النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ باب ٢ / ح ٥٣٥٥- ٥٣٥٦ كتاب النفقات نَعُول يا أبا هريرة؟ وقد تَسَّكَ بهذا بعض الشُّرّاح، وغَفَلَ عن الرِّواية الأُخرَى، ورَجَحَ ما فهمَه بما أخرجه الدّارَ قُطنيُّ (٣٧٨١) من طريق عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبيّ وَّم قال: ((المرأة تقول لزوجِها: أطعِمني)). ولا حُجّة فيه، لأنَّ في حِفظ عاصم شيئاً، والصَّواب النَّفصيل. وكذا وَقَعَ للإسماعيليِّ من طريق أبي معاوية عن الأعمَش بسندِ حديثِ الباب: قال أبو هريرة: تقول امرأتك ... إلى آخره، وهو معنى قوله في آخر حديث الباب: لا، هذا من کیس أبي هريرة. ووقع في رواية الإسماعيليّ المذكورة: قالوا: يا أبا هريرة، شيءٌ تقول مِن رأيك، أو مِن قول رسول الله وَمطار؟ قال: هذا من كِيسي. وقوله: من كيسي، هو بكسرِ الكاف للأكثر، أي: من حاصِله، إشارة إلى أنَّه من استنباطه مَّا فهمَه من الحديث المرفوع معَ الواقع، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلِيّ بفتح الكاف، أي: من فِطنته. قوله: ((تقول المرأة: إمّا أن تُطْعِمني)) في رواية النَّسائيِّ (ك٩١٦٥) عن محمّد بن عبد العزيز عن حفص بن غياث بسندِ حديث الباب: إمّا أن تُنفِق عليَّ. قوله: ((ويقول العبد: أطْعِمْني واستَعْمِلْني)) في رواية الإسماعيليّ: ويقول خادمك: أطعِمني وإلّا فِعْني. قوله: ((ويقول الابن: أطْعِمْني، إلى مَن تَدَعُني؟)) في رواية النَّسائيِّ والإسماعيليّ: تَكِلُني. وهو بمعناه. واستُدِلَّ به على أنَّ مَن كان من الأولاد له مالٌ أو حِرفةٌ لا تجب نَفَقَته على الأب، لأنَّ الذي يقول: إلى من تَدَعني؟ إنَّما هو مَن لا يَرجِع إلى شيء سوى نَفَقة الأب، ومَن له حِرفٌ أو مالٌ لا يحتاج إلى قول ذلك. واستَدَلَّ بقولِه: إمّا أن تُطعِمَني، وإمّا أن تُطلِّقني، مَن قال: يُفرَّقُ بين الرجل وامرأته ٣٤٢ باب ٣ / ح ٥٣٥٧ - ٥٣٥٨ فتح الباري بشرح البخاري إذا أَعسَرَ بِالنَّفَقة واختارَت فِراقَه، وهو قول ◌ُمهور العلماء. وقال الكوفيّونَ: يَلزَمها الصَّبر، وتتعلَّق النَّفَقة بذِمَّتِهِ. واستَدَلَّ الجمهور بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّيَعْنَدُواْ﴾ [البقرة: ٢٣١]. وأجابَ المخالِف بأنَّه لو كان الفِراق واجباً لمَا جازَ الإبقاءُ إذا رَضِيَت. ورُدَّ عليه بأنَّ الإجماع دلَّ على جواز الإبقاء إذا رَضِيَت فَبَقِيَ ما عَداه على عُموم النَّهي. وطَعَنَ بعضُهم في الاستدلال بالآية المذكورة بأنَّ ابن عبّاس وجماعةً من التابعينَ قالوا: نزلت فيمَن كان يُطلِّق، فإذا كادَت العِدّة تَنْقَضي راجَعَ. والجواب أنَّ من قاعِدَتهم: أنَّ العِبرة بعمومِ اللَّفظ، حتَّى تَمَسَّكوا بحديثٍ جابر بن سَمُرة: ((اسكُنوا في الصلاة))(١) لترك رفع اليَدَينِ عند الرُّكوع، معَ أنَّه إِنَّمَا وَرَدَ في الإشارة بالأيدي في التَّشَّهُّد بالسَّلام على فلان وفلان، وهُنا تَسَّكوا بالسَّبَب. واستدِلَّ للجُمهورِ أيضاً بالقياس على الرَّقيق والحيوان، فإنَّ مَن أعْسَرَ بالإنفاق عليه أُجبِرَ على بيعِه اتّفاقاً، والله أعلم. ٣- باب حبس الرّجل قُوتَ سنةٍ على أهله، وَكيفَ نَفَقاتُ العِيال؟ ٥٣٥٧ - حدَّثني محمَّدُ بنُ سَلَامِ، أخبرنا وكِيعٌ، عن ابنِ عُبَينَةَ، قال: قال لي مَعْمَرٌّ، قال لي الثَّوْرِيُّ: هَل سمعتَ في الرجلِ يَجمَعُ لأهلِهِ قُوتَ سَنَتِهِم أو بعضِ السَّنةِ؟ قال مَعْمَرٌ: فلم يَحْضُرْني، ثمَّ ذَكَرْتُ حديثاً حدَّثَناه ابنُ شِهابِ الزُّهْريُّ، عن مالكِ بنِ أوْسٍ، عن عمرَ ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َّه كان يَبِيعُ نَخْلَ بني النَّضِيرِ، ويَحْبِسُ لأهلِهِ قُوتَ سَنَّتِهِم. ٥٣٥٨ - حدّثنا سعيدُ بنُ عُفَيٍ، قال: حدَّثني اللَيثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني مالكُ بنُ أوْسِ بنِ الَحَدَثان - وكان محمَّدُ بنُ جُبَيرِ بنِ مُطْعِم ذكَر لي ذِكْراً من حديثه - فانطَلَقْتُ حتَّى دَخَلْتُ على مالكِ بنِ أوْسٍ فسألتُه، فقال مالكٌ: انطَلَقْتُ حتَّى أدْخُلَ على عمرَ إذ أتاه حاجبُهُ يَرْفاً، فقال: هل لكَ في عُثْمانَ وعبدِ الرَّحمنِ والزُّبَيرِ وسعدٍ يَستَأذِنونَ؟ (١) أخرجه مسلم (٤٣٠). ٣٤٣ باب ٣ / ح ٥٣٥٨ كتاب النفقات قال: نعم، فأذِنَ لهم. قال: فدخلوا وسَلَّموا، فجَلَسوا. ثمَّ لَبِثَ يَرْفأْ قَلِيلاً فقال لِعِمرَ: هل لكَ في عليٍّ وعبَّاسٍ؟ قال: نعم، فأذِنَ لهما، فلمَّا دَخَلا سَلَّمَا وجَلَسا. فقال عبَّاسُ: يا أمِيرَ المؤمنينَ، اقضِ بيني وبينَ هذا، فقال الرَّهْطُ، عُثْماتُ وأصحابُه: يا أمِيرَ المؤمنينَ، اقضِ بينَهما وأرح أحدَهما منَ الآخَرِ، فقال عمرُ: أنَّتِدوا، أنشُدُكم بالله الذي به تقومُ السماءُ والأرضُ، هل تعلمونَ أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((لا نورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ))؟ يريدُ رسولُ اللهِ وََّ نفسَه، قال الرَّهْطُ: قد قال ذلك، فأقبَلَ عمرُ على عليٍّ وعبَّاسٍ، فقال: أنشُدُكُما بالله، هل تعلمان أنَّ رسولَ الله ◌َّ قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك، قال عمرُ: فإنّ أُحدِّثُكم عن هذا الأمرِ: إِنَّ اللهَ كان قد خَصَّ رسولَهَ بَّه في هذا المال بشيءٍ لم يُعْطِهِ أحداً غيرَه، قال الله: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَاٍ﴾ إلى قولِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] فكانت هذه خالصةً لِرسولِ الله وَّةِ، والله ما احتازَها دونَكم، ولا استَأَثَرَ بها عليكم، لقد أعطاكُموها وبَثَّها فيكم، حتَّى بَقِيَ منها هذا المالُ، فكان رسولُ اللهَ وَِّ يُنفِقُ على أهلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِم من هذا المال، ثمَّ يأخُذُ ما بَقِيَ فيجعلُه تَجْعَلَ مالِ الله، فعَمِلَ بذلك رسولُ الله ◌ِه حياته. أنشُدُكم اللهَ، هل تعلمونَ ذلك؟ قالوا: نعم. قال لِعليٍّ وعبَّاسٍ: أنشُدُكُما بالله، هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. ثُمَّ تَوَفَّى الله نبيّهَ وَّةِ، فقال أبو بكرٍ: أنا وليُّ رسولِ الله، فقَبَضَها أبو بكرٍ فعِمَلَ فيها بما عَمِلَ به فيها رسولُ الله ◌َّه، وأنتما حينَئِذٍ - وأقبَلَ على عليٍّ وعبَّاسٍ - تَزْعُمان أنَّ أبا بَكْرٍ كذا وكذا، واللهُ يَعلَمُ أَنَّه فيها صادِقٌ بارزٌّ راشدٌ تابعٌ لِلْحَقِّ، ثمَّ تَوَلَّى اللهُ أبا بَكْرٍ فقلتُ: أنا ولِيُّ رسولِ الله وَّ﴿ وأبي بكرٍ، فقَبَضْتُها سنتَينِ أعمَلُ فيها بما عَمِلَ رسولُ اللهَ وَّهِ وأبو بكرٍ، ثُمَّ جِئْتُماني وكَلِمَتُكُما واحدةٌ وأمِرُكُما جميعٌ، جِئْتَنِي تسألُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابنِ أخِيكَ، وأتى هذا يَسْألُنِي نَصِيبَ امرأتِه من أبِيها، فقلتُ: إن شئتُما دَفَعْتُه إليكُما، على أنَّ عليكُما عَهْدَ الله ومِيثاقَه لَتَعْمَلان فيها بما عَمِلَ به رسولُ الله ◌َّهِ، ویِمَا عَمِلَ به فيها أبو بكرٍ، ویِما عَمِلْتُ به فيها منذُ وُلِّيتُها، ٣٤٤ باب ٣ / ح ٥٣٥٨ فتح الباري بشرح البخاري وإلّا فلا تُكلِّماني فيها، فقلتُما: ادْفَعْها إلينا بذلك، فدَفَعْتُها إليكُما بذلك، أنشُدُكم بالله هل دَفَعْتُها إليهما بذلك؟ فقال الرَّهْطُ: نعم، قال: فأقبَلَ على عليّ وعبَّاسٍ، فقال: أنشُدُكُما بالله، هل ٥٠٣/٩ دَفَعْتُها إليكُما بذلك؟/ قالا: نعم، قال: أفَتَلْتَمِسان منّي قضاءً غيرَ ذلك؟ فوالذي بإذْنِهِ تقومُ السماءُ والأرضُ، لا أقضي فيها قضاءً غيرَ ذلك حتَّى تقومَ الساعةُ، فإن عَجَزْتُما عنها فادْفَعاها فأنا أکفيگماها. قوله: ((باب حَبْس الرجلِ قوتَ سَنةٍ على أهله، و کیف نَفَقات العیال؟» ذکر فیه حدیث عمر، وهو مُطابق لُرُكنِ التَّرجمة الأوَّل، وأمَّا الرُّكن الثّاني، وهو كيفيَّة النَّفَقة على العيال فلم يظهر لي أوَّلاً وجه أخذه من الحديث، ولا رأيتُ مَن تَعرَّضَ له، ثمَّ رأيت أنَّه يُمكِنُ أن يُؤخَذ منه دليل التَّقدير، لأنَّ مِقدار نَفَقة السَّنة إذا عُرِفَ عُرِفَ منه تَوزيعها على أيام السَّنة، فيُعرَفُ حِصّة كلّ يوم من ذلك، فكأنَّه قال: لكلِّ واحدة في كلّ يوم قَدرٌ مُعيَّن من المُغَلّ المذكور، والأصل في الإطلاق التَّسويةُ. قوله: ((حدَّثني محمَّد بن سَلَامِ)) كذا في رواية كَرِيمة، وللأكثرِ: حدَّثني محمَّد؛ حَسْبُ. قوله: ((قال لي مَعْمَر: قال لي الثَّوْريّ)) هذا الحديث ممّا فاتَ ابنَ عُيَينة سماعُه من الزُّهْريِّ، فرواه عنه بواسطة مَعمَر، وقد رواه أيضاً عن عَمْرو بن دينار عن الزّهْريِّ بأتمّ من سياق مَعمَر، وتقدَّم في تفسير سورة الحَشر (٤٨٨٥). وأخرجه الحُميديّ (٢٢) وأحمد (١٧١) في ((مُسنَدَيهما)) عن سفيان عن مَعمَر وعَمْرو ابن دينار، جميعاً عن الزُّهْريّ. وقد أخرج مسلم (٤٨/١٧٥٧) رواية مَعمَر وحدها، عن يحيى بن يحيى عن سفيان عن مَعمَر عن الزُّهْريِّ، ولكن لم يَسُق لفظه، وقد أخرج إسحاق ابن راهويه رواية مَعمَر مُنفَرِدة، عن سفيان عنه عن الزُّهْريِّ بلفظ: كان يُنفِقِ على أهله نَفَقة سنة من مال بني النَّضير، ويجعل ما بَقِيَ في الكُراع والسِّلاح. وقد أخرج مسلم الحديث مُطوَّلاً من رواية عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن الزُّهْريِّ (٥٠/١٧٥٧). ٣٤٥ باب ٣ / ح ٥٣٥٨ كتاب النفقات وفي كلٍّ من الإسنادَينِ رواية الأقران، فإنَّ ابن عُيَينة عن مَعمَر قَرِينان، وعَمْرو بن دینار عن الزُّهْرِيِّ كذلك. ويُؤخَذ منه المذاكرة بالعلمِ. وإلقاء العالم المسألة على نَظيره ليَستَخرِجَ ما عنده من الحفظ. وتَثُبُّت مَعمَر وإنصافه، لكَونِهِ اعتَرَفَ أنَّه لا يَسْتَحِضِرِ إذ ذاكَ في المسألة شيئاً، ثمَّ لمَّا تَذَكَّرَها أخبر بالواقعة كما هي، ولم يأنَف ممَّا تقدَّمَ. قوله: ((كان يبيع نَخْل بني النَّضير ويَخْبس لأهلِه قوتَ سَنَتَهم)) كذا أورَدَه مختصراً، ثمَّ ساقَ المصنِّف الحديث بطولِه من طريق عُقيل عن ابن شِهاب الزّهْريّ، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أوائل فرض الخُمُس (٣٠٩٤). قال ابن دقيق العيد: في الحديث جواز الادِّخار للأهلِ قوتَ سنة، وفي السّياق ما يُؤخَذ منه الجمع بينه وبين حديث: كان لا يَدَّخِر شيئاً لغَدٍ (١). فيُحمَل على الادِّخار لنفسِه، وحديث الباب على الادِّخار لغيره، ولو كان له في ذلك مُشارَكة، لكنَّ المعنى أنَّهم المقصِدُ بالادِّخار دونه، حتَّى لو لم يُوجَدوا لم يَدَّخِر. قال: والمتكلِّمونَ على لسان الطَّريقة جَعَلوا - أو بعضُهم - ما زاد على السَّنَة خارجاً عن طريقة التَّوَكُّل، انتهى. وفيه إشارة إلى الردّ على الطََّرَيِّ حيثُ استَدَلَّ بالحديث على جواز الادِّخار مُطلَقاً خلافاً لمن مَنَعَ ذلك، وفي الذي نَقَلَه الشَّيخ تقييد بالسَّنة اتِّباعاً للخَبَرِ الوارد، لكنَّ استدلال الطَّبَريِّ قويّ، بل التَّقييد بالسَّنة إنَّما جاء من ضَرُورة الواقع، لأنَّ الذي كان يُدَّخَر لم يكن يُحصَّل إلّا من السَّنة إلى السَّنة، لأنَّه كان إمّا تَمراً وإمّا شَعيراً، فلو قُدِّرَ أنَّ شيئاً ممَّا يُدَّخَر كان لا يُحِصَّل إلّا من سنتَينِ إلى سنتينٍ، لاقتَضَى الحالُ جواز الادِّخار لأجلِ ذلك، والله أعلم. ومع كونه وَّه كان يَحَتَبِس قوتَ سنة لعِياله فكان في طول السَّنة رُبَّما استَجرَّه منهم لمن يَرِدُ (١) أخرجه الترمذي (٢٣٦٢) من حديث جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك، وقال: غريب، وقد روي هذا الحديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن النبي وَالآ مرسلاً. ٣٤٦ باب ٤ فتح الباري بشرح البخاري عليه، ويُعوِّضهم عنه، ولذلك ماتَ وَّه ودِرِعُه مَرهونة على شَعيرِ اقْتَرَضَه قوتاً لأهلِه(١). واختُلِفَ في جواز ادِّخار القوت لمن يَشتَريه من السّوق، قال عياض: أجازَه قوم واحتَجّوا بهذا الحديث، ولا حُجّة فيه، لأنَّه إنَّما كان من مُغَلّ الأرض، ومَنَعَه قوم إلّا إن كان لا يَضُرّ ٥٠٤/٩ بالسِّعر، وهو مُتَّجِه إرفاقاً بالناس. ثمَّ مَحَلّ هذا الاختلاف/ إذا لم يكن في حال الضّيق، وإلّا فلا يجوز الادِّخار في تلكَ الحالة أصلاً. ٤ - بابٌ ﴿ وَاُلْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ إلى قوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ [البقرة:٢٣٣] وقال: ﴿وَحَمَلُهُ، وَفِصَلُهُ، ثَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. لِيُنْفِقْ ذُوسَعَةٍ مِّنِ سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقال: ﴿وَإِن تَعَسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُهْ أُخْرَى : رِزْقُهُ﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُتْرً﴾ [الطلاق: ٦و٧]. وقال يونسُ، عن الزُّهْريِّ: نَهَى الله أن تُضارَّ والدةٌ بوَلَدِها، وذلك أن تقولَ الوالدةُ: لَسْتُ مُرْضِعَتَه، وهي أمثَلُ له غِذاءً، وأشفَقُ عليه، وأرفَقُ به من غيرِها، فليس لها أن تَأْبَى بعدَ أن يُعْطِيَها من نفسِه ما جَعَلَ الله عليه، وليس لِلْمولودِ له أن يُضارَّ بَوَلَكِه والدَتَّه فيَمْنَعَها أن تُرضِعَه ضِراراً لها إلى غيرِها، فلا جُناحَ عليهما أن يَستَرْضِعا عن طِيبٍ نفسِ الوالِدِ والوالدةِ، ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ بعدَ أن يكونَ ذلك عن تَراضٍ منهما وتَشاؤُرٍ. ((فِصَالُهُ)) [لقمان: ١٤]: فِطامُه. قوله: ((باب ﴿ وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَولَيْنِ گامِلَيْنِ ﴾ إلى قوله: ﴿بَصِيرٌ ﴾» کذا لأبي ذرِّ والأكثر، وفي رواية كَرِيمة: إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ((وقال: ﴿وَحَمْلُهُ، وَفِصَلُهُ، ثَثُونَ شَهْرًا﴾، وقال: ﴿وَإِن تَعَسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ، أُخْرَى ٦ لِيُنْفِقْ ذُوسَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ،﴾)) قيل: دَلَّت الآية الأُولى على إيجاب الإنفاق على المرضِعة من (١) تقدم عند البخاري (٢٩١٦) من حديث عائشة، وهو أيضاً عند مسلم (١٦٠٣) لكن ليس فيه أنه كان قوتاً لأهله، وإنما ورد ذلك في حديث ابن عباس عند أحمد (٣٤٠٩)، وغيره، بسند صحيح. ٣٤٧ باب ٤ كتاب النفقات أجل إرضاعها الولدَ، سواء (١) كانت في العِصْمة أم لا. وفي الثّانية: الإشارة إلى قَدْر المدّة التي يجب ذلك فيها. وفي الثّالثة: الإشارة إلى مِقدار الإنفاق، وأنَّه بالنَّظَرِ لحال المنِفِقِ. وفيها أيضاً الإشارة إلى أنَّ الإرضاع لا يَتَحَتَّم على الأُمّ، وقد تقدَّم في أوائل النِّكاح في (باب لا رَضاع بعد حولَينِ)) (٥١٠٢) البحث في معنى قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ. ثَثُونَ شَهْرًا﴾. وأخرج الطَّبَريُّ (٤٩١/٢) عن ابن عبّاس: أنَّ إرضاع الحولَينِ مُخْتَصّ بمن وضَعَت لستّة أشهُر، فمهما وضَعَت لأكثر من ستّة أشهُر نَقَصَ من مُدّة الحولَينِ / تَسُّكاً بقوله تعالى: ٥,٥/٩ ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ, ثَثُونَ شَهْرًا﴾. وتُعقِّبَ بمَن زاد ◌َملُها على ثلاثينَ شهراً(٢) فإنَّه يَلَزَم إسقاط مُدّة الرَّضاعة ولا قائل به، والصَّحيح أنَّها محمولةٌ على الغالب، وأُخِذَ من الآية الأولى والثّانية أنَّ مَن وُلِدَ لستّة أشهُر فما فوقها التَحَقَ بالَّوجِ. قوله: ((وقال یونس)) هو ابن یزید، وهذا الأثر وَصَلَه ابن وَهْب في «جامعه)) عن یونس قال: قال ابن شهاب، فذكره إلى قوله: وتشاور. وأخرجه ابن جَرِیر (٤٩٨/٢ و٥٠٤) من طریق عُقيل عن ابن شهاب نحوه. وقوله: ((ضِراراً لها إلى غيرها)) يَتَعلَّق بيمَنعها، أي: مَنعها يَنْتَهي إلى رَضاع غيرها، فإذا رَضَيَت فليس له ذلك. ووَقَعَ في رواية عُقيل: الوالداتُ أحقُّ بَرَضَاع أولادهنَّ، وليس لوالدةٍ أن تُضارّ بولدها فتأبَى رَضَاعه، وهي تُعطَى عليه ما يُعطَى غیرُها، وليس للمولودِ له أن يَنزِع ولده منها ضِراراً لها، وهي تَقبَل من الأجر ما يُعطَى غيرُها، فإن أرادا فِصالَ الولد عن تَراضٍ منهما وتشاورٍ دون الحولینِ فلا بأس. قوله في آخر الكلام: ((فِصالُهُ: فِطامُه)) هو تفسير ابن عبّاس، أخرجه الطَّبَرِيُّ (٥٠٦/٢) عنه، (١) لفظة ((سواء)) سقطت من (س). (٢) هذا التعقب لا دليل على صحته من النقل، وسائر ما يُروى في ذلك حكايات وأخبار، وقد أثبت الطب الحديث أن بقاء الجنين في بطن أمه أكثر من أحد عشر شهراً - على أعلى تقدير - يؤدي إلى وفاته، والله أعلم. ٣٤٨ باب ٤ فتح الباري بشرح البخاري وعن السُّدِّيّ وغيرهما، والفِصال مصدر، يقال: فاصَلتُه أُفاصلُه مُفاصلةً وفِصالاً: إذا فارقه من خُلطة كانت بينهما، وفِصال الولد: مَنعُه من شُرب اللَّبَن. قال ابن بَطّالٍ: قوله تعالى: ﴿ وَاُلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، لمَا فيه من الإلزام، كقولِك: حَسبك دِرْهمٌ، أي: اكتَفِ بدِرْهم. قال: ولا يجب على الوالدةِ إرضاع وَلَدها إذا كان أبوه حَيّاً موسِراً بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، قال: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُمْ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] فدَلَّ على أنَّه لا يجب عليها رضاعُ ولدها، ودَلَّ على أنَّ قوله: ﴿ وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ سِيقَ لمَبلَغِ غاية الرَّضاعة التي متى اختَلَفَ الوالدان في رَضَاع المولود جُعِلَت