النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
باب ٢ / ح ٥٣٧٦
كتاب الأطعمة
قلت: وكذا ذكره عنه الصَّيرَفيّ في ((شرح الرِّسالة))، ونَقَلَ البُوَيطيّ في ((مختصره)): أنَّ
الأكل من رأس الثَّريد والتَّعريس على الطَّريق والقران في الثَّمر، وغير ذلك ممّا وَرَدَ الأمر
بضِدِّه حرام، ومَثَّلِ البَيْضاويّ في ((مِنهاجه)) للنَّذْب بقولِهِ وََّ: ((كُل ◌َمَّا يَليك))، وتَعقَّبَه تاج
الدّين السُّبْكيّ في ((شرحه)) بأنَّ الشافعيّ نَصَّ في غير موضع: على أنَّ مَن أكَلَ ممّا لا يليه عالمً
بالنَّهي كان عاصياً آئِماً.
قال: وقد جَمَعَ والدي نظائرَ هذه المسألة في كتابٍ له سَمّاه: («كَشف اللَّبس عن المسائل
الخمس)) ونَصَرَ القول بأنَّ الأمر فيها للوجوب.
قلت: ويدلّ على وجوب الأكل باليمين وُرود الوعيد في الأكل بالشِّمال، ففي ((صحيح
مسلم)) (٢٠٢١) من حديث سَلَمةَ بن الأكوع: أنَّ النبيّ وَآلۉ رأى رجلاً يأكل بشماله، فقال:
((كُل بيمينك)) قال: لا أستطيع، قال: ((لا استَطَعتَ)) فما رَفَعَها إلى فِيه بعدُ. وأخرج الطبرانيّ
(٨٨٨/١٧ و٨٩٧) من حديث سُبَيعة الأسلميَّة من حديث عُقْبة بن عامر: أنَّ النبيّ وَلِهل
رأى سُبيعة الأسلَميَّة تأكُل بشِمالها فقال: ((أخَذَها داءُ غَزَّة)) فقال: إنَّ بها قَرحةً، قال: ((وإنْ))
فمرَّت بغَزّة فأصابها طاعون فماتت. وأخرجه محمّد بن الرَّبيع الجِيْزيّ في ((مُسنَد الصَّحابة
الذینَ نزلوا مِصر» وسنده حسن.
وثَبَتَ النَّهي عن الأكل بالشّمال، وأنَّه من عَمَل الشّيطان من حديث ابن عمر، ومن حديث
جابر عند مسلم (٢٠١٩ و٢٠٢٠)، وعند أحمد (٢٤٤٧٩) بسندٍ حسن عن عائشة رَفَعَتْه:
((مَن أكَلَ بشِماله أكَلَ معه الشَّيطان)) الحديث.
ونَقَلَ الطِّييُّ أنَّ معنى قوله: ((إِنَّ الشَّيطان يأكل بشماله)) أي: يَحمِل أولياءَه من الإنس
على ذلك ليُضادّ به عباد الله الصالحينَ. قال الطِّييُّ: وتحريره: لا تَأْكُلُوا بالشِّمال، فإن فعَلتُم
كنتُم من أولياء الشَّيطان، فإنَّ الشَّيطان يَحمِل أولياءَه على ذلك. انتهى، وفيه عُدولٌ عن
الظّاهر، والأَولِى حَمْل الخبر على ظاهره، وأنَّ الشَّيطان يأكل حقيقةً، لأنَّ العقل لا يُجيل ذلك،
وقد ثَبَتَ الخبرُ به فلا يُحتاج إلى تأويله. وحكى القُرطُبيّ في ذلك احتمالَينِ ثمَّ قال: والقُدْرة

٣٨٢
باب ٢ / ح ٥٣٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
صالحة. ثمَّ ذكر مِن عند مسلم (٢٠١٧): ((أنَّ الشَّيطان يَستَحِلّ الطَّعامَ إذا لم يُذكَر اسمُ الله عليه))
قال: وهذا عِبارة عن تَناوُله، وقيل: معناه استحسانُه رَفعَ البَرَكة من ذلك الطَّعام.
قال القُرطُبيّ: وقوله ◌َّهِ: ((فإنَّ الشَّيطان يأكل بشِماله)) ظاهرُه أنَّ مَن فعل ذلك تَشَبَّهَ
بالشَّيطان، وأبعَدَ وتَعَسَّفَ مَن أعادَ الضَّمير في شِماله على الآكِل.
قال النَّوَويّ: في هذه الأحاديث استحبابُ الأكل والشُّرب باليمين، وكراهة ذلك
٥٢٣/٩ بالشِّمال، وكذلك كلّ أخذٍ وعطاءٍ كما وَقَعَ في بعض طرق حديث ابن عمر(١)، وهذا/ إذا لم
يكن عُذرٌ من مرض أو جِراحة، فإن كان فلا كراهةَ. كذا قال، وأجابَ عن الإشكال في الدُّعاء
على الرجل الذي فعَل ذلك واعتَذَرَ فلم يُقبَل عُذرُه، بأنَّ عياضاً اذَّعَى أنَّه كان مُنافقاً،
وتَعقَّبَهَ النَّوَويّ بأنَّ جماعةً ذَكَروه في الصَّحابة وسَمَّوه بُسْراً، بضمِّ الموخَّدة وسكون المهمَلة،
واحتَجَّ عياضٌ بما وَرَدَ في خَبَرَه أنَّ الذي حَمَلَه على ذلك الكِبْرِ، وَرَدَّ النََّويّ بأنَّ الكِبْر والمخالَفة
لا يقتضي النِّفاق، لكنَّه معصية إن كان الأمرُ أمر إيجاب.
قلت: ولم يَنفَصِل عن اختياره أنَّ الأمرَ أمُرُ نَذْب. وقد صَرَّحَ ابن العربيّ بإثمٍ مَن أَكَلَ
بشِماله، واحتَجَّ بأنَّ كلّ فِعل يُنسَب إلى الشَّيطان حرام.
وقال القُرطُبيّ: هذا الأمر على جهة النَّدب، لأنَّه من باب تَشريف اليمين على الشِّمال،
لأنَّهَا أقوى في الغالب، وأسبَق للأعمال، وأمْكَن في الأشغال، وهي مُشتَقّة من اليمن، وقد
شَرَّفَ الله أصحاب الجنَّة إذ نَسَبَهم إلى اليمين، وعكْسه في أصحاب الشِّمال. قال: وعلى
الجملة فاليمين وما نُسِبَ إليها وما اشتُقَّ منها محمود لُغةً وشَرعاً ودِيناً، والشِّمال على
نَقيض ذلك. وإذا تَقرَّرَ ذلك فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق والسِّيرة الحسنة عند
الفُضَلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشَّريفة والأحوال النَّظيفة. وقال أيضاً: كلّ هذه
الأوامر من المحاسن المكَمِّلة والمكارم المستَحْسَنة، والأصل فيما كان من هذا الباب التَّرغيبُ
والنَّدْبُ.
(١) أخرجه مسلم (٢٠٢٠).

٣٨٣
باب ٣ / ح ٥٣٧٧ -٥٣٧٨
كتاب الأطعمة
قال: وقوله: ((كُل ممَّا يَليك)) مَحَلّه ما إذا كان الطَّعام نوعاً واحداً، لأنَّ كلَّ أحدٍ كالحائزِ
لمَا يليه من الطَّعام، فأخذ الغير له تَعَدِّ عليه، معَ ما فيه من تَقُّزِ النَّفْس لما خاضَت فيه الأيدي،
ولما فيه من إظهار الحِرص والنَّهم، وهو معَ ذلك سوء أدب بغير فائدة، أمَّا إذا اختَلَفَت الأنواع
فقد أباحَ ذلك العلماء. كذا قال.
قوله: ((فما زالَتِ تلكَ طِعْمَتِي بَعْدُ)) بكسرِ الطاء، أي: صِفَة أكلي، أي: لَزِمت ذلك
وصارَ عادةً لي. قال الكِرْمانيُّ: وفي بعض الرّوايات بالضَّمِّ، يقال: طَعِم: إذا أكل،
والطُّعمة: الأكلة. والمراد جميع ما تقدَّم من الابتداء بالتَّسمية والأكل باليمين والأكل
ـّا یلیه.
وقوله: ((بعدُ)) بالضَّمِّ على البناء، أي: استَمَرَّ ذلك من صنيعي في الأكل.
وفي الحديث أنَّه ينبغي اجتناب الأعمال التي تُشبه أعمال الشَّياطين والكفَّار، وأنَّ
للشَّيطان يَدَين، وأنَّه يأكل ويَشرَب ويأخُذ ويُعطي. وفيه جواز الدُّعاء على مَن خالَفَ
الحُكم الشَّرعيّ. وفيه الأمر بالمعروفِ والنّهي عن المنكر حتَّى في حال الأكل. وفيه
استحباب تعليم أدب الأكل والشّرب. وفيه مَنقَبة لعمر بن أبي سَلَمةَ لامتثاله الأمر
ومواظَبَتَه على مُقتَضاه.
٣- باب الأکل ممّا یلیهِ
وقال أنسٌُّ: قال النبيُّ ◌َّ: ((اذْكُرُوا اسمَ الله، ولْيأكل كلُّ رجلٍ ممّا يَلِيه)).
٥٣٧٧- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني محمَّدُ بنُ جعفٍ، عن محمَّدِ بنِ عَمْرِو
ابن خَلْحَةَ الدِّيلِيّ، عن وَهْبٍ بِنِ كَيْسانَ أبي نُعَيم، عن عمرَ بنِ أبي سَلَمَةَ - وهو ابنُ أمِّ سَلَمةَ
زوجِ النبيِّ وَّهِ - قال: أكَلْتُ يوماً معَ رسولِ الله ◌َِّ طعاماً، فجَعَلْتُ آكُلُ من نواحي الصَّحْفِةِ،
فقال لي رسولُ الله وَلِ: ((كُلْ مِمَّ يَلِكَ)).
٥٣٧٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن وَهْبٍ بنِ كَيْسانَ أبي نُعَيم، قال:
أُنِيَ رسولُ الله ◌َّه بطعامِ ومعه رَبِيُّهُ عمرُ بنُ أبي سَلَمَةَ، فقال: ((سَمِّ اللهَ، وكُلْ بِمَا يَلِكَ)).

٣٨٤
باب ٣ / ح ٥٣٧٧ -٥٣٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب الأكل ممّ يليه، وقال أنس: قال النبيّ ◌َّ: اذْكُروا اسم الله (١)، وليأكل كلّ
٥٢٤/٩ رجل ممَّا يليه)) هذا التَّعليق طَرَف/ من حديث الجَعْد أبي عثمان عن أنس في قصَّة الوليمة على
زينب بنت جَحْش، وقد تقدَّم في ((باب الهديَّة للعروسِ)) (٥١٦٣) في أوائل النِّكاح مُعلَّقاً
من طريق إبراهيم بن طَهْمانَ عن الجَعْد، وفيه: ثُمَّ جَعَلَ يَدعُو عَشَرَة عَشَرة يأكلونَ، ويقول
لهم: ((اذكروا اسم الله، وليأكل كلُّ رجلٍ ممّا يليه)) وقد ذكرت هناك مَن وصَلَه، وسيأتي
أصله موصولاً بعد بابينٍ من وجه آخر عن أنس (٥٣٨١)، لكن ليس فيه مقصود التَّرجمة. وعزاه
شيخنا ابنُ الملقِّن تَبَعاً لمُغَلْطاي لتخريج ابن أبي عاصم في ((الأطعمة)) من طريق بكر وثابت
عن أنس، به، وهو ذُهولٌ منهما، فليس في الحديث المذكور مقصود التّرجمة، وهو عند أبي
يَعْلى (٤١٥١) والبزَّار أيضاً (٦٧٥٩) من الوجه الذي أخرجه ابن أبي عاصم.
قوله: ((حدَّثني محمَّد بن جعفر)) يعني: ابن أبي كثير المدنيّ. وحَلْحَلة: بمُهمَلَتَینِ مفتوحَتَينِ
بینھما لامٌ ساكنة ثمَّ لامُ مفتوحة.
قوله: (عن وهب بن کیْسانَ أبي نُعیم، قال: أُتي رسول الله ێ)) كذا رواه أصحاب مالك في
(الموطَّ)(٢) عنه وصورته الإرسال، وقد وَصَلَه خالد بن تَخَلَد ويحيى بن صالح الوُحَاظِيّ فقالا:
عن مالك، عن وَهْب بن كَيْسانَ، عن عمر بن أبي سلمة. وخالف الجميعَ إسحاقُ بن إبراهيم
الحنيني أحد الضُّعفاء، فقال: عن مالك عن وهب بن گیسان عن جابر. وهو مُنگر.
وإنَّما استَجازَ البخاريّ إخراجَه - وإن كان المحفوظ فيه عن مالك الإرسال - لأنَّه تَبَّن
بالطَّريق الذي قبله صِحّة سماع وَهْب بن كَيْسانَ من عمر بن أبي سَلَمَةَ، واقتَضَى ذلك أنَّ
مالكاً قَضَّرَ بإسنادِهِ حيثُ لم يُصرِّح بَوَصلِه، وهو في الأصل موصول، ولعلَّه وَصَلَه مرَّةً
فحَفِظَ ذلك عنه خالد ويحيى بن صالح وهما ثِقَتان، أخرج ذلك الدّارَ قُطنيُّ في ((الغرائب))
عنهما، واقتَصَرَ ابن عبد البَرّ في ((التَّمهید» علی ذِكْر رواية خالد بن ◌َلَد وحده.
(١) في الأصول: اذكروا الله، بإسقاط لفظ ((اسم))، وهو ثابت لجميع رُواة البخاري كما في اليونينية و«إرشاد
الساري)). وسيذكره الحافظ عند عَزْو الحديث، فالظاهر أنَّ إسقاطه سهو، والله أعلم.
(٢) في رواية يحيى الليثي ٢/ ٩٣٤، وفي رواية أبي مصعب الزهري (١٩٤٣).

٣٨٥
باب ٤ / ح ٥٣٧٩
كتاب الأطعمة
٤ - باب من تتبّعَ حوالي القَصعةِ مع صاحبه إذا لم يَعرِف منه كراهيةً
٥٣٧٩- حدَّثنا قُتَبةُ، عن مالكِ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ، أنَّه سمعَ أنسَ
ابنَ مالكٍ يقول: إنَّ خَيّاطاً دَعَا رسولَ اللهِوَّهِ لِطعامِ صَنَعَه. قال أنس: فذهبتُ معَ رسولِ الله
وَّه، فرأيتُهُ يَتَبَّعُ الدُّاءَ من حَوالَيِ القَصْعةِ. قال: فلم أزَلْ أُحِبُّ الدُّاءَ مِن يومِئِذٍ.
قوله: (باب مَن تَتَبَّعَ حَوالَى القَصْعة معَ صاحبه)) حَوالَى، بفتح اللام وسكون النَّحتانيَّة، أي:
جَوانب، يقال: رأيت الناس حَوْلَه وحَوْلَيه وحَوَالَيه، واللّام مفتوحة في الجميع ولا يجوز
کسرها.
قوله: ((إذا لم يَعرِف منه كراهية)) ذكر فيه حديث أنس في تَتَبُّعَ النبيّ وَِّ الدُّبَاء من
الصَّحْفة، وهذا ظاهرُه يعارِض الذي قبله في الأمر بالأكلِ ممّا يليه، فجَمَعَ البخاريّ بينهما
بحَملِ الجواز على ما إذا علم رِضا مَن يأكل معه، ورَمَزَ بذلك إلى تضعیف حدیث عِكراش
الذي أخرجه التِّرمِذيّ (١٨٤٨) حيثُ جاء فيه التَّفصيل بين ما إذا كان لوناً واحداً فلا يَتَعَدَّى
ما یلیه، أو أکثر من لون فيجوز.
وقد حَلَ بعضُ الشُّاحِ فِعلَه ◌َلَ في هذا الحديث على ذلك فقال: كان الطَّعام مُشتَمِلاً على
مَرَق ودُبّاء وقَدِيد، فكان يأكل ممّا يُعجِبه وهو الدُّاء، ويَترُك ما لا يُعجِبه وهو القَدِید.
وحَلَه الكِرْمانِيُّ، كما تقدَّم له في «باب الخيّاط)) (٢٠٩٢) من كتاب البيع، على أنَّ الطَّعام
كان للنبيِّ وَّهِ وَحْده. قال: فلو كان له ولغيره لكان المستَحَبّ أن يأكل ممَّا يليه. قلت: إن
أراد بالوحدة أنَّ غيره لم يأكل معه فمردود، لأنَّ أنساً أكل معه، وإن أراد أنه المالك وأذِنَ لأنسٍ
أن يأكل معه فليَطْرُدْهُ في كلّ مالك ومُضيف، وما أظنّ أحداً يوافقه عليه.
وقد نَقَلَ ابن بَطّالٍ عن مالك جواباً يجمع الجوابينِ / المذكورَينِ، فقال: إنَّ المؤاكِلَ لأهلِه ٥٢٥/٩
وَخَدَمِه يُباح له أن يَتْبَعِ شَهوَتَه حيثُ رآها إذا علم أنَّ ذلك لا يُكرَه منه، فإذا علم كَراهَتَهم
لذلك لم يأكل إلّا ممَّا يليه.
وقال أيضاً: إنَّما جالَت يدُ رسول الله ◌َّله في الطَّعام لأَنَّه علم أنَّ أحداً لا يَتَكَرَّه ذلك منه ولا

