النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
باب ٣٩ / ح ٥٣٢٠
كتاب الطلاق
فإنَّه حَفِظَ خُطبة النبيِّ وَّهِ في شأن فاطمة الزهراء(١)، وكانت قبل قصَّة سُبيعة، فلعلَّهِ حَضَرَ
قصَّة سُبيعة أيضاً.
قوله في الطَّريق الأولى: ((أنَّ امرأةً من أسلَمَ يقال لها: سُبَيعة)) هي بمُهمَلة وموحَّدة ثمَّ
مُهمَلة، تصغير سَبُع، ووَقَعَ في المغازي (٣٩٩١): سُبَيعة بنت/ الحارث. وذَكَرها ابن سعد ٤٧٢/٩
في المهاجِرات، ووَقَعَ في رواية لابنِ إسحاق عند أحمد (٢٧٤٣٨): سُبيعة بنت أبي بَرْزة
الأَسلَمِيّ(٢). فإن كان محفوظاً فهو أبو بَرزة آخَرُ غير الصَّحابيِّ المشهور، وهو إمّا كُنيةٌ للحارثِ
والدسُبيعة أو نُسِبَت في الرِّواية المذكورة إلى جَدِّها(٣).
قوله: ((كانت تحت زوجها)» تقدَّم في غزوة بدرٍ (٣٩٩١) أيضاً تسميته: سعد بن خَوْلة.
وفيه أنَّه من بني عامر بن لُؤَيّ، وثَبَتَ فيه أنَّه كان من حُلَّفائهم.
قوله: ((تُوُلِّيّ عنها)) تقدَّم هناك أنَّه تُوُنَّ في حَجّة الوَداع، ونَقَلَ ابن عبد البَرّ الاتّفاق
على ذلك، وفي ذلك نظرٌ، فقد ذكر محمَّد بن سعد أنَّه ماتَ قبل الفتح، وذكر الطََّرُّ أنَّه
ماتَ سنةً سبع، وقد ذكرت شيئاً من ذلك في كتاب الوصايا(٤)، وتقدَّم في تفسير الطَّلاق
(٤٩٠٩) أنَّه قُتِلَ، ومُعظَم الرِّوايات على أنَّه ماتَ، وهو المعتمَد، ووَقَعَ للكِرْمانيّ: لعلَّ
سُبيعة قالت: قُتِلَ؛ بناءً على ظنٍّ منها في ذلك، فتَبَيَّ أنَّه لم يُقْتَل، وهذا الجمع يَمُجُّه السَّمِعُ،
وإذا ظنَّت سُبيعة أنَّ قُتِلَ ثمَّ تَبيَّن لها أنَّه لم يُقْتَل، فكيفَ تَّجِزِم بعد دَهر طويل بأنَّ قُتِلَ؟!
فالمعتمَد أنَّ الرِّواية التي فيها قُتِلَ - إن كانت محفوظة - تَرَجَّحَت لأنَّها لا تُنافي ((ماتَ)) أو
(تُؤُنِّ))، وإن لم يكن في نفس الأمر قُتِلَ فهي رواية شاذّة.
قوله: ((فخَطَبَها أبو السَّنابل)) بمُهمَلٍ ونونٍ ثمَّ موخَّدة: جمع سُنْبُلة، اختُلِفَ في اسمه
(١) كما تقدم برقم (٣١١٠).
(٢) لكن أخرجه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٣٢٧٧)، والطحاوي في ((أحكام القرآن)) (١٨٣٢)، والطبراني
في ((الكبير)) ٢٤/ (٧٤٦) من طريق أحمد بن خالد الوهبي عن ابن إسحاق، فقال: سُبيعة بنت الحارث.
(٣) وقع في (ب) و(س): جَدِّ لها.
(٤) في سياق شرحه للحديث رقم (٢٧٤٢).

٢٨٢
باب ٣٩ / ح ٥٣٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
فقيلَ: عَمْرو، قاله ابن البرقيّ عن ابن هشام، عمَّن يثق به، عن الزهريِّ. وقيل: عامر، روي عن
ابن إسحاق، وقيل: حَبّة، بموخَّدة بعد المهمَلة، وقيل: بنونٍ، وقيل: لَبِيدُ رَبِّه، وقيل: أَصرَم،
وقيل: عبد الله، ووَقَعَ في بعض الشُّروح: وقيل: بَغيضٌ. قلت: وهو غَلَطُ والسَّبَب فيه أنَّ
بعض الأئمَّ سُئلَ عن اسمه فقال: بَغيضٌ يسأل عن بَغيض، فظنَّ الشّارح أنَّه اسمُه، وليس
كذلك لأنَّ في بَقَيَّة الخبر اسمُه لَبِيدُ ربِّه، وجَزَمَ العسكريّ بأنَّ اسمَه كُنْيُه.
وبَعْكَك بموخَّدةٍ ثمَّ مُهمَلة ثمَّ كافَينِ بوَزنٍ جعفر، ابن الحارث بن عُمَيلة بن السَّاق
ابن عبد الدّار، کذا نَسَبه ابن إسحاق.
وقيل: هو ابن بَعْكَك بن الحجّاج بن الحارث بن السَّاق، نَقَلَ ذلك عن ابن الكَلْبِيّ
ابنُ عبد البَرّ قال: وكان من المؤلَّفة وسَكَنَ الكوفة، وكان شاعراً.
ونَقَلَ التِّرمِذيّ (١١٩٣) عن البخاريّ أنَّه قال: لا يُعلم أنَّ أبا السّنابل عاشَ بعد النبيِّ وََّ،
كذا قال، لكن جَزَمَ ابن سعد أنَّه بَقِيَ بعد النبيِّ نَّهِ زَمَناً، وقال ابن مَندَهْ في «الصَّحابة»:
عِداده في أهل الكوفة، وكذا قال أبو نُعَيم أنَّه سَكَنَ الكوفة، وفيه نظرٌ، لأنَّ خليفةَ قال:
أقامَ بمَكّة حتَّى ماتَ، وَبعَه ابن عبد البَرّ.
ويُؤَيِّدِ كَونه عاشَ بعد النبيِّ نَّهَ قولُ ابن البَرْقِيّ: إنَّ أبا السَّنابل تزوَّجَ سُبيعة بعد ذلك،
وأَولدَها سنابل بن أبي السّنابل، ومُقتَضَى ذلك أن يكون أبو السّنابل عاشَ بعد النبيِّ وَّه
لأَنَّه وَقَعَ في رواية عبد رَبِّه بن سعيد عن أبي سَلَمةَ(١): أنَّها تزوَّجَت الشّاب، وكذا في رواية
داود بن أبي عاصم(٢): أنَّها تزوَّجَت فتّى من قومها. وتقدَّم أنَّ قِصَّتها كانت بعد حَجّة
الوَداع فيحتاج - إن كان الشّابُّ دَخَلَ عليها ثمَّ طَلَّقَها - إلى زمانٍ عِدّةٍ منه، ثمَّ إلى زمان
الحَمل حتَّى تَضَع وتَلِد سَنابلَ، حتَّى صارَ أبوه يُكْنى به أبا السّنابل، وقد أفادَ محمَّد بن وضّاحِ
فيما حكاه ابن بَشكوالٍ وغيره عنه أنَّ اسم الشّابِّ - الذي خَطَبَ سُبيعة هو وأبو السّنابل، فَآثَرَته
(١) عند مالك ٥٨٩/٢.
(٢) بل في رواية زفر بن أوس بن الحَدَثان عند النسائي (٣٥١٩).

