبي جُحَيفةَ، قال: كنتُ عندَ النبيِّ وَِّ، فقال لِرجلٍ عندَه: ((لا آكُلُ وأنا مُتَّكِّ)).
٥٤١/٩
قوله: «باب الأکل مُنكِنا) أي: ما حُكمه؟ وإنّما لم يجزم به لأنّه لم يأتِ فيه نَهيٌ صريح.
قوله: ((حدَّثْنا مِسعَر)) كذا أخرجه البخاريّ عن أبي نُعَيم، وأخرجه أحمد (١٨٧٥٤) عن
أبي نُعَيم فقال: حدَّثنا سفيان - هو الثَّورِيُّ - فكأنَّ لأبي نُعَيم فيه شيخَينٍ.
قوله: ((عن عليّ بن الأقمَر)) أي: ابن عَمْرو بن الحارث بن معاوية الهَمْدانيٍّ، بسكون
الميم، الوادِعِيّ الكوفيّ، ثقة عند الجميع، وما له في البخاريّ سوى هذا الحديث.
قوله: ((سمعت أبا جُحَيفةَ)) في رواية سفيان عن عليّ بن الأقمَر: أخبرني(١) أبو جُحَيفةَ.
وهذا يُوضح أنَّ رواية رقبة (٢) لهذا الحديث عن عليّ بن الأقمَر عن عَوْن بن أبي جُحَيفةَ عن أبيه
(١) وقع في (س): عن علي بن الأقمر عن عون بن أبي جُحيفة. وهو خطأ، وجاء على الصواب في الأصول،
لأنَّ سفيان الثوري لم يذكر في إسناده عوناً في شيء من رواياته، وإنما جاء ذکر عون في بعض روايات أبي
عوانة عن رقبة بن مصقلة .
(٢) تصحف في (س) إلى: رقية. وإنما هو رقبة بن مصقلة. وإطلاق الحافظ رحمه الله يوهم أنَّ جميع روايات رقبة
هكذا بذكر عون مطلقاً، وإنما هو شيء تفرد به محمد بن عيسى ابن الطباع والهيثم بن جميل عن أبي عوانة عن
رقبة، كما نبه عليه ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٤٩٣) وغيره، وخالفهما غيرهما من هو أجلّ كسعيد بن منصور
وحجاج بن منهال وسهل بن بكار، عند الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٠٩٠)، ونعيم بن هیصم عند
أبي بكر الشافعي في ((الغيلانيات)) (٩٧٦)، وآدم بن أبي إياس عند عثمان بن محمد السمرقندي في ((الفوائد
المنتقاة» (٣٣)، فلم يذكروا عوناً في إسناده.

٤١٨
باب ١٣ / ح ٥٣٩٨-٥٣٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
من المزيد في مُتَّصِل الأسانيد (١) لتصريح عليّ بن الأقمَر في رواية مِسعَر بسماعِه له من أبي
جُحَيفةَ بدون واسطة، ويحتمل أن يكون سمعَه من عَوْن أوَّلاً عن أبيه ثمَّ لَقِيَ أباه، أو سمعَه من
أبي جُحَیفةً وثَبَّتَه فیه عَوْنٌ.
قوله: ((إنّ لا آكُل مُتَّكِئًا)) ذكر في الطَّريق التي بعدها له سبباً مختصراً، ولفظه: فقال
لرجلٍ عنده: ((لا آكُل وأنا مُتَّكِئ)). قال الكِرْمانيُّ: اللَّفظ الثّاني أبلغ من الأوَّل في الإثبات،
وأمَّا في النَّفي فالأوَّل أبلَغُ. انتهى، وكأن سبب هذا الحديث قصَّة الأعرابيّ المذكور في
حديث عبد الله بن بُسر عند ابن ماجَهْ(٢) (٣٢٦٣) والطبرانيِّ بإسنادٍ حسن، قال: أُهدِيتْ
للنبيِّ وَِّ شاة، فجَئا على رُكَبَتَه يأكل، فقال له أعرابيّ: ما هذه الجِلسة؟ فقال: ((إنَّ الله
جَعَلَني عبداً كريماً، ولم يجعلني جَبّاراً عَنيداً)).