حَدّاً فاصِلاً. قلت: وهذا أحد القولَينِ عن ابن عبّاس، أخرجه الطََّرَيُّ (٢/ ٤٩١) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه. وعن ابن عبّاس: أنَّه مُخْتَصّ بمَن ولدَت لسّة أشهُر كما تقدَّم قريباً، أخرجه الطَّبَرِيُّ أيضاً بسندٍ صحیح، إلّا أنَّه اختُلِفَ في وصله أو وقفه على عِكْرمة. وعن ابن عبّاس قولٌ ثالث: أنَّ الحولینِ لغاية الإرضاع، وأن لا رَضاع بعدهما، أخرجه الطَّبَرِيُّ (٢/ ٤٩٢) أيضاً، ورجاله ثقات، إلّا أنَّه مُنقَطِعٍ بين الزُّهْريِّ وابن عبّاس، ثمَّ أخرج (٤٩٢/٢ و٤٩٣) بإسنادٍ صحيح عن ابن مسعود قال: ما كان من رَضَاعٍ بعد الحولَينِ فلا رَضاع، وعن ابن عبّاس أيضاً بسندٍ صحیح مِثله. ثمَّ أسنَدَ عن قَتَادة قال: كان إرضاعُها الحولَينِ فرضاً، ثمَّ خُفْفَ بقولِه تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُثِّ الرَّضَاعَةَ ﴾. والقول الثّاني هو الذي عَوَّلَ عليه البخاريّ، ولهذا عَقَّبَ الآية الأولى بالآية الثّانية، وهي قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ تَلَثُونَ شَهْرًا﴾. وما جَزَمَ به ابن بَطّالٍ من أنَّ الخبر بمعنى الأمر هو قول الأكثر، لكن ذهب جماعة إلى أنَّهَا خَبَر عن المشروعيَّة، فإنَّ بعض الوالدات يجب عليهنَّ ذلك وبعضهنَّ لا يجب كما ٣٤٩ باب ٥ / ح ٥٣٥٩- ٥٣٦٠ كتاب النفقات سيأتي بيانه، فليس الأمر على عُمومه، وهذا هو السِّ في العُدول عن التَّصريح بالإلزام، كأن يقال: وعلى الوالدات إرضاع أولادهنَّ، كما جاء بعده: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. قال ابن بَطّالٍ: وأكثر أهل التَّفسير على أنَّ المراد بالوالدات هنا: المبتُوتات المطلَّقات، وأجَمَعَ العلماء على أنَّ أُجرة الرَّضاع على الزَّوج إذا خَرَجَت المطلّقة من العِدّة، والأُمّ بعد البيئُونة أَولى بالرَّضاعة، إلّا إن وجَدَ الأب من يُرضِع له بدونِ ما سألَتْ، إلّا أن لا يقبل الولدُ غيرَها فتُجَرَ بأُجرة مِثلِها، وهو موافق للمنقولِ هنا عن الزُّهْريّ. واختَلَفوا في المتزوِّجة: فقال الشافعيّ وأكثر الكوفيّينَ: لا يَلزَمها إرضاعُ وَلَدها، وقال مالك وابن أبي ليلى من الكوفيّينَ: تُجِبَرَ على إرضاع ولدها ما دامَت مُتزوِّجة بوالدِه، واحتَجَّ القائلونَ بأنَّها لا تُجْبَر: بأنَّ ذلك إن كان لحُرْمة الولد فلا يَتَّجِه، لأنَّها لا تُجُبَرَ عليه إذا كانت مُطلَّقة ثلاثاً بإجماع، معَ أنَّ حُزْمة الولديَّة موجودة، وإن كان لحُرْمة الَّوج لم يَتَّجِه أيضاً، لأنَّه لو أراد أن يَستَخدِمها في حَقّ / نفسه لم یکن له ذلك ففي حَقّ غيره أولى، انتهى. ٥٠٦/٩ ويُمكِن أن يقال: إنَّ ذلك لحرمتهما جميعاً، وقد تقدَّم كثير من مباحث الرَّضاع في أوائل النِّكاح (٥٠٩٩-٥١٠٤)، والله أعلم. ٥- باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها، ونفقة الولد ٥٣٥٩ - حدَّثنا ابنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني عُرْوةُ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: جاءت هِنْدُ بنتُ عُنْبةَ فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ مِسِّيكٌ، فهل عليَّ حَرَجٌ أن أُطْعِمَ مِنَ الذي له عِيالَنا؟ قال: ((لا، إلّا بالمعْروفِ)). ٥٣٦٠ - حدَّثنا يحيى، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعْمَرٍ، عن هَّام، قال: سمعتُ أبا هريرةَ خ﴾، عن النبيِّ وَّ قال: ((إذا أَنفَقَتِ المرأةُ من كَسْبٍ زوجِها عن غيرِ أمرِه فلَه نصْفُ أجْرِه)». قوله: ((باب نَفَقة المرأة إذا غابَ عنها زوجها ونَفَقة الولد)) ذكر فيه حديث عائشة في قصَّة هند امرأة أبي سفيان، وسيأتي شرحه بعد أربعة أبواب (٥٣٦٤). ٣٥٠ باب ٦-٧ / ح ٥٣٦١ - ٥٣٦٢ فتح الباري بشرح البخاري وحديث أبي هريرة: ((إذا أنفَقَت المرأةُ من كَسب زوجها))، وقد مرَّ شرحه في أواخر النِّكاح (٥١٩٥). تنبيه: وَقَعَت هذه التَّرجمة وحديثها مُتأخّرة عن الباب الذي بعده عند النَّسَفيِّ. ٦- باب عمَلِ المرأةِ في بيتٍ زوجها ٥٣٦١- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، قال: حدَّثني الحَگمُ، عن ابنِ أبي ليلى، حدّثنا عليٌّ: أنَّ فاطمةَ أتْتِ النبيَّ ◌ََّ تَشْكو إليه ما تَلْقَى في يدِها مِنَ الرَّحَى، وبَلَغَها أنَّه جاءه رَقِيقٌ فلم تُصادِفْه، فذكرتْ ذلك لعائشةَ، فلمَّا جاء أخبَرَتْه عائشةُ، قال: فجاءنا وقد أخَذْنا مَضاجِعَنا، فذهبنا نَقُومُ، فقال: ((على مكانكُم))، فجاء فقَعَدَ بيني وبينَها حتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ على بطني، فقال: ((ألا أدُلُّگما على خير مما سألتُما؟ إذا أخذتما مضاچِعَگُما ۔أو اَوَيتُما إلى فِراشُما - فسَبِّحا ثلاثاً وثلاثينَ، واحَمَدا ثلاثاً وثلاثينَ، وكَبِّرا أربعاً وثلاثينَ، فهو خيرٌ لكما من خادِمٍ)). قوله: ((باب عَمَل المرأة في بيت زوجها)» أورَدَ فيه حديثَ عليّ في طلب فاطمةَ الخادِمَ، والحُجّة منه قوله فيه: ((تَشكو إليه ما تَلقَى في يَدها من الرَّحَى))، وقد تقدَّم الحديث في أوائل فرض الخُمُس (٣١١٣)، وأنَّ شرحه يأتي في كتاب الدَّعَوات (٦٣١٨) إن شاءَ الله تعالى، وسأذكر شيئاً مما يَتَعلَّق بهذا الباب في الباب الذي يليه. ويُستَفاد من قوله: ((ألا أدُلّكُما على خير مما سألتُما؟)) أنَّ الذي يُلازِمِ ذِكْرَ الله يُعطَى قوّةً أعظَمَ من القوّة التي يعملُها له الخادِمِ، أو تَسهُل الأُمور عليه بحيثُ يكون تَعاطيه أُمورَه أسهَلَ من تعاطي الخادِم لها. هكذا استَنَبَطَه بعضهم من الحديث، والذي يظهر أنَّ المراد أنَّ نَفع التَّسبيح مُخْتَصّ بالدّار الآخِرة، ونَفع الخادِمِ مُخْتَصّ بالدّار الدُّنيا، والآخِرة خيرٌ وأبقَى. ٧- باب خادم المرأة ٥٣٦٢- حدَّثْنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثْنا عُبيدُ الله بنُ أبي يزيدَ، سمعَ مجاهداً، سمعتُ عبد الرّحمنِ بنَ أبي ليلى يُحدِّثُ، عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ: أَنَّ فاطمةَ أتتِ النبيَّ وَّ تسألُهُ خادِماً، فقال: ((ألا أُخْبِرُكِ ما هو خيرٌ لكِ منه، تُسَبِّحِينَ اللهَ عندَ مَنامِكِ ثلاثاً وثلاثينَ، وتَحْمَدِينَ اللهَ ٣٥١ باب ٧ / ح ٥٣٦٢ كتاب النفقات ثلاثاً وثلاثينَ، وتُكِرِينَ اللهَ أربعاً وثلاثينَ)) - ثُمَّ قال سفيانُ: إحداهُنَّ أربعٌ وثلاثونَ - فما تَرَكْتُها بَعْدُ. قيل: ولا ليلةَ صِفِّينَ؟ قال: ولا ليلةَ صِفِّينَ. قوله: (باب خادِم المرأة)) أي: هل يُشرَعُ ويَلزَمِ الَّوجَ إخدامُها؟ ذكر فيه حديث عليٍّ المذكور في الذي قبله، وسیاقه أخصر منه. قال الطََّريُّ: يُؤخَذ منه أنَّ كلّ مَن كانت بها طاقة من النِّساء على خدمة بيتها في خَبز أو طَحن أو غير ذلك أنَّ ذلك لا يَلزَم الزَّوج، إذا كان معروفاً أنَّ مِثلها يَلي ذلك بنفسِه. ووجه الأخذ أنَّ فاطمة لمَّا سألَت أباها وَِّ الخادِمِ لم يأمر زوجَها بأن يَكفِيها ذلك إمّا بإخدامها خادِماً، أو باستئجار مَن يقوم بذلك، أو بتعاطي ذلك بنفسِه،/ ولو كانت كِغايةٌ ٥٠٧/٩ ذلك إلى عليّ لَأَمَرَه به، كما أمَرَه أن يَسوق إليها صَداقَها قبل الدُّخول(١)، معَ أَنَّ سَوق الصَّداق ليس بواجبٍ إذا رَضيَتِ المرأة أن تُؤَخِّره، فكيف يأمره بما ليس بواجبٍ عليه ويَترُك أن يأمره بالواجب؟ وحكى ابن حبيب عن أصبَغَ وابن الماِشُون عن مالك أنَّ خِدمة البيت تَلزَم المرأة ولو كانت الزَّوجة ذاتَ قَدر وشَرَف إذا كان الَّوج مُعسِراً، قال: ولذلك ألزَمَ النبيُّ ◌َّهَ فاطمةَ بالخدمة الباطِنة وعليّاً بالخدمة الظّاهرة. وحكى ابن بَطّالٍ أنَّ بعض الشُّيوخ قال: لا نعلم في شيء من الآثار أنَّ النبيّ وَّ قَضَى على فاطمة بالخدمة الباطِنة، وإنَّما جَرَى الأمر بينهم على ما تَعارَفوه من حُسن العِشرة وجميل الأخلاق، وأمَّا أن تُجَبَر المرأة على شيء من الخدمة فلا أصلَ له، بل الإجماع مُنْعَقِد على أنَّ على الزّوج مُؤنةَ الزَّوجة كلَّها. ونَقَلَ الطَّحاويُّ الإجماعَ على أنَّ الَّوج ليس له إخراج خادم المرأة من بيته. فدَلَّ على أنَّه يَلزَمِه نَفَقة الخادِم على حَسَب الحاجة إليه. (١) أخرجه أبو داود (٢١٢٥)، والنسائي (٣٣٧٥) من حديث ابن عباس. وصحَّح إسناده ابن عبد الهادي في ((المحرر» (١٠٢٠). ٣٥٢ باب ٨ / ح ٥٣٦٣ فتح الباري بشرح البخاري وقال الشافعيّ والكوفّونَ: يُفرَض لها ولخادِمِها النَّفَقة إذا كانت مَمَّن تُخُدَم. وقال مالك واللَّيث ومحمّد بن الحسن: يُفرَض لها ولخادمين(١) إذا كانت خَطِيرةً، وشَذَّ أهل الظّهر فقالوا: ليس على الزَّوج أن يُخْدِمَها، ولو كانت بنت الخليفة. وحُجّة الجماعة قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وإذا احتاجَت إلى مَن يَخْدُمها فامتَنَعَ، لم يُعاشرها بالمعروفِ. وقد تقدَّم كثير من مباحث هذا الباب في ((باب الغَيرة)) من أواخر النِّكاح في شرح حديث أسماء بنت أبي بكر في ذلك (٥٢٢٤). ٨- باب خِدمةِ الرّجلِ في أهله ٥٣٦٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرةَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحَكَم بنِ عُتَيبةَ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ بنِ يزيدَ: سألتُ عائشةَ رضي الله عنها: ما كان النبيُّ وَّهِ يَصْنَعُ في البيتِ؟ قالت: كان يكُونُ في مَهْنِ أهلِه، فإذا سمعَ الأذانَ خَرَجَ. قوله: «باب خِدْمة الرجل في أهلِهِ» أي: بنفسِه. قوله: ((كان يكون)) سَقَطَ لفظ: ((يكون)) من رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ، وقد تقدَّم ضبط المهنة، وأنَّ بفتح الميم ويجوز كسرها في كتاب الصلاة (٦٧٦)، وقال ابن التِّين: ضُبطَ في الأُمَّهات بكسرِ الميم، وضَبَطَه الهَرَويُّ بالفتح، وحكى الأزهَريّ عن شَمِرٍ عن مشايخِه أنَّ كسرها خطأ. قوله: ((فإذا سمعَ الأذان خَرَجَ)) تقدَّم شرحه معَ شرح بَقيَّة الحديث مُستَوقَى في أبواب فضل الجماعة من كتاب الصلاة (٦٧٦). تنبيه: وَقَعَ هنا للنَّسَفيِّ وحده ترجمة نَصُّها: ((باب هل لي من أجرٍ في بني أبي سَلَمَةَ؟» وبعده الحديث الآتي في ((باب ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾)) بسنده ومتنه، والرَّاجح ما عند الجماعة. (١) تحرَّف في (س) إلى: ولخادمها. وقوله بعده: ((إذا كانت خطيرة)) أي: ذات منزلة رفيعة القَدْر. ٣٥٣ باب ٩ / ح ٥٣٦٤ كتاب النفقات ٩ - باب إذا لم يُنفِقِ الرّجلُ، فللمرأةِ أن تأخذ بغَيرِ عِلْمه ما يَكْفِیھا ووَلَدَها بالمعروف ٥٣٦٤- حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشةَ: أنَّ هِنْداً بنتَ عُثْبَةَ قالت: يا رسولَ الله إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، وليس يُعْطيني ما يَكْفِيني ووَلَدي إلّا ما أَخَذْتُ منه وهو لا يَعلَمُ. فقال: ((خُذي ما يَكْفِيكِ ووَلَدَكِ بالمعْروفِ)». قوله: ((باب إذا لم يُنِفِقِ الرجلُ، فلِلْمَرْأةِ أن تَأْخُذ بغيرِ عِلْمه ما يَكْفيها ووَلَدَها بالمعروفِ» أخَذَ المصنّف هذه التَّرجمة/ من حديث الباب بطريق الأَولى، لأنَّه دَلَّ على جوازِ الأخذ ٥٠٨/٩ لتكملة النَّفَقة، فكذا يدلّ على جواز أخذ جميع النَّفَقة عند الامتناع. قوله: ((يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، وهشام: هو ابن عُرْوة. قوله: ((أنَّ هِنْدَاً بنت عُثْبَةَ)) كذا في هذه الرِّواية ((هنداً)) بالصَّرف، ووَقَعَ في رواية الزُّهْرِيِّ عن عُرْوة الماضية في المظالم (٢٤٦٠) بغير صَرف(١): هندُ بنت عُتبةَ بن رَبيعة، أي: ابن عبد شَمْس بن عبد منافٍ. وفي رواية الشافعيّ (٩٣/٥) عن أنس بن عياض عن هشام: أنَّ هنداً أمّ معاوية. وكانت هند لمَّا قُتِلَ أبوها عُتبةُ وعَمُّها شَيْبةُ وأخوها الوليد يومَ بدر شَقَّ عليها، فلمَّا كان يومُ أُحُدٍ وَقُتِلَ حمزة فِرِحَت بذلك، وعَمَدَت إلى بطنه فشَقَّتْها، وأخَذَت كَبِدَه فلاكَتْها، ثمَّ لَفَظَتْها، فلمَّا كان يومُ الفتح ودَخَلَ أبو سفيان مَكّة مسلماً، بعد أن أسَرَته خَيلُ النبيّ وَلِّ تلكَ اللَّيلة، فأجارَه العبَّاس، غَضِبَت هند لأجلِ إسلامه، وأخَذَت بلحْيِهِ، ثمَّ إنَّما بعد استقرار النبيّ وَّ بمَكّة جاءت، فأسلَمَت وبايعَت. وقد تقدَّم في أواخر المناقب (٣٨٢٥) أنَّها قالت له: يا رسول الله، ما كان على ظَهْرِ الأرضِ من أهل خِباءِ أحَبَّ إليَّ أن يَذِلّوا من أهل خِبائك، وما على ظَهر الأرض اليومَ أهلُ خِباءٍ أحَبَّ إليَّ أن يَعِزّوا من أهل خِبائك. فقال: ((أيضاً والذي نفسي بيَدِه)» ثمَّ قالت: (١) وكلاهما صحيح، لأنه علم مؤنث ثلاثي ساكن الوسط وغير أعجمي، فيجوز فيه الصرف ومنعه. ٣٥٤ باب ٩ / ح ٥٣٦٤ فتح الباري بشرح البخاري يا رسولَ الله، إنَّ أبا سفيان ... إلى آخره. وذكر ابن عبد البَرّ أنَّها ماتت في المحَرَّم سنةَ أربع عشرة يوم ماتَ أبو قُحَافة والد أبي بكر الصِّدّيق، وأخرج ابن سعد في ((الطَّقات) ما يدلّ على أنَّها عاشَت بعد ذلك، فروى عن الواقديِّ عن ابن أبي سَبْرةٍ(١) عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْمِ: أنَّ عُمر استعملَ معاوية على عَمَل أخيه، فلم يزل والياً لعُمر حتَّى قُتِلَ، واستُخلِفَ عثمانُ، فَأَقَرَّه على عَمَله وأفرَدَه بولاية الشّام جميعاً، وشَخَصَ أبو سفيان إلى معاوية ومعه ابناه عُتْبةُ وعَنْبَسة، فكَتَبَت هند إلى معاوية: قد قَدِمَ عليك أبوك وأخَواك، فاحمِل أباك على فرَس وأعطِه أربعة آلاف دِرْهم، واحِل عُتبةَ على بغل وأعطِهِ ألفَي دِرْهم، واحمِل عَنْبَسةَ على حمار وأعطِه ألف دِرْهم، ففَعَلَ ذلك، فقال أبو سفيان: أشهَد بالله أنَّ هذا عن رأي هند. قلت: كان عُتبةُ منها وعَنبَسة من غيرها أمّه عاتكة بنت أبي أُزَيِر الأزديّ. وفي ((الأمثال)) للمَيدانيِّ: أنَّها عاشت بعد وفاة أبي سفيان، فإنَّه ذكر قصَّة فيها أنَّ رجلاً سألَ معاوية أن يُزوِّجه أمّه، فقال: إنَّهَا قَعَدَت عن الولد. وكانت وفاة أبي سفيان في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثينَ. قوله: «إنَّ أبا سفيان)) هو صخر بن حَرْب بن أُميَّ بن عبد شمس، زوجُها، وكان قد رَأَسَ في قُرَيش بعد وقعة بدر، وسارَ بهم في أُحُد، وساقَ الأحزاب يوم الخندق، ثمَّ أسلَمَ ليلة الفتح، كما تقدَّم مبسُوطاً في المغازي (٤٢٨٠). قوله: ((رجل شَحيح)) تقدَّم قبلُ بثلاثة أبواب: ((رجل مِسّيك)) (٥٣٥٩)، واختُلِفَ في ضبطه، فالأكثر بكسرِ الميم وتشديد السّين على المبالَغة، وقيل: بوزنِ شَحيح، قال النَّوَويّ: هذا هو الأصحّ من حيثُ اللُّغَةُ، وإن كان الأوَّل أشهَرَ في الرِّواية. ولم يظهر لي كَونُ الثّاني أصحَّ، فإنَّ الآخر مُستَعمَل كثيراً مِثل: شِرّيب وسِكّير، وإن كان المخَفَّف أيضاً فيه نوع مُبالَغةٍ لكنَّ المشدَّد أبلَغ. وقد تقدَّمَت عِبارة ((النِّهاية)) في كتاب الإشخاص (٢٤٦٠) حيثُ قال: المشهور في كتب اللُّغة الفتح والتَّخفيف، وفي كتب المحدِّثينَ (١) قلنا: ابن أبي سَبْرة والواقدي متروكان، فلا يُعارَض قولُ ابنِ عبد البر بمثل هذا. ٣٥٥ باب ٩ / ح ٥٣٦٤ كتاب النفقات الكسر والتَّشديد. والشُّحّ: البُخل معَ حِرصٍ، والشِّحّ أعَمّ من البُخل، لأنَّ البُخل يَخْتَصّ بمَنع المال، والشُّحّ بكلِّ شيء، وقيل: الشِّحّ لازِمٌ كالطَّبْع، والبُخل غير لازِمٍ. قال القُرطُبيّ: لم تُرِد هند وصفَ أبي سفيان بالشُّحِّ في جميع أحواله، وإنَّما وصَفَت حالها معه، وأنَّه كان يُقَتِّر عليها وعلى أولادها، وهذا لا يَستَلِزِمِ البُخل مُطلَقاً، فإنَّ كثيراً من الرُّؤَساء يفعل ذلك معَ أهله ويُؤثِر الأجانب استئلافاً لهم. قلت: ووَرَدَ في بعض الطُّرق لقولٍ هند هذا سببٌ یأتي ذِكْره قريباً. قوله: ((إلّا ما أخَذْتُ منه وهو لا يَعلَم)) زاد الشافعيّ في روايته: سِرّاً، فهل عليَّ في ذلك مِن شيء؟ ووَقَعَ في رواية الزُّهْرِيِّ: فَهَل عليَّ حَرَجٌ أن أُطعِم مِن الذي له/ عيالَنا؟ ٥٠٩/٩ قوله: ((فقال: خُذي ما يَكْفِيكِ ووَلَدَك بالمعْروفِ)) في رواية شُعَيب عن الزُّهْريِّ التي تقدَّمَت في المظالم (٢٤٦٠): ((لا حَرَج عليكِ أن تُطعِميهم بالمعروفِ)). قال القُرطُبيّ: قوله: ((خُذي)) أمر إباحة، بدليلِ قوله: ((لا حَرَج)) والمراد بالمعروفِ: القَدْر الذي عُرِفَ بالعادة أنَّه الكِفايةُ، قال: وهذه الإباحة وإن كانت مُطلَقَةً لفظاً لكنَّها مُقِيَّدةٌ معنَى، كأنَّه قال: إن صَحَّ ما ذكرتِ. وقال غيره: يحتمل أن يكونَ بِّهِ عِلِمِ صِدقَها فیما ذکرَتْ فاستغنى عن التَّقیید. واستُدِلَّ بهذا الحديث على جواز ذِكْر الإنسان بما لا يُعجِبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتِكاء ونحوِ ذلك، وهو أحدُ المواضع التي تُباح فيها الغِيبة. وفيه من الفوائد جوازُ ذِكْر الإنسان بالتَّعظيم كاللَّقَب والكُنية. كذا قيل، وفيه نظر، لأنَّ أبا سفيان كان مشهوراً بكُنْيتِه دونَ اسمِه، فلا يدلّ قولها: ((إنَّ أبا سفيان)» على إرادة التَّعظیم. وفيه جواز استماع كلام أحدِ الْخَصمَينِ في غَيبة الآخِرِ. وفيه أنَّ مَن نَسَبَ إلى نفسه أمراً عليه فيه غَضاضة فليَقْرُنه بما يُقِيمُ عُذْرَه في ذلك. وفيه جواز سماع كلام الأجنبيَّة عند الحُكم والإفتاء عند مَن يقول: إنَّ صوتها عَوْرة، . ٣٥٦ باب ٩ / ح ٥٣٦٤ فتح الباري بشرح البخاري ويقول: جازَ هنا للضَّرورة. وفيه أنَّ القول قولُ الزَّوجة في قَبض النَّفَقة، لأنَّه لو كان القولُ قولَ الزَّوجُ: إِنَّه مُنِفِقِ، لكُلِّفَت هند (١) البَِّةَ على إثبات عَدَم الكِفاية، وأجابَ المازَريّ عنه بأنَّه من باب تعليق الفُتيا لا القضاء. وفيه وجوب نَفَقة الزَّوجة وأنَّها مُقدَّرة بالكِفاية، وهو قول أكثر العلماء، وهو قولٌ للشّافعَيِّ حكاه الْجُوَينيّ(٢)، والمشهور عن الشافعيّ: أنَّه قَدَّرَها بالأمْدادِ، فعلى الموسِر كلَّ يوم مُدّان، والمتوسّط مُدّ ونصف، والمعسِر مُدّ، وتقديرها بالأمدادِ رواية عن مالك أيضاً. قال النَّوَويّ في ((شرح مسلم)): وهذا الحديث حُجّة على أصحابنا. قلت: وليس صريحاً في الردّ عليهم، لكنَّ التَّقدير بالأمدادِ مُحتاج إلى دليل، فإن ثَبَتَ مُلَت الكِفاية في حديث الباب على القَدْر المقدَّر بالأمداد، فكأنَّه كان يُعطيها وهو موسِرٌ ما يُعطي المتوسِّط، فأذِنَ لها في أخذِ التَّكمِلة، وقد تقدَّم الاختلاف في ذلك في «باب وجوب النَّفَقة على الأهل)» (٥٣٥٥). وفيه اعتبار النَّفَقة بحال الزَّوجة، وهو قول الحنفيَّة، واختارَ الْخَصّاف منهم أنَّها مُعتبَرَة بحال الزَّوجَينِ معاً، قال صاحب ((الهداية)): وعليه الفَتَوَى، والحُجّة فيه ضَمّ قوله تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ،﴾ الآية [الطلاق: ٧]، إلى هذا الحديث، وذهبت الشافعيّة: إلى اعتبار حال الَّوج تَمسُّكاً بالآية، وهو قول بعض الحنفيّة، وفيه وجوب نَفَقة الأولاد بشرطِ الحاجة، والأصحّ عند الشافعيَّة: اعتبار الصِّغَر أو الزّمانة. وفيه وجوب نَفَقة خادِمِ المرأة على الزَّوج، قال الخطَّبيُّ: لأنَّ أبا سفيان كان رئيسَ قومه، ويَبَعُد أن يَمنَع زوجته وأولاده النَّفَقة، فكأنَّه كان يُعطيها قَدرَ كِفايتها ووَلَدِها دون مَن يَخْدُمهم، فأضافَت ذلك إلى نفسها، لأنَّ خادِمها داخل في جُلَتها. (١) تحرَّف في (س) إلى: هذه. (٢) هو أبو محمد والد أبي المعالي إمام الحرمين، لأنه إذا أُريد أبو المعالي قيل: إمام الحرمين، وكذلك كان يصنع الحافظ في ((شرحه)) هذا. وقد نقله عن الجويني أيضاً ابنُ كثير في ((طبقات الشافعيين)) في ترجمة عبد الله ابن عبدان ص٣٩٠. ٣٥٧ باب ٩ / ح ٥٣٦٤ كتاب النفقات قلت: ويحتمل أن يُتَمسَّكَ لذلك بقوله في بعض طرقه: أن أُطعِم مِن الذي له عِيالَنا (٢٤٦٠). واستُدِلَّ به على وجوب نَفَقة الابن على الأب ولو كان الابن كبيراً، وتُعقّبَ بأنَّهَا واقعةُ عين ولا عُموم في الأفعال، فيحتمل أن يكون المراد بقولها: بَنِيّ، بعضَهم، أي: مَن كان منهم صغيراً أو كبيراً زَمِناً، لا جميعهم. واستُدِلَّ به على أنَّ مَن له عند غيره حَقّ وهو عاجز عن استيفائه جازَ له أن يأخُذ من ماله قَدْرَ حَقِّه بغير إذنه، وهو قول الشافعيّ وجماعة، وتُسمَّى مسألةَ الظَّفَرِ، والرَّاجح عندهم لا يأخُذ غير جِنس حَقِّه إلّا إذا تَعذَّرَ جِنسُ حَقِّه، وعن أبي حنيفة المنع، وعنه يأخذ جِنس حَقِّه ولا يأخذ من غير جِنس حَقِّه إلّ أحد النَّقَدَينِ بَدَل الآخر، وعن مالك ثلاث روايات كَهذه الآراء، وعن أحمد المنع مُطلَقاً، وقد تقدَّمَت الإشارة إلى شيء من ذلك في كتاب الإشخاص والملازَمة (٢٤٦٠)، قال الخطّبيُّ: يُؤخذ من حديث هند جوازُ أخذ الجِنس وغير الجنس، لأنَّ مَنزِل الشَّحيح لا يجمع كلَّ ما يُحتاج إليه من النَّفَقة والكسوة وسائر المرافق/ اللّازِمة، وقد أطلقَ لها الإذنَ في أخذِ الكِفاية من ماله، قال: ويدلّ على صِحّة ذلك قولها ٥١٠/٩ في رواية أُخرَى: وإنَّه لا يُدخِل على بيتي ما يكفيني ووَلَدي. قلت: ولا دلالة فيه لمَا ادَّعاه من أنَّ بيت الشَّحيح لا يحتوي على كلّ ما يُحتاج إليه، لأنَّهَا نَفَتِ الكِفايةَ مُطلَقاً فَتَنَاوَلَ جِنسَ ما يُحتاج إليه وما لا يُحتاج إليه، ودَعواه أنَّ مَنزِل الشَّحيح كذلك مُسَلَّمة، لكن من أين له أنَّ مَنزِل أبي سفيان كان كذلك؟ والذي يظهر من سياق القصّة أنَّ مَنزِله كان فيه كلّ ما يُحتاج إليه إلّا أنَّه كان لا يُمَكِّنها إلّا مِن القَدر الذي أشارَت إليه، فاستأذنَت أن تأخذ زيادةً على ذلك بغیر عِلمه. وقد وجَّهَ ابنُ المنيِّرِ قوله: إنَّ في قصَّة هند دلالةً على أنَّ لصاحب الحقّ أن يأخُذ من غير چِنس حَقِّه بحيثُ يحتاج إلى التَّقويم، لأنَّه عليه الصلاة والسَّلام أذِنَ لهندٍ أن تَفْرِض لنفسِها وعيالها قَدرَ الواجب، وهذا هو التَّقويم بعينِه، بل هو أدَقّ منه وأعسر. واستُدِلَّ به على أنَّ للمرأة مَدخَلاً في القيام على أولادها وكَفالّتهم والإنفاق عليهم. وفيه ٣٥٨ باب ٩ / ح ٥٣٦٤ فتح الباري بشرح البخاري اعتماد العُرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قِبَل الشَّرع، وقال القُرطُبيّ: فيه اعتبار العُرف في الشَّرعيّات خلافاً لمن أنكَرَ ذلك لفظاً وعَمِلَ به معنَى كالشافعيَّة. كذا قال، والشافعيَّة إنَّما أنكروا العَمَل بالعُرفِ إذا عارَضَه النَّصّ الشَّرعيّ أو لم يُرشِد النَّصّ الشَّرعيّ إلى العُرف. واستَدَلَّ به الخطَّبيُّ على جواز القضاء على الغائب، وسيأتي في كتاب الأحكام أنَّ البخاريّ تَرجَمَ ((القضاء على الغائب)) وأورَدَ هذا الحديث (٧١٨٠) من طريق سفيان الثَّوريّ عن هشام بلفظ: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شَحيح، فأحتاجُ أن آخذ من ماله، قال: (خُذي ما يكفيك ووَلَدَك بالمعروفِ)). وذكر النَّوَويّ أنَّ جمعاً من العلماء من أصحاب الشافعيّ ومِن غيرهم استَدَلّوا بهذا الحديث لذلك، حتَّى قال الرَّافعيّ في ((القضاء على الغائب)»: احتَجَّ أصحابنا على الحنفيّة في مَنعهم القضاء على الغائب بقصَّة هند، وكان ذلك قضاءً من النبيّ ټ على زوجها، وهو غائب. قال النَّوَويّ: ولا يَصِحّ الاستدلال، لأنَّ هذه القصَّة كانت بمَكّة، وكان أبو سفيان حاضراً بها، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائباً عن البَلَد، أو مُستَتِراً لا يُقدَر علیه، أو مُتَعَزِّزاً(١)، ولم يكن هذا الشَّرط في أبي سفيان موجوداً، فلا يكون