٢٨٣
باب ٣٩ / ح ٥٣٢٠
كتاب الطلاق
على أبي السّنابل - أبو البِشْر بن الحارث، وضَبَطَه بكسرِ الموحَّدة وسكون المعجَمة.
وقد أخرج التِّرمِذيّ (١١٩٣) والنَّسائيُّ (٣٥٠٨) قصَّة سُبيعة من رواية الأسوَد عن أبي
السّنابل بسندٍ على شرط الشَّيخَينِ إلى الأسوَد، وهو من كبار التابعينَ من أصحاب ابن مسعود
ولم يُوصَف بالتَّدليس، فالحديث صحيحٌ على شرط مسلم، لكنَّ البخاريَّ على قاعِدَته في
اشتراط ثُبوت اللِّقاء ولو مرَّة، فلهذا قال ما نَقَلَه الثِّرمِذيُّ.
قوله: ((فأَبَتْ أن تَنكِحَه)) وَقَعَ في رواية ((الموطَّأ)) (٥٨٩/٢): فخَطَبَها رجلانٍ: أحدُهما
شابٌّ و[الآخر](١) كَهْلٌ، فحَطَّت إلى الشّابِّ، فقال الكَهل: لم تَحِلِي، وكان أهلها غُيَّاً، فَرَجا
أن يُؤثِرُوہ بها.
قوله: ((فقالت(٢): والله ما يَصْلُح أن تَنكِحِيه حتَّى / تَعْتَدّي آخِرَ الأَجَلَيْنِ، فمَكُثَت قريباً من ٤٧٣/٩
عَشْرِ لَيَالٍ ثَمَّ جاءتِ النبيَّ ◌َّ فقال: انكِحِي)) قال عياض: هكذا وَقَعَ عند جميعهم: فقالت: والله
ما يَصلُح، إلّا لابنِ السَّكَن فعنده: فقال، مكان: فقالت، وهو الصَّواب. قلت: وكذا في الأصل
الذي عندنا من رواية أبي ذرِّ عن مشايخه، بل قال ابن التِّين: إنّه عند جميعهم: فقال، إلّا عند
القابِيِّ: فقالت، بزيادة التاء. وهذا أقرَب مَّا قال عياض.
ثمَّ قال عياض: والحديث مَبُور نَقَصَ منه قولها: فنُفِسَت بعد لَيَالٍ فخُطِبَت ... إلى
آخِره. قلت: قد ثَبَتَ المحذوف في رواية ابن مِلْحان التي أشرت إليها (٣) عن يحيى بن بُكَير
شيخ البخاريّ فيه ولفظه: فمَكُثَت قريباً من عشرينَ ليلة ثمَّ نُفِسَت.
وقد وَقَعَ للبُخَارَيِّ اختصارُ المتنِ في الطَّريقِ الثّانية بأبلَغَ من هذا، فإنَّه اقتَصَرَ منه على
(١) لفظة ((الآخر)) سقطت من الأصول و(س)، وأثبتناها من مصادر تخريج الحديث.
(٢) وقع في (أ) و(ع): ((فقال))، وما أثبتناه من (ب) و(س) وهو الذي يقتضيه كلام الحافظ بعده مباشرة، وأما
الذي في اليونينية فهو بلفظ ((فقال)) دون حكاية خلاف بين رواة ((الصحيح)) فيه، وهو الصواب كما قال
حافظ، فقد وقع التصريح في رواية يونس عن ابن شهاب المتقدمة برقم (٣٩٩١) أن القائل أبو السنابل.
(٣) يعني التي عند أبي نعيم في ((المستخرج)) من طريق يحيى بن بكير شيخ البخاري في هذا الحديث. وكذلك
ذكر المحذوف في رواية عبد الملك بن الليث عن أبيه عند النسائي (٣٥١٦) كلفظ ابن ملحان.

٢٨٤
باب ٣٩ / ح ٥٣٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: إنَّه كَتَبَ إلى ابن أرقَم: أن سَلْ سُبيعة الأسلَميَّة: كيف أفتاها النبيُّ وَ﴿؟ فقالت:
أَفتاني إذا حَلَلت أن أَنكِحِ(١). فأبهَمَ اسمَ ابن أرقَم ونَسَبَه إلى جَدّه كما نَبَّهتُ عليه وطَوَى
ذِكْر أكثر القصَّة، وتقديرُه: فأتاها فسألَا، فأخبَرَتْهُ، فَكَتَبَ إليه الجواب: إنّ سألتها، فذكرتٍ
القصَّةَ، وفي آخرها: فقالت ... إلى آخره. وقد وَقَعَ بيانه واضحاً في تفسير الطَّلاق(٢) من رواية
يونس عن الزّهْرِيِّ وفيه: فكَتَبَ عمر بن عبد الله بن الأرقَم إلى عبد الله بن عُتبةَ يُخبره أنَّ
◌ُبيعة بنت الحارث أخبَرَته: أنَّها كانت تحت سعد بن خَوْلة، فتُؤُثِّ عنها في حَجّة الوَداع
وهي حامل، فلم تَنشَب أن وضَعَت حَمْلَها، فلمَّا تَعلَّت من نِفاسها تَجَمَّلَت للخُطّب، فدَخَلَ
عليها أبو السَّنابل بن بَعْكَك، رجلٌ من بني عبد الدّار، فقال: ما لي أراك تَجَمَّلت للخُطّاب
تَرْجِينَ النِّكاح؟ فإِنَّك والله ما أنتِ بناكِحِ حتَّى يَمُرّ عليك أربعةُ أشهُر وعشرٌ، قالت سُبيعة:
فلمَّا قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسَيت، فأتيتُ رسولَ الله وَ ل# فسألته عن ذلك، فأفتاني
بأنّي قد حَلَلت حين وضَعتُ حَلي، وأمَرَني بالتَّزويجِ إِن بَدَا لي .
وقوله في هذه الطَّريق الثّانية: ((فمَكُثَت قريباً من عشر لَيَالٍ. ثمَّ جاءتِ النبيَّ ◌َّ)) قد
يُخالف في الظّاهر قوله في رواية الزُّهْريِّ المذكورة: فلمَّا قال لي ذلك جمعت عليَّ ثیابي حين
أمسَيت. فإنَّه ظاهرٌ في أنَّها تَوَجَّهت إلى النبيّ وَّ في مَساء اليوم الذي قال لها فيه أبو السّنابل
ما قال، ويُمكِن الجمع بينهما أن يُحمَل قولها: حين أمسَيت، على إرادة وقت تَوجّهها، ولا يَلزَم
منه أن یکون ذلك في اليوم الذي قال لها فيه ما قال.
قوله في الرواية الثالثة: (أنَّ سُبيعة نُفِسَت)) بضمِّ النُّون وكسر الفاء، أي: وَلَدَت.
قوله: ((بعد وفاة زوجها بليالٍ)) كذا أَبهَم المدةَ، و كذا في رواية سليمان بن يسار عند مسلم
(٥٧/١٤٨٥) مثله، وفي رواية الزهري(٣): فلم تَنْشَب أن وَضَعت. ووقع في رواية محمد بن
(١) الظاهر أن الحافظ ذكر هذا الحديث هنا بالمعنى، لمغايرته في عدد من حروفه للفظ اليونينية الذي لم يختلف
فيه رواة البخاري، والله أعلم.
(٢) بل في المغازي برقم (٣٩٩١).
(٣) يعني في رواية يونس عنه، وقد مَرَّ ذكرها.

٢٨٥
باب ٣٩ / ح ٥٣٢٠
كتاب الطلاق
إبراهيم النَّيْمي، عن أبي سلمة، عن سُبيعة عند أحمد (٢٧٤٣٨): فلم أمكُث إلّا شهرين
حتى وَضَعتُ. وفي رواية داود بن أبي عاصم(١): ((فوَلَدْت لِأَدنى من أربعة أشهر)). وهذا
أيضاً مُبْهَمٌ، وفي رواية يحيى بن أبي كثير الماضية في تفسير الطلاق (٤٩٠٩): فوضعَت بعد
موتِه بأربعين ليلة. كذا في رواية شيبان عنه (٢)، وفي رواية حجّاج الصوّاف عند النسائي
(٣٥١١): بعشرين ليلة. ووقع عند ابن أبي حاتم من رواية أيوب، عن يحيى: بعشرين ليلةً
أو خمسَ عشرةَ. ووقع في رواية الأسود: فوضعَتْ بعد وفاة زوجها بثلاثةٍ وعشرينَ يوماً أو
خمسةٍ وعشرين يوماً. كذا عند الترمذي (١١٩٣) والنسائي (٣٥٠٨). وعند ابن ماجه (٢٠٢٧):
ببضعٍ وعشرين ليلة. وكأن الراوي أَلْغَى الشَّ وأتى بلفظٍ يشملُ الأمرينِ. ووقع في رواية
عبد ربِّه بن سعيد(٣): بنِصْف شَهرٍ. وكذا في رواية شعبة(٤) بلفظ: بخمسةَ عشرَ نِصْفٍ شهرٍ،
وكذا في حديث ابن مسعود عند أحمد (٤٢٧٣).
والجمعُ بين هذه الروايات متعذّرٌ لاتِّحاد القصّة، ولعلَّ هذا هو السُّ في إبهام من أَبَهَم
المدَّة، إذ محلّ الخلاف أن تضع لِدُونِ أربعة أشهرٍ وعشٍ،/ وهو هنا كذلك، فأقلّ ما قيل في ٤٧٤/٩
هذه الروايات: نصفُ شهر. وأما ما وقع في بعض الشروح أن في البخاريِّ رواية: عشر
ليالٍ، وفي روايةٍ للطَّبراني(٥): ثمانٍ أو سبعٍ. فهو في مدة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتتِ
النبيَّ ◌ََّ لا في مدَّة بقيَّة الحمل(٦). وأكثرُ ما قيل فيه بالتصريح شهرين وبغيره دون أربعة
أشهر، وقد قال جمهورُ العلماء من السَّلف وأئمة الفتوى في الأمصار: إن الحامل إذا مات
عنها زوجُها تَحِلُّ بوَضْع الحمل وتنقضي عِدَّةُ الوفاة.
(١) عند النسائي برقم (٣٥١٧).
(٢) وكذا في رواية الأوزاعي عنه عند ابن حبان (٤٢٩٥).
(٣) عند مالك في «موطئه)) ٥٨٩/٢.
(٤) إنما رواه شعبة عن عبد ربّه بن سعيد، وروايته عند النسائي برقم (٣٥٠٩) واللفظ له.
(٥) يعني في روايته لحديث المسور آخر أحاديث الباب ٢٠ (٦).
(٦) كذا جزم به الحافظ! مع أن لفظ الطبراني صريح بأنه في مدة بقية الحمل، وليس في مدة الإقامة بعده إلى
أن استفتت رسول الله