٣٨٦
باب ٤ / ح ٥٣٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
يَتَقَذَّرُه، بل كانوا يتبرَّكون بِرِيقِه وتُماسّة يده، بل كانوا يَتَبَادَرونَ إلى نُخامَته فيَتَدَلَّكونَ بها.
فكذلك مَن لم يُتَقَزَّزْ من مُؤْاكَلَتِهِ(١) يجوز له أن تَجُول يدُه في الصَّحْفة.
وقال ابن التِّين: إذا أكَلَ المرء معَ خادِمه وكان في الطَّعام نوعٌ مفردٌ جازَ له أن يَنْفَرِد به.
وقال في موضع آخر: إنَّما فعل ذلك لأنَّه كان يأكل وَحْده، فسيأتي في روايةٍ أنَّ الخيّاط أقبَلَ
على عَمَله.
قلت: هي رواية ثُمامة عن أنس كما سيأتي بعد أبواب (٥٤٢٠)، لكن لا يَثْبُت المدَّعَى، لأنَّ
أنساً أكَلَ معَ النبيّ ◌َِّل.
قوله: ((إنَّ خَيّاطاً)) لم أقِفْ على اسمه، لكن في رواية تُمامة عن أنس: أنَّه كان غلامَ النّبِّ ◌َّ،
وفي لفظ (٥٤٣٣): أنَّ مَولَّى له خَيّاطاً دَعاه.
قوله: ((لطعامٍ صَنَعَه)) كان الطَّعام المذكور ثَریداً كما سأُبيِّنُه.
قوله: ((قال أنس: فذهبْت معَ رسول الله وَ﴿ فرأيتُه يَتَبَّعِ الدُّاء)» هكذا أورَدَه مختصراً،
وأخرجه مسلم (٢٠٤١/ ١٤٤) عن قُتَيبة شيخ البخاريّ فيه بتمامه، وقد تقدَّم في البُيوع
(٢٠٩٢) عن عبد الله بن يوسف عن مالك بالزّيادة، ولفظه: فقَرَّبَ إلى رسول الله وَل
خُبزاً ومَرَقاً فیه دُبّاء وقدید.
وأفادَ شيخنا ابن الملقِّن عن ((مُستَخرَج الإسماعيليّ) أنَّ الخبز المذكور كان خُبز شعير،
وغَفَلَ عَّا أورَدَه البخاريّ في ((باب المَرَق)) كما سيأتي عن عبد الله بن مَسلَمة عن مالك (٥٤٣٦)
بلفظ: خُبز شَعير، والباقي(٢) مِثله، وكذا أورَدَه بعد باب آخر عن إسماعيل بن أبي أوَيس
عن مالك بتمامه (٥٤٣٩)، وهو عند مسلم عن قُتَيبة أيضاً، وقد أفرَدَ البخاريّ لكلِّ واحدةٍ
ترجمة، وهي المَرَق والدُّبّاء والثَّريد والقديد (٥٤٢٠ و ٥٤٣٣ و٥٤٣٦ و٥٤٣٧).
قوله: ((الدُّاء)) بضمِّ الدّال المهمَلة وتشديد الموحّدة ممدود، ويجوز القصرُ، حكاه القزاز
(١) تحرَّف في (أ) و(ب) و(س) إلى: مؤاكلة، والمثبت على الصواب من (ع) موافقاً لما في مطبوع ((شرح ابن بطال)).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: والثاني.

٣٨٧
باب ٤ / ح ٥٣٧٩
كتاب الأطعمة
وأنكَرَه القُرطُبيّ: هو القَرع، وقيل: إنَّه خاصّ بالمستَدير منه، ووَقَعَ في ((شرح المهذَّب)) للنَّوَويِّ:
أنَّه القَرع اليابس، وما أظنّه إلّا سَهواً، وهو اليقطين أيضاً، واحده دُّةٌ ودُبّة، وكلام أبي عُبيد
الهَرَويُّ يقتضي أنَّ الهمزة زائدة، فإنَّه أخرجه في ((دَبَب)) (٢/ ١٨١)، وأمَّا الجوهريّ فأخرجه في
المعتَلّ على أنَّ همزَته مُنقَلِبة، وهو أشبه بالصَّواب، لكن قال الَّتَشَري: لا نَدري هي مُنقَلِبة عن
واو أو ياء.
ويأتي في رواية ثُمامة عن أنس (٥٤٣٥): فلمَّا رأيتُ ذلك جَعَلت أجْمَعُه بين يَدَيهِ، وفي
رواية حُميدٍ، عن أنس: فجَعَلت أجمعه فأُدْنِيه منه(١).
قوله: ((فلم أزل أُحِبّ الذُّبّاء من يومئذٍ)) في رواية ثُمامة (٥٤٣٥): قال أنس: لا أزالُ
أُحِبّ الدُّاء بعدَما رأيت رسولَ اللهِوَّهِ صَنَعَ مَا صَنَعَ.
وفي رواية مسلم (٢٠٤١/ ١٤٥) من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس:
فجَعَلت أُلقيه إليه ولا أطعَمُه، وله (٢٠٤١ /١٤٥) من طريق مَعمَر عن ثابت وعاصم عن
أنس، فذَكَر الحديث، قال ثابت: فسمعت أنساً يقول: فما صُنِعَ لي طعامٌ بعدُ أقدِرُ على أن
:
يُصنَعَ فيه دُبّاءٌ إلّا صُنِعَ.
ولابنٍ ماجَهْ (٣٣٠٣) بسندٍ صحيح عن حُميدٍ عن أنس قال: بَعَثَت معي أمُّ سُلَیم
بِمِكتَلِ فيه رُطَب إلى رسول الله وََّ، فلم أجِدْه، وخَرَجَ قريباً إلى مولَّ له دَعاه، فصَنَعَ له
طعاماً، فأتيتُه وهو يأكل، فدَعاني فأكَلتُ معه، قال: وصَنعَ له ثَريدةً بلحمٍ وقَرْع، فإذا هو
يُعجِبِه القَرْع، فجَعَلت أجمَعُه فأُدنیه منه، الحديث.
وأخرج مسلم بعضه من هذا الوجه بلفظ: كان يُعجِبِه القَرْع(٢). ولِلنَّسائيِّ(٣): كان يُحِبّ
(١) أخرجه أحمد (١٢٠٥٢)، وابن ماجه (٣٣٠٣). وسيعزُوه الحافظ قريباً لابن ماجه.
(٢) لم نقف عليه عند مسلم بهذا اللفظ، وإنما جاء عنده بلفظ: فجعل رسولُ الله وَ ل* يأكل من ذلك الدباء
ويُعجبه.
(٣) كذا عزاه الحافظُ هنا للنسائي، وهو وهمٌّ منه رحمه الله، بل لم يجدِ الحافظُ من خرّجه بهذا اللفظ، كما نصَّ
عليه هو في ((تخريج أحاديث الكشاف)) (٢٩٨).

