النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ باب ٤٢ / ح ٥٣٢٨ كتاب الطلاق أنَّه أراد سُنّةً مخصوصةً في هذا، ولقد كان الحقّ يَنطِق على لسان عمر، فإنَّ قوله: لا نَدري حَفِظَت أو نَسَيَت، قد ظَهَرَ مِصداقُه في أنَّهَا أَطلقَت في موضع التَّقييدِ أو عَمَّمَت في موضع التَّخصيص كما تقدَّم بيانه، وأيضاً فليس في كلام عمر ما يقتضي إيجابَ النَّفَقة وإنَّما أنكَرَ إسقاط السُّكنَى. واذَّعَى بعض الحنفيَّة أنَّ في بعض طرق حديث عمر: للمُطلَّقة ثلاثاً السُّكنَى والنَّفَقةُ(١). ورَدَّه ابن السَّمعانيّ بأنَّه من قول بعض المجازِفينَ فلا تَحِلّ روايته، وقد أنكَرَ أحمد ثُبوتَ ذلك عن عمر أصلاً، ولعلَّه أراد ما وَرَدَ من طريق إبراهيم النَّخَعيِّ عن عمر لكَونِه لم يَلقَه(٢). وقد بالَغَ الطَّحاويُّ في تقرير مذهبه، فقال: خالَفَت فاطمة سُنّةَ رسول اللهِوَّةِ، لأنَّ عمر روى خلاف ما رَوَت، فخَرَجَ المعنى الذي أنكَرَ عليها عمرُ خروجاً صحيحاً، وبَطَل حديث فاطمة فلم يجب العَمَلُ به أصلاً، وعُمدَته على ما ذكر من المخالَفة ما روى عمر بن الخطّاب، فإنَّه أورَدَه (٦٨/٣) من طريق إبراهيم النَّخَعيِّ عن عمر قال: سمعت رسول الله و له يقول: لها السُّكَنَى والنَّفَقة. وهذا مُنقَطِعٌ لا تقوم به حُجّة(٣). (١) الصحيح أنه من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد أخرجه ابن أبي شيبة ١٤٦/٥، والدارمي (٢٢٧٨) والدارقطني (٣٩٥٥) و(٣٩٥٩) و(٣٩٦٥)، وابن حزم في ((المحلى)) ٢٨٨/١٠، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٩/ ١٤٢ من طرق عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود عن عمر قوله: لا نجيز في المسلمين قول امرأة، فكان يجعل للمطلقة ثلاثاً السكنى والنفقة، وعند بعضهم: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبيه بقول امرأة ... وأخرجه مسلم (١٤٨٠) (٤٦)، وأبو عوانة (٤٦١٥)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٦٧/٣، وأبو نعيم في ((المستخرج على مسلم)) (٣٥٠٤)، والبيهقي ٧/ ٤٧٥ من طريق أبي إسحاق السبيعي عن الأسود، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤٨/٥ من طريق ميمون بن مهران، كلاهما عن عمر بن الخطاب قال: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا وَل﴿ لقول امرأة، زاد الأسود: لعلها حفظت أو نسیت. (٢) لكنه اتصل بذكر الأسود النخعي، كما خرَّ جناه في التعليق السابق، وخرجناه هناك من طريق أخرى عن الأسود، ومن وجهٍ آخر عن عمر بن الخطاب، وكل ذلك موقوف عليه من قوله. (٣) يعني مرفوعاً، وأما موقوفاً فقد صح متصلاً كما بيناه في تعليقنا قريباً. ٣٠٢ باب ٤٣ / ح ٥٣٢٩ فتح الباري بشرح البخاري ٤٣ - باب قول الله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَزْحَامِهِنَّ﴾ مِن الخَيْضِ والحَمْلِ ٥٣٢٩- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: لمَّا أرادَ رسولُ اللهِ وَّهِ أَن يَنْفِرَ إذا صَفِيَّةُ على باب خِبائها كَئِيبةً، فقال لها: ((عَقْرَى حَلْقَى، إنَّكِ لَحابِسَتُنا، أَكُنتِ أَفَضْتِ يومَ النَّحْرِ؟)) قالت: نَعَمْ، قال: ((فانفِري إذاً». ٤٨٢/٩ قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِى أَزْحَامِهِنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] من الحَيض والحَمْلِ)) كذا للأكثرِ، وهو تفسير مجاهد. وفَصَلَ أبو ذَرِّ بين ﴿أَزْحَامِهِنَّ﴾ وبين ((من)) بدائرةٍ إشارةً إلى أنَّه أُريدَ به التَّفسير لا أنَّها قراءة، وسَقَطَ حرف ((من)) للنَّسَفَيّ، وأخرج الطََّرُّ (٢/ ٤٤٦ و٤٤٧) عن طائفة: أنَّ المراد به الخَيَضُ، وعن آخرينَ: الحَمْلُ، وعن مجاهد كلاهما. والمقصود من الآية أنَّ أمر العِدّة لمَّا دار على الحيض والطُّهر، والاطّلاعُ على ذلك يقع من جهة النِّساء غالباً، جُعِلَت المرأة مُؤتَمَنةً على ذلك. وقال إسماعيل القاضي: دَلَّتِ الآية أنَّ المرأة المعتَدّة مُؤتَمَنةٌ على رَحِها من الحَمْل والحيض، إلّا أن تأتي من ذلك بما يُعرَف كَذِبُها فيه. وقد أخرج الحاكم في ((المستدرَك)) (٤ / ٤٢٢) (١) من حديث أبيّ بن كعب: إنَّ من الأمانة أنِ ائْتُمِنَت المرأةُ على فَرْجها. هكذا أخرجه موقوفاً في تفسير سورة الأحزاب ورجاله رجال الصَّحيح، وقد تقدَّم بيان مُدّةِ أكثرِ الحيض وأَقلِّها في كتاب الحيض والاختلاف في ذلك(٢). ثُمَّ ذَكَر المصنِّفُ حديث عائشة في قول النبيِّ وَّهِ لصَفيَّة لمَّا حاضَتْ في أيامٍ مِنّى: ((إِنَّكِ لَحَابِسَتُنا)) وقد تقدَّم شرحه في كتاب الحجّ (١٧٥٧). قال المهلَّب: فيه شاهدٌ لتصديق النِّساء فيما (١) وهو أيضاً عند سعيد بن منصور (١٣١٢)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٩٨٦/٣. (٢) في سياق شرحه للحديث رقم (٣٢٥). ٣٠٣ باب ٤٤ / ح ٥٣٣٠-٥٣٣٢ كتاب الطلاق يَدَّعينَه من الحيض لكَونِ النبيِّ وََّ أراد أن يُؤَخِّر السَّفَرِ ويَحبس مَن معه لأجلِ خَيْض صَفيَّة، ولم يَمتَحِنها في ذلك ولا أكذَبَهَا. وقال ابن المنّيِّرِ: لمَّا رَتَّبَ النبيُّ نَّهِ على مُجَّد قول صَفيَّة: إنَّها حائض، تأخيرَه عنِ(١) السَّفَرِ، أُخِذَ منه تَعَدّي الحُكم إلى الَّوج، فتُصَدَّق المرأة في الحيض والحَمْل باعتبار رَجْعة الزَّوج وسُقوطها، وإلحاق الحمل به. ٤٤- باب ﴿وَبُعُولَفُنَّ أَحَقُّ بَِرِهِنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]: في العِدّةِ وكيفَ يُراجِع المرأةَ إذا طَلَّقَها واحدةً أو ثِنتَينِ، وقوله: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] ٥٣٣٠- حدَّثني محمَّدٌ، أخبرنا عبدُ الوهَّاب، حذَّثنا يونسُ، عن الحسنِ، قال: زَوَّجَ مَعِقِلٌ أُخْتَه، فطَلَّقَها تَطْلِقةً. ٥٣٣١- وحذَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، حدَّثنا الحسنُ: أنَّ مَعْقِلَ بنَ يَسارٍ كانت أُختُه تحتَ رجلٍ فطَلَّقَها، ثمَّ خَلَّى عنها حتَّى انقَضَت عِدَُّها، ثُمَّ خَطَبَها، فحَمِيَ مَعقِلٌ من ذلك أَنَفاً، فقال: خَلَّى عنها وهو يَقدِرُ عليها ثمَّ يَخْطُبُها! فحالَ بينَه وبينَها، فأَنزَلَ الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ، فَعاه رسولُ الله ◌َّ فقرأ عليه، فَتَرَكَ الحَمِيَّةَ واستَقَادَ لأَمرِ الله. ٥٣٣٢- حدَّثْنَا قُتَيبةٌ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن نافع: أنَّ ابنَ عمرَ بنِ الخطّاب رضي الله عنهما طَلَّقَ امرأةً له وهي حائضٌ تَطْلِيقَةً واحدةً، فأمَرَه رسولُ الله ◌َ أن يُراجِعَها، ثمَّ يُمْسِكَها حتَّى تَطْهُرَ، ثمَّ تَحِيضَ عندَه حيضةً أُخرى، ثمَّ يُمْهِلَها حتَّى تَطْهُرَ من حَيْضَتِها، فإن أرادَ أن يُطلِّقَها فلْيُطلِّقْها حينَ تَطْهُرُ من قَبلِ أن يُجامِعَها، فتلكَ العِدّةُ التي أمَرَ الله أن تُطلَّق لها النِّساءُ. وكان عبدُ الله إذا سُئلَ عن ذلك قال لأحدِهم: لو كنت طَلَّقْتَها ثلاثاً فقد حَرُمَت عليكَ حتَّى تَنكِحَ زوجاً غيرَكَ. (١) وقع في (س): ((تأخيره السَّفر)) بإسقاط ((عن))، وهو صحيح أيضاً. ٣٠٤ باب ٤٤ / ح ٥٣٣٢ فتح الباري بشرح البخاري وزادَ فيه غيرُه عن اللَّيثِ: حدَّثني نافعٌ، قال ابنُ عمرَ: لو طَلَّقْتَ مرَّةً أو مرَّتَينٍ فإنَّ النبيَّ ◌َه أمرَني بهذا. ٤٨٣/٩ قوله: ((باب ﴿وَيُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَِّهِنَ﴾ في العِدّة، وكيف يُراجِع المرأةَ إذا طَلَّقَها واحدة أو ثِنْتَين، وقوله: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾)) كذا للأكثر، وفَصَلَ أبو ذَرِّ أيضاً بين قوله: ﴿بَدِهِنَ﴾ وبين قوله: ((في العِدّة)) بدائرةٍ إشارةً إلى أنَّ المراد بأحقّيَّة الرَّجعة: مَن كانت في العِدّة، وهو قول مجاهد وطائفة من أهل التَّفسير، وسَقَطَ قوله: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ من رواية النَّسَفيِّ(١). ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب حدیثینِ: أحدهما: حديث مَعقِل بن يَسار في تَزويج أُختِهِ، أورَدَه من طريقَينِ: الأُولى: قوله: ((حدَّثني محمَّد)) كذا للجميع غير منسوب: وهو ابن سَلَامِ، وعبد الوهّاب شيخه: هو ابن عبد المجيد الثَّقفيّ، ويونس: هو ابن عُبيد البصريّ. الطَّريق الثّانية: من طريق سعيد - وهو ابن أبي عَرُوبة - عن قَتَادة، قال في روايته: حدّثنا الحسن: أنَّ مَعقِل بن يَسار كانت أُخته تَحت رَجلِ. وقال في رواية يونس عن الحسن: زَوَّجَ مَعِقِلٌ أُختَه. وقد تقدَّم هذا الحديث وشرحه في ((باب لا نِكاحَ إلّا بَوَلِيٍ)) (٥١٣٠) من كتاب النِّكاح، وبيَّنت هناك مَن وَصَلَه وأرسَلَه، وتقدَّم في تفسير البقرة أيضاً موصولاً (٤٥٢٩) ومُرسَلاً. وقوله: ((فحَميَ» بوَزنِ عَلِمَ بكسرٍ ثانیهِ. وقوله: (أَنَفاً) بفتح الهمزة والنُّون مُنَوَّن، أي: تَرَكَ الفِعلِ غَيظاً وتَرَفُّعاً. وقوله: ((فتَرَكَ الحَمِيّة» بالتَّشدید. وقوله: ((واستقادَ لأمرِ الله)) كذا للأكثرِ بقافٍ، أي: أعطَى مَقادَتَه، والمعنى: أطاعَ وامتَثَلَ، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((واستَرادَ)) براءٍ بَدَل القاف منَ الرَّوْد(٢): وهو الطََّب، أو المعنى: (١) وسقطت أيضاً من اليونينية ومن ((إرشاد الساري)) للقسطلاني ١٨٥/٨. (٢) كذا ضبطه الحافظ، ومن قبله ابن الأثير في ((النهاية)) في مادة (رود)، والذي في هامش اليونينية بتشديد الدال من الرَّدِّ، وكذلك ضبطه القسطلاني. ٣٠٥ باب ٤٤ / ح ٥٣٣٢ كتاب الطلاق أراد رُجوعَها ورَضِيَ به. ونَقَلَ ابن التِّين عن رواية القابِسيّ ((واستَقادَّ» بتشديد الدّال، ورَدَّه بأنَّ المفاعلة لا تَجتَمِع معَ سين الاستفعال. الحديث الثاني: حديث ابن عمرَ في طلاق الحائض، وتقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أوَّل کتاب الطَّلاق (٥٢٥١). وقوله: ((وزاد فيه غيرُه عن اللَّيث)) تقدَّم بيانه في أوَّل الطَّلاق (٥٢٦٤) أيضاً حيثُ قال فيه: وقال اللَّيث ... إلى آخره، وفيه تسميةُ الغَيْرِ المذكور. وقال ابن بَطّالٍ ما مُلخَّصه: المراجَعة على ضَرْبينٍ، إمّا في العِدّة فهي على ما في حديث ابن عمر، لأنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَمَرَه بمُراجَعَتِها ولم يَذكُر أنَّه احتاجَ إلى عَقد جَديد، وإمّا بعد العِدّة فعلى ما في حديث مَعِقِل، وقد أجمعوا على أنَّ الحُرّ إذا طَلَّقَ الحُرّة بعد الدُّخول بها تطليقة أو تطليقَتَينِ فهو أحقُّ بَرَجعَتِها ولو كَرهَتِ المرأةُ ذلك، فإن لم يُراجِع حتَّى انقَضَتِ العِدّة فتصير أجنبيَّةً، فلا تَحِلّ له إلّا بنكاحِ مُستأنَف. واختَلَفَ السَّلَف فيما يكون به الرجلُ مُراجِعاً، فقال الأوزاعيُّ: إذا جامَعَها فقد راجَعَها، وجاء ذلك عن بعض التابعينَ، وبه قال مالكٌ وإسحاقُ بشرطِ أن يَنويَ به الرَّجعةَ. وقال الكوفيّونَ كالأوزاعيِّ وزادوا: ولو لَسَها بشَهوةٍ أو نظرَ إلى فَرْجها بشَهوةٍ. وقال الشافعيّ: لا تكون الرَّجعة إلّا بالكلام. وانبَنَى على هذا الخلافِ جوازُ الوَطء وتحريمُه، وحُجّة الشافعيِّ أنَّ الطَّلاق مُزيلٌ للنِّكاح، وأقرَب ما يظهر ذلك في حِلّ الوَطء وعَدَمه، لأنَّ الِحِلّ معنّى يُجَوِّزُ أن يَرجِع في النِّكاح ويَعود، كما في إسلام أحد المشرِكَينِ ثمَّ إسلام الآخَر في العِدّة، وكما يَرتَفِع بالصومِ والإحرام والحيض ثمَّ يعود بزَوال هذه المعاني. وحُجّة مَن أجازَ: أنَّ النّكاح لو زالَ لم تَعُدِ المرأةُ إلّ بعَقدٍ جديد، وبصِحّة الخُلع في الرَّجعيَّة، ولِوقوع الطَّلقة الثّانية، والجواب عن كلّ ذلك: أنَّ النِّكاح ما زالَ أصلُه وإنّما زالَ وَصْفُه. ٣٠٦ باب ٤٥-٤٦ / ح ٥٣٣٣ -٥٣٣٥ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن السَّمعانيّ: / الحقُّ أنَّ القياس يقتضي أنَّ الطَّلاق إذا وَقَعَ زالَ النِّكاحُ كالعِتق، لكنَّ الشَرع أثبتَ الرَّجعة في النِّكاح دونَ العِتق فافتَرَقا. ٤٨٤/٩ ٤٥ - باب مُراجعة الحائض ٥٣٣٣- حدَّثنا حَجّاجٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِيرِينَ، حدَّثني يونسُ ابنُ جُبَيٍ: سألتُ ابنَ عمرَ فقال: طَلَّقَ ابنُ عمَرَ امرأتَه وهي حائضٌ، فسألَ عمرُ النبيَّ ◌َِّ قال: مُرْهُ أنْ يُراجِعَها ثمَّ يُطلِّقَ من قُبُلِ عِدَّتِها)) قلتُ: أَفْتَعْتَدُّ بتلكَ التَّطْلِيقةِ؟ قال: أَرأَيتَ إن عَجَزَ واستَحْمَقَ! قوله: ((باب مُراجَعة الحائض)) ذكر فيه حديث ابن عمر في ذلك، وهو ظاهرٌ فيما تَرجَمَ له، وقد تقدَّم شرحه مُستَوقّى في أوائل الطَّلاق (٥٢٥١). ٤٦ - بابٌ تُحِدّ المتوفَّ عنها أربعة أشهر وعشراً وقال الزُّهْريُّ: لا أَرَى أن تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ المتوَلَّى عنها الطِّيبَ لأنَّ عليها العِدّةَ. ٥٣٣٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرِ بنِ محمَّدِ بنِ عَمْرِو ابن حَزْمٍ، عن مُميدٍ بنِ نافعٍ، عن زينبَ بنتٍ أَبي سَلَمَةَ، أنَّها أخبَرَتُهُ هذه الأحاديثَ الثَّلاثة: قالت زينبُ: دَخَلْتُ على أمِّ حَبيبةَ زوجِ النبيِّ ◌َِّ حِينَ تُوقِّيَ أبوها أبو سفيانَ بنُ حَرْبٍ، فَدَعَت أمُّ حبيبةَ بطِيبٍ فيه صُفْرَةُ خَلُوقٍ أو غيرِهِ، فَدَهَنَت منه جاريةً ثُمَّ مَسَّت بعارِضَيها، ثمَّ قالت: والله ما لي بالطِّيبِ من حاجةٍ غيرَ أنّي سمعتُ رسولَ اللهِّهِ يقول: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ أن تُحِدَّ على مَيِّتٍ فوقَ ثلاثٍ لَيَالٍ إِلّا على زوجٍ، أربعةَ أشهُرٍ وعَشْراً). ٥٣٣٥ - قالت زينبُ: فدَخَلْتُ على زينبَ بنت جَحْشٍ حينَ تُونِّيَ أَخُوها، فَلَعَت بطِيبٍ فَمَسَّت منه، ثمَّ قالت: أَمَا والله ما لي بالطِّيبِ من حاجةٍ، غيرَ أتّ سمعتُ رسولَ الله ◌َلا يقول على المِنْرِ: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ أن تُحِدَّ على مَيِّتٍ فوقَ ثلاثِ لَيَالٍ إلّا على زوج، أربعةً أشهُرٍ وعَشْراً)). ٣٠٧ باب ٤٦ / ح ٥٣٣٦-٥٣٣٧ كتاب الطلاق ٥٣٣٦ - قالت زينبُ: وسمعتُ أمَّ سَلَمَةَ تقولُ: جاءتِ امرأةٌ إلى رسولِ الله وَلِّ فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ ابَتَي تُوفِّيَ عنها زوجُها وقَدِ اشْتَكَت عينُها، أَفْتَكْحُلُها؟ فقال رسولُ الله وَالَ: ((لا)) مرَّتَينٍ أو ثلاثاً، كلَّ ذلك يقول: ((لا))، ثُمَّ قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إنَّما هي أربعةَ أشهُرِ وعشراً، وقد كانت إحداكُنَّ في الجاهليّةِ تَرْمي بالبَعْرةِ على رأسِ الحَوْلِ)). [طرفاه في: ٥٣٣٨، ٥٧٠٦] ٥٣٣٧- قال مُميدٌ: فقلتُ لِزينبَ: وما تَرْمي بالبَعْرةِ على رأسِ الحَوْلِ؟ فقالت زينبُ: كانتِ المرأةُ إذا تُوقِّيَ عنها زوجُها دَخَلَت حِفْشاً، ولَبِسَت شَرَّ ثِياسِها، ولم تَسَّ طِباً حتَّى تَهُرَّ بها سَنةٌ، ثمَّ تُؤْنَى بدايّةٍ: حِمارٍ أو شاةٍ أو طائرٍ، فتَقْتَضُّ به، فقَلَّمَا تَفْتَضُّ بشيءٍ إلّا ماتَ، ثمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرةً فَتَرمي بها، ثمَّ تُراجِعُ بَعْدُ ما شاءَت من طِيبٍ أو غيرِهِ. سُئلَ مالكٌ: ما تَفْتَضُّ به؟ قال: تَمْسَحُ به جِلْدَها. قوله: ((باب تُحِدّ) بضمٍّ أوَّله وكسر ثانِيه من الرُّباعيّ، ويجوز بفتحةٍ ثُمَّ ضَمّةٍ من الثّلاثيّ، ٤٨٥/٩ وقد تقدَّم بيان ذلك في ((باب إحداد المرأة على غير زوجها)) من كتاب الجنائز (١٢٨٠). قال أهل اللُّغة: أصل الإحداد: المَنْعُ، ومنه سُمّيَ البَوَّاب حَدّاداً لِمَنْعِهِ الدّاخَلَ، وسُمّيَت العُقوبة حَدّاً لأنَّها تَردَع عن المعصية. وقال ابن دَرَستويه: معنى الإحداد: مَنْعُ المعتَدّة نفسَها الزِّينَةَ وبَدَتَها الطِّيبَ، ومَنْعَ الخُطّاب خِطِبَتها والطَّمَعَ فيها كما مَنَعَ الحدُّ المعصيةَ. وقال الفَرّاء: سُمّيَ الحديد حديداً للامتناع به أو لامتناعِه على مُحاوِلِهِ، ومنه: تَحديدُ النَّظَر بمعنی امتناع تَقُلُّبه في الجهات. ! ويُروَى بالجيم، حكاه الخطَّبيُّ، قال: يُروَى بالحاءِ والجيم، وبالحاءِ أشهَر، والجيم مأْخُوذَةٌ من جَدَدتُ الشَّيءَ: إذا قَطَعتَه، فكأنَّ المرأة انقَطَعَت عن الزّينة. وقال أبو حاتم: أنكَرَ الأصمَعِيّ ((حَدَّت)) ولم يَعرِف إلّا ((أحدَّت)). وقال الفَرّاء: كان القُدَماء يُؤثرونَ ((أحدَّت)» والأُخرى أكثر ما في كلام العرب. ٣٠٨ باب ٤٦ / ح ٥٣٣٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال الزُّهْريُّ: لا أرَى أن تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ (١) الطِّيبَ)) أي: إذا كانت ذاتَ زوجٍ فمات عنها. وقوله: ((لأنَّ عليها العِدّة)) أظنّه من تَصَرُّف المصنّف، فإنَّ أثر الزُّهْرِيِّ وَصَلَه ابن وَهْب في (موطَّئِه)) عن يونس عنه بدونها، وأصله عند عبد الرَّزّاق(٢) عن مَعمَر عنه باختصارٍ. وفي التَّعليل إشارةٌ إلى أنَّ سبب إلحاق الصَّبيّة بالبالغ في الإحداد وُجُوبُ العِدّة على كلِّ منهما اتِّفاقاً، وبذلك احتَجَّ الشافعيّ أيضاً، واحتَجَّ أيضاً بأنَّه يَحُم العَقْد عليها بل خِطبَتها في العِدّة، واحتَجَّ غيره بقولِه في حديث أمّ سَلَمَةَ في الباب: ((أَفْنَكحُلُها))(٣)، فإنَّه يُشعِر بأنَّهَا كانت صغيرةً، إذ لو كانت كبيرةً لَقالت: أفتَكتَحِل هيَ؟ وفي الاستدلال به نظرٌ، لاحتمال أن يكون معنى قولها: ((أفنَكحُلُها)) أي: أفنُمَكِّنها من الاكتحال. قوله: ((عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمَةَ)) أي: ابن عبد الأَسَد: وهي بنت أمّ سَلَمَةَ زوج النبيِّ ◌ََّ، وهي رَبِيبة النبيِّ وَّ﴿ِ. وَزَعَمَ ابن التِّين أنَّها لا رواية لها عن رسول الله ◌َلاَّ، كذا قال! وقد أخرج لها مسلم (٢١٤٢) حديثها: كان اسمي بَرّةَ فسَّاني رسولُ اللهِوَّوزينبَ، الحديث(٤)، وأخرج لها البخاريُّ حديثاً تقدَّم في أوائل السِّيرة النبويَّة (٣٤٩٢). قوله: ((أنَّها أخبَرَتْهُ هذه الأحاديث الثَّلاثة)» تقدَّم منها الحديثان الأوَّلان في كتاب الجنائز (١) ثبت بعدها في اليونينية عبارة: المتوفى عنها. دون حكاية خلاف في ثبوتها بين رواة البخاري، وهي في الأصل الخطي الذي عندنا برواية أبي ذرِّ الهروي، وسقطت من أصولنا الثلاثة ومن (س)، وكلام الحافظ في بيان قول الزهري يقتضي سقوطها من الأصل الذي اعتمده من البخاري، مع أنه أثبتها في ((تغليق التعليق)) ٤٧٩/٤. (٢) هو في ((المصنف)) في عدة مواضع منها برقم (١٢١٠٨) و(١٢١١٧) و(١٢١٢١) ولكن دون تخصيص الصبية بذلك. (٣) كذا وقعت الرواية للحافظ حسب ما يدل عليه كلامه، يعني بنون المتكلم، مع أن الذي في اليونينية: أفتكحُلُها، بتاء المفردة الغائبة. دون حكاية خلاف بين رواة الصحيح. قلنا: والرواية التي بالنون وقعت عند مسلم برقم (١٤٨٨)، وأبي داود برقم (٢٢٩٩)، والترمذي برقم (١١٩٧). وقال العظيم آبادي في ((عون المعبود» ٢٨٧/٦ بعد ذكره لرواية النون: وفي بعضها ((أفتكحلها)) بتاء التأنيث والضمير البارز إليها أو إلى عينها. (٤) وستأتي قصة تسمية رسول الله و سلام لها زينب عند البخاري برقم (٦١٩٢) ولكن من حديث أبي هريرة . ٣٠٩ باب ٤٦ / ح ٥٣٣٧ كتاب الطلاق (١٢٨٠/ ١٢٨٢) معَ كثيرٍ من شرحهما، والكلام على قوله في الأوَّل حين تُوُفِيَ أبوها، وفي الثّاني حين تُوُقَّّ أخوها، وأنَّه سُمّيَ في بعض ((الموطَّات)) عبدَ الله، وكذا هو في صحيح ابن حِبّان (٤٣٠٤) من طريق أبي مُصعَب، وأنَّ المعروف أنَّ عبد الله بن جَحش قُتِلَ بأُحُدٍ شهيداً وزينبُ بنت أبي سَلَمةَ يومَئذٍ طِفلة، فيَستَحيل أن تكون دَخَلَت على زينب بنت جَحْش في تلكَ الحالة، وأنَّه يجوز أن يكون عُبيدَ الله المصغَّر، فإنَّ دخولَ زينب بنت أبي سَلَمَةَ عند بلوغ الخبر إلى المدينة بوفاته كان وهي تُميِّزة، وأن يكون أبا أحمد بن جَحش، فإنَّ اسمه ((عَبدٌ)) بغير إضافة لأنَّه ماتَ في خلافة عمر، فيجوز أن يكون ماتَ قبل زينب، لكن وَرَدَ ما يدلّ على أنَّه حَضَرَ دَفْنَها، ويَلَزَم على الأمرَينِ أن يكون وَقَعَ في الاسم تغييرٌ، أو المِيِّت كان أخا زينب بنت جَحْش من أمّها أو من الرَّضاعة. قوله: ((لا يَحِلّ)) استُدِلَّ به على تحريم الإحداد على غير الزَّوج، وهو واضحٌ، وعلى وجوب الإحداد المدّةَ المذكورةَ على الزَّوج. واستُشكِلَ بأنَّ الاستثناء وَقَعَ بعد النَّفي، فيدلُّ على الحِلّ فوق الثلاث على الزَّوج لا على الوجوب، وأُجيب بأنَّ الوجوب استُفيدَ من دليل آخر / كالإجماع، ورُدَّ بأنَّ المنقول عن الحسن البصريّ أنَّ الإحداد لا يَجِبُ، أخرجه ابن أبي ٤٨٦/٩ شَيْبة(١)، ونَقَلَ الْخَلّال بسندِه عن أحمد، عن هُشَيم، عن داود، عن الشَّعبيّ: أنَّه كان لا يَعِرِف الإحداد، قال أحمد: ما كان بالعراق أشدّ تَبَخُّراً من هذَينٍ - يعني الحسن والشَّعبيّ - قال: وخَفيَ ذلك عليهما. انتهى، ومُحَالَفَتهما لا تَقَدَح في الاحتجاج وإن كان فيها رَدُّ على مَن اذَّعَى الإجماع. وفي أَثر الشَّعبيِّ تَعقُّبٌ على ابن المنذر حيثُ نَفَى الخلاف في المسألة إلّا عن الحسن. وأيضاً فحديث التي شَكَت عَينَها - وهو ثالث أحاديث الباب - دالّ على الوجوب، وإلّا لم يَمْتَنِعِ التَّداوي المباح، وأُجيب أيضاً بأنَّ السّياق يدلّ على الوجوب، فإنَّ كلَّ ما مُنِعَ منه إذا دَلَّ دليلٌ على جوازه كان ذلك الدَّليل دالًّا بعينِه على الوجوب، كالخِتان والزّيادة على الرُّكوع في الكُسوف ونحو ذلك. (١) في ((المصنف)) ٢٨١/٥، ولفظه عنه: أنه كان لا يرى الإحداد شيئاً. ٣١٠ باب ٤٦ / ح ٥٣٣٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((لامرأةٍ)) تَمَسَّكَ بمفهومِه الحنفيَّة فقالوا: لا يَجب الإحداد على الصَّغيرة، وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليها كما تَجبُ العِدّة، وأجابوا عن التَّقييد بالمرأة أنَّه خَرَجَ تَخَرَج الغالب، وعن كونها غير مُكلَّفة بأنَّ الوَلِيَّ هو المخاطَب بمَنعِها ممّا تُمنَع منه المعتَدّة، ودَخَلَ في عُموم قوله: ((امرأة )) المدخولُ بها وغيرُ المدخول بها، حُرّةً كانت أو أَمةً ولو كانت مُبَعَّضَةً(١) أو مُكاتَبَةً، أو أُمَّ ولدٍ إذا ماتَ عنها زوجُها لا سَيِّدُها لتقييدِه بالزَّوجِ في الخبر خلافاً للحَنفيَّة. قوله: ((تُؤْمِن بالله واليوم الآخِرِ)) استَدَلَّ به الحنفيّة بأنْ لا إحدادَ على الذِّمّيَّة للتَّقييدِ بالإيمان، وبه قال بعض المالكيَّة وأبو ثور، وتَرجَمَ عليه النَّسائيُّ بذلك(٣)، وأجابَ الجمهور بأنَّه ذُكِرَ تأكيداً للمُبالَغة في الزَّجر فلا مفهوم له، كما يقال: هذا طريق المسلمينَ، وقد يَسلُكُه غيرُهم. وأيضاً فالإحداد من حَقّ الَّوج، وهو مُلتَحِقٌ بالعِدّة في حِفظ النَّسَب، فَتَدخُل الكافرة في ذلك بالمعنى كما دَخَلَ الكافر في النَّهي عن السَّوْم على سَوْمٍ أَخيه، ولأَنَّه حَقّ للزَّوجيَّة فأشبَهَ النَّفَقةَ والسُّكنَى. ونَقَلَ السُّبكيّ في فتاويه عن بعضهم: أنَّ الذِّمَّيَّة داخلةٌ في قوله: ((تُؤمِن بالله واليوم الآخِرِ)) ورَدَّ على قائله وبيَّن فساد شُبهَته فأجادَ. وقال النَّوَويّ: فُيِّدَ بَوَصفِ الإيمان لأنَّ المتَّصِف به هو الذي يَنقاد للشَّرع. قال ابن دقيق العيد: والأوَّل أَولى، وفي روايةٍ عند المالكيَّةِ: أنَّ الذِّمَيَّة المتوَلَّى عنها تَعتَدّ بالأَقراء، قال ابن العربيّ: هو قول مَن قال: لا إحدادَ عليها. قوله: ((على ميِّت)) استُدِلَّ به لمن قال: لا إحدادَ على امرأة المفقود، لأَنَّه لم تَتَحقَّق وفاتُه خلافاً للمالكيَّة. قوله: ((إلّا على زوج)) أُخِذَ من هذا الحَصْر أنْ لا يُزاد على الثلاث في غير الَّوج، أباً كان (١) الأَمَةُ المُبَعَّضة: هي التي بعضها مُعتَق وبعضها رقيق. (٢) وهو الباب التاسع والخمسون: ((باب سقوط الإحداد عن الكتابية المتوفى عنها زوجها)) من كتاب الطلاق. ٣١١ باب ٤٦ / ح ٥٣٣٧ كتاب