النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ باب ٣٠ / ح ٥٣٠٩ كتاب الطلاق محمَّد عن ابن جُرَيج عن عِكْرمة في هذه الآية ﴿ وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٦] نزلت في هلال بن أُميَّة، فذكره مختصراً، قال ابن جُرَيج: وأخبرني ابن شِهاب؛ فذكره، فكأنَّ ابن جُرَيج أشارَ إلى بيان الاختلاف في الذي نزلَ ذلك فيه، وقد ذكرت ما في رواية ابن جُرَيج من الفائدة في الباب الذي قبله. قوله: ((قال: وكانت حامِلاً وكان ابنها يُدْعَى لأُمُّه. قال: ثمَّ جَرَت السُّنّة في مِيراثها أنَّهَا تَرِثُه وتَرِثُ منها ما فَرَضَ الله لها)) هذه الأقوال كلُّها أقوالُ ابن شِهاب، وهو موصول إليه بالسَّنَدِ المُبدَأ به، وقد وَصَلَه سُوَيد بن سعيد(١) عن مالك عن ابن شِهاب عن سهل بن سعد، قال الدّارَ قُطْنيُّ في ((غرائب مالك)): لا أعلم أحداً رواه عن مالكٍ غيرُه. قلت: وقد تقدَّم في التَّفسير (٤٧٤٦) من طريق فُلَيح بن سليمان عن الزُّهْريِّ عن سَهل، فَذَكَر قصَّة المتلاعِنَينِ مختصرةً، وفيه: ففارَقَها، فكانت سُنّةً أن يُفرَّق بين المتلاعِنَين، وکانت حاملاً، إلى قوله: ما فرضَ الله لها(٢). وظاهره أنَّه من قول سهل مع احتمال أن يكون من قول ابن شِهاب كما تقدَّمَ، وهذا صريحٌ في أنَّ اللِّعان بينهما وَقَعَ وهي حاملٌ، ویتایَّد بما في رواية العبَّاس بن سهل بن سعد عن أبيه عند أبي داود (٢٢٤٦): فقال النبيُّ وَّ لعاصمِ ابن عَديّ: ((أَمسِكِ المرأةَ عندك حتَّى تَلِدَ))، وتقدَّم في أثناء الباب الذي قبله من مُرسَل مُقاتل ابن حَيّان ومن حديث عبد الله بن جعفر أيضاً التَّصريحُ بذلك. قوله: ((قال ابن مُرَيج: عن ابن شهاب، عن سَهْل بنِ سَعْدٍ في هذا الحديث)) هو موصولٌ بالسَّنَدِ المُبدَأ به. قوله: «إن جاءتْ به احمر» في روایة أبي داود (٢٢٤٨) من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب: ((أُحَيمِر)) بالتَّصغير، وفي مُرسَل سعيد بن المسيّب عند الشافعيّ (١٣٤/٥): ((أشقَر))، قال ثَعَلَب: المراد بالأحمرِ: الأبيضُ، لأنَّ الحُمرة إنَّا تَبْدُو في البياض، قال: والعرب لا تُطلِقٍ الأبيض في اللَّون، وإنَّما تقوله في نَعْت الطاهر والنَّقيّ والكريم ونحوِ ذلك. (١) وأخرجه من طريقه الخطيب في ((الفصل للوصل)) ٣٠٤/١. (٢) وكذلك رواه يونس عن الزهري عند مسلم (١٤٩٢) (٢). ٢٤٢ باب ٣١ / ح ٥٣١٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قَصيراً كأنَّه وَحَرَة» بفتح الواو والمهمَلة: دُوَيّة تَتَرامَى على الطَّعام واللَّحم فتُفسِده، وهي من نوع الوَزَغْ. قوله: ((فلا أُراها إلّا قد (١) صَدَقَت)) في رواية عبَّاس بن سَهل عن أبيه عند أبي داود(٢). ((فهو لأبيه الذي انتَفَى منه)). قوله: ((وإن جاءت به أسوَدَ أَعَنَ ذا أَلْيَتَينِ)) أي: عظيمَتَين، ويُوضِّحُه ما في رواية أبي داود (٢٢٤٨) المذكورة من طريق إبراهيم بن سعد: ((أَدعَجَ العينَينِ، عظيم الأَلْيَتَينِ))، ومثله في رواية الأوزاعيِّ الماضية في التَّفسير (٤٧٤٥)، وزاد: ((خَدَلَّجَ الساقَينِ)). والدَّعَجُ: شِدّةُ سَوادِ الحَدَقِةِ، والأَعيَّنُ: الكبيرُ العَينِ، وفي رواية عبَّس بن سَهل المذكورة: ((وإن وَلَدَتْهُ قَطَطَ الشَّعْرِ، أسْوَدَ اللِّسان، فهو لابنِ سَحماءَ)» والقَطَط: تَفَلَفُل الشَّعْرِ. قوله: ((فجاءت به على المَكْرُوه من ذلك)) في رواية الأوزاعيِّ: فجاءت به على النَّعت الذي نَعَتَ به رسولُ اللهِوَّهِ مِن تَصديق عُوَيمِر. وفي رواية عبَّاس المذكورة: قال عاصم: فلمَّا وَقَعَ أَخذتُه إليّ، فإذا رأسُه مِثل فَرْوةِ الحَمَلِ الصَّغير، ثمَّ أخذت بفَقْمَيهِ(٣) فإذا هو مِثلُ النَّبْعَةِ، واستَقبَلَني لسانُه أسوَدُ مِثْلُ الثَّمْرَةِ، فقلت: صَدَقَ رسول الله وَل. والحَمَلُ: بفتح المهملة والميم: ولد الضَّأْنِ،/ والنَّبِعَةُ: واحدةُ النَّبِع، بفتح الُّون وسكون ٤٥٤/٩ الموحّدة بعدها مُهمَلة: وهو شَجَر يُتَّخَذ منه القِيُّ والسِّهام، ولون قِشْرِه أَحمرُ إلى الصُّفرة. ٣١- باب قول النبيِّ وَّ: لو كنت راجماً بغير بَيّنةٍ ٥٣١٠- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، حدَّثني اللَّيثُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عندَ النبيِّ وَّةِ، فقال عاصمُ (١) لفظة ((قد)) سقطت من الأصول و(س)، وأثبتناها من شرح الحافظ للحديث (٦٨٥٤)، وهي ثابتة لجميع رواه البخاري کما في الیونینیة دون خلاف. (٢) إنما وقع هذا اللفظ من الطريق المذكورة عند أحمد في ((مسنده)) برقم (٢٢٨٣٧)، وأما رواية أبي داود (٢٢٤٦) من هذا الطريق فهي مختصرة بلفظ: ((أَمسِك المرأة عندك حتى تلد)). (٣) الفقْمان: مثنى فقْم، بفتح الفاء وضمها، وهو اللَّحْى، أي: عَظْمُ الحَنَك. ٢٤٣ باب ٣١ / ح ٥٣١٠ كتاب الطلاق بنُ عَدِيٍّ في ذلك قَولاً، ثمَّ انصَرَفَ فَأَنَاه رجلٌ من قومِه يَشْكو إليه أنَّه قد وَجَدَ معَ امرأتِه رَجُلاً، فقال عاصمٌ: ما ابتُلِيتُ بهذا إلّا لِقَوْلِي، فَذَهَب به إلى النبيِّ ◌َِّ، فَأَخَرَه بالذي وَجَدَ عليه امرأته، وكان ذلك الرجلُ مُصْفَرّاً قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبِطَ الشَّعَرِ، وكان الذي اذَّعَى عليه أنَّه وَجَدَه عندَ أهلِهِ آدَمَ خَدَلَّا كثيرَ اللَّحْمِ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((اللهمَّ بيِّنْ))، فجاءت شَبِهاً بالرجلِ الذي ذَكَر زوجُها أنَّه وَجَدَه، فلا عَنَ النِّيُّ وَّهِ بينَهما. قال رجلٌ لابنِ عبَّاسٍ في المجلسِ: هي التي قال النبيُّ وَّ: (لو رَجَمْتُ أحداً بغيرِ بَيَِّةٍ، رَبَمْتُ هذه»؟ فقال: لا، تلكَ امرأةٌ كانت تُظْهِرُ في الإسلام السُّوءَ. قال أبو صالحٍ وعبدُ الله بنُ يوسُفَ: آدمَ خَذْلاً. [أطرافه في: ٥٣١٦، ٦٨٥٥، ٧٢٣٨،٦٨٥٦] قوله: ((باب قول النبيِّ وَّ: لو كنتُ راجِماً بغيرِ بَيِّة)) أي: مَن أنكَرَ، وإلّا فالمُعتَرِف أيضاً يُرجَم. قوله: ((عن يحيى بن سعيد)) هو الأنصاريّ. قوله: (عن عبد الرّحمن بن القاسم)) في رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد: أخبرني عبدُ الرَّحمنِ بن القاسم. وستأتي بعد ستّة أبواب (٥٣١٦). قوله: ((عن القاسم بن محمَّد)) أي: ابن أبي بكر الصِّدّيق، وهو والد عبد الرَّحمن راوِيه عنه، ووَقَعَ في رواية للنَّسائي (٣٤٧١): عن أبيه. قوله: ((عن ابن عبّاس: أَنَّه ذُكِرَ التَّلاعُن)) يعني أنَّه قال: ذُكِرٍ، فحَذَفَ لفظ: قال. وصَرَّحَ بذلك في رواية سليمان الآتية (٥٣١٦). وقوله: ((ذُكِرَ)) بضمٍّ أوَّله على البناء للمجهول. وقوله: ((التَّلاعُن)) وَقَعَ في رواية سليمان: المتلاعِنان. والمراد: ذِكْر حُكم الرجل يَرمي امرأته بالزِّنى، فعَبَّرَ عنه بالتَّلاعُنِ باعتبار ما آلَ إليه الأمرُ بعد نزول الآية. ٢٤٤ باب ٣١ / ح ٥٣١٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فقال عاصم بن عَديّ في ذلك قولاً، ثمَّ انصَرَفَ)) قال الكِرْمانيُّ: معنى قوله: قولاً، أي: كلاماً لا يَلِيق به كَعُجْب النَّفْس والنَّخْوة والمبالَغة في الغَيرة وعَدَمِ المَرَدّ إلى إرادة الله وقُدرَته. قلت: و کلّ ذلك بمعزِلٍ عن الواقع، وإنّما المراد بقولِ عاصم ما تقدَّم في حديث سهل ابن سعد: أنَّه سألَ عن الحُكم الذي أمَرَه عُوَيمِرٌ أن يسأل له عنه، وإنَّما جَزَمت بذلك لأنَّه تَبِيَّن لي أنَّ حديثَي سَهل بن سعد وابن عبّاس من رواية القاسم بن محمَّد عنه في قصَّة واحدة، بخلاف رواية ◌ِكْرمة عن ابن عبّاس، فإنَّها في قصّة أُخرى كما تقدَّم في تفسير النّور (٤٧٤٧) عن ابن عبد البرّ: أنَّ القاسم روى قصّة اللِّعان عن ابن عبّاس كما رواه سَهل بن سعد وغيره في أنَّ المُلاعِن عُوَيمِرٌ، وبيَّنت هناك تَوجيهَه، وعلى هذا فالقول المبهم عن عاصم في رواية القاسم هذه هو قوله: أَرأيتَ رجلاً وجَدَ معَ امرأته رجلاً، أيَقتُلُه فَتَقْتُلُونَه؟ الحديث، ولا مانع أن يَرويَ ابن عبّاس القِصَّتَينِ معاً، ويُؤيِّد التعذُّد اختلاف السّياقَينِ وخُلُوُّ أحدِهما عمَّا وَقَعَ في الآخر وما وَقَعَ بين القِصَّتَينِ من المُغايرة كما أُبِّته. ٤٥٥/٩ قوله: ((فَتَاهُ/ رجلٌ من قَومه)» هو عُوَيمِرٌ كما تقدَّمَ، ولا يُمكِن تفسيره بهلال بن أُميَّة لأنَّه لا قَرابةَ بينه وبين عاصم، لأنَّه هلال بن أُميَّة بن عامر بن عبد قيس من بني واقِف، وهو مالك بن امرِئ القيس بن مالك بن الأَوس، فلا يَجتَمِعِ معَ بني عَمْرو بن عَوْف الذي ينتمي (١) عاصمٌ إلى حِلْفهم إلّا في مالك بن الأَوس، لأنَّ عَمْرو بن عَوْف هو ابن مالك. قوله: ((فقال عاصم: ما ابتُليت بهذا إلّا لِقولي)) تقدَّم بيان المراد من ذلك، لِكَوْنِ عُوَيمِر ابن عمرو (٢) کانت ثَحته بنت عاصم أو بنت أخيه، فلذلك أضاف ذلك إلى نفسه بقوله: ما ابتُليت. (١) في (س): ينتهي. (٢) كذا نسبه الحافظ هنا، فقال: ابن عمرو، والظاهر أنه سبق قلم منه، لأنه ذكر نسبه عند شرح الحديث (٥٣٠٨) نقلاً عن الطبري، فقال: هو عُوَيمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن عجلان، وقال: هذا هو المعتمد. ٢٤٥ باب ٣١ / ح ٥٣١٠ كتاب الطلاق وقوله: ((إلّا بقولي)) أي: بسؤالي عمَّا لم يقع، كأنَّه قال: فعُوقِبت بوقوع ذلك في آلٍ بيتي، وزَعَمَ الدّاووديُّ أنَّ معناه أنَّه قال: مثلاً لو وجدت أحداً يفعل ذلك لَقَتَلتُه، أو عَيَّرَ أحداً بذلك فابتُليَ به، وكلامه أيضاً بمَعزِلٍ عن الواقع، فقد وَقَعَ في مُرسَل مُقاتل بن حَيّان عند ابن أبي حاتم فقال عاصم: إنّا لله وإنّا إليه راجِعونَ، هذا والله بسُؤالي عن هذا الأمر بين الناس فابتُليت به. والذي كان قال: لو رأيتُه لَضَرَبتُه بالسَّيفِ، هو سعد بن عبادة كما تقدَّم في ((باب الغَيرة))(١). وقد أورَدَ الطَّبَرِيُّ (٨٢/١٨) من طريق أيوب عن عِكْرمة مُرسَلاً، ووَصَلَه ابن مَرْدويه بذِكْر ابن عبَّاس قال: لمَّا نزلت ﴿ وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور: ٤] قال سعد بن عُبَادة: إن أنا رأيت لَكَاع تفَخَّذُها (٢) رجل، فذكر القصَّة، وفيه: فوالله ما لَبثوا إلّا يسيراً حتّى جاء هلال بن أُميّة، فذكر قِصَّتَه. وهو عند أبي داود (٢٢٥٦) في رواية عبّاد بن منصور عن عِكْرمة عن ابن عبّاس، فَوَضَحَ أنَّ قول عاصم كان في قصَّة عُوَيمِر، وقولَ سعد بن عُبَادة كان في قصَّة هلال، فالكلامان مُخْتَلِفان، وهو ما يُؤْيِّد تعدُّد القصَّة. ويُؤْيِّد التعدُّدَ أيضاً أنَّه وَقَعَ في آخر حديث ابن عبّاس عند الحاكم(٣) قال ابن عبّاس: فما كان بالمدينة أكثر غاشِيةً منه. وعند أبي داود وغيره (٢٢٥٦): قال عِكْرمة: فكان بعد ذلك أميراً على مِصْرٍ وما يُدعَى لأبٍ. فهذا يدلُّ على أنَّ ولد المُلاعَنة عاشَ بعد النبيِّ وَّل زماناً، وقوله: على مِصْرٍ، أي: من الأمصار، وظنَّ بعض شيوخنا أنَّه أراد مِصْرَ البَلَد المشهور فقال: فيه نَظرٌ، لأنَّ أُمَراء مِصْرَ معروفونَ مَعدودونَ ليس فيهم هذا. ووَقَعَ في حديث عبد الله ابن جعفر عند ابن سعد في ((الطَّقات)): أنَّ ولد الملاعَنة عاشَ بعد ذلك ستَينِ وماتَ. فهذا أيضاً ممّا يُقوِّي التعدُّد، والله أعلم. (١) بین یدي الحديث (٥٢٢٠). (٢) تحرف في (س) إلی: «یفجر بها)). (٣) أخرج الحاكم ٢/ ٢٠٢ حديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية من طريق أيوب عن عكرمة، عنه، لكن ليس فيه اللفظ المذكور، وهو عند ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٨/ ٢٥٣٤ من طريق عاصم بن كليب عن أبيه، عنه. وإليه عزاه ابن كثير في («تفسيره)) ٦/ ١٧، والسيوطي في ((الدر المنثور)) ١٣٥/٦ وزاد نسبته لا بن