٣٨٨
باب ٥ / ح ٥٣٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
القَرْع، ويقول: ((إنَّهَا شَجَرة أخي يونُس)) .
ويُجمَع بين قوله في هذه الرِّواية: فلم أجِده (١)، وبين حديث الباب: ذهبتُ معَ
رسول الله وَ ﴾، أنَّه أطلقَ المعيَّة باعتبار ما آل إليه الحال. ويحتمل تعدُّد القصَّة على بُعدٍ.
وفي الحديث جواز أكل الشَّريف طعامَ مَن دونه مِن مُتَرِفٍ وغيره، وإجابة دَعَوته.
ومُؤاكَلة الخادِمِ. وبيان ما كان في النبيّ وَلُّ من التَّواضُع واللَّطف بأصحابه وتَعاهُدهم بالمجيءِ
إلى منازلهم.
٥٢٦/٩
وفيه الإجابة إلى الطَّعام ولو كان قليلاً. ومُناوَلة الضّيفان بعضهم بعضاً ممّا وُضِعَ/ بين
أيديهم، وإنَّما يَمتَنِعُ مَن يأخذ من قُدّام الآخَر شيئاً لنفسِه أو لغيره. وسيأتي البحث فيه في
باب مُفرَد (٥٤٥٠). وفيه جواز تَرك المُضيف الأكلَ معَ الضَّيف، لأنَّ في رواية تُمامة عن
أنس في حديث الباب: أنَّ الخيّاط قَدَّمَ لهم الطَّعام ثمَّ أقبَلَ على عَمَله، فيُؤخَذ جواز ذلك
من تقرير النبيّ وَ﴿، ويحتمل أن يكون الطَّعام كان قليلاً فآثَرَهم به، ويحتمل أن يكون كان
مُكتَفياً من الطَّعام، أو كان صائماً، أو كان شُغله قد تَتَّمَ عليه تَکمیلُه.
وفيه الحِرص على التَّشَبُّه بأهلِ الخير والاقتداء بهم في المطاعم وغيرها. وفيه فضيلة ظاهرة
لأنسٍ لاقتفائه أثر النبيّ ◌َّ حتَّى في الأشياء الجبلية، وکان یأخذ نفسَه باتِّباعِه فيها .
قوله: ((قال عمر بن أبي سلمة: قال لي النبي ◌َّا : كل بيمينك)) كذا ثبت هذا التعليق في
رواية أبي ذرِّ عن الحَقُِّي والكُشْمِيهني، وسقط للباقين، وهو الأشبه، وقد مضى موصولاً
قبل باب، والذي يظهر لي أن محله بعد الترجمة التي تليه.
٥ - باب التّيمُّن في الأکل وغيره
قال عمرُ بنُ أبي سَلَمَةَ: قال لي النبيُّوَلِ: «كُلْ بَيَمِينِكَ)).
٥٣٨٠ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا شُعْبةُ، عن أشعَثَ، عن أبيه، عن مسروقٍ،
عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان النبيُّ ◌َّهَ يُحِبُّ التَيُّنَ ما استَطاعَ فِي طُهورِه وَتَنَعُلِهِ وتَرَجُلِهِ.
(١) يعني في رواية ابن ماجه.

٣٨٩
باب ٦ / ح ٥٣٨١
كتاب الأطعمة
وكان قال بواسِطٍ قبلَ هذا: في شأنِهِ كُلِّه.
قوله: ((باب التَّيِّمُّن في الأكل وغيره) ذكر فيه حديث عائشة: كان رسولُ اللهِ وَّه ◌ُحِبُّ
التَّيَّمُّن، الحديث، وهو ظاهر فيما تَرجَمَ له، وظنَّ بعضهم أنَّ في هذه التَّرجمة تكراراً، لأنَّه
تقدَّم في قوله: ((باب التَّسمية على الطَّعام، والأكل باليمين)) (٥٣٧٦)، وقد أجابَ عنه ابن
بَطّالٍ بأنَّ هذه الثَّرجمة أعَمّ من الأُولى، لأنَّ الأُولى لِفِعلِ الأكل فقط، وهذه لجميع الأفعال
فيَدخُل فيه الأكل والشُّرب بطريق التَّعميم. انتهى، ومن ◌ُملة العُموم عُموم مُتَعلَّقات الأكل،
كالأكلِ من جهة اليمين، وتقديم مَن على اليمين في الإتحاف ونحوه على مَن على الشِّمال، وغير
ذلك.
قوله: ((وكان قال بواسِطٍ قبل هذا: في شأنه كلّه)) القائل: هو شُعْبة، والمقُول عنه أنَّه قال
بواسطٍ: هو أشعَث، وهو ابن أبي الشَّعْثاء، وقد تقدَّم بيانُ ذلك معَ مباحث الحديث في
(باب التَّيَمُّن)) من كتاب الوضوء (١٦٨). وقال الكِرْمانيُّ: قال بعض المشايخ: القائل بواسطٍ
هو أشعَث. كذا نَقَّلَ، وليس بصوابٍ ممَّن قال.
٦- باب من أکل حتی شبع
٥٣٨١- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ، أَنَّه
سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: قال أبو طَلْحةَ لأُمُّ سُلَيم: لقد سمعتُ صوتَ رسولِ اللهِ إِلّه
ضَعِيفاً أعرِفُ فيه الجوعَ، فهل عندَكِ من شيءٍ؟ فأخرَجَت أقراصاً من شَعِيرٍ، ثمَّ أخرَجَت
خِماراً لها فلَفَّتِ الخبزَ ببعضِه، ثمَّ دَسَّتْه تحتَ تَوْبي ورَدَّتْني ببعضِه، ثمَّ أرسَلَتْني إلى رسولِ الله وَ
قال: فذهبتُ به، فَوَجَدْتُ رسولَ اللهِوَ ﴾ في المسجدِ ومعه الناسُ، فَقُمْتُ عليهم، فقال لي
رسولُ اللهَ ﴿: «أرسَلَكَ أبو طَلْحةَ؟)) فقلتُ: نعم، قال: ((بطَعام؟)) قال: فقلتُ: نعم، فقال
رسولُ اللهِوَ﴿ لمن معَه: ((قُومُوا)» فانطَلَقَ وانطَلَقْتُ بينَ أيدِيهم حتَّى جِئْتُ أبا طَلْحَةَ، فقال أبو
طَلْحَةَ: يَا أَّ سُلَيم، قد جاءَ رسولُ اللهِوَله بالناسِ، وليس عندَنا مِن الطَّعامِ ما نُطْعِمُهم.
فقالت: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: فانطَلَقَ أبو طَلْحَةَ حتَّى لَقِيَّ رسولَ اللهِ وَّهِ، فَأقبَلَ أبو طَلْحَةَ

٣٩٠
باب ٦ / ح ٥٣٨١ - ٥٣٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
ورسولُ اللهِّهِ حَتَّى دَخَلَا، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((هَلُمِّي يا أمَّ سُلَيم ما عندَكِ))، فأتَتْ بذلك
الخبزِ، فأمَرَ به فقُتَّ، وعَصَرَت أمُّ سُلَيم عُكّةً لها فَأَدَمَتْه، ثمَّ قال فيه رسولُ الله ◌ِِّ ما شاءَ اللهُ أن
يقولَ، ثمّ قال: ((اْذَنْ لِعَشَرةٍ)). فَأَذِينَ لهم، فأَكَلوا حتَّى شَبِعُوا، ثمَّ خَرَجوا. ثمّ قال: ((اثْذَنْ لِعَشَرةٍ))
فَأَذِنَ لهم، فأكلوا حتَّى شَبِعُوا، ثمَّ خَرَجوا، ثمَّ قال: ((اثْذَنْ لِعَشَرةٍ»، فَأَذِنَ لهم، فأكَلوا حتَّى شَبِعُوا، ثمَّ
خَرَجوا، ثمّ أَذِنَ لِعَشَرةٍ، فَأُكَلَ القومُ كلَّهم وشَبِعُوا، والقومُ ثمانونَ رجلاً.
٥٣٨٢- حدَّثنا موسى، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، عن أبيه. قال: وَحدَّث أبو عثمانَ أيضاً، عن
عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بكرٍ رَضِيَ الله عنهما، قال: كنَّا معَ النبيِّ وَ ◌ِّ ثلاثينَ ومئةً، فقال النبيُّ ◌َِّ:
((هل معَ أحدٍ منكم طعامٌ؟)) فإذا معَ رجلٍ صاعٌ من طعامٍ أو نحوه، فعُجِنَ، ثمَّ جاء رجلٌ
مُشْرِكٌ مُشْعانٌ طويلٌ بِغَنَمِ يَسُوقُها، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((أَبَيْعٌ أم عَطِيَةٌ - أو قال هِبةٌ -؟)) قال: لا،
بل بيعٌ، قال: فاشتَرَى منه شاةً فصُنِعَت، فأمَرَ نبِيُّ الله ◌َّهِ بِسَوادِ البَطْنِ يُشْوَى، وايمُ الله ما في
الثَّلاثِينَ ومئةٍ إلّا قد حَزَّ له حُزّةً من سوادٍ بَطْنِها، إن كان شاهداً أعطاها إيّاه، وإن كان غائباً
خَبَأْها له، ثمَّ جَعَلَ فيها قَصْعَتَينٍ، فأكَلْنا أجْمَعونَ وشَبِعْنا، وفَضَلَ في القَصْعَتَيْنِ، فحَمَلْتُه على
البَعِير، أو كما قال.
٥٣٨٣- حدَّثنا مسلمٌ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا منصورٌ، عن أمِّه، عن عائشةَ رضي الله عنها:
تُوقِّيَ النبيُّ ◌ََّ حِينَ شَبِعْنا من الأسوَدَينِ: التَّمْرِ والماءِ.
[طرفه في: ٥٤٤٢]
قوله: ((باب مَن أكَلَ حتَّی شَبعَ)» ذکر فیه ثلاثة أحاديث:
٥٢٧/٩
الأول: حديث أنس في تكثير الطَّعام ببَرَكة النبيّ وَّهِ، وقد تقدَّم شرحُه في علامات
النُّبوّة (٣٥٧٨)، وفيه: فأكَلوا حتَّى شَبعوا.
الثاني: حديث عبد الرَّحمن بن أبي بكر في إطعام القوم من سَواد بطن الشّاة، وكانوا ثلاثينَ
ومئة رجل، وفيه: فأكَلنا أجْمَعونَ وشَبِعنا، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الهِبة (٢٦١٨).
الثالث: حديث عائشة: تُوُلِّ النبيّ وَّهِ حين شَبِعنا من الأسوَدَينِ: التَّمر والماء. وفيه إشارة

٣٩١
باب ٦ / ح ٥٣٨١ - ٥٣٨٢
كتاب الأطعمة
إلى أنَّ شِبَعهم لم يقع قبل زمان وفاته. قاله الكِرْمانيُّ. قلت: لكنَّ ظاهره غير مُراد، وقد
تقدَّم في غزوة خَيبَرَ (٤٢٤٢) من طريق عِكْرمة عن عائشة قالت: لمَّا فُتِحَت خَيْبَرَ قلنا:
الآن نَشبَع من الثَّمر، ومن حديث ابن عمر (٤٢٤٣) قال: ما شَبِعنا حتَّى فتحنا خَيْبَرَ.
فالمراد أنَّهَ وَّهِ شَبعَ حين شَبِعوا واستَمرَّ شِبَعُهم، وابتداؤُه من فتح خَيْبَرَ، وذلك قبل موته وَهل
بثلاث سنين، ومُراد عائشة بما أشارَت إليه مِن الشِّبَع هو من التَّمر خاصّة دون الماء، لكن
قَرَنَتُه به إشارة إلى أنَّ تمام الشِّبَعِ حَصَلَ بجمعِهما، فكأنَّ الواو فيه بمعنى مَعَ، لا أنَّ الماء
وحده يُوجَد منه الشِّبَع، ولما عَبَّرَت عن الثَّمر والماءِ (١) بوَصفٍ واحد،/ وهو السَّواد، عَبَّرَت ٥٢٨/٩
عن الشِّبَع والرِّيّ يفِعْلٍ واحد، وهو الشِّبَع.
وقوله في حديث أنس عن أبي طلحة: ((سمعت صوت النبيّ وَ ل ( ضعيفاً أعرِف فيه الجوع)»
كأنَّه لم يسمع في صوته لمّا تَكلَّمَ إذ ذاكَ الفَخامةَ المألوفةَ منه، فحَمَلَ ذلك على الجوع
بقَرِينة الحال التي كانوا فيها، وفيه رَدٌّ على دَعوَى ابن حِبّان أنَّه لم يكن يجوع، واحتَجَّ
بحديثٍ: ((أبِيتُ يُطْعِمِنِي رَبّي ويَسقيني))(٢). وتُعقِّبَ بالْحَمْلِ على تعدُّد الحال: فكان يجوع
أحياناً ليَتَأْسَى به أصحابه، ولا سيَّما مَن لا يَجِدِ مَدَداً وأدرَكَه ألمُ الجوعِ صَبَرَ فضُوعِفَ له
الأَجرُ، وقد بسطتُ هذا في مكان آخر.
ويُؤخَذ من قصَّة أبي طلحة أنَّ مِن أدب مَن يُضيف أن يَخْرُج معَ الضَّيف إلى باب الدّار
تَكْرِمَةً له. قال ابن بَطّالٍ: في هذه الأحاديث جواز الشِّبَع وأنَّ تَركه أحياناً أفضل، وقد وَرَدَ
عن سلمان وأبي جُحَيفةَ، أنَّ النبيّ ◌َِّ قال: ((إنَّ أكثر الناس شِبَعاً في الدُّنيا أطولهم جوعاً في
الآخِرة)). قال الطَّبَريُّ: غير أنَّ الشِّبَع وإن كان مُباحاً فإنَّ له حَدّاً يَنتَهي إليه، وما زاد على
ذلك فهو سَرَفٌ، والمطلَق منه ما أعانَ الآكِلَ على طاعة رَبّه ولم يَشغَله ثِقَلُه عن أداء ما وجَبَ
علیه. انتهى.
وحديث سلمان الذي أشارَ إليه أخرجه ابن ماجه (٣٣٥١) بسندٍ ليِّن، وأخرج عن ابن عمر
(١) لفظة ((والماء)) سقطت من (س).
(٢) سلف برقم (١٩٦٥)، وأخرجه مسلم (١١٠٣) من حديث أبي هريرة.

٣٩٢
باب ٦ / ح ٥٣٨١- ٥٣٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
نحوه (٣٣٥٠)، وفي سنده مقالٌ أيضاً، وأخرج البزَّار (٣٦٩٩ و٣٦٧٠) نحوه من حديث
أبي ◌ُحَيفةَ بسندٍ ضعيف، قال القُرطُبيّ في ((المفهم)) لمَا ذكر قصَّة أبي الهَثَم إذ ذَبَحَ للنبيِّ ◌َل
ولِصاحبَيَه الشّاة فأكَلوا حتَّى شَبعوا: وفيه دليل على جواز الشِّبَع، وما جاء من النَّهي عنه
محمول على الشِّبَع الذي يُثقِل المعِدة، ويُنْبِّط صاحبه عن القيام للعبادة، ويُفضي إلى البَطَر
والأشَرِ والنَّوم والكَسَل، وقد تنتهي كَراهَته إلى التَّحريم بحَسَب ما يَتَرتَّب عليه من
المفسدة.
وذكر الكِرْمانيُّ تَبَعاً لابنِ المنَيِّرِ أنَّ الشِّبَع المذكور محمول على شِبَعهم المعتاد منهم، وهو
أنَّ الثُّلث للطَّعام والثُّلث للشَّراب والثُّلث للنَّفَس، ويحتاج في دَعوَى أنَّ تلكَ عادتُهم إلى
نقل خاصّ، وإنَّما وَرَدَ في ذلك حديث حسن أخرجه التِّرمِذيّ (٢٣٨٠) والنَّسائيُّ
(ك٦٧٣٧) وابن ماجه (٣٣٤٩)، وصَحَّحَه الحاكم (١٢١/٤ و٣٣١) من حديث المقدام بن
مَعْدِي كَرِبَ: سمعتُ رسول الله وَّهِ يقول: ((ما مَلَأْ آدَميُّ وِعاءً شَرّاً من بطنٍ، حَسْبُ
الآدَميّ لُقَيمات يُقِمِنَ صُلبه، فإن غَلَبَ الآدَميَّ نفسُه، فتُلُثُّ الطَّعام وثُلُثُ للشَراب وثُلُث
للنَّفَس)».
قال القُرطُبيّ في ((شرح الأسماء): لو سمعَ بُقراط بهذه القسمة، لَعَجِبَ من هذه الحكمة.
وقال الغَزاليّ قبله في باب كسر الشَّهوَتَينِ من («الإحياء)): ذُكر هذا الحديث لبعضٍ
الفَلاسفة فقال: ما سمعتُ كلاماً في قِلّة الأكل أحكم من هذا.
ولا شَكَّ في أنَّ أثر الحكمة في الحديث المذكور واضح، وإنَّما خُصَّ الثلاثة بالذِّكرِ لأنّها
أسباب حياة الحيوان، ولأنَّه لا يَدخُل البطنَ سواها. وهل المراد بالثُّثِ التَّساوي على
ظاهر الخبر، أو التَّقسيم إلى ثلاثة أقسام مُتَقاربة؟ مَحَلّ احتمال، والأوَّل أولى. ويحتمل أن
يكون لَمَّحَ بِذِكْر الثُّلث إلى قوله في الحديث الآخرِ: ((الثُّلث كثير)).
وقال ابن المنّيِّرِ: ذكر البخاريّ في الأشربة في ((باب شُرب اللَّبَن للبَرَكة))(١) حديثَ أنس،
(١) ليس هذا اسم الباب وإنما هو ((باب شرب البركة والماء المبارك)) وهو ترجمة الحديث (٥٦٣٩).