الطلاق أو غيرَه، وأمَّا ما أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (٤٠٩) من رواية عَمْرو بن شُعَيب: أنَّ النبيَّ وَله خَصَّ للمرأة أن تَحُدّ على أبيها سبعةَ أيام، وعلى مَن سِواه ثلاثةَ أيام. فلو صَحَّ لكان خُصوص الأب يَخْرُج من هذا العُموم، لكنَّه مُرسَل أو مُعضَل، لأنَّ جُلّ رواية عَمْرو بن شُعَيب عن التابعينَ ولم يَروِ عن أحد من الصَّحابة إلّا الشَّيءَ اليسيرَ عن بعض صِغار الصَّحابة. ووَهمَ بعض الشُّرّاح فتَعَقَّبَ على أبي داود تخريجه في ((المراسيل)) فقال: عَمْرو بن شُعَيب ليس تابعّاً فلا يُخرَّجُ حديثُه في المراسيل، وهذا تَعقُّبٌ مَردودٌ لمَا قلناه، ولاحتمال أن يكون أبو داود كان لا يَخُصّ المراسيل برواية التابعيّ كما هو منقولٌ عن غيره أيضاً. واستُدِلَّ به للأصحِّ عند الشافعيَّة في أنْ لا إحدادَ على المطلّقة، فأمَّا الرَّجعيَّة فلا إحدادَ عليها إجماعاً، وإنَّما الاختلاف في البائن، فقال الجمهور: لا إحدادَ، وقالت الحنفيّة وأبو عُبيد وأبو ثور: عليها الإحداد قياساً على المتوَلَّى عنها، وبه قال بعض الشافعيَّة والمالكيَّة. واحتَجَّ الأوَّلونَ بأنَّ الإحداد شُرعَ لأنَّ تَركَه من التطيُّب والتلُبُّسِ والتَّزيُّنِ يَدعُو إلى الجِماع، فمُنِعَت المرأة منه زَجراً لها عن ذلك، فكان ذلك ظاهراً في حَقِّ المَيِّت لأنَّه يَمنَعه الموتُ عن مَنع المعتَدّة منه عن التَّزويج ولا تُراعِيه هي ولا تَخاف منه، بخلاف المطلِّق الحيّ في كلِّ ذلك، ومن ثَمَّ وَجَبَت العِدّة على / كلّ مُتَوَّ عنها وإن لم تكن مَدخولاً بها، بخلاف ٤٨٧/٩ المطلّقة قبل الدُّخول فلا إحدادَ عليها اتِّفاقاً، وبأنَّ المطلّقة البائن يُمكِنِها العَوْد إلى الَّوج بعَينِهِ بِعَقدٍ جَديد، وتُعقِّبَ بأنَّ الملاعَنة لا إحدادَ عليها، وأُجيبَ بأنَّ تَركَه لِفِقدان الَّوجِ بعَينِه لا لِفِقدان الَّوجیَّة. واستُدِلَّ به على جواز الإحداد على غير الَّوج من قريبٍ ونحوِه ثلاثَ لَيالٍ فما دُونَها، وتحريمه فيما زاد عليها، وكأنَّ هذا القَدر أُبِيحَ لأجلِ حَظّ النَّس ومُراعاتها وغَلَبة الطِّباع البشريّة، ولهذا تَناوَلَت أمّ حبيبة وزينب بنت جَحْش رضي الله عنهما الطِّيبَ لتَخرُجا عن عُهدة الإحداد، وصَرَّحَت كلٌّ منهما بأنَّها لم تَتَطَيَّب لحاجةٍ، إشارةً إلى أنَّ آثار الحُزن باقيةٌ عندها، لكنَّها لم يَسَعها إلّا امتثالُ الأمر. ٣١٢ باب ٤٦ / ح ٥٣٣٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أربعة أشهُر وعَشْراً)) قيل: الحكمة فيه أنَّ الولد يَتَكامَل تَخليقُه وتُنفَخ فيه الرُّوحِ بعد مُضِيِّ مئةٍ وعشرينَ يوماً، وهي زيادة على أربعة أشهُر بنُقُصان الأهِلّة فجُبرَ الكسر إلى العَقد على طريق الاحتياط، وذُكر العَشْر مؤنَّئاً لإرادة اللَّيالي والمراد معَ أيامها عند الجمهور، فلا تَحِلّ حتَّى تَدخُلِ اللَّيلةُ الحاديةَ عشرة. وعن الأوزاعيِّ وبعض السَّلَف: تَنْقَضي بمُضيِّ اللَّيالي العشر بعد مُضيّ الأشهُر وَحِلّ في أوَّل اليوم العاشر، واستُثنيَت الحامل كما تقدَّم شرح حالِها قبلُ في الكلام على حديث سُبيعة بنت الحارث (٥٣١٩)، وقد وَرَدَ في حديث قويِّ الإسناد أخرجه أحمد (٢٧٠٨٣) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٣١٤٨) عن أسماء بنت عُمَيسٍ قالت: دَخَلَ عليَّ رسول الله وَّل اليوم الثّالث من قَتْل جعفرٍ - أي: ابن أبي طالب - فقال: ((لا تُحِدّي بعدَ يومِك)) هذا لفظ أحمد، وفي رواية له (٢٧٤٦٨) ولابنِ حِبّان (٣١٤٨) والطَّحاويّ (٧٥/٣): لمَّا أُصيبَ جعفرٌ أتانا النبيُّ ◌َّهِفقال: ((تَسَلَّبِي(١) ثلاثاً ثمَّ اصنعي ما شِئت)). قال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)»: ظاهره أنَّه لا يجب الإحداد على المتوَلَّى عنها بعد اليوم الثّالث، لأنَّ أسماء بنت عُمَيسٍ كانت زوجَ جعفر بن أبي طالب بالاتِّفاق، وهي والدة أولادِه: عبد الله ومحمَّد وعَون وغيرهم، قال: بل ظاهر النَّهي أنَّ الإحداد لا يجوز، وأجابَ بأنَّ هذا الحديث شاذٌّ مخالفٌ للأحاديثِ الصَّحيحة، وقد أجمعوا على خلافه. قال: ويحتمل أن يقال: إنَّ جعفراً قُتِلَ شهيداً والشُّهَداء أحياءٌ عند رَبّهم. قال: وهذا ضعيف، لأنّه لم يُرِد في حَقِّ غیرٍ جعفٍ من الشُّهَداء مَمَّن قُطِعَ بأَّهم شُهَداء كما قُطِعَ لجعفرِ كحمزة بن عبد المطَّلِب عَمِّه وكعبد الله بن عَمْرو بن حرام والد جابر. انتهى كلام شيخنا مُلشَّصاً. وأجابَ الطَّحاويُّ بأنَّه منسوخ، وأنَّ الإحداد كان على المعتَدّة في بعض عِدَّتها في وقتٍ، ثمَّ أُمِرَت بالإحدادِ أربعةَ أشهُر وعشراً، ثمَّ ساقَ أحاديث الباب وليس فيها ما يدلّ على ما ادَّعاه (١) قوله: ((تسلَّبي)) أي: البسي ثوب الحداد: وهو السِّلاب، والجمع: سُلُب. وقيل: هو ثوب أسود تُغطي به المُحِدُّ رأسها. انظر ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير مادة (سلب). وقد تحرَّف في ((شرح معاني الآثار)) إلى: (تسكني))، وعند ابن حبان إلى: ((تسلمي)) وسيشير الحافظ إلى هذه اللفظة فيما سيأتي من شرحه هنا. ٣١٣ باب ٤٦ / ح ٥٣٣٧ كتاب الطلاق من النَّسخ، لكنَّه يُكثِر من ادِّعاء النَّسخ بالاحتمال فجَرَى على عادته. ويحتمل وراء ذلك أجوبة أُخرَى: أحدها: أن يكون المراد بالإحدادِ المقَيَّد بالثلاثِ: قَدْراً زائداً على الإحداد المعروف فعَلَته أسماءُ مُبالَغةً في حُزْنها على جعفر، فنَهاها عن ذلك بعدَ الثلاث. ثانيها: أنَّها كانت حاملاً فوَضَعَت بعد ثلاثٍ فانقَضَتِ العِدّةُ، فنَهاها بعدها عن الإحداد، ولا يَمنَعَ ذلك قوله في الرِّواية الأُخرى: ((ثلاثاً)) لأنَّه يُحمَلُ على أنَّه ◌َاطَّلَعَ على أنَّ عِدَّتها تَنقَضي عند الثلاث. ثالثها: لعلَّه كان أباتَها بالطَّلاق قبلَ استشهاده، فلم يكن عليها إحدادٌ. رابعها: أنَّ البيهقيَّ(١) أعَلَّ الحديث بالانقطاع فقال: لم يَثْبُت سماع