المنذر و ابن مردویه. ٢٤٦ باب ٣١ / ح ٥٣١٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وكان ذلك الرَّجل)) أي: الذي رَمَی امرأته. قوله: ((مُصْفَرًا)) بضمٍّ أوَّله وسكون الصّاد المهمَلة وفتح الفاء وتشديد الرَّاء، أي: قَويّ الصُّفْرة، وهذا لا يُخالف قوله في حديث سَهل: أنَّه كان أحمرَ أو أشقَر لأنَّ ذاكَ لونه الأصليّ والصُّفْرة عارضة، وقوله: ((قليل اللَّحم)) أي: نَحيف الجسم. وقوله: ((سَبِطَ الشَّعَرِ)) بفتح المهمَلة وكسر الموخَّدة: هو ضِدُّ الجُعُودة. قوله: ((وكان الذي ادَّعَى عليه أنَّه وَجَدَه عند أهلِهِ آدَمَ)) بالمدّ، أي: لونه قريبٌ من السَّواد. قوله: ((خَدَلًا)) بفتح المعجَمة ثمَّ المهمَلة وتشديد اللّام، أي: مُمتَلِئ الساقَين، وقال أبو الحسين ابن فارس: مُمتَلِئِ الأعضاء، وقال الطََّرُّ: لا يكون إلّا معَ غِلَظ العَظم معَ اللَّحم. قوله: ((كَثير اللَّحْم)) أي: في جميع جَسَده، يحتمل أن تكون صِفَةً شارحةً لقولِه: ((خَدَلًّا)» بناءً على أنَّ الخَدَلَّ: الممتَلِئُ البَدَن، وأمَّا على قول مَن قال: إنَّه الممتَلِئ الساق فيكون فيه تَعميمٌ بعد تَّخصيص، وزاد في رواية سليمان بن بلال الآتية: ((جَعْداً قَطَطاً)) وقد تقدَّم تفسيره في شرح حديث سَهل (٥٣٠٩) قريباً، وهذه الصِّفة موافقة للَّتي في حديث سَهل ابن سعد (٤٧٤٥) حيثُ قال فيه: ((عظيم الأَلْيَتَينِ خَدَلَّج الساقَينِ ... )) إلى آخره. قوله: ((فقال النبيُّ وَِّ: اللهمَّ بَيِّنْ)) يأتي الكلام عليه بعد أربعة أبواب. قوله: ((فجاءت)) في رواية سليمان بن بلال: فَوَضَعَت. قوله: ((فلاعَنَ النبيُّ ◌ِ ◌َ بينَهما)» هذا ظاهرُه أنَّ المُلاعَنة بينهما تأخّرَت حتَّى وضَعَت، فيُحمَلُ على أنَّ قوله: ((فلاعَنَ)) مُعَقَّبٌ بقولِه: فذهب به إلى النبيّ ◌َّ فأخبَرَه بالذي وَجَدَ ٤٥٦/٩ عليه امرأته. واعتَرَضَ قوله: وكان ذلك الرجل ... إلى آخره، والحامل على ذلك ما / قَدَّمناه من الأدلّة على أنَّ رواية القاسم هذه موافقة حديثٍ سهل بن سعد. قوله: ((فقال رجل لابنِ عبَّاس في المجلس)) يأتي بيانه في ((باب قول الإمام: اللهمَّ بَيِّ)) قريباً (٥٣١٦). ٢٤٧ باب ٣٢ / ح ٥٣١١ كتاب الطلاق قوله: (لو كنت راجِماً بغيرِ بَيِّةٍ)) تَمَسَّكَ به مَن قال: إنَّ نُكُول المرأة عن اللِّعان لا يُوجِب عليها الحدَّ، وهو قول الأوزاعيِّ وأصحاب الرَّأي، واحتَجُّوا بأنَّ الحدود لا تَتْبُت بالنُّكُول، وبأنَّ قوله ◌َّةِ: (لو كنتُ راجِماً)) لم يقع بسبب اللِّعان فقط. وقال أحمد: إذا امتَنَعَت تُحْبَس، وأَهابُ أن أقول: تُرجَم، لأنَّها لو أقَرَّت صريحاً ثمَّ رَجَعَت لم تُرجَم، فكيف تُرجَم إذا أَبتِ الالتِعانَ! قوله: ((قال أبو صالح وعبد الله بن يوسف: آدَمَ خَذْلاً)) يعني بسُكونِ الدّال، ويقال: بفتحها تُحُفَّفاً في الوجهَينِ وبالسُّكونِ، ذَكَره أهل اللُّغة. وأبو صالح هذا: هو عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث، وقد وَقَعَ في بعض النُّسَخ عن أبي ذرٍّ: ((وقال لنا أبو صالح))، وروايةُ عبد الله بن يوسف وَصَلَها المؤلِّف في الحدود (٦٨٥٦). ٣٢ - باب صَدَاق المُلاعَنَةَ(١) ٥٣١١- حدَّثني عَمْرو بنُ زُرارةَ، أخبرنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: رجلٌ قَذَفَ امرأتَه فقال: فَّقَ النبيُّ نَّهِ بِينَ أَخَوَي بَنِي العَجْلانِ، وقال: ((اللهُ يَعلَمُ أنَّ أحدَكُما لَكاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟)) فَأَبَيَا وقال: ((اللهُ يَعلَمُ أنَّ أحدَكُما لَكاذِبٌ، فهل منكما تائبٌ؟)) فَأَبَيَا فقال: ((الهُ يَعلَمُ أنَّ أحدَكُما كاذِبٌ، فهل منكما تائبٌ؟)) فَأَبَيَا، ففَرَّقَ بينَهما. قال أيوبُ: فقال لي عَمْرو بنُ دِينارٍ: إنَّ في الحديثِ شيئاً لا أراكَ تُحَدِّثُه! قال: قال الرجلُ: مالي؟ قال: قيل: ((لا مالَ لكَ إن كنتَ صادِقاً فقد دَخَلْتَ بها، وإن كنتَ كاذِباً فهو أبعَدُ منكَ)). [أطرافه في: ٥٣١٢، ٥٣٤٩، ٥٣٥٠] قوله: ((باب صَداق المُلاعَنة)) أي: بيان الحُكم فيه، وقد انعَقَدَ الإجماع على أنَّ المَذْخول بها تَستَحِقّ جميعَه، واختُلِفَ في غير المَدْخول بها: فالجمهور على أنَّ لها النِّصفَ كغيرها من (١) كذا ضبطت في اليونينية هنا بفتح العين، ويجوز فيها أيضاً كسر العين، حيث وقعت كذلك في اليونينية في (باب ميراث الملاعنة)) من كتاب الفرائض بين يدي الحديث (٦٧٤٨)، ونصَّ الحافظ هنا على جواز ضبطها بالوجهين. ٢٤٨ باب ٣٢ / ح ٥٣١١ فتح الباري بشرح البخاري المطلَّقات قبل الدُّخول، وقيل: بل لها جَميعُه، قاله أبو الزّناد والحَكَم وحَمَّاد، وقيل: لا شيءَ لها أصلاً، قاله الزُّهْرِيُّ، وروي عن مالكٍ. قوله: ((أخبَرَنا إسماعيل)) هو المعروف بابنِ عُلِيَّةً. قوله: ((قلت لابنِ عمر: رجل فَذَفَ امرأته)) أي: ما الحُكم فيه؟ وقد أورَدَه مسلم (٧/١٤٩٣) من وجه آخر عن سعيد بن جُبَير فزاد في أوَّله: قال: لم يُفرِّق المُصعَبُ - يعني ابن الزُّبَير - بين المتلاعِنَينِ، أي: حيثُ كان أميراً على العراق، قال سعد: فذكرت ذلك لابنِ عمر. ومن وجه آخر عن سعيد (١٤٩٣ /٤): سُئِلْتُ عن المتلاعِنَينِ في إمرَةٍ مُصعَب ابن الزُّبَير فما دَرَيتُ ما أقول، فمَضَيتُ إلى منزل ابن عمر بمكّة، الحديثَ، وفيه: فقلت: يا أبا عبد الرَّحمن، المتلاعِنان أَيُفرَّقُ بينهما؟ قال: سبحان الله! نعم، إنَّ أوَّل مَن سألَ عن ذلك فلان ابن فلان. وعُرِفَ من قوله: بمكّة، أنَّ في الرِّواية التي قبلها حذفاً تقديره: فسافَرتُ إلى مگّة، فذكرتُ ذلك لابنِ عمر. ووَقَعَ في رواية عبد الرَّزّاق (١٢٤٥٤) عن مَعمَر عن أيوب عن سعيد بن جُبَير قال: كنّاً بالكوفة نَختَلِف في المُلاعَنة، يقول بعضنا: يُفرَّق بينهما، ويقول بعضنا: لا يُفرَّق. ويُؤخَذ منه أنَّ الخلاف في ذلك كان قديماً، وقد استَمرَّ عثمان البَتِّيّ من فقهاء البصرة على أنَّ اللِّعان لا يقتضى الفُرقة كما تقدَّم نَقلُه عنه، وكأنَّه لم يَبلُغه حدیثُ ابن عمر. قوله: ((فَرَّقَ رسول الله وَّ بين أخَوَي بني العَجْلان)) سيأتي البحث فيه بعد باب، وتقدَّمَت ٤٥٧/٩ تَسميتُهما في حديث سهل بن سعد (٥٣٠٨)، ووَقَعَ في رواية أبي أحمد الجُرجانيّ بين/ أَحد بني العَجْلان. بحاءٍ ودالٍ مُهمَلتَينِ، وهو تصحيف. قوله: ((وقال: الله يَعْلم أَنَّ أحدَكُما لَكاذِبُّ) كذا للمُستَمْلي، وسَقَطَت اللّام لغيره. قوله: ((فَهَل ◌ِمِنكُما تائب؟ فأَبَيَا)) ظاهرُه أنَّ ذلك كان قبل صُدور اللِّعان بينهما، وسيأتي أيضاً. قوله: ((قال أيوب)» هو موصول بالسَّنَدِ المُبدَأ به. قوله: ((فقال لي عَمْرو بن دينار: إنَّ في الحديث شيئاً لا أَراك تُحدِّثه، قال: قال الرجل: مالي؟ ٢٤٩ باب ٣٢ / ح ٥٣١١ كتاب الطلاق قال: قيل: لا مالَ لك ... )) إلى آخره، حاصله أنَّ عَمْرو بن دينار وأيوبَ سَمعا الحديث جميعاً من سعيد بن جُبَير فحَفِظَ فيه عَمْرٌو ما لم يحفظه أيوبُ، وقد بيَّن ذلك سفيان بن عُيَينة حيثُ رواه عنهما جميعاً في الباب الذي بعد هذا، فوَقَعَ في روايته عن عَمْرو بسنِدِه: قال النبيّ وَّ للمُتَلَاعِنَينِ: ((حِسابُكُما على الله، أحدُكُما كاذِب، لا سبيلَ لك عليها)) قال: مالي؟ قال: ((لا مالَ لك)». أمَّا معنى قوله: ((لا سبيل لك)) أي: لا تسليط، وأمَّا قوله: ((مالي؟)) فإنَّه فاعلُ فِعلِ محذوفٍ، كأنَّه لمَّا سمعَ ((لا سبيل لك عليها)) قال: أيذهبُ مالي؟ والمراد به الصَّداقُ. قال ابن العربيّ: قوله: ((مالي؟)) أي: الصَّداق الذي دَفَعْته إليها، فأُجيب بأنَّك استَوفَيتَه بُدُخولِك عليها، وتَمكينها لك من نفسها. ثمَّ أوضَحَ له ذلك بتقسيمٍ مُستَوعَب فقال: إن كنت صادِقاً فيما ادَّعَيته عليها فقد استَوفَيت حَقّك منها قبل ذلك، وإن كنت كَذَبَت عليها فذلك أبعَدُ لك من مُطالَبَتها، لئلّا تَجمَع عليها الظُّلم في عِرضها ومُطالَبَتها بمالٍ قَبَضَتْهُ مِنك قَبضاً صحيحاً تَستَحِقُه. وعُرِفَ من هذه الرِّواية اسم القائل: ((لا مالَ لك)) حيثُ أُبهمَ في حديث الباب بلفظ: ((قيلَ: لا مالَ لك)) معَ أنَّ النَّسائيَّ (٣٤٧٥) رواه عن زياد بن أيوب عن ابن عُليَّةً بلفظ: قال: ((لا مالَ لك)). وقوله: ((فقد دَخَلت بها)) فَسَّرَه في رواية سفيان (٥٣١٢) بلفظ: ((فهو بما استَحلَلت من فَرْجها». وقوله: ((فهو أَبعَدُ مِنك)) كذا عند النَّسائيِّ أيضاً، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ من رواية عثمان ابن أبي شَيْبة عن ابن عُليَّةَ: ((فهو أبعَدُ لك))، وسيأتي قبل كتاب النَّفَقات (٥٣٥٠) سواءً، من طريق عَمْرو بن دينار عن سعيد بن جُبِير بلفظ: ((فذلك أَبعَدُ وأبعَدُ لك منها)) وكَرَّرَ لفظ «أَبعَدُ» تأكيداً. قوله: ((ذلك)) الإشارة إلى الكَذِب، لأَنَّه معَ الصِّدق يَبعُد عليه استحقاق إعادة المال ففي الكَذِب أبعَدُ. ٢٥٠ باب ٣٣ / ح ٥٣١٢ فتح الباري بشرح البخاري ويُستَفاد من قوله: ((فهو بما استَحلَلت من فَرجها)) أنَّ المُلاعَنة لو أكْذَبَت نفسَها بعد اللِّعان وأقَرَّت بالزّنى وجَبَ عليها الحدّ، لكن لا يَسقُط مَهرُها. ٣٣- باب قول الإمام للمُتلاعنَينِ: إنّ أحدَكما كاذبٌ، فَهَل منكما مِن تائبٍ؟ ٥٣١٢ - حذَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال عَمْرٌو: سَمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن حديث المُتلاعنَينِ، فقال: قال النبيُّ وَّهِ لِلْمُتَلاعنَينِ: ((حِسابُكُما على الله، أحدُكُما كاذِبٌ، لا سبيلَ لكَ عليها)) قال: مالي؟ قال: ((لا مالَ لكَ، إن كنتَ صَدَقْتَ عليها فهو بما استَحْلَلْتَ من فَرْجِها، وإن كنتَ كَذَبْتَ عليها فذاكَ أبعَدُ لكَ)». قال سفيانُ : حَفِظُه من عمرو. وقال أيوبُ: سمعتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ قال: قلتُ لابنِ عمرَ: رجلٌ لاعَنَ امرأتَه! فقال بإصْبَعَيه - وفَرَّقَ سفيانُ بينَ إِصْبَعَيْه السَّابةِ والوُسْطَى -: فَرَّقَ النبيُّ وَّ بِينَ أَخَوَي بني العَجْلانِ، وقال: ((اللهُ يَعلَمُ أَنَّ أحدَكُما كاذِبٌ، فهل منكما تائبٌ؟)) ثلاثَ مَرَّاتٍ. قال سفيانُ: حَفِظّتُهُ من عَمٍو وأيوبَ كما أخبرتُكَ. قوله: ((باب قول الإمام للمُتَلاعِنَينِ: إنَّ أحدَكُما كاذِبٌ)) فيه تَغليب المذَكَّر على المؤنَّث، ٤٥٨/٩ وقال عياض - وتَبعَه النَّوَويُّ -: / في قوله: ((أحدكما)) رَدٌّ على مَن قال من النُّحاة: إنَّ لفظ ((أَحد)) لا يُستَعمَل إلّا في النَّفي، وعلى مَن قال منهم: لا يُستَعمَل إلّا في الوصف، وأنَّها لا توضَع موضعَ ((واحدٍ)) ولا تُوقَع مَوقِعَه، وقد أجازَه المبرِّد، وجاء في هذا الحديث في غیر وَصْفٍ ولا نَفْيٍ وبمعنى ((واحدٍ)، انتهى. قال الفاكهيّ: هذا من أعجَبِ ما وَقَعَ للقاضي معَ بَرَاعَته وحِذْقه، فإنَّ الذي قاله النُّحاة إنَّما هو في ((أَحد)) التي للعُمومِ، نَحو: ما في الدّار من أَحدٍ وما جاءني من أَحدٍ، وأمَّا ((أَحَد)) بمعنى واحد فلا خلاف في استعمالها في الإثبات نحو: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ﴾، ونحو ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور:٦]، ونحو: ((أحدُما کاذِب». قوله: ((فَهَل منكما من تائب؟)) يحتمل أن يكون إرشاداً لا أنَّه لم يَحَصُل منهما ولا من أحدِهما ٢٥١ باب ٣٣ / ح ٥٣١٢ كتاب الطلاق اعترافٌ، ولأنَّ الَّوج لو أكَذَبَ نفسَه كانت تَوبةً منه. قوله: ((سُفيانُ: قال عَمْرو)) هو ابن دينار، وفي رواية الحميديّ (٦٧١) عن سفيان: أخبرنا عَمْرو، فذكره، وقد بيَّنت ما فيه في الذي قبله. قوله: ((قال سُفْيان: حَفِظْته من عَمْرو)» هذا كلام عليّ بن عبد