٢٨٦
باب ٣٩ / ح ٥٣٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
وخالف في ذلك عليٌّ فقال: تعتدُّ آخرَ الأَجلَين، ومعناه أنها إن وضعت قبلَ مُضيِّ أربعة
أشهر وعشرٍ تَربَّصت إلى انقضائها، ولا تَحِلُّ بمجرَّد الوضع، وإن انقضَت المدةُ قبل الوضع
تربَّصت إلى الوضع، أخرجه سعید بن منصور (١٥١٦) وعبد بن حُمید عن عليٍّ بسندٍ صحيح،
وبه قال ابنُ عباس كما في هذه القصة، ويقال: إنه رجعَ عنه، ويُقوِّيه أن المنقول عن أتباعه
وِفاقُ الجماعة في ذلك.
وتقدم في تفسير الطلاق (٤٩١٠) أنَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى أَنكَرَ على ابن سِيرين القولَ
بانقضاء عدَّتها بالوضع، وأَنكَرَ أن يكون ابنُ مسعود قال بذلك، وقد ثبت عن ابن مسعود
من عدة طرق أنه كان يوافقُ الجماعةَ حتى كان يقول: من شاء لا عَنْتُهُ على ذلك(١).
ويظهر من مجموع الطَّرق في قصة سُبَيعة أن أبا السَّنابل رجعَ عن فَتْواه أولاً: أنها لا تَحِلُّ
حتى تمضي مدةُ عِدَّة الوفاة، لأنه قد روى قصة سُبيعة وردَّ النبيُّ ◌َّ ما أَفتاها أبو السَّنابل به
من أنها لا تَحِلُّ حتى يمضي لها أربعةُ أشهر وعشرٌ، ولم يَرِد عن أبي السَّنابل تصريحٌ في
حُكمها لو انقضت المدةُ قبلَ الوضع، هل كان يقول بظاهر إطلاقه من انقضاء العدَّة أو لا؟
لكن نقلَ غيرُ واحدٍ الإجماعَ على أنها لا تنقضي في هذه الحالة الثانية حتى تَضعَ.
وقد وافق سَحنونٌ من المالكية عليّاً، نقله المازَرِيُّ وغيرُه. وهو شذوذٌ مردودٌ لأنه إحداثُ
خلافٍ بعد استقرار الإجماع، والسببُ الحامل له الحرصُ على العمل بالآيتين اللَّتينِ
تَعارضَ عمومُهما، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ
أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] عامٌّ في كلِّ من مات عنها زوجُها يشملُ الحاملَ وغيرَها، وقوله
تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] عامٌّ أيضاً يشمل المطلّقة والمتوقَّ
عنها، فجَمَعَ أولئك بين العُمومَينِ بقَصْر الثانية على المطلّقة بقرينة ذِكْر عِدَدِ المطلَّقات كالآيسة
والصَّغيرة قبلَها(٢)، ثم لم يُهمِلوا ما تناولته الآيةُ الثانيةُ من العموم، لكن قَصَرُوه على من مَضَت
(١) أخرجه أبو داود برقم (٢٣٠٧)، والنسائي برقم (٣٥٢٢).
(٢) تحرف في (س) إلى: قبلهما.

٢٨٧
باب ٣٩ / ح ٥٣٢٠
كتاب الطلاق
عليها المدةُ ولم تضع، فكان تخصيصُ بعض العموم أولى وأقربَ إلى العمل بمقتضى الآيتين من
إلغاء أحدهما في حقِّ بعض من شَمِلَه العُمومُ.
٠
قال القرطبي: هذا نظرٌ حَسَنٌ، فإن الجمع أولى من التَّرجيح باتفاق أهل الأصول،
لكن حديث سُبَيعةً نصٌّ بأنها تَحِلُّ بوضع الحمل، فكان فيه بيانٌ للمراد بقوله تعالى:
﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أنه في حقِّ من لم تضع، وإلى ذلك
أشارَ ابنُ مسعود بقوله: إن آية الطَّلَاقَ نزلت بعد آية البقرة(١)، وفَهِمَ بعضُهم منه أنه یری
نَسْخَ الأُولى بالآخِرَةِ(٢)، وليس ذلك مرادَه، وإنما يعني أنها مخصِّصَةٌ لها، فإنها أخرجت منها
بعضَ متناولاتها.
وقال ابنُ عبد البَرّ: لولا حديثُ سُبيعة لكان القول ما قال عليٌّ وابنُ عباس لأنهما
عِدَّتان مُجُتَّمِعتانِ بصِفَتينٍ، وقد اجتمعتا في الحامل المتوقَّ عنها زوجُها، فلا تخرجُ من عدَّتها
إلّا بيقين، واليقينُ آخِرُ الأَجلَينِ، وقد اتفق الفقهاءُ من أهل الحجاز والعراق أن أمَّ الولد لو
كانت متزوِّجة فمات زوجُها ومات سيِّدُها معاً، أن عليها أن تأتيَ بالعدَّة والاستبراء، بأنْ
تتربَّص أربعة أشهر وعشراً فيها حيضةٌ أو بعدها.
ويترجَّحُ قولُ الجمهور أيضاً بأن الآيتينِ وإن كانتا عامَّتينِ من وجهٍ، خاصَّتَينِ من وجهٍ،
فكان الاحتياطُ أن لا تنقضي العدةُ إلّا بأقصى(٣) الأجلَينِ، لكن لمَّا كان المعنى المقصود الأصلي
من العدَّة براءةَ الرَّحم - ولا سيّما فيمن تحيضُ - يحصلُ المطلوب بالوضع، ووافق ما دلَّ عليه
حديثُ سُبيعة، ويُقوِّيه قولُ ابن مسعود في / تأخّر نزول آية الطلاق عن آية البقرة.
٤٧٥/٩
واستدلَّ بقوله: فأَفتاني بأنِّ حَللتُ حينَ وضعتُ حَمْلي، بأنه يجوزُ العقدُ عليها إذا
وضعت ولو لم تَطهُر من دم النِّفاس، وبه قال الجمهورُ، وإلى ذلك أشار ابنُ شهاب في
آخر حديثه عند مسلم (١٤٨٤) بقوله: ولا أرى بأساً أن تتزوَّج حينَ وضعت وإن كانت
(١) كما في رواية ابن سيرين المتقدمة برقم (٤٩١٠).
(٢) وقع في (ب) و(س): بالأخيرة.
(٣) وقع في (ب) و(س): بآخر.
٠٠٠