قال ابن بَطّالٍ: إنَّما فعل النبيُّ نَّ﴿ ذلك تَواضُعاً لله. ثمَّ ذكر من طريق أيوب عن
الزُّهْرِيِّ قال: أتى النبيَّ وَّهِ مَلَكٌ لم يأتِه قبلها، فقال: إنَّ رَبّكَ يُخِيِّرك بين أن تكون عبداً
نبيّاً، أو مَلِكاً نبيّاً، قال: فنَظَرَ إلى جِبْرِيل كالمُستَشير له، فأومأ إليه أن تَواضع، فقال: ((بل
عبداً نبيّ). قال: فما أكَلَ مُتَّكِئاً. انتهى، وهذا مُرسَل أو مُعضَل، وقد وَصَلَه النَّسائيُّ (ك٦٧١٠)
من طريق الزُّبَيديّ عن الزُّهْريِّ عن محمَّد بن عبد الله بن عبَّاس قال: كان ابن عبَّاس يُحدِّث،
فذكر نحوه.
وأخرج أبو داود(٣) (٣٧٧٠) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص قال: ما رُئِيَ
النبيُّ وَّهِ يأكل مُتَّكِئاً قَطّ. وأخرج ابن أبي شَيْبة (٣١٣/٨) عن مجاهد قال: ما أكَلَ النبيّ ◌َل
مُتَكِئاً إلّا مَرَّة ثمَّ نَزَعَ، فقال: ((اللهمَّ إنّي عبدك ورسولك)) وهذا مُرسَل، ويُمكِن الجمع بأنَّ تلكَ
المرّة التي في أثر مجاهد ما اطَّلَعَ عليها عبد الله بن عَمْرو، فقد أخرج ابن شاهينَ في ((ناسخه))
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وقد تبين أنَّ أكثر الروايات عن رقبة بدُون ذكر عون في إسناده، فيكون ذكره
وهماً ممن ذكره، والله أعلم.
(٢) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((سنن أبي داود))، وهو فيها برقم (٣٧٧٣).
(٣) وأخرجه أيضاً ابن ماجه في ((سننه)) برقم (٢٤٤).

٤١٩
باب ١٣ / ح ٥٣٩٨ - ٥٣٩٩
كتاب الأطعمة
(٦٣٦) من مُرسَل عطاء بن يَسار: أنَّ جِبْريل رأى النبيَّ ◌َّهِ يأكل مُتَكِئاً، فنَهاه. ومن حديث
أنس (٦٣٧): أنَّ النبيَّ نَّهِ لِمَّا نَهاه جِبْرِيلُ عن الأكل مُتَكِئاً لم يأكل مُتَكِئاً بعد ذلك.
واختُلِفَ في صِفَة الاتِّكاء، فقيلَ: أن يتمكَّن في الجلوس للأكلِ على أيِّ صِفَة كان، وقيل:
أن يَميل على أحد شِقَّيه، وقيل: أن يَعتَمِد على يده اليُسرَى من الأرض، قال الخطَّبيُّ:
تَحسَب العامّةُ أنَّ المتَّكِئِ هو الآكِل على أحد شِقَّيه، وليس كذلك بل هو المعتمد على الوِطاء
الذي تحته، قال: ومعنى الحديث: إني لا أقعُد مُتَّكِناً على الوِطاء عند الأكل فِعلَ مَن يَستَكثِر
من الطَّعام، فإنّ لا آكُل إلّا البُلْغة من الزّاد، فلذلك أقعُدُ مُستَوفِزاً.
وفي حديث أنس: أنَّه ◌َ يِّ أكل تمراً وهو مُقْع، وفي رواية: وهو محُتَفِز (١)، والمراد: الجلوس
علی وَرِگیه غیر مُتمكّن.
وأخرج ابن عَديٌّ (٢) بسندٍ ضعيف: زَجَرَ النبيُّ نَّهِ أَن يَعتَمِد الرجل على يده اليُسرَى
عند الأكل. قال مالك: هو نوع من الاتِّكاء. قلت: وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة كلّ
ما يُعَدّ الآكِلِ فيه مُتَكِئاً، ولا يَخْتَصّ بصِفَةٍ بعينِها.
وجَزَمَ ابن الجَوْزيّ في تفسير الاتِّكاء بأنَّه بالميلِ على أحد الشِّقَّين، ولم يَلتَفِت لإنكار
الخطّابِيِّ ذلك. وحكى ابن الأثير في ((النِّهاية)) أنَّ مَن فَشَّرَ الاتِّكاء بالميلِ على أحد الشِّقَّينِ
تأوَّلَه على مذهب الطِّبّ بأنَّه لا يَنحَدِر في مَجاري الطَّعامِ سَهلاً ولا يُسيغُه هَنيئاً، ورُبَّما تأذَّى
به.
واختَلَفَ السَّلَف في حُكم الأكل مُتَّكِئاً، فَزَعَمَ ابن القاصّ: أنَّ ذلك من الخصائص
النبويَّة. وتَعقَّبَه البيهقيُّ فقال: قد يُكرَه لغيره أيضاً،/ لأنَّه من فِعل المتعَظِّمينَ، وأصله ٥٤٢/٩
مأخوذ من ملوك العَجَم. قال: فإن كان بالمرءِ مانعٌ لا يتمكَّن معه من الأكل إلّا مُتَكِئاً لم
يكن في ذلك كراهة، ثمَّ ساقَ عن جماعة من السَّلَف أنَّهم أكَلوا كذلك، وأشارَ إلى حَمْل
(١) الروايتان عند مسلم (٢٠٤٤) (١٤٨) و(١٤٩).
(٢) لم نقف عليه عند ابن عدي، لكن أخرجه عبد الرزاق (١٩٥٤٢) عن معمر عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً.

٤٢٠
باب ١٤ / ح ٥٤٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
ذلك عنهم على الضَّرورة، وفي الحَمْل نظر.
وقد أخرج ابن أبي شَيْبة (٣١٢/٨-٣١٣ و٣١٣ و٣١٤) عن ابن عبّاس وخالد بن
الوليد وعَبيدة السَّلْمانيّ ومحمَّد بن سِيرِين وعطاء بن يسار والزّهْريّ جواز ذلك مُطلَقاً،
وإذا ثَبَتَ كَونه مكروهاً أو خلاف الأولى فالمستَحَبّ في صِفَة الجلوس للآكِلِ أن يكون
جاثياً على رُكَبَتَيْه وظُهور قَدَمَيه، أو يَنصِبَ الرّجل اليُمنَى ويَجلِس على اليُسرَى، واستَثنَى
الغَزاليّ من كراهة الأكل مُضطَجِعاً أكل البَقْل.
واختُلِفَ في عِلّة الكراهة، وأقوى ما وَرَدَ في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة (٣١٤/٨) من
طريق إبراهيم النَّخَعيِّ قال: كانوا يَكرَهونَ أن يأكلوا تُكَأَةً(١) تَخافة أن تَعظُمْ بُطوئُهم. وإلى
ذلك يشير بقيَّةُ ما وَرَدَ فيه من الأخبار فهو المعتمد، ووجه الكراهة فيه ظاهر، وكذلك ما أشارَ
إليه ابن الأثير من جهة الطِّبّ، والله أعلم.
١٤ - باب الشِّواء
وقولِ الله تعالى: فجاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ؛ مَشْوِيٌّ
٥٤٠٠ - حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا هشامُ بنُ يوسُفَ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن
أبي أمامةَ بنِ سَهْلٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن خالدِ بنِ الوليدِ، قال: أَنِيَ النبيُّ ◌َلّهِ بِضَبٍّ مَشْوِيٌّ،
فأهوَى إليه ليأكلَ، فقِيلَ له: إنَّه ضَبُّ، فأمسَكَ يدَه، فقال خالدٌ: أحرامٌ هو؟ قال: ((لا، ولكنَّه
لا يكونُ بأرضِ قومي، فأحِدُني أَعافُه)) فأَكَلَ خالدٌ ورسولُ اللهِ يَنظُرُ.
قال مالكٌ: عن ابنِ شِهابٍ: بضَبِّ نَخْنُوذٍ.
قوله: ((باب الشِّواء)) بكسرِ المعجمة وبالمدِّ، معروفٌ.
قوله: ((وقول الله تعالى: فجاءَ بعجلٍ حَنيذٍ» كذا في الأصل، وهو سَبقُ قَلَمِ، والتِّلاوة:
﴿اَن جَآءَ ﴾ كما سيأتي.
(١) هذا مصدر استُعمِل على وزن فُعَلَة، نحو تُخَمَة وتُهَمَة وتُؤَدة وتُقاة. وهو استعمال قليل، انظر ((الدر المصُون))
للسمين الحلبي ٣/ ١١٠ عند تفسير قول الله تعالى: ﴿إِلَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَةٌ﴾ [آل عمران: ٢٨].