٣٩٣
باب ٦ / ح ٥٣٨١- ٥٣٨٢
كتاب الأطعمة
وفيه قوله: ((فجَعَلت لا أَلُو ما جَعَلتُ في بطني منه))(١)، فيحتمل أن يكون الشِّبَع المشار إليه
في أحاديث الباب من ذلك، لأنّ طعامُ بَرَكة. قلت: وهو مُتَمِل إلّا في حديث عائشة ثالث
أحاديث الباب، فإنَّ المراد به الشِّبَع المعتاد لهم، والله أعلم.
واختلف في حدّ الجوع على رأیین ذكرهما في («الإحياء)»:
أحدهما: أن يَشتَهي الخُبز وحده، فمَتَى طلبَ الأُدْم فليس بجائعٍ.
ثانيهما: أنَّه إذا وَقَعَ ريقُه على الأرض لم يقع عليه الذُّباب. وذكر أنَّ مراتب الشِّبَع تَنحَصِر في
سبعة:
الأوَّلُ: ما تقومُ به الحياة.
الثّاني: أن يزيدَ حتَّى يصوم ويُصَلّي عن قيام، وهذان واجبان.
الثّالث: أن يزيدَ حتَّى يقوى على أداء النَّوافل.
الرَّابع: أن يزيدَ حتَّى يَقدِر على التَّكَسُّب، وهذان مُستَحَبّان.
الخامس: أن يملأ الثُّلث، وهذا جائز.
السادس: أن يزيد على ذلك، وبه يَتْقُل البَدَن ويَكثُر النَّوم، وهذا مكروهٌ.
السابع: أن يزيد حتَّى يَتَضَرَّر، وهي البِطْنة المنهيّ عنها، وهذا/ حرام، انتهى.
٥٢٩/٩
ويُمكِن دخول الثّالث في الرّابع، والأوَّل في الثّاني، والله أعلم.
تنبيه: وَقَعَ في سياق السَّنَد مُعتَمِر، وهو ابن سليمان التَّيْمِيُّ عن أبيه قال: وحدَّثَ(٢)
أبو عثمان أيضاً، فَزَعَمَ الكِرْ مانيُّ أنَّ ظاهره أنَّ أباه حدَّث عن غير أبي عثمان، ثمَّ قال: وحدَّثني
أبو عثمان أيضاً. قلت: وليس ذلك المراد، وإنَّما أراد أنَّ أبا عثمان حدَّثه بحديثٍ سابقٍ على هذا،
ثُمَّ حدَّثه بهذا، فلذلك قال: أيضاً، أي: حدَّث بحديثٍ بعد حديث.
(١) بل من حديث جابر ورقمه (٥٦٣٩).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: وحدَّثني.

٣٩٤
باب ٧ / ح ٥٣٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
٧- بابٌ
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ﴾ [النور: ٦١]
والنّهْد والاجتماع على الطعام
٥٣٨٤- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال يحيى بنُ سعيدٍ: سمعتُ بُشَيرَ بنَ
يَسارٍ، يقول: حدَّثنا سُوَيِدُ بنُ النُّعْمان، قال: خَرَجْنا معَ رسولِ اللهِ وَّهِ إِلى خَيْرَ، فلمَّا كنَّا
بالصَّهْباءِ - قال يحيى: وهي من خَبِيرَ على رَوْحةٍ - دَعَا رسولُ اللهِ وََّ بطعامِ، فما أُنِيَ إلّا بِسَوِيقٍ،
فَلُكْناهُ فأكَلْنا منه، ثمَّ دَعَا بماءٍ فمَضْمَضَ ومَضْمَضْنا، فصَلَّى بنا المغربَ ولم يَتَوضَّأ. قال سفيانُ:
سمعتُه منه عَوْداً وبَدْءاً.
قوله: ((باب ﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾)) إلى هنا للأكثر، وساقَ في رواية أبي ذرِّ الصِّنفَينِ
الآخرَينِ، ثمَّ قال: الآيةَ، وأراد بقية الآية التي في سورة النّور لا التي في الفتح، لأنَّها
المناسبةُ لأبواب الأطعمة. ويُؤيِّد ذلك أنَّه وَقَعَ عند الإسماعيليّ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ﴾، وكذا لبعضِ رُواة الصَّحيح.
قوله: ((والنِّهْد والاجتماع على الطَّعام)) ثَبَتَت هذه التَّرجمة في رواية المُستَمْلي وحده.
والنَّهْد، بكسرِ النُّون(١) وسكون الهاء، تقدَّم تفسيره في أوَّل الشَّرِكة، حيثُ قال: ((باب
الشَّرِكة في الطَّعام والنِّهْد» (٢٤٨٣)، وتقدّم هناك بيان حُكمه، وذكر فيه عِدّة أحاديث في
ذلك.
ثمَّ ذكر حديث سُوَيد بن النُّعمان، وفيه: دَعا رسولُ اللهِ وَّهِ بطعام، فلم يُؤتَ إلّا
بسَويق، الحديث. وليس هو ظاهراً في المراد من النِّهْد لاحتمال أن يكون ما جِيءَ بالسَّوِيق
إلّا من جهة واحدة، لكنَّ مُناسَبته لأصلِ التَّرجمة ظاهرة في اجتماعهم على لَوْك السَّويق من
غیر تمییز بین أعمی وبصیر، وبین صحیح ومريض.
(١) وضبطه الحافظ في الشركة أيضاً بفتح النون، وكلاهما صحيح. انظر ((إكمال الإعلام بتثليث الكلام)) لابن
مالك ٢/ ٧٢٧.

٣٩٥
باب ٨ / ح ٥٣٨٥-٥٣٨٦
كتاب الأطعمة
وحكى ابن بَطّالٍ عن المهلَّب قال: مُناسَبة الآية لحديثٍ سُوَيدٍ ما ذكره أهل التَّفسير
أَّهم كانوا إذا اجتَمَعوا للأكلِ عُزِلَ الأعمَى على حِدَةٍ، والأعرَجُ على حِدَةٍ، والمريضُ على
حِدَةٍ، لتقصيرهم عن أكل الأصِحّاء، فكانوا يَتَحرَّجونَ أن يَتَفَضَّلوا عليهم، وهذا عن ابن
الكَلْبِيّ. وقال عطاء بن يزيد: كان الأعمَى يَتَحرَّج أن يأكل طعام غيره لجَعْلِه يَدَه في غیر
موضعها، والأعرج كذلك لاتُّساعِه في موضع الأكل، والمريض لرائحَتِه، فنزلت هذه الآية،
فأباحَ اللهُ لهم الأكل معَ غيرهم.
وفي حديث سُوَيدٍ معنى الآية، لأنَّهِم جَعَلوا أيديهم فيما حَضَرَ من الزّاد سواءً، معَ أنَّه
لا يُمكِن أن يكون أكلُّهم بالسَّواءِ، لاختلاف أحوال الناس في ذلك، وقد سوَّغَ لهم الشّارع
ذلك معَ ما فيه من الزّيادة والنُّقصان، فكان مُباحاً، والله أعلم. انتهى كلامه.
وقد جاء في سبب نزول الآية أثرٌ آخرُ من وجه صحيح، قال عبد الرَّزّاق(١): أخبرنا
مَعمَر عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: كان الرجل يذهب بالأعمَى أو الأعرَج أو المريض إلى
بيت أبيه أو أخيه أو قريبه، فكان الَّمنَى يَتَحرَّجونَ من ذلك ويقولون: إنَّما يذهبونَ بنا إلى
بُيوت غيرهم، فنزلت الآية رُخصةً لهم.
وقال ابن المنيِّرِ: موضع المطابقة من التَرجمة وسَط الآية، وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ
عَلَيَكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾ [النور: ٦١] وهي أصل في جواز أكل
المُخارجة، ولهذا ذكر في التَّرجمة النِّهْد، والله أعلم.
٥٣٠/٩
٨- باب الخُبز المرقّق، والأكل على الخِوان والسُّفْرة
٥٣٨٥- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدَّثْنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادةَ، قال: كنَّا عندَ أنسٍ وعندَه خَبّازٌ له،
فقال: ما أكَلَ النبيُّ ◌َّ خُبْزاً مُرقَّقاً، ولا شاةَ مَسْموطةً، حَتَّى لَقِيَ اللهَ.
[طرفاه في: ٥٤٢١، ٦٤٥٧]
٥٣٨٦ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا معاذُ بنُ هشام، قال: حدَّثني أبي، عن يونُسَ - قال
(١) في ((التفسير)) ٦٤/٢.