عبد الله بن شَدَّاد من أسماء. وهذا تعليل مدفوع، فقد صَحَّحَه أحمد لكنَّه قال: إنَّه مخالف للأحاديثِ الصَّحيحة في الإحداد، قلت: وهو مَصيرٌ منه إلى أنَّه يُعِلُّه بالشُّذوذِ. وذكر الأثرَم أنَّ أحمد سُئلَ عن حديث حَنظَلة عن سالم عن ابن عمر رَفَعَه: ((لا إحدادَ فوقَ ثلاث))(٢) فقال: هذا مُنگر، والمعروف عن ابن عمر من رأیه. انتهى، وهذا يحتمل أن يكون لغیر المرأة المعتَدّة فلا نَكارة فيه، بخلاف حديث أسماء، والله أعلم. وأغرَبَ ابن / حِبّان فساقَ الحديث بلفظ: (تَسَلَّمي)) بالميم بَدَل الموخَّدة وفَسَّرَه بأنَّه ٤٨٨/٩ أمَرَها بالتَّسليمِ لأمرِ الله، ولا مفهوم لتقييدِها بالثلاثِ بل الحكمة فيه كون القَلَق یکون في ابتداء الأمر أشدَّ، فلذلك قَيَّدَها بالثلاث، هذا معنى كلامه، فصَحَّفَ الكلمة وتَكلَّفَ التأويلِها. وقد وَقَعَ في رواية البيهقيِّ (٤٣٨/٧) وغيره: فَأَمَرَني رسول اللهِ وَّهِ أَن أَتَسَلَّب ثلاثاً. فتَبَّنْ خَطَؤُه. قوله: ((قالت زينب: وسَمعتُ أَمَّ سَلَمَةَ)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور وهو الحديث الثّالث، (١) في ((السنن الكبرى)) ٤٣٨/٧. (٢) ذكره العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) ٢٦٨/١ (٣٣٠). ٣١٤ باب ٤٦ / ح ٥٣٣٧ فتح الباري بشرح البخاري ووَقَعَ في ((الموطَّأ)» (٢/ ٥٩٧): سمعتُ أُمّي أمَّ سَلَمَةَ. زاد عبد الرَّزّاق (١٢١٣) عن مالك: بنت أبي أُميَّة زوج النبيِّ وَله. قوله: ((جاءت امرأة)» زاد النَّسائيُّ (٣٥٣٨) من طريق اللَّيث [عن أيوب بن موسى] (١) عن ◌ُميد بن نافع: من قُریش. وسَمّها ابن وَهْب في (موطَّئِهِ))، وأخرجه إسماعيل القاضي في ((أحكامه)) من طريقه(٢) عاتكة بنت نُعَيم بن عبد الله، أخرجه ابن وَهْب [عن ابن لَهِيعة](٣) عن أبي الأسوَد النَّوفَلي عن القاسم بن محمَّد، عن زينب، عن أمّها أمِّ سَلَمَةَ: أنَّ عاتكة بنت نُعَيم بن عبد الله أتت تَستَفتي رسولَ الله وَّه، فقالت: إنَّ ابنَتي تُوُقِّ عنها زوجُها وكانت تحت المغيرة المخزوميِّ، وهي تُحِدّ وتَشتَكي عَينَها، الحديث، وهكذا أخرجه الطبرانيُّ (٨١٨/٢٣) من رواية عِمران بن هارون الرَّمليّ عن ابن لَهِيعة، لكنَّه قال: بنت نُعَيم، ولم يُسمِّها، وأخرجه ابن مَندَهْ في ((المعرفة)) من طريق عثمان بن صالح عن عبد الله بن عُقْبة، عن محمّد بن عبد الرَّحمن، عن محُميدٍ بن نافع، عن زينب، عن أمّها، عن عاتكة بنت نُعَيم ◌ُخت عبد الله بن نُعَيم جاءت إلى رسول الله وَ لَه فقالت: إنَّ ابْتَها تُؤُلِّيَّ زوجها، الحديث. وعبد الله بن عُقْبة: هو ابن لَهِيعة نُسِبَ لجدِّه، ومحمَّد بنُ عبد الرّحمن: هو أبو الأسوَد، فإن كان محفوظاً فلابنٍ لَهیعة طريقان. ولم تُسمَّ البنتُ التي تُؤُقّ زوجُها ولم تُنسَب فيما وقَفْتُ عليه. وأمَّا المغيرة المخزوميّ فلم أقِفْ على اسم أبيه، وقد أغفَلَه ابن مَندَهْ في الصَّحابة، وكذا أبو موسى في الذَّيل عليه، وكذا (١) ما بين المعقوفين سقط من الأصول و(س)، وهو ثابت في رواية الليث المذكورة عند جميع من خرّجه من طريقه، بل لا توجد لليث رواية عن حميد بن نافع مباشرة. (٢) وكذلك رواه سحنون في ((المدونة)) ١٦/٢ عن ابن وهب، لكنه قال في روايته: ابنة نعيم بن عبد الله العَدَوي، ولم يُسمِّها، وكذلك أخرجه ابن بَشكُوَال في ((غوامض الأسماء المبهمة)) ٣٥٣/١ من طريق ابن وهب. (٣) ما بين معقوفين سقط من الأصول و(س)، وهو ثابت في رواية ابن وهب، وقول الحافظ قريباً أن لابن لهيعة فيه طريقين، يدل على أنه سقط من قلمه سهواً، والله أعلم. ٣١٥ باب ٤٦ / ح ٥٣٣٧ كتاب الطلاق ابن عبد البَرّ، لكن استَدرَكَه ابن فَتْحُونَ(١) علیه. قوله: ((وقد اشتكَت عينها)) قال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان: ضَمّ النُّون على الفاعليَّة على أن تكون العين هي المشتكية، وفَتحُها على أن يكون في ((اشتَگت)) ضمير الفاعل وهي المرأة، وَرَجَّحَ هذا، ووَقَعَ في بعض الرِّوايات ((عيناها)) يعني: وهو يُرجِّح الضَّمّ، وهذه الرِّواية في مسلم(٢)، وعلى الضَّمّ اقْتَصَرَ النَّوَويّ وهو الأرجَح، والذي رَجَّحَ الأوَّل هو المنذريّ(٣). قوله: ((أفَتَكْخُلُها))(٤) بضمِّ الحاء. قوله: ((لا، مرَّتَينِ أو ثلاثاً كلُّ ذلك يقول: لا)) في رواية شُعْبة عن حُميدٍ بن نافع فقال: ((لا تَکتَحِل)). قال النَّوَويّ: فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادّة سواء احتاجَت إليه أم لا. وجاء في حديث أمّ سَلَمَةَ في ((الموطَّأ)) (٥٩٨/٢) وغيره: ((اجعَليهِ باللَّيْلِ وامسَحِيه بالنَّهار))، ووجه الجمع أنَّها إذا لم تحتج إليه لا يَحِلّ، وإذا احتاجَت لم يَجُزْ بالنَّهار ويجوز باللَيلِ معَ أنَّ الأَولِى تَرْكُه، فإن فعَلَت مَسَحَته بالنَّهار. قال: وتأوَّلَ بعضهم حديث الباب على أنَّه لم يَتَحقَّق الخوفُ على عَينها. وتُعقِّبَ بأنَّ في حديث شُعْبة المذكور: ((فخَشُوا على عينها))، وفي رواية ابن مَندَهْ المقدَّم ذِكْرُها: ((رَمِدَت رَمَداً شديداً وقد خَشَيَت على بَصَرها))، وفي رواية الطبرانيّ (٨١٨/٢٣): أنَّها (١) هو محمد بن خلف بن سليمان بن فتحون الأندلسي، أبو بكر، له كتاب استدرك فیه علی کتاب ((الاستيعاب)) لابن عبد البر، له ترجمة في ((الصلة)) لابن بشكوال ٢/ ٥٧٧. (٢) ذكر النووي في شرحه لمسلم ١١٣/١٠: أنها وقعت في بعض الأصول، قلنا: كذلك وقعت الرواية في ((الموطأ) برواية أبي مصعب الزهري (١٧١٩)، ومن طريقه ابن حبان (٤٣٠٤). (٣) يعني رجّح النصب، وكذلك رجحه الحريري في ((دُرَّة الغوّاص)) برقم (١٢٠). (٤) هي بالنون بعد الفاء في الرواية التي وقعت للحافظ كما أوضحناه عند شرح كلام الزهري في الترجمة. وتؤيده رواية الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (١١٤٢)، وابن حزم في ((المحلى)) ٢٧٦/١٠ بلفظ: أفأكحلها. ٣١٦ باب ٤٦ / ح ٥٣٣٧ فتح الباري بشرح البخاري قالت في