الله يريد بيانَ سماعٍ سفيان له من عمرو. قوله: ((وقال أَيوبُ)) هو موصول بالسَّنَّدِ المُبدَأ به وليس بتعليقِ، وحاصله أنَّ الحديث كان عند سفيان عن عَمْرو بن دينار وعن أيوبَ، جميعاً عن ابن عمر، وقد وَقَعَ في رواية الحميديِّ (٦٧٢) عن سفيان: قال: وحدَّثنا أيوب في مَجَلِس عَمْرو بن دينار، فحدَّثْه عَمْرو بحديثه هذا، فقال له أيوب: أنتَ أَحسَنُ حديثاً منِّي. وقد بيّنت في الذي قبله سبب ذلك، وهو أنَّ فيه عند عَمْرٍو ما ليس عند أيوبَ. قوله: ((فقال بإصْبَعَيهِ)) هو من إطلاق القول على الفِعل، وقوله: وفَرَّقَ سفيان بين السَّابة والوُسطَى، ◌ُملة مُعتَرِضة أراد بها بيان الكيفيَّة، والذي يظهر أنَّه لا يَجِزِم بذلك إلّا عن تَوقيف. وقوله: ((فَرَّقَ النبيُّ ◌َ﴿) إلى آخره، هو جواب السُّؤال. قوله: ((وقال: الله يَعْلم أنَّ أحدَكُما كاذِب)) قال عياض: ظاهرُه أنَّه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللِّعان، فيُؤخَذ منه عَرْضُ الثَّوبة على المُذنِب ولو بطريق الإجمال، وأنَّه يَلزَم من كَذَب الثَّوبةُ من ذلك. وقال الدّاووديّ: قال ذلك قبل اللِّعان تَحذيراً لهما منه. والأوَّل أظهَر وأَولَى بسياق الكلام. قلت: والذي قاله الدّاووديّ أَولى من جهةٍ أُخرى: وهي مشروعيَّة الموعظة قبل الوقوع في المعصية، بل هو أَحْرَى ممَّ بعد الوقوع، وأمَّا سياق الكلام فمُحتَمِل في رواية ابن عمر للأمرین، وأمّا حدیث ابن عبّاس فسِیاقُه ظاهر فيما قال الدّاووديّ، ففي رواية جَرِیر ابن حازم عن أيوب، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس عند الطَّبَريّ (٨٣/١٨-٨٤) والحاكم (٢٠٢/٢) والبيهقيّ (٧/ ٣٩٥) في قصَّة هلال بن أُميَّة: قال: فدعاهما حين نزلت آية الملاعَنة ٢٥٢ باب ٣٤ / ح ٥٣١٣-٥٣١٤ فتح الباري بشرح البخاري فقال: ((الله يعلمُ أنَّ أحدَكُما كاذِب، فهل منكما تائبٌ؟)) فقال هلالٌ: والله إنّي لَصادِقٌ ... الحديثَ، وقد قَدَّمت(١) أنَّ حديث ابن عبّاس من رواية عِكْرمة في قصَّةٍ غيرِ القصّة التي في حديث سهل ابن سعد وابن عمر، فيَصِحّ الأمران معاً باعتبار التعدُّد. ٣٤- باب التَّفريق بين المُتلاعِنَينِ ٥٣١٣ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ المنْذِرِ، حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما أخبَرَهُ: أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ فَرَّقَ بينَ رجلٍ وامرأةٍ قَذَفَها، وأَحلَفَهما. ٥٣١٤- حدَّثْني مُسَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، أخبَرَني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، قال: لاعَنَ النبيُّ ◌َِّ بِينَ رجلٍ وامرأةٍ منَ الأنصارِ، وَفَرَّقَ بينَهما. قوله: ((باب النَّفْريق بين المُتلاعِنَينِ)) ثَبَتَت هذه التَّرجمة للمُستَمْلِي، وذَكَرها الإسماعيليّ، ٤٥٩/٩ وثَبَتَ عند النَّسَفيِّ((باب)) بلا / ترجمة، وسَقَطَ ذلك للباقينَ، والأوَّل أنسَب. وفيه حديث ابن عمر من طريق عُبيد الله بن عمر العُمَريّ عن نافع من وجهَين، ولفظُ الأوَّل: فَّقَ بين رجل وامرأةٍ قَذَفَها فَأَحلَفَهما، ولفظ الثّاني: لا عَنَ بين رجلٍ وامرأةٍ فأحلَفَهما(٢). ويُؤْخَذ منه أنَّ إطلاق يحيى بن مَعِين وغيره تَخْطِئَةَ الرّواية بلفظ: فَرَّقَ بين المتلاعِنَينِ، إنَّما المراد به في حديث سهل بن سعد بخُصوصِه، فقد أخرجه أبو داود (٢٢٥١) من طريق سفيان بن عُبَينة عن الزّهْريِّ عنه بهذا اللَّفظ، وقال بعده: لم يُتابع ابنَ عُيَينة على ذلك أحدٌ، ثمَّ أخرج (٢٢٥٧) من طريق ابن عُيَينة عن عَمْرو بن دينار عن سعيد بن جُبَير عن ابن عمر: فَرَّقَ رسول اللهِ لِّ بين أَخَوَي بَنِي العَجْلانِ(٣). (١) عند شرح الحديث (٥٣١٠). (٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، وإنما لفظ الرواية الثانية: لا عَنَ النبي ◌َّ بين رجل وامرأةٍ من الأنصار، وفرق بينهما. كذا في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري. (٣) حصل للحافظ في هذا انتقالُ نظر، لأن هذه الطريق المذكورة عند أبي داود ليس لفظها هذا الذي ذكره، وإنما هو لفظ الرواية التي تليها عنده برقم (٢٢٥٨)، وهي من طريق إسماعيل ابن عُليّة عن أيوب، على أن ابن عيينة قد رواه أيضاً بهذا اللفظ، لكن عند غير أبي داود، كما تقدم في الرواية (٥٣١٢). ٢٥٣ باب ٣٤ / ح ٥٣١٣ -٥٣١٤ كتاب الطلاق قال ابن عبد البَرّ: لعلَّ ابن عُيَينة دَخَلَ عليه حديثٌ في حديث، وذكر ابن أبي خَيْئمةَ أنَّ يحيى بن مَعِين سُئلَ عن الحديث فقال: إنَّه غَلَط. قال ابن عبد البَرّ: إن أراد من حديث سَهلِ فسَهلٌ، وإلّا فهو مردودٌ. قلت: تقدَّم أيضاً في حديث سَهل من طريق ابن جُرَيج (٥٣٠٩): فكانت سُنّةً في المتلاعِنَينِ لا يَجِتَمِعان أَبداً(١). ولكنَّ ظاهر سياقه أنَّه من كلام الزُّهْرِيِّ فيكون مُرسَلاً، وقد بيَّنْتُ مَن وَصَلَه وأرسَلَه في ((باب اللِّعان ومَن طَلَّقَ)) (٥٣٠٨)، وعلى تقدير ذلك فقد ثَبَتَ هذا اللَّفظ من هذا الوجه فتَمسَّكَ به مَن قال: إنَّ الفُرقة بين المتلاعِنَينِ لا تقع بنفسِ اللِّعان حتَّى يُوقِعَها الحاكمُ، ورواية ابن جُرَيج المذكورة تُؤْيِّد أنَّ الفُرقة تقع بنفسِ اللِّعان، وعلى تقدير إرسالها فقد جاء عن ابن عمر بلفظه عند الدّارَ قُطنيٍّ (٣٧٠٦). ويَتَأيَّد بذلك قولُ مَن حَلَ التَّفريق في حديث الباب على أنَّه بيان حُكم لا إيقاعُ فُرقةٍ، واحتَجُّوا أيضاً بقوله في الرّواية الأُخرى (٥٣١٢): ((لا سبيلَ لكَ عليها)). وتُعقّبَ بأنَّ ذلك وَقَعَ جواباً لسؤال الرجل عن ماله الذي أخَذَته منه، وأُجيب بأنَّ العِبرة بعُمومِ اللَّفظ وهو نَكِرةٌ في سياق النَّفي فيَشمَل المالَ والبَدَنَ، ويقتضي نَفْيَ تسليطه عليها بوجه من الوجوه. ووَقَعَ في آخر حديث