٢٨٨
باب ٣٩ / ح ٥٣٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
في دمها، غيرَ أنه لا يقربُها زوجُها حتى تَطهُر. وقال الشَّعبي والحسنُ والنَّخَعي وحمادُ
ابن أبي سليمان(١): لا تَنكِحِ حتى تَطُرَ.
قال القرطبيُّ: وحديثُ سُبيعة حُجَّةٌ عليهم، ولا حجةَ لهم في قوله في بعض طرقه (٢):
فلمّا تَعلَّت من نفاسها لأن لفظ ((تَعلَّت)) كما يجوز أن يكون معناه: طَهُرَت، جاز أن يكون
استقَلَّت(٣) من ألَمِ النِّفاس، وعلى تقدير تسليم الأول فلا حُجَّة فيه أيضاً لأنها حكايةُ
واقعة سُبيعة، والحُجَّةُ إنما هو في قول النبيِّ وَلِّ أنها حلَّت حينَ وضعت، كما في حديث
الزُّهري المتقدِّم ذِكْره، وفي رواية معمر، عن الزُّهْري: ((حَلَلتِ حين وَضعتِ حَملك)). وكذا
أخرجه أحمد (٢٧١٠٨) من حديث أُبيِّ بن كعب: أن امرأته أمَّ الطَّفيل قالت لعمر: قد أمرَ
رسول الله وَّهُ سُبيعة أن تنكح إذا وَضَعَت. وهو ظاهرُ القرآن في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ
حَمْلَهُنَّ﴾ فعلَّق الحِلَّ بحِينِ الوَضْع وقَصَرِه عليه، ولم يقل: إذا طَهُرت، ولا: إذا انقطع
دمك، فصحّ ما قال الجمهور.
وفي قصة سُبيعة من الفوائد: أن الصحابةَ كانوا يُفتون في حياة النبيِّ وَّ، وأن المفتي إذا
كان له مَيْلٌ إلى الشيء لا ينبغي له أن يُفتيَ فيه، لئلا يَحمله الميلُ إليه على ترجيح ما هو مرجوحٌ
كما وقع لأبي السنابل حيثُ أَفتى سُبَيعة أنها لا تَحِلُّ بالوضع، لكونه كان خَطَبها فمَنعَتْهُ، وَرَ جَا
أنها إذا قَبلت ذلك منه وانتظرت مُضِيَّ المدة حضرَ أهلُها فرغَبوها في زواجه دون غيره.
وفيه ما كان في سُبيعة من الشَّهامة والفِطنة حيث تَردَّدت فيما أفتاها به حتى حملَها ذلك
على استيضاح الحكم من الشارع، وهكذا ينبغي لمن ارتاب في فتوى المفتي أو حُكم الحاكم في
مواضع الاجتهاد أن يبحث عن النصِّ في تلك المسألة، ولعلَّ ما وقع من أبي السَّنابل من
ذلك هو السُّ في إطلاق النبيِّ وَ ﴿ أَنه كَذَبَ في الفتوى المذكورة كما أخرجه أحمد (٤٢٧٣)
(١) وقع في (أ): ((وحماد بن أبي سلمة)، وفي (ب) و(س): ((وحماد بن سلمة))، وما أثبتناه من (ع) هو
الصواب، وقد أخرج هذه الآثار عنه وعن غيره ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣٦٦/٤.
(٢) عند البخاري برقم (٣٩٩١)، ومسلم برقم (١٤٨٤).
(٣) تحرَّف في (س) إلى: ((استعلت)) بالعين المهملة.

٢٨٩
باب ٣٩ / ح ٥٣٢٠
كتاب الطلاق
من حديث ابن مسعود، على أن الخطأ قد يُطلق عليه الكذبُ، وهو في كلام أهل الحجاز
كثيرٌ، وحملَه بعضُ العلماء على ظاهره، فقال: إنما كذَّبه لأنه كان عالماً بالقصة، وأفتى بخلافه،
حكاه ابنُ داود (١) عن الشافعيِّ في ((شرح المختصر)) وهو بعيدٌ.
وفيه الرجوعُ في الوقائع إلى الأعلم، ومباشرةُ المرأة السؤالَ عما ينزلُ بها ولو كان مما يستحيي
النساءُ من مثله، لكن خروجها من منزلها ليلاً يكون أسترَ لها كما فعلت سُبيعة.
وفيه أن الحاملَ تنقضي عدَّتُها بالوضع على أيِّ صفةٍ كان من مُضغة أو من عَلَقة، سواء
استبان خَلْقُ الآدميِّ أم لا، لأنه ◌َِّ رتَّبَ الحِلِّ على الوضع من غير تفصيل، وتوقَّف ابنُ
دقيق العيد فيه من جهة أن الغالب في إطلاق وضع الحامل هو الحملُ التامُّ المتخلِّق، وأما
خروجُ المضغة أو العلَقة فهو نادرٌ والحملُ على الغالب أقوى، ولهذا نُقل عن الشافعيِّ قولٌ:
بأن العدَّة لا تنقضي بوضع قطعة لحم ليس فيها صورةٌ بيِّنة ولا خَفيَّة.
وأُجيبَ عن الجمهور بأن المقصود في انقضاء العدَّة: براءةُ الرحم، وهو حاصلٌ بخروج
المُضْغَة أو العَلَقة، بخلاف أمِّ الولد فإن المقصود منها: الولادةُ، وما لا يصدقُ عليه أنه
أصلُ آدميٌّ لا يقال فيه: وَلَدت.
وفيه جوازُ تجمُّل المرأة بعد انقضاء عدَّتها لمن يخطبها، لأن في رواية الزُّهْري التي في المغازي
(٣٩٩١): فقال: ما لي أراك تجمَّلت للخُطَب؟. وفي رواية ابنِ إسحاق(٢): فَتَهَيّأت للنِّكاح
واختضَبَتُ. وفي رواية معمر، عن الزُّهْري عند أحمد (٢٧٤٣٥): فلقيها أبو السَّنابل وقد
اكتَحَلت. وفي رواية الأسود(٣): فتطيَّت وتصنَّعت.
وذكر الكرماني أنه وقع في بعض طُرق حديث سُبيعة: أن زوجها مات وهي حاملة،
(١) هو محمد بن أحمد بن عثمان بن إبراهيم بن عدلان بن محمود بن لاحق بن داود، من أئمة الشافعية، له
شرح مطوّل على مختصر المزني لم يكمله، وهو المعروف بشرح المختصر. له ترجمة في ((طبقات الشافعية
الكبرى» لابن السبكي ٩/ ٩٧.
(٢) عند أحمد في ((المسند)) برقم (٢٧٤٣٨).
(٣) هذه اللفظة عند الدولابي في ((الكنز)) (٢٠٣)، وابن منده في ((معرفة الصحابة)) ١/ ٩٠٠، وأما لفظه عند
ابن ماجه (٢٠٢٧)، والترمذي (١١٩٣)، والنسائي (٣٥٠٨) فهو: تَشَوَّفَتْ.

٢٩٠
باب ٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
وفي معظمها: حاملٌ، وهو الأشهر، لأن الحمل من صفات النساء فلا يحتاج إلى علامة
التأنيث، ووجَّه الأولَ: أنه أُريدَ بأنها ذاتُ حَمَلِ بالفعل كما قيل في قوله تعالى: ﴿تَذْهَلُ
٤٧٦/٩ كُلّ مُرْضِعَةٍ﴾/ [الحج: ٢]، فلو أُرُيدَ أن الإرضاع من شأنها لقيل: مرضع. انتهى، والذي
وَقَفنا عليه في جميع الروايات: وهي حامل. وفي كلام أبي السَّنابل: لستِ بناكحِ.
واستدلَّ به على أن المرأة لا يجبُ عليها التزويجُ لقولها في الخبر من طريق الزُّهْرِي: وأَمَرَني
بالتَّزويج إن بدا لي. وهو مُبَيِّنٌ للمراد من قوله في رواية سليمان بن يسار: وأمرَها بالتزويج.
فيكون معناه: وأَذنَ لها، وكذا ما وقع في الطريق الأُولى من الباب: فقال: ((انكحي)). وفي رواية
ابن إسحاق عند أحمد: ((فقد حَلَلت فتزوَّجي)). ووقع في رواية الأسود، عن أبي السنابل(١) عند
ابن ماجه في آخره: فقال: «إن وَجَدتِ زوجاً صالحاً فتزوَّجي))، وفي حديث ابن مسعود عند
أحمد (٢٧٤٣٨): «إذا أتاك أحدٌ تَرضَينَه)).
وفيه أن الثّيِّب لا تُزوَّجُ إلّا برضاها من تَرضاه، ولا إجبارَ لأحدٍ عليها، وقد تقدَّم بيانه في
غیر هذا الحديث.
٤٠ - باب قول الله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَلَثَةَ قُرُوَءٍ﴾
وقال إبراهيمُ فيمَن تَزوَّجَ في العِدّةِ فحاضَت عندَه ثلاثَ حِيَضٍ: بأنَت منَ الأوَّلِ ولا
تَحْتَسِبُ به لمَن بعده.
وقال الزُّهْريُّ: تَحْتَسِبُ. وهَذا أحَبُّ إلى سفيانَ.
وقال مَعْمَرٌ: يقال: أَقَرَأَتِ المرأةُ: إذا دَنا حَيْضُها، وأَقَرَأَتْ: إذا دَنا طُهْرُها. ويقال: ما قَرَأَتْ
بسَلّى قَطُّ: إذا لم تَجمَعْ ولداً في بَطْنِها.
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَهٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]))
سَقَطَ لفظ ((باب)) لأبي ذرٍّ، والمراد بالمطلّقات هاهنا: ذَواتُ الحيض كما دَلَّت عليه آية سورة
(١) بل في رواية مسروقٍ وعَمرو بن عُتبة عن سبيعة برقم (٢٠٢٨)، وأما رواية الأسود عن أبي السنابل فهي: ((إن
تفعل فقد مضى أجلُها)).