المرّة الثّانية: إنَّها تَشتَكي عينها فوق ما يُظنّ، فقال: ((لا))، وفي رواية لِقاسم بن أصبَغ أخرجها ابن حَزْم (٢٧٦/١٠) (١): إنّي أخشَى أن تَنفَقِئ عينها، قال: ((لا، وإن انفَقَأَتْ)) وسندُه صحيح. وبمِثلِ ذلك أفتَت أسماء بنت عُمَيسٍ (٢)، أخرجه ابن أبي شَيْبة، وبهذا قال مالكٌ في رواية عنه بمَنعِه مُطلَقاً، وعنه: يجوز إذا خافَت على عَينها بما لا طِيبَ فيه، وبه قال الشافعيَّة مُقيّداً باللَّيل، وأجابوا عن قصَّة المرأة باحتمال أنَّه كان يَحَصُل لها البُرْء بغير الكُحْل كالتَّضميدِ بالصَّيِ ونحوِهِ، وقد أخرج ابن أبي شَيْبة (٢٠٥/٥) عن صَفيَّة بنت أبي عُبيد: أنَّها أَحَدَّت على ابن عمر فلم تَكتَحِل حتَّى كادَت عيناها تَزیغان، فكانت تَقطُّر فيهما الصَّبِرَ. ومنهم مَن تأوَّلَ النَّهيَ على كُحْلٍ مخصوصٍ، وهو ما يقتضي التَّزُيُّنَ به، لأنَّ مَحْضَ / التَّداوي قد يَصُل بما لا زينةً فیه فلم يَنخَصِر فیما فيهزِينٌ. ٤٨٩/٩ وقالت طائفة من العلماء: يجوز ذلك ولو كان فيه طِيبٌ، وَلوا النَّهيَ على التَّنزيه جمعاً بين الأدلّة. قوله: ((إنَّما هي أربعةَ أشهُر وعَشْراً)) كذا في الأصل بالنَّصب على حكاية لفظ القرآن، ولبعضِهم بالرَّفع وهو واضح. قال ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى تقليل المدّة بالنِّسبة لما كان قبل ذلك وتَهوين الصَّبر عليها، ولهذا قال بعده: ((وقد كانت إحداكُنَّ في الجاهليّة تَرمي بالبَعرة على رأس الحَوْل)). وفي التَّقييد بالجاهليَّة إشارة إلى أنَّ الحُكم في الإسلام صارَ بخلافه، وهو كذلك بالنِّسبة لمَا وُصِفَ من الصَّنيع، لكنَّ التَّقدير بالْحَوْلِ استَمَرَّ في الإسلام بنَصِّ قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِم مَّتَدعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، ثمَّ نُسِخَت بالآية التي قبلُ وهي: ﴿يَتَّيَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. (١) وأخرجها قبله الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (١١٤٢). (٢) كذا قال الحافظ، وهو وهم منه رحمه الله، لأن الذي في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٠٥/٥ أن المفتية بذلك عائشة، ثم اختلفت نسخ ((المصنف)) في ذكر المستفتية، فوقع في بعضها: أسماء بنت عميس، وفي بعضها الآخر: أمينة بنت عثمان، أو أمة، وفي بعضها: أسماء بنت عثمان. ٣١٧ باب ٤٦ / ح ٥٣٣٧ كتاب الطلاق قوله: ((قال مُميدٌ)) هو ابن نافع راوي الحديث، وهو موصولٌ بالإسناد المُبْدأ به. قوله: ((فقلت لِزينبَ)) هي بنت أبي سَلَمة ((وما تَرْمي بالبَعْرةِ؟)) أي: بَيِّني لي المراد بهذا الكلام الذي خُوطِبَت به هذه المرأة. قوله: ((كانت المرأة إذا تُوُلِّيَّ عنها زوجها دَخَلَت حِفْشاً ... )) إلى آخره، هكذا في هذه الرِّواية لم تُسنِده زينبُ، ووَقَعَ في رواية شُعْبة في الباب الذي يليه مرفوعاً كلُّه لكنَّه باختصار ولفظه: فقال: ((لا تَكتَحِل، قد كانت إحداكُنَّ تَكُث في شَرّ أَحلاِها - أو شَرِّ بيتها - فإذا كان حَوْلٌ فمرَّ كَلبٌ رَمَت بَبَعْرةٍ، فلا حتَّى تَمضي أربعةُ أشهُر وعشرٌ)) وهذا لا يقتضي إدراجَ رواية الباب، لأنَّ شُعْبة من أحفظ الناس، فلا يُقضى على روايته برواية غيره بالاحتمال، ولعلَّ الموقوف ما في رواية الباب من الزّيادة التي ليست في رواية شُعْبة. والحِفْشُ، بكسرِ المهمَلة وسكون الفاء بعدها مُعجمة، فَسَّرَه أبو داود في روايته (٢٢٩٩) من طريق مالك: البيتَ الصَّغير، وعند النَّسائيِّ (٣٥٣٣) من طريق ابن القاسم عن مالك: الحِفش: الخُصّ، بضمِّ المعجَمة بعدها مُهمَلة، وهو أَخَصُّ من الذي قبله. وقال الشافعيّ: الحِفْشُ: البيت الذَّليل الشَّعِث البناء (١). وقيل: هو شيءٌ من خُوص يُشبه القُفّة تَجمَع فيه المعتَدّة مَتاعها من غَزْل ونَحْوِه، وظاهر سياق القصَّة يأبى هذا خصوصاً رواية شُعْبة، وكذا وَقَعَ في رواية للنَّسائيِّ (٣٥٤٠): ((عَمَدَت إلى شَرّ بيتٍ لها فجَلَست فیه)). ولعلَّ أصل الحِفش ما ذُكر ثمَّ استُعمِلَ في البيت الصَّغير الحقير على طريق الاستعارة، والأحلاس في رواية شُعْبة بمُهمَلَتَينِ جمع حِلْس بكسرٍ ثمَّ سكونٍ: وهو الثَّوب أو الكِساء الرَّقيق يكون تحت البَرْذَعة، والمراد أنَّ الراوي شَكَّ في أيِّ اللَّفْظَينِ وَقَعَ وَصْفُ ثيابها أو وَصْفُ مكانها، وقد ذُكِرا معاً في رواية الباب. قوله: ((حتَّى تَمُرَّ بها) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: لها. (١) وأسند الأزهري في ((تهذيب اللغة)) عن الشافعي قوله: هو البيت الذليل القريبُ السَّمْكِ من الأرض ونحو ذلك. ٣١٨ باب ٤٦ / ح ٥٣٣٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ثُمَّ تُؤْتَى بدابّةٍ)) بالتَّنوين ((حِمارٍ)) بالجرِّ والتّنوين على البَدَل. وقوله: ((أو شاة أو طائر)) لِلتَّنويع لا للشَّكّ، وإطلاق الدّابّة على ما ذُكر هو بطريق الحقيقة اللُّغَويَّة لا العُرفِيَّة. قوله: (فتَفْتَضُّ بِهِ)) بفاءٍ ثمَّ مُثنّاة ثمَّ ضاد مُعجَمة ثقيلة، فَسَّرَه مالكٌ في آخر الحديث فقال: تَسَح به جِلْدها. وأَصل الفَضّ: الكَسْرُ، أي: تَكسِر ما كانت فيه وتَخْرُج منه بما تَفعَله بالدّابّة. ووَقَعَ في رواية للنَّسائيِّ(١): تَقِصُ، بقاف ثمَّ موخَّدة ثمَّ مُهمَلة خفيفة، وهي رواية الشافعيّ (٢٤٦/٥)(٢)، والقَبْصُ: الأخذ بأطراف الأنامل. قال الأصبهاني وابن الأثير: هو كِناية عن الإسراع، أي: تذهب بعَدْوٍ وسُرعة إلى مَنزِل أَبَوَيها لكَثْرة حيائها لقُبح مَنظَرها أو لشِدّة شَوقها إلى التَّزويج لبُعدِ عَهْدها به. والباء في قولها: ((به)) سببيَّة. والضَّبط الأوَّل أشھَر. قال ابن قُتَيبة: سألت الحجازيّينَ عن الافتِضاض، فذَكَروا أنَّ المعتَدّة كانت لا تَمَسّ ماءً ولا تُقَلِّم ظُفراً ولا تُزيل شعراً، ثمَّ تَخرُج بعدَ الْحَوْلِ بأقْبَح مَنظَرٍ ثمَّ تَفْتَضّ، أي: تَكسِر ما هي فيه من العِدّة بطائرٍ تَسَح به قُبُلها وتَنِذُه، فلا يَکاد یعیش بعدما تَفْتَضّ به. قلت: وهذا لا يُخالف تفسيرَ مالكٍ، لكنَّه أخصّ منه، لأنَّه أطلقَ الجِلد وتَبيَّن أنَّ المراد به جِلد القُبُل، وقال ابن وَهْب: معناه أنَّهَا تَمَسَح بَيَدِها على الدّابّة وعلى ظَهره. ٤٩٠/٩ وقيل: المراد تَسَح به ثمَّ تَفْتَضّ، أي: تَغْتَسِل، والافتِضاض: الاغتسالُ بالماءِ العَذْب لإزالة الوَسَخ وإرادة النَّقَاء حتَّى تصيرَ بيضاءَ نَقيَّةً كالفِضّة، ومن ثَمَّ قال الأخفَش: معناه تَتَنظَّف فتَتَنَّقَى من الوَسَخ، فتُشبه الفِضّة في نَقائها وبياضها، والغرض بذلك: الإشارة إلى (١) الحديث عند النسائي في ((المجتبى)) (٣٥٣٣)، وفي ((السنن الكبرى)) (٥٦٩٧) من طريق مالك، بلفظ رواية الباب هنا، وفي آخره تفسير مالك أيضاً، وتفسيره يقتضي أنه عند النسائي كما هو هنا عند البخاري بلفظ: تفتضّ، فالله تعالى أعلم. (٢) تصحف في مطبوع ((الأم)) إلى: فتقبض، بالضاد المعجمة، وقد نصَّ غير واحد من العلماء منهم الأزهري في ((الزاهر)) ص٢٢٩. والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٣٨٩) أن رواية الشافعي بالضاد المهمَلَة. ٣١٩ باب ٤٦ / ح ٥٣٣٧ كتاب الطلاق إهلاك ما هي فيه، ومن الرَّمي: الانفصالُ منه بالكُلّيَّة. تنبيه: جَوَّزَ الكِرْمانيُّ أن تكون الباء في قوله: ((فَتَفْتَضّ به)) للتعدِية أو تكون زائدة، أي: تَفتَضّ الطائرَ بأن تَكسِر بعض أعضائه. انتهى، ويَرُدّه ما تقدَّم من تفسير الافتِضاض صريحاً. قوله: ((ثُمَّ تَخْرُج فَتُعْطَى بَعْرة)) بفتح الموخَّدة وسكون المهمَلة، ويجوز فتحها. قوله: ((فترمي بها))(١) في رواية مُطَرِّف وابن الماحِشُون(٢) عن مالك: (تَرمي بَعْرةٍ من بَعْر الغَنَم أو الإبل فتَرمي بها أمامها فيكون ذلك إحلالاً لها)» وفي رواية ابن وَهْب: ((فَتَرمي ببَعْرة من بَعْر الغنم من وَراء ظَهرها»، ووَقَعَ في رواية شُعْبة الآتية: «فإذا كان حولٌ فمرَّ كَلب رَمَت بَبَعْرةٍ» وظاهره أنَّ رَميها البَعرة يَتَوقَّف على مُرور الكَلب، سواءٌ طالَ زمن انتظار مُروره أم قَصُرَ، وبه جَزَمَ بعض الشُّرّاح. وقيل: تَرمي بها مَن عَرَضَ من كَلبٍ أو غيرِه، تُري مَن حَضَرَها أنَّ مُقامها حولاً أهوَن عليها من بَعْرة ترمي بها كلباً أو غيره. وقال عياض: يُمكِن الجمع بأنَّ الكلب إذا مرَّ افتَضَّت به ثمَّ رَمَت البَعرة. قلت: ولا يخفى بُعده، والزّيادة من الثُّقة مقبولة ولا سيّما إذا كان حافظاً، فإنَّه لا مُنافاة بين الرِّوایتَينِ حتَّى يحتاج إلى الجمع. واختُلِفَ في المراد برَمي البَعرة، فقيلَ: هو إشارة إلى أنَّهَا رَمَت العِدّة رَمْيَ الْبَعْرةِ، وقيل: إشارة إلى أنَّ الفِعل الذي فَعَلَته من التَّرَّبُّص والصَّبر على البلاء الذي كانت فيه لمَّا انقَضَى، كان عندها بمَنزِلة البَعرة التي رَمَتها استحقاراً له وتعظيماً لحقِّ زوجها، وقيل: بل تَرمِيها على سبيل التَّفاؤُل بعَدَمِ عَوْدها إلى مِثل ذلك. (١) لفظة ((بها)) ثبتت في أصولنا الثلاثة و(س)، ولم ترد في اليونينية ولا في الأصل الخطي الذي عندنا برواية أبي ذرِّ، وهي ثابتة في ((الموطأ)) برواية يحيى الليثي ٢/ ٥٩٧، وبرواية أبي مصعب الزهري (١٧١٩، وكذا في روایة جمیع من خرّجه من طريق مالك. (٢) مطرِّف المذكور: هو مطرِّف بن عبد الله بن سليمان الأصم، له رواية للموطأ، كما نبه عليه الحافظ عند شرح الحديث (٣٥٣)، وكذلك ابن الماجشون وهو عبد الملك، له رواية للموطأ، كما يدل عليه كلام الدارقطني في ((علله)) (٣٦٧٢) حيث أورده مع أصحاب ((الموطأ)). ٣٢٠ باب ٤٧ / ح ٥٣٣٨ - ٥٣٤٠ فتح الباري بشرح البخاري ٤٧ - باب الكُخْل للحادّة ٥٣٣٨ - حذَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا مُميدُ بنُ نافع، عن زينبَ بنت أُمّ سَلَمةَ عن أمِّها: أنَّ امرأةً تُوفِّيَ زوجُها فخَشُوا عَينَها، فَأَتَوْا رسولَ الله ◌َِّ فَاسْتَأْذُنُوهُ في الكُخْلِ فقال: ((لا تَكْتَحِلْ، قد كانت إحداكُنَّ تَمْكُثُ في شَرِّ أَحلاسِها - أو شَرِّ بَيتِها - فإذا كان حَوْلٌ فمرَّ كَلْبٌ رَمَت بِبَعْرةٍ، فلا حتَّى تَمْضِيَ أربعةُ أشهُرٍ وعَشْرٌ)). ٥٣٣٩ - وسمعتُ زينبَ بنت أبي سَلَمةَ تُحُدِّثُ عن أمّ حبيبةَ، أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال: ((لا يَحِلَّ لامرأةٍ مُسْلمَةٍ تُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ، أن تُحِدَّ فوقَ ثلاثة أيامٍ إلّا على زوجِها، أربعةَ أشهُرٍ وعَشْراً). ٥٣٤٠ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بِشْرٌ، حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ عَلْقمةَ، عن محمَّدِ بنِ سِيرِينَ، قالت أمُّ عَطِيَّةَ: نُبِينا أن نُحِدَّ أكثرَ من ثلاثٍ إلّا بزوجٍ. قوله: ((باب الكُحْل للحادّةِ) كذا وَقَعَ من الثَّلاثيّ، ولو كان من الرُّباعيّ لَقال: المُحِدَّة. قال ابن التِّين: الصَّواب الحادّ بلا هاءٍ، لأَنَّه نَعتُ للمؤنَّثِ كَطالقٍ وحائضٍ. قلت: لكنَّه جائز(١) فلیس بخطأ وإن كان الآخر أرجحَ. ذَكَر فيه حديث أمّ سَلَمةَ الماضي في الباب قبله، وكذا حديث أمّ حبيبة، أورَدَهما من طريق شُعْبة باختصارٍ، وقد تقدَّم ما فيه قبلُ. وقوله: ((لا تَكتَحِلْ)) في رواية المُستَمْلي: «لا تَكَخَّلْ))(٢) بلا تاءِ بين الكاف والحاء. ٤٩١/٩ ثُمَّ أورَدَ حديث أمّ عَطِيَّة مختصراً، وفي الباب الذي يليه مُطوَّلاً. وقوله: ((إلّا بزوج)) في رواية الُشْمِيهنيّ: إلّا على زوجٍ. (١) وكذلك يجوز أن يقال: مُحِدَّة، كما في ((المصباح)) للفيُّومي، وقد ورد أثر صفية بنت أبي عبيد الذي قدم الحافظ ذكره بلفظ: أنها اشتكت عينها، وهي حادة على ابن عمر ... أخرجه بهذا اللفظ عبد الرزاق (١٢١٢٥) من طريق مالك، و(١٢١٢٦) من طريق موسى بن عقبة، كلاهما عن نافع عنها. (٢) في اليونينية ما يدل على أنها للحمُّوِيّ أيضاً.