٣٩٦
باب ٨ / ح ٥٣٨٥ -٥٣٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
عليٌّ: هو الإسكافُ - عن قَتَادةَ، عن أنسٍ عَ، قال: ما علمْتُ النبيَّ وَ أَكَلَ على سُكُرُّجَةٍ قَطُّ،
ولا خُبِزَ له مُرقَّقٌ قَطُّ، ولا أكَلَ على خِوانٍ قَطٌّ.
قِيلَ لِقَتَادَةَ: فعلامَ كانوا يأكُلُونَ؟ قال: على السُّفَرِ.
[طرفاه في: ٥٤١٥، ٦٤٥٠]
٥٣٨٧ - حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، أخبرني مُميدٌ، أنَّه سمعَ أنساً يقول:
قامَ النبيُّ نَّه يبني بصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ المسلمينَ إلى ولِيمَتِهِ، أُمَرَ بالأنطاع فُبُسِطَت، فَأَلَّقِيَ عليها
التَّعْرُ والأقِطُ والسَّمْن.
وقال عَمْرُو: عن أنسٍ: بَنَى بِها النبيُّبِّهِ، ثُمَّ صَنَعَ حَيْساً في نِطَعِ.
٥٣٨٨- حدَّثْنا محمَّدٌ، أخبرنا أبو مُعاوِيةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه. وعن وَهْبٍ بنِ كَيْسانَ
قال: كان أهلُ الشَّامِ يُعيِّرونَ ابنَ الزُّبَيرِ يقولون: يا ابنَ ذات النِّطاقَينِ. فقالت له أسماءُ: يا بُنيَّ،
إِنَّهم يُعيِّرونَكَ بالنِّطاقَينِ، هل تَذْري ما كان النِّطاقان؟ إنَّما كان نِطاقي شَقَقْتُه نِصْفَينِ: فأوْكَيتُ
قِرْبةَ رسولِ الله ◌ِ لّهِ بِأحدِهما، وجَعَلْتُ في سُفْرَتِهِ آخَرَ. قال: فكان أهلُ الشَّامِ إذا عَيَّروه بالنِّطافَيْنِ
يقول: إيهاً والإلهِ، تلكَ شَكَاةٌ ظاهرٌ عنكَ عارُها.
٥٣٨٩- حدَّثنا أبو الثُّعْمان، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ، عن ابنِ
عِبَّاسٍ: أَنَّ أَّ حُفَيدٍ بنتَ الحارثِ بنِ حَزْنٍ - خالةَ ابنِ عبَّاسٍ - أهدَت إلى النبيِّ ◌َّ سَمْناً وأقِطاً
وأضُبّاً، فَدَعَا بِهِنَّ فأُكِلْنَ على مائدَتِهِ، وتَرَكَهُنَّ النبيُّ وَّرِ كالمستَقْذِرِ هَنَّ، ولو كُنَّ حراماً ما
أُكِلْنَ على مائدةِ النبيِّ وَِّ، ولا أمُرَ بأكلِهِنَّ.
قوله: ((باب الخبز المَرَقَّق، والأكل على الخِوَان والسُّفْرة)) أمَّا الخبز المرَقَّق، فقال عياض: قوله:
((مُرِقَّقَا) أي: مُليَّاً مُحُسَّناً كخُبْزِ الحُوَّارَى وشبهه، والتَّرقيق: التَّليين، ولم يكن عندهم مَناخِل.
وقد يكون المَرَقَّق: الرَّقيق الموسَّع. انتهى، وهذا هو المتعارَف، وبه جَزَمَ ابن الأثير قال: الرِّقاق
الرَّقيق مِثل طوال وطويل: وهو الرَّغيف الواسع الرَّقيق.
وأغرَبَ ابن التِّين، فقال: هو السَّمِيد وما يُصنَع منه من كَعك وغيره. وقال ابن الجوزيّ:

٣٩٧
باب ٨ / ح ٥٣٨٥-٥٣٨٩
كتاب الأطعمة
٥٣١/٩
هو الخفيف، كأنَّه مأخوذ من المِرقاق(١)،/ وهي الخشبة التي يُرقَّق بها.
وأمَّا الخِوان فالمشهور فيه كسر المعجَمة، ويجوز ضَمَّها، وفيه لُغة ثالثة إخْوان بكسرٍ
الهمزة وسكون الخاء، وسُئلَ ثَعلَب: هل سُمّي الِوانَ لأَنَّه يُتَخَوَّن ما عليه، أي: يُنْتَقَص؟
فقال: ما يَبعُد. قال الْجَوَاليقيّ: والصَّحيح أنَّه أعجميّ مُعرَّب، ويُجمَع على أخونة في القِلّة،
وخُون مضموم الأوَّل في الكَثْرة. وقال غيره: الخِوان: المائدة ما لم يكن عليها طعام. وأمَّا
السُّفرة فاشتُهِرَت لمَا يُوضَع عليها الطَّعام، وأصلها الطَّعام نفسه.
قوله: ((كنَّا عند أنس وعنده خَبّاز لَه)) لم أقِفْ على تسميته، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ(٢) عن
قَتَادة: كنَّا نأتي أنساً وخَبّازُه قائم. زاد ابن ماجه (٣٣٣٩): وخِوَانه موضوعٌ، فيقول: كُلوا.
وفي الطبرانيّ (٦٧٣) من طريق راشد بن أبي راشد قال: كان لأنسٍ غلامٌ يعمل له النَّقائِقِ،
ويَطْبُخ له لونَينِ طعاماً، ويَخبز له الحُوّارَى ويَعجِنه بالسَّمنِ. انتهى، والحُوّارَى، بضمِّ المهمَلة
وتشديد الواو وفتح الرَّاء: الخالص الذي يُنْخَل مرَّة بعد مرَّة.
قوله: ((ما أُكَلَ النبيّ ◌َيهِ خُبْزاً مُرفَقاً ولا شاةً مَسْموطةً» المسموط: الذي أُزيل شعره
بالماءِ المسَخَّن، وشُويَ بجِلدِه، أو يُطبَخ، وإنَّما يُصنَع ذلك في الصَّغير السِّنّ الطَّريّ، وهو
من فِعْل المترَفِينَ من وجهَينِ: أحدهما: المبادرة إلى ذَبح ما لو بَقِيَ لازدادَ ثَمَنه، وثانيهما: أنَّ
المسلوخ يُنتَفَع بجِلِدِه في اللَّبس وغيره، والسَّمْط يُفسِده.
وقد جَرَى ابن بَطّالٍ على أنَّ المسموط المشويّ، فقال ما مُلخَّصه: يُجمَع بين هذا وبين حديث
عَمْرو بن أُميَّةُ: أَنَّه رأى النبيّ ◌َّهِ يَتَزّ من كَتِفْ شاة (٣)، وحديث أمّ سَلَمَةَ الذي أخرجه
التِّرمِذيّ (١٨٢٩): أنَّهَا قَرَّبَت للنبيِّوَِّ جَنْباً مَشويّاً فأكَلَ منه. بأن يقال: مُحْتَمِل أن يكون لم
يَتِّفِق أن تُشْمطَ له شاة بكمالها، لأَنَّه قد احتَزَّ من الكَتِفِ مرَّة ومن الجنْب أُخرَى، وذلك لحم
(١) تحرَّف في الأصول و(س) إلى: الرقاق.
(٢) ستأتي رواية قتادة بهذا اللفظ عند البخاري أيضاً في كتاب الأطعمة برقم (٥٤٢١)، فلا ندري كيف ذهل
عنها الحافظ رحمه الله تعالى!
(٣) سلف برقم (٢٠٨)، وأخرجه مسلم (٣٥٥).

٣٩٨
باب ٨ / ح ٥٣٨٥-٥٣٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
مسمُوط. أو يقال: إنَّ أنساً قال: لا أعلم، ولم يقطَع به، ومَن علم حُجّة على مَن لم يَعلَم.
وتَعقَّبَه ابن المنيِّر بأنَّه ليس في حَزّ الكَتِفِ ما يدلّ على أنَّ الشّاة كانت مسموطةً، بل إنَّما
خَزَّها لأنَّ العرب كانت عادتُها غالباً أنَّها لا تُنضِجِ اللَّحم فاحتيجَ إلى الحَزّ. قال: ولعلَّ ابن
بَطّالٍ لمَّا رأى البخاريّ تَرجَمَ بعد هذا «باب شاة مسموطة، والكَتِفِ والجنْب))(١) ظنَّ أنَّ
مقصوده إثبات أنَّه أكل السَّمِيط.
قلت: ولا يَلزَم أيضاً من كونها مَشويَّةً واحتَزَّ من كَتِفِها أو جنْبها أن تكون مسموطةً، فإنَّ
شَيَّ المسلوخ أكثر من شَيّ المسمُوط، لكن قد ثَبَتَ أَنَّه أكَلَ الكُرَاعِ، وهو لا يُؤكَل إلّا مَسمُوطاً.
وهذا لا يَرُدّ على أنس في نفي رواية الشّاة المسموطة.
وقد وافَقَه أبو هريرة على نفي أكل الرُّقاق، أخرجه ابن ماجه (٣٣٣٨) من طريق ابن
عطاء عن أبيه عن أبي هريرة: أنَّه زارَ قومَه، فأتوه بُرُقاقٍ، فَبَكَى وقال: ما رأى رسولُ الله وَ لّ هذا
بعينِهِ. قال الطِّييُّ: قول أنس: ما أعلم رأى النبيّ وَّةٍ ... إلى آخره، نَفَى العلمَ وأراد نفيَ
المعلوم، وهو من باب نفي الشَّيء بنفي لازِمه، وإنَّمَا صَحَّ هذا من أنس لطولِ لُزومه النبيّ وَل
وعَدَم مُفارَقَته له إلى أن ماتَ.
قوله: «عن يونس - قال عليّ: هو الإسکاف -» عليّ: هو شيخ البخاريّ فیه، وهو ابن
المَدِينِيّ، ومُراده أنَّ يونس وَقَعَ في السَّنَد غيرَ منسوب، فَنَسَبَه عليّ ليَتَميَّز، فإنَّ في طَبَقَّته
يونسَ بن عُبيد البصريّ أحد الثُّقات المكثِرِينَ، وقد وَقَعَ في رواية ابن ماجه (٣٢٩٢) عن
محمّد بن مُثنی عن معاذ بن هشام عن أبيه عن يونس بن أبي الفُرات الإسکاف. ولیس لیونس
هذا في البخاريّ إلّا هذا الحديث الواحد، وهو بصريّ، وثَّقْه أحمد وابن مَعِين وغیرُهما، وقال
ابن عَديّ: ليس بالمشهور، وقال ابن سعد: كان معروفاً وله أحاديث، وقال ابن حِبّان: لا
يجوز أن ◌ُتَجّ به. کذا قال، ومَن وثّقه أعرف بحاله من ابن حِبّان، والراوي عنه هشام: هو
الدَّستُوائيّ، وهو من المكثِرِينَ عن قَتَادة، وكأنَّه لم يسمع منه هذا.
(١) وهي ترجمة الحديثين (٥٤٢١) و(٥٤٢٢).