٢٩١
باب ٤٠
كتاب الطلاق
الطَّلاق المذكورة قبلُ، والمراد بالتَّربُّصِ: الانتظارُ، وهو خبرٌّ بمعنى الأمر، وقرأ الجمهور:
﴿قروءٍ﴾ بالهمز، وعن نافع بتشديد الواو بغير همز.
قوله: ((وقال إبراهيم)) هو النَّخَعِيُّ («فيمَن تزوَّجَ في العِدّة فحاضَت عنده ثلاثَ حِيَض:
بانت من الأوَّل ولا تحتَسِب به لمن بَعْده، وقال الزُّهْريُّ: تَحَتَسِب. وهذا أَحَبُّ إلى سُفْيان)) زاد
في نُسخة الصَّغَانيّ(١): يعني قولَ الزُّهْرِيِّ. وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٩٠/٥) عن عبد الرّحمن
ابن مَهديّ، عن سفيان - وهو الثَّوريّ - عن مُغيرة، عن إبراهيم: في رجل طَلَّقَ فحاضَت
فتزوَّجَها رجل فحاضَت، قال: بانَتْ من الأوَّل، ولا تُحْتَسَب للَّذي(٢) بعدَه. وعن سفيان
(١٩٠/٥) عن مَعمَر عن الزُّهْريِّ: تُحْتَسَب.
قال ابن عبد البَرّ: لا أعلمُ أحداً مَّن قال: الأقراءُ: الأطهارُ، يقول هذا غير الزُّهْريِّ،
قال: ويَلزَم على قوله أنَّ المعتَدّة لا تَحِلّ حتَّى تَدخُل في الحيضة الرَّابعة، وقد اتَّفَقَ عُلَماء
المدينة من الصَّحابة فمَن بعدَهم، وكذا الشافعيُّ ومالكٌ وأحمد وأتباعهم على أنَّها إذا
طَعَنَت في الحيضة الثّالثة طَهُرَت بشرطِ أن يقع طلاقُها في الطَّهر، وأمَّا لو وَقَعَ في الحيض لم
تَعتَّ بتلكَ الحيضة.
وذهب الجمهور إلى أنَّ مَن اجتَمَعَت عليها عِدَّتان: أنَّها تَعتَدّ عِدَّتَين، وعن الحنفيَّة
ورواية عن مالك: يكفي لها عِدّة واحدة كقولِ الزُّهْريّ، والله أعلم.
قوله: ((وقال مَعْمَر: يقال: أَقَرَأَتِ المرأةُ ... )) إلى آخره، مَعمَر هو أبو عبيدة بن المثنَّى، وقد
تقدَّم بيان ذلك عنه في أوائل تفسير سورة النّور(٣).
وقوله: ((بسَلَى)) بكسرِ الموخَّدة وفتح المهمَلة والتَّنوين بغير همز، السَّلَى: هو غِشاء الولد،
وقال الأخفَش: أَقْرَأَتِ المرأةُ: إذا صارت ذاتَ حَيضٍ، والقُرْء: انقضاء الخَيض، ويقال: هو
الحیْض نفسُه، ويقال: هو من الأضداد.
(١) كذا نسبه الحافظ للصَّغاني وحده، مع أنه في اليونينية ثابت دون حكاية خلاف بين رواه البخاري في ثبوته.
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: الذي.
(٣) قبل الحديث (٤٧٤٥).

٢٩٢
باب ٤١ / ح ٥٣٢١ - ٥٣٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
ومُراد أبي عبيدة أنَّ القُرء يكون بمعنى الطُّهر وبمعنى الحيض، وبمعنى الضَّمّ والجمع،
وهو كذلك، وجَزَمَ به ابن بَطّالٍ وقال: لمَّا احتَمَلَت الآية واختَلَفَ العلماء في المراد
بالأقراءِ فيها تَرَجَّحَ قولُ مَن قال: إنَّ الأقراء الأطهارُ، بحديثٍ ابن عمر حيثُ أمَرَه
رسول الله وَل﴿ أن يُطلِّق في الطُّهر، وقال في حديثه: ((فتلكَ العِدّة التي أَمَرَ الله أن تُطلَّق لها
النِّساء))(١)، فدَلَّ على أنَّ المراد بالأقراءِ الأطهارُ، والله أعلم.
٤١- قصّة فاطمة بنتِ قیسٍ
وقول الله تعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١].
٥٣٢١- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثَني مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ وسليمانَ
ابنِ يَسارٍ، أَنَّه سَمِعَهما يَذْكُرانِ: أنَّ يحيى بنَ سعيدٍ بنِ العاص طَلَّقَ بنتَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ
الحَكَمِ، فانتَقَّلَها عبدُ الرّحمنِ، فأرسَلَت عائشةُ أُّ المؤمنينَ إلى مَرْوانَ بن الحَكَمِ وهو أمِيرُ
المدينةِ: أَتَّقِ اللهَ واردُدْها إلى بَيتِها.
قال مَرْوانُ في حديثٍ سليمانَ: إنَّ عبد الرَّحمنِ بنَ الحَكَمْ غَلَبَنِي.
[طرفه في: ٥٣٢٥]
٥٣٢٢- وقال القاسمُ بنُ محمَّدٍ: أَوَمَا بَلَغَكِ شأنُ فاطمةَ بنتٍ قيسٍ؟ قالت: لا يَضُرُّكَ أن لا
تَذْكُرَ حديثَ فاطمةَ، فقال مَرْوانُ بنُ الحَكَم: إن كان بكِ شَرِّ فحَسْبُكِ ما بينَ هذَينٍ منَ الشرِّ.
[أطرافه في: ٥٣٢٤، ٥٣٢٦، ٥٣٢٨]
٥٣٢٣، ٥٣٢٤- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ
القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّها قالت: ما لِفاطمةَ! ألا تَتَّقي الله؟ يعني في قَوْلها: لا سُكْنَى ولا
نَفَقةً.
٥٣٢٥، ٥٣٢٦ - حدَّثْنا عَمْرو بنُ عبَّاسٍ، حدَّثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الرَّحمنِ
(١) سلف برقم (٤٩٠٨)، وأخرجه مسلم (١٤٧١).