ابن عبَّاس عند أبي داود (٢٢٥٦): وقَضَى أن ليس عليه قُوتٌ(٢) ولا سُكنَّى من أجل أنَّهما يَفتَرِقان بغير طلاق ولا مُتَوَقَّ عنها. وهو ظاهر في أنَّ الفُرقة وقَعَت بينهما بنفسِ اللِّعان، ويُستَفاد منه أنَّ قوله في حديث سَهل (٥٣٠٩): فطَلَّقَها ثلاثاً قبل أن يأمرَه رسول الله وَّهَ بِفِراقها، أنَّ الرجل إنَّمَا طَلَّقَها قبل أن يَعلم أنَّ الفُرقة تقع بنفسِ اللِّعان، فبادَرَ إلى تطليقها لشِدّة نُفْرَته منها. واستُدِلَّ بقولِه: ((لا يَجْتَمِعان أبداً» على أنَّ فُرقة اللِّعان على النَّأبيد، وأنَّ الملاعِنَ لو أُكذَبَ (١) هذا اللفظ قريب من لفظ رواية عياض بن عبد الله الفِهْري عن ابن شهاب، وهي عند أبي داود (٢٢٥٠) وغيره، وأما لفظ رواية ابن جريج: فكانت السنة بعدها أن يفرَّق بين المتلاعنين. (٢) تحرَّف في (س) إلى: نفقة. ٦ ٢٥٤ باب ٣٤ / ح ٥٣١٣ -٥٣١٤ فتح الباري بشرح البخاري نفسَه، لم يَحِلَّ له أن يَتزوَّجها بعدُ، وقال بعضهم: يجوز له أن يَتزوَّجها، وإنَّما يقع باللِّعَان طَلقةٌ واحدةٌ بائنة، هذا قول حمّاد وأبي حنيفة ومحمَّد بن الحسن، وصَحَّ عن سعيد بن المسيّب، قالوا: ويكون المُلاعِن إذا أكَذَبَ نفسَه خاطِباً من الخُطّاب. وعن الشَّعبيِّ والضَّحّاك: إذا أكَذَبَ نفسَه رُدَّت إليه امرأتُه. قال ابن عبد البرّ: هذا عندي قول ثالث. قلت: ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((رُدَّت إليه)) أي: بعد العقد الجديد فيُوافق الذي قبله. قال ابن السَّمعانيّ: لم أقِفْ على دليلِ لتأبيدِ الفُرقة من حيثُ النَّظرُ، وإنَّما المتَّبَع في ذلك النَّصُّ. وقال ابن عبد البرّ: أبدَى بعض أصحابنا له فائدة: وهو أن لا يَجتَمِع مَلعون معَ غير مَلعون، لأنَّ أحدهما مَلعون في الجملة، بخلاف ما إذا تزوَّجَت المرأة غير الملاِن فإنَّه لا يَتَحقَّق. وتُعقِّبَ بأنَّه لو كان كذلك لامتَنَعَ عليهما معاً التَّزويج، لأنَّه يَتَحقَّقِ أنَّ أحدَهما مَلعون، ويُمكِن أن يُجاب بأنَّ في هذه الصُّورة افتِراقاً(١) في الجملة. قال السَّمعانيّ: وقد أورَدَ بعض الحنفيّة أنَّ قوله: ((المتلاعِنان)) يقتضي أنَّ فُرقة التَّبيد يُشتَرَط لها أن يقع التَّلاعُن من الزَّوجَين، والشافعيَّة يَكتَفُونَ في التَّأبيد بلِعان الَّوج فقط كما تقدَّمَ، وأجابَ بأنَّه لمَّا كان لِعانه بسبب لِعانِها وصَريحُ لفظ اللَّعن يُوجَد في جانبه دُونها سُمّيَ الموجود منه مُلاعَنة، ولأنَّ لِعانه سببٌ في إثبات الزِّنى عليها فيَستَلِزِم انتفاءَ نَسَب الولديَّة فيَنتَفي الفِراشُ، فإذا انتَفَى الفِراش انقَطَعَ النِّكاح. فإن قيل: إذا ٤٦٠/٩ أكَذَبَ الملاعِن نفسَه يَلزَم ارتفاعُ المُلاعَنة حُكمَاً، وإذا ارتَفَعَت / صارتِ المرأة مَحَلَّ استِمتاع، قلنا: اللِّعان عندكم شهادة، والشّاهد إذا رَجَعَ بعد الحُكم لم يَرتَفِعِ الحُكم، وأمَّا عندنا فهو يمينٌ، واليمينُ إذا صارت حُجّةً وتَعلَّقَ بها الحُكم لا تَرتَّفِع، فإذا أكَذَبَ نفسَه فقد زَعَمَ أنَّه لم يُوجَد منه ما يُسقِط الحدَّ عنه، فيجب عليه الحدُّ ولا يَرتَفِعِ مُوجِبُ اللِّعان. (١) تحرَّف في (س) إلى: افترقا. ٢٥٥ باب ٣٥ / ح ٥٣١٥ كتاب الطلاق ٣٥ - باب يَلحَقُ الوَلدُ بالمُلاعِنة(١) ٥٣١٥- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا مالكٌ، قال: حدَّثْني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ لا عَنَ بينَ رجلٍ وامرأتِهِ، فانتَفَى من وَلِدِها، ففَرَّقَ بينَهما وأَلحَقَ الولدَ بالمرأةِ. صَلَى الله وسام قوله: ((باب يَلْحَق الولد بالمُلاعِنِ)) أي: إذا انتَفَى الَّوجُ منه قبل الوضع أو بعده. قوله: ((أنَّالنبيَّ ◌ََّ لا عَنَ بين رجل وامرأتِهِ، فانتَفَى من وَلِدِها)) قال الطِّييُّ: الفاءُ سَبَبيَّة، أي: المُلاعَنة سببُ الانتفاء، فإن أراد أنَّ الملاعَنة سبب ثُبوت الانتفاء فجيِّد، وإن أراد أنَّ الملاعَنة سببُ وُجود الانتفاء فليس كذلك، فإنَّه إن لم يَتعرَّض لنَفْي الولد في الملاعَنة لم يَنْتَفِ، والحديث في ((الموطَّأ)) (٢/ ٥٦٧) بلفظ: ((وانتَفَى)) بالواو لا بالفاءِ. وذكر ابن عبد البَرّ أنَّ بعض الرُّواة عن مالكٍ ذكره بلفظ: وانتَقَلَ، يعني: بقافٍ، بَدَل الفاء ولامٍ آخِرُه (٢)، وكأنَّه تَصحيفٌ، وإن كان محفوظاً فمعناه قريب من الأوَّل، وقد تقدَّم الحديث في تفسير النّور (٤٧٤٨) من وجهٍ آخَر عن نافع بلفظ: أنَّ رجلاً رَمَى امرأته وانتَفَى من ولدها، فأمَرَ هما النبيُّ ◌َّه فَتَلاعَنا. فَوَضَحَ أنَّ الانتفاء سبب الملاعَنة لا العكس. واستُدِلَّ بهذا الحديث على مشروعيَّة اللِّعان لنَفي الولد، وعن أحمد: يَنتَفي الولد بمُجرَّد اللِّعان ولو لم يَتعرَّض الرجل لِذِكْره في اللِّعان. وفيه نظرٌّ، لأنَّه لو استَلحَقَه لَحِقَه، وإنَّما يُؤْثِّر العانُ الرجل دَفْعَ حَدِّ القَذف عنه وثُبُوت زِنى المرأة، ثمَّ يَرتَفِع عنها الحدُّ بالتِعانها. وقال الشافعيُّ: إن نَفَى الولدَ في الملاعَنة انتَفَى، وإن لم يَتعرَّض له فله أن يُعيد اللِّعان لانتفائه ولا إعادةَ على المرأة، وإن أمكنَه الرَّفعُ إلى الحاكم فأخَّرَ بغير عُذر حتَّى ولدَت لم يكن له أن يَنفيَه كما في الشُّفعة. (١) كذا ضُبطت في اليونينية هنا بكسر العين، وضُبطت فيها ((باب صداق الملاعنة)) بين يدي الحديث (٥٣١١) بفتح العين، وضُبطت في ((باب ميراث الملاعنة)) من كتاب الفرائض بين يدي الحديث (٦٧٤٨) بالوجهين كليهما، وكذلك ضبطها الحافظ هناك بالوجهين. (٢) كذا ضبطه الحافظ، وضبطه الخطّابي في ((غريب الحديث)) ٢/ ١٥٠: وانتفل، بالفاء بعد المثنّة، بدل القاف، فالله تعالى أعلم. ٢٥٦ باب ٣٥ / ح ٥٣١٥ فتح الباري بشرح البخاري واستُدِلَّ به على أنَّه لا يُشتَرَط في نَفْي الحَمْلَ تصريحُ الرجل بأنَّهَا