قضاءً على الغائب بل هو إفتاء، وقد وَقَعَ في كلام الرَّافعيّ في عِدّة مواضع أنَّه كان إفتاءً. انتهى، واستَدَلَّ بعضهم على أنَّه كان غائباً بقولِ هند: لا يُعطيني، إذ لو كان حاضراً لَقالت: لا يُنِفِقِ عليَّ، لأنَّ الَّوج هو الذي يُباشر الإنفاق. وهذا ضعيف، لجوازٍ أن تكونَ عادته أن يُعطيَها جُملةً، ويأذَن لها في الإنفاق مُفرَّقاً. نعم، قول النَّوَويّ: إنَّ أبا سفيان كان حاضراً بمَكّة حَقّ، وقد سَبَقَه إلى الجزم بذلك السُّهَيليّ، بل أورَدَ أخصَّ من ذلك، وهو أنَّ أبا سفيان كان جالساً معها في المجلس، لكن لم يَسُق إسناده، وقد ظَفِرتُ به في «طبقات ابن سعد)) (٨/ ٢٣٧) أخرجه بسندٍ رجاله رجال (١) التعزّز: هو الامتناع من الحضور مع الظهور والقوة متعمّداً على الغلبة، وهو بخلاف التواري الذي يكون بالامتناع مع الاختفاء. انظر ((حاشية البجيرمي على الإقناع)) ٤٠٥/٣ -٤٠٦. ٣٥٩ باب ٩ / ح ٥٣٦٤ كتاب النفقات الصَّحيح، إلّا أنَّه مُرسَل عن الشَّعبيّ: أنَّ هنداً لمَّا بايعَت وجاء قوله: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ قالت: قد كنت أصَبتُ مِن مال أبي سفيان، فقال أبو سفيان: فما أصَبتِ من مالي فهو حلالٌ لك. قلت: ويُمكِن تعدُّد القصَّة، وأنَّ هذا وَقَعَ لمَّا بايعَت، ثمَّ جاءت مرَّة أُخرى فسألَت عن الحُكم، وتكونُ فهمَت من الأوَّل إحلال أبي سفيان لها ما مَضَى، فسألَت عمَّا يُستَقبَل، لكن يُشكِل على ذلك ما أخرجه ابنُ مَندَهْ في ((المعرفة)) من طريق عبد الله بن محمَّد بن زاذانَ عن هشام بن عُرْوة عن أبيه قال: قالت هند لأبي سفيان: إنّ أُريدَ أن أُبايع، قال: فإن فعَلتِ فاذهَبِي مَعَك بَرَجُلِ من قومك، فذهبَتْ إلى عثمان فذهب معها، فدَخَلَت مُنْتَقِبة، فقال: ((بايعي أن لا تُشِرِكي)) الحديث، وفيه: فلمَّا فرَغَت قالت: يا رسول الله، إنَّ أبا سفيان رجل بخيل، الحديث، قال: ((ما تقول يا أبا سفيان؟)) قال: أمَّا يابساً فلا، وأمَّا رَطْباً فأُحِلّه. وذكر أبو نُعَيم في ((المعرفة)) أنَّ عبد الله تفرَّد به بهذا السّياق، وهو ضعيف، وأوَّل حديثه يقتضي أنَّ أبا سفيان لم يكن معها،/ وآخِرُه يدلّ على أنَّه كان حاضراً، لكن يحتمل أن ٥١١/٩ يكون كلٌّ منهما تَوَجَّهَ وحدَه، أو أرسَلَ إليه لمَّا اشْتَكَت منه. ويُؤيِّد هذا الاحتمالَ الثّاني ما أخرجه الحاكم في تفسير الممتَحِنة من ((المستدرَك)) (٤٨٦/٢) عن فاطمة بنتِ عُتبةَ: أنَّ أبا حُذَيفة بن عُتْبَةَ ذهب بها وبأُختِها هند يُبابِعان، فلمَّا اشتَرَطَ ﴿وَلَا يَسْرِفْنَ﴾ قالت هند: لا أُبابِعك على السَّرِقة، إنّ أسرِق من زوجي، فَكَفَّ حتَّى أرسَلَ إلى أبي سفيان يَتَحلَّل لها منه، فقال: أمَّا الَّطب فنعم، وأمَّا الیابس فلا. والذي يظهر لي أنَّ البخاريّ لم يُرِد أنَّ قصّة هند كانت قضاءً على أبي سفيان وهو غائب، بل اسْتَدَلَّ بها على صِحّة القضاء على الغائب ولو لم يكن ذلك قضاءً على غائبٍ بشرطِهِ، بل لمَّا كان أبو سفيان غيرَ حاضرٍ معها في المجلس، وأذِنَ لها أن تأخُذ من مالِه بغير إذنه قَدْرَ كِفايتها، كان في ذلك نوعُ قضاء على الغائب. فيحتاج مَن مَنَعَه أن يُجيب عن هذا. وقد انبَنَى على هذا خلافٌ يَتَفَرَّع عنه، وهو أنَّ الأب إذا غابَ أو امتَنَعَ من الإنفاق على ولدِهِ الصَّغير، أذِنَ القاضي للأُمّ إذا كانت فيها أهليَّةُ ذلك في الأخذ من مال الأب إن أمكنَ، أو في الاستقراض عليه والإنفاق على الصَّغير، وهل لها الاستقلالُ بذلك بغير إذن القاضي؟ ٣٦٠ باب ١٠ / ح ٥٣٦٥ فتح الباري بشرح البخاري وجهان يَنبنيان على الخلاف في قصَّة هند، فإن كانت إفتاءً جازَ لها الأخذ بغير إذن، وإن كانت قضاءً فلا يجوز إلّا بإذنِ القاضي. وممّا رُجُحَ به أنَّه كان قضاءً لا فُتْيَا التَّعبيرُ بصيغة الأمر، حيثُ قال لها: ((خُذي))، ولو كان فُتْيا لَقال مثلاً: لا حَرَج عليك إذا أخذت. ولأنَّ الأغلَب من تَصَرُّفاته وَ إِنَّما هو الحُكم. وممّا رُجِّحَ به أنَّه كان فتوَى وقوعُ الاستفهام في القصَّة في قولها: هل عليَّ جُناح؟ ولأنَّه فَوَّضَ تقديرَ الاستحقاق إليها، ولو كان قضاءً لم يُفوِّضه إلى المدَّعي. ولأنَّه لم يَستَحلِفها على ما ادَّعَتْه ولا كَلَّفَها البيّئَةَ. والجواب: أنَّ في تَرك تَحليفها أو تكليفها البيِّةَ حُجّةً لمن أجازَ للقاضي أن یحکم بعلمه، فكانَّه ◌َلِے عَلِمِ صِدقها في کلّ ما اذَّعَت به. وعن الاستفهام أنَّه لا استحالة فيه من طالب الحُكم. وعن تَفويض قَدر الاستحقاق أنَّ المراد الوُكُولُ(١) إلى العُرْف كما تقدَّمَ. وسيأتي بيان المذاهب في القضاء على الغائب في كتاب الأحكام (٧١٨٠) إن شاء الله تعالى. تنبيه: أشكَلَ على بعضهم استدلالُ البخاريّ بهذا الحديث على مسألة الظَّفَر في كتاب الإشخاص حيثُ تَرجَمَ له ((قِصاص المظلوم إذا وجَدَ مال ظالمه)) (٢٤٦٠)، واستدلاله به على جواز القضاء على الغائب، لأنَّ الاستدلال به على مسألة الظَّفَر لا تكون إلّا على القول بأنَّ مسألة هند كانت على طريق الفَتَوَى، والاستدلال به على مسألة القضاء على الغائب لا يكون إلّا على القول بأنَّها كانت حُكماً. والجواب أن يقال: كلّ حُكم يَصدُر من الشّارع فإنَّه يُنَزَّلُ مَنزِلة الإفتاء بذلك الحُكم في مِثل تلكَ الواقعة، فَيَصِحّ الاستدلال بهذه القصّة للمسألتين، والله أعلم. وقد وَقَعَ هذا الباب مُقدَّماً على بابينِ عند أبي نُعَيم في ((المستخرَج)). ١٠ - باب حفظِ المرأةِ زوجَها في ذاتٍ يده، والنّفقةِ ٥٣٦٥- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا ابنُ طاووسٍ، عن أبيه. وأبو الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ: أَنَّ رسولَ اللهِ وَ﴾ قال: ((خيرُ نساءٍ رَكِينَ الإبلَ نساءُ قُرَيشٍ - وقال (١) تحرَّف في (س) إلى: الموكول.