٢٩٣
باب ٤١ / ح ٥٣٢٦
كتاب الطلاق
ابن القاسمِ، عن أبيه: قال عُرْوةُ لعائشةَ: أَلَمْ تَرَيْ إلى فلانةَ بنتِ الحَكَمَ طَلَّقَها زوجُها البَّةَ
فَخَرَجَت! فقالت: بِشْسَ مَا صَنَعَت! قال: أَلَمْ تَسْمعي قولَ فاطمةَ؟ قالت: أَمَا إنَّه ليس لها خيرٌ
في ذِخرِ هذا الحديثِ.
قوله: ((قصَّة فاطمة بنت قيس)) كذا للأكثر، ولِبعضِهم: باب. وبه جَزَمَ ابن بَطّالٍ
والإسماعيليّ.
وفاطمة: هي بنت قيس بن خالد من بني مُحارب بن فِهْر بن مالك، وهي أُخت الضَّحّاك
ابن قيس الذي وليَ العراق ليزيد بن معاوية وقُتِلَ بمَرْجِ راهِط، وهو من صِغار الصَّحابة،
وهي أسَنُّ منه، وكانت من المهاجرات الأُوَل، وكان لها عَقلٌ وجمال، وتزوَّجَها أبو عَمْرو بن
حفص - ويقال: أبو حفص بن عَمْرو - بن المغيرة المخزوميّ، وهو ابن عمّ خالد بن الوليد بن
المغيرة، فخَرَجَ معَ عليّ لمَّ بَعَثَه النبيُّ ◌َّه إلى اليمن، فَبَعَثَ إليها بتطليقةٍ ثالثة بَقِيَت لها، وأمَرَ
ابنَي عَمَّيهِ الحارثَ بن هشام وعيَّشَ بن أبي ربيعة أن يَدِفَعا لها تمراً وشَعيراً، فاستَقَلَّت ذلك
وشَكَتْ إلى النبيّ وَّهِ فقال لها: ((ليس لكِ سُكنَى/ ولا نَفَقة)) هكذا أخرج مسلم (١٤٨٠) ٤٧٧/٩
قِصَّتها من طرق متعدِّدة عنها، ولم أرَها في البخاريّ وإنَّما تَرجَمَ لها كما تَرَى، وأورَدَ أشياء من
قِصَّتها بطريق الإشارة إليها، ووَهِمَ صاحب «العُمْدة)) فأورَدَ حديثها بطولِه في المَّفَقِ.
واتَّفَقَت الرِّوايات عن فاطمة على كثرتها عنها: أنَّها بانَت بالطَّلاق.
ووَقَعَ في آخِرٍ صحيح مسلم (١١٩/٢٩٤٢) في حديث الجَسّاسة عن فاطمة بنت
قيس: نَكَحتُ ابن المغيرة، وهو من خِيار شَباب قُرَيش يومَئذٍ، فأُصيب في الجهاد معَ
رسول الله ﴿، فلمَّا تَأَيَّمتُ خَطَبني أبو جَهم، الحديث. وهذه الرِّواية وَهْمٌ، ولكن أوَّلَهَا
بعضُهم على أنَّ المراد: أُصيبَ بجِراحةٍ أو أُصيب في ماله أو نحو ذلك، حكاه النَّوَويّ
وغيره، والذي يظهر أنَّ المراد بقولِها: ((أُصيبَ)) أي: ماتَ؛ على ظاهره، وكان في بَعْث عليٌّ
إلى اليمن، فَيَصدُق أنَّه أُصيبَ في الجهاد معَ رسول الله وَِّ، أي: في طاعة رسول الله وَّهه
ولا يَلْزَم من ذلك أن تَكون بَينونَتُها منه بالموتِ بل بالطَّلاق السابق على الموت، فقد ذهب

٢٩٤
باب ٤١ / ح ٥٣٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
جمعٌ جَمّ إلى أنَّه ماتَ معَ عليٍّ باليمن، وذلك بعد أن أرسَلَ إليها بطلاقها، فإذا جُمِعَ بين
الرِّوايتَينِ استَقَامَ هذا التَّأويل وارتَفَعَ الوَهْمُ، ولكن يَبعُد بذلك قولُ مَن قال: إنَّه بَقِيَ إلى
خلافة عمر.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ﴾ الآية))
كذا للأكثر، ولِلنَّسَفيِّ بعد قوله: ﴿يُوتِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]، وساقَ
الآياتِ كلَّها إلى ﴿يُتْرًا ﴾ في رواية كَرِيمة.
قوله: ((إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس.
قوله: ((يحيى بن سعيد بن العاص)) أي: ابن سعيد بن العاص بن أُميَّة وكان أبوه أمير المدينة
لمعاوية، ويحيى: هو أخو عَمْرو بن سعيد المعروف بالأشدَقِ.
قوله: ((طَلَّقَ بنت عبد الرّحمن بن الحَكَم)) هي بنت أخي مروان الذي كان أمير المدينة أيضاً
لمعاوية حينئذٍ ووَليَ الخلافة بعد ذلك، واسمها عَمْرة فيما قيلَ، وسيأتي في الخبر الثّالث أنَّه
طَلَّقَها البَّةَ.
قوله: ((قال مَرْوان في حديث سليمان: إنَّ عبد الرَّحمن غَلَبني)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور إلى
يحيى بن سعيد، وهو الذي فَصَلَ بين حديثَي شيخَيه، فساقَ ما أنَّفَقا عليه ثمَّ بيَّن لفظَ سليمان -
وهو ابن يسار - وحدَه، ولفظَ القاسم بن محمَّد وحدَه. وقول مروان: إنَّ عبد الرَّحمن غَلَبني،
أي: لم يُطِعني في رَدّها إلى بيتها، وقيل: مُراده غَلَبني بالحُجّة لأنَّه احتَجَّ بالشرِّ الذي كان بينهما.
قوله: ((قالت: لا يَضُرّكَ أن لا تَذْكُرَ حديثَ فاطمة)) أي: لأنَّه لا حُجّة فيه لجوازِ انتقال
المطلّقة من مَنزِلها بغير سببٍ.
قوله: ((فقال مَرْوان بن الحَكَمِ: إن كان بكِ شَرٌّ)) أي: إن كان عندك أنَّ سبب خروج
فاطمة ما وَقَعَ بينها وبين أقارب زوجها من الشّ، فهذا السَّبَب موجود، ولذلك قال:
فحَسْبُكِ ما بين هذَينِ من الشّ. وهذا مَصيرٌ من مروان إلى الرُّجوع عن رَدّ خَبَر فاطمة،
فقد كان أنكَرَ ذلك على فاطمة بنت قيس كما أخرجه النَّسائيُّ (٣٥٥٢) من طريق شُعَيب

٢٩٥
باب ٤١ / ح ٥٣٢٦
كتاب الطلاق
===
عن الزُّهْريّ، أخبرني عُبيد الله بن عبد الله: أنَّ عبد الله بن عَمْرو بن عثمان بن عَفّانَ طَلَّقَ
بنت سعيد بن زيد البَتّ وأُمّها حَزْمَة(١) بنت قيس، فأمَرَتها خالَتُها فاطمةُ بنت قيس بالانتقال،
فسمعَ بذلك مروان فأنكَرَ، فذَكَرت أنَّ خالَتها أخبَرَتها: أنَّ رسول الله ◌َّ أَفتاها بذلك،
فأرسَلَ مروان قَبِيصةَ بن ذُؤَيب إلى فاطمة يسألها عن ذلك، فذَكَرت الحديثَ. وأخرجه
مسلم (١٤٨٠/ ٤١) من طريق مَعمَر عن الزُّهْريِّ دون ما في أوَّله وزاد: فقال مروان: لم نَسْمع
هذا الحديث إلّا من امرأة فسَنأْخُذُ بالعِصْمة التي وجَدنا عليها الناس. وسيأتي له طريق
أُخرى في الباب الذي بعده، فكأنَّ مروان أنكَرَ الخروج مُطلَقاً ثمَّ رَجَعَ إلى الجواز بشرط وجود
عارض يقتضي جوازَ خُروجها من مَنزِل الطَّلاق كما سيأتي.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن بشَّار)) كذا في الرِّوايات التي اتَّصَلَت لنا من طريق الفِرَبْريّ،
وكذا أخرجه الإسماعيليّ عن ابن عبد الكريم عن بُندار - وهو محمَّد بن بشّار -. وقال
المِّيُّ في ((الأطراف)): أخرجه البخاريّ عن محمَّد غير منسوب، وهو محمّد بن بشَّار،
كذا نَسَبه/ أبو مسعود. قلت: ولم أرَه غير منسوب إلّا في رواية النَّسَفيِّ عن البخاريّ، وكأنَّه ٤٧٩/٩
وَقَعَ كذلك في ((أطراف خَلَف))(٢) ومنها نَّقَل المِزُِّّ، ولم أُنْبِّه على هذا الموضع في المقدِّمة
اعتماداً على ما اتَّصَلَ لنا من الرِّوايات إلى الفِرَبْريّ.
قوله: ((عن عائشة أنَّها قالت: ما لفاطمةَ! أَلا تَتَّقي الله؟ يعني في قولها: لا سُكْنَى ولا نَفَقة)»
وَقَعَ في رواية مسلم (٥٢/١٤٨١) من هذا الوجه: ما لفاطمةَ خيرٌ أن تَذكُر هذا! كأنَّها تُشير
إلى أنَّ سبب الإذن في انتقال فاطمة ما تقدَّم في الخبر الذي قبله، ويُؤيِّده ما أخرج
النَّسائيُّ(٣) من طريق مَيْمون بن مهرانَ قال: قَدِمت المدينة فقلت لسعيد بن المسيّب: إنّ
(١) وقع في كتابي النسائي ((المجتبى)) و((الكبرى)): حمنة، بدل: حَزْمة، والظاهر أنه تحريف قدیم وقع في بعض نسخ
النسائي، فقد وقع محرَّفاً لابن الأثير في ((جامع الأصول)) ونبّه هو عليه في قسم التراجم منه، فقال: هكذا اسمها
في كتاب النسائي، وهو وهم، وإنما اسمها حزمة، بفتح الحاء وسكون الزاي وبالميم.
(٢) هو خَلَف بن محمد بن عليّ، أبو عليّ الواسطيّ، صنف كتاب ((أطراف الصحيحين)). انظر ترجمته في
((السير)» ٢٦٠/١٧ -٢٦٢.
(٣) بل أبو داود في ((سننه)) برقم (٢٢٩٦).