ولدَت من زِنَّى، ولا أنَّه استَبرأها بحَيضةٍ، وعن المالكيَّة: يُشتَرَط ذلك. واحتَجَّ بعض مَن خالَفَهم بأنَّه نَفَى الْحَملَ عنه من غير أن يَتعرَّض لذلك بخلاف اللِّعان الناشئ عن قَذْفها، واحتَجَّ الشافعيُّ بأنَّ الحامل قد تَحيض، فلا معنى لاشتِراطِ الاستبراء، قال ابن العربيّ: ليس عن هذا جوابٌ مُقنع. قوله: ((فَرَّقَ بينهما وأَلحَقَ الولدَ بالمرأةِ» قال الدّارَ قُطنيُّ: تفرّد مالكٌ بهذه الزيادة، قال ابن عبد البَرّ: ذَكَروا أنَّ مالكاً تفرَّد بهذه اللَّفظة في حديث ابن عمر، وقد جاءت من أَوجُهٍ أُخرى في حديث سَهل بن سعد كما تقدَّم من رواية يونس عن الزُّهْريِّ عند أبي داود (٢٢٤٧) بلفظ: ثُمَّ خَرَجَت حاملاً فكان الولد يُدعَى(١) إلى أُمِّه (٢)، ومن رواية الأوزاعيِّ عن الزُّهْريِّ (٢٢٤٩): وكان الولد يُدعَى إلى أُمّه. ومعنى قوله: أَلحَقَ الولدَ بأُمِّه، أي: صَيَّرَه لها وحدَها ونَفاه عن الزَّوج، فلا تَوارُث بينهما، وأمَّا أُمُّه فَتَرِث منه ما فَرَضَ الله لها، كما وَقَعَ صريحاً في حديث سهل بن سعد كما تقدَّم في شرح حديثه (٥٣٠٩) في آخره: وكان ابنها يُدعَى لأُمِّه، ثمَّ جَرَت السُّنّة في ميراثها أنَّهَا تَرِثه ويَرِث منها ما فَرَضَ الله لها. وقيل: معنى إلحاقه بأُمُّه: أنَّه صَيَّرَها له أَباً وأُمَّا، فَتَرِث جميعَ مالِه إذا لم يكن له وارثٌ آخَر من ولدٍ ونحوه، وهو قول ابن مسعود وواثِلةَ وطائفةٍ، وروايةٌ عن أحمد، ورُويَ أيضاً عن ابن القاسم، وعنه: معناه أنَّ عَصَبة أُمِّه تصير عَصَبةً له، وهو قول عليٍّ وابنِ عمر، والمشهور عن أحمد، وقيل: تَرِثه أُمُّه وإخوته منها بالفَرضِ والرَّ(٣)، وهو قول أبي عبيد ومحمَّد ٤٦١/٩ ابن الحسن، وروايةٌ عن أحمد، قال: / فإن لم يَرِثه ذو فَرْضٍ بحالٍ فعَصَبَتُه عَصَبةُ أُمُّه. واستُلِلَّ به (١) لفظة ((يدعى)) سقطت من (أ) و(ب) و(س)، وأثبتناها من (ع)، وهي ثابتة في الرواية. (٢) فات الحافظ رحمه الله أنه أيضاً عند مسلم برقم (١٤٩٢) (٢). (٣) معناه أنه إذا لم تستغرق الفروضُ المالَ وفَضَلت منه فَضْلةٌ ولم يكن عَصَبة، فالفاضل مِن ذوي الفروض مردودٌ عليهم على قدر سهامهم، لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، انظر ((الكافي في فقه ابن حنبل» لابن قدامة ٣٠٤/٢. ٢٥٧ باب ٣٦ / ح ٥٣١٦ كتاب الطلاق على أنَّ الولد المنفيَّ باللِّعان لو كان بنتاً حَلَّ للمُلاعِنِ نِكاحُها، وهو وجهٌ شاذٌّ لبعضِ الشافعيّة، والأصحّ كقولِ الجمهور: أنَّها تَحُرُم لأنَّهَا رَبِيبَتُه في الجملة. ٣٦- باب قول الإمام: اللَّهمَّ بيِّن ٥٣١٦- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: أخبرني عبدُ الرَّحمنِ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّه قال: ذُكِرَ المُتلاعِنانِ عندَ رسولِ الله وَه فقال عاصمُ بنُ عَدِيٍّ في ذلك قولاً ثمَّ انصَرَفَ، فأَتَاهُ رجلٌ من قَومِه، فَذَكَر له أنَّه وَجَدَ معَ امرأتِه رجلاً، فقال عاصمٌ: ما ابتُلِيتُ بهذا الأمرِ إلّا لقَوْلِي، فَذَهَبَ به إلى رسولِ الله وَلِّ فَأَخْبَرَه بالذي وَجَدَ عليه امرأتَه، وكان ذلك الرجلُ مُصْفَرّاً قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبِطَ الشَّعْرة، وكان الذي وجَدَ عندَ أهلِهِ آدَمَ خَذْلاً كَثِيرَ اللَّحْمِ، جَعْداً قَطَطاً، فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((اللّهمَّ بَيِّنْ)) فَوَضَعَت شَبِيهاً بالرجلِ الذي ذَكَر زوجُها أنَّه وَجَدَ عندَها، فلا عَنَ رسولُ اللهِوَّهِ بينَهما. فقال رجلٌّ لابنِ عبَّاسٍ في المَجْلِسِ: هي التي قال رسولُ الله ◌َِ: ((لو رَجَمْتُ أحداً بغيرِ بَيِّنّةٍ لَرَجَمْتُ هذِه)؟ فقال ابنُ عبّاسٍ: لا، تلكَ امرأةٌ كانت تُظْهِرُ السُّوءَ في الإسلامِ. قوله: ((باب قول الإمام: اللهمَّ بَيِّن)) قال ابن العربيِّ: ليس معنى هذا الدُّعاءِ طلبَ ثُبُوت صِدْق أحدهما فقط، بل معناه: أن تَلِد ليظهرَ الشَّبَهُ، ولا تمتنع ولادتها (١) بموتِ الولد مثلاً فلا يظهر البيانُ، والحكمةُ فيه رَدْعُ مَن شاهد ذلك عن التَّلُس بمِثلِ ما وَقَعَ لمَا يَتَرتَّب على ذلك من القُبح ولو اندَرأَ الحدُّ. قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاريّ. قوله: ((أخبَرني عبد الرّحمن)) هو ابن القاسمِ، بَيَّنَتْ (٢) هذه الرّواية وكذا رواية اللَّيث السابقة قبل أربعة أبواب (٥٣١٠) أنَّ رواية ابن جُرَيج عن يحيى بن سعيد عن القاسم التي أخرجها الشافعيّ (١٣٥/٥) وغيره، وقَعَت فيها تَسویةٌ، ویحیی وإن كان سمعَ من القاسم، لكنَّهما سمعَ (١) تحرف في (ب) و(س) إلى: دلالتها. (٢) تصحف في (س) إلى: ثبتت. ٢٥٨ باب ٣٦ / ح ٥٣١٦ فتح الباري بشرح البخاري هذا الحديث إلّا من ولده عبد الرَّحمن عنه. قوله: ((فَوَضَعَت شَبيهاً بالرجلِ الذي ذكَر زوجُها أنَّه وجَدَ عندها، فلا عَنَ رسولُ اللهِ وَه بينهما)) ظاهره أنَّ المُلاعَنة تأخّرَت إلى وَضْع المرأة، لكن قد أوضحتُ أنَّ رواية ابن عبّاس هذه هي في القصّة التي في حديث سَهل بن سعد، وتقدَّم قبلُ من حديث سَهل (٥٣٠٩) أنَّ اللِّعان وَقَعَ بينهما قبل أن تَضَع، فعلى هذا تكون الفاء في قوله: ((فلاعَنَ)) مُعَقَّبة بقولِه: فأخبَرَه بالذي وَجَدَ عليه امرأته. وأمَّا قوله: وكان ذلك الرجل مُصفَرّاً ... إلى آخره، فهو كلام اعتُرِضَ بين الجملتَين، ويحتمل - على بُعدٍ - أن تكون المُلاعَنة وقَعَت مرَّةً بسَبب القَذف وأُخرى بسبب الانتفاء، والله أعلم. قوله: ((فقال رجل لابنِ عبَّاس)) هذا السائل: هو عبد الله بن شدَّاد بن الهاد، وهو ابن خالة ابن عبّاس، سَمّه أبو الزِّناد عن القاسم بن محمّد في هذا الحديث كما سيأتي في كتاب الحدود (٦٨٥٥). قوله: ((كانت تُظْهِر في الإسلام السُّوءَ)) (١) أي: كانت تُعلِن بالفاحشة، ولكن لم يَتْبُت عليها ذلك ببَيِّنةٍ ولا اعترافٍ. قال الدَّاوُوديّ: فيه جواز عَيْب مَن يَسلُك مَسالكَ السُّوء. وتُعقّبَ بأنَّ ابنَ عِبَّاس لم يُسمِّها، فإن أراد إظهارَ العَيب على الإبهام فمُحتَمَل، وقد مَضَى في النَّفسير (٤٧٤٧) في رواية عِكْرمة عن ابنِ عبَّاس: أنَّ النبيَّ ◌َّ قال: ((لولا ما مَضَى من كتاب الله لَكان لي ولها شأنٌ)) أي: ٤٦٢/٩ لولا ما سَبَقَ من حُكم الله - أي أنَّ اللِّعان يَدِفَع الحدَّ عن المرأة -/ لَأَقَمتُ عليها الحدَّ من أجل الشَّبَه الظاهر بالذي رُمیت به، ويُستَفاد منه أنَّ ◌َٹے کان یحکم بالاجتهادِ فیما لم يَنزِل عليه فيه وَحْيٌ خاصّ، فإذا أُنزِلَ الوحيُّ بالحُكمِ في تلكَ المسألة قَطَعَ النَّظَرِ وعَمِلَ بما نزلَ وأجرَى الأمرَ على الظّاهر ولو قامت قَرِينة تقتضي خلاف الظّاهر. (١) هذا لفظ رواية الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد المتقدمة برقم (٥٣١٠)، وستأتي برقم (٦٨٥٦)، وأما لفظ الرواية هنا: كانت تُظهر السوء في الإسلام، كذا في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري. ٢٥٩ باب ٣٦ / ح ٥٣١٦ كتاب الطلاق وفي أحاديث اللِّعان من الفوائد غير ما تقدَّم: أنَّ المُفْتي إذا سُئلَ عن واقعة ولم يَعلم حُكمَها ورَجا أن يَجِد فيها نَصّاً لا يُبادِر إلى الاجتهاد فيها. وفيه الرِّحلة في المسألة النازِلة، لأنَّ سعيد بن جُبَير رَحَلَ من العراق إلى مكّة من أجل مسألة المُلاعَنة. وفيه إتيان العالِمِ في مَنزِله ولو كان في قائلَته، إذا عَرَفَ الآتي أنَّه لا يَشُقّ عليه. وفيه تعظيم العالِمِ ومُخاطَبتُه بگنْتِه. وفيه التَّسبيح عند التَّعَجُّب، وإِشعارٌ بسَعَة عِلم سعيد بن جُبَير، لأنَّ ابن عمر عَجِبَ من خَفاء مِثل هذا الحُكم عليه، ويحتمل أن يكونَ تَعَجُّبه لعِلمِه بأنَّ الحُكم المذكور كان مشهوراً من قبلُ، فتَعَجَّبَ کیف خَفِيَ على بعض الناس. وفيه بيان أوَّليّات الأشياء والعِنايةُ بمَعرِفَتِها لقولِ ابنِ عمر: أوَّل مَن سألَ عن ذلك فلان (١)، وقول أنس: أوَّلُ لِعانٍ كان(٢). وفيه أنَّ البلاءَ مُوَكَّلٌ بالمَنْطِقِ، وأَنَّه إن لم يقع بالناطِقِ وَقَعَ بمَن له به صِلَةٌ، وأنَّ الحاكم يَردَعُ الخَصْم عن التَّمادي على الباطِل بالموعِظة والتَّذكير والتَّحذير ويُكرِّر ذلك ليكونَ أبلَغَ. وفيه ارتكاب أخَفِّ المفسَدتَينِ بتَركِ أثقَلِهما، لأنَّ مَفسَدة الصَّبر على خلاف ما تُوجِبه الغَيْرةُ معَ قُبحه وشِدَّته، أسهَلُ من الإقدام على القتل الذي يُؤَدّي إلى الاقتصاص من القاتل، وقد نَهَجَ له الشّارع سبيلاً إلى الرَّاحة منها، إمّا بالطَّلاق وإمّا باللِّعان. وفيه أنَّ الاستفهام بأَرأيتَ كان قديماً، وأنَّ خَبَرَ الواحد يُعمَل به إذا كان ثقة. وأَنَّه يُسَنّ للحاكم وَعْظُ المتلاعِنَينِ عند إرادة التَّلامُن، ويَتأكَّد عند الخامسة، ونَقَلَ ابنُ دَقيق العيد عن الفقهاء أنَّهم خَصُّوه بالمرأة عند إرادة تَلَفَّظها بالغَضب، واستَشكَلَه بما في (١) قول ابن عمر هذا وقع في سياق حديثه في اللعان، وقد أخرجه مسلم برقم (١٤٩٣) (٤). (٢) جزء من حديثه في اللعان، وقد أخرجه بهذا اللفظ النسائي برقم (٣٤٦٩)، وأخرجه مسلم برقم (١٤٩٦) بلفظ: وكان أوَّل رجل لاعَنَ .... ٢٦٠ باب ٣٦ / ح ٥٣١٦ فتح الباري بشرح البخاري حديث ابنِ عمر(١)، لكن قد صَرَّحَ جماعة من الشافعيَّة وغيرهم باستحباب وَعْظِهما معاً. وفيه ذِكْر الدَّليل معَ بيان الحُكم. وفيه كراهة المسائل التي يَتَرتَّب عليها هَتْك المسلم أو التَّوَصُّل إلى أذَته بأيِّ سبب كان، وفي كلام الشافعيِّ إشارةٌ إلى أنَّ كراهة ذلك كانت خاصّةٌ بزَمَنِهِ وَّ من أجل نزول الوحي، لئلا تقع المسألة عن شيءٍ مُباح فيقع التَّحريم بسبب المسألة، وقد ثَبَتَ في ((الصَّحيح)): «أعظَمُ المسلمينَ جُرْماً مَن سألَ عن شيءٍ لم يُحُرَّم، فحُرِّمَ من أجل مسألَتِه)(٢)، وقد استَمرَّ جماعة من السَّلَف على كَراهة السُّؤال عمَّا لم يقع، لكن عَمِلَ الأكثرُ على خلافه، فلا يُحِصَى ما فَرَّعَه الفقهاء من المسائل قبل وقوعها. وفيه أنَّ الصَّحابة كانوا يسألونَ عن الحُكم الذي لم يَنِزِل فيه وحِيٌّ. وفيه أنَّ للعالِمِ إذا كَرِهَ السُّؤال أن يَعِيبَه ويُهجِّنَه. وأنَّ مَن لَقِيَ شيئاً من المكروه بسبب غيرِهِ يُعاتِبه عليه. وأنَّ المحتاج إلى مَعرِفة الحُكم لا يَرُدُّه كراهةُ العالِمِ لمَا سألَ عنه ولا غَضَبُه عليه ولا جَفاؤه له، بل يُعاوِد مُلاطَفَته إلى أن يقضي حاجته. وأنَّ السُّؤال عمَّا يَلْزَم من أُمور الدِّين مشروع سِرّاً وجهراً، وأنْ لا ◌َيبَ في ذلك على السائل ولو كان ممّا يُستَقبَح. وفيه التَّحريض على التَّوبة، والعَمَلُ بالسَّتر، وانحِصارُ الحقّ في أحدِ الجانبينِ عند تَعذُّر الواسطة لقوله: ((إنَّ أحدَكُما كاذِب)). وأنَّ الحَصمَينِ المتكاذبَينِ لا يُعاقَب واحدٌ منهما وإن أحاطَ العلمُ بِكَذِب أحدِهما لا بعَينِهِ. وفيه أنَّ اللِّعان إذا وَقَعَ سَقَطَ حَدُّ القَذْف عن المُلاعِن للمرأة ولِلَّذِي رُمَيَت به، لأنَّه صُرِّحَ في بعض طُرقه بتَسمية المقذوف، ومع ذلك لم يُنقَل أنَّ القاذِف حُدَّ. قال الدّاووديّ: لم يَقُل به مالكٌ لأنَّه لم يَبلُغه الحديثُ ولو بَلَغَه لَقالَ به. (١) يعني في رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير عنه عند مسلم (١٤٩٣) (٤) وغيره. وكذلك جاء الوعظ لكلا المتلاعنين في حديث ابن عباس من رواية كليب بن شهاب عنه عند ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢٥٣٤/٨ و٢٥٣٧، وابن المنذر في ((الأوسط)» (٧٧٥٥). (٢) سيأتي برقم (٧٢٨٩)، وأخرجه مسلم برقم (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقاص ﴾.