٣٩٩
باب ٨ / ح ٥٣٨٥-٥٣٨٩
كتاب الأطعمة
وفي الحديث رواية الأقران لأنَّ هشاماً ويونس/ من طبقة واحدة، وقد رواه سعيد بن ٥٣٢/٩
أبي عَرُوبة عن قَتَادة، وصَرَّحَ بالتَّحديثِ كما سيأتي في الرِّقاق(١) (٦٤٥٠)، لكن ذكر ابنُ عَديٍّ
أنَّ يزيد بن زُرَيعِ رواه عن سعيد فقال: عن يونس عن قَتَادة. فيحتمل أن يكون سمعَه أوّلاً عن
قَتَادة بواسطةٍ، ثمَّ حَمَلَه عنه بغیر واسطة، فكان ◌ُحدِّث به على الوجهَينِ.
قوله: ((عن أنس)) هذا هو المحفوظ ورواه سعيد بن بَشِير (٢) عن قَتَادة فقال: عن الحسن
قال: دَخَلنا على عاصم بن حَدْرة فقال: ما أكَلَ النبيُّ نَّهِ على خِوان قَطّ، الحديث. أخرجه
ابن مَندَهْ في ((المعرفة))، فإن كان سعيد بن بَشِير حَفِظَه فهو حديث آخر لقَتَادة، لاختلاف
مَساق الخبرَينِ.
قوله: ((على سُكُرُّجَةٍ)) بضمِّ السّين والكاف والرَّاء الثَّقيلة بعدها جيم مفتوحة، قال
عياض: كذا فَيَّدناه، ونُقِلَ عن ابن مَكّيٍّ أَنَّه صَوَّبَ فتح الرَّاء. قلت: وبهذا جَزَمَ التُورِيِشتَيُّ،
وزادَ: لأَنَّه فارسيٌّ مُعرَّبٌ، والرّاء في الأصل مفتوحة. ولا حُجّة في ذلك، لأنَّ الاسم الأعجميّ
إذا نَطَقَت به العرب لم تُبقِه على أصله غالباً.
وقال ابن الجَوْزيّ: قاله لنا شيخنا أبو منصور اللُّغَويّ - يعني الجوالیقيَّ - بفتح الَّاء. قال:
وكان بعضُ أهل اللُّغة يقول: الصَّواب أُسكُرُّجة، وهي فارسيَّة مُعرَّبة، وترجمتُها: مُقَرِّب الخِلّ،
وقد تَكلَّمَت بها العرب، قال أبو عليّ: فإن حَقَّرْتَ حَذَفْتَ الجيم والراء، وقلت: أُسَيكِرة(٣)،
ويجوز إشباع الكاف حتَّى تَزيد ياءً. وقياس ما ذكره سِيبويه في إبراهيم(٤) بُرَيهيم، أن يقال في
(١) لم يقع هناك تصريح سعيد بن أبي عَروبة بسماعه لهذا الحديث من قَتادة عند أحدٍ من رُواة البخاري،
حسب ما في اليونينية و((إرشاد الساري))، فالظاهر أنه وقع للحافظ رحمه الله في نسخةٍ، وقد وقع تصريح
سعيد بالسماع من قتادة لهذا الحديث عند ابن ماجه (٣٢٩٣) لكن إسناده ضعيف.
(٢) تحرف في (أ) و(ب) و(س) في الموضعين إلى: بشر، والمثبت على الصواب من (ع).
(٣) تحرف في (أ) إلى: أُسكرة، وفي (ع) إلى: أسيكه، وفي (س) إلى: أسكر، والمثبت على الصواب من (ب)
و((عمدة القاري)) ٣٦/٢١، موافقاً لما جاء في ((كشف المشكل)) لابن الجوزي ٢٨٢/٣.
(٤) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: بريهم، وإنما قال سيبويه ذلك في ((الكتاب)) ٤٤٦/٣ في تصغير إبراهيم،
حيث قال: تحذف الألف، فإذا حذفتها صار ما بقي يجيء على مثال فُعَيعيل.

٤٠٠
باب ٨ / ح ٥٣٨٥ -٥٣٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
سُكَيرَجة: سُكَيريجة. والذي سَبَقَ أَولِى.
قال ابن مَكّيٍّ: وهي صِحاف صِغار يُؤْكَل فيها، ومنها الكبير والصَّغير، فالكبيرة تَحمِل قَدرَ
ستّ أواقٍ، وقيل: ما بين ثُلُثَي أوفيَّة إلى أوقيَّة، قال: ومعنى ذلك أنَّ العَجَم كانت تَستَعمِله في
الكَواميخ والجَوارِش للتَّشَهّي والهضم. وأغرَبَ الدّاووديّ فقال: السُّكُرُّجة: قَصعة مَدهونة.
ونَقَلَ ابن قُرْقُولٍ عن غيره: أنَّهَا قَصعة ذات قوائم من عُود كمائدةٍ صغيرة. والأوَّل أولى.
قال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): تَرْكه الأكلَ في السُّكُرُّجة إمّا لكونها لم تكن تُصنَع
عندهم إذ ذاكَ، أو استصغاراً لها، لأنَّ عادتهم الاجتماع على الأكل، أو لأنَّها - كما تقدَّم -
كانت تُعَدّ لوضع الأشياء التي تُعين على الهَضم، ولم يكونوا غالباً يَشبَعونَ، فلم يكن لهم
حاجةٌ بالهَضمِ.
قوله: ((قيلَ لقَتَادَ» القائلُ هو الراوي.
قوله: ((فعلامَ) كذا للأكثرِ، وَوَقَعَ في رواية المُستَمْلي بالإشباعِ.
قوله: ((يأكلونَ)) كذا عَدَلَ عن الواحد إلى الجمع، إشارة إلى أنَّ ذلك لم يكن مُخْتَصّاً
بالنبيِّ ◌َِّ وحده، بل كان أصحابه يَقتَفُونَ أثره ويَقتَدُونَ بفِعلِه.
قوله: ((على السُّفَر)) جمع سُفْرة، وقد تقدَّم بيانها في الكلام على حديث عائشة الطَّويل في
الهجرة إلى المدينة (٣٩٠٥)، وأنَّ أصلها الطَّعام الذي يَتَّخِذه المسافر، وأكثر ما يُصنَعُ في جِلد،
فتُقِلَ اسم الطَّعام إلى ما يوضَع فيه، كما سُمّيَت المزادةُ راويةً.
ثمَّ ذكر المصنّف حديث أنس في قصَّة صَفيَّة فساقَه مختصراً، وقد ساقه في غزوة خيبر
(٤٢١٣) بالإسناد الذي أورَدَه هنا بعينِهِ أتمَّ من سياقه هنا، ولفظه: أقامَ النبيّ ◌َّو بين
خَيْبَرَ والمدينة ثلاث لَيالٍ يُبنَى عليه بصَفيَّة. وزاد فيه أيضاً بين قوله: إلى وليمَته، وبين قوله:
أمر بالأنطاع: وما كان فيها من خُبزٍ ولا لحم، وما كان فيها إلّا أن أمَرَ، فذكره، وزاد بعد
قوله: والسَّمن: فقال المسلمونَ: إحدَى أمَّهات المؤمنينَ، الحديث. وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى
هناكَ.