٢٩٦
باب ٤٢ / ح ٥٣٢٧ -٥٣٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
فاطمة بنت قيس طُلُّقَت فخَرَجَت من بيتها، فقال: إنَّها كانت لَسِنَةً. ولأبي داود (٢٢٩٤)
من طريق سليمان ابن يسار: إنَّما كان ذلك من سُوء الْخُلُق.
قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوريّ.
قوله: ((قال عُرْوة)) أي: ابن الزُّبَيرِ ((لعائشة: ألَمْ تَرَي إلى فلانةَ بنت الحَكَم)) نَسَبها إلى جَدّها،
وهي بنت عبد الرّحمن بن الحَكَم كما في الطَّريق الأُولى.
قوله: ((فقالت: بِشْسَ مَا صَنَعَت)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ما صَنَعَ، أي: زوجُها في تمكينها من
ذلك، أو أَبوها في موافَقَتها، ولهذا أرسَلَت عائشة إلى مروان عَمّها - وهو الأمير - أن يَرُدَّها
إلى مَنزِل الطَّلاق.
قوله: ((قال: ألَمْ تَسْمعي قولَ فاطمة)» يحتمل أن يكون فاعل ((قال)) هو عُرْوة.
قوله: ((قالت: أما إنَّه ليس لها خَيرٌ في ذِكْر هذا الحديث)) في رواية مسلم (٥٢/١٤٨١) من
طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه: تزوَّجَ يحيى بن سعيد بن العاص بنتَ عبد الرَّحمن بن الحَكَم
فطَلَّقَها وأَخرجها، فأتيتُ عائشة فأخبَرْتُها، فقالت: ما لِفاطمةَ خيرٌ في أن تَذكُر هذا الحديث.
كأنَّهَا تُشير إلى ما تقدَّم وأنَّ الشّخص لا ينبغي له أن يذكُر شيئاً عليه فيه غضاضة.
٤٢ - باب المطلّقة إذا خُشِيَ عليها في مَسْكَن زوجها أن يُقْتَحَم
علیها أو تبذُّوَ على أهلِها بفاحشةٍ
٥٣٢٧ و٥٣٢٨ - حدَّثني حِبّانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبَرَنا ابنُ جُرَيج، عن ابنِ شِهابٍ، عن
عُرْوَةَ: أَنَّ عائشةَ أنكَرَت ذلك على فاطمةَ.
وزادَ ابنُ أبي الزِّنادِ عن هشام عن أَبيه: عابَت عائشةُ أشَدَّ العَيبِ وقالت: إنَّ فاطمةً كانت
في مكانٍ وَخْشٍ فخِيفَ على ناحيّها، فلذلك أرخَصَ لها النبيُّ ◌َّ.
قوله: «باب المطلّقة إذا ◌ُشيَ عليها في مَسْكَن زوجها أن يُقْتَحَم عليها أو تَبْذُوَ على أهلها
بفاحشةٍ) في رواية الكُتْمِيهنيّ: ((على أهله)). والاقتحام: الهُجوم على الشَّخص بغير إذنٍ،
والبذاءُ بالموخَّدة والمعجَمة: القول الفاحش.

٢٩٧
باب ٤٢ / ح ٥٣٢٨
كتاب الطلاق
قوله: ((حِبّان)) بكسرٍ أوَّله والموحّدة: هو ابن موسى، وعبد الله: هو ابن المبارك.
قوله: ((أنَّ عائشة أنكَرَت ذلك على فاطمة)) كذا أورَدَه من طريق ابن جُرَيج عن ابن
شِهاب مختصراً، وأورَدَه مسلم (١٤٨٠/ ٤٠) من طريق صالح بن كَيْسانَ عن ابن شِهاب
أنَّ أبا سَلَمَةَ بن عبد الرَّحمن أخبَرَه: أنَّ فاطمة بنت قيس أخبَرَته أنَّها جاءت رسولَ الله
وَلَّه تَستَقْتيه في خُروجها من بيتها، فأمَرَها أن تَنَتَقِّل إلى ابن أُمّ مَكْتوم الأعمَى، فأبى مروانُ
أن يُصدِّق في خروج المطلّقة من بيتها، وقال عُرْوة: إنَّ عائشة أنكَرَت ذلك على فاطمة بنت
قیس.
قوله: ((وزادَ ابن أبي الزِّناد عن هشام عن أبيه: عابَت عائشةُ أشَدَّ العَيب وقالت: إنَّ فاطمة
كانت في مكانٍ وَحْشٍ، فخِيفَ على ناحيتها، فلذلك أرخَصَ لها النبيُّ ◌َلَ() وَصَلَه أبو داود
(٢٢٩٢) من طريق ابن وَهْب، عن عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد بلفظ: لقد عابَت. وزادَ: يعني
فاطمة بنت قيس.
وقوله: ((وَحْش)) بفتح الواو وسكون المهمَلة بعدها مُعجَمة، أي: خالٍ لا أَنِيسَ به،
ولِرواية ابن أبي الزِّناد هذه شاهدٌ من رواية أبي أُسامة(١) عن هشام بن عُرْوة لكن قال: عن
أبيه عن فاطمة بنت قيس، قالت: قلت: يا رسول الله، إنَّ زوجي طَلَّقَني ثلاثاً فَأَخافُ أن
يُقْتَحَم عليَّ، فأمَرَها فَتَحوَّلَت.
وقد أَخذ البخاريُّ التَّرجمة من مجموع ما وَرَدَ في قصَّة فاطمة، فَرَتَّبَ الجواز على أحد
الأمرَينِ: إمّا خَشْيَةَ الاقتحام عليها، وإمّا أن يقعَ منها على أهل مُطلِّقها فُحْشٌّ من القول،
ولم يَرَ بين الأمرَينِ في قصَّة فاطمة مُعارضةً لاحتمال وقوعِهما معاً في شأنها.
وقال ابن المنّيِّرِ: ذكر البخاريّ في التَّرجمة عِلَّتَيْنِ، وذكر في الباب واحدةً فقط، وكأنَّه أَوماً إلى
الأُخرى إمّا لوُرودِها على غير شرطه، وإمّا لأنَّ الخوف عليها إذا اقتَضَى خُروجَها، فيمِثْلُه الخوفُ
منها، بل لعلَّه أَولى في جواز إخراجها، فلمَّا صَحَّ عنده معنى العِلّة الأُخرى ضَمَّنَها التَرجمةَ.
(١) بل من رواية حفص بن غياث عن هشام، وروايته عند مسلم (١٤٨٢).

٢٩٨
باب ٤٢ / ح ٥٣٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
وتُعقّبَ بأنَّ الاقتصار في بعض طرق الحديث على بعضِه لا يَمنَع قَبُول بعضٍ آخَر إذا
صَحَّ طريقُه، فلا مانعَ أن يكون أصل شَكواها ما تقدَّم من استقلال النَّفَقة، وأنَّه اتَّفَقَ أنَّه
بَدا منها بسبب ذلك شَرٌّ لأَصهارها، واطَّلَعَ النبيُّ وَلَهِ عليه من قِبَلهم، وخَشِيَ عليها إن
استَمرَّت هناك أن يَترُكُوها بغير أَنيسِ، فَأُمِرَت بالانتقال.
قلت: ولعلَّ البخاريَّ أشارَ بالثّاني إلى ما ذكره في الباب قبله من قول مروان لعائشة:
إن كان بك شَرّ. فإنَّه يومِئ إلى أنَّ السَّبَب في تَرك أمرها بمُلازَمة السَّكَن ما وَقَعَ بينها وبين
أقارب زوجها من الشرّ.
وقال ابن دقيق العيد: سياق الحديث يقتضي أنَّ سبب الحُكمِ أنَّها اختَلَفَت معَ الوكيل
بسبب استقلالها ما أعطاها، وأنَّها لمَّا قال لها الوكيل: لا نَفَقة لك سألَتِ النبيَّ ◌َِّ فأجابها
٤٨٠/٩ بأنَّهَا لا نَفَقةَ لها ولا سُكنَى، فاقتَضَى أنَّ التَّعليل إنَّما هو بسبب/ ما جَرَى من الاختلاف لا
بسبب الاقتحام والبذاءة، فإن قامَ دليل أقوى من هذا الظّاهر عُمِلَ به.
قلت: المتَّفَق عليه في جميع طُرقه أنَّ الاختلاف كان في النَّفَقة، ثمَّ اختَلَفَت الرِّوايات:
ففي بعضِها: فقال: ((لا نَفَقةَ لك ولا سُكنَى)) وفي بعضها أنَّه لمَّا قال لها: ((لا نَفَقة لك))
استأذنَته في الانتقال فأذِنَ لها، وكلّها في ((صحيح مسلم)) (١٤٨٠ - ١٤٨٢)، فإذا جُمعَت
ألفاظ الحديث من جميع طرقه خَرَجَ منها أنَّ سبب استئذانها في الانتقال ما ذُكر من الخوف
عليها ومنها، واستَقامَ الاستدلال حينئذٍ على أنَّ السُّكنَى لم تَسقُط لذاتها وإنَّما سَقَطَت
للسَّبَب المذكور. نعم كانت فاطمة بنت قيس تَجزِم بإسقاطِ سُكنَى البائن ونَفَقَتِها، وتَستَدِلّ
لذلك کما سيأتي ذكره، ولهذا كانت عائشة تُنكِرِ عليها.
تنبيه: طَعَنَ أبو محمَّد بن حَزْم في رواية ابن أبي الزّناد المعلَّقة فقال: عبد الرَّحمن بن أبي
الزِّناد ضعيف جدّاً، وحَكَمَ على روايته هذه بالبُطْلان، وتُعقِّبَ بأنَّه مُخْتَلَف فيه، ومَن طَعَنَ
فيه لم يَذكُر ما يدلّ على تَرْكه فَضْلاً عن بُطْلان روايته، وقد جَزَمَ يحيى بن مَعِين بأنَّه أَثبَتُ
الناس في هشام بن عُرْوة، وهذا من روايته عن هشام، فللَّه دَرُّ البخاريِّ ما أكثرَ استحضارَه

٢٩٩
باب ٤٢ / ح ٥٣٢٨
كتاب الطلاق
وأحسنَ تَصَرُّفَه في الحديث والفقه!
وقد اختَلَفَ السَّلفُ فِي نَفَقة المطلّقة البائن وسُكْناها:
فقال الجمهور: لا نَفَقة لها، ولها السُّكنَى، واحتَجُّوا لإثبات السُّكنَى بقولِه تعالى: ﴿أَشْكِنُوهُنَّ
مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم مِّنِ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولِإسقاطِ النَّفَقة بمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ
أُؤْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَتِهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فإنَّ مفهومه أنَّ غير الحامل لا نَفَقة
لها وإلّا لم يكن لتَخصيصِها بالذِّكرِ معنّى، والسّياق يُفهم أنَّهَا في غير الرَّجعيَّة، لأنَّ نَفَقة الرَّجعيَّة
واجبةٌ لو لم تكن حاملاً.
وذهب أحمد وإسحاق وأبو ثَور: إلى أنَّه لا نَفَقة لها ولا سُكنَى على ظاهر حديث فاطمة
بنت قيس، ونازَعوا في تَناوُل الآية الأُولى المطلّقةَ البائنَ، وقد احتَجَّت فاطمة بنت قيس
صاحبةُ القصَّة على مروان حين بَلَغَها إنكارُه بقولها: بيني وبينكم كتابُ الله، قال الله تعالى:
إِلَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] قالت: هذا لمن
كانت له مُراجَعةٌ، فأيُّ أمرٍ يَحِدُثُ بعد الثلاث؟ وإذا لم يكن لها نَفَقةٌ وليست حاملاً فعلامَ
تحبسُونَها(١)؟
وقد وافَقَ فاطمةَ على أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]
المراجَعةُ قَتَادةُ والحسنُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ، أخرجه الطَّبَرِيُّ عنهم ولم يحكِ عن أحدٍ
غيرِهم خلافَه، وحكى غيرُه أنَّ المراد بالأمرِ: ما يأتي من قِبَل الله تعالى من نَسْخِ أو تخصيصٍ
أو نحو ذلك، فلم يَنحَصِر ذلك في المراجَعة.
وأمَّا ما أخرجه أحمد (٢٧١٠٠) من طريق الشَّعبيّ عن فاطمة في آخر حديثها مرفوعاً:
((إِنَّمَا السُّكنَى والنَّفَقة لمن يَملِك الرَّجعةَ)) فهو في أكثر الرِّوايات موقوف عليها، وقد بيَّن
الخطيب في ((المدرَج)) (٩٢٩/٢ -٩٣٢): أنَّ مُجالد بن سعيد تفرَّد برَفعِه وهو ضعيف، ومَن
أدخَلَه في رواية غير مُجالدٍ عن الشَّعبيّ فقد أدرَجَه، وهو كما قال، وقد تابَعَ بعضُ الزُّواة عن
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٤١).

٣٠٠
باب ٤٢ / ح ٥٣٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
الشَّعبيّ في رفعه مجالداً لكنَّه أضعف منه.
وأمَّا قولها: ((إذا لم يكن لها نَفَقة فعلامَ تَحبسونَها؟)) فأجابَ بعض العلماء عنه: بأنَّ السُّكنَى
التي تَتَبَعها النَّفَقة هو حال الَّوجيَّ الذي يُمكِن معه الاستمتاع ولو كانت رَجعيَّة، وأمَّا
السُّكنَى بعد البَينونة فهو حَقٍّ لله تعالى بدليل أنَّ الَّوجَينِ لو أنَّفَقا على إسقاط العِدّة لم تَسقُط
بخلاف الرَّجعيَّةُ، فدَلَّ على أنْ لا مُلازَمَةَ بين السُّكنَى والنَّفَقة. وقد قال بمِثلِ قول فاطمة أحمدُ
وإسحاقُ وأبو ثَور وداودُ وأتباعهم.
وذهب أهل الكوفة من الحنفيَّة وغيرهم إلى أنَّ لها النَّفَقةَ والكِسوةَ، وأجابوا عن الآية
بأنَّه تعالى إنَّا قَيَّدَ النَّفَقة بحالة الحَمل ليدلَّ على إيجابها في غير حالة الحمل بطريق الأولى،
لأنَّ مُدّة الحَمل تَطول غالباً.
ورَدَّه ابن السَّمعانيّ بمَنع العِلّة في طول مُدّة الحَمل، بل تكون مُدّة الحَمل أقصَرَ من
غيرها تارةً وأطولَ أُخرى فلا أَولَوَّة، وبأنَّ قياس الحائل على الحامل فاسد، لأنَّه يَتَضَمَّن
٤٨١/٩ إسقاطَ تقييدٍ وَرَدَ به النَّصُّ في القرآن/ والسُّنّة.
وأمَّا قول بعضهم: إنَّ حديث فاطمة أنكَرَه السَّلَف عليها كما تقدَّم من كلام
عائشة، وكما أخرج مسلم (٤٦/١٤٨٠) من طريق أبي إسحاق: كنت معَ الأسوَد بن
يزيد في المسجد فحدَّث الشَّعبيّ بحديثٍ فاطمة بنت قيس: أنَّ رسول الله وَّه لم يجعل
لها سُكنَى ولا نَفَقة، فأخَذَ الأسوَد كَفّاً من حَصّى فحَصَبَه به، وقال: وَيْلَكَ تُحَدِّث
بهذا؟ قال عمر: لا نَدَعُ كتابَ رَبِّنا وسُنّةَ نبيِّنا لقولِ امرأة لا نَدري لعلَّها حَفِظَت أو
نَسَيَت، قال الله تعالى ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾(١). فالجواب عنه: أنَّ الدّارَ قُطنيَّ
قال: قوله في حديث عمر: وسُنّةَ نبيِّنا، غير محفوظ، والمحفوظ: لا نَدعُ كتاب رَبِّنا،
وكأنَّ الحامل له على ذلك أنَّ أكثر الرِّوايات ليست فيها هذه الزّيادة، لكن ذلك لا يَرُدّ
روايةَ الثَّقةِ(٣)، ولعلَّ عمر أراد بسُنّة النبيِّ وَِّما دَلَّت عليه أحكامُه من اتِّباع كتاب الله، لا
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٠) (